النص المفهرس
صفحات 301-320
الجزء الرابع
٢٩٧
باب الوتر والنوافل
مرفوعاً: ((لا بدَّ من صلاةٍ بليلٍ ولو حلبَ شاةٍ، وما كان بعد [٢/ق٥٨/ب] صلاة العشاء فهو
من الليل))، وهذا يفيدُ أنَّ هذه السنَّة تحصُلُ بالتقُّلِ بعد صلاة العشاء قبل النوم )) اهـ.
قلت: قد صرَّحَ بذلك في "الحلبة"(١)، ثمَّ قال فيها بعد كلامٍ: ((ثُمَّ غيرُ خافٍ أنَّ صلاة الليل
المحثوثَ عليها هي التهجُّدُ، وقد ذكَرَ القاضي "حسينٌ" من الشافعيَّةِ أَنَّه في الاصطلاح التطوُّعُ بعد
٤٥٩/١ النوم، وأَيِّدَ بما في "معجم الطبرانيّ(٢) من حديث "الحجَّاج بن عمرٍو"﴿ قال: ((يَحسَبُ
أحدُكم إذا قام من الليل يصلّي حَتَّى يُصبحَ أنَّه قد تهجَّةَ، إنما التهجُّدُ المرءُ يصلّي الصلاةَ بعد
رقدةٍ))، غيرَ أنَّ في سنده "ابنَ لهيعة"، وفيه مقالٌ، لكنَّ الظاهر رُجْحانُ حديثِ "الطبرانيِّ" الأوَّلِ؛
لأَنَّه تشريعٌ قوليٌّ من الشارع ﴿ بخلاف هذا، وبه ينتفي ما عن "أحمد" من قوله: قيامُ الليل من
المغرب إلى طلوع الفجر)) اهـ ملخَّصاً.
أقولُ: الظاهرُ أنَّ حديث "الطبرانيّ" الأوَّلَ بيانٌ لكون وقته بعد صلاة العشاء، حتّى لو نام
ثُمَّ تطوَّعَ قبلها لا يُحصِّلُ السّنّةَ، فيكونُ حديثُ "الطبرانيِّ" الثاني مغسِّراً للأوَّلِ، وهو أولى من
إثباتِ التعارُضِ والترجيحِ؛ لأنَّ فيه تركَ العمل بأحدهما، ولأَنَّه يكونُ جارياً على الاصطلاح،
ولأنّه المفهومُ من إطلاق الآيات والأحاديث، ولأنَّ التهُّدَ إزالةُ النوم بتكلُّفٍ مثلُ تَأَثِّمَ، أي:
تَحفّظَ عن الإِثمِ، نعم صلاةُ الليل وقيامُ الليل أعمُّ من التهجُّدِ، وبه يُحابُ عمَّا أُورِدَ على قول
الإِمام "أحمد"، هذا ما ظهَرَ لي، والله أعلم.
(قولُهُ: ولأنَّ التهجُّدَ إزالةُ النوم إلخ) لقائل أن يقول: معنى تهجَّدَ أي: تحفّظَ عن الهجود وهو النوم،
وذلك أعمُّ من أنْ يكون نام قبل الصلاة أو لا، بل الثاني أظهرُ، فعلى هذا لا فرقَ بين التهجُّدِ وبين صلاة
الليل وقيام الليل. اهـ "سندي". ولقائل أن يقول: التهجُّدُ يقتضي التكلُّفَ في التحفُّظ عن النوم، وهذا
لا يكون إلاّ بعد النوم بخلاف ما قبله، فإنَّ التكلُّفَ فيه غيرُ متحقّقٍ غالباً، هذا ما ظهر، فتأمَّله.
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ ق ٢٩٠/أ.
(٢) "الكبير" ٣٢١٦/٣.
قسم العبادات
٢٩٨
حاشية ابن عابدين
وأقلُّها على ما في "الجوهرة" ثمان،
ء
( تنبيةٌ)
ظاهرُ ما مرَّ(١) أنَّ التهجُّد لا يحصُّلُ إلَّ بالتطوُّع، فلو نامَ بعد صلاة العشاء ثمَّ قام فصلّى
فوائتَ لا يُسمَّى تهجُّداً، وتردَّدَ فيه بعضُ الشافعيَّة.
قلت: والظاهرُ أنَّ تقييده بالتطوُّع بناءٌ على الغالب، وأَنَّه يحصُلُ بأيِّ صلاةٍ كانت؛ لقوله
في الحديث المارّ(٢): ((وما كان بعدَ صلاة العشاء فهو من الليل)).
ثُمَّ اعلمْ أنَّ ذِكرَهُ صلاةَ الليل من المندوبات مَشَى عليه في "الحاوي القدسيِّ(٣)، وقد تردّدَ
[٢/ ق٥٩/أ] "المحقّق" في "فتح القدير"(٤) في كونه سنَّةٌ أو مندوباً؛ لأنَّ الأدلّة القوليَّة تفيدُ الندبَ،
والمواظبةَ الفعليّةَ تفيدُ السنّةَ؛ لأَنّهَ وَ﴿ إذا واظَبَ على تطوُّعٍ يصيرُ سنَّةً، لكنَّ هذا بناءً على أنَّه كان
تطوُّعاً في حقّه، وهو قولُ طائفةٍ، وقالت طائفةٌ: كان فرضاً عليه، فلا تفيدُ مواظبْتُهُ عليه السنّةَ في
حقّنًا، لكنَّ صريح ما في "مسلمٍ)(٥) وغيره عن "عائشة" أَنَّه كان فريضةً ثُمَّ نُسِخَ، هذا خلاصةُ ما
ذكَرَهُ، ومُفادُه اعتمادُ السنّةِ في حقّنا؛ لأَنَّهِوَّ واظَبَ عليه بعد نسخ الفرضيَّة، ولذا قال
في "الحلبة"(٦): ((والأشبهُ أنَّه سنَّةٌ)).
[٥٧٥١] (قولُهُ: وَأَقُلُّها - على ما في "الجوهرة"(٧) - ثمانٍ) قَّدَ بقوله: ((على ما في "الجوهرة"))
(قولُهُ: وما كان بعدَ صلاةِ العشاء إلخ) لا يدلُّ عليه، بل القصدُ منه بيانُ وقت اللَّيل هنا إلاَّ بحملٍ
((ما)) على صلاة وتقديرِ مضافٍ قبل ((الليل)) وهو لفظ صلاة.
(١) في هذه المقولة.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب الصلوات المستحبات ق٥٥/أ."
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٩١/١.
(٥) أخرجه مسلم (٧٤٦) كتاب صلاة المسافرين - باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، وأبو داود (١٣٤٢)
كتاب الصلاة - باب في صلاة الليل. من حديث سعد بن هشام بن عامر قلته.
(٦) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ق ٢٩١/أ بتصرف.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب النوافل ٨٦/١.
الجزء الرابع
٢٩٩
باب الوتر والنوافل
لأَنَّه في "الحاوي القدسيِّ"(١) قال: ((يصلّي ما سهُلَ عليه ولو ركعتين، والسنةَ فيها ثمان ركعاتٍ
بأربعٍ تسليماتٍ)) اهـ.
والتقييدُ بأربعِ تسليماتٍ مبنىٌّ على قول الصاحبين وأمَّا على قول "الإِمام" فلا كما ذكَرَهُ في
"الحلبة"(٢)، وقال فيها أيضاً: ((وهذا بناءً على أنَّ أقلَّ تهجُّدِهِ وَ لّ كان ركعتين، وأنَّ منتهاه كان ثمان
ركعاتٍ أخذاً مما في "مبسوط السرخسيِّ) (٣))، ثمَّ ساقَ تبعاً لشيخه المحقّق "ابن الهمام"(٤) الأحاديثَ
الدَّةَ على ما عَنَّهُ في "المبسوط" من منتهاه، وحديثَ "أبي داود"(٥) الدالَّ على أنَّ أقلَّ تهجُّدِهِ ﴿: أربعٌ
سوى ثلاثِ الوتر، وتمامُ ذلك فيها فراجعها، لكنْ ذكَرَ آخِرً(٦) عنه وَّ: ((((مَن استيقَظَ من الليل
وأيقَظَ أهلَهُ فصلَّيا ركعتين كُتِبًا من الذاكرين اللَّهَ كثيراً والذاكراتٍ)) رواه "النسائي" و"ابن ماجه" و"ابن
حَبَّان" في "صحيحه" و"الحاكم(٧)، وقال "المنذري"(٨): صحيحٌ على شرطِ "الشيخين")) اهـ.
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب الصلوات المستحبات ق ٥٥/أ.
(٢) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ق ٢٩١/أ.
(٣) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة ١٥٨/١.
(٤) "فتح القدير": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٩٠/١.
(٥) أخرجه أبو داود (١٣٦٢) كتاب الصلاة - باب في صلاة الليل من حديث عبد الله بن أبي قيس قال: ((قلت لعائشة
رضي الله عنها: بكم كان رسول الله ﴿ يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث .. )).
(٦) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ ق ٢٩٢/أ.
(٧) في "المستدرك" ٣٦/١ كتاب صلاة التطوع وقال: هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه
الذهبيّ. قال الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله تعالى: ((وليس كذلك فإن الأغر - وهو أبو مسلم المدينيّ نزيل
الكوفة - لم يخرج له البخاريّ وهو من رجال مسلم فقط، فكيف يكون الحديث على شرطهما جميعاً؟)).
وأخرجه النّسائيّ في "السنن الكبرى" ٣٣١/٣، وابن ماجه(١٣٣٥) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء فيمن أيقظ أهله
من اللیل، وابن حبان في "صحيحه" (٢٥٦٨) و(٢٥٦٩) کتاب الصلاة - فصل في قيام الليل، وأبو داود (١٣٠٩) كتاب
الصلاة - باب قيام الليل، و(١٤٥١) باب الحث على قيام الليل، وأبو يَعْلى (١١١٢)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى"
٥٠١/٢ كتاب الصلاة - باب الترغيب في قيام الليل. كلُّهم من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ وأبي هريرة رضي الله عنهما.
(٨) "الترغيب والترهيب" ٤٢٩/١ باب الترغيب في قيام الليل. الحديث (١٩).
قسم العبادات
٣٠٠
حاشية ابن عابدين
ولو جعَلَهُ أثلاثاً فالأوسطُ أفضلُ، ولو أنصافاً فالأخيرُ(١)،
أقولُ: فينبغي القولُ بأنَّ أقلَّ التهجُّد ركعتان، وأوسطَهُ أربعٌ، وأكثرَهُ ثمانٍ، والله أعلم.
[٥٧٥٢] (قولُهُ: ولو جعَلَهُ أَثلانً إلخ) أي: لو أرادَ أنْ يقوم ثلثَهُ وينامَ ثلثيه فالثلثُ الأوسطُ
أفضلُ من طرفيه؛ لأنَّ الغفلة فيه أَتَمُّ، والعبادةَ فيه أثقلُ، ولو أرادَ أن يقومَ نصفَهُ وينام نصفَهُ فقيامُ
نصفِهِ الأخيرِ أفضلُ لقَلَّة [٢/ق٥٩/ب] المعاصي فيه غالباً، وللحديث الصحيح(٢): ((ينزلُ ربُّنَا إلى
سماءِ الدنيا في كلِّ ليلةٍ حين يبقى ثلثُ الليل الأخيرُ فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَن يسألُني
فأعطيَهُ، مَن يستغفرُني فأغفرَ له))، ومعنى ((ينزلُ رُبُّنَا)): ينزلُ أمرُهُ كما أوَّلَهُ به الخلفُ وبعضُ
أكابرِ السلف، وتمامُهُ في "تحفة ابن حجرٍ"(٣)، وذكَرَ: ((أنَّ الأفضل من الثلثِ الأوسطِ السدسُ
الرابع والخامسُ؛ للخبرِ المَنَّفقِ عليه (٤): ((أَحَبُّ الصلاة إلى الله تعالى صلاةُ داود، كان ينامُ نصفَ
(١) في "ب" و"و":((فالأخير أفضل)).
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" ١٨٧/١ كتاب القرآن - باب ما جاء في الدعاء، وأحمد في "المسند" ٢٦٧/٢، ٢٨٢، ٤١٩،
٤٣٣، ٤٨٧، والبخاريّ (١١٤٥) كتاب التهجد - باب الدعاء والصلاة في آخر الليل، و(٦٣٢١) كتاب الدعوات - باب
الدعاء نصف الليل، و(٧٤٩٤) كتاب التوحيد - باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ اللّهِ﴾، ومسلم
(٧٥٨)(١٦٨)(١٦٩)(١٧٠) (١٧١) كتاب صلاة المسافرين - باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل،
وأبو داود (١٣١٥) كتاب الصلاة - باب أيُّ الليل أفضل؟ والترمذيّ (٤٤٦) كتاب الصلاة - باب ما جاء في نزول
الرب تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والنّسائيّ في "عمل اليوم
والليلة" (٤٨٠) و(٤٨٣) و(٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٦٦) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في أيِّ ساعات الليل
أفضل، وابن خزيمة في "التوحيد" ص ١٠٣ -، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢/٣ كتاب الصلاة - باب الترغيب في
قيام آخر الليل، وابن حبان في "صحيحه" (٩٢٠) كتاب الرقائق - باب الأدعية. كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌َّه،
وفي الباب: عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، وحُبَيْر بن مُطْعِم، وابن مسعود، ورِفَاعَة بن عرابة الجُهَنيّ، وعليّ بن أبي طالب،
وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص رضوان الله تعالى عليهم.
(٣) انظر "تحفة المحتاج": كتاب الصلاة - باب في صلاة النفل ٢٤٤/٢.
(٤) أخرجه البخاريّ (١١٣١) كتاب التهجد - باب من نام عند السَّحَر، ومسلم (١١٥٩)(١٨٩) كتاب الصيام - باب
النهي عن صوم الدهر. وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٧٨٦٤)، وأحمد في "المسند" ١٦٠/٢، وأبو
داود(٢٤٤٨) كتاب الصوم - باب صوم يوم وفطر يوم، والنّسائيّ ٢١٤/٣ - ٢١٥ كتاب قيام الليل - باب ذكر
صلاة نبي الله داود التقليئا بالليل، و١٩٨/٤ كتاب الصيام - باب صوم نبي الله داود التلفئة، وابن ماجه (١٧١٢) =
الجزء الرابع
٣٠١
باب الوتر والنوافل
الليل، ويقومُ ثلثه، وينامُ سدسه)))) اهـ. وبه جزَمَ في "الحلبة"(١).
(تتمَّةٌ)
ذكَرَ في "الحلبة"(٢) أيضاً ما حاصلُهُ: (( أَنَّه يكرهُ تركُ تهجُّدٍ اعتادَهُ بلا عذرِ؛ لقوله ◌ِصَّ
ء
لـ "ابن عمرٍو"(٣): ((يا "عبدَ الله"، لا تكنْ مثلَ فلانٍ، كان يقومُ الليل ثمَّ تَرَكَهُ)) متَّفَقٌ عليه(٤)،
فينبغي للمكلَّفِ الأخذُ من العمل بما يطيقُهُ كما ثبَتَ في "الصحيحين"(٥)، ولذا قال ◌َ: «أحبُّ
= كتاب الصيام - باب ما جاء في صيام داود التَّنيئا، والدّارِميّ ٢٠/٢ كتاب الصوم - باب في صوم داود التَّئ، وابن
حبان في "صحيحه" (٢٥٩٠) کتاب الصلاة - فصل في قيام الليل.
ووقع عند الدّارِميّ بلفظ: ((كان يصلي نصفاً، وينام ثلثاً، ويسبح سدساً)) وقال: هذا اللفظ الأخير غلطٌ أو خطأ،
وإنما هو أنه: ((كان ينام نصف الليل، ويصلي ثلثه، ويسبح سدسه)). كلَّهم من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص رضي الله عنهما.
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ق ٢٩٠/أ.
(٢) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ق ٢٩٠/أ.
(٣) في النسخ جميعها: ((لابن عمر)) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(٤) أخرجه البخاريّ(١١٥٢) كتاب التهجد - باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، ومسلم (١١٥٩)
(١٨٥) كتاب الصيام - باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.
وأخرجه النّسائيّ ٢٥٣/٣ كتاب قيام الليل - باب ذم من ترك قيام الليل، وابن ماجه (١٣٣١) كتاب إقامة الصلاة -
باب ما جاء في قيام الليل، والبغويّ في "شرح السنة" (٩٣٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٢٦٤١) كتاب الصلاة -
فصل في قيام الليل. كُلُّهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٥) أخرجه البخاريّ (١٩٧٠) كتاب الصوم - باب صوم شعبان، و(٥٨٦١) كتاب اللباس - باب الجلوس على الحصير
ونحوه، و(٦٤٦٥) كتاب الرقاق - باب القصد والمداومة على العمل، ومسلم (٧٨٢)(٢١٥) كتاب صلاة المسافرين
- باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، و(٧٨٥)(٢٢٠) باب أمر من نعس في صلاته.
وأخرجه أحمد ٨٤/٦ و١٨٠ و١٨٩ و٢٤٤ و٢٤٧، وأبو داود (١٣٦٨) كتاب الصلاة - باب ما يؤمر به من القصد
في الصلاة، والنسائيّ ٦٩،٦٨/٢ كتاب القبلة - باب المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة، وابن ماجه (٩٤٢) كتاب
إقامة الصلاة - باب ما يستر المصلي، مختصراً، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٢٨٢) كتاب الصلاة - باب ذكر الدليل
على أن النّبِيّ ◌َ ◌ّ إنما داوم على الركعتين بعد العصر بعدما صلاهما مدةً لفضل الدوام على العمل، والبغويّ =
قسم العبادات
٣٠٢
حاشية ابن عابدين
وإحياءُ ليلةِ العيدين، والنصفِ من شعبان، والعشرِ الأخير من رمضان، والأوَّلِ من
ذي الحجَّة، ويكونُ بكلِّ عبادةٍ تعمُّ الليلَ أو أكثرَه،.
الأعمال إلى الله أدومُها وإِنْ قلَّ)) رواه "الشيخان" وغيرهما (١))).
مطلبٌ في إحياءِ ليالي العيدين والنصفِ وعشرِ ذي الحجَّة ورمضانَ
[٥٧٥٣] (قولُهُ: وإحياءُ ليلةِ العيدين) الأولى: ليلتي بالتثنية، أي: ليلة عيد الفطر وليلة عيد
الأضحى.
[٥٧٥٤] (قولُهُ: والنصفِ) أي: وإحياءُ ليلة النصف من شعبان.
[٥٧٥٥] (قولُهُ: والأوَّلِ) أي: وليالي العشرِ الأوَّلِ إلخ، وقد بسَطَ "الشرنبلاليُّ" في
"الإِمداد"(٢) ما جاءَ في فضلِ هذه الليالي كلّها، فراجعه.
[٥٧٥٦] (قولُهُ: ويكونُ بكلِّ عبادةٍ تعُمُّ الليلَ أو أكثرَهُ) نُقِلَ عن بعض المتقدِّمين - قيل: هو
الإِمامُ أبو جعفرِ "محمَّدُ بن عليٍّ)(٣) - أَنَّه فسَّرَ ذلك بنصفِ الليل وقال: ((مَن أحيَى نصفَ الليل
= في "شرح السنة" (٧٨٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٥٣) و(٣٥٥) كتاب البر والإحسان - باب ما جاء في
الطاعات وثوابها، و(١٥٧٨) كتاب الصلاة - فصل في الأوقات المنهي عنها، و(٢٥٧١) و(٢٥٨٦) كتاب الصلاة
- فصل في قيام الليل. كلُّهم من حديث عائشة رضي الله عنها.
(١) أخرجه البخاريّ (٥٨٦١) كتاب اللّاس - باب الجلوس على الحصير ونحوه، و(٦٤٦٤) و(٦٤٦٥) كتاب الرقاق -
باب القصد والمداومة على العمل، ومسلم (٧٨٢)(٢١٥) (٢١٦) (٢١٨) كتاب صلاة المسافرين - باب فضيلة العمل
الدائم من قيام الليل وغيره.
وأخرجه أحمد ٢٦٧/٦ - ٢٦٨، ٢٧٣، وأبو داود (١٣٦٨) كتاب الصلاة - باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة،
والنّسائيّ ٦٨/٢-٦٩ كتاب القبلة - باب المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة، وابن حبان في "صحيحه" (٢٥٧١)
كتاب الصلاة - فصل في قيام الليل، والنوويّ في "خلاصة الأحكام" ٥٩٧/١ كتاب صلاة التطوع - باب الاقتصاد
في العبادة. كلُّهم من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في تحية المسجد ق ٢١٦/ب.
(٣) لعله أبو جعفر محمد الباقر بن عليّ بن زين العابدين بن الحسين(ت ١١٤هـ) خامس الأئمة الاثني عشر. ("حلية
الأولياء" ١٨٠/٣، "الأعلام" ٢٧٠/٦).
الجزء الرابع
٣٠٣
باب الوتر والنوافل
فقد أحَى الليلَ))، وذكَرَ في "الحلبة"(١): ((أَنَّ الظاهر من إطلاق الأحاديث الاستيعابُ، لكنْ في
"(صحيح مسلمٍ)"(٢) عن "عائشة" قالت: ((ما أعلَمُهُ{﴿ قَامَ ليلةً حتى الصباح))، فيترجَّحُ إرادةُ
الأكثرِ أو النصف، لكنَّ الأكثرَ أقربُ إلى الحقيقة ما لم يَتْبُتْ ما يقتضي تقديمَ النصف)) اهـ.
٤٦٠/١
وفي "الإمداد"(٣): ((ويحصُلُ القيامُ بالصلاة نفلاً فُرادى من غيرِ عددٍ مخصوصٍ، وبقراءةٍ
القرآن والأحاديثِ وسماعِها، وبالتسبيحِ، والثناءِ، والصلاة والسلام على [٢/ق ٦٠/أ] النبي ◌َّ
الحاصلِ ذلك في معظم الليل، وقيل: بساعةٍ منه، وعن "ابن عبّاسٍ" رضي الله عنهما: ((بصلاةٍ
العشاء جماعةً، والعزمٍ على صلاة الصبح جماعةٌ)) كما قالوه في إحياءٍ ليلتي العيدين، وفي "صحيح
مسلمٍ"(٤): قال رسول الله ﴿: «مَن صلَّى العشاءَ في جماعةٍ فكأنما قامَ نصفَ الليل، ومَن صلَّى
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ق ٢٩٢/ب.
(٢) أخرجه مسلم (٧٤٦) (١٣٩) كتاب صلاة المسافرين - باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض.
وأخرجه أحمد ٥٣/٦-٥٤، وأبو داود (١٣٤٢) و(١٣٤٣) و(١٣٤٤) كتاب الصلاة - باب في صلاة الليل،
والنسائيّ ١٩٩/٣ -٢٠٠ -٢٠١ كتاب قيام الليل - باب قيام الليل، و٢٤١/٣، ٢٤٢ باب كيف الوتر بتِسْعٍ؟ وابن
ماجه (١١٩١) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمسٍ وسبعٍ وتَسْعٍ، والدّارِميّ ٣٦٧/١ كتاب
الصلاة - باب صفة صلاة رسول اللـه *، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٠٧٨) كتاب ذكر الوتر وما فيه من السنن
- باب إباحة الوتر بسبع ركعات أو تسع، و(١١٢٧) كتاب صلاة التطوع في الليل - باب ذكر خبر نسخ فرض
قيام الليل بعدما كان فرضاً واجباً، و(١١٦٩) و(١١٧٠) كتاب صلاة التطوع في الليل - باب قضاء صلاة الليل
بالنهار إذا فاتت لمرض أو شغل أو نوم، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٩٩/٢-٥٠٠ كتاب الصلاة - باب في قيام
الليل، وابن حبان في "صحيحه" (٢٤٢٠) كتاب الصلاة - باب الوتر، مختصراً، و(٢٥٥١) و(٢٥٥٢) و(٢٦٤٢)
كتاب الصلاة - فصل في قيام الليل، مختصراً. كلُّهم من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في تحية المسجد ق٢١٨/أ.
(٤) أخرجه مسلم (٦٥٦) (٢٦٠) كتاب المساجد - باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة. وأخرجه عبد الرزاق في
"المصنف" (٢٠٠٨)، وأحمد ٥٨/١، ٦٨، وأبو داود (٥٥٥) كتاب الصلاة - باب في فضل صلاة الجماعة،
والترمذيّ (٢٢١) كتاب الصلاة - باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، وابن خزيمة في "صحيحه"
(١٤٧٣) كتاب الصلاة - باب فضل صلاة العشاء والفجر في الجماعة، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٦٣/١، ٤٦٤=
قسم العبادات
٣٠٤
حاشية ابن عابدين
الصبح (١) في جماعةٍ فكأنما قام الليل كلَّه)))) اهـ.
(تتمَّةٌ)
أشارَ بقوله: ((فُرادى)) إلى ما ذكَرَهُ بعدُ في مته من قوله: (( ويكرهُ الاجتماعُ على إحياء
ليلةٍ من هذه الليالي في المساجد))، وتمامُهُ في "شرحه"(٢)، وصرَّحَ بكراهةٍ ذلك في "الحاوي
القدسيِّ"(٣) وقال: ((وما رُوِيَ من الصلواتِ في هذه الأوقات يُصلّى فُرادى غيرَ التراويح)).
مطلبٌ في صلاة الرغائب
قال في "البحر"(٤): ((ومن هنا يُعلَمُ كراهةُ الاجتماع على صلاة الرغائبِ التي تُفْعَلُ في
رجبٍ في أوَّلِ جمعةٍ منه وأَنَّها بدعةٌ، وما يحتلُهُ أهلُ الروم من نذرِها لتخرجَ عن النفلِ والكراهةِ
فباطلٌ)) اهـ.
قلت: وصرَّحَ بذلك في "البزَّزيَّة"(٥) كما سيذكرُهُ "الشارح"(٦) آخرَ الباب، وقد بسَطَ
الكلام عليها "شارحا المنية (٧)، وصَرَّحا: ((بأنَّ ما رُوِيَ فيها باطلٌ موضوعٌ))، وبَسَطا الكلامَ
فيها خصوصاً في "الحلبة"، وللعلامة "نورِ الدين المقدسيِّ" فيها تصنيفٌ حَسَنٌ سَمَّاه "ردع الراغب
= كتاب الصلاة - باب من قال: هي الصبح، وإليه مال الشافعيّ رحمه الله تعالى، و٦١،٦٠/٣ كتاب الصلاة - باب ما
جاء في فضل صلاة الجماعة، والبغويّ في "شرح السنة" (٣٨٥)، وأبو عوانة ٤/٢، وابن حبان في "صحيحه" (٢٠٥٨)
و(٢٠٦٠) كتاب الصلاة - باب الإمامة والجماعة - فصل في فضل الجماعة. كُلُّهم من حديث عثمان بن عفّان ◌َّه.
(١) من ((جماعة كما)) إلى ((صلى الصبح)) ساقط من "الأصل".
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في تحيّة المسجد ق٢١٨/أ.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - فصل في التطوع ق٤٦ /ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٧/٢.
(٥) "البزازية": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ٥٤/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٥٩٣٢] قوله: ((في صلاة رغائب)).
(٧) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ق ٢٩٣/أ، و"شرح المنية الكبير": فصل في النوافل
ص٤٣٢- وما بعدها.
الجزء الرابع
٣٠٥
باب الوتر والنوافل
ومنها ركعتا الاستخارةِ،.
عن صلاة الرغائب"(١)، أحاطَ فيه بغالبِ كلام المتقدِّمين والمتأخرين من علماء المذاهب الأربعة.
مطلبٌ في ركعتي الاستخارة
[٥٧٥٧] (قولُهُ: ومنها ركعتا الاستخارة) عن "جابر بن عبد الله" قال: كان رسول الله وُ آّ
يُعلِّمنا الاستخارةَ في الأمور كلِّها كما يُعلِّمنا السورةَ من القرآن، يقول: ((إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر
فليركع ركعتين من غير الفريضة ثمَّ ليقل: اللهمَّ إنِّي أستخيرُكَ بعلمِكَ، وأستقدرُكَ بقدرتك،
وأسألُك من فضلك العظيم، فإنَّك تقدِرُ ولا أقدِرُ، وتعلمُ ولا أعلمُ وأنت علّمُ الغيوب، اللهمَّ إِنْ
كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجلٍ أمري وآجله-
فاقدُرْه لي ويسِّرِه لي، ثمَّ بارِكْ لي فيه، وإنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة
أمري - أو قال: عاجلٍ أمري وآجله - [٢/ق٦٠/ب] فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدُرْ لي الخيرَ حيث
كان ثُمَّ رَضِّني به)، قال: ((ويُسمِّي حاجته)) رواه "الجماعة" إلَّ "مسلماً" (٢)، "شرح المنية"(٣).
( تتميمٌ )
معنى (( فاقدُرْه)): اقضِهِ لي وهيِّْهُ، وهو بكسر الدال وبضمِّها، وقولُهُ: ((أو قال: عاجلٍ
أمري)) شكٌّ من الراوي، قالوا: وينبغي أنْ يَجمَعَ بينهما فيقول: وعاقبةٍ أمري وعاجله وآجله،
(١) "ردع الراغب عن صلاة الرغائب": لعليّ بن محمد بن عليّ بن غانم، نور الدين المقدسيّ القاهريّ
الحنفيّ(ت ١٠٠٤ هـ) ("كشف الظنون" ٨٤٠/١، "خلاصة الأثر ١٨٠/٣).
(٢) أخرجه أحمد ٣٤٤/٣، والبخاريّ(١١٦٢) كتاب التهجد - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، و(٦٣٨٢) كتاب
الدعوات - باب الدعاء عند الاستخارة، و(٧٣٩٠) كتاب التوحيد - باب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾، وأبو داود (١٥٣٨)
كتاب الصلاة - باب في الاستخارة، والترمذيّ (٤٨٠) كتاب الصلاة - باب ما جاء في صلاة الاستخارة، وقال:
حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلاّ من حديث عبد الرحمن بن المواليّ، وهو شيخ مدينيّ ثقة، والنّسائيّ
٨٠/٦ كتاب النكاح - باب كيف الاستخارة، وفي "عمل اليوم والليلة" (٤٩٨)، وابن ماجه (١٣٨٣) كتاب الإقامة
- باب ما جاء في صلاة الاستخارة. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب رضي الله عنهما.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٤٣١ -.
قسم العبادات
٣٠٦
حاشية ابن عابدين
وأربعُ صلاةِ التسبيح بثلثمائةٍ تسبيحةٍ، وفضلُها عظيمٌ،.
وقوله: ((ويُسمِّي حاجَتَهُ)) قال "ط"(١): ((أي: بدلَ قوله: هذا الأمرَ)) اهـ.
قلت: أو يقولُ بعده: وهو كذا وكذا، وقالوا: الاستخارةُ في الحجِّ ونحوه تُحمَلُ على تعيين
الوقت، وفي "الحلبة"(٢): ((ويُستحَبُّ افتتاحُ هذا الدعاء وختمُهُ بالحمدلة والصلاة، وفي
"الأذكار"(٣): أَنَّه يقرأ في الركعة الأولى الكافرون وفي الثانية الإخلاص اهـ. وعن بعض السلف: أنَّه
يزيدُ في الأُولى: ﴿وَرَبُّكَ مَخْلُقُ مَايَشَاءُ وَيَخْتَارٌ﴾ إلى قوله: ﴿يُعْلِنُونَ﴾ [القصص- ٦٨ و٦٩]،
وفي الثانية: ﴿ وَمَكَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ [الأحزاب- ٣٦]، وينبغي أنْ يُكَرِّرِها سبعاً لِمَا رَوَى
"ابن السني"(٤): ((يا "أنسُ"، إذا همَمْتَ بأمرٍ فَاسْتَخِرْ ربَّكَ فيه سبعَ مرَّاتٍ، ثمَّ انظر إلى الذي سَبَقَ
إلى قلبك فإنَّ الخيرَ فيه)، ولو تعذَّرَتْ عليه الصلاةُ استخارَ بالدعاءِ)) اهـ ملخَّصاً.
وفي "شرح الشرعة"(٥): ((المسموعُ من المشايخ أنَّه ينبغي أنْ ينامَ على طهارةٍ مستقبلَ القبلة
بعد قراءةِ الدعاء المذكور، فإنْ رأى في منامِهِ بياضاً أو خضرةً فذلك الأمرُ خيرٌ، وإنْ رأى فيه
سواداً أو حمرةً فهو شرٌّ ينبغي أنْ يُجتَنَبَ)) اهـ.
مطلبٌ: صلاةُ التسبيح
[٥٧٥٨] (قولُهُ: وأربعُ صلاةِ التسبيح (٦) إلخ) يفعلُها في كلِّ وقتٍ لا كراهةَ فيه، أو في كلِّ يومٍ
أو ليلةٍ مرَّةً، وإلاّ ففي كلِّ أسبوعٍ أو جمعةٍ أو شهرٍ أو العمرِ، وحديثُها حسنٌ لكثرةٍ طرقه، ووَهِمَ
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٨/١.
(٢) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع عشر في صلاة الليل ٢/ق ٢٨٦/ب - ٢٨٧/أ.
(٣) "الأذكار": صـ ١٠١ - كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات - باب دعاء الاستخارة.
(٤) في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٨) باب كم مرة يستخير الله عزوجل؟ وذكره النووي في "الأذكار" صـ١٠١-، وقال:
إسناده غريب فيه من لا أعرفهم.
(٥) "شرح الشرعة": فصل في فضيلة النوافل صـ ١٣٦ -.
(٦) في "د" زيادة: ((وحديثها مرويّ عن عليّ، وابن عمرو، وابن عباس، وأُمّ سَلَمَة، وأبي رافع، والفضل بن عباس،
وغيرهم ضَّ. قال النوويّ في "التهذيب": وقد جاء في حديث صلاة التسبيح طريق حسن في كتاب الترمذيّ وغيره،
وأفتى ابن الصلاح بأنها سنةٌ، وحديتُها حسنٌ أخرجه من أئمة الحديث جماعة، منهم: النّسائيّ، وقد ورد من
حديث عبد القدوس بن حبيب عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما دعاءٌ في هذه الصلاة بعد التشهد وقبل
التسليم، ذكره أبو نُعَيْم الحافظ، وهو الذي ذكره ابن رسلان في "تهذيب الأذكار" عن الطبرانيّ في الأوسط)).
الجزء الرابع
٣٠٧
باب الوتر والنوافل
مَنْ زعَمَ وضعَهُ، وفيها ثوابٌ لا يتناهى، ومِن ثُمَّ قال بعضُ المحقّقين: لا يَسمَعُ بعظيم فضلها
ويَتْرُكُها إلاَّ مُتُهاوِثٌ بالدين، والطعنُ في ندبها بأنَّ فيها تغييراً لنظمِ الصلاة إنما يتأَنَّى على ضعفِ
حديثها، فإذا ارتَقَى إلى درجةِ الحسن أثْبَتَها وإنْ كان فيها ذلك، وهي أربعٌ بتسليمةٍ أو تسليمتين،
[٢/ق ٦١/أ] يقول فيها ثلثمائةِ مرَّةٍ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، وفي
روايةٍ زيادةُ: ولا حولَ ولا قوَّة إلاّ بالله، يقولُ ذلك في كلِّ ركعةٍ خمساً وسبعين مرَّةً، فبعدَ الثناء
خمسَ عشرةَ، ثُمَّ بعد القراءة، وفي ركوعه، والرفع منه، وكلٍّ من السجدتين، وفي الجلسة بينهما
عشراً عشراً بعد تسبيحِ الركوع والسجود، وهذه الكيفيَّةُ هي التي رواها "الترمذيُّ" في جامعه(١)
عن "عبد الله بن المبارك" أحدٍ أصحاب "أبي حنيفة" الذي شارَكَهُ في العلم والزهد والورع،
وعليها اقتصَرَ في "القنية"(٢) وقال: ((إنَّها المختارُ من الرِّوايتين))، والروايةُ الثانية أنْ يُقتصَرَ في القيام
على خمسَ عشرةَ مرَّةً بعد القراءة، والعشرُ الباقيةُ يأتي بها بعد الرفع من السجدة الثانية، واقتصر
عليها في "الحاوي القدسيِّ"(٣) و"الحلبة"(٤) و"البحر"(٥)، وحديثُها أشهرُ، لكنْ قال في "شرح
المنية "(٦): ((إِنَّ الصفة التي ذكَرَها "ابنُ المبارك" هي التي ذكَرَها في "مختصر البحر"، وهي الموافقةُ
لمذهبنا؛ لعدم الاحتياجِ فيها إلى جلسةِ الاستراحة؛ إذ هي مكروهةٌ عندنا)) اهـ.
٤٦١/١
قلت: ولعلَّهُ اختارَها في "القنية" لهذا، لكنْ علمتَ أنَّ ثبوت حديثها يُثبتُها وإنْ كان فيها
ذلك، فالذي ينبغي فعلُ هذه مرَّةً وهذه مرَّةً.
(١) برقم (٤٨١) كتاب الصلاة - باب ما جاء في صلاة التسبيح، والحاكم ٣١٩/١ -٣٢٠ وقال: رُواةٌ هذا الحديث
عن ابن المبارك كلُّهم ثقات أثبات، ولا يتهم عبد الله أن يعلمه ما لم يصحَّ عنده سندُهُ، وفي الباب عن ابن عباس،
وعبد الله بن عمرو، والفضل بن عباس، وأبي رافع ثلاثه.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب النوافل ق١٩/ب.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب الصلوات المستحبات ق٥٥/أ.
(٤) "الحلبة": التكملة - الفصل الثاني عشر في صلاة الاستخارة ٢/ق ١٦٣/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٢/٢.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٤٣٢- بتصرف يسير.
١
٣٠٨
قسم العبادات
حاشية ابن عابدين
(تتمَّةٌ)
قيل لـ "ابن عبّاسٍ": هل تعلمُ لهذه الصلاةِ سورةً؟ قال: ((التكاثر والعصر والكافرون
والإِخلاص))، وقال بعضُهم: الأفضلُ نحوُ الحديد والحشر والصفِّ والتغابن للمناسبة في
الاسم، وفي روايةٍ عن "ابن المبارك": ((يبدأُ بتسبيح الركوع والسجود ثمَّ بالتسبيحاتِ
المتقدِّمة))، وقال "المعلِّى": ((يصلّيها قبل الظهر))، "هندية"(١) عن "المضمرات". وقيل لـ "ابن
المبارك": لو سَهَا فسجَدَ هل يُسبِّحُ عشراً عشراً؟ قال: ((لا، إنما هي ثلثُمائةِ تسبيحةٍ))، قال
"المثلا علي" في " شرح المشكاة"(٢): ((مفهومُهُ أَنَّ إنْ سها ونقَصَ عدداً من محلٌّ معَيَّنٍ يأتي به
في محلّ آخرَ تكملةً للعدد المطلوب)) اهـ.
قلت: واستُفِيدَ أَنَّه ليس له الرُّجوعُ [٢/ق٦١/ب] إلى المحلِّ الذي سها فيه، وهو
ظاهرٌ، وينبغي - كما قال بعض الشافعيّة - أنْ يأتيَ بما ترَكَ فيما يليه إنْ كان غيرَ قصيرِ،
فتسبيحُ الاعتدال يأتي به في السجود، أمَّا تسبيحُ الركوع فيأتي به في السجود أيضاً لا في
الاعتدال؛ لأنَّه قصيرٌ.
قلت: وكذا تسبيحُ السجدة الأُولى، يأتي به في الثانية لا في الجلسة؛ لأنَّ تطويلَها غيرُ
مشروعٍ عندنا على ما مرَّ(٣) في الواجبات، وفي "القنية"(٤): ((لا يَعُدُّ التسبيحاتِ بالأصابع إنْ قدَرَ
أنْ يحفظَ بالقلب، وإلاَّ يغمزُ الأصابعَ))، ورأيتُ للعلاّمة "ابن طولونَ" الدمشقيِّ الحنفيِّ
(قولُهُ: وفي روايةٍ عن "ابن المبارك": يبدأ إلخ) هذه الرِّوايةُ لا تُخالِفُ ما ذكرَهُ قبلها من قوله: ((بعد
تسبيحِ الرُّكوع والسُّجود))، والرِّوايةُ الثانية عنه عدمُ تسبيحهما.
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلاة - الباب التاسع في النوافل ١١٣/١.
(٢) " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح": ٤١٩/٣، كتاب الصلاة: باب صلاة التسبيح.
(٣) المقولة [٤٠٢١] قوله: ((وكل زيادة إلخ)).
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب النوافل ق ٢٠/أ.
الجزء الرابع
٣٠٩
باب الوتر والنوافل
وأربعُ صلاةِ الحاجة، وقيل: ركعتان، وفي "الحاوي": ((أنّها اثنتا عشرةَ بسلامٍ
"(١)
واحدٍ ))، وبسطناه في "الخزائن"
رسالةً سَمَّاها "ثمر الترشيح في صلاة التسبيح"(٢) بخطِّهِ، أُسنَدَ فيها عن "ابن عبّاسٍ" رضي
الله تعالى عنهما أنَّه يقالُ فيها بعد التشهُّدِ قبل السلام: ((اللهمَّ إنِّي أسألك توفيقَ أهلِ
الهدى، وأعمالَ أهل اليقين، ومناصحةً أهل التوبة، وعزمَ أهلِ الصبر، وجِدَّ أهلِ الخشية،
وطلبَ أهل الرغبة، وتعبُّدَ أهل الورع، وحِرفانَ أهل العلم حتّى أخافَكَ، اللهمَّ إنِّي أسألُكَ
مخافةً تحجُزُني عن معاصيك حتّى أعملَ بطاعتك عملاً أستحقُّ به رضاك، وحتّى أناصحَكَ
بالتوبة خوفاً منك، وحتّى أُخلِصَ لك النصيحةَ حبَّاً لك، وحتّى أتوكَّلَ عليك في الأمور
حسنَ ظنٍّ بك، سبحانَ خالق النور)) اهـ.
مطلبٌ في صلاةِ الحاجة
[٥٧٥٩] (قولُهُ: وأربعُ صلاةِ الحاجة إلخ) قال الشيخ "إسماعيل(٣): ((ومن المندوباتِ صلاةُ
الحاجة، ذكّرَها في "التجنيس" و"الملتقط" و"خزانة الفتاوى" وكثيرٍ من الفتاوى و"الحاوي" (٤)
و"شرح المنية"(٥)، أمّا في "الحاوي" فذكَرَ: أَنَّها ثنتا عشرةَ ركعةً، وبيَّنَ كيفيَّتَها بما فيه كلامٌ،
(١) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق١٢٧ - ١٢٨/أ.
(٢) في "الأصل" و"آ" و"ب" و"م": ((التراويح))، وما أثبتناه من"د" بخط ابن عابدين رحمه الله هو الصواب؛ إذ النقل بنصه
في رسالة ابن طولون المطبوعة المسماة "الترشيح لبيان صلاة التسبيح" صـ٣٦-٣٧ -، وانظر "الفلك المشحون في
أحوال ابن طولون" صـ٨٩ -. وابن طولون هو أبو عبد الله محمد بن علي، شمس الدين الصالحي الدمشقي
(ت٩٥٣هـ). ("الكواكب السائرة" ٥٢/٢، "الأعلام" ٢٩١/٦).
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١/ق ٤٢٢/ب.
(٤) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب الصلوات المستحبة ق ٥٥/أ.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٤٣٢ -.
قسم العبادات
٣١٠
حاشية ابن عابدين
وأمَّا في "التجنيس" وغيره فذكَرَ: أَنَّها أربعُ ركعاتٍ بعد العشاء، وأنَّ في الحديث المرفوع (١): ((يقرأ
في الأُولى الفاتحةَ مرَّةٌ وآية الكرسيِّ ثلاثاً، وفي كلٍّ من الثلاثة الباقية يقرأ الفاتحةَ والإخلاص
والمعوِّذتين مرَّةً مرَّةً، كنَّ له مثلَهنَّ من ليلةِ القدر))، قال مشايخنا: صلَّينا هذه الصلاةَ فقُضِيَتْ
حوائجُنا، مذكورٌ في "الملتقط" و"التجنيس" وكثيرٍ من الفتاوى، كذا في "خزانة الفتاوى"،
[٢ /ق ٦٢/أ] وأمَّا في "شرح المنية(٢) فذكَرَ: أَنَّها ركعتان، والأحاديثُ فيها مذكورةٌ في الترغيب
والترهيب(٣) كما في "البحر"(٤)، وأخرَجَ "الترمذيُّ"(٥) عن "عبد الله بن أبي أوفى" قال: قال
رسول الله وَ﴾: «مَن كانَتْ له إلى الله حاجةٌ أو إلى أحدٍ من بني آدمَ فليتوضَّأُ ولُيُحسِنِ الوضوءَ،
ثُمَّ ليصلِّ ركعتين، ثمَّ لُثْنِ على الله تعالى، وليصلِّ على النبي ◌َ﴿، ثمَّ ليقل: لا إله إلاَّ الله الحليمُ
الكريم، سبحان اللَّهِ ربِّ العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألُكَ مُوجِباتِ رحمتك، وعزائمَ
مغفرتك، والغنيمةً من كلِّ بِرٍّ، والسلامةَ من كلِّ إِنٍ، لاَتَدَعْ لي ذنباً إلاَّ غفرتَهُ ولا همَّاً إلاَّ
فرَّجْتَهُ، ولا حاجةٌ هي لك رضىٍّ إلَّ قضيتها يا أرحم الراحمين)))) اهـ.
أقولُ: وقد عقَدَ في آخر "الحلبة"(٦) فصلاً مستقلاً لصلاة الحاجة، وذكر ما فيها من
الكيفيَّاتِ والرواياتِ والأدعية، وأطالَ وأطابَ كما هو عادتُهُ رحمه الله تعالى، فليراجعْهُ مَن أراده.
(١) أخرجه النسائيّ ٨٤/٨ كتاب قطع السارق - الباب (١٠).
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٤٣٢ -.
(٣) "الترغيب والترهيب": الترغيب في صلاة الحاجة ٤٧٣/١ - ٤٧٨، لأبي محمد عبد العظيم بن عبد القويّ، زكيّ الدين
المنذريّ الشاميّ ثم المصريّ الشافعيّ (ت٦٥٦هـ). ("كشف الظنون" ٤٠٠/١، "سير أعلام النبلاء" ٣١٩/٢٣).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٦/٢.
(٥) برقم (٤٧٩) كتاب الصلاة - باب ما جاء في صلاة الحاجة، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، فائد بن
عبد الرحمن يضعف في الحديث، وابن ماجه (١٣٨٤) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في صلاة الحاجة، والحاكم
في "المستدرك" ٣٢٠/١ وقال: إنّما جعلت حديثه - يعني فائد بن عبد الرحمن - شاهداً وهو مستقيم الحديث،
وتعقبه الذهبيّ وقال: بأنه متروك.
(٦) "الحلبة": التكملة - الفصل الثالث عشر في صلاة الحاجة ٢/ق ٢٨٧/أ، ٢٨٩/أ.
الجزء الرابع
٣١١
باب الوتر والنوافل
(وَتُفرَضُ القراءةُ) عملاً (في ركعتي الفرض)
(خاتمةٌ)
ينبغي للمسافرِ أنْ يُصلِّيَ ركعتين في كلِّ منزلٍ قبل أنْ يقعدَ كما كان يفعلُ(١) وَ﴿، نصَّ
عليه الإمامُ "السرخسيُّ" في "شرح السير الكبير"(٢)، وذكَرَ أيضاً: ((أَنَّه إذا ابتُلِيَ المسلمُ بالقتل
يُستحَبُّ أنْ يصلّيَ ركعتين يستغفرُ الله تعالى بعدَهما ليكونَ آخرُ عمله الصلاةَ والاستغفار))،
وذكَرَ الشيخُ "إسماعيلُ"(٣) عن "شرح الشرعة"(٤): ((من المندوباتِ صلاةُ التوبة، وصلاةُ الوالدين،
وصلاة ركعتين عند نزولِ الغيث، وركعتين في السرِّ لدفع الّفاق، والصلاةُ حين يدخلُ بيته ويخرجُ
توقّياً عن فتنةِ المدخل والمخرج، والله أعلم)).
[٥٧٦٠] (قولُهُ: عملاً) أي: تُفرَضُ(٥) من جهةِ العمل لا الاعتقادِ أيضاً، فلا يُكفَرُ جاحدُها
(١) أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" ٧٧٠/٨، وأبو نُعَيْم في "الحلية" ١٤٨/٥، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٢٨٣/٢؛
وقال: رواه الطبرانيّ في "الكبير"، وفيه: الواقدي محمد بن عمر، وقد وَثّقه مصعب الزُّبَيْريّ وغيره، وضعّفه جماعة
كثيرون من الأئمة من حديث فضالة بن عبيد قال: «كان رسول الله ﴿ إذا نزل منزلاً في سفر أو دخل بيته
لم يجلس حتى يركع ركعتين»، وللحديث شاهد من حديث أنس عند أبي يَعْلى والبزّار والطبرانيّ في "الأوسط".
(٢) "شرح السير الكبير": باب صلاة الخوف ٢٢٦/١.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١/ق ٤٢١/ب.
(٤) "شرح الشرعة": فصل في فضيلة النوافل صـ١٣٥-١٣٧ - والكلام لصاحب "الشرعة".
(٥) في "د" زيادة: ((قال في "المنية" عند قوله: الفريضة الثالثة القراءة: أما في ذوات الأربع ففرض القراءة في الركعتين
بغير عينهما، والأفضل أن يقرأ في الأوليين اهـ. وذكر شارحها ابن أمير حاج: أن هذا بناءً على ما في "شرح
الطّحَاوِيّ" للإسبيجابيّ حيث قال فيه: قال أصحابنا: القراءة فرض في الركعتين بغير أعيانُهما، وأفضلها في
الأوليين، وإليه ذهب القُدُوريّ أيضاً، لكن نصَّ في "التحفة" و"البدائع" على أنَّ الصحيح من مذهب أصحابنا أنَّ
محلَّ القراءة المفروضة في ذوات الأربع من الفرائض، الركعتان الأوليان عيناً، وإليه أشار في الأصل حيث قال: إذا
ترك القراءة في الأوليين يقضيها في الأخريين، وعليه مشى في "الذخيرة" و"المحيط الرضويّ" وغيرهما. اهـ ثم قال:
في "شرح المنية" عند واجبات الصلاة: ظاهرُ قولهم: إن القراءة في الأوليين أفضل؛ إذ تعيينها ليس بواجب، بل
الظاهر أنَّه سنة، وثمرةُ الخلاف أنّه يجب سجود السهو - إذا تركها في الأوليين أو في إحداهما - على الوجوب
لتأخيره الواجب عن محله سهواً، وعلى السنة لا. اهـ ولي هنا إشكالٌ أذكرُهُ في هامش "البحر")).
قسم العبادات
٣١٢
حاشية ابن عابدين
مطلقاً، أمَّا تعيينُ الأُوليين فواجبٌ على المشهور (وكلِّ النفل) للمنفردِ؛ لأنَّ كلَّ
شفعٍ صلاةٌ،.
لوقوع الخلاف فيها، فعند "أبي بكرِ الأصمّ" (١) و"سفيان بن عيينة"(٢) وغيرهما: سنة، وعند
ء
"الحسن البصريّ" و"زفر" و"المغيرة"(٣) من المالكيّة: فرضٌ في ركعةٍ، وفي روايةٍ عن مالكٍ: فرضٌ في
ثلاثٍ، وعند "الشافعيِّ" و"أحمدَ" والصحيحِ من مذهبِ "مالكٍ": فرضٌ في الأربعِ، وتمامُهُ في
"الحلبة" (٤). [٢/ق٦٢/ب]
[٥٧٦١] (قولُهُ: مطلقاً) أي: في الأوليين، أو الأخريين، أو واحدةٍ وواحدةٍ، "ط" (٥).
قلت: وقد تُفرَضُ القراءةُ في جميع ركعاتِ الفرضِ الرباعيِّ كما مرَّ(٦) في باب الاستخلاف
فيما لو استخلَفَ مسبوقاً بركعتين، وأشارَ له أنّه لم يقرأ في الأوليين.
[٥٧٦٢] (قولُهُ: على المشهورِ) ردٌّ لِما قيل: إنّها في الأُوليين فرضٌ، وما قيل: إنَّها فيهما
٤٦٢/١ أفضلُ، لكنْ قدَّمنا (٧) في واجباتِ الصلاة أنّه لا قائلَ بالفرضيَّة في الأوليين، وإنما ذلك فَهمَهُ صاحبُ
"البحر" من بعضِ العبارات، وقدَّمنا(٧) تحقيقَهُ هناك، فافهم.
[٥٧٦٣] (قولُهُ: للمنفردِ) أي: ولو حكماً كالإِمام؛ لانفرادِهِ برأيه وكونه غيرَ تابعٍ
لغيره، فخرَجَ المقتدي، فلا تُفرَضُ عليه القراءةُ في النغل ولو كان مقتدياً بمفترضٍ كما بيَّنَّاه(٨)
(١) أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم (ت ٢٠١ هـ، وقيل: نحو: ٢٢٥) شيخ المعتزلة. ("الفهرست" صـ ٢١٤-،" طبقات
المعتزلة "لابن المرتضى صـ٥٦، "سير أعلام النبلاء" ٤٠٢/٩، "الأعلام"٣٢٣/٣).
(٢) أبو محمد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي (ت١٩٨ هـ). ("وفيات الأعيان"٣٩١/٢،"سير أعلام
النبلاء"٤٥٤/٨).
(٣) أبو هاشم المغيرة بن عبدالرحمن المخزومي المالكي (ت١٨٦ هـ). ("تهذيب التهذيب" ٢٣٢/٨،"شذرات الذهب"
٣٨٨/٢، "الأعلام" ٢٧٧/٧).
(٤) انظر "الحلبة": فرائض الصلاة - القراءة ٢/ق ٦٥/أ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٩/١.
(٦) المقولة [٥١٤٨] قوله: ((فرضت القراءة في الأربع)).
(٧) المقولة [٣٩٦٠] قوله: ((على المذهب)).
(٨) المقولة [٤٨٩٠] قوله: ((في شفع أول أو ثان)).
الجزء الرابع
٣١٣
باب الوتر والنوافل
لكنّه لا يعمُّ الرباعيَّة المؤكَّدة، فتأمَّل (و) كلِّ (الوترِ) احتياطاً.
في باب الإِمامة.
[٥٧٦٤] (قولُهُ: لكنَّه إلخ) أي: هذا التعليلُ للزومِ القراءة في كلِّ النفل قاصرٌ لا يُعُمُّ
الرباعيّةَ المؤكَّدة لِما قدَّمَهُ (١) "المصنّف": ((من أنَّه لا يصلّي على النبيِلَّ في القعدة الأُولى
منها، ولا يستفتحُ إذا قام إلى الثالثة))، ولو كان كلُّ شفعٍ منها صلاةً لصلَّى واستفتَحَ، وهذا
الاعتراضُ لصاحب "البحر"(٢)، وقد يجابُ عنه بما أشارَ إليه "الشارح" هناك من قوله: ((لأَنَّها
لتأكُّدِها أشبَهَتِ الفريضةَ))، يعني: أنَّ القياس فيها ذلك، لكنْ لَمَّا أشبهت الفريضةَ رُوعِيَ
فيها الجانبان، فأوجبوا القراءةَ في كلِّ ركعاتها، والعودَ إلى القعدة إذا تذكَّرَها بعد تمام القيام
قبل السجود، وقضاءَ ركعتين فقط لو أفسَدَها على ما هو ظاهرُ الرواية كما سيأتي(٣) نظراً
للأصل، ومنعوا من الصلاة والاستفتاح نظراً للشبهِ كما فعلوا في الوتر، على أنَّ كون النفل
كلُّ شفعٍ منه صلاةٌ ليس على إطلاقه، بل من بعض الأوجهِ كما مرَّ(٤) بيانه، وإلاَّ لَزِمَ أنْ
لا تصحَّ رباعيّةٌ بتركِ القعدة الأُولى منها مع أنَّ الاستحسان أنَّها تصحُّ اعتباراً لها بالفرض
خلافاً لـ "محمَّدٍ"، نعم لو تطوَّعَ بستِ ركعاتٍ أو ثمانٍ بقعدةٍ واحدةٍ فالأصحُّ أَنَّه لا يجوزُ كما
في "الخلاصة(٥)؛ [٢/ق٦٣/أ] لأَنَّ ليس في الفرائض ستٌّ يجوزُ أداؤها بقعدةٍ، فيعودُ الأمرُ فيه
إلى القياس كما في "البدائع"(٦)، وسيأتي(٧) فيه تصحيحُ خلافه أيضاً.
(١) صـ ٢٧٠ - "در".
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٠/٢ وما بعدها.
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) المقولة [٥٧١٣] قوله: ((وقيل: لا إلخ)).
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر - فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٤/ب معزياً
إلى "الأصل".
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان مقدار ما يلزم من التطوع بالشروع ٢٩٣/١.
(٧) المقولة [٥٨١٩] قوله: ((فأكثر)).
قسم العبادات
٣١٤
حاشية ابن عابدين
(ولزِمَ نفلٌ شرَعَ فيه) بتكبيرةِ الإِحرام،.
[٥٧٦٥] (قولُهُ: وَلَزِمَ نفلٌ إلخ) أي: لَزِمَ المضيُّ فيه، حتَّى إذا أفسَدَهُ لَزِمَ قضاؤه، أي: قضاءُ
ركعتين وإِنْ نوى أكثرَ على ما يأتي(١)، ثمَّ هذا غيرُ خاصٌّ بالصلاة وإنْ كان المقامُ لها، قال في
"شرح المنية"(٢): ((اعلمْ أنَّ الشروع في نفل العبادة التي تلزمُ بالنذر ويتوقّفُ ابتداؤُها على ما بعده
في الصحَّةِ سببٌ لوجوب إتمامِهِ وقضائه إنْ فسَدَ عندنا وعند "مالكٍ"، وهو قولُ "أبي بكرٍ
الصِّدِّيق" و "ابن عبّاسِ" وكثيرٍ من الصحابة والتابعين كـ "الحسن البصريِّ" و"مكحولِ" و"النخعيِّ
وغيرهم، فخرَجَ الوضوءُ وسجدة التلاوة وعيادة المريض وسفرُ الغزو ونحوُها مما لا يجبُ بالنذر
لكونه غيرَ مقصودٍ لذاته، وخرَجَ ما لا يتوقّفُ ابتداؤه على ما بعدَهُ في الصحَّة نحوَ الصدقة
والقراءة، وكذا الاعتكافُ على قول "محمَّدٍ"، ودخَلَ فيه الصلاةُ والصوم والحجُّ والعمرة والطواف
والاعتكاف على قولهما)) اهـ.
(تنبيةٌ)
ظاهرُ كلامهم أنّه يلزمُ القضاء بمجرَّدِ الشروعِ الصحيحِ وإِنْ أفسَدَهُ للحال، وفي "المعراج"
عن "الصغرى": ((لو أفسَدَ الصومَ النفلَ في الحال لا يلزمُهُ القضاء، أمَّا لو اختارَ المضيَّ ثمَّ أفسَدَهُ
عليه القضاءُ. قلت: وهكذا في الصلاة، ولو شَرَعَتْ في النفل ثمَّ حاضَتْ وجَبَ القضاء)) اهـ.
ومثلُهُ في "شرح الشيخ إسماعيل(٣).
وحَمَلَهُ السِّد "أبو السُّعود(٤) على النفلِ المظنون، وكلامُ "القُهُستانيِّ (٥) يدلُّ عليه، وكذا
كلامُ "المنح"(٦) كما يأتي(٧).
(١) المقولة [٥٧٨٥] قوله: ((وقضى ركعتين)) وما بعدها.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٣٩٢-٣٩٣ - باختصار.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١/ق ٤٢٥/أ.
(٤) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٥٨/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في النوافل ٢٩/١.
(٦) "المنح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١/ق ٥٥/ب.
(٧) المقولة [٥٧٧٣] قوله: ((يعني: وأفسده في الحال)).
الجزء الرابع
٣١٥
باب الوتر والنوافل
أو بقيامٍ لثالثةٍ شروعاً صحيحاً (قصداً) إلاّ إذا شرَعَ متنفّلاً خلْفَ مفترضٍ، ثمَّ قطَعَهُ
ءَ
واقتدى ناوياً ذلك الفرضَ بعد تذكُّرِهِ، أو تطوُّعاً آخرَ، أو في صلاةٍ ظانٌ،.
[٥٧٦٦] (قولُهُ: أو بقيامٍ الثالثةٍ) أي: وقد أدَّى الشفعَ الأوَّلَ صحيحاً، فإذا أفسَدَ الثانيّ لَزِمَهُ
قضاؤه فقط، ولا يسري إلى الأوَّلِ؛ لأنَّ كلَّ شفعِ صلاةٌ على حدٍ، "بحر"(١).
[٥٧٦٧] (قولُهُ: شروعاً صحيحاً) احترَزَ به عن اقتدائه مننفّلاً بنحوِ أمِّيٍّ أو امرأةٍ كما
يأتي (٢)، وقولُهُ: ((قصداً)) احترَزَ به عمَّا لو ظنَّ أنَّ عليه فرضاً، ثمَّ تذكَّرَ خلافَهُ كما يأتي(٣).
[٥٧٢٨] (قولُهُ: إِلَّ إذا شرَعَ إلخ) أي: فلا يلزمُهُ قضاءُ ما قطَعَهُ، ووجهُهُ كما في "البدائع"(٤):
((أَنَّه ما التزَمَ [٢/ق٦٣/ب] إلَّ أداءَ هذه الصلاةِ مع الإِمام، وقد أدَّها)).
[٥٧٦٩] (قولُهُ: بعدَ تذكُّرِهِ) أي: تذكُرٍ ذلك الغرضِ بأَنَّه عليه لم يُصلِّه.
[٥٧٧٠] (قولُهُ: أو تطوُّعاً آخرَ) وكذا لو أطلَقَ، بأنْ لم يَنْوِ قضاءَ ما قطَعَهُ ولا غيرَهُ.
[٥٧٧١] (قولُهُ: أو في صلاةِ ظانٌ) معطوفٌ على قوله: ((متنفّلاً))، فهو مستثنىً أيضاً،
وصورتُهُ كما في "التتار خانَّةً"(٥) عن "العيون" برواية "ابن سماعةً" عن "محمَّدِ بن الحسن" قال:
((رجُلٌ افْتَحَ الظهرَ وهو يظنُّ أَنَّه لم يُصلِّها، فدخَلَ رجلٌ في صلاته يريدُ به التطوُّعَ، ثمَّ تذكَّرَ
الإِمامُ أَنَّه ليس عليه الظهرُ فرفَضَ صلاتَهُ فلا شيءً علیه ولا علی مَن اقتدى به)) اهـ.
(قولُ "الشارح": أو في صلاةٍ ظانٌّ) جعَلَ "السنديُّ" ((صلاةٍ)) بالتنوين، و((طانٌ)) بالنصب على
لغة ربيعة، أو خطأ من الكاتب، وجعَلَ صورتَهُ: ((ما لو اقتدى بإمامٍ وهو يظنُّ أنَّ عليه ذلك الفرضَ، ثُمَّ
تبيَّنَ له أنّه صلاه)) اهـ. وعليه فلا منافاةً؛ لِما ذكرَهُ صاحب "البحر" في الإمامة.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦١/٢ بتصرف.
(٢) المقولة [٥٧٧٢] قوله: ((أو أمي إلخ)).
(٣) المقولة [٥٧٧٣] قوله: ((يعني: وأفسده في الحال)).
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في صلاة التطوع ٢٩٠/١.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العاشر في التطوع ٦٣٢/١.
قسم العبادات
٣١٦
حاشية ابن عابدين
أو أمِّيِّ، أو امرأةٍ، أو مُحدِثٍ،.
لكنْ ذَكَرَ في "البحر"(١) في باب الإمامة عند قوله: ((وفسَدَ اقتداءُ رجلٍ بامرأةٍ وصبيٍ)):
((أنَّ نفل المقتدي في هذه الصورة مضمونٌ عليه بالإِفساد، حتى يلزمُهُ قضاؤه بخلاف الإِمام)) اهـ.
ويمكنُ الجوابُ بأنَّ مراده بالإِفساد إفسادُ المقتدي صلاتَهُ، فيلزمُهُ القضاء یافساده دون إفسادِ
إمامه، فلا يخالفُ ما تقدَّمَ (٢)، لكنَّ المتبادر من كلام "السِّراج"(٣) أنَّ المراد إفسادُ الإِمام، فإِنَّه قال:
((فلو خرَجَ الظانُّ منها لم يَجِبْ عليه قضاؤُها بالخروج عند أصحابنا الثلاثة، ويجب على المقتدي
القضاءُ)) اهـ. فإِمَّا أنْ يُؤُوَّلَ أيضاً بما قلنا، وإلاَّ فهو روايةٌ ثانيةٌ غيرُ ما مشى عليها "الشارح"، فافهم.
(٥٧٧٢] (قولُهُ: أو أمِّيِّ إلخ) مخترزُ قوله: ((شروعاً صحيحاً))؛ لأنَّ الشروع في صلاةٍ مَن
ذُكِرَ غيرُ صحيحٍ، وحينئذٍ فلا محلَّ لاستثنائه إلاَّ بالنظر إلى مجرَّدٍ المتن؛ إذ ليس فيه ذلك القيدُ،
فافهم. قال السيِّد "أبو السُّعود"(٤): ((وينبغي في الأمِّيِّ وجوبُ القضاء بناءً على ما سبَقَ من أنَّ
الشروع يصحُّ، ثمَّ تفسُدُ إذا جاءَ أوانُ القراءة)) اهـ.
(قولُهُ: ويمكنُ الجوابُ إلخ) يُطِلُهُ ما عَلَّلَ به في "شرح العيون" للمسألة، حيث قال: ((لأَنَّه ما
شرَعَ فيها مُلتزِماً، وإنما شرَعَ ليقضيَ واجباً عليه، فإذا بانَ أنْ لا وجوب وأمكَّنَهُ الرُّجوعُ له أنْ يرجع،
وأمَّا المقتدي فلأنَّ تحريمته تبتني على تحريمةِ الإِمام، فإذا لم تكن تلك التحريمة مُلزمةً على الإِمام الإِتمامَ
٦
لا تُلزِمُ المقتديَ)) اهـ.
(قولُهُ: وإلاَّ فهو روايةٌ ثانيةٌ) سيذكرُ عند قوله: (( أو شرَعَ في فرضٍ ظائًّاً)) عن "التتار خانيّة"
ما يفيدُ أنَّ ما مشى عليه هنا روايةٌ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨١/١ بتصرف.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الوتر ١/ق ١٩١/أ.
(٤) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٥٨/١.