النص المفهرس

صفحات 341-360

الجزء الرابع
٣٣٧
باب الوتر والنوافل
لحديث "البخاريِّ"(١) في الجهاد: ((إذا مَرِضَ العبدُ أو سافَرَ كُتِبَ له مثلُ ما كان يعملُ مقيماً
صحيحاً)، "فتح"(٢). وحَكَى في "النهاية" الإجماعَ عليه، وتعقّبُهُ في "البحر"(٣) بحكايةٍ "النوويِّ"
عن بعضهم: ((أَنَّه على النصفِ مع العذر أيضاً))، ثمَّ نقَلَ عن "المجتبى": ((أنَّ إيماء العاجزِ
أفضلُ من صلاة القائم؛ لأَنَّه جُهْدُ المقلِّ))، قال: ((ولا يخفى ما فيه، بل الظاهرُ المساواةُ كما
في "النهاية")) اهـ.
لكنْ ذَكَرَ "القُهُستانيُ)(٤) ما في "المجتبى"، ثمَّ قال: ((لكنْ في "الكشف" (٥): أَنَّه قال الشيخُ
"أبو معينِ النسفيُّ"(٦): جميعُ عباداتِ أصحاب الأعذار كالمومي و غيره تقومُ مَقامَ العبادات الكاملة
في حقِّ إزالة المأثَمِ لا في حقِّ إحرازِ الفضيلة)) اهـ.
أقولُ: وهو موافقٌ لقولِ البعض المارّ(٧)، ويؤيِّدُهُ حديثُ "البخاريِّ"(٨): ((مَن صلَّى قائماً
فهو أفضلُ، ومَن صلَّى قاعداً فله نصفُ أجرٍ القائم، ومَن صلَّى نائماً فله نصفُ أجرٍ القاعد)،
(١) أخرجه البخاريّ (٢٩٩٦) كتاب الجهاد - باب يُكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، وأخرجه أحمد
٤١٠/٤، ٤١٨، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٧٤/٣ كتاب الجنائز - باب ما ينبغي لكل مسلم أن يستشعره من
الصبر، من حديث أبي موسى ◌َّه مرفوعاً.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في القراءة ٤٠٠/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٧/٢ -٦٨.
(٤) في "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل الوتر ١٣٢/١.
(٥) "كشف الأسرار": باب بيان صفة حكم الأمر ٣١٧/١.
(٦) أبو المعين ميمون بن محمد المكحوليّ النسفيّ (ت٥٠٨هـ). ("الفوائد البهية"صـ ٢١٦-، "هدية العارفين"٤٨٧/٢).
(٧) في هذه المقولة.
(٨) أخرجه البخاريّ (١١١٥) كتاب تقصير الصلاة - باب صلاة القاعد، و(١١١٦) باب صلاة القاعد بالإيماء،
وأخرجه أحمد ٤٣٥/٤، ٤٤٣، وأبو داود (٩٥١) كتاب الصلاة - باب في صلاة القاعد، والترمذيّ (٣٧١) كتاب
الصلاة - باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وقال: حديث حسن صحيح، والنّسائيّ
٢٢٤/٣ كتاب قيام الليل - باب فضل صلاة القاعد على صلاة النائم، وابن ماجه (١٢٣١) كتاب إقامة الصلاة -
باب صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم من حديث عمران بن الحصين ◌َظُبه مرفوعاً، وفي الباب عن عبد الله
ابن عمرو، وأنس، والسائب، وابن عمر ﴿ه.

٣٣٨
قسم العبادات
حاشية ابن عابدين
(ولا يصلِّي بعدَ صلاةٍ) مفروضةٍ (مثلَها) في القراءة أو الجماعة(١)، أو لا تُعادُ عند
توهُّمِ الفساد.
فإنَّ عموم مَن يدخلُ فيه العاجزُ، ولأنَّ الصلاة نائماً لا تصحُّ عندنا بلا عذرٍ، وقد جُعِلَ له نصفُ
أجر القاعد، وفي [٢/ق ٧٠/أ] هذا المقام زيادةُ كلامٍ يُطلَبُ مِمَّ علَّقناه على "البحر"(٢).
[٥٨٣٦] (قولُهُ: ولا يصلّي إلخ) هذا اللفظُ رواه "ابن أبي شيبة"(٣) عن "عمر"، وظاهرُ كلام
"محمَّدٍ" أَنَّه عن النبيِوَّ، و"محمَّدٌ" أعلمُ بذلك منَّا، "فتح"(٤).
[٥٨٣٧] (قولُهُ: في القراءةِ إلخ) لَمَّا كان ظاهرُ الحديث غيرَ مرادٍ إجماعاً - لأنَّ الظهر والعصر
يُصلَّان بعد سنِّهما - وجَبَ حملُهُ على أخصِّ الخصوص، ففي "الجامع الصغير"(٥): ((أرادَ لا يُصلّي
بعد الظهر نافلةً ركعتين منها بقراءةٍ وركعتين بغيرِ قراءةٍ لتكونَ مثلَ الفرض))، وقال "فخر
الإِسلام": ((لو حُمِلَ على تكرارِ الجماعة في مسجدٍ له أهلٌ أو على قضاء الصلاة عند
توجُّمِ الفساد لكانَ صحيحاً))، "نهر "(٦). وما ذكَرَهُ عن "فخر الإسلام" نقَلَهُ في "البحر)(٧) أيضاً
(قولُهُ: يُصلَّيان بعد سنَّتِهما) وكذا سنَّةُ الفجر وفرضُهُ، وكذا يصلِّي الظهرَ ركعتين في السَّغر ثمَّ
يصلّي السنَّة ركعتين.
(١) في "ب" و"و":((أو في الجماعة)).
(٢) انظر " حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": ٦٧/٢.
(٣) في "المصنف" ١١١/٢ كتاب صلاة التطوع والإمامة - باب من كره أن يصلي بعد الصلاة مثلها، وذكره الزيلعيّ
في "نصب الراية" ١٤٨/٢ كتاب الصلاة - فصل في القراءة، وقال: هو غريب مرفوعاً، ووقفه ابن أبي شيبة
في "مصنفه" على عمر بن الخطابقُته، وابن مسعودڅته. اهـ
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في القراءة ٤٠٠/١.
(٥) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب القراءة في الصلاة صـ٩٩- بتوضيح من ابن عابدين.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧٠/أ وما بعدها بتصرف يسير.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٦/٢.

الجزء الرابع
٣٣٩
باب الوتر والنوافل
للنهي، وما نُقِلَ أنَّ "الإِمام" قَضَى صلاةَ عُمرِهِ فإنْ صحَّ نقول: كان يصلِّي المغربَ
والوتر أربعاً بثلاثِ قعداتٍ ..
عن "شرح الجامع الصغير" لـ "قاضي خان"(١)، ثمَّ قال في "البحر"(٢): ((فالحاصلُ أنَّ
تكرار الصلاة إنْ كان مع الجماعة في المسجد على هيئته الأولى فمكروهٌ، وإلاّ فإنْ كان
في وقتٍ يكرهُ التنفُّلُ فيه بعد الفرض فمكروهٌ كما بعد الصبح والعصر، وإلاّ فإنْ كانَ لخللٍ
٤٦٨/١ في المؤدَّى فإنْ كان ذلك الخللُ محقَّقاً إمَّا بتركِ واجبٍ أو بارتكابِ مكروهٍ فغيرُ مكروهٍ (٣)، بل
واجبٌ كما صرَّحَ به في "الذَّخيرة"، وقال: إنَّه لا يتناولُهُ النهيُّ، وإنْ كان ذلك الخللُ غيرَ
مُحقّقٍ، بل نشأ من وسوسةٍ فهو مكروهٌ)) اهـ.
[٥٨٣٨] (قولُهُ: للنهي) علّةٌ لقوله: ((ولا يصلّي إلخ))، والنهيُ هو لفظ الحديث المذكور (٤).
[٥٨٣٩] (قولُهُ: وما نُقِلَ إلخ) جوابٌ عن سؤالٍ وارِدٍ على الوجهِ الثالث، فإنَّ هذا المنقولَ
يُنافي حملَ النهي عليه؛ إذ يبعُدُ أنْ يكون ما صلاَّهُ "الإِمامُ" أوَّلاً مشتملاً على خللٍ محقَّقٍ من مكروهٍ
أو تركِ واجبٍ، بل الظاهرُ أَنَّه أعادَ ما صلَّهُ لمجرَّدِ الاحتياط وتوهُّمِ الفساد، فُنافي حملَ النهي في
مذهبه على الوجهِ الثالث، والجوابُ أوَّلاً أَنَّه لم يصحَّ نقلُ ذلك عن "الإِمام"، وثانياً أَنَّه لو صحّ
نقولُ: إِنَّه كان يصلّي المغربَ والوتر أربعَ ركعاتٍ بثلاثِ قعداتٍ كما نقَلَهُ في "البحر"(٥) عن "مآل
الفتاوى"(٦)، أي: ويكونُ حينئذٍ إعادةُ الصلاة لمجرَّدٍ توهُّمِ الفساد غيرَ مكروه، ويكونُ النهيُ
محمولاً على غيرِ هذا [٢/ق٧٠/ب] الوجه، لكنْ لَمَّا كانت الصلاةُ على هذا محتمِلةً لوقوعها نفلاً
(١) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب القراءة في السفر ١/ق ٢٤/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٧/٢ بتصرف يسير.
(٣) ((فغير مكروه)) ليس في "٢" و"ب" و"م".
(٤) المقولة [٥٨٣٦] قوله: ((ولا يصلي إلخ)).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٧/٢.
(٦) تقدمت ترجمته ٢٥١/١ و١٠٤/٣.

قسم العبادات
٣٤٠
حاشية ابن عابدين
- والتنقُّلُ بالثلاثِ مكروة - نقولُ: إنّه كان يَضُمُّ إلى المغرب والوتر ركعةً، فعلى احتمالِ صحَّةٍ ما
كان صلَّهُ أوَّلاً تقعُ هذه الصلاة نفلاً، وزيادةُ القعدة على رأس الثالثة لا تُبطِلُها، وعلى احتمالٍ
فساده تقعُ هذه فرضاً مَقضِّاً، وزيادةُ ركعةٍ عليها لا تُبْطِلُها، وقد تقرَّرَ أنَّ ما دار بين وقوعِهِ بدعةٌ
وواجباً لا يُترَكُ بخلاف ما دار بين وقوعِهِ سنَّةً وواجباً، لكنْ لا يخفى عليك أنَّ الجواب عن الإيرادِ
هو الأوَّلُ، وأمَّا الثاني فهو مقرِّرٌ له، لكنَّه لا يُجدي لعدم ثبوت صحَّةِ النقل، فالوجهُ حينئذٍ كراهةٌ
القضاء لتوهُّمِ الفساد كما قاله "فخرُ الإسلام" و"قاضي خان"(١)، فكان ينبغي لـ "الشارح"
الاقتصارُ على الأوَّلِ، لكنْ رأيتُ في فصلِ قضاء الفوائت من "التتار خانيّة"(٢): ((أنَّ الصحيح جوازٌ
هذا القضاء إلاَّ بعد صلاة الفجر والعصر، وقد فعَلَهُ كثيرٌ من السلف لشبهةِ الفساد)) اهـ. وعلى
هذا لا يصحُّ حملُ الحديث على الوجهِ الثالث.
(قولُهُ: بين وقوعِهِ سنّةً وواجباً) لعلَّ المناسب: وبدعةً بدلَ الواجب، وذلك نحو ما قدَّمَهُ "الشارح"
في المكروهات: (( أنَّ ترك قلبِ الحصى ليتمكَّنَ من السجود التامِّ أَولى؛ لأَنَّه بدعةٌ، وسجودُهُ على الوجه
المسنون سنّةٌ )).
(قولُهُ: وأمَّا الثاني فهو مقرِّرٌ له) أي: للإيراد؛ إذ على هذا الجوابِ يكونُ "الإِمام" أعاد الصلاة
لتوهُّمِ الفساد وإنْ ضَمَّ ركعةً في المغرب والوتر، وفيه أنَّ مقتضى الجواب تقييدُ كراهة الإعادة عند توهُّمٍ
الفساد بما إذا لم يَضُمَّ ركعةٌ، فقد قيّد الوجه الثالث بما إذا لم يَضُمَّ ركعةً، ويُقَّدُ أيضاً بما في
"التتار خانيّة"، وحينئذٍ يصحُّ حمل الحديث على هذا الوجه الثالث لكنْ مع تقييده بما ذكر، ثمَّ إِنْ صَحَّ أنَّ
"الإِمام" قضى صلاةَ عمره لم يكن فعلُهُ مخالفاً لهذا الوجه، بل هو موافقٌ لِما فعَلَهُ كثيرٌ من السلف، وإذا
لم يصحَّ فعلُهُ فالأمرُ ظاهرٌ.
(قولُهُ: لعدمٍ ثبوتِ صحَّةِ النقل) أي: نقلٍ أصل القضاء، وفيه أنَّ هذا جوابٌ بالتسليم، وهو
لا يقتضي التحقُّقَ، بل أجاب به بناءً على دعوى الخصم، تأمَّل.
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في الترتيب وقضاء المتروكات ١١٥/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية")
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - قضاء الفوائت ٧٧٠/١ نقلاً عن "الخانية".

الجزء الرابع
٣٤١
باب الوتر والنوافل
(ويقعُدُ) في كلِّ نفِلِهِ (كما في التشهُّدِ على المختار)
[٥٨٤٠] (قولُهُ: ويقعُدُ في كلِّ نفلِهِ إلخ) أي: لا في حالةِ التشهُّدِ فقط، وهذه المسألةُ من تتمَّةٍ
السابقة، فكان ينبغي ذكرُها قبل قوله: ((ولا يصلّي إلخ)).
[٥٨٤١] (قولُهُ: كما في التشهُّدِ) أي: تشهُّدِ جميع الصلوات، وأشارَ به إلى أَنَّه لا خلافَ
في حالة التشهُّد كما في "البحر"(١).
[٥٨٤٢] (قولُهُ: على المختارِ) وهو قولُ "زفر" وروايةٌ عن "الإمام"، قال "أبو الليث": ((وعليه
الفتوى))، ورُوِيَ عن "الإِمام" تخييرُهُ بين القعود والترُّعِ والاحتباء، وتمامُهُ في "البحر"(٢)، وأفادَ في
"النهر"(٣): ((أنَّ الخلاف في تعيين الأفضل، وأَنَّه لا شكَّ في حصول الجواز على أيِّ وجهٍ كان)).
(تنبيةٌ)
قيل: ظاهرُ القول المختار أنَّه في حالِ القراءة يضعُ يديه على فخذيه كما في حال التشهُّد،
لكنْ تقدَّمَ (٤) في كلام "الشارح" في فصل إذا أرادَ الشروعَ عند قوله: ((ووضَعَ يِمِينَهُ على
[٢/ق ٧١/أ] يساره إلخ)) عن "مجمع الأنهر"(٥): ((أَنَّ المراد من القيام ما هو الأعمُّ؛ لأنَّ القاعد
يفعلُ كذلك، أي: يضعُ يمينه على يساره تحت سُرَّته))، وفي "حاشية المدنيِّ": ((ويؤيِّدُهُ قولُ
(قولُهُ: قيل: ظاهرُ القولِ المختارِ أنّه إلخ) لعلَّه أشار بـ (قيل)) إلى أنَّه حيث وُجِدَ التصريح في كلامهم
بأنَّه يضعُ يمينه على يساره يرادُ بالتشبيه في قوله: ((كما في التشهد)) الافتراشُ فقط، ويدلُّ لذلك المقابلة
بالاحتباء والتربُّع، ويُبعِدُ هذا القيلَ أيضاً تعبيرُهُ بقوله: ((في كلِّ نفله))؛ إذ هو شاملٌ لوقت التحريمة
والقيام والركوع والقومة والجلسة بين السجدتين، ولا يتأتّى القولُ بالوضع في جميع ما ذكر.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٨/٢.
(٢) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٨/٢.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧٠/ب.
(٤) ٢٨١/٣ "در".
(٥) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - فصل في صفة الشروع ٩٤/١.

قسم العبادات
٣٤٢
حاشية ابن عابدين
ويتنفَّلُ المقيمُ (راكباً خارج المصرِ) محلَّ القصر.
"منلا على القارئ"(١) - عند قول "النقاية": في كلِّ قيامٍ -: أي: حقيقىٍّ أو حكمىٍ" كما إذا
صلَّى قاعداً)).
مطلبٌ في الصلاة على الدائَّة
[٥٨٤٣] (قولُهُ: ويتنفِّلُ المقيمُ راكبً إلخ) أي: بلا عذرٍ، أطلَقَ النفلَ فشملَ السننَ المؤكَّدة إلاَّ
سنّةَ الفجر كما مرَّ(٢)، وأشار بذكرِ المقيم إلى أنَّ المسافر كذلك بالأولى، واحترَزَ بالنفل عن
الفرض والواجب بأنواعه كالوتر، والمنذور، وما لَزِمَ بالشُّروع والإفسادِ، وصلاةِ الجنازة، وسجدةٍ
تُلِيَتْ على الأرض، فلا يجوزُ على الداَبَّة بلا عذرٍ لعدم الحرج كما في "البحر"(٣).
[٥٨٤٤] (قولُهُ: راكباً) فلا تجوزُ صلاة الماشي بالإجماع، "بحر"(٤) عن "المجتبى".
[٥٨٤٥] (قولُهُ: خارجَ المصر) هذا هو المشهورُ، وعندهما يجوزُ في المصرِ، لكنْ بكراهةٍ عند
"محمَّدٍ"؛ لأَنّه يَمنَعُ من الخشوع، وتمامُهُ في "الحلبة "(٥).
[٥٨٤٦] (قولُهُ: محلَّ القصرِ) بالنصبِ بدلٌ من: ((خارجَ المصر))، وفائدتُهُ شمولُ خارجٍ
القرية وخارجِ الأخبية، "ح"(٦). أي: المحلَّ الذي يجوزُ للمسافر قصرُ الصلاة فيه، وهو الصحيحُ،
"بحر "(٧). وقيل: إذا جاوَزَ ميلاً، وقيل: فرسخين أو ثلاثةً، "قُهُستاني)"(٨).
(قولُهُ: فلا تجوزُ صلاةُ الماشي بالإجماع) نقَلَ "القهستانيُّ" عن "النظم": ((أَنَّه يجوزُ التطوُّعُ في
العمران ماشياً عند "أبي يوسف"))، فما حكاه في "المجتبى" من الإجماع على عدم جواز التطوُّع ماشياً
لا يخلو عن نظرٍ. اهـ "سندي".
(١) "شرح النقاية": كتاب الصلاة - سنن الصلاة وآدابها ١٦٢/١.
(٢) المقولة [٥٧٠١] قوله: ((على الأصح)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٩/٢ نقلاً عن "الظهيرية".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٠/٢.
(٥) انظر "الحلبة": فرائض الصلاة - استقبال القبلة ٢/ق ٧/أ.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩٥/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٩/٢ نقلاً عن "الظهيرية".
(٨) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل الوتر ١٣١/١.

الجزء الرابع
٣٤٣
باب الوتر والنوافل
(مُومِئاً) فلو سحَدَ اعتُبرَ إيماءً؛ لأَنَّها إنما شُرعَتْ بالإيماء (إلى أيِّ جهةٍ توجَّهَتْ
دابَتُهُ) ولو ابتداءً عندنا،.
[٥٨٤٧] (قولُهُ: مُومِئاً) بالهمز في آخره أكثرَ من الياء، قال في "المغرب"(١): ((تقولُ: أومأتُ
إليه لا أوميتُ، وقد تقولُ العرب: أومَى بتركِ الهمزة)).
[٥٨٤٨] (قولُهُ: فلو سجَدَ) أي: على شيءٍ وضَعَهُ عنده أو على السَّرجِ اعْتُبِرَ إِماءً بعد أنْ
يكون سجودُهُ أخفضَ.
[٥٨٤٩] (قولُهُ: إلى أيِّ جهةٍ توجَّهَتْ دَبَتُهُ) فلو صلَّى إلى غيرِ ما توجَّهَتُ به داَبْتُهُ لا يجوزُ
لعدم الضرورة، "بحر"(٢) عن "السِّراج"(٣).
[٥٨٥٠] (قولُهُ: ولو ابتداءً عندنا) يعني: أَنَّه لا يُشترَطُ استقبالُ القبلة في الابتداء؛ لأَنَّه لَمَا
جازت الصلاةُ إلى غيرِ جهة الكعبة جاز الافتتاح إلى غيرِ جهتها، "بحر"(٤). واحترَزَ عن قول
"الشافعيِّ" رحمه الله تعالى، فإنّه يقولُ: يُشترَطُ في الابتداء أنْ يُوجِّهَها إلى القبلة كما في
"الشرنبلالَيَّة"(٥)، "ح"(٦).
قلت: وذكَرَ في "الحلبة"(٧) عن "غاية السروجيِّ": ((أَنَّ هذا روايةُ "ابن المبارك" ذكَرَها
في "جوامع الفقه"))، ثمَّ ذكَرَ بعد سياقِهِ [٢/ق٧١/ب] الأحاديثَ: ((أنَّ الأشبهَ استحبابُ ذلك
عند عدم الحرج عملاً بحديث "أنس"(٨))، ثمَّ قال: ((على أنَّ "ابن الملقِّن" الشافعيَّ قال(٩):
(١) "المغرب": مادة ((وماً)) بتصرف يسير.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٩/٢.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب النوافل ١/ق ٢٥٦/ب نقلاً عن "الفتاوى".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٩/٢ نقلاً عن "غاية البيان".
(٥) "الشرنبلاليّة": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١١٨/١.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩٥/ب.
(٧) "الحلبة": فرائض الصلاة - القيام ٢/ق ٥٨/ب - ٥٩/أ.
(٨) أخرج أحمد في "المسند" ٢٠٣/٣، وأبو داود (١٢٢٥) كتاب الصلاة - باب التطوع على الراحلة والوتر، والنوويّ في
"خلاصة الأحكام" ٣٣٦/١ كتاب مواضع الصلاة - باب جواز صلاة النافلة في السفر إلى جهة مقصده حيث كانت
راكباً أو ماشياً عن أنس بن مالك رضي أن رسول الله ﴿: كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى
حيث وجَّهَه ركابه، واللفظ لأبي داود، وفي الباب عن ابن عمر، وعامر بن ربيعة، وجابر ظ ◌ّم.
(٩) في كتابه "شرح عمدة الأحكام"، كما في "الحلبة": ٢/ق ٥٩/أ.

قسم العبادات
٣٤٤
حاشية ابن عابدين
أو على سرجهِ نجسٌ كثيرٌ عند الأكثرِ، ولو سيرُها بعملٍ قليلٍ لا بأس به.
(وإذا افتتَحَ) النفلَ (راكباً ثُمَّ نَزَلَ بَنَى.
وعند "أبي حنيفة" و "أبي ثورٍ"(١) يفتتحُ أوّلاً إلى القبلة استحباباً، ثمَّ يصلّي كيف شاءَ)) اهـ.
(٥٨٥١] (قولُهُ: أو على سَرْجِه(٢) إلخ) مثلُهُ الرِّكَابُ والدابَّةُ للضرورة، وهو ظاهرُ المذهب،
٤٦٩/١ وهو الأصحُّ، بخلاف ما إذا كانت عليه نفسِهِ فإنَّه لا ضرورةَ إلى إبقائها، فسقَطَ ما في "النهر" (٣):
((من أنَّ القياس يقتضي عدمَ المنع بما عليه)) اهـ "ط "(٤).
قلت: وعليه فَيَخلَعُ النعلَ النجس.
[٥٨٥٢] (قولُهُ: ولو سيرُها إلخ) ذكَرَهُ في "النهر "(٥) بحثاً أخذاً من قولهم: إذا حرَّكَ رجلَهُ،
أو ضرَبَ دأَتَهُ فلا بأس به إذا لم يكن كثيراً.
قلت: ويدلُّ له أيضاً ما في "الذخيرة": ((إنْ كانت تنساقُ بنفسها ليس له سَوْقُها))، وإلاّ
فلو ساقَها هل تفسُدُ؟ قال: ((إنْ كان معه سوطٌ فهيََّها به ونَخَسَها لا تفسُدُ صلاته)).
[٥٨٥٣] (قولُهُ: ثُمَّ نزَلَ) أي: بعملٍ قليلٍ، بأنْ ثَنَى رجلَهُ فانحدَرَ من الجانب الآخر، "فتح"(٦).
(قولُ "المصنّف": ولو افتَحَ النغلَ إلخ) مقتضاه أنَّه لو افتَحَ الفرضَ راكباً لعذرٍ ثمَّ زال فنزل لا يبني،
ويدلُّ عليه ما نقلَهُ "السنديُّ" عن "البحر" و"النهاية" في دفع إيراد أنّه يلزمُ بناءُ القويِّ على الضعيف
في هذه المسألة، وهو لا يصحُّ كالمريض يصلّي بالإيماء ثمَّ قدَرَ على الأركان لا يجوزُ له البناء من الفرق،
(١) الإمام الحافظ الحجة المجتهد أبو ثور وأبو عبد الله إبراهيم بن خالد الكلبي البغداديّ (ت٢٤٠هـ) ("سير أعلام
النبلاء"٧٢/١٢، "طبقات السبكي"٧٤/٢).
(٢) في "د" زيادة: ((وكذا لو على الركابين أو الدابة؛ لأنّه لَمَّا سقط اعتبار الأركان الأصلية فَلأَنْ يسقط شرط طهارة
المكان أولى "بحر" عن "البدائع"، وفيه أيضاً التعليل بالضرورة)).
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧٠/أ بتصرف.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٣/١ - ٢٩٤ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧٠/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في القراءة ٤٠٥/١.

الجزء الرابع
٣٤٥
باب الوتر والنوافل
وفي عكسِهِ لا) لأنَّ الأوَّلَ أُدِّيَ أكملَ مما وجَبَ، والثانيَ بعكسِهِ (ولو افتتَحَها
خارجَ المصرِ ثُمَّ دخَلَ المصرَ أَتَّمَّ على الداَبَّة) بإيماءِ (وقيل لا) بل يَنزِلُ، ..
[٥٨٥٤] (قولُهُ: وفي عكسِهِ) بأنْ رُفِعَ فُوُضِعَ على الداَبَّة، "فتح"(١).
[٥٨٥٥] (قولُهُ: لأنَّ الأوَّلَ إلخ) وذلك لأنَّ إحرام الراكب انعقَدَ محوِّزاً للركوع والسجود
لقدرته على النزول، فإذا أتى بهما صحَّ، وإِحرامُ النازل انعقَدَ مُوجِباً لهما، فلا يقدرُ على ترك ما
لَزِمَهُ من غير عذرٍ، "بحر "(٢).
[٥٨٥٦] (قولُهُ: أَتَمَّ على الدابَّةِ) لأَنَّه صحَّ شروعُهُ فيها راكباً، فصار كما إذا افتَتَحَها
وهو أنَّ المريض ليس له أنْ يفتتح الصلاة بالإِيماء مع القدرة على الركوع والسجود، فلذا إذا قدَرَ عليهما
في خلال صلاته لا يبني، أمَّا الراكب فله أنْ يفتتح الصلاة بالإيماء على الدابَّة مع القدرة، فالنزولُ لا يمنعُهُ
من البناء، "بحر". وفي "النهاية": ((الإيماءُ من المريض بدلٌ من الأركان دون الراكب؛ لأَنَّه اسمٌ لِما يصار
إليه عند عجز غيره، والمريضُ أعجَزَهُ مرضُه عن الأركان، فكان الإيماءُ بدلاً عنها، والراكبُ لم يُعجِزْهُ
الركوبُ عنها؛ لأَنَّه يمكنه الانتصابُ على الرِّكابين، وكذا يمكنه أنْ يخرَّ راكعاً وساجداً، ومع هذا أطلَقَ
الشارعُ في الإيماء بدلاً فكان قويًّاً في نفسه، فلا يؤدِّي إلى بناء القويِّ على الضعيف، انتهى)) اهـ. ثمَّ
رأيت التصريح بذلك في "الفتح"، حيث ذكر الفرق بين المريض والرَّاكب الدالَّ على عدم بناء الأوَّلِ
لا الثاني، ثمَّ قال: ((وهذا يفيد أنّ لا يبني في المكتوبة إذا افتَحَها راكباً؛ إذ ليس له أن يفتتحها راكباً مع
القدرة عليهما بالنزول)) اهـ.
(قولُهُ: انعقَدَ محوِّزاً للرُّكوع إلخ) وهذا لأنَّ التزام الشيء ناقصاً لا ينافي أداءه كاملاً لا بقاءً
ولا ابتداءً، ألا ترى أنَّ مَن نذَرَ أنْ يصلّيَ ركعتين في وقتٍ مكروهٍ فصلَّى في وقتٍ مشروعٍ جاز؟ بخلاف
إحرام النازل؛ لأَنَّ التزَمَ الكامل فلم يَجُزِ الأداء الناقص لا ابتداءً ولا بقاءً، كمن نذَرَ صلاةً مطلقاً لا يجوزُ
أداؤها في الوقت المكروه ابتداءً، وإذا طلعت الشمس في الفجر لم يَجُزْ إتمامه. اهـ "كفاية".
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في القراءة ٤٠٥/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٠/٢ نقلاً عن "الهداية".

قسم العبادات
٣٤٦
حاشية ابن عابدين
وعليه الأكثرُ، قالَهُ "الحلبيُّ))(١)، وقيل: يُتِمُّ راكباً ما لم يَبلُغْ منزِلَهُ، "قُهُستاني)"(٢)،
ويبني قائماً إلى القبلةِ أو قاعداً، ولو رَكِبَ تفسُدُ؛ لأَنَّه عملٌ كثيرٌ بخلاف النزول.
ثُمَّ تغيّرت الشمسُ فإنَّه يُتِمُّها، كذا هذا(٢)، "تجنيس".
[٥٨٥٧] (قولُهُ: وعليه الأكثرُ) عبَّرَ في "البحر "(٤) وغيره بالكثير، وذكَرَ "الرحمتيُّ": ((أَنَّ
الأوَّلَ مبنيٌّ على قولهما بجوازها في المصرِ، والثانيَ على قوله بقرينة قوله في "التجنيس" في فصلٍ
القهقهة: ولو افتَحَ صلاةَ التطوُّع خارجَ المصر راكبً، ثمَّ دخَلَ المصر ثمَّ قهقَهَ لا وضوءَ عليه عند
"أبي حنيفة"، وعند "أبي يوسف" عليه، اعتباراً للابتداء بالانتهاء)) اهـ.
[٥٨٥٨] (قولُهُ: ويبني قائماً إلخ) أي: إذا نزَلَ في مسألتي المتن.
[٥٨٥٩] (قولُهُ: ولو رَكِبَ إلخ) أعادَ مسألة المتن السابقةَ ليذكرَ لها تعليلاً آخر، لكنْ
ذكَرَ في "البحر"(٥): ((أَنَّه ردَّهُ في "غاية البيان": بأَنَّه [٢/ق١/٧٢] لو رُفِعَ المصلِّي وُضِعَ
(قولُهُ: "تجنيس") عبارتُهُ في باب النوافل على ما ذكرَهُ "السنديُّ": ((رجلٌ افتَتَحَ التطوُّعَ راكباً خارجَ
المصر ثمَّ أتى المصر قالوا: يُتِمُّها راكبً؛ لأَنَّه صحَّ إلخ))، قال "السنديُّ": ((فهذا يفيدُ أَنَّه يُتِمُّها على قول
"الإِمام" الذي يرى عدمَ صحَّتِها ابتداءً في المصر؛ لأَنَّه يُغْتَفَرُ في الأواخر ما لا يُغْتَفَرُ فِي الأوائل تأمل)) اهـ.
(قولُهُ: لكنْ ذكر في "البحر" أنَّه رَدَّهُ في "غاية البيان" إلخ) فيه أنَّه لا يلزمُ من عدم وجود العلَّة -
وهي العمل الكثير - في مسألة الوضع عدمُ تحقّقِ المعلول وهو عدمُ البناء فيها؛ لوجود علَّةٍ أخرى مقتضيةٍ
له، وهي ما يؤخذ مما ذكره في "البناية" بقوله: ((فإنْ قلت: إذا كان الإيماءُ قويّاً لماذا لا يجوزُ البناء
إذا تحرَّمَ نازلاً ثمَّ ركب أو أُركب؟ قلت: أمَّا إذا ركب فلأنَّ الركوب عملٌ كثيرٌ وأَنَّه قاطعٌ للتحريمة،
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الصلاة - مطلب في الصلاة على الدابة صـ٢٧٣ -.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل النوافل ١٣١/١.
(٣) في "م": ((هكذا)) بدل ((كذا هذا)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٠/٢ نقلاً عن "الخلاصة".
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧١/٢.

الجزء الرابع
٣٤٧
باب الوتر والنوافل
(ولو صلَّى على دابَّةٍ في) شِقِّ (مَحمَلٍ وهو يقدِرُ على النزول)
على السَّرجِ لا يَيني مع أنَّ العمل لم يُوجد فضلاً عن العمل الكثير)) اهـ.
وحَمَلَ "المحشِّي"(١) كلامَ "الشارح" على صورة ما إذا افتَحَ راكباً ثمَّ نزل، أي: فإِنَّه إذا
رَكِبَ بعد ذلك تفسُدُ صلاته؛ لأنَّ الركوب عملٌ كثيرٌ، قال: ((فعلى هذا لو حَمَلَهُ شخصٌ
ووضَعَهُ على الداَبَّة لا تفسُّدُ؛ لأَنَّه لم يوجد منه العملُ)) اهـ.
قلت: لكنَّ قوله: ((لا تفسُدُ)) يحتاجُ إلى نقلٍ، فليراجع، وأيضاً فقولُ "الشارح": ((بخلاف
النزول)) لا محلَّ له على هذا الحملِ، فتأمَّل.
[٥٨٦٠] (قولُهُ: ولو صلَّى على دابَّةٍ إلخ) شروعٌ في صلاةِ الفرضِ والواجبِ على الداَبَّة كما
سينّهُ(٢) عليه بقوله: ((هذا كلُّه في الفرائض)).
واعلم أنَّ ما عدا النوافلَ من الفرضِ والواجبِ بأنواعه لا يصحُّ على الدابَّة إلَّ لضرورةٍ
لخوفٍ لصٍّ على نفسه أو داَّتِهِ أو ثيابه لو نزَلَ، وخوفِ سَبُعٍ وطينٍ ونحوه مما يأتي(٣)،
والصلاةُ على المحمل الذي على الدابّة كالصلاة عليها، فيُومِئُ عليها بشرطِ إيقافِها جهةَ القبلة
إِنْ أمكّنَهُ، وإلاَّ فبقدرِ الإِمكان، وإذا كانت تسيرُ لا تجوزُ الصلاة عليها إذا قدَرَ على إيقافها،
وأمَّا إذا أُرِكِبَ فلأنَّ الدليل يأبى جوازَ الصلاة راكباً؛ لأنَّ سير الدابَّة مضافٌ إلى راكبها، فيتحقَّقُ الأداء
في أماكنَ مختلفةٍ، فحينئذٍ يتحقَّقُ الأداء في حالةِ المشي وذا لا يجوز، إلاَّ أنَّ الشرع جعَلَ الأماكن المختلفة
كمكانٍ واحدٍ للحاجة إلى قطعِ المسافة وصيانةٍ نفسه عن التّوى، فكان ابتداءُ التحريمة نازلاً دليلَ
استغنائه عمَّا ذكرنا، فلا يجوزُ له البناء بغير ذلك)) اهـ، ونحوه في "الفتح".
(قولُهُ: لأَنَّه لم يوجد منه العملُ) أي: وإحرامُهُ لم ينعقد مُوجِباً للرُّكوع والسجود، وقوله لا محلَّ
له؛ إذ هو إنما يناسب مسألةَ المتن لا الصورةَ التي قالها المحشِّي "الحلبيُّ".
"ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق٩٥/ب.
(١) " .
(٢) ص ٣٥٤ - "در".
(٣) صـ ٣٥٠ - "در".

قسم العبادات
٣٤٨
حاشية ابن عابدين
بنفسِهِ (لا تجوزُ الصلاة عليها إذا كانت واقفةً إلاَّ أنْ تكون عيدانُ المحملِ على
الأرض)
وإلاَّ -بأن كان خوقُهُ من عدوٍّ - يصلّي كيف قدَرَ كما في "الإِمداد"(١) وغيره، ولا إعادةَ عليه إذا
قدَرَ بمنزلةِ المريض، "خانَّةً"(٢). واستُفِيدَ من التقييد بالإِيماء أَنَّه لا اعتبارَ بالركوع والسجود، ولذا
نقَلَ الشيخ "إسماعيلُ(٣) عن "المحيط " (٤): ((لا تجوزُ على الجمل الواقفِ أو الباركِ وإِنْ صلَّى
قائماً، إلاَّ أنْ يكون عند الخوف في المفازة بالإيماء)) اهـ.
[٥٨٦١] (قولُهُ: بنفسِهِ) احترازٌ عمَّا إذا لم يقدِرْ إلَّ بِمُعينٍ؛ لأنَّ قدرة الغير لا تُعْتَبَرُ كما
سيأتي(٥)، لكنْ في "شرح الشيخ إسماعيل"(٦) عن "المجتبى": ((وإنْ لم يَقدِرْ على القيام أو النزول
عن داًيَتِهِ أو الوضوءِ إِلاَّ بالإِعانة وله خادمٌ يملكُ منافعَهُ يلزمُهُ في قولهما، وفي قول "أبي حنيفة" نظرٌ،
والأصحُّ اللزومُ في الأجنبيِّ الذي يطيعُ كالماء الذي يُعرَضُ للضوء)) اهـ. ويأتي(٧) تمامُ الكلام فيه.
[٥٨٦٢] (قولُهُ: إذا كانت واقفةً) وكذا لو سائرةً بالأَولى، [٢/ق١٢/ب] وإنما قيَّدَ به لقوله:
((إلاَّ أنْ تكون عِيدانُ المحملِ إلخ)) كما نصَّ عليه "الشرنبلاليُ)(٨)، "ط "(٩).
[٥٨٦٣] (قولُهُ: عيدانُ المحملِ) أي: أرجلُهُ التي كأرخُلِ السرير.
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الفرض والواجب على الدابة ق ٢٢٢/أ.
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٧١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الصلاة على الدابة ١/ق ٤٥٣/ب.
(٤) لم نجدها في "المحيط البرهاني".
(٥) المقولة [٥٨٧١] قوله: ((لأن قدرة الغير لا تعتبر)).
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الصلاة على الدابة ١/ق ٤٥٣/أ.
(٧) المقولة [٥٨٧١] قوله: ((لأن قدرة الغير لا تعتبر)).
(٨) انظر "الشرنبلاليّة": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١١٨/١ (هامش "الدرر والغرر")، و"مراقي الفلاح":
كتاب الصلاة - فصل في صلاة النفل جالساً والصلاة على الدابة صـ٣٩٨ -.
(٩) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٤/١ بتصرف.

الجزء الرابع
٣٤٩
باب الوتر والنوافل
بأنْ ركَزَ تحته خشبةً (وأمَّا الصلاةُ على العجَلَةِ إنْ كان طرفُ العجلة على الدأَبَّة
.....
وهي تسيرُ أوْ لا) تسيرُ (فهي صلاةٌ على الداَبَّة فتجوزُ في حالةِ العذر).
[٥٨٦٤] (قولُهُ: بأنْ ركَزَ تحته خشبةٌ) الأولى التعبيرُ بالكاف، فإنَّه تنظيرٌ لا تصويرٌ، "ط)" (١).
وهذا لو بحيث يبقى قرارُ المحمل على الأرض لا على الداَبَّة، فيصيرُ بمنزلة الأرض، "زيلعي"(٢).
فتصحُّ الفريضة فيه قائماً كما في "نور الإيضاح(٣).
[٥٨٦٥] (قولُهُ: على العجلةِ) هي ما يُؤُلَّفُ مثلَ الِحَفَّة، يُحمَلُ عليها الأثقالُ، "مغرب" (٤).
[٥٨٦٦] (قولُهُ: أَوْ لا تسيرُ) كذا في "الزيلعيِّ"(٥) و"الخانَيَّة"(٦)، ومثلُهُ في "البحر)"(٧) عن
"الظهيريَّةِ"(٨).
[٥٨٦٧] (قولُهُ: فهي صلاةٌ على الداَبَّةِ) أمَّا إذا كانت تسيرُ فظاهرٌ، وأمَّا إذا كانت لا تسيرُ،
وكانت على الأرض وطرفُها على الدابَّةِ فمُشكِلٌ؛ لأنَّها في حكم المحمل إذا رُكِزَ تحته خشبةٌ،
فتكونُ كالأرض، وقد يُفرَّقُ بأَنَّها إذا كان أحدُ طرفيها على الأرض والآخرُ على الداَبَّة لم يَصِرْ
(قولُهُ: فإنّه تنظيرٌ لا تصويرٌ) لعلَّ الأولى جعلُهُ تصويراً؛ لأنَّ العيدان لا تصلُ للأرض عادةً ولو
كانت لَمَنَّعَتِ السِّيرَ.
(قولُهُ: وقد يُفرَّقُ بأنّها إذا كان إلخ) ما ذكرَهُ من الفرق بين مسألة العجلة والمحمل غير مستقيمٍ،
وذلك لأنَّ المحمل إذا كان تحته خشبة مركوزةً يكونُ قرارُهُ عليها وعلى قوائم الجمل لا عليها فقط،
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٤/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧٧/١ بتصرف.
(٣) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الفرض والواجب على الدابة صـ ١٩٢ -.
(٤) "المغرب": مادة ((عجل)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧٧/١.
(٦) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٧١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٠/٢.
(٨) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السادس - الفصل الثالث في صلاة الخوف والصلاة على الدابة والصلاة في
السفينة والكسوف والاستسقاء ق ٤٠/أ.

قسم العبادات
٣٥٠
حاشية ابن عابدين
المذكورِ في التيمُّمِ (لا في غيرِها) ومن العذرِ المطرُ وطينٌ يغيبُ فيه الوجهُ وذهابُ
الرُّفَقاءِ وداَبَةٌ لا تُركَبُ إلاّ بعَناءِ أو بِمُعينٍ ولو مَحرَماً؛.
١
قرارُها على الأرض فقط، بل عليها وعلى الدابة بخلاف المحمل؛ لأنّه إنما تصحُّ الصلاة عليه
إذا كان قرارُهُ على الأرض فقط بواسطةِ الخشبة لا على الدابّة، تأمَّل. وسيأتي(١) ما لو كان
كلُّها على الأرض(٢).
[٥٨٦٨] (قولُهُ: المذكورِ في التيمُّمِ) بأنْ يَخافَ على ماله أو نفسه، أو تخافَ المرأةُ
من فاسقٍ، "ط" (٣).
[٥٨٦٩] (قولُهُ: لا في غيرها) أي: في غيرِ حالة العذر، "ح (٤).
[٥٨٧٠] (قولُهُ: وطينٌ يغيبُ فيه الوجهُ) أي: أو يلطّخُهُ، أو يُتِلِفُ ما يُبسَطُ عليه، أمّا مجرَّدُ
والعجلةُ إذا كانت لا تسيرُ وهي على الأرض وطرفُها على الدابّة كان قرارُها عليهما أيضاً مع زيادةٍ
تمكَّنِها من الأرض عن تمكُّنِ المحمل، فالإشكالُ على حاله، وما ذكره "المحشِّي" في "حاشية البحر"
بقوله: ((ولعلَّ المراد بالعجلة غيرُ معناها المشهور، فإنَّ المشهور فيها ما في "المغرب" من أنَّها شيءٌ مثل
الِحَفّة يُحمَلُ عليها مثلُ الأثقال. ولا يخفى أنَّ هذه يكون قرارُها على الأرض ولكنّها تُربَطُ بحبلٍ ونحوه
وتجرُّها به البقرُ أو الإِبل، ولكنْ يُراد بها هنا ما يُسمَّى في عرفنا تختاً، وهو مِحَفَّةٌ لها أعوادٌ أربع من
طرفيها مثل النعش تُحمَلُ على جملين أو بغلين)) اهـ لا يَتِمُّ مع قوله هنا: ((وكانت على الأرض وطرفُها
على الدابَّة ))؛ إذ على ما أجاب به لا شيءَ منها على الأرض.
والظاهرُ في دفع الإشكال من أصله أن يقال: المرادُ أن يكون جميعُ قراره على العيدان، ويدلُّ لذلك قولُ
"الزيلعيِّ": ((بحيث يبقى قرارُ المحمل على الأرض لا على ظهر الدابَّة)) اهـ. ونحوه في "الإمداد" حيث
قال: ((ولو أوقَفَها وجعَلَ تحت المحمل خشبةً حتى بقي قرارُهُ على الأرض كان بمنزلة الأرض، فتصحُّ
الفريضةُ فيه قائماً )) اهـ. ويرادُ بالعجلة ما لها أطرافٌ من الخشب متّصلةٌ بها تُرَبَطُ على الدابَّة.
(١) المقولة [٥٨٧٤] قوله: ((لو واقفة)).
(٢) من ((فقط)) إلى ((الأرض)) ساقط من "آ".
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٤/١.
(٤) هذه المسألة ساقطة من نسخة "ح" التي بين أيدينا.

الجزء الرابع
٣٥١
باب الوتر والنوافل
لأنَّ قدرة الغير لا تُعتَبَرُ،.
نداوةٍ فلا تبيحُ له ذلك، والذي لا دأبَّةَ له يُصلِّي قائماً في الطين بالإيماء كما في "التجنيس"
و "المزيد"، "إمداد"(١).
مطلبٌ في القادر بقدرة غيره
٤٧٠/١
[٥٨٧١] (قولُهُ: لأنَّ قدرةَ الغير لا تُعتَبَرُ) أي: عنده، وعندهما تُعتبرُ كما في "البحر"(٢)، وفي
"الخانَّة"(٣) و"الكافي"(٤): ((ولو كانت الدابَّةُ جموحاً لو نزَلَ لا يمكنُهُ الركوبُ إلَّ بِمُعينٍ، أو كان
شيخاً كبيراً لو نزَلَ لا يمكنُهُ أنْ يركبَ، ولا يجدُ مَن يعينُهُ تجوزُ الصلاة على الداَّة)) اهـ.
وظاهرُ المسألة الأُولى أنّها على قوله، وظاهرُ الثانية أنَّها على قولهما، إلاَّ أنْ يرجعَ قولُهُ:
((ولا يجدُ مَن يعِينُهُ)) إلى المسألتين، فيكونُ كلٌّ منهما على قولِهما، تأمّل. وقدَّمنا (٥) قريباً عن "المحتبى":
((أَنَّ الأصحَّ عنده لزومُ النزول لو وَجَدَ أجنبيّاً يطيعُهُ))، فهو حينئذٍ بالاتّفاق، وهو مقتضى ما قدَّمناه(٦)
أيضاً في باب التيمُّمِ [٢/ق٧٣/أ] من أنَّ العاجز عن استعمال الماء بنفسه لو وَجَدَ مَن تلزمُهُ طاعته
كعبده وولده وأجيره لَزِمَهُ الوضوءُ اتفاقاً، وكذا غيرُهُ ممن لو استعانَ به أعانَهُ كزوجته في ظاهر المذهب،
بخلاف العاجزِ عن استقبال القبلة أو التحوُّلِ عن الفراشِ النجسِ، فإِنَّه لا يلزمُهُ عنده، والفرقُ: أَنَّه
يُخافُ عليه زيادةُ المرض في إقامته وتحويله لا في الوضوء، إلى آخرِ ما ذكرناه هناك، فراجعه
مع ما سنذكرُهُ(٧) فى باب صلاة المريض، وعلى هذا فلا خلافَ في لزومِ النزول عن الداَبَّة
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الفرض والواجب على الدابة ق ٢٢٢/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٩/٢.
(٣) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٧١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "كافي النّسفيّ": كتاب الصلاة - النوافل ١/ق ٤٠ /ب بتصرف.
(٥) المقولة [٥٨٦١] قوله: ((بنفسه)).
(٦) المقولة [٢٠٥٢] قوله: ((كما في "البحر")).
(٧) المقولة [٦٢٩٢] قوله: ((أو إنسان)).

٠
قسم العبادات
٣٥٢
حاشية ابن عابدين
حتّى لو كان مع أمِّهِ مثلاً في شِقِّي محملٍ، وإذا نزَلَ لم تَقدِرْ تركبُ وحدَها جازَ له
أيضاً كما أفاده في "البحر"، فليحفظ.
والصلاةِ على الأرض لِمَن وجَدَ مُعيناً يطيعُهُ، ولم يكن مريضاً يلحقُهُ بنزوله زيادةُ مرضٍ، وأمَّا ما في
"الخانيةً"(١) وغيرها: ((من أَنَّه لو حَمَلَ امرأتهُ إلى القرية لها أنْ تصلِّيَ على الدأَبَّة إذا كانت لا تقدرُ
على الركوب والنزول)) اهـ محمولٌ على ما إذا لم يُنزِلْها زوجُها بقرينة ما في "المنية"(٢): ((من أنَّ
المرأة إذا لم يكن معها محرمٌ تجوزُ صلاتها على الداَة إذا لم تقدرْ على النزول)) اهـ.
وهذا أَولى مما في "البحر"(٣) من تفريعِ ما في "الخانَيَّة" على قوله، وما في "المنية" على قولهما
لكونه خلافَ الظاهر، ولمخالفتِهِ لِما قدَّمناه(٤)، فاغتنم هذا التحرير.
[٥٨٧٢] (قولُهُ: حَتّى لو كان إلخ) تفريعٌ على العذر لا على مسألةِ القدرة بقدرة الغير
إلاَّبتكلُّفٍ، تأمَّل.
ثُمَّ اعلم أنَّ هذه المسألة وقَعَتْ لصاحب "البحر" في سفرِ الحجِّ مع أمِّهِ، وذكَرَ(٥): ((أَنَّه لم يرَ
حكمَها، وأَنَّه ينبغي الجوازُ))، ولم أر مَن تعقُّهُ، وكتبتُ فيما علَّقْتُهُ عليه (٦): ((أَنَّه قد يقالُ بخلافه؛
لأنَّ الرجل هنا قادرٌ على النزول، والعجزُ من المرأة قائمٌ فيها لا فيه، إلاَّ أنْ يقال: إنَّ المرأة إذا لم
تقدرْ على الركوب وحدَها يلزمُ منه سقوطُ المحمل أو عَقْرُ الدَبَة أو موتُ المرأة، فهو عذرٌ راجعٌ
إلیه کخوفِهِ علی نفسه أو ماله)).
(قولُهُ: إلاَّ بتكلُّفٍ) لعلَّ وجهه أنَّ نزوله لَمَّا كان متوقّفاً على نزولها لعدم تأتّه إلاَّ به صار كأنّه
لا يقدرُ عليه إلاَّ بفعلِ الغير، فصحَّ تفريعُهُ على مسألة القدرة بقدرة الغير.
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٧١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ٢٧٣ -.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٠/٢.
(٤) في هذه المقولة.
(٥) أي: صاحب "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٠/٢.
(٦) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٠/٢.

الجزء الرابع
٣٥٣
باب الوتر والنوافل
( تنبيةٌ)
بقي شيء لم أرَ مَن ذكَرَهُ، وهو أنَّ المسافر إذا عجَزَ عن النزول عن الداَبَّة لعذرٍ من الأعذار
المارَّةِ(١)، وكان على رجاءِ زوال العذر قبل خروج الوقت كالمسافر مع ركبِ الحاجِّ الشريف هل
له أنْ يُصلِّيَ العشاءَ مثلاً على الداَّة أو المحمل في أوَّلِ الوقت إذا خافَ من النزول، أم يُؤخّرُ إلى
وقت نزول [٢/ق٧٣/ب] الحجَّاج في نصفِ الليل لأجل الصلاة؟ والذي يظهرُ لي الأوَّلُ؛ لأنَّ
المصلِّيَ إنما يُكلَّفُ بالأركان والشروط عند إرادةِ الصلاة والشروعِ فيها، وليس لذلك وقتٌ
خاصٌّ، ولذا جازَ له الصلاة بالتيمُّمِ أوَّلَ الوقت وإنْ كان يرجو وجودَ الماء قبل خروجه، وعلَّلوهُ
بأنّه قد أدَّاها بحسبٍ قدرته الموجودة عند انعقادِ سببها، وهو ما أَتَّصَلَ به الأداءُ اهـ.
ومسألتُنا كذلك، لكنْ رأيتُ في "القنية"(٢) برمزٍ صاحب "المحيط": ((راكبُ السفينة إذا
لم يَجِدْ موضعاً للسجود للزحمةِ، ولو أخَّرَ الصلاةَ تقلُّ الرحمةُ فيجدُ موضعاً يُؤخّرُها وإنْ خرَجَ
الوقت على قياس قول "أبي حنيفة" في المحبوس إذا لم يَجِدْ ماءً ولا تراباً نظيفاً)) اهـ.
لكنْ تقدَّمَ(٣) في التيمُّمِ أنَّ الأصحَّ رجوعُ "الإِمام" إلى قولهما بأنّه لا يُؤخُّها، بل يتشبَّهُ
بالمصلّين، ورأيتُ في تيمُّمِ "الحلبة"(٤) عن "المبتغى": ((مسافرٌ لا يقدرُ أنْ يُصلِّيَ على الأرض
لنجاستها وقد ابتلَّت الأرضُ بالمطر يُصلّي بالإيماء إذا خاف فوتَ الوقت)) اهـ.
ثُمَّ قال: ((وظاهرُهُ أَنَّه لا يجوزُ إذا لم يَخَفْ فوتَ الوقت، وفيه نظرٌ، بل الظاهرُ الجوازُ وإِنْ
لم يَخَفْ فوتَ الوقت كما هو ظاهرُ إطلاقهم، نعم الأولى أنْ لا يُصلِّيَ كذلك إلاّ إذا خافَ فوت
الوقت بالتأخير كما في الصلاة بالتيمُم)) اهـ. وهذا عينُ ما بحثتُهُ أوَّلاً، فليتأمَّل.
(١) صـ ٣٥٠- "در".
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالقيام والركوع والسجود ق١٣/ب.
(٣) ١٤٥/١ "در".
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٥٤/أ.

قسم العبادات
-
٣٥٤
حاشية ابن عابدين
(وإنْ لم يكن طرفُ العجَلَةِ على الدابَّة جازَ) لو واقفةً؛ لتعليلِهم بأنّها كالسرير
(هذا) كلُّه (في الفرضِ) والواجب بأنواعه وسنّة الفجر.
[٥٨٧٣] (قولُهُ: وإنْ لم يكن إلخ) كان المناسبُ ذكرَهُ قبل بيان الأعذار.
[٥٨٧٤] (قولُهُ: لو واقفةً) كذا قَّدَهُ في "شرح المنية"(١)، ولم أره لغيره، يعني: إذا كانت
العجلةُ على الأرض، ولم يكن شيءٌ منها على الدابَّة، وإنما لها حبلٌ مثلاً تَجُرُّها الدابَّةُ به تصحُّ
الصلاة عليها؛ لأَنَّها حينئذٍ كالسرير الموضوع على الأرض، ومقتضى هذا التعليلِ أَنَّها لو كانت
سائرةً في هذه الحالة لا تصحُّ الصلاة عليها بلا عذرٍ، وفيه تأمُّلٌ؛ لأنَّ جرَّها بالحبل وهي على
الأرض لا تخرُجُ به عن كونها على الأرض، ويفيدُهُ عبارةُ "التتار خانيّة"(٢) عن "المحيط "(٣)، وهي:
((لو صلَّى على العجلة إنْ كان طرفُها على [٢/ق١٤ /أ] الداَّة وهي تسيرُ(٤) تجوزُ في حالة العذر
لا في غيرها، وإنْ لم يكن طرفُها على الداَبَّة جازت، وهو بمنزلةِ الصلاة على السرير)) اهـ.
فقوله: ((وإنْ لم يكن إلخ)) يفيدُ ما قلنا؛ لأَنَّه راجعٌ إلى أصل المسألة، وقد قَّدَها بقوله:
((وهي تسيرُ))، ولو كان الجوازُ مقَيَّداً بعدم السير لقَّدَهُ به، فتأمَّل.
[٥٨٧٥] (قولُهُ: هذا كلُّهُ) أي: اشتراطُ عدم القدرة على النزول، ووضعٍ خشبٍ تحت المحمل،
وعدمٍ كون طرف العجَلَةِ على الداَّة، "ح"(٥).
[٥٨٧٦] (قولُهُ: والواجبِ بأنواعِهِ) أي: ما كان واجباً لعينه عيناً كالوتر، أو كفايةً كالجنازة،
(قولُهُ: وفيه تأمُّلٌ؛ لأنَّ جرَّها بالحبلِ إلخ) هي وإنْ لم تَخرُجْ بالجرِّ بالحبل عن كونها على الأرض
إلاَّ أنَّ هذا القيد لا بدَّ منه؛ إذ بدونه يفوتُ اتّحادُ مكان الصلاة الذي هو شرطٌ لصحَّتِها في غير النافلة،
ولا يسقطُ إلاَّ بعذرٍ، وحينئذٍ لا بدَّ من التقييد في عبارة "المحيط".
(١) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام ص ٢٧٤ -.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الرابع والعشرون في الصلاة في السفينة ٤٣/٢.
(٣) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - الصلاة على الدابة ١/ق ١٠٠/أ - ب.
(٤) في "التاتر خانية" و"المحيط البرهاني": ((وهي تسير أولا تسير)).
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق٩٥/ب.
1

الجزء الرابع
٣٥٥
باب الوتر والنوافل
بشرطِ إيقافها للقبلة إنْ أمكَّنَهُ، وإلاَّ فبقدر الإمكان لئلاّ يختلفَ بسيرها المكانُ (وأمَّا
في النفلِ فيجوزُ على المحمل والعحَلَةِ مطلقاً) فُرادى،
٤٧١/١ أو لغيره ووجَبَ بالقول كالنذر، أو بالفعل كنفلٍ شَرَعَ فيه ثمَّ أفسَدَهُ، وكسجدةٍ تُلِيَتْ آَيْتُها
على الأرض، فافهم.
[٥٨٧٧] (قولُهُ: بشرطِ إلخ) أوضحناه فيما مرَّ( ١).
[٥٨٧٨] (قولُهُ: لئلاّ إلخ) علّةٌ لقوله: ((بشرطِ إيقافِها))، "ح"(٢).
والحاصلُ: أنَّ كلاّ من اتّحادِ المكان واستقبالِ القبلة شرطٌ في صلاةٍ غيرِ النافلة عند الإمكان
لا يسقُطُ إلَّ بعذرٍ، فلو أمكنَهُ إيقافُها مستقبلاً فعَلَ، ولذا نقَلَ في "شرح المنية"(٣) عن الإمام
"الحَلْوانيّ": ((أَنَّه لو انحرَفَتْ عن القبلة وهو في الصلاة لا تجوزُ صلاته))، قال: ((وينبغي أنْ يُقْيَّدَ
بأن يكون الانحرافُ مقدارَ رکنٍ)) اهـ.
قلت: بَقِيَ لو أمكنَهُ الإيقافُ دون الاستقبال فلا كلامَ في لزومِهِ؛ لِما ذَكَرَهُ "الشارح" من
العَلَّة، ولو بالعكس هل يلزمُهُ الاستقبالُ؟ لم أرَهُ، ثمَّ رأيتُ في "الحلبة"(٤): ((أَنَّه يلزمُهُ))، وهو ظاهرٌ
قول "الشارح" هنا، وإلاَّ فبقدْرِ الإِمكان، ثمَّ رأيتُ في "الظهيريَّة" ما يدلُّ على خلافه حيث قال:
(وإنْ كان في طينٍ ورَدَغَةٍ يخافُ النزولَ يصلّي إلى القبلة))، قال: ((وعندي هذا إذا كانت الدابَّةُ
واقفةً، أمَّا إذا كانت سائرةً يصلّي حيث شاء)) اهـ. يعني: إذا كان لا يمكنُهُ إيقافُها لخوف فوت
الرفقة مثلاً يصلّي إلى أيِّ جهةٍ كانت، والظاهرُ أنَّ الأوَّلَ أَولِى؛ لأنَّ الضرورة تتقدَّرُ بقدرها، تأمَّل.
[٥٨٧٩] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كانت واقفةً أو سائرةً، على القبلة أوْ لا، قادراً على النزول
أوْ لا، طرفُ العجلة على الداَبَّةِ أوْ لا، "ح"(٥).
(١) المقولة [٣٧٩٢] قوله: ((وكذا كل من سقط عنه الأركان)).
(٢) هذه المسألة ساقطة من نسخة "ح" التي بين أيدينا.
(٣) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ٢٧٤ -.
(٤) "الحلبة": فرائض الصلاة - استقبال القبلة ٢/ ق ٦/ب - ٧/أ.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩٥/ب - ٩٦/أ.

قسم العبادات
٣٥٦
حاشية ابن عابدين
لا يجماعةٍ إلاّ على دابَّةٍ واحدةٍ.
(ولو جَمَعَ بين نَيَّةِ فرضٍ ونفلٍ) ولو تحيَّةً (رُجِّحَ الفرضُ) لقوَّتِهِ، وأبطَلَها "محمَّدٌ"
و"الأئمّة الثلاثة" (ولو نذَرَ ركعتين بغيرِ طُهْرٍ لَزِماه به عنده) أي: "أبي يوسف"، ...
[٥٨٨٠] (قولُهُ: لا بجماعةٍ إلخ) أي: في ظاهرِ الرواية، واستحسَنَ "محمَّدٌ" الجوازَ لو دوأُبُّهم
بالقرب من داَبَّةِ الإِمام، [٢/ق٧٤/ب] بحيث لا يكونُ بينهم وبينه فرجةٌ إلاَّ بقدْرِ الصفِّ قياساً
على الصلاة على الأرض، والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ اتّحاد المكان شرطٌ، حتّى لو كانا على داَّةٍ
واحدةٍ في محملٍ واحدٍ أو في شِقِّي محملٍ جاز، "بدائع"(١).
[٥٨٨١] (قولُهُ: ولو جَمَعَ إلخ) تقدَّمَتْ(٢) هذه المسألةُ مع نظائرها قبيل باب صفة الصلاة.
[٥٨٨٢] (قولُهُ: ولو تحيّةً) فيه كلامٌ قدَّمناه(٣) عند الكلام على تحيّة المسجد.
[٥٨٨٣] (قولُهُ: لَزِماه به) أي: لَزِمَهُ(٤) الركعتان بطهرٍ، وهذا ذكَرَهُ في "البحر"(٥) بحثاً قياساً
على ما لو قال: بغيرِ وضوءٍ.
أقولُ: ولا حاجةً للبحث، فإنَّ ما في المتن مذكورٌ في متن "المجمع"، ووجهُهُ أنَّ الناذر لَمَّا
أو جَبَ عليه ركعتين أو جَبَهما بطهارةٍ؛ لأنَّ الصلاة لا تكونُ إلَّ بها، وقوله بعده: ((بغيرِ طهرٍ))
رجوعٌ عمَّ التزَمَهُ، فلا يصحُّ، "ابن مَلَكٍ".
[٥٨٨٤] (قولُهُ: أي: "أبي يوسف") أشارَ إلى أنَّه كان ينبغي لـ "المصنّف" التصريحُ به؛
لأَنَّه لا مرجعَ للضمير في ((عندَهُ))؛ لأنَّ المتعارَفَ في مثله رجوعُهُ لـ "أبي حنيفة"، إلاَّ إذا كان
له مرجعٌ خاصٌّ غيرُهُ.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في أركان الصلاة ١٠٨/١ - ١٠٩ بتصرف.
(٢) ١٣٥/٣ "در" وما بعد.
(٣) المقولة [٥٧٢٤] قوله: ((ينوب عنها بلا نية)).
(٤) ((به أي: لزمه)) ساقط من "آ".
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٢/٢.