النص المفهرس
صفحات 261-280
الجزء الرابع ٢٥٧ باب الوتر والنوافل لم تُنُبْ عن السنَّةِ، ولذا لو نذَرَها لا يخرُجُ عنه بتسليمتين، وبعكسه يخرُجُ (وركعتان قبل الصُّبحِ وبعدَ الظّهرِ والمغربِ والعشاءِ) شُرِعَت البَعْدِيَّةُ لِحَبْرِ النقصان، والقَبْلِيَّةُ. [٥٦٨٢] (قولُهُ: لم تُنُبْ عن السنّة) ظاهرُهُ أنَّ سنّة الجمعة كذلك، وينبغي تقييدُهُ بعدم العذر للحديث المذكور(١) آنفاً، كذا بحَنَّهُ في "الشرنبلاليّة"(٢)، وسنذكرُ(٣) ما يؤيِّدُهُ بعد نحوٍ ورقتين. [٥٦٨٣] (قولُهُ: ولذا) أي: لعدمِ الاعتداد بتسليمتين لِما يكون بتسليمةٍ. [٥٦٨٤] (قولُهُ: لو نذَرَها) أي: الأربعَ لا بقيدِ كونِها سنَّةً، وعبارةُ "الدرر"(٤): ((ولهذا لو نذَرَ أنْ يصلّي أربعاً بتسليمةٍ، فصلَّى أربعاً بتسليمتين لا يخرُجُ عن النذر، وبالعكس يخرجُ، كذا في "الكافي"(٥)) اهـ. وأسقَطَ "الشارح" قوله: ((بتسليمةٍ)) إشارةً إلى أَنَّه غيرُ قيدٍ كما يظهرُ مما يأتي (٦) عند قول "المصنّف": ((وقَضَى ركعتين لو نوى أربعاً إلخ)). (٥٦٨٥] (قولُهُ: لِحَبْرِ النقصانِ) أي: ليقومَ في الآخرة مَقامَ ما تَرَكَ منها لعذرٍ كنسيانٍ، وعليه = في المسجد، وابن ماجه (١١٣٢) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٤٠،٢٣٩/٣ كتاب الجمعة - باب الصلاة بعد الجمعة، وابن حبان في "صحيحه" (٢٤٧٧)(٢٤٧٨) كتاب الصلاة - باب النوافل، جميعاً بلفظ: ((إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً)) دون زيادة ((فإن عجل بك شيء فَصَلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت)) إلا عند أحمد ومسلم فقد أخرجاه بتمامه، وقدَّمنا تخريجه صـ ٢٥٦ -. (١) في المقولة السابقة. (٢) "الشرنبلاليّة": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١١٥/١ (هامش " الدرر والغرر"). (٣) المقولة [٥٧١٠] قوله: ((ولا يصلي إلخ)). (٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١١٥/١. (٥) "كافي النّسفيّ": كتاب الصلاة - باب النوافل ١/ق٣٩/أ. (٦) المقولة [٥٧٨٥] قوله: ((وقضى ركعتين)). قسم العبادات ٢٥٨ حاشية ابن عابدين يُحمَلُ الخبرُ الصحيح: ((إنَّ فريضة الصلاة والزكاة وغيرهما إذا لم تَتِمَّ تُكمَّلُ بالتطوُّع))(١)، وأوَّلَهُ "البيهقيُّ)(٢): ((بأنَّ المكمَّل بالتطوُّع هو ما نقَصَ من سنَّتِها المطلوبةِ فيها))، أي: فلا يقومُ مَقامَ الفرض للحديث الصحيح: ((صلاةٌ لم يُتِمَّها زِيْدَ عليها من سُبحتها حتى تَتِمَّ))(٣)، فجعَلَ التتميمَ من السُّبحة - أي: النافلةِ - لفريضةٍ صُلِيتْ ناقصةً لالمتروكةٍ من أصلِها، وظاهرُ كلام "الغزاليِّ"(٤) الاحتسابُ مطلقاً، وجَرَى عليه "ابن العربيّ"(٥) وغيرُهُ لحديث "أحمدَ"(٦) الظاهرِ في ذلك. اهـ (١) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٢٩٥/٢ كتاب صلاة التطوع والإمامة - باب من قال: أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأحمد ١٠٣/٤، وأبو داود (٨٦٦) كتاب الصلاة - باب قول النّبِيّ ◌َّ: «كل صلاة لا يُتِمُّها صاحبها تُتَمُّ من تطوعه»، وابن ماجه (١٤٢٦) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في أوّل مَا يُحَاسَب به العبد الصلاة، والدّارِميّ (١٣٢٩) كتاب الصلاة - باب أول ما يحاسب العبد به يوم القيامة، والحاكم في المستدرك ٢٦٢/١-٢٦٣ كتاب الصلاة - باب أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٨٧/٢ كتاب الصلاة - باب ما روي في إتمام الفريضة من التطوع في الآخرة، والطبرانيّ (١٢٥٥) و(١٢٥٦)، والطّحَاوِيّ في "شرح مشكل الأثار" ٣٨٥/٦ باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﴾ ﴿ فيمن لم يحج عن نفسه حجة الإسلام هل له أن يحج عن غيره حجة الإِسلام أم لا ؟ کُّهم من حديث تميم الداريڅه، وفي الباب عن أبي هريرةقُه. (٢) في "السنن الكبرى" ٣٨٧/٢ كتاب الصلاة - باب ما روي في إتمام الفريضة من التطوع في الآخرة، حيث قال: ((والأخبار المتقدمة [التي رواها في الباب] محمولة على نافلة تكون خارجة الفريضة، فلا يكون صحتها بصحة الفريضة، والله أعلم)). (٣) أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٢٢/١٨ (٣٧)، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٢٩١/١ كتاب الصلاة - باب فرض الصلاة، وقال: ((رواه الطبرانيّ في "الكبير"، ورجاله ثقات، من حديث عائذ بن قرط تظلّه)). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الإصابة" ٢٦٣/٢: ((وإسناده حسن)). وقد أخرجه أحمد في "المسند" ٤٢٩/٥ بنحوه عن رجل من أصحاب الِّيّ ﴿ من الأنصار. (٤) "الإِحياء" كتاب أسرار الصلاة ومهماتها - الباب السابع: في النوافل من الصلوات ٢٨٧/١. (٥) في "عارضة الأحوذي": ٢٠٨/٢، كتاب الصلاة باب ما جاء فيمن صلَّى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السُّنة وماله فيه من الفضل. (٦) في "المسند" ٤٢٩/٥، عن رجل من أصحاب النّبِيّ ﴿ من الأنصار أنه سمع رسول اللهل ◌َّ يقول: ((لا يَنْتَقِص أحدُكُمْ مِن صَلاتِهِ شَيئاً إلاَّ أَتَمَّها اللهرََّّ مِن سُبْحَته)). الجزء الرابع ٢٥٩ باب الوتر والنوافل لقطعٍ طَمَعِ الشيطان. (ويُستحَبُّ أربعٌ قبل العصرِ وقبل العشاءِ وبعدَها بتسليمةٍ(١)) وإنْ شاء ركعتين، وكذا بعد الظهر لحديث "الترمذيٍّ"(٢): ((مَن حافظَ على أربعٍ قبلَ الظهر وأربعٍ بعدَها ...... من "تحفة ابن حجر "(٣) ملخّصاً. وذكَّرَ نحوَهُ في "الضياء" عن "السِّراج"(٤)، وسيذكرُ(*) في الباب الآتي: ((أَنَّها في حقِِّ ﴿ لزيادة الدرجات)). ٤٥٢/١ [٥٦٨٦] (قولُهُ: لقطعٍ طمعِ الشيطان) بأنْ يقول: إنَّه لم يَتْرُكْ ما ليس بفرضٍ، فكيف يَتْرُكُ ما هو فرضٌ؟! "ط" (٦). [٥٦٨٧] (قولُهُ: ويُستحَبُّ أربعٌ قبلَ العصر) لم يُجعَلْ للعصرِ سنّةٌ راتبةٌ لأَنَّه لم يُذكَرْ [٢/ق ٤٩/أ] في حديث "عائشة" المارّ(٧)، "بحر "(٨). قال في "الإِمداد"(٩): ((وخيَّرَ "محمَّدُ بن الحسن" و"القدوريُّ" المصلّيَ بين أنْ يصلّيَ أربعاً أو ركعتين قبل العصرِ لاختلافِ الآثار)). [٥٦٨٨] (قولُهُ: وإنْ شاءَ ركعتين) كذا عبَّرَ في "منية المصلِّي" (١٠)، وفي "الإمداد"(١١) عن "الاختيار"(١٢): ((ُيُستحَبُّ أنْ يصلّيَ قبل العشاء أربعاً، وقيل: ركعتين، وبعدَها أربعاً، (قولُهُ: وفي "الإمداد" عن "الاختيار": يُستحَبُّ إلخ) فعلى ما ذكرَهُ في "الإمداد" أوَّلاً وثانياً أنَّ التخيير (١) في"د" زيادة: ((قوله: بتسليمة، ظاهره أنه لو صلاها بتسليمتين لم يكن آتياً بالأربع، بل بالركعتين، والركعتان الباقيتان نفل زائد، تأمل)). (٢) في "سننه" (٤٢٨) كتاب أبواب الصلاة - باب في الأربع قبل الظهر وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. (٣) "تحفة المحتاج": كتاب الصلاة - باب صلاة النوافل ٢١٩/٢. (٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب النوافل ١/ق٢٤٧/أ. (٥) ص ٤١٤ - "در". (٦) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٤/١ بتصرف يسير. (٧) المقولة [٥٦٨١] قوله: ((بتسليمة)). (٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٤/٢ بتصرف، نقلاً عن "البدائع". (٩) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في النوافل ق ٢١٠/ب. (١٠) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٣٨٥ -. (١١) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في النوافل ق ٢١٠/ب. (١٢) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب النوافل ٦٦/١. قسم العبادات ٢٦٠ حاشية ابن عابدين حرَّمَهُ اللَّهُ على النار)) (وستٌّ بعدَ المغرب) ليُكتَبَ من الأوَّابين (بتسليمةٍ) أو ثنتين أو ثلاثٍ، .. وقيل: ركعتين)) اهـ. والظاهرُ: أنَّ الركعتين المذكورتين غيرُ المؤكَّدتين. [٥٦٨٩] (قولُهُ: حرَّمَهُ اللَّهُ على النار) فلا يدخُلُها أصلاً، وذنوبُهُ تُكفِّرُ عنه، وتَبَعَتُهُ يُرضِي اللَّهُ تعالى عنه خُصماءَهُ فيها، ويحتملُ أنَّ عدم دخوله بسبب توفيقه لِما لا يترتَّبُ عليه عقابٌ، "ط)"(١). أو هو بشارةٌ بأنّه يُخْتَمُ له بالسعادة فلا يدخلُ النار. [٥٦٩٠] (قولُهُ: من الأوَّابِين) جمعُ أوَّابٍ، أي: رجَّاعٍ إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار. [٥٦٩١] (قولُهُ: بتسليمٍ أو ثنتين أو ثلاثٍ) جزَمَ بالأوَّلِ في "الدرر"(٢)، وبالثاني في "الغزنويَّة"، وبالثالث في "التجنيس" كما في "الإِمداد"(٣)، لكنَّ الذي في "الغزنويَّة" مثلُ ما في "التجنيس"، وكذا في "شرح درر البحار"(٤)، وأفادَ "الخير الرمليُّ" في وجهِ ذلك: ((أَنَّها لَمَّا إنما هو فيما قبل العصر بين كونه أربعاً أو ثنتين، وأمَّا ما قبل العشاء أو بعدها ففيه اختلافٌ في كونه أربعاً أو ثنتين، لكنَّ عبارة "الهداية": ((وأربعٌ قبل العصر وإنْ شاء ركعتين، وأربعٌ قبل العشاء، وأربعٌ بعدها وإن شاء ركعتين))، وذكرَ: ((أنَّ الآثار اختلفت فيما قبل العصر وفيما بعد العشاء، فلذا خيِّرَ فيهما))، وظاهرُ عبارة "الزيلعيِّ" ثبوتُ التخيير في الكلِّ، وعبارته مع المتن: ((ونُدِبَ الأربعُ قبل العصرِ - وإن شاء ركعتين - والعشاءِ وبعده، أي: نُدِبَ الأربعُ قبل العشاء وبعده، وقيل: يُخيَُّ إنْ شاء صلّى ركعتين، وإن شاء صلَّى أربعاً)) اهـ. (قولُهُ: وأفاد "الخير الرمليُّ" في وجهِ ذلك إلخ) فيما قالَهُ في توجيه أنَّها بثلاثٍ تسليماتٍ مخالفةٌ للأفضل ثلاثَ مرَّاتٍ، ولو جعَلَها بتسليمةٍ أو تسليمتين كان فيه مخالفةٌ له مرَّةً واحدةً، فيرتكب الأخفَّ، وكونُها على نسقٍ واحدٍ لا أثر له في نفي الأفضليَّة. (١) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٤/١. (٢) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١١٥/١. (٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في النوافل ق ٢١٠/ب. (٤) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - باب النوافل ق ٤٦ /ب. الجزء الرابع ٢٦١ باب الوتر والنوافل والأوَّلُ أدومُ وأشقُّ، وهل تُحسَبُ المؤكَّدةُ من المستحبِّ، ويؤدِّي الكلَّ بتسليمةٍ واحدةٍ (١)؟ اختارَ "الكمالُ" نعم، زادَتْ عن الأربع، وكان جمعُها بتسليمةٍ واحدةٍ خلافَ الأفضل لِما تقرَّرَ أنَّ الأفضل رباعُ عند "أبي حنيفة"، ولو سلَّمَ على رأسِ الأربع لَزِمَ أنْ يُسلِّمَ في الشفع الثالث على رأس الركعتين، فيكونُ فيه مخالفةٌ من هذه الحيثيّةِ فكان المستحبُّ فيه ثلاثَ تسليماتٍ ليكون على نسقٍ واحدٍ))، قال: ((هذا ما ظهَرَ لي، ولم أره لغيري)). [٥٦٩٢] (قولُهُ: والأَوَّلُ أدومُ وأشقُّ) لِما فيه من زيادةٍ حبس النفس بالبقاء على تحريمةٍ واحدةٍ، وعطفُ ((أشقُّ)) عطفُ لازمٍ على ملزومٍ، وفي كلامه إشارةٌ إلى اختيارِ الأَوَّلِ، وقد علمتَ ما فيه. [٥٦٩٣] (قولُهُ: وهل تُحسَبُ المؤكَّدةُ) أي: في الأربع بعد الظهر وبعد العشاء، والستِّ بعد المغرب، "بحر "(٢). [٥٦٩٤] (قولُهُ: اختارَ "الكمالُ" نعم) ذكَرَ "الكمالُ" في "فتح القدير"(٣): ((أَنَّه وقَعَ اختلافٌ بين أهلِ عصره في أنَّ الأربع المستحبَّة [٢/ق٤٩/ب] هل هي أربعٌ مستقلّةٌ غيرُ ركعتي الراتبةٍ، أو أربعٌ بهما؟ وعلى الثاني هل تُؤدَّى معهما بتسليمةٍ واحدةٍ أوْ لا؟ فقال جماعةٌ: لا))، واختارَ هو: ((أَنَّه إذا صلَّى أربعاً بتسليمةٍ أو تسليمتين وقَعَ عن السنَّةِ والمندوبٍ))، وحقَّقَ ذلك بما لا مزيدَ عليه، وأقرَّهُ في "شرح المنية"(٤) و"البحر "(٥) و"النهر "(٦). (قولُ "الشارح": والأُوَّلُ أدومُ) أي: على العمل لامتدادِ التحريمة؛ لأنّه إذا نواها أدَّاها غالباً. اهـ "سندی". (١) (( واحدة )) ليست في "و". (٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٤/٢. (٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٨٦/١ - ٣٨٧. (٤) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٣٨٧ -. (٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٤/٢ وما بعدها. (٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق٦٨/ب. قسم العبادات ٢٦٢ حاشية ابن عابدين وحرَّرَ إباحةَ ركعتين خفيفتين قبل المغرب، وأقرَّهُ في "البحر" و"المصنّف". (و) السننُ (آكدُها سنَّةُ الفجر) اتفاقاً، ثم الأربعُ قبل الظهر .. [٥٦٩٥] (قولُهُ: وحرَّرَ (١) إباحةَ ركعتين إلخ) فإنَّه ذكَرَ: ((أَنَّه ذهَبَتْ طائفةٌ إلى ندبِ فعلهما، وأَنَّه أنكَرَهُ كثيرٌ من السلف وأصحابُنا و"مالك"))، واستدلَّ لذلك بما حقُّهُ أنْ يُكَتَبَ بسوادٍ الأحداق، ثمَّ قال: ((والثابتُ بعد هذا هو نفيُ المندوبَّةِ، أمَّا ثبوتُ الكراهة فلا، إلاَّ أنْ يدلَّ دليلٌ آخرُ، وما ذُكِرَ من استلزام تأخير المغرب فقد قدَّمنا عن "القنية" استثناءَ القليل، والركعتان لا يزيدُ على القليل إذا تُجُوِّزَ فيهما)) اهـ. وقدَّمنا(٢) في مواقيتِ الصلاة بعضَ الكلام على ذلك. [٥٦٩٦] (قولُهُ: أكدُها سنَّةُ الفجر) لِما في "الصحيحين"(٣) عن "عائشة" رضي الله عنها: ((لم يكن النبي ◌َّ على شيءٍ من النوافل أشدَّ تعاهُداً منه على ركعتي الفجر))، وفي "مسلمٍ)"(٤): (قولُهُ: واستدَلَّ لذلك بما حقُّهُ إلخ) قال "السنديُّ" : ((نازَعَهُ - أي: صاحبَ "الفتح" - الشيخُ "أبو الحسن السنديُّ" في "حاشيته" على "الفتح" في جميع استدلالاته، وأثبتَ مندوبيَّتَهما، وفي كلام "الرحمتيّ) ميلٌ إليه؛ لأَنَّه قال: وفي "البخاريّ": ((صلُّوا قبل المغرب ركعتين))، فهو أمرٌ مندوبٌ، وهو الذي أعتقدُهُ، وما ذكرَهُ في الجواب لا يدفعُهُ اهـ. ولولا خشيةُ التطويل لأوردتُ كلام "ابن الهمام" ثمَّ تعقُّبَ الشيخِ "أبي الحسن السنديِّ" له)) اهـ. (١) أي صاحب "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٨٩/١. (٢) المقولة [٣٣٢٤] قوله: ((لكراهة تأخيره)). (٣) أخرجه البخاريّ(١١٦٩) كتاب التهجد - باب تعاهد ركعتي الفجر، ومسلم (٧٢٤)(٩٤) كتاب صلاة المسافرين - باب استحباب ركعتي سنة الفجر، وأبو داود (١٢٥٤) كتاب الصلاة - باب ركعتي الفجر، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٧٠/٢ كتاب الصلاة - باب تأكيد ركعتي الفجر، وابن حبان (٢٤٥٦) و(٢٤٦٣) كتاب الصلاة - باب النوافل. (٤) أخرجه مسلم (٧٢٥) كتاب صلاة المسافرين - باب استحباب ركعتي الفجر والحث عليهما. وأخرجه أحمد ٢٦٥،٥٠/٦، والترمذيّ (٤١٦) كتاب الصلاة - باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل، وقال: حديث عائشة رضي الله عنها حديث حسن صحيح، والنّسائيّ ٢٥٢/٣ كتاب قيام الليل - باب المحافظة على الركعتين قبل الفجر، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٧٠/٢ كتاب الصلاة - باب تأكيد ركعتي الفجر. كلُّهم من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. الجزء الرابع ٢٦٣ باب الوتر والنوافل في الأصحِّ؛ لحديث: ((مَن تَرَكَها لم تَلْهُ شفاعتي))، ثمَّ الكلُّ سواءٌ ..... (ركعتا الفجرِ خيرٌ من الدنيا وما فيها)، وفي "أبي داود"(١): ((لا تَدَعوا ركعتي الفجر ولو طرَدَتْكم الخيلُ))، "بحر " (٢). [٥٦٩٧] (قولُهُ: في الأصحِّ) استحسَنَهُ في "الفتح"(٣) فقال: ((ثُمَّ اخْتُلِفَ في الأفضلِ بعد ركعتي الفجر، قال "الحَلْوانِيُّ": ركعتا المغربِ، فَإِنَّهَ﴿: لم يَدَعْهما سفراً ولا حضراً(٤)، ثمَّ التي بعدَ الظهر؛ لأَنّها سنّةٌ مَتَّفقٌ عليها بخلاف التي قبلها؛ لأنَّها قيل: هي للفصل بين الأذان والإقامة، ثمَّ التي بعد(٥) العشاء، ثمَّ التي قبل الظهر، ثمَّ التي قبل العصر، ثمَّ التي قبل العشاء، وقيل: التي بعد العشاء وقبل الظهر وبعده وبعد المغرب كلُّها سواءٌ، وقيل: التي قبلَ الظهر أكدُ، وصحَّحَهُ "المحسن"(٦)، وقد أحسَنَ؛ لأنَّ نقل المواظبة الصريحة عليها أقوى من نقلٍ مواظبته ﴿ ﴿ على غيرها من غيرِ ركعتي الفجر)) اهـ. [٥٦٩٨] (قولُهُ: لحديثِ إلخ) قال في "البحر "(٧): ((وهكذا صحَّحَهُ في "العناية"(٨) و"النهاية"؛ (قولُ "الشارح": لحديثٍ: مَن ترَكَها إلخ) قال "السنديُّ": ((هذا الحديثُ ذكرَهُ في "البحر"، ولم (١) أخرجه أبو داود (١٢٥٨) كتاب الصلاة - باب في تخفيفهما. وأخرجه أحمد ٤٠٥/٢، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٧١/٢ كتاب الصلاة - باب تأكيد ركعتي الفجر. كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌َّه مرفوعاً، وقال العراقيّ: ((إن هذا حديث صالح)). (٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥/٢ باختصار. (٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٨٣/١. (٤) لم نجده بهذا اللفظ، لكن له شاهد عند البخاري (١١٨٠) كتاب التهجد - بابٌ الركعتان قبل الظهر، والترمذي (٤٣٣) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء أنّه يصليهما في البيت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبيِّ ◌َ عشر ركعات ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح ...... ) واللفظ للبخاري. (٥) الذي في "الفتح": ((قبل)) وهو خطأ. (٦) أبو نصر المُحْسن بن أحمد بن المحسن بن أحمد بن علي الخالدي المروزيّ المعروف بالقاضي الشهيد. انظر "كشف الأسرار" ٥٩٦/١. (٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٢/٢. (٨) "العناية": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٨٥/١ (هامش "فتح القدير"). قسم العبادات ٢٦٤ حاشية ابن عابدين (وقيل بوجوبها فلا تجوزُ صلاتُها قاعداً) ولا راكباً اتفاقاً (بلا عذرِ. ٠ [٢/ق ٥٠/أ] لأنَّ فيها وعيداً معروفاً، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن ترَكَ أربعاً قبل الظهر لم تَلْهُ شفاعتي)) (١))) اهـ. قال "ط" (٢): ((ولعلَّهُ للتنفير عن الترك، أو شفاعتُهُ الخاصَّة بزيادة الدرجات، وأمَّا الشفاعةُ العُظمى فعامَّةٌ لجميعِ المخلوقات)). [٥٦٩٩] (قولُهُ: وقيل بوجوبها) وهو ظاهرُ "النهاية" وغيرها، "خزائن"(٣). قلت: وإليه يميلُ كلامُ "البحر "(٤) حيث قال: ((وقد ذكروا ما يدلُّ على وجوبها))، ثمَّ ساقَ المسائلَ التي فرَّعَها "المصنّف"، ووفّقَ بينه وبين ما في أكثرِ الكتب من أنَّها سنّةٌ مؤكّدةٌ: ((بأنَّ المؤكَّدة بمعنى الواجب))، وأجابَ عمَّا ينافيه، وكتبنا فيما علَّقناه(٥) عليه ما فيه. [٥٧٠٠] (قولُ: اتفاقاً) أمَّا على القول بالوجوب فظاهرٌ، وأمَّا على القول بالسنّة فمراعاةً القول بالوجوب ولاكديَّتِها، "ط"(٦). هذا، وقد ذكَرَ في "البحر "(٧) الاتّفاقَ عن "الخلاصة(٨) وأقرَّهُ، لكنْ نَازَعَ فيه في "الإِمداد"(٩) جازماً: (( بأنَّ الجواز على القول بالسّنِّيَّة، وأنَّ عدمه إنما هو على القول بالوجوب))، أظفر به فيما راجعتَهُ من المسانيد، وقال في "البناية" في باب إدراك الفريضة عند ذكر صاحب "الهداية" لهذا الحديث: لا أصلَ له، والعجبُ من الشُّرَّاح ذكروا هذا الحديثَ ولم يتعرَّضوا إلى بيان حاله)). (قولُهُ: لكنْ نازَعَ فيه في "الإمداد" جازماً إلخ) فالحاصلُ أنَّ الخلاف محكيٌّ في كتب المذهب، (١) أورده الزيلعيّ في "نصب الراية" ١٦٢/١ وقال: ((غريب جداً)). وقال ابن حجر في "الدراية" ٢٠٥/١: ((لم أجده)). (٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٥/١. (٣) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الوتر ق ١٢٦/ب. (٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥١/٢ -٥٢. (٥) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق" كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥١/٢-٥٢. (٦) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٥/١. (٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥١/٢. (٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في التراويح ق ٢١/ب. (٩) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في النوافل ق٢١٩/أ. الجزء الرابع ٢٦٥ باب الوتر والنوافل على الأصحِّ، ولا يجوزُ تركُها لعالِمٍ صار مَرجعاً في الفتاوى بخلافٍ باقي السُّنن) فله تركُها لحاجةِ الناس إلى فتواه .... ٤٥٣/١ واستنَدَ في ذلك إلى ما في "الزيلعيّ"(١) و"البرهان" من التصريحِ ببناء ذلك على الخلاف، ثمَّ قال: ((ولا يخفى ما في حكاية الإجماع على عدم الجواز، وليس الإجماعُ إلاَّ على تأكُّدِها)) اهـ. لكنْ يخالفُهُ ما نذكرُهُ(٢) قريباً عن "الخانَّة" من الفرق بينها وبين التراويح في أنَّها لا تصحّ قاعداً؛ لأَنّها سنَّةٌ مؤكّدةٌ بلا خلافٍ، تأمَّل. [٥٧٠١ ] (قولُهُ: على الأصحِّ) عزاه "المصنّف" في "المنح"(٣) إلى بابِ التراويح من "الخالنَّةُ"(٤). أقولُ: والذي في "الخانيّة" هناك: ((لو صلَّى التراويحَ قاعداً قيل: لا يجوزُ بلا عذرِ؛ لِمَا رَوَى "الحسنُ" عن "أبي حنيفة": لو صلَّى سنَّةَ الفجر قاعدً بلا عذرٍ لا يجوزُ، فكذا التراويحُ؛ لأنَّ كلاً منهما سنّةٌ مؤكّدةٌ، وقيل: يجوزُ، وهو الصحيحُ، والفرقُ أنَّ سَنَّة الفجر سنَّةٌ مؤكّدةٌ بلا خلافٍ، والتراويحُ دونها في التأكُّد، فلا يجوزُ التسوية بينهما)) اهـ. فأنتَ ترى أنَّه إنما صحَّحَ جوازَ التراويح قاعدً لا عدمَ جواز الفجر، نعم مقتضى كلامِهِ تسليمُ عدم الجواز في سنَّة الفجر، فتأمَّل. [٥٧٠٢] (قولُهُ: فله ترْكُها إلخ) الظاهرُ أنَّ معناه أنَّه يتْرُكُها وقتَ اشتغاله بالإِفتاء لأجلِ حاجة الناس [٢/ق٥٠/ ب] المجتمعين عليه، وينبغي أنَّه يصلِيها إذا فرَغَ في الوقت، وظاهرُ التفرقة بين سنّة الفجر وغيرها أنَّه ليس له تركُ صلاةِ الجماعة؛ لأنّها من الشعائر، فهي آكدُ من سنّةِ الفجر، وأنّه مبنيٌّ على القول بالوجوب والسنَّة، إلاَّ أنَّ صاحب "الخلاصة" ذكَرَ الاتّفاق على عدم الجواز، واقتصر عليه "قاضيخان" بدون حكايةِ اتّفاقٍ، فصار الاتّفاقُ على عدمها مختلفاً فيه، ولعلَّ "الشارح" فَهِمَ من اقتصار الخانَيَّة على عدم الصحَّة اعتمادَ ما في "الخلاصة"، فلذا قال: ((على الأصحِ))، لكنَّ عبارة "الخانيّة" إنما تفيدُ تسليم عدم الجواز، والاقتصارُ عليه ربما أفاد تصحيحَهُ، وليس فيها ما يدلُّ على تصحيح الاتفاق عليه. (١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧٧/١. (٢) في المقولة التالية. (٣) "المنح": كتاب الصلاة - باب النوافل والوتر ١/ق٥٤/ب. (٤) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في أداء التراويح قاعداً ٢٤٣/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية"). قسم العبادات ٢٦٦ حاشية ابن عابدين (ويُخشَى الكفرُ على مُنكِرِها وتُقَضَى) إذا فاتَتْ معه بخلاف الباقي (ولو صلَّى ركعتين تطوُّعاً مع ظنِّ أنَّ الفجر لم يَطلُعْ فإذا هو طالعٌ) أو صلَّى أربعاً فوقَعَ ركعتان بعد طلوعه (لا تُحزيه عن ركعتيها على الأصحِّ). ولذا يترُكُها لو خافَ فوتَ الجماعة، وأفاد "ط)" (١): ((أَنَّه ينبغي أنْ يكون القاضي وطالبُ العلم كذلك لا سيَّما المدرِّسُ)). أقولُ: في المدرِّسِ نظرٌ بخلاف الطالب إذا خافَ فوتَ الدَّرْسِ أو بعضِهِ، تأمَّل. [٥٧٠٣] (قولُهُ: ويُخشَى الكفرُ على مُنكِرِها) أي: مُنكِرٍ مشروعيَّتِها إنْ كان إنكارُهُ لشبهةٍ أو تأويلِ دليلٍ، وإلاّ فينبغي الجزمُ بكفره لإنكارِهِ مُجمَعاً عليه معلوماً من الدِّين بالضرورة كما قدَّمناه(٢) أوَّلَ الباب. [٥٧٠٤] (قولُهُ: وتُقَضَى)(٣) أي: إلى قبيلِ الزوال، وقولُهُ: ((معه)) تنازَعَهُ قولُهُ: ((تُقضَى)) (قولُهُ: أقول: في المدرِّسِ نظرٌ) يقال: إنَّ العَلَّة المذكورة في المفتي متحقّقةٌ في المدرِّس أيضاً، وهي حاجةُ الناس المجتمعين عليه، بل هي أشدُّ فيه؛ إذ بعدَ تفرُّقِهم قد لا يمكن تجمُّعُهم فيفوتُ التعليمُ المطلوب للشارع، والمستفتون لو تفرَّقُوا يعودون لحاجةٍ كلٍّ منهم إليه زيادةً عن حاجة تعلُّمِ الأحكام كما هو مشاهدٌ. (قولُ "المصنّف": وتُقَضَى) قضاؤها ليس من المسائلِ الدالّة على وجوبها، ولذا لم يذكرها صاحب "البحر"، بل هي مغرَّعةٌ على أنَّها سنّةٌ، ولو كانت واجبةً لقُضِيَتْ كيفما كان، وصرَّحُوا أنَّ سنَّة الظهر القبليَّة إذا فاتت - وكذا سنةَ الجمعة القبليّة - تَقضَى قبل البعديَّة أو بعدها على اختلافٍ في ذلك، "سندي". (١) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٥/١. (٢) المقولة [٥٦٠٠] قوله: ((فلا يكفر جاحده)). (٣) في"د" زيادة: ((إذا فاتت سنة الفجر على الانفراد لا تقضى عندهما، وقال محمد: أحبُّ إليَّ أنْ تُقضَى إذا ارتفعت الشمس إلى قبيل قيام الظهيرة، وأما عندهما فلا تُقضَى إلا إذا فاتت مع الفرض، تبعاً للفرض، سواء قضى الفرض بجماعة أو وحده إلى الزوال، وفيما بعده اختلف المشايخ فيه، قيل: يقضي الفرض، وقيل: يقضي السنة معه، "جوهرة")). الجزء الرابع ٢٦٧ باب الوتر والنوافل "تجنيس"؛ لأنَّ السنّة ما واظَبَ عليه الرسولُ بتحريمةٍ مبتدأةٍ. (وتكرهُ الزيادةُ على أربعٍ في نفلِ النهار وعلى ثمانٍ ليلاً بتسليمةٍ) و ((فَتَتْ))، فلا تُقضَى إلاَّ معه حيث فاتَ وقُتُهما (١)، أمّا إذا فاتَتْ وحدَها فلا تُقْضَى، ولا تُقْضَى قبلَ الطلوع ولا بعدَ الزوال ولو تبعاً على الصحيح، أفاده "ح"(٢)، وسيُبَّهُ عليه "المصنّف" في الباب الآتي(٣). (٥٧٠٥] (قولُهُ: "تجنيس") فيه أَنَّه في "التجنيس" صحَّحَ في المسألة الأُولى الإجزاءَ معلّلاً: ((بأنَّ السنَّة تطوُّعٌ، فتأدَّى بنيّةِ التطوُّع))، وصحَّحَ في الثانيةِ عدمَهُ معلّلاً: ((بأنَّ السنَّة ما واظَبَ عليها النبي ﴿، ومواظبتُهُ كانت بتحريمةٍ مبتدأةٍ))، نعم عكَسَ صاحبُ "الخلاصة(٤)، فصحَّحَ عدم الإجزاءِ في الأُولى والإِجزاءَ في الثانية، ولا يخفى ما فيه، فإِنَّه إذا أحزأت الثانيةُ يلزمُ إجزاءُ الأُولى بالأَولى، ولذا قال في "النهر"(٥): ((وترجيحُ "التجنيس" في المسألتين أوجهٌ)). مطلبٌ في لفظةٍ ثمان [٥٧٠٦] (قولُهُ: وعلى ثمانٍ) كَيَمَانِ: عددٌ، وليس بنسبٍ، أو في الأصل منسوبٌ إلى الثُّمُن؛ لأَنّه الجزء الذي صِيَّرَ السبعةَ ثمانيةً، فهو ثُمُنُها، ثمَّ فتحوا أوَّلها؛ لأَنّهم يغيِّرون في النسب، وحذفوا منها إحدى يأتَي النسب، وحوَّضُوا منها الألفَ كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبُتُ ياؤه عند الإضافة كما تثبُتُ ياءُ القاضي، فتقولُ: ثَمَاني نسوةٍ، وَثَمَاني مائةٍ، وتسقُطُ مع التنوين عند الرفع [٢/ق ٥١/أ) أو الجرِّ، وتثبتُ عند النصب، "قاموس" (٦). (١) في "ب" و"م": ((وقتها)). (٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩٣/أ. (٣) صـ ٤٠٥- وما بعدها "در". (٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وواجباتها وسننها ق ٢٠/ب -٢١/أ. معزياً إلى "متفرقات" شمس الأئمة الحلوانيّ. (٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٦٨/أ. (٦) "القاموس": مادة ((ثمن)). قسم العبادات ٢٦٨ حاشية ابن عابدين لأَنّه لم يَرِدْ (والأفضلُ فيهما الرُّباعُ بتسليمةٍ) وقالا: في الليل المَثْنَى أفضلُ، [٥٧٠٧] (قولُهُ: لأَنَّه لم يَرِدْ) أي: لم يَرِدْ عنه ﴿ أَنَّه زادَ على ذلك، والأصلُ فيه التوقيفُ كما في "فتح القدير"(١)، أي: فما لم يُوقَفْ على دليل المشروعيَّة لا يحلُّ فعلُهُ بل يكرهُ، أي: اتّفاقاً كما في "منية المصلّي)"(٢)، أي: من أثمَّتنا الثلاثة، نعم وقَعَ الاختلافُ بين المشايخ المتأخْرِين في الزيادة على الثمانية ليلاً، فقال بعضهم: لا يكرهُ، وإليه ذهَبَ شمس الأئمّة "السرخسيُ)(٣)، وصحَّحَهُ في "الخلاصة"(٤)، وصحَّحَ في "البدائع"(٥) الكراهةَ، قال: ((وعليه عامَّةُ المشايخ))، وتمامُهُ في "الحلبة"(٦) و"البحر "(٧). [٥٧٠٨] (قولُهُ: والأفضلُ فيهما) أي: في صلاتي الليلِ والنهارِ ((الرُّباعُ))، وعبارةُ "الكنز (٨): ((رُباعُ)) بدون أل، وهو الأظهرُ؛ لأَنَّه غيرُ منصرفٍ للوصفيَّةِ والعدل عن أربعٍ أربعٍ، أي: ركعاتٌ رُباعُ، أي: كلُّ أربعٍ بِتسليمةٍ. (قولُهُ: لا يحلُّ فعلُهُ بل يكرهُ إلخ) بما قالَهُ في "المنية" من الاتّفاق على الكراهة بين أثمَّتنا الثلاثة يُعلَمُ ضعفُ تصحيح "السرخسيّ"، "بحر". (قولُهُ: وهو الأظهرُ) حيث كان وصفاً معدولاً يستوي فيه ذكرُ أل وتجريدُهُ عنها، فلم يظهر وجهُ أظهريَّة ما في "الكنز". (١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٩٠/١. (٢) انظر"شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٣٩١ -. (٣) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة ١٥٨/١. (٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني: في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وواجباتها وسننها ق ٢٠/ب - ٢١/أ. معزياً إلى "الأصل". (٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يكره من التطوع ٢٩٥/١. (٦) انظر"الحلبة": فصل في النوافل ٢/ق١٩٣/ب. (٧) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٧/٢. (٨) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٦/١. الجزء الرابع ٢٦٩ باب الوتر والنوافل قيل: وبه يُفتَی .. [٥٧٠٩] (قولُهُ: قيل: وبه يُفتَى) عزاه في "المعراج" إلى "العيون"، قال في "النهر"(١): ((وردَّهُ الشيخ "قاسمٌ" بما استدَلَّ به المشايخُ لـ "الإِمام" من حديث "الصحيحين"(٢) عن "عائشة" رضي الله عنها: ((كان رسول الله ﴿ لا يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِهِ على إحدى عشرة ركعةً، يصلّي أربعاً لا تسألْ عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثمَّ أربعاً، فلا تسألْ عن حسنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثمَّ يصلِّي ثلاثاً)، وكانت التراويحُ ثنتين تخفيفاً، وحديثُ: ((صلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى))(٣) يُحتمَلُ أنْ يُرادَ به شفعٌ لا وترٌ، وترجَّحَت الأربعُ بزيادةٍ منفصلةٍ لِما أَنَّها أكثرُ مشقّةً على النفس، وقد قال وُلّ:((إنما أجرُكَ (قولُهُ: وكانت التراويحُ ثنتين تخفيفاً) المرادُ سنَّةُ التراويح، أي: أنَّها إنما كانت ثنتين ثنتين لأجل التخفيف؛ لأَنَّها تُؤدَّى بجمعٍ فُيُراعَى فيها جهةُ التيسير. (١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق٦٨/ب. (٢) أخرجه البخاريّ (١١٤٧) كتاب التهجد - باب قيام النّبِيّ ◌َ طّ بالليل في رمضان وغيره، و(٢٠١٣) كتاب صلاة التراويح - باب فضل من قام رمضان، و(٣٥٦٩) كتاب المناقب - باب كان النّبِيّ ◌ُ﴿ تنام عيناه ولا ينام قلبه، ومسلم (٧٣٨)(١٢٥) كتاب صلاة المسافرين - باب صلاة الليل، وعدد ركعات النّبِيّ ◌ُ ﴿ّ في الليل. وأخرجه مالك في "الموطأ" ١١٨/١ كتاب صلاة الليل - باب صلاة النّبِيّ ◌َ ﴾ في الوتر، وأحمد ٣٦/٦ و٧٣ و١٠٤، وعبد الرزاق (٤٧١١)، وأبو داود (١٣٤١) كتاب الصلاة - باب في صلاة الليل، والنسائيّ ٢٣٤/٣ كتاب قيام الليل - باب كيف الوتر بثلاث؟ والترمذيّ (٤٣٩) كتاب الصلاة - باب ما جاء في وصف صلاة النّبِيّ ◌َ ﴿ّ بالليل، والطّحَاوِيّ في "شرح معاني الآثار" ٢٨٢/١ كتاب الصلاة - باب الوتر، وابن حبان (٢٤٣٠) كتاب الصلاة - باب الوتر. (٣) أخرجه مالك في "الموطأ" ١٢٠/١ كتاب صلاة الليل - باب الأمر بالوتر، وأحمد ٤٠/٢ و٧٧ و٧٩ و٨١، والبخاريّ(٩٩٠) كتاب الوتر - باب ما جاء في الوتر، ومسلم (٧٤٩) كتاب صلاة المسافرين - باب صلاة الليل مثنى مثنى، وأبو داود (١٣٢٦) كتاب الصلاة - باب صلاة الليل مثنى مثنى، والنّسائيّ ٢٣٣/٣ كتاب قيام الليل - باب كيف الوتر بواحدة؟ وابن ماجه (١٣٢٠) كتاب إقامة الصلاة - باب في صلاة الليل ركعتين، وابن حبان (٢٤٢٦) كتاب الصلاة - فصل في قيام الليل. كلُّهم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً. قسم العبادات ٢٧٠ حاشية ابن عابدين (ولا يصلِّي على النبي ﴿ في القعدة الأُولى في الأربعِ قبل الظهرِ والجمعةِ وبعدها) ولو صلَّى ناسياً فعليه السهوُ، وقيل: لا، كذا قال(١) "الشمنيُّ" (ولا يَستفتِحُ إذا قامَ إلى الثالثة منها) لأنّها لتأكُّدِها أشبَهَتِ الفريضةَ (وفي البواقي من ذواتِ الأربعِ يصلِّي) على النبيِ نَ ﴿ (ويَستفتِحُ) ويتعوَّذُ. على قدْرِ نَصَبِكَ)(٢))) اهـ بزيادةٍ، وتمامُ الكلام على ذلك في "شرح المنية"(٣) وغيره. [٥٧١٠] (قولُهُ: ولا يصلِّي إلخ) أقولُ: قال في "البحر "(٤) في باب صفة الصلاة: ((إنَّ ما ذكَرَ "مسلمٌ" فيما قبلَ الظهر؛ لِما صرَّحوا به من أَنَّه لا تبطُلُ شفعةُ الشفيع بالانتقال إلى الشفع الثاني منها، ولو أفسَدَها قَضَى أربعاً، والأربعُ قبل الجمعة بمنزلتها، وأمَّا الأربعُ بعد الجمعة فغيرُ مسلٍّ، (قولُهُ: وأمَّ الأربعُ بعد الجمعة فغيرُ مسلِّمٍ إلخ) هم وإنْ لم يثبتوا لها تلك الأحكامَ إلاَّ أنَّهم أثبتوا لها أنّها كالأربع قبلها من جهةٍ عدم الصلاة على النبيِّ عليه الصلاة والسلام والاستفتاحِ، فعلينا الاتّاع والبحثُ عن وجِهِ فَرْقِهم، ولعلَّه أنَّ ما ورَدَ من جوازها بتسليمتين بعذرٍ يَقضي أنَّها بمنزلة صلاتين حيث جُوِّزَتْ بهما في الجملة، وتأكُّدُها بتسليمةٍ واحدةٍ واتّصالُها واتّحادُ التحريمة يَقضِي أَنَّها صلاةٌ واحدةٌ، (١) (( كذا قال )) ليست في "ب". (٢) أخرجه أحمد ٤٣/٦، والبخاريّ (١٧٨٧) كتاب العمرة - باب أجر العمرة على قدر النصب، ومسلم (١٢١١) (١٢٦) كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحل القارن من نسكه، وابن خزيمة (٣٠٢٧) كتاب الحج - باب أن العمرة من الميقات أفضل منها من التّنْعِيم إذ هي أكثر نَصَباً وأفضل نفقةً، والدارقطنيّ ٢٨٦/٢ كتاب الحج - باب المواقيت، والحاكم في "المستدرك" ٤٧١/١ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولم يوافقه الذهبيّ حيث قال: بل خرجاه، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١٧٧/٤: ((متفق عليه عنها - أي عن عائشة رضي الله عنها - واستدركه الحاكم فوهم))، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٣٢/٤ كتاب الحج - باب من اختار الركوب لما فيه من زيادة النفقة. كلُّهم من حديث أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها. (٣) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٣٩٠-٣٩١ -. (٤) "البحر": كتاب الصلاة ٣٤٦/١ بتصرف. الجزء الرابع ٢٧١ باب الوتر والنوافل ولو نذرًاً؛ لأنَّ كلَّ شفعِ صلاةٌ (وقيل لا) يأتي في الكلِّ، وصحَّحَهُ في "القنية"(١). (وكثرةُ الركوعِ والسجودِ أحبُّ من طولِ القيام) كما في "المجتبى"،. فإنّها كغيرها من السنن، فإنَّهم لم يُثبتُوا لها تلك الأحكامَ [٢/ق٥١/ب] المذكورة)) اهـ. ومثلُهُ في "الحلبة"(٢). وهذا مؤيِّدٌ لِما بحَثَّهُ "الشرنبلاليُ)(٣) من جوازِها بتسليمتين لعذرٍ. [٢٥٧١١ (قولُهُ: ولو نذراً) نصَّ عليه في "القنية"(٤)، ووجهُهُ أَنَّه نفلٌ عرَضَ عليه الافتراضُ أو الوجوبُ، أفاده "ط " (٥). [٥٧١٢] (قولُهُ: لأنَّ كلَّ شفعٍ صلاةٌ) قدَّمنا (٦) بيانَ ذلك في أوَّلِ بحث الواجبات، والمرادُ: من ٤٥٤/١ بعض الأوجُهِ كما يأتي(٧) قريباً. [٥٧١٣] (قولُهُ: وقيل: لا إلخ) قال في "البحر "(٨): ((ولا يخفى ما فيه، والظاهرُ الأوَّلُ))، فعملوا بالشبهين فلم يُثبتوا الشفعة للتردُّد بين الثبوت وعدمه، وهي لا تثبتُ معه خصوصاً لِما فيها من إيطالٍ حقِّ المشتري، وأمَّا الصلاة والاستفتاح فنَفَوهما نظراً لضعفٍ وجه كونها بمنزلة صلاتین، والمشروعيّةُ لا تثبت بالشكِّ، هذا ما ظهَرَ، فتأمَّله. على أنَّ قوله: ((فإنَّهم لم يُثِتُوا لها تلك الأحكامَ المذكورة)) يُتأمَّلُ فيه مع ما ذكرَهُ عن "ح" عند قوله الآتي: ((وقَضَى ركعتين لو نوى أربعاً)) مما هو ظاهرٌ في إثبات أحكام الأربع قبل الجمعة للأربع بعدها، وذكر "السنديُّ" هناك عن "شرح المنية": ((أنَّ هذه الأحكام مسلَّمةٌ عند أهل المذهب، فلذا اختار "ابن الفضل" قول "أبي يوسف")). (١) لم نعثر على التصحيح في مخطوطة "القنية" التي بين أيدينا. (٢) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ٢٢٢/أ،ب. (٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في بيان النوافل ق ٢١٠/ب. (٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب النوافل ق ١٩/أ. (٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٦/١. (٦) المقولة [٣٩٥٦] قوله: ((لأن كل شفع منه صلاة)). (٧) في المقولة الآتية. (٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٣/٢. قسم العبادات ٢٧٢ حاشية ابن عابدين زاد في "المنح" (١): ((ومن ثمَّ عوَّلنا عليه، وحكينا ما في "القنية" بـ: قيل)). ( تنبيةٌ) بقِيَ في المسألةِ قولٌ ثالثٌ جِزَمَ به في "منية المصلّي)(٢) في باب صفة الصلاة حيث قال: ((أمَّا إذا كانت سنّةً أو نفلاً فيبتدِئُ كما ابتدَاً في الركعة الأولى، يعني: يأتي بالثناء والتعوُّذ؛ لأنَّ كلَّ شفعٍ صلاةٌ على حدٍ)) اهـ. مطلبٌّ: كلُّ شفعٍ من النفل صلاةٌ ليس مُطَرِداً لكنْ قال "شارحُها": ((الأصحُّ أَنَّه لا يصلّي ولا يستفتحُ في سنّة الظهر والجمعة، وكونُ كلِّ شفعٍ صلاةً على حدةٍ ليس مُطَرِداً في كلِّ الأحكام، ولذا لو ترَكَ القعدةَ الأُولى لا تفسُدُ خلافاً لـ "محمَّدٍ"، ولو سجَدَ للسهو على رأس شفعٍ لا يَني عليه شفعاً آخرَ؛ لئلاَّ يَطُلَ السجودُ بوقوعه في وسط الصلاة، فقد صرَّحُوا بصيرورةِ الكلِّ صلاةً واحدةً، حيث حكموا بوقوعِ السجود وسطاً، فيقال هنا أيضاً: لا يصلّي ولا يستفتحُ ولا يتعوَّذُ لوقوعه في وسط الصلاة؛ لأنَّ الأصل كونُ الكلِّ صلاةً واحدةً للاتصال واتّحادِ التحريمة، ومسألةُ الاستفتاح ونحوِهِ ليستْ مرويَّةً عن المتقدِّمين، وإنما هي اختيارُ بعض المتأخّرين، نعم اعتَبَروا كونَ كلِّ شفعٍ صلاةً على حدةٍ في حقِّ القراءة احتياطاً، وكذا في عدمٍ لزوم الشفع الثاني قبل القيام إليه لتردُّدِهِ بين اللزوم وعدمه، فلا يلزمُ بالشكِّ، ولذا يَقطَعُ على رأس الشفع إذا أُقِيمَت الصلاة أو خرَجَ الخطيب، وكذا في بطلانِ الشُّفْعة وخيارِ المخَّرة بالشروع في الشفع الآخرِ؛ لأنَّ كلاً من الشفعةِ والخيارِ مُتردّدٌ بين الثبوت وعدمِهِ، [٢/ق٥٢/أ] فلا يثُبُتُ بالشكِّ، وكذا في عدمٍ سَرَيانِ الفساد من شفعٍ إلى شفعٍ؛ إذ لا يُحكِمُ بالفساد مع الشكِ)) اهـ ملخَّصاً. لكنَّ قوله: ((وكذا في بطلانِ الشفعة وخيارِ المخيَّرة)) غيرُ صحيحٍ؛ لِما علمتَ مِمَّا قدَّمناه(٣) (١) "المنح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١/ق ٥٥/أ. (٢) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الصلاة صـ٣٣٢ -. (٣) المقولة [٥٧١٠] قوله: ((ولا يصلي إلخ)). الجزء الرابع ٢٧٣ باب الوتر والنوافل ورجَّحَهُ في "البحر"، لكنْ نظَرَ فيه في "النهر"(١) آنفاً عن "البحر" و"الحلبة": ((من أَنَّهما لا يَبطُلان بالانتقالِ إلى الشفع الثاني))، وقد صرَّحَ نفسُهُ بذلك في مواقيت الصلاة، وعلمتَ أيضاً أنَّ ذلك إنما ذكروه في سنَّة الظهر، ولم يُثبِتوه للأربع التي بعدَ الجمعة(٢). [٥٧١٤] (قولُهُ: ورجَّحَهُ في "البحر"(٣)) حيث جزَمَ بتعارُضِ الأدلّةِ كحديث "مسلمٍ"(٤): ((عليك بكثرةِ السجود) وحديث: ((أقربُ ما يكونُ العبد من ربِّه وهو ساجدٌ))(٥)، وحديثٍ "مسلمٍ"(٦) أيضاً: ((أفضلُ الصلاة طولُ القنوت))، أي: طولُ القيام كما هو روايةُ "أحمدَ" (١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٦٩/أ. (٢) في "د" زيادة: (( مع أنَّ صاحب "المجتبى" نقله روايةً عن محمد، ومع أنَّ ظاهر ما في "المعراج" أنَّ ما في "الكنز" قولُ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ومع ما ذكره صاحب "البحر" في هذا الشرح أنّه لا اعتبار بجميع ما يقوله صاحب "القنية" ما لم يعضده نقلُ غيرِهِ، ومع تصحيح صاحب "البدائع" له، وقد ردَّ في "النهر" ما في "البحر")). (٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٩/٢. (٤) أخرجه مسلم (٤٨٨) كتاب الصلاة - باب فضل السجود والحث عليه، وأخرجه أحمد ٢٧٦/٥، والترمذي (٣٨٨) كتاب الصلاة - باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود وفضله، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائيّ ٢٢٨/٢ كتاب التطبيق - باب ثواب من سجد للمرَّق سجدةٌ، وابن ماجه (١٤٢٣) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في طول القيام في الصلوات. كلُّهم من حديث ثوبان مولى رسول الله :﴿ مرفوعاً، وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي أُمامة، وأبي فاطمة، وأبي الدرداء ◌ُه. (٥) أخرجه أحمد ٤٢١/٢، ومسلم (٤٨٢) كتاب الصلاة - باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود(٨٧٥) و(٨٧٨) كتاب الصلاة - باب في الدعاء في الركوع والسجود، والنّسائيّ ٢٢٦/٢ كتاب التطبيق - باب أقرب ما يكون العبد من الله رَ، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١١٠/٢ كتاب الصلاة - باب قدر كمال الركوع والسجود. كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌َّبه مرفوعاً. (٦) أخرجه مسلم (٧٥٦) كتاب صلاة المسافرين - باب أفضل الصلاة طول القنوت، والطّيالسيّ (١٧٧٧)، والحُمَيدي (١٢٧٦) وأحمد ٣٠٢/٣ و٣١٤ و٣٩١، والترمذيّ (٣٨٧) كتاب الصلاة - باب ما جاء في طول القيام في الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١٤٢١) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في طول القيام في الصلوات، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٨/٣ كتاب الصلاة - باب أفضل الصلاة طول القنوت. كلّهم من حديث جابر ـ قسم العبادات ٢٧٤ حاشية ابن عابدين من ثلاثة أوجُهٍ، ونقَلَ عن "المعراج": ((أنَّ هذا قولُ "محمَّدٍ"، وأنَّ مذهب "الإِمام" أفضليَّةُ القيام ))، و"أبي داود"، ثمَّ قال: ((والذي ظهَرَ للعبد الضعيف أنَّ كثرة الركوع والسجود أفضلُ؛ لأنَّ القيام إنما شُرِعَ وسيلةً إليهما، ولذا سقَطَ عمَّن عجَزَ عنهما، ولا تكونُ الوسيلةُ أفضلَ من المقصود، ولأَنّه وإِنْ لَزِمَ فيه كثرةُ القراءة لكنّها ركنٌ زائدٌ، بل اختُلِفَ في أصلٍ ركنَّتِها، وأجمعوا على ركنَّةٍ الركوع والسجود وأصالتِهما، ولتخلّفِ القيام عن القراءة فيما بعدَ ركعتي الفرض)) اهـ ملخّصاً. [٥٧١٥] (قولُهُ: مِن ثلاثةٍ أو جُهٍ) الأوَّلُ: أنَّ القيام وإنْ كان وسيلةً إلاَّ أنَّ أفضلَيَّةٍ طوله لكثرةٍ القراءة فيه، وهي وإِنْ بَلَغَتْ كلَّ القرآن تقعُ فرضاً بخلاف التسبيحات. الثاني: أنَّ كون القراءة ركناً زائداً مِمَّا لا أثّرَ له في الفضيلة. الثالثُ: أنَّ موضوع المسألة النغلُ، وفيه تجبُ القراءةُ في كلِّه. اهـ ملخَّصاً. قلت: وأمَّا تعارُضُ الأدلَّةِ فيجابُ عنه بأنَّ المراد بالسجود الصلاةُ، وأقوى دليلٍ أيضاً على أفضلَيَّةٍ طول القيام أَنَّهَ﴿ «كان يقومُ الليلَ إلاَّ قليلاً، وكان لا يزيدُ على إحدى عشرة ركعةٌ)) كما مرَّ(١) في حديث "عائشة". [٥٧١٦] (قولُهُ: ونَقَلَ عن "المعراج" إلخ) اعتراضٌ على "البحر"(٢) أيضاً حيث قال: ((اختلَفَ النقلُ [٢/ق٥٢/ب] عن "محمَّدٍ" في هذه المسألة، فتقَلَ "الطحاويُّ" عنه في "شرح الآثار)"(٣): أنَّ طول القيام أحبُّ، ونقَلَ في "المجتبى" عنه العكسَ، ونقَلَ عن "أبي يوسف": أنَّه فصَّلَ فقال: إذا كان له وِرٌْ من الليل بقراءةٍ من القرآن فالأفضلُ أنْ يُكثِرَ عددَ الركعات، وإلاَّ فطولُ القيام أفضلُ؛ لأنَّ القيام في الأوَّلِ لا يَخْتِفُ ويُضَمُّ إليه زيادةُ الركوع والسجود)) اهـ. ووجهُ الاعتراض: أنَّ مقتضى كلامِهِ أَنَّه لا قولَ في هذه المسألة لإمام المذهب، بل القولان فيها لـ "محمَّدٍ". (١) المقولة [٥٧٠٩] قوله: ((قيل: وبه يفتى)). (٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٩/٢ بتصرف. (٣) "شرح معاني الآثار": ٢٦٩/١ كتاب الصلاة - باب القراءة في ركعتي الفجر. الجزء الرابع ٢٧٥ باب الوتر والنوافل وصحَّحَهُ في "البدائع". قلتُ: وهكذا رأيتُهُ بنسختي "المجتبى" معزيًّاً لـ "محمَّدٍ" فقط، فتنبّهْ،. أقولُ: ويظهرُ لي أنَّ رواية "أبي يوسف" مَحمَلُ هذين القولين، تأمَّل. [٥٧١٧] (قولُهُ: وصحَّحَهُ في "البدائع"(١)) وعبارتُهُ: ((قال أصحابنا: طولُ القيام أفضلُ، وقال "الشافعيُّ": كثرةُ الصلاة أفضلُ، والصحيحُ قولنا))، ثمَّ قال: ((ورُوِيَ عن أبي يوسف" أنَّه قال)) إلخ ما مرَّ(٢)، وظاهرُ كلامه أنَّ هذا قولُ أئمَّتنا الثلاثةِ، حيث لم يتعرَّضْ إلاَّ لخلافِ "الشافعيّ"، ويؤيِّدُهُ ما مرَّ(٣) عن "الطحاويِّ". [٥٧١٨] (قولُهُ: قلتُ إلخ) تأييدٌ لِما في "المعراج"، وأمَرَ بالتُّهِ إشارةً إلى ما على "المصنّف" من الاعتراضِ، حيث تابَعَ شيخَهُ صاحبَ "البحر"، وعدَلَ عمَّا عليه المتونُ الذي هو قولُ "الإِمام" المصحَّحُ، بل هو قولُ الكلِّ كما مرَّ(٤)، ولذا قال "الخير الرمليُّ": ((أقول: كيف يُخالِفُ الجهابذةَ تبعاً لشيخه ويجعلُهُ متناً والمتونُ موضوعةٌ لنقل المذهب؟!)) اهـ. والحاصلُ: أنَّ المذهب المعتمد أنَّ طول القيام أحبُّ، ومعناه - كما في "شرح المنية"(٥) - ((أَنَّه إذا أرادَ شُغْلَ حِصَّةٍ معيّنةٍ من الزمان بصلاةٍ فإطالةُ القيام مع تقليلِ عدد الركعات أفضلُ من عكسه، فصلاةُ ركعتين مثلاً في تلك الحِصَّةِ أفضلُ من صلاة أربعٍ فيها، وهكذا القياسُ)). (قولُهُ: ويؤيِّدُهُ ما مرَّ عن "الطحاويِّ") لم يتقدَّمْ عن "الطحاويِّ" ما يؤيِّدُهُ، فإنَّ الذي قدَّمَهُ عنه ما في "شرح الآثار"، وإنما نقَلَ "الرمليُّ" عنه في "حاشية المنح" كما نقَلَهُ "السنديُّ": ((أنَّ طول القيام أفضلُ قولِ أصحابنا، وفضلُ كثرةِ الركوع والسجود مذهبُ الغير )) اهـ. ثمَّ رأيتُ ما في "شرح معاني الآثار"، ونصُّهُ: ((وممن قال بهذا القولِ الأخيرِ في إطالة القيام وأنَّه أفضلُ من كثرة الركوع والسجود "محمَّد بن الحسن"، حدَّثني بذلك "ابن أبي عمران" عن "محمَّد بن الحسن"، وهو قولُ "أبي حنيفة" و"أبي يوسف" و"محمَّد" رحمهم الله تعالى)) اهـ. (١) "البدائع": كتاب الصلاة - باب في بيان ما يكره من التطوع ٢٩٥/١ باختصار. (٢) في المقولة السابقة. (٣) في المقولة السابقة أيضاً. (٤) في المقولة السابقة أيضاً. (٥) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٣٩٦ -. قسم العبادات ٢٧٦ حاشية ابن عابدين وهل طولُ قيامِ الأخرسِ أفضلُ كالقارئ؟ لم أره. (ويُسَنُّ تحيَّةُ) ربِّ (المسجد. [٥٧١٩] (قولُهُ: وهل إلخ) البحثُ لصاحب "النهر "(١)، والذي يظهرُ أنَّ كثرة ركوعه وسجوده ٤٥٥/١ أفضلُ؛ لأنَّ أفضلَّة القيام إنما كانَتْ باعتبار القراءة، ولا قراءةً له. اهـ "ح"(٢) عن بعض الهوامش. وخالفَهُ [٢/ق ٥٣/أ] "الرحمتيُّ": ((بأنَّ الأخرس قارئٌّ حكماً، وله ثوابُ القارئ كما هو الحكمُ فيمَن قصَدَ عبادةً وعجَزَ عنها، مع أنَّ الطريقة أنَّ العلّة إذا وُجِدَتْ في بعض الصور تَطَّرِدُ في باقيها))، تأمّل. مطلبٌ في تحيَّةِ المسجد [٥٧٢٠] (قولُهُ: ويُسَنُّ تَحيَّةُ) كَتَبَ "الشارحُ" في هامش "الخزائن"(٣): ((أنَّ هذا ردٌّ على صاحب "الخلاصة"(٤)، حيث ذكَرَ: أَنَّها مستحبَّةٌ)). (٥٧٢١] (قولُهُ: ربِّ المسجدِ) أفادَ أَنَّه على حذفِ مضافٍ؛ لأنَّ المقصود منها التقرُّبُ إلى الله تعالى لا إلى المسجد؛ لأنَّ الإنسان إذا دخَلَ بيت الملِكِ يحِّي الملِكَ لا بيتَهُ، "بحر "(٥) عن "الحلبة"(٦). ثمَّ قال: ((وقد حُكِيَ الإجماعُ على سنَّتِها، غيرَ أنَّ أصحابنا يكرهونها في الأوقات المكروهة تقديماً لعموم الحاظر على عموم المبيح)) اهـ. (قولُهُ: تقديماً لعموم الحاظر على عموم المبيح) وفي "الظهيريَّة": ((المصلّي إذا دخل المسجدَ يوم الجمعة لا يصلّي تحيّة المسجد إذا كانوا يقرؤون القرآن؛ لأنَّ استماع القرآن فرضٌ، وتحيَّةَ المسجد سنَّةٌ، والإتيانُ بالفرض أولى)) اهـ "سندي". (١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٦٩/أ. (٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩٣/ب. (٣) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق١٢٧/أ. (٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وواجباتها وسننها ق٢١/أ. (٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٨/٢ باختصار يسير. (٦) "الحلبة": التكملة - الفصل الحادي عشر في تحية المسجد ٢/ق ٢٨٦/أ.