النص المفهرس

صفحات 381-400

الجزء الرابع
٣٧٧
باب الوتر والنوافل
في صلاة رغائبَ وبراءةَ وقدرِ،
أو اثنان، ثمَّ جاءَتْ جماعةٌ اقتدوا به قال "الرحمتيُّ": ((ينبغي أنْ تكون الكراهةُ على المتأخِرِين)) اهـ.
قلت: وهذا كلُّهُ لو كان الكلُّ متنقّلِينَ، [٢/ق٨٠/أ] أمَّا لو اقْتَدَى متفّلون بمفترضٍ
فلا كراهةَ کما نذكرُهُ في الباب الآتي(١).
[٥٩٣٢] (قولُهُ: في صلاةِ رغائبَ) في "حاشية الأشباه"(٢) لـ "الحمويِّ": ((هي التي في رجبٍ
في أوَّلِ ليلةٍ جمعةٍ منه، قال "ابن الحاجِّ" في "المدخل"(٣): وقد حَدَثَّتْ بعد أربعمائةٍ وثمانين من
الهجرة، وقد صنَّفَ العلماءُ كتباً في إنكارِها وذمِّها وتسفيهِ فاعلِها، ولا يُغتَرَّ بكثرة الفاعلين لها في
كثيرٍ من الأمصار)) اهـ. وقدَّمنا بعضَ الكلام عليها عند قوله: ((وإِحياءُ ليلةِ العيدين))(٤).
[٥٩٣٣] (قولُ: وبراءةَ) هي ليلةُ النصف من شعبـ
[٥٩٣٤] (قولُهُ: وقَدْرِ) الظاهرُ أنَّ (٥) المراد بها ليلةُ السابع والعشرين من رمضانَ؛ لِما قدَّمناه(٦)
عن "الزيلعيِّ": ((من أنَّ الأخبار تظاهرَتْ عليها)).
(قولُ "الشارح": في صلاةِ رغائب) هي اثنتا عشرةً ركعةً بأدعيةٍ وقراءةٍ مخصوصةٍ، وذكَرَها
"السنديُّ" عن "الغزاليّ".
(قولُ "الشارح": وبراءة) هي أربعَ عشرةَ ركعةً بكيفيَّةٍ خاصَّةٍ ذكَرَها "السنديُّ".
(قولُ "الشارح": وقَدْرٍ) قال "الفتّال": (( لم نَرَ في صلاة ليلة القدر عدداً معيَّناً في الكتب إلاَّ ما قال
"أبو الليث": أقلُّها ركعتان، وأوسطها مائةٌ، وأكثرها ألفٌ )) اهـ "سندي".
(١) المقولة [٥٩٥٧] قوله: ((ثم اقتدى متنفلاً)).
(٢) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني - كتاب الصلاة ٤٧/٢، ٣٧٩/٤.
(٣) "المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها
وقبحها": فصل في ذكر صلاة الرغائب ٢٤٨/٤-٢٤٩. وهو لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الحاج
العبدريّ الفاسيّ المالكيّ (ت ٧٣٧هـ) ("كشف الظنون" ١٦٤٣/٢، "الدرر الكامنة"٢٣٧/٤،" شجرة النور
الزكية " صـ ٢١٨ -، "الأعلام" ٣٥/٧).
(٤) المقولة [٥٧٥٦] قوله: ((ويكون بكل عبادة تعمّ الليل أو أكثره)).
(٥) ((أن)) ساقطة من "آ".
(٦) المقولة [٥٩١٥] قوله: ((والختم مرة سنة)).

قسم العبادات
٣٧٨
حاشية ابن عابدين
إلاّ إذا قال: نَذَرتُ كذا ركعةً بهذا الإِمامِ جماعةً(١)) اهـ.
قلتُ: وتتمَّةُ عبارة "البزَّازِيَّة" من الإمامة: ((ولا ينبغي أنْ يتكلَّفَ كلَّ هذا التكلُّفِ
الأمرٍ مكروهٍ))،
[٥٩٣٥] (قولُهُ: إلَّ إذا قال إلخ) لأَنَّه لا خروجَ عنها حينئذٍ إلاَّ بالجماعة، وظاهرُ كلام
"الشارح" أنَّ النذر من المقتدين دون الإِمام، وإلاَّ كان اقتداءَ الناذر بالناذر، وهو لا يجوزُ، ثُمَّ إِنَّ
بناء القويِّ على الضعيف إنما يَمنَعُ إذا كانت القوَّةُ ذاتَيَّةً، فلو عَرَضَتْ بالنذر كما هنا فلا، ومن هنا
قال في "شرح المنية"(٢): ((النذرُ كالنفل))، "ط)"(٣) عن "أبي السُّعود"(٤).
[٥٩٣٦] (قُولُهُ: قلتُ إلخ) لم يَنْقُلْ عبارةَ "البزَّازِيَّة" بتمامها، ونصُّها (٥): ((ولا ينبغي أنْ
يتكلّفَ لالتزامِ ما لم يكن في الصدرِ الأوَّلِ كلَّ هذا التكلُّفِ لإقامةِ أمرٍ مكروهٍ، وهو أداءُ النفل
بالجماعة على سبيل التداعي، فلو تَرَكَ أمثالَ هذه الصلوات تارِكٌ لْيُعلِّمَ الناسَ أنَّه ليس من الشعار
فحسنٌ)) اهـ. وظاهرُهُ أَنَّه بالنذر لم يَخرُجْ عن كونه أداءَ النفل بالجماعة.
(قولُهُ: لم يَنْقُلْ عبارةَ "البزازيَّة" بتمامها إلخ) وصدرُها: ((عن هذا كُرِهَ الاقتداءُ في صلاة الرغائبِ
وصلاة البراءةِ وليلة القدر ولو بعد النَّذر، إلاّ إذا قال: نذرتُ كذا ركعةً بهذا الإمامِ بالجماعة لعدم
إمكان الخروج عن العهدة إلاَّ بالجماعة. ولا ينبغي إلخ )).
(قولُهُ: وظاهرُهُ أَنَّ بالنذر لم يَخرُجْ إلخ) يؤيِّدُهُ قول "البحر": (( وما يفعلُهُ أهلُ الرُّوم مِن نذرها
لتَخرُجَ عن النفل والكراهة باطلٌ، وقولُ "مسكينٍ" عند قوله: ولا يصلَّى تطوُّعٌ بجماعةٍ إلخ يفيدُ بإطلاقه
أنَّ الكراهة لا تنتفي بالنَّذر )) اهـ "سندي".
(١) في "د" و"و": ((بالجماعة)).
(٢) لم نعثر عليها.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٧/١ بتصرف.
(٤) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٦٩/١.
(٥) "البزازية": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ٥٤/٤ بتصرف يسير.

٣٧٩
باب الوتر والنوافل
الجزء الرابع
وفي "التتار خانيَّة": ((لو لم ينوِ الإِمامةَ لا كراهةَ على الإمام))، فليحفظ (وفيه) أي:
رمضانَ (يصلَّى الوترُ وقيامُهُ بها) وهل الأفضلُ في الوتر الجماعةُ أم المنزلُ؟
تصحيحان، لكنْ نقَلَ شارحُ "الوهبائَيَّة"(١) ما يقتضي أنَّ المذهب الثاني، وأقرَّهُ
"المصنّف" وغيره.
[٥٩٣٧] (قولُهُ: وفي "التتار خانيَّة"(٢) إلخ) عبارتُها نقلاً عن "المحيط"(٢): ((وذكَرَ القاضي
الإمامُ "أبو عليٍّ النسفيُّ" فيمَن صلَّى العشاءَ والتراويحَ والوترَ في منزله، ثمَّ أَمَّ قوماً آخرين
في التراويحِ ونَوَى الإِمامةَ: كره له ذلك، ولا يكرهُ للمأمومين، ولو لم يَنْوِ الإمامةَ وشرَعَ
في الصلاة(٤)، فاقتدی الناسُ به لم یکره لواحدٍ منهما)) اهـ.
٤٧٦/١
قال "ط"(٥): ((وهل إذا اقتَدَى حنفيٌّ نَوَى سنَّة الجمعة البعديَّةَ [٢/ق ٨٠ /ب] بشافعي
يُصلِّي الظهرَ بعدها يكرهُ نظراً لاعتقاد الحنفي؛ لأنّها نفلٌ عنده على المعتمد، أوْ لا يكره نظراً
لاعتقاد الإمام؟ حَرِّرْهُ)) اهـ.
ويظهرُ لي الأوَّلُ؛ لأنَّ الأرجح أنَّ العبرة لاعتقادِ المقتدي، وهذه الصلاةُ في اعتقادِهِ
مكروهةٌ.
[٥٩٣٨] (قولُهُ: تصحيحانٍ) رجَّحَ "الكمالُ"(٦) الجماعةَ: ((بأنّهِ﴿ كان أوتَرَ بهم ثمَّ بَيَّنَ
العذرَ في تأخُّرِهِ مثلَما صنَعَ في التراويح(٧)، فالوترُ كالتراويح، فكما أنَّ الجماعة فيها سنَّةٌ فكذلك
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصلاة ٤٠/١ ب.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر في صلاة التراويح ٦٥٦/١.
(٣) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - التراويح ١/ق ٧٢/ب.
(٤) الذي في "المحيط": ((وشرع في الركوع)) والصواب ما في الحاشية، ولعلَّ ما في نسخة "المحيط" التي بين أيدينا
خطأ من الناسخ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٧/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في قيام رمضان ٤٠٩/١.
(٧) أخرجه مالك في "الموطأ" ١١٣/١ كتاب الصلاة في رمضان - باب الترغيب في الصلاة في رمضان، والبخاريّ
(٩٢٤) كتاب الجمعة - باب مَنْ قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد، و(١١٢٩) كتاب التهجد - باب تحريض النّبِيّ
# على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، و(٢٠١٢) كتاب صلاة التراويح - باب فضل من قام رمضان، =

قسم العبادات
٣٨٠
حاشية ابن عابدين
﴿بابُ إدراك الفريضة﴾
(شرَعَ فيها أداءً).
الوترُ))، "بحر"(١). وفي "شرح المنية"(٢): ((والصحيحُ أنَّ الجماعة فيها أفضلُ، إلاَّ أنَّ سنَّتَها ليست
كسنَّةِ جماعةِ التراويح)) اهـ.
قال "الخير الرمليُّ": ((وهذا الذي عليه عامَّةُ الناس اليوم)) اهـ. وقوَّاه "المحشِّي)"(٣) أيضاً:
((بأنَّه مقتضى ما مرَّ(٤) من أنَّ كلَّ ما شُرِعَ بجماعةٍ فالمسجدُ أفضلُ فيه)).
﴿بابُ إدراك الفريضة﴾
حقيقةُ هذا البابِ مسائلُ شَّى تتعلَّقُ بالفرائضَ في الأداءِ الكامل، وكلُّهُ مسائلُ "الجامع"(٥)،
"بحر"(٦) و"فتح"(٧) و"معراج".
أقولُ: وهو في الحقيقة تتميمٌ لبابِ الإمامة، ولذا ذكَرَهُ صاحبُ "الهداية" في كتابه "مختارات
النوازل"(٨) عَقِبَهُ، وترجَمَهُ بفصلِ إدراكِ الجماعة وفضيلتِها.
= ومسلم (٧٦١) (١٧٧) (١٧٨) كتاب صلاة المسافرين - باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، وأبو داود (١٣٧٣)
کتاب الصلاة - باب في قيام شهر رمضان، والنسائيّ ٢٠٢/٣ كتاب قيام الليل - باب قيام شهر رمضان، و١٥٥/٤
كتاب الصيام - باب ثواب من قام رمضان وصامه إيماناً واحتساباً، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٢٠٧) كتاب الصيام -
باب الدليل على أن الِّيّ ◌َ ﴿ إِنَّما ترك قيام ليالي رمضان كله خشية أن يفترض قيام الليل على أمته فيعجزوا عنه، والبغويّ
في "شرح السنة" (٩٨٩)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٩٢/٢ - ٤٩٣ كتاب الصلاة - باب قيام شهر رمضان،
وابن حبان في "صحيحه" (١٤١) کتاب الإيمان - باب التکلیف، و(٢٥٤٢) و(٢٥٤٣) و(٢٥٤٤) و(٢٥٤٥) کتاب
الصلاة - فصل في التراويح. كلَّهم من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي الباب عن أبي هريرة تظلاته.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٥/٢ بتصرف يسير.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الوتر من النوافل صـ٤٢٠-٤٢١ - بتصرف.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٨٨/أ.
(٤ ) ص ٣٦٤ - "در".
(٥) أي: "الجامع الصغير" للإمام محمد، كما في "النهر الفائق" ق ٧١/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٥/٢.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٠/١.
(٨) "مختارات النوازل": ١/ق٢٣/أ.

الجزء الرابع
٣٨١
باب إدراك الفريضة
خرَجَ النافلةُ والمنذورةُ والقضاءُ، فإِنَّه لا يقطعُها (منفردً ثمَّ أُقِيمَت).
[٥٩٣٩] (قولُهُ: خرَجَ النافلةُ إلخ) أي: خرَجَ بالفريضة النافلةُ والنذرُ، وكذا بالأداء؛
لأنَّ الأداء - كما سيذكرُهُ(١) في الباب الآتي - فعلُ الواجب في وقته، فالنفلُ والنذرُ لا وقت
لهما، والقضاءُ فعلُهُ خارجَ وقته، قال "ح"(٢): ((فقولُهُ فيما سيأتي: والشارعُ في نقلٍ
لا يقطعُ مطلقاً)) تصريحٌ بالمفهوم.
[٥٩٤٠] (قولُهُ: والقضاءُ) يعني: إذا شرَعَ في صلاةٍ قضاءً، ثمَّ شرَعَ الإِمامُ في الأداء فإِنَّه
لا يقطعُ، وإنما حملناه على هذا لأَنَّه إذا شرَعَ في قضاءٍ فرضٍ فأقيمت الجماعةُ في ذلك الفرض بعينه
يقطعُ كما ذكَرَهُ في "البحر" بحثً، وجزَمَ به في "إمداد الفتّاحِ"(٣). اهـ "ح" (٤).
أقولُ: وجزَمَ به "المقدسيُّ" أيضاً، وأمَّا ما نقَلَهُ عن "البحر" فلم أره فيه، والذي رأيْتُهُ
فيه(٥) معزيًّاً لـ "الخلاصة"(٦): ((لو شرَعَ في قضاء الفوائت ثمَّ أقيمت لا يقطعُ كالنفل،
والمنذورةُ كالفائتة)) اهـ.
( تنبيةٌ)
[٢/ق ٨١/أ] لو خافَ فوت جماعةِ الحاضرة قبل قضاء الفائتة فإنْ كان صاحبَ ترتيبٍ
﴿باب إدراك الفريضة﴾
(قولُهُ: ثمَّ أُقيمَتْ لا يقطعُ) أي: المؤدَّاة، ورأيتُ مكتوباً على هامش "البحر" على عبارة "الخلاصة":
((هذا إذا كان يصلِّي قضاءً والإِمامُ يؤدِّي في الوقت، أمَّا إذا كان الإِمامُ قاضياً تلك الصلاةَ فالحكمُ كما
ذکرہُ في المتن)) اهـ.
(١) صـ ٤٢٣ - "در" وما بعدها.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٦/أ.
(٣) "إمداد الفتاح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٢٤٦/أ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٦/أ بتصرف يسير.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٦/٢-٧٧.
(٦) "خلاصة الفتاوى" كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق٣٩/ب، وليس فيها: ((والمنذورة
کالفائتة)) والله أعلم.

قسم العبادات
٣٨٢
حاشية ابن عابدين
أي: شُرِعَ في الفريضة في مصلاه، ....
قَضَى، وإنْ لم يكن فهل يقضي ليكون الأداءُ على حسبِ ما وجَبَ وليخرجَ من خلافِ "مالكٍ"،
فإنَّ الترتيب لا يسقُطُ عنده بالأعذار المذكورة عندنا، أم يقتدي لإحرازِ فضيلة الجماعة مع جواز
تأخير القضاء وإمكان تلافيه؟ قال "الخير الرمليُّ": ((لم أره))، ثُمَّ نقَلَ عن الشافعيَّة اختلافَ
الترجيح فيه، واستظهَرَ الثاني.
قلت: ووجهُهُ ظاهرٌ؛ لأنَّ الجماعة واجبةٌ عندنا أو في حكمِ الواجب، ولذا يتركُ لأجلها سنّةً
الفجر التي قيل عندنا بوجوبها، ومراعاةُ خلافِ الإِمام "مالكٍ" مستحبٌَّ، فلا ينبغي تفويتُ
الواجب لأجل المستحبِّ.
[٥٩٤١] (قولُهُ: أي: شُرِعَ في الفريضة) بالبناءِ للمجهول، و((في الفريضةِ)) نائبُ الفاعل،
أي: شرَعَ فيها الإِمامُ، وقدَّمنا (١) في باب الإمامة أنَّ الاقتداء بالفاسق والأعمى ونحوِهما أولى من
الانفراد، وكذا بالمخالِفِ الذي يُراعي في الشروط والأركان، وعليه فيقطعُ ويقتدي به؛ لأنَّ العلّة
تحصيلُ فضيلة الجماعة، فحيث حصَلَتْ بلا كراهةٍ - بأنْ لم يوجد مَن هو أَولى منهم - كان القطعُ
والاقتداءُ أَولى، وقدَّمنا(٢) اختلافَ المتأخّرين فيما لو تعدَّدَت الجماعاتُ وسبَقَتْ جماعةُ الشافعيَّةِ،
فبعضُهم على أنَّ الصلاة مع أوَّلِ جماعةٍ أفضلُ، وبعضُهم على أنَّ انتظارَ الاقتداء بالموافق أفضلُ بناءً
على كراهةٍ الاقتداء بالمخالف لعدم مراعاته في الواجبات والسنن وإنْ راعى في الفروض،
واستظهرنا هناك عدمَ كراهة الاقتداء به ما لم يَعلَمْ منه مفسداً كما مالَ إليه "الخيرُ الرمليُّ"، وأَنَّه
لو انتظَرَ إمامَ مذهبه بعيداً عن الصفوف لم يكن إعراضاً عن الجماعة؛ للعلم بأنَّه يريدُ جماعةً أكملَ
من هذه الجماعة، فعلى هذا لو شرَعَ في سنَّةِ الظهر يُتِمُّها أربعاً حَتَّى على قول "الكمال" الآتي(٣).
بَقِيَ لو كان مقتدياً بِمَن يُكرَهُ الاقتداءُ به، ثمَّ شرَعَ مَن لا كراهةَ فيه هل يقطعُ ويقتدي
(١) المقولة [٤٧٣٥] قوله: ((ويكره تنزيهاً إلخ)).
(٢) المقولة [٤٧٦٦] قوله: ((إن تيقن المراعاة لم يكره إلخ)).
(٣) المقولة [٥٩٦١] قوله: ((خلافا لما رجحه الكمال)).

الجزء الرابع
٣٨٣
باب إدراك الفريضة
لا إقامةُ المؤذِّن، ولا الشروعُ في مكانٍ وهو في غيره.
[٢/ق ٨١/ب] به؟ استظهَرَ "ط" (١): ((أنَّ الأوَّلَ لو فاسقاً لا يقطعُ، ولو مُخالِفاً وشكَّ في
مراعاته يقطعُ)).
أقولُ: والأظهرُ العكسُ؛ لأنَّ الثانيَ كراهتُهُ تنزيهيّةٌ كالأعمى والأعرابيِّ بخلاف الفاسق، فإنَّه
استظهَرَ في "شرح المنية"(٢): ((أَنَّها تحريميَّةٌ لقولهم: إنَّ في تقديمه للإمامة تعظيمَهُ، وقد وجَبَ علينا
إهانَتُهُ، بل عند "مالكٍ" وروايةٍ عن "أحمدَ" لا تصحُّ الصلاة خلفه)).
[٤٢ ٥٩] (قولُهُ: لا إقامةُ المؤذِّنِ إلخ) مرفوعٌ عطفاً على معنى قوله: ((شرَعَ في الفريضة في
مصلاّه))، فكأَنَّه قال: المرادُ بالإقامة الشروعُ في الفريضة في مصلاَّه لا إقامةُ المؤذِّنِ إلخ، "ح"(٣).
أي: فلا يقطعُ إذا أقامَ المؤذِّنُ وإِنْ لم يُقَيِّد الركعةَ بالسجدة، بل يُتِمُّها ركعتين كما في "غاية البيان"
وغيره، وكذا لو أقيمت في المسجد وهو في البيت أو في مسجدٍ آخرَ لا يقطعُ مطلقاً، "بحر "(٤).
أي: سواءٌ قَّدَ الركعةَ بسجدةٍ أوْ لا وإنْ كان فيه إحرازُ ثوابِ الجماعة؛ لأَنَّه لا يوجدُ مخالفةُ
الجماعة عياناً، "معراج". أي: بخلاف ما إذا كانا في مسجدٍ واحدٍ فإنَّ في عدم قطعها مخالفةً
الجماعة عياناً، وفيه إشارةٌ إلى دفعٍ ما أورَدَهُ "ط " (٥): ((من أنَّهم صرَّحوا بطلبِ الجماعة في مسجدٍ
٤٧٧/١ آخرَ إنْ فاتَتْهُ فيما هو فيه، وأنَّ الجماعة واجبةٌ ولم تُقَّدْ بمسجده، وأنَّ القطع للإكمال إكمالٌ،
(قولُهُ: والأظهرُ العكسُ؛ لأنَّ الثاني إلخ) لكنَّ المفهوم من قولهم: ((شرَعَ فيها أداءً منفرداً)) أنّه
لو شرَعَ مقتدياً لا يقطعُ، وظاهرُهُ عدمُ القطع في الصُّورتين المذكورتين، والمتعيِّنُ العملُ بإطلاق المفهوم
المذكور إلاَّ إذا وُجِدَ ما يُخصِّصُه صراحةً.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٩٨/١ بتصرف.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥١٣ ..
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق٩٦/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٦/٢ بتصرف يسير، نقلاً عن الزيلعيّ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٩٨/١.

قسم العبادات
٣٨٤
حاشية ابن عابدين
(يقطعُها) لعذرِ إحرازِ الجماعة، كما لو نَدَّتْ دابَّتُهُ، أو فارَ قِدْرُها،.
فلا يظهرُ الفرقُ))، وبيانُ الدفع: أنَّ الجماعة وإنْ كانت مطلوبةً واجبةً لكنْ عارَضَ وجوبَها
حرمةُ القطع، فسقَطَ الوجوبُ وترجَّحَ القطعُ للإكمال إذا كان في عدم القطع مخالفةُ الجماعة
عِياناً؛ لأنَّ هذه المخالفةَ منهيَّةٌ أيضاً، فصار القطعُ أَولى لذلك، أمَّا إذا لم توجد المخالفةُ
المذكورة يبقى الوجوبُ ساقطاً بحرمة القطع لترجُّحِ الحاظر على المبيح وعدمٍ ما يُرجِّحُ جانبَ
المبيح، هذا ما ظهَرَ لي، فتدَبَّرِه.
(٤٣ ٥٩] (قولُهُ: يقطعُها) قال في "المنح"(١): ((جاز نقضُ الصلاة منفرداً لإحرازِ الجماعة)) اهـ.
وظاهرُ التعليل الاستحبابُ، وليس المرادُ بالجواز مستوي الطرفين، وقد يقال: إنَّ إحراز
الجماعة واجبٌ على أعدلِ الأقوال، فيقتضي [٢/ق٨٢/أ] وجوبَ القطع، وقد يقال: إنَّه عارَضَهُ
الشروعُ في العمل، "ط" (٢).
[٥٩٤٤] (قولُهُ: كما لو نَدَّتْ إلخ) أي: هرَبَتْ، وأشارَ بذكر هذه المسائلِ هنا - وإنْ
تقدَّمَتْ(٣) في مكروهاتِ الصلاة قبيل قوله: ((وكُرِهَ استقبالُ القبلة)) - إلى ما قالوا من أَنَّه إذا جازَ
القطعُ فيها لحطامِ الدنيا ثمَّ للإعادة من غير زيادةِ إحسانٍ فجوازُهُ لتحصيله على وجهٍ أكملَ أولى؛
لأنَّ صلاة الجماعة تفضُلُ صلاةَ الفذّ بخمسٍ - وفي روايةٍ: بسبعٍ - وعشرين درجةً(٤).
(قولُّهُ: هذا ما ظهَرَ لي فتدَبَّره) في "البناية": (( لو صلَّى ركعةً في البيت ثمَّ أقيمت لا يقطعُ وإنْ كان
فيه إحرازُ ثوابِ الجماعة؛ لأَنَّه لا يوجدُ مخالفةُ الجماعة عِياناً، فلا يقطعُ )) انتهى. اهـ "سندي"، وهذا
يؤيِّدُ ما ذكره "المحشِّي".
(١) "المنح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق٥٧/ب.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٩٨/١ بتصرف.
(٣) صـ ١٨٩ - "در".
(٤) أخرجه مالك ١٢٦/١ كتاب صلاة الجماعة - باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ، والبخاري (٦٤٥) كتاب
الأذان - فضل صلاة الجماعة من حديث ابن عمر، وأما رواية: ((بخمس وعشرين)) فقد أخرجه البخاري (٦٤٦)
باب فضل صلاة الجماعة، من حديث أبي سعيد الخدري رضي مرفوعاً.

الجزء الرابع
٣٨٥
باب إدراك الفريضة
أو خافَ ضياعَ درهمٍ من مالِهِ، أو كان في النفل فجيءَ بجنازةٍ وخاف فوتَها قطَعَهُ
الإمكان قضائِهِ، ويجبُ القطعُ لنحوِ إنجاءِ غريقٍ أو حريقٍ، ولو دعاه أحدُ أبويه في
الفرض لا يجيبُهُ إلاَّ أنْ يستغيثَ به، وفي النفل إنْ عَلِمَ أَنَّه في الصلاة فدعاه.
[٥٩٤٥] (قولُهُ: أو خافَ ضياعَ درهمٍ من مالِهِ) قال في "الظهيريَّة"(١): ((لم يُفضِّلْ في
"الكتاب" بين المالِ القليل والكثير، وعامَّةُ المشايخ قدَّروه بدرهمٍ، قال شمس الأئمّة
"السرخسيُّ) (٢): هذا حسنٌ لولا ما ذُكِرَ في كتاب الحوالة والكفالة: أنَّ للطالب حبسَ غريمه
بالدائِقِ فما فوقه، فإذا جازَ حبسُ المسلم بالدائق فجوازُ قطع الصلاة مع تمكُّنِهِ من قضائها أَولى،
والصحیحُ أنّه لا فصلَ بين مالِهِ ومالٍ غيره)) اهـ.
[٥٩٤٦] (قولُهُ: لإمكانِ قضائِهِ) هذا التعليلُ يفيدُ جواز قطع الفرض للجنازة، "ح"(٣) عن
"الإِمداد"(٤).
قلت: عارَضَهُ أنَّ الفرض أقوى منها بخلاف النفل، "ط"(٥).
[٥٩٤٧] (قولُهُ: ويَجِبُ) أي: يُفترَضُ.
[٥٩٤٨] (قولُهُ: لا يجِيبُهُ) ظاهرُهُ الحرمةُ سواءٌ عَلِمَ أَنَّه في الصلاة أوْ لا، "ط)" (٦).
[٥٩٤٩] (قولُهُ: إلاَّ أنْ يستغيثَ به) أي: يطلبَ منه الغَوْثَ والإعانة، وظاهرُهُ: ولو في أمرٍ
غيرِمُهلِكٍ، واستغاثةُ غيرِ الأبوين كذلك، "ط"(٧).
(قولُهُ: وظاهرُهُ ولو في أمرٍ غيرِ مُهلكٍ) لكنَّ المتبادر المهلكُ أو ما يشقُّ؛ إذ هي غالباً لا تكونُ إلاّ في المهلك
أو الشَّاقِّ، ولذا كان استغاثةُ غير الأبوين كذلك، وإلاَّ كيف يقال: يقطعُ في غيرهما ولو في أمرٍ غيرِ مهلكٍ.
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الفصل الثالث: في صلاة الخوف والصلاة على الدّابّة والصلاة في السفينة والكسوف
والاستسقاء ق ٤٠ /ب باختصار.
(٢) لم نعثر عليها في "المبسوط" ولعلها في غيره من كتبه والله أعلم.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق/٩٦/أ.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٢٤٧/أ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٩٨/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٩٨/١.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب إدارك الفريضة ٢٩٨/١.

قسم العبادات
٣٨٦
حاشية ابن عابدين
لا يجيبُهُ، وإلاَّ أجابَهُ (قائماً) لأنَّ القعود مشروطٌ للتحلُّل، وهذا قطعٌ لا تحلَّلٌّ، ويكتفي
(بتسلیمةٍ واحدةٍ)
والحاصلُ: أنَّ المصلِّيَ متى سَمِعَ أحدً يَستغيثُ وإنْ لم يَقصِده بالنداء، أو كان أجنبيّاً وإنْ لم
يَعَلَمْ ما حلَّ به، أو عَلِمَ وكان له قدرةٌ على إغاثته وتخليصه وجَبَ عليه إغاثُهُ وقطعُ الصلاة فرضاً
كانت أو غیرَه.
[٥٩٥٠] (قولُهُ: لا يجيبُهُ) عبارةُ "التجنيس" عن "الطحاويِّ": ((لا بأس أنْ لا يجيبَهُ))، قال
"ح"(١): ((وهي تقتضي أنَّ الإجابة أفضلُ، تأمَّل)) اهـ.
قلت: ومقتضاه أنَّ إجابته خارجَ الصلاة واجبةٌ أيضاً بالأَولى، والظاهرُ أنَّ محلّهُ إذا تأذَّى منه
بتركِ الإِجابة لكونه عقوقاً، تأمَّل.
هذا، وذكَرَ "الرحمتيُّ" ما معناه: ((أَنَّه لَمَّا كان برُّ الوالدين واجباً، وكان مَظِّةً
[٢/ق٨٢/ب] أنْ يُتُوهَّمَ أَنَّه إذا ناداه أحدُهما يكون عليه بأسٌ في عدم إجابته دفع ذلك بقوله:
لا بأسَ ترجيحاً لأمر الله تعالى بعدم قطع العبادة؛ لأنَّ نداءه له مع علمه بأنّه في الصلاة معصيةٌ،
ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق(٢)، فلا تجوزُ إجابتُهُ، بخلاف ما إذا لم يَعَلَمْ أَنَّه في الصلاة فإنّه يحِيبُهُ
(قولُهُ: واجبةٌ أيضاً) كما في الصلاة بدون علمٍ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٦/أ.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٣٨١/١٨، وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٢٢٦/٥ كتاب
الخلافة - باب لا طاعة في معصية، من حديث عمران بن الحصين ظّته. وأورده السيوطيّ في "الجامع الصغير"
٧٤٩/٢ وقال: أخرجه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاريّ، وقال: حديث صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٧٣٦/٧ كتاب الجهاد - باب في إمام السرية يأمرهم بالمعصية، من قال:
لاطاعة له، وأحمد ٩٤،٨٢/١، ١٣١،١٢٤، والبخاريّ (٤٣٤٠) كتاب المغازي - باب سرية عبد الله بن حُذافة
السّهْميّ، و(٧١٤٥) كتاب الأحكام - باب السمع والطاعة للحكام ما لم تكن معصية، و(٧٢٥٧) كتاب أخبار
الآحاد - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ومسلم (١٨٤٠) (٣٩) (٤٠) كتاب الإمارة - باب وجوب
طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، وأبو داود (٢٦٢٥) كتاب الجهاد - باب في الطاعة، والنّسائيّ
١٠٩/٧ كتاب البيعة - باب جزاء من أمر بمعصيةٍ فأطاع، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٧٩)، والحاكم في "المستدرك"
١٢٣/٣ كتاب معرفة الصحابة - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولم يوافقه الذهبيّ، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" =

الجزء الرابع
٣٨٧
باب إدراك الفريضة
هو الأصحُّ، "غاية" (ويقتدي بالإمامِ)
لِما عُلِمَ في قصَّةِ "جريجِ" الراهب ودعاءٍ أمِّه عليه، وما نالَهُ من العناءِ لعدم إجابته(١) لها، فليس
كلمةُ لا بأس هنا لخلافِ الأَولى؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُطَّردٍ فيها، بل قد تأتي بمعنى يجبُ، والظاهرُ
أنَّ هذا منه)).
مطلبٌ: قطعُ الصلاة يكونُ حراماً ومباحاً ومستحبّاً وواجباً
(تتمَّةٌ)
نُقِلَ عن خطّ صاحب "البحر" على هامشه: ((أنَّ القطع يكونُ حراماً ومباحاً ومستحبّاً
وواجباً، فالحرامُ لغيرِ عذرٍ، والمباحُ إذا خافَ فوتَ مالٍ، والمستحبُّ القطعُ للإكمال، والواجبُ
لإِحياء نفس)).
[٥٩٥١] (قولُهُ: هو الأصحُّ) وقيل: يقعدُ ويُسلِّمُ، لكنْ ذكَرَ "ط)"(٢): ((أَنَّ الظاهر أَنَّه
لا خلاف هنا، وإنما ذكروا الخلافَ فيما إذا قام إلى الثالثة ولم يُقَيِّدْها بسجدةٍ)) اهـ.
وحينئذٍ فالأَولى إرجاعُ التصحيح إلى قوله: ((بتسليمةٍ واحدةٍ))، لكنْ لم يُصرِّح بذلك في
"غاية البيان"، وإنما قال: ((لكنْ يُسلِّمُ تسليمةً واحدةً))، وبه صُرِّحَ في شروح "الجامع الصغير"،
وإنْ شاء كَّرَ قائماً، قال "فخرُ الإِسلام": ((وهذا أصحُّ، فإذا كَبَّرَ قائماً ينوي الشروعَ في صلاة
الإمام تنقطعُ الأُولى في ضمن شروعه في صلاة الإمام، ثمَّ هو مخيّرٌ في رفع اليدين، كذا قالَهُ الإِمامُ
"حميد الدين الضريرُ" في "شرحه"(٣))) اهـ.
= ١٥٦/٨ كتاب قتال أهل البغي - باب السمع والطاعة للإمام ومن ينوب عنه ما لم يأمر بمعصية، وابن حبان في
"صحيحه" (٤٥٦٧) (٤٥٦٨) (٤٥٦٩) كتاب السير - باب طاعة الأئمة من حديث طويل عن عليَّظ ◌ُه عن
النّبِيّ ◌َ ﴿ قال: لا طاعة في معصية الله، وبألفاظ من نحوه، وفي الباب عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، وأبي هريرة، وأنس بن
مالك، وعبد الله بن مسعود، وأبي ذَرّ الغِفاريّ، والنّوّاس بن سَمْعان ظُه. وللحديث شواهد كثيرة في الصحاح.
(١) تقدم تخريجه ص١٩١ -.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٩٨/١.
(٣) حميد الدين هو الإمام علي بن محمد بن علي، نجم العلماء الرامشيّ البخاريّ الضرير (ت٦٦٦هـ) وله: "شرح الجامع الكبير"
للإمام محمد، و"شرح الهداية" للمرغيناني، و"شرح النافع" لأبي القاسم السمرقندي، و"شرح المنظومة النسفية"، ولم يتبين لنا
المراد من شرحه عند الإطلاق. انظر "الجواهر المضية"٥٩٨/٢، و"الفوائد البهية"ص ١٢٥-، و"هدية العارفين"٧١١/١.

قسم العبادات
٣٨٨
حاشية ابن عابدين
وهذا (إنْ لم يُقيِّدِ الركعةَ الأُولى بسجدةٍ أو قَيَّدَها) بها (في غيرِ رباعيَّةٍ أو فيها و)
لكنْ (ضَمَّ إليها) ركعةً (أخرى) وجوباً، ثمَّ يأَتَمُّ إحرازً للنفل والجماعة (وإنْ صلَّى
ثلاثاً منها) أي: الرباعيَّةِ.
(٥٩٥٢] (قولُهُ: وهذا إنْ لم يُقِّد إلخ) حاصلُ هذه المسألة: شرَعَ في فرضٍ فَأُقِيمَ قبل أنْ
يسجد للأوَّلِ قطَعَ واقتدى، فإنْ سحَدَ لها فإِنْ في رباعيٍّ أَتَمَّ شفعاً واقتدى ما لم يسجد للثالثة،
فإنْ سحَدَ أَتَمَّ واقتدى متنقّلاً إلاَّ في العصر، وإنْ في غيرِ رباعيّ قطَعَ واقتدى ما لم يسجد للثانية،
فإنْ سحَدَ لها أَتَمَّ ولم يَقْتَدِ. اهـ "ح"(١).
[٥٩٥٣] (قولُهُ: أو قَيَّدَها) عطفٌ على ((لم يُقِّد))، أي: وإِنْ قَّدَها بسجدةٍ في غيرِ
[٢ /ق٨٣ /١] رباعيَّةٍ كالفجر والمغرب فإنَّه يقطعُ ويقتدي أيضاً ما لم يُقِّد الثانيةَ بسجدةٍ، فإِنْ
قَيَّدَها أَتَّمَّ، ولا يقتدي لكراهة التنفُّلِ بعد الفجر وبالثلاث في المغرب، وفي جعلها أربعاً مخالفةٌ
الإِمامه، فإن اقْتَدَى أَتَمَّها أربعاً؛ لأَنَّه أحوطُ لكراهةِ التنفُّل بالثلاث تحريماً، ومخالفةُ الإمام مشروعةٌ
في الجملة كالمسبوق فيما يقضي والمقتدي بمسافر، وتمامُهُ في "البحر"(٢).
مطلبٌ: صلاةُ ركعةٍ واحدةٍ باطلةٌ لا صحيحةٌ مكروهةٌ
[٥٩٥٤] (قولُهُ: أو فيها إلخ) أي: أو قَّدَ الركعة الأولى بسجدةٍ في الرباعيَّة، فإنَّه أيضاً يقتدي،
ولكنْ بعد أنْ يَضُمَّ إليها ركعةً صيانةً للركعة المؤدَّة عن البطلان كما صرَّحوا به، قال في
٤٧٨/١ "البحر"(٣): ((وهو صريحٌ في أنَّ صلاة ركعةٍ فقط باطلةٌ لا أنَّها صحيحةٌ مكروهةٌ كما توهَّمَهُ
بعضُ حنفيَّة العصر)) اهـ
وفي "النهر"(٤): ((أنَّ بطلان هذا التوهُّمٍ غنيٌّ عن البيان)).
[٥٩٥٥] (قولُهُ: وإنْ صَلَّى ثلاثاً منها) أي: بأنْ قَّدَ الثالثةَ بسجدةٍ، قال في "البحر "(٥):
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٦/أ - ب.
(٢) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٧/٢.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٦/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧١/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٧/٢.

الجزء الرابع
٣٨٩
باب إدراك الفريضة
(أَتَمَّ) منفردً (ثُمَّ اقتدى) بالإمام (متنفلاً.
((قَيَّدَ بالثلاث لأَنَّه لو كان في الثالثة ولم يُقَيِّدْها بسحدةٍ فإنَّه يقطعُها؛ لأَنّه بمحلِّ الرفض، ويتخيَّرُ
إنْ شاء عاد وقعَدَ وسلَّمَ، وإنْ شاء كبّرَ قائماً ينوي الدخول في صلاة الإِمام، كذا في "الهداية"(١)،
وفي "المحيط": الأصحُّ أَنَّ يقطعُ قائماً بتسليمةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ القعود مشروطٌ للتحلُّل، وهذا قطعٌ
وليس بتحلُّلٍ، فإنَّ التحلُّلَ عن الظُّهر لا يكونُ على رأس الركعتين، ويكفيه تسليمةٌ واحدةٌ للقطع
انتهى. وهكذا صحَّحَهُ في "غاية البيان" معزيًّاً إلى "فخر الإسلام")) اهـ.
[٥٩٥٦] (قولُهُ: أَثَمَّ) أي: وجوباً، فلو قطَعَ واقتدى كان آئماً، "رملي". وفي "القُهُستانيِ) (٢).
((وفيه إشارةٌ إلى أَنَّه لا يشتغلُ بحيلةٍ مثلٍ أنْ لا يقعد على الرابعة ويُصَِّها ستّاً كما في "المحيط"(٣)،
ومثلٍ أنْ يُصلّيَ الرابعة قاعداً لتقلبَ نفلاً؛ لأنَّ الإِتمام فرضٌ كما في "المنية"(٤)) اهـ.
[٥٩٥٧] (قولُهُ: ثُمَّ اقَدَى متنقّلاً) أي: إنْ شاء، وهو أفضلُ، "إمداد"(٥). وأُورِدَ أنَّ التنفُّل
بجماعةٍ مكروهٌ خارجَ رمضان، وأجيب بنَعَمْ إذا كان الإِمامُ والقومُ متطوِّعين، أمَّا إذا أدَّى الإِمامُ
الفرض والقومُ النفل فلا؛ لقوله عليه الصلاة [٢/ق٨٣/ب] والسلام للرجلين: ((إذا صلَّتُما
في رحالكما ثمّ أتيتُما صلاةَ قومٍ فصلّا معهم، واجعلا صلاتَكما معهم سُبحةً))(٦)، أي: نافلةً،
(١) "الهداية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧١/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٣٧/١.
(٣) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - إدراك الفريضة ١/ق ٧١/ب.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٤٣ -.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب في إدراك الفريضة ق٢٤٧/أ.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١٧٦/٢ كتاب صلاة التطوع والإمامة - باب يصلي في بيته ثم يدرك الجماعة،
والطيالسيّ (١٢٤٧)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٣٩٣٤)، وأحمد ١٦٠/٤-١٦١، وأبو داود (٥٧٥) و(٥٧٦)
كتاب الصلاة - باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، والترمذيّ (٢١٩) كتاب الصلاة - باب
ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة وقال: حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح، والنّسائيّ
١١٢/٢ - ١١٣، كتاب الإمامة - باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، والدّارميّ ٣٣٧/١ كتاب الصلاة
- باب إعادة الصلوات في الجماعة بعدما صلى في بيته، وابن خزيمة (١٢٧٩) كتاب الصلاة - باب ذكر الدليل
على أن نهي الِّيّ ◌َ ﴿ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب نهيّ خاصٌّ لا عامٌّ، -

قسم العبادات
٣٩٠
حاشية ابن عابدين
ويُدرِكُ) بذلك (فضيلةَ الجماعة) "حاوي" (إلّ في العصر) فلا يقتدي لكراهة النفل بعده.
(والشارعُ في نفلٍ لا يقطعُ مطلقاً) ويُتِمُّه ركعتين (وكذا سنَّةُ الظهر و) سنةً
(الجمعة إذا أُقِيمَت أو خطَبَ الإِمامُ) يُتِمُّها أربعاً (على) القول (الراجح) لأنَّها
صلاةٌ واحدةٌ، وليس القطعُ للإكمال بل للإبطال.
كذا في "الكافي"(١)، "بحر "(٢).
[٥٩٥٨] (قولُهُ: وَيُدرِكُ بذلك فضيلةَ الجماعة) الظاهرُ أنَّ المراد أَنَّه يُحصِّلُ بذلك الاقتداء
فضيلةَ الجماعة التي هي المضاعفةُ بخمسٍ أو سبعٍ وعشرين درجةً، كما لو كان صلَّى الفريضة
مقتدياً؛ لأنَّ هذه جماعةٌ مشروعةٌ أيضاً: إمَّا لاستدراكِ ما فات، أو لئلاً يصيرَ مُخالِفاً للجماعة،
ولكنَّ الظاهر أنَّ هذه المضاعفةَ مضاعفةُ ثوابِ النفل لا الفرض، فليراجع.
[٥٩٥٩] (قولُهُ: "حاوي") أي: "حاوي القدسيِّ"(٣) كما في "البحر"(٤)، لا "حاوي
الحصيريِّ"(٥)، ولا "حاوي الزاهديِّ".
[٥٩٦٠] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ قَّدَ الأُولى بسجدةٍ أو لا.
= والدارقطنيّ في "سننه" ٤١٣/١ - ٤١٤ كتاب الصلاة - باب من كان يصلي الصبح وحده ثم أدرك الجماعة فليصل
معها، والحاكم ٢٤٤/١ - ٢٤٥ كتاب الصلاة - ووافقه الذهبيّ، والطبرانيّ في "الكبير" ٢٢/ ٢٣٢-٢٣٥ (٦٠٨)
و(٦٠٩) و(٦١٠) و(٦١١) و(٦١٢) و(٦١٣) و(٦١٤) و(٦١٥) و(٦١٦) و(٦١٧)، والطّحَاوِيّ في "شرح
معاني الآثار" ٣٦٣/١ كتاب الصلاة - باب الرجل يصلي في رَحْله ثم يأتي المسجد والناس يصلون، والبيهقيّ في
"السنن الكبرى" ٣٠١/٢ كتاب الصلاة - باب ما يكون منهما نافلةً، وابن حبان في "صحيحه" (١٥٦٤)
و(١٥٦٥) كتاب الصلاة - فصل في الأوقات المنهي عنها. كلُّهم من حديث يزيد بن الأسود العامريّتظلُته، وفي
الباب عن مِحْجَن الدِّيْلِيّ، ويزيد بن عامر، وعبد الله بن مسعود، وأبي ذَرّ الغِفاريّ :﴿ُه.
(١) "كافي النّسفيّ": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤١/أ - ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٧/٢.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب الجماعة والإمامة - فصل: إذا كبر المؤتم ق ٤٤/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٧/٢.
(٥) "الحاوي" لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن أنوش الحَصِيْريّ البخاري (ت ٥٠٠هـ). ("كشف الظنون" ٦٢٤/١،
"الجواهر المضية" ٨/٣).

الجزء الرابع
٣٩١
باب إدراك الفريضة
خلافاً لِما رجَّحَهُ "الكمال"
[٥٩٦١] (قولُهُ: خلافاً لِما رجَّحَهُ "الكمال")(١) حيث قال: ((وقيل(٢): يقطعُ على رأس
الركعتين، وهو الراجحُ؛ لأَنَّه يتمكَّنُ من قضائها بعد الفرض، ولا إبطالَ في التسليم على الركعتين،
فلا يفوتُ فرضُ الاستماعِ والأداءِ على الوجه الأكمل بلا سببٍ)) اهـ.
أقولُ: وظاهرُ "الهداية"(٣) اختيارُهُ، وعليه مَشَى في "الملتقى "(٤) و"نور الإيضاح"(٥)
و "المواهب" وجمعة "الدرر"(٦) و"الفيض"، وعزاه في "الشرنبلاليّة"(٧) إلى "البرهان"، وذكَرَ في
"الفتح"(٨): ((أَنَّه حُكِيَ عن "السعديِّ" أَنَّه رجَعَ إليه لَمَّا رآه في "النوادر" عن "أبي حنيفة"،
وأنّه مالَ إليه "السرخسيُّ" (٩) و"البقاليُّ))، وفي "البرَّازِيَّةَ"(١٠): ((أَنَّه رجَعَ إليه القاضي
"النسفيُّ"))، وظاهرُ كلام "المقدسيِّ" الميلُ إليه، ونقَلَ في "الحلبة"(١١) كلامَ شيخه "الكمالِ"
ثُمَّ قال: ((وهو كما قال)).
هذا، وما رجَّحَهُ "المصنّف" صرَّحَ بتصحيحِهِ "الولوالجميُّ))(١٢) وصاحبُ "المبتغى" و"المحيط"
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١١/١.
(٢) لم يستعمل الكمال صيغة التضعيف ((قيل)) في هذا القول، وإنما استعملها في القول الثاني حيث قال:
((وقيل يتمها)).
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٠/١.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٢٤/١.
(٥) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة صـ٢١٩ -.
(٦) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٤١/١.
(٧) "الشرنبلاليّة": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٢١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١١/١.
(٩) في "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ١٧٤/١.
(١٠) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره وما لا يكره ٥٧/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(١١) "الحلبة": فرائض الصلاة - الوقت ٢/ق ٣٠/ب.
(١٢) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الثاني عشر في السفر وسجدة التلاوة ق ٢٠/ب.

قسم العبادات
٣٩٢
حاشية ابن عابدين
1
ثُمَّ "الشمنيُّ"، وفي جمعة "الشرنبلالَيَّة"(١): ((وعليه الفتوى))، قال في "البحر"(٢): ((والظاهرُ ما
صحَّحَهُ المشايخُ؛ لأَنّه لا شكَّ أنَّ في التسليم على الركعتين إبطالَ وصفِ السنَّةِ لا لإكمالها،
وتقدَّمَ أَنَّه لا يجوزُ، ويشهدُ لهم إثباتُ أحكام الصلاة الواحدة للأربع من عدم الاستفتاح والتعوُّذِ
في الشفع الثاني إلى غيرِ ذلك كما قدَّمناه)) اهـ. وأقرَّهُ في "النهر "(٣).
أقولُ: لكنْ تقدَّمَ(٤) في باب النوافل أنّه يقضي ركعتين لو نوى أربعاً وأفسَدَهُ، وأَنَّه ظاهرٌ
الرواية عن أصحابنا، وعليه المتون، وأنَّه صحَّحَ في "الخلاصة(٥) [٢/ق ٨٤/أ] رجوعَ "أبي يوسف"
إليه، وصرَّحَ في "البحر"(٦): ((أَنَّه يشملُ السنَّةَ المؤكَّدة كسنَّةِ الظهر، حتَّى لو قطَعَها قَضَى ركعتين
في ظاهر الرواية ، وأنَّ من المشايخ مَن اختار قول "أبي يوسف" في السنن المؤكَّدة، واختارَهُ
"ابن الفضل"، وصحَّحَهُ في "النصاب"))، وقدَّمنا (٧) هناك أنَّ ظاهر "الهداية" وغيرِها ترجيحُ ظاهر
الرواية، فحيث كانت المتونُ على ظاهر الرواية من أنَّه لا يلزمُهُ بالشروع في السنن إلاَّ ركعتان لم
تكن في حكم صلاةٍ واحدةٍ مِن كلِّ وجهٍ، ولم يكن في التسليم على الركعتين إبطالٌ لها، وإبطالُ
وصف السنَّةِ لِما هو أقوى منه مع إمكانٍ تداركها بالقضاء بعد الفرض لا محذورَ فيه، فتدَبَّر.
ثُمَّ اعلم أنَّ هذا كلَّه حيث لم يَقُمْ إلى الثالثة، أمّا إِنْ قام إليها وقَّدها بسجدةٍ ففي روايةٍ
"النوادر": ((يضيفُ إليها رابعةً، ويُسلِّمُ وإنْ لم يُقَيِّدْها بسجدةٍ))، قال في "الخانَةُ"(٨): ((لم يُذكَرْ
(١) "الشرنبلاليّة": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٤١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٦/٢.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧١/ب.
(٤) المقولة [٥٧٨٥] قوله: ((وقضى ركعتين)) وما بعدها.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني عشر في النذور وفيما يلزمه بالشروع ق٤٧/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٦٣/٢ باختصار.
(٧) المقولة [٥٧٨٧] قوله: ((على اختيار الحلبيّ وغيره)).
(٨) "الخانية": كتاب الصلاة - باب الأذان ٧٥/١ بتصرف دون التصريح بأنه الأشبه (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء الرابع
٣٩٣
باب إدراك الفريضة
(وكُرِهَ) تحريماً للنهي (خروجُ مَن لم يُصَلِّ من مسجدٍ أُذْنَ فيه) حَرْيٌّ على الغالب،
في "النوادر"، واختلَفَ المشايخُ فيه، قيل: يُتِمُّها أربعاً ويُخفّفُ القراءة، وقيل: يعودُ إلى القعدة
ويُسلِّمُ، وهذا أشبهُ)) اهـ.
قال في "شرح المنية"(١): ((والأوجهُ أنْ يُتِمَّها؛ لأنّها إنْ كانت صلاةً واحدةً فظاهرٌ، وإنْ
كانت كغيرها من النوافل كلُّ شفعٍ صلاةٌ فالقيامُ إلى الثالثة كالتحريمة المبتدأة، وإذا كان أوَّلَ ما
تَحَرَّمَ يُتِمُّ شفعاً فكذا هنا)) اهـ.
مطلبٌ في كراهة الخروج من المسجد بعدَ الأذان
[٥٩٦٢] (قولُهُ: وكُرِهَ تحريماً للنهي) وهو ما في "ابن ماجه(٢): ((مَن أدرَكَ الأذانَ في المسجد،
ثمَّ خرَجَ لم يخرج لحاجةٍ وهو لا يريدُ الرجوع فهو منافقٌ))، وأخرَجَ "الجماعة"(٣) إلاَّ "البخاريّ
عن "أبي الشعثاءِ"(٤) قال: ((كنّا مع "أبي هريرة" في المسجد، فخرَجَ رجلٌ حين أَذِّنَ المؤذِّثُ للعصر،
قال "أبو هريرة": أمَّا هذا فقد عَصَى "أبا القاسم"))، والموقوفُ في مثله كالمرفوع، "بحر "(٥).
[٥٩٦٣] (قولُهُ: مِن مسجدٍ أُذِّنَ فيه) أطلَقَهُ فشَمِلَ ما إذا أُذِّنَ وهو فيه، أو دخَلَ بعد الأذان
(قولُ "الشارح": حَرْيٌّ على الغالبِ) وهو وقوعُ الأذان عقب دخول الوقت بلا مهلةٍ، لكن هذا بالنظر
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الشرط الخامس: الوقت صـ ٢٤٣ -.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٧٣٤) كتاب الأذان - باب إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج، وقال البوصيري في "مصباح
الزجاجة" ١٥٦/١-١٥٧: هذا إسناد فيه ابن أبي فَرْوَة، واسمُهُ إسحاقُ بن عبد الله بن أبي فَرْوة، ضعيفٌ،
وكذلك عبد الجبار بن عمر. اهـ
(٣) أخرجه أحمد ٥٠٦/٢ و٥٣٧، ومسلم (٦٥٥)(٢٥٨) (٢٥٩) كتاب المساجد - باب النهي عن الخروج من المسجد
إذا أذن المؤذن، وأبو داود (٥٣٦) كتاب الصلاة - باب الخروج من المسجد بعد الأذان، والترمذيّ (٢٠٤) كتاب
الصلاة - باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح،
والنسائيّ ٢٩/٢ كتاب الأذان - باب التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان، وابن ماجه (٧٣٣) كتاب الأذان -
باب إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج.
(٤) أبو الشَّعثاء سُلَيْم بن أسود المحاربيّ الكوفيّ (ت٨٢هـ). ("سير أعلام النبلاء" ١٧٩/٤، "تهذيب التهذيب" ١٦٥/٤).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٨/٢.

قسم العبادات
٣٩٤
حاشية ابن عابدين
والمرادُ دخولُ الوقت أُذِّنَ فيه أوْ لا (إلاَّ لِمَن ينتظمُ به أمرُ جماعةٍ أخرى).
٤٧٩/١
-
كما في "البحر"(١) و"النهر"(٢).
[٥٩٦٤] (قولُهُ: والمرادُ) بحثٌ لصاحب "البحر"(٣) حيث قال: ((والظاهرُ أنَّ مرادهم من
الأذان فيه هو دخولُ الوقت وهو داخلَهُ، سواءٌ أُذِّنَ فيه أو في غيره، كما أنَّ الظاهر من الخروج مِن
غير صلاةٍ عدمُ الصلاة مع الجماعة، سواءٌ خَرَجَ أو مكَثَ [٢/ق٨٤/ب] بلا صلاةٍ كما نشاهدُهُ
في بعض الفسقة، حتَّى لو كانت الجماعةُ يؤخّرون لدخولِ الوقت المستحبِّ كالصبح مثلاً، فخرَجَ
ثُمَّ رجع وصلَّى معهم ينبغي أنْ لا يُكرَّهَ، ولم أره كلَّهُ منقولاً)) اهـ. وحزَمَ بذلك كلِّهِ في
"النهر "(٤) لدلالةِ كلامهم عليه.
[٥٩٦٥] (قولُهُ: إلَّ لِمَن ينتظمُ به أمرُ جماعةٍ أخرى) بأنْ كان إماماً أو مؤذّناً تفرَّقُ الناس
بغييته؛ لأَنَّه تركٌ صورةً تكميلٌ معنىٍّ، والعبرةُ للمعنى، "بحر "(٥). وظاهرُ الإطلاق أنَّ له الخروجَ ولو
عند الشروع في الإقامة، وبه صرَّحَ في متن "الدرر"(٦) و"القُهُستانيِّ)(٧) و"شرح الوقاية"(٨).
للواقع المعتاد الآن لا للاستحباب، فإنَّ الأذان كالصلاة في استحباب التأخير والتعجيل، هذا ما ظهَرَ،
لكنْ حَمَلَ "البحرُ" كلامَهم على ما قال: ((لا يناسبُ إلاَّ الزَّمنُ المتأخّرُ المعتاد فيه تقديمُ الأذان عقب
دخول الوقت بلا مهلةٍ، ولا يناسبُ الزَّمن المتقدِّم المراعَى فيه الوقتُ المستحبُّ للصلاة، فكيف يُحمَلُ
ما وقع للمتقدِّمين من عباراتهم على المعتاد للمتأخّرين؟! خصوصاً وعباراتُهم موافقةٌ لألفاظِ
الأحاديث)). والأظهرُ أنْ يراد من عبارة "الشارح" بقوله: ((جَرْيٌ على الغالبِ)) أنَّ الغالب هو الأذانُ
في المساجد بعد دخول الوقت، فيُرادُ به دخولُهُ لا حقيقةُ الأذان.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٨/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٨/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٨/٢ بتصرف يسير.
(٦) "الدرر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٢١/١.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في إدراك الفريضة ١٣٧/١.
(٨) "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٩/١ (هامش "كشف الحقائق").

الجزء الرابع
٣٩٥
باب إدراك الفريضة
أو كان الخروجُ لمسجدِ حيِّه ولم يصلُّوا فيه، أو لأستاذِهِ لدرسِهِ أو لسماعِ الوعظ،
[٥٩٦٦] (قولُهُ: أو كان الخروجُ لمسجدٍ حيِّهِ إلخ) أي: وإنْ لم يكن إماماً ولا مؤذّناً كما في
"النهاية"، قال في "البحر"(١): ((ولا يخفى ما فيه؛ إذ خروجُهُ مكروهٌ تحريماً، والصلاةُ في مسجدٍ
حيِّهِ مندوبةٌ، فلا يرتكبُ المكروه لأجل المندوب، ولا دليلَ يدلُّ عليه)) اهـ.
قلت: لكنَّ تتمَّة عبارة "النهاية" هكذا: ((لأنَّ الواجب عليه أنْ يُصلِّيَ في مسجد حيِّه، ولو
صلَّى في هذا المسجدِ فلا بأس أيضاً؛ لأَنَّه صار من أهله، والأفضلُ أنْ لا يخرج؛ لأنَّه يُتْهَمُ)) اهـ.
ومثلُهُ في "المعراج"، فتأمَّل.
وقَّدَ بقوله: ((ولم يصلُّوا فيه)) تبعاً لِما في شروح "الهداية"(٢) لأنّه لو صلَّوا في مسجد حيِّه
لا يخرُجُ؛ لأَنَّه صار من أهل هذا المسجدِ بالدخول، "نهاية".
[٥٩٦٧] (قولُهُ: أو لأستاذِهِ إلخ) معطوفٌ على ((حيِّهِ))، أي: أو لمسجدِ أستاذه، قال في
"المعراج": ((ثُمَّ للمتفقِّهِ جماعةُ مسجد (٣) أستاذه لأجل درسه، أو لسماع الأخبار، أو لسماع
(قولُهُ: لكنَّ تتمَّة عبارة "النهاية" هكذا: لأنَّ الواجب إلخ) فجعَلَهُ واجباً لا مندوباً، لكنَّ تعبيره بقوله:
((الأفضل)) وبقوله: ((لا بأس)) يُنافي الوجوبَ، فتأمَّل وراجع، كذا قاله "السنديُّ" بالمعنى. ويظهرُ أنَّ
الوجوب بمعناه اللُّغويِّ، وهو مطلقُ الثَّبوت، فلا تنافيَ في عبارة "النهاية"، وإشكالُ "البحر" على حاله، وأيضاً
قد تقدَّمَ له في الإمامة حكايةُ قولين في الأفضل هل مسجدُ حيِّهِ أو المسجدُ الجامع؟ أي: الذي جماعتُهُ أكثر،
ولم يتقدَّم حكايةُ قولِ بالوجوب، ويُدفَعُ إشكالُ "البحر" بأنَّ محلّ كراهة الخروج إذا لم يكن خروجُهُ لمسجدٍ
حيِّهِ، فإنْ كان له فلا كراهة بل خلافُ الأفضل، ويكفي في الاستدلال عليه استثناءُ ما إذا كان خروجُهُ
لحاجةٍ في حديث "ابن ماجه"، فإنَّ حاجةَ إحياء مسجد حيِّهِ متحقّقَةٌ. وذكَرَ في "العناية" نحوَ ما في "النهاية"،
لكنْ عَبَّرَ في "الكفاية" عمَّا في "النهاية" بـ ((قيل)) المقتضية للضعف حيث قال: ((وقيل: إنْ خرَجَ ليصلّيَ في
مسجد حيِّه ولم يصلُّوا فيه لا بأس؛ لأنَّ الواجب عليه أنْ يصلّيَ في مسجدٍ حيِّهِ، ولو صلَّى في هذا المسجد
لا بأس أيضاً؛ لأَنَّه صار من أهله، والأفضلُ أنْ لا يخرج؛ لأَنَّه يُتَّهِمُ)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٨/٢.
(٢) انظر "الفتح" و"العناية" و"الكفاية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٣/١-٤١٤، و"البناية" ٦٨١/٢.
(٣) من ((أو لأستاذه إلخ)) إلى ((مسجد)) ساقط من "آ".

قسم العبادات
٣٩٦
حاشية ابن عابدين
أو لحاجةٍ ومِن عزمِهِ أنْ يعودَ، "نهر" (و) إلاَّ (لِمَن صلَّى الظهر والعشاء) وحدَهُ
(مرَّةً) فلا يكرهُ خروجُهُ بل تركُهُ للجماعة.
مجلسِ العامَّة أفضلُ بالاتّفاق لتحصيل الثوابين)) اهـ. ومثلُهُ في "النهاية".
وظاهرُهُ أَنَّه إنما يُخرُجُ إذا خَشِيَ فواتَ الدرسِ أو بعضِهِ، وإلاَّ فلا، وأَنَّه لا يتوقَّفُ على أنْ
يكون الدرسُ مما يجبُ تعلُّمُه عليه، وفي "حاشية أبي السُّعود"(١): ((أَنَّ ما أورَدَهُ في "البحر" في
مسجدِ الحَيِّ واردٌ هنا)).
[٥٩٦٨] (قولُهُ: أو لحاجةٍ إلخ) بحثٌ لصاحب "النهر"، أخَذَهُ من الحديث المارِّ(٢).
[٥٩٦٩] (قولُهُ: بل تركُهُ للجماعةِ) يعني: أنَّ نفي الكراهة المفهومَ من الاستثناء ليس من كلِّ
وجهٍ، بل المرادُ نفيُ كراهة الخروج من حيث ذاتُهُ، وأمَّا من حيث سببُّهُ - وهو كونُهُ قد صلَّى تلك
الصلاةَ وحدَهُ - فإِنَّه مكروهٌ، بمعنى أنّه لو صلَّى [٢/ق١/٨٥] وحدَهُ ليخرجَ يكره له ذلك؛ لأنَّ
ترك الجماعة مكروهٌ؛ لأَنَّها واجبةٌ أو سنّةٌ مؤكّدةٌ قريبةٌ منه.
( تنبيةٌ )
يُعلَمُ من هنا ومن قوله: ((وإِنْ صَلَّى ثلاثً منها أَتَمَّ ثمَّ اقتدى متنفّلاً)) أنَّ مَن صلَّى منفرداً
لا يُؤمَرُ بالإِعادة جماعةً مع أَنَّهم قالوا: كلُّ صلاةٍ أُدّيَتْ مع كراهة التحريم تجبُ إعادتُها ، وزادَ "ابن
الهمام"(٣) وغيره: ((ومع كراهة التنزيهِ تُستحَبُّ الإِعادةُ))، ولا شكَّ في كراهة ترك الجماعة على
القول بسنَّتها أو وجوبها لوجود الإِثم على القولين، إلاَّ أنْ يُجابَ بحمل ما هنا على ما إذا ترَكَها
(قولُهُ: أنَّ ما أورَدَهُ في "البحر" في مسجد الحيِّ واردٌ هنا) لا يخفى أنَّ الدَّرس قد يكون فرضاً إذا
تعلَّقَ بما يُفترَضُ تعلُّمُه، نعم البحثُ ظاهرٌ في الوعظ. اهـ "سندي".
(١) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٧١/١.
(٢) المقولة [٥٩٦٢] قوله: ((كره تحريماً للنهي))، وقد سبق تخريج الحديث صـ٣٩٣- في المقولة نفسها.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل ما يكره للمصلي ٣٦٤/١.