النص المفهرس
صفحات 181-200
الجزء الرابع
١٧٧
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فیها
يقتضي كونَها عربيّةً، وقال "الأزهريُّ)(١): ((كلمةٌ مولَّدةٌ، وجمعُها مثلُ: غُرْفِةٍ وَغُرَفٍ)) اهـ.
والمشهورُ شرعاً إطلاق السُّبحة بالضمِّ على النافلة، قال في "المغرب"(٢): ((لأَنَّه يُسبَّحُ
فيها))، ودليلُ الجواز ما رواه "أبو داود" و"الترمذيُّ" و"النسائيُّ" و"ابن حبَّان" و"الحاكم" - وقال:
((صحيحُ الإسناد))(٣) - عن "سعد بن أبي وقّاصٍ" أنَّه دخَلَ مع رسول اللـه ل:﴿ على امرأةٍ وبين
يديها نوىِّ أو حصىً تسبِّحُ به، فقال: (أُخبِرُكِ بما هو أيسرُ عليك من هذا، أو أفضلُ؟)) فقال:
((سبحانَ الله عددَ ما خَلَقَ في السماء، وسبحان الله عدَدَ [٢/ق٢٩/ب] ما خلَقَ في الأرض،
وسبحان الله عدَدَ ما بين ذلك، وسبحان الله عدَدَ ما هو خالقٌ، والحمدُ لله مثلَ ذلك، واللَّهُ أكبر
مثلَ ذلك، ولا إله إلاَّ الله مثلَ ذلك، ولا حول ولا قوَّة إلَّ بالله مثلَ ذلك))، فلم ينهَها عن ذلك،
وإنما أرشَدَها إلى ما هو أيسرُ و أفضلُ، ولو كان مكروهاً لبَّنَ لها ذلك، ولا تزيد السُّبحةُ على
مضمون هذا الحديث إلاَّ بضمِّ النَّوى في خيطٍ، ومثلُ ذلك(٤) لا يظهرُ تأثيره في المنع، فلا جرَمَ أنْ
نُقِلَ اتّخاذُها والعملُ بها عن جماعةٍ من الصوفيّة الأخيارِ وغيرهم، اللهمَّ إلَّ إذا ترتّبَ عليه رياء
وسمعةٌ فلا كلامَ لنا فيه، وهذا الحديثُ أيضاً يشهدُ لأفضليّةِ هذا الذكر المخصوص على ذكرٍ مجرَّدٍ
(١) "تهذيب اللغة": مادة ((سبح)).
(٢) "المغرب": مادة ((سبح)).
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٠٠) كتاب الصلاة - باب التسبيح بالحصى، والترمذيّ (٣٥٦٨) كتاب الدعوات - باب
في دعاء النبيّ ◌َّ وتعوذه دبر كل صلاة، وقال: حديث حسن غريب من حديث سعد، والنسائيّ في "عمل اليوم
والليلة" كما في "التحفة" ٣٢٥/٣ عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السّرح، عن ابن وهب، به، والحاكم
في"المستدرك"٥٤٧/١ - ٥٤٨ وصححه، ووافقه الذهبيّ، والبغويّ في "شرح السنة" (١٢٧٩)، والطبرانيّ
في "الدعاء" (١٧٣٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٨٣٧) كتاب الرقائق - باب الأذكار. وفي الباب عن صفية رضي
الله عنها عند الترمذيّ(٣٥٥٤)، والطبرانيّ في "الكبير" ٧٤/٢٤ -٧٥، والحاكم في "المستدرك" ٥٤٧/١ وفي سنده
ضعف. وعن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) من ((ولا تزيد)) إلى ((ومثل ذلك)) ساقط من"آ".
قسم العبادات
١٧٨
حاشية ابن عابدين
(لا) يكرهُ (قتلُ حَيَّةٍ أو عقربٍ) إنْ خافَ الأذى؛
٤٣٧/١ عن هذه الصيغة ولو تكرَّرَ يسيراً، كذا في "الحلبة"(١) و"البحر"(٢).
[٥٤٨٩] (قولُهُ: لا يكرهُ قتلُ حَيَّةٍ أو عقربٍ) لخبرِ "الشيخين"(٣): ((اقتلوا الأسودَين في
الصلاة: الحيَّةَ والعقربَ))، "نهر "(٤). وأمَّا قتلُ القَمْلَة والبرغوث فسيأتي(٥).
[٥٤٩٠] (قولُهُ: إنْ خافَ الأذى) أي: بأن مرَّتْ بين يديه وخاف الأذى، وإلاَّ فيكرهُ،
"نهاية". وفي "البحر"(٦) عن "الحلبة"(٧): ((ويستحبُّ قتلُ العقرب بالنعل اليسرى إنْ أمكَنَ؛
الحديث "أبي داود"(٨) كذلك، ويقاسُ عليه الحيَّةُ)).
(١) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٦٤ /أ - ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣١/٢ .
(٣) أخرجه الطيالسيّ (٢٥٣٨) و(٢٥٣٩)، وأحمد ٢٣٣/٢ و٢٤٨ و٢٨٤ و٤٩٠، وعبد الرزاق (١٧٥٤)، وأبو داود
(٩٢١) كتاب الصلاة - باب العمل في الصلاة، والترمذيّ (٣٩٠) كتاب الصلاة - باب ما جاء في قتل الحية
والعقرب في الصلاة، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والنسائيّ ١٠/٣ كتاب السهو - باب قتل
الحية والعقرب في الصلاة، وابن ماجه (١٢٤٥) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في قتل الحية والعقرب
في الصلاة، والدارميّ ٣٥٤/١ كتاب الصلاة - باب قتل الحية والعقرب في الصلاة، وابن خزيمة
في "صحيحه" (٨٦٩) كتاب الصلاة - باب الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة، والحاكم في "المستدرك" ٢٥٦/١
كتاب الصلاة، وقال: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ، وابن حبان في "صحيحه" (٢٣٥١)
و(٢٣٥٢) كتاب الصلاة - باب ما يكره للمصلي وما لا يكره، كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌َّه مرفوعاً. وفي
الباب عن ابن عباس، وأبي رافع رضي الله عنهم، ولم يخرج الشيخان هذا الحديث كما ادعى صاحب"النهر" ونقله
عنه ابن عابدين .!!!
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب مايفسد الصلاة وما يكره فيها ق٦٥/ب.
(٥) المقولة [٥٥٠٦] قوله: ((كتعرض لقملة ... إلخ)).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٢/٢.
(٧) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق١٦٦/ب.
(٨) في "المراسيل" صـ١٢٥-، برقم (٤٥)، وقال: سليمان بن موسى لم يُدْرِك العَدَوِيَّ وهو منقطع.
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
١٧٩
إذ الأمرُ للإباحةِ؛ لأَنَّه منفعةٌ لنا، فالأَولى تركُ الحَيَّةِ البيضاء لخوفِ الأذى (مطلقاً)
ولو بعملٍ كثيرٍ.
[٥٤٩١] (قولُهُ: إذ الأمرُ للإباحةِ) جوابٌ عمَّا يقال: لِمَ لَمْ يكن قتلُهما مستحبّاً للأمر
بالقتل؟! "ط"(١).
[٥٤٩٢] (قولُهُ: فالأَولى إلخ) أي: حيث كان الأمرُ بالقتل لمنفعتِنا فما يُخشَى منه الأذى
الأَولى تركُهُ، وهو قتلُ الحَيَّةِ البيضاءِ التي تمشي مستويةً؛ لأنّها حالٌّ لقوله عليه الصلاة والسلام:
(اقتلوا ذا الطُّفْيتين والأبترَ، وإِيَّكم والحيَّةَ البيضاءَ فإِنَّها من الجنِّ))(٢) كما في "المحيط"، وقال
"الطحاويُّ"(٣): ((لا بأس بقتلِ الكلِّ؛ لأنَّ النبي ﴿َ عَهِدَ مع الجنِّ أنْ لا يدخلوا بيوتَ أَمَّتَه(٤)،
(قولُهُ: لِمَ لَمْ يكن قتلُهما مستحبّاً للأمر إلخ) أي: أو واجباً، وحاصلُ الجواب أنَّ هذا الأمرَ معلولٌ
بدفع الأذى عن المصلى، فيكونُ أمرَ إرشادٍ، فيفيدُ الإِباحةَ وعدمَ الكراهة.
(قولُهُ: أنْ لا يدخلوا بيوتَ أُمَّتِهِ) وإذا دخلوا لم يظهروا لهم، فإذا دخلوا إلخ، كذا ذكرَهُ
في "البحر" وغيره.
(قولُ "الشارح": ولو بعملٍ كثيرٍ) أي: ولا تفسدُ به أيضاً، وإلاَّ فعدمُ الكراهة مطلقاً محلُّ اتّفاقِ،
وحينئذٍ يَتِمُّ الاستدراكُ بما قاله "الحلبيُّ".
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٤/١ بتصرف
(٢) أخرجه أبو داود (٥٢٥٢) كتاب الأدب - باب قتل الحيات بلفظ: ((اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطُّفْيَتَين والأبترَ فإنهما
يَلْتَمِسَان الْبَصَرِ وَيُسْقِطَان الْحَبَل)) من غير زيادة: ((وإِيَّاكُم والحيّةَ البيضاءَ))، وابن ماجه (٣٥٣٥) كتاب الطب -
باب قتل ذي الطُّفْيَتَيْن، والطحاويّ في "مشكل الآثار" (٢٩٣١)، وابن حبان (٥٦٣٨) كتاب الحظر والإِباحة - باب
قتل الحيوان.
(٣) "مشكل الآثار": ٣٧٥/٧.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٢٦٠) كتاب الأدب - باب في قتل الحيات، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أنَّ
رسول الله ﴿ّ سُئِلَ عن حَيّاتِ الْبُيُوت فقال: ((إِذَا رَأَيْتُم مِنْهُنَّ شيئاً فِي مَسَاكِينِكُمْ فِقُوْلُوا: أنشد كن العَهْدَ الذي أَخَذَ
عَلَيكُنَّ نُوْحٍ، أنشد كن العَهْدَ الذي أخذ عَلَيكُنّ سُلَيْمان أنْ لا تُؤْذُونَا، فإنْ عُدْنَ فاقْتُلُوهُنَّ)). والنّبِيّ الذي أخذ
العَهْد هو سليمان بن داود عليهما السلام.
قسم العبادات
١٨٠
حاشية ابن عابدين
على الأظهرِ، لكنْ صحَّحَ "الحلبيُّ" الفسادَ (و) لا تكرهُ (صلاةٌ.
...
فإذا دخلوا فقد نقضوا العهدَ، فلا ذمَّةً لهم، والأَولى هو الإعذارُ والإنذارُ، فيقال: ارجعْ بإذن الله،
فإِنْ أَبَى قَتَلَهُ)) اهـ. يعني: الإنذارَ في غير الصَّلاة، "بحر"(١).
قال في "الحلبة"(٢): ((ووافَقَ "الطحاويّ" غيرُ واحدٍ، آخرُهم شيخنا - يعني: "ابنَ الهمام"(٣) -
فقال: والحقُّ أنَّ الحلَّ ثابتٌ، إلاَّ أنَّ الأَولى الإمساكُ عمَّا فيه علامةُ الجنِّ لا للحرمة، بل لدفعِ الضرر
المتوهَّم [٢/ق٣٠/أ] من جهتهم اهـ. والطُّفْيتان بضمِّ الطاء المهملة وإسكان الفاء: الخطّان
الأسودان على ظهرِ الحَيَّة، والأبترُ: الأفعى، قيل: هو جنسٌ كأَنَّه مقطوعُ الذَّنَب، وقيل: صنفٌ
أزرقُ مقطوعُ الذنب، إذا نظَرَتْ إليه الحاملُ ألْقَتْ)) اهـ.
(٥٤٩٣] (قولُهُ: على الأظهرِ) كذا قالَهُ الإِمام "السرخسيُّ))(٤)، وقال: ((لأَنّه عملٌ رُخّصَ فيه
للمصلّي، فهو كالمشي بعد الحدث))، "بحر "(٥).
[٥٤٩٤] (قولُهُ: لكنْ صحَّحَ "الحلبيُّ"(٦) الفسادَ) حيث قال تبعاً لـ "ابن الهمام)"(٧): ((فالحقُّ
فيما يظهرُ هو الفسادُ، والأمرُ بالقتل لا يَستلزِمُ صحَّةَ الصلاة مع وجوده كما في صلاة الخوف، بل
الأمرُ في مثله لإِباحة مباشرته وإنْ كان مفسداً للصلاة)) اهـ.
ونقَلَ كلامَ "ابن الهمام" في "الحلبة"(٨) و"البحر"(٩) و"النهر"(١٠)، وأقرُّوه عليه، وقالوا: ((إِنَّ
(قولُهُ: كما في صلاةِ الخوفٍ) حيث تفسُدُ بالقتال فيها ولا إثم.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٢/٢.
(٢) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق١٦٧/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٦٤/١.
(٤) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ١٩٤/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٣/٢.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٥٤- باختصار.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٦٤/١.
(٨) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق١٦٦/ب.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٣/٢.
(١٠) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق٦٥/ب.
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
١٨١ -
إلى ظَهرِ قاعدٍ) أو قائمٍ ولو (يتحدَّثُ) إلَّ إذا خِيْفَ الغلطُ بحديثه (و) لا إلى
(مصحفٍ أو سيفٍ.
ما ذكرَهُ "السرخسيُّ" ردَّهُ في "النهاية" بأنَّه مخالفٌ لِما عليه عامَّةُ رواة شروح "الجامع الصغير"
و"مبسوطِ شيخ الإسلام" من أنَّ الكثير لا يباحُ)) اهـ.
[٥٤٩٥] (قولُهُ: إلى ظهرِ قاعدٍ إلخ) قَّدَ بالظَّهر احترازاً عن الوجهِ، فإِنَّها تكرهُ إليه كما مرَّ(١)،
وفي قوله: ((يتحدَّثُ)) إِماءٌ إلى أَنَّ لا كراهة لو لم يتحدَّثْ بالأولى، ولذا زاد "الشارح": ((ولو))،
وفي "شرح المنية"(٢): ((أفاد به نفيَ قول مَن قال بالكراهة بحضرةٍ المتحدِّثين، وكذا بحضرةِ النائمين،
وما رُوِيَ عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا تصلُّوا خلفَ نائمٍ ولا متحدِّثٍ) فضعيفٌ(٣)، وصحَّ عن
"عائشة" رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله ﴿ل يصلّي من صلاة الليل كلَّها وأنا معترضةٌ بينه
وبين القبلة، فإذا أراد أنْ يُوتِرَ أيقظني فأوترتُ)) رَوَياه في "الصحيحين" (٤)، وهو يقتضي أنّها كانت
(١) المقولة [٥٤٣٤] قوله: ((وصلاته إلى وجه إنسان)).
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ ٣٥٨- باختصار.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٩٤) كتاب الصلاة - باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام، وابن ماجه (٩٥٩) كتاب الصلاة -
باب من صلّى وبينه وبين القبلة شيء، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٧٩/٢ كتاب الصلاة - باب من كره
الصلاة إلى نائم أو متحدث. وقال الزيلعيّ في "نصب الراية"٩٦/٢: ((في سند أبي داود رجل مجهول، وفي سند
ابن ماجه أبو المقدام هشام بن زياد البصريّ لا يحتج بحديثه))، وقال الخطّابيّ في "معالم السنن" ٤٤٥/١ -٤٤٦:
((هذا الحديث لا يصح عن النبيّ ﴿ لضعف سنده)) وبسط القول فيه. (هامش "سنن أبي داود"). وفي الباب
عن أبي هريرة نفخه
(٤) أخرجه أحمد ٢٣١/٦، والبخاريّ (٥١٢) كتاب الصلاة - باب الصلاة خلف النائم، و(٩٩٧) كتاب الوتر - باب
إيقاظ النّبِيّ :﴿ أهله بالوتر، ومسلم (٥١٢)(٢٦٨) كتاب الصلاة - باب الاعتراض بين يدي المصلي، وأبو داود
(٧١١) كتاب الصلاة - باب من قال: المرأة لا تقطع الصلاة، وابن خزيمة (٨٢٣) كتاب الصلاة - باب ذكر البيان
على توهين خبر محمد بن كعب، و(٨٢٤) باب ذكر البيان أن النِِّيّ ◌َ ﴿ إنما كان يوقظها إذا أراد الوتر لتوتر عائشة
رضي الله عنها أيضاً، وابن حبان (٢٣٤٤) و(٢٣٤٧) كتاب الصلاة - باب ما يكره للمصلي وما لا يكره.
قسم العبادات
١٨٢
حاشية ابن عابدين
مطلقاً أو شَمَعِ أو سراجٍ) أو نارٍ تُوقَدُ؟
نائمةً، وما في "مسند البزَّارِ"(١): أنَّ رسول الله لَ﴿ قال: ((نُهيتُ أنْ أصلِّيَ إلى النّيام والمتحدِّثين))
فهو محمولٌ على ما إذا كانت لهم أصواتٌ يَخافُ منها التغليطَ أو الشغلَ، وفي النائمين إذا خاف
ظهور شيء یضحكه)) اهـ.
[٥٤٩٦] (قولُهُ: مطلقاً) أي: معلّقاً أو غيرَ معلَّقٍ، وأشار به إلى أنَّ قول "الكنز"(٢) وغيره:
((معلَّقٍ)) غيرُ قيدٍ، وفي "شرح المنية"(٣): [٢/ق٣٠/ب] ((وجهُ عدم الكراهة: أنَّ كراهة استقبال
بعض الأشياء باعتبار التشبُّ بِعُبَّادها، والمصحفُ والسيف لم يعبُدْهما أحدٌ، واستقبالُ أهل الكتاب
للمصحف للقراءة منه لا للعبادة، وعند "أبي حنيفة" يكرهُ استقبالُهُ للقراءة، ولذا قُيِّدَ بكونه معلّقاً،
وكونُ السيف آلةَ الحرب مناسبٌ لحالِ الابتهال إلى الله تعالى؛ لأنّها حالُ المحاربة مع النفس
والشيطان، وعن هذا سُمِّيَ المحرابُ)) اهـ.
[٥٤٩٧] (قولُهُ: أو شَمَعِ) بفتح الميم على الأوجهِ، والسكونُ ضعيفٌ مع أنّه المستعملُ، قاله
"ابن قتيبة"(٤)، وعدمُ الكراهة هو المختارُ كما في "غاية البيان"، وينبغي الاتّفاقُ عليه فيما لو كان
على جانبيه كما هو المعتادُ في ليالي رمضان، "بحر"(٥). أي: في حقِّ الإِمام، أمَّا المقابلُ لها من القوم
فتلحقُهُ الكراهةُ على مقابل المختار، "رملي".
(قولُهُ: وما في "مسند البزَّار" أنَّ رسول الله ﴿ إلخ) ذكَرَ "السنديُّ": ((أنَّ هذا الحديث أخرجَهُ
"أبو داود" عن "ابن عبّاسٍ" مرفوعاً، ورواه "الطبرانيُّ" عن "أبي هريرة" مرفوعاً أيضاً))، وذكَرَ: ((أنَّ
في إسناده "محمَّدَ بنَ عمرو بن علقمة"، وقد اختُلِفَ في الاحتجاج به، فلا يَرِدُ، أو أنَّه محمولٌ على ما إذا
كانت)) إلى آخر ما قاله المحشِّي.
(١) لم نجده في القسم المطبوع منه، وانظر تخريج الحديثين السابقين.
(٢) انظر "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٥٤/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٥٩ -.
(٤) "أدب الكاتب": صـ٤٢٢-، ص ٥٢٧ -، لأبي محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدِّيْنوَريّ (ت٢٧٦هـ). ("وفيات
الأعيان "٤٢/٣، " بغية الوعاة"٦٣/٢)
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٤/٢ بتصرف.
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
١٨٣
لأنَّ المجوس إنما تعبُدُ الجمرَ لا النارَ الموقدة، "قنية"(١) (أو على بساطٍ فيه تماثيلُ إِنْ
لم يَسحُدْ عليها) لِما مرَّ.
(فروعٌ) يكرهُ اشتمالُ الصمّاءِ،
[٥٤٩٨] (قولُهُ: لأنَّ المجوسَ إلخ) علَّةٌ للثلاثة قبله، "ط" (٢).
[٥٤٩٩] (قولُهُ: "قنية(٣) ذكَرَ ذلك في "القنية" في كتاب الكراهية، ونصُّهُ: ((الصحيحُ أَنَّه
لا يكرهُ أنْ يصلّيَ وبين يديه شَمَعٌ أو سراجٌ؛ لأنَّه لم يَعْبُدْهما أحدٌ، والمجوسُ يعبدون الجمرَ لا
النار الموقدة، حتى قيل: لا يكرهُ إلى النار الموقدة)) اهـ.
وظاهرُه: أنَّ المراد بالموقدة التي لها لَهَبٌّ، لكنْ قال في "العناية(٤): ((إنَّ بعضهم قال: تكرهُ
إلى شَمَعٍ أو سراجٍ كما لو كان بين يديه كانونٌ فيه جمرٌ أو نارٌ موقدةٌ)) اهـ.
وظاهرُه: أنَّ الكراهة في الموقدة متَّفقٌ عليها كما في الجمر، تأمَّل.
[٥٥٠٠] (قولُهُ(٥): لِما مرَّ(٦)) علّةٌ لعدم الكراهة، وهو كونُها مهانةً، "ح"(٧).
[٥٥٠١] (قولُهُ: يكرهُ اشتمالُ الصمَّاءِ) لنهيهِ عليه الصلاة والسلام عنها(٨)، وهي أنْ يأخذَ
(قولُهُ: وظاهرُهُ أنَّ المراد بالموقدة إلخ) نعم ظاهرُهُ ذلك، ولكنَّ ظاهره أيضاً أنَّ عدم الكراهة فيها قولٌ
ضعيفٌ، وما في "العناية" لا يقتضي أنَّها متّفقٌ عليها، بل يصحُّ التشبيه على جعل الكراهة على القول المعتمد.
(١) في "و":((فتنبه)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٥/١.
(٣) "القنية": كتاب الكراهية ق ٦٦/أ.
(٤) "العناية": كتاب الصلاة - فصل: مكروهات المصلي ٣٠١٣/١ بتصرف يسير (هامش "فتح القدير").
(٥) هذه المقولة ساقطة من "الأصل".
(٦) صـ ١٦٧ - "در".
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٩١/أ بتصرف.
(٨) أخرجه أحمد ٦/٣ و١٣ و٤٦ و٦٦ و٩٦، والبخاريّ (٣٦٧) كتاب الصلاة - باب ما يستر من العورة، و(١٩٩١)
كتاب الصوم - باب صوم يوم الفطر، ومسلم (٢٠٩٩) كتاب اللّباس - باب النهي عن اشتمال الصَّمَّاء والاحتباء =
قسم العبادات
١٨٤
حاشية ابن عابدين
والاعتجارُ، والتلِّمُ، والتنخُّمُ،.
بثوبه فيخلِّلَ به جسدَهُ كلَّه من رأسه إلى قدمه، ولا يرفعَ جانباً يُخرِجُ يدَهُ منه، سُمِّيَ به لعدم منفذٍ
يُخرِجُ منه يدَهُ كالصخرة الصمَّاءِ، وقيل: أنْ يشتملَ بثوبٍ واحدٍ ليس عليه إزارٌ، وهو اشتمالُ
اليهود، "زيلعي"(١). وظاهرُ التعليل بالنهي أنَّ الكراهة تحريميّةٌ كما مرَّ(٢) في نظائره.
[٥٥٠٢] (قولُهُ: والاعتجارُ) لنهي النبي ◌ِ ﴿ل عنه(٣)، وهو شدُّ الرأس أو تكويرُ عمامته على
٤٣٨/١ رأسه، وتركُ وسطِهِ مكشوفاً، وقيل: أنْ يتنقَّبَ بعمامته فيغطّيَ أنفه إمَّا للحرِّ أو للبرد أو للتكبُّر،
"إمداد"(٤). وكراهتُهُ تحريميَّةٌ أيضاً لِما مرَّ(٥).
[٥٥٠٣] (قولُهُ: والتلِّمُ) وهو تغطيةُ الأنف والفم في الصلاة؛ [٢/ ق٣١/أ] لأَنَّه يشبهُ فعل
المجوس حالَ عبادتهم النيرانَ، "زيلعي"(٦). ونقل "ط)(٧) عن "أبي السعود"(٨): ((أَنَّها تحريميَّةٌ)).
[٥٥٠٤] (قولُهُ: والتنخُّمُ) هو إخراجُ النّخامة بالنَّفَس الشديد لغير عذرٍ، وحكمُهُ كالتنحنح
في تفصيله كما في "شرح المنية"(٩)، أي: فإنْ كان بلا عذرٍ وخرَجَ به حرفان أو أكثرُ أفسَدَ،
وفي بعض النسخ: ((والتختّمُ))، والمرادُ به لبس الخاتم في الصلاة بعملٍ قليلٍ.
= في ثوب واحد، وأبو داود(٢٤١٧) کتاب الصوم - باب في صوم العیدین، والترمذي(٢٧٦٧) کتاب الأدب - باب
ما جاء في الكراهية في ذلك، وقال: هذا حديث صحيح، والنّسائيّ ٢١٠/٨ كتاب الزينة - باب النهي عن اشتمال
الصمَّاء، وابن ماجه (٣٥٥٩) و(٣٥٦٠) كتاب اللّاس - باب ما نُهِيَ عنه من اللّباس. كلّهم من حديث أبي سعيد
الْخُدْرِيّ ◌َّه مرفوعاً، وفي الباب عن أبي هريرة تَّته.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٦٤/١ بتصرف.
(٢) المقولة [٥٣٩٨] قوله: ((أي إرساله بلا لبس معتاد)).
(٣) أورده الهيثميّ في "المجمع" ٨٣/٢ كتاب الصلاة - باب وضع الثوب على الأنف في الصلاة، وعزاه إلى الطبرانيّ
في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه ابن لَهِيْعة، وفيه كلام، وذكره المّقي الهِنْديّ في "كنز العمال" ٥١٩/٧ (٢٠٠٤٣)
وعزاه كذلك إلى الطبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في المكروهات ق ١٨٧/أ.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٦٤/١.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٥/١ بتصرف.
(٨) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٢٤٣/١.
(٩) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٥٢ -.
الجزء الرابع
١٨٥
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
وكلُّ عملٍ قليلٍ بلا عذرٍ كتعرُّضٍ لِقَمْلةٍ قبل الأذى، وتركُ كلِّ سنَّةٍ ومستحبٌّ، ...
[٥٥٠٥] (قولُهُ: وكلُّ عملٍ قليلٍ إلخ) تقدَّمَ (١) الفرقُ بينه وبين الكثير.
[٥٥٠٦] (قولُهُ: كتعرُّضٍ لِقَمْلةٍ إلخ) قال في "النهر" (٢): ((ويكرهُ قتل القمل عند "الإِمام"،
وقال "محمَّدٌ": القتلُ أحبُّ إليَّ، وأيَّ ذلك فعَلَ لا بأس به، ولعلَّ "الإِمام" إنما اختارَ الدفن لِما فيه
من التنزُّهِ عن إصابة الدم يدَ القاتل أو ثوبَهُ وإنْ كان معفوًّاً عنه، هذا إذا تعرَّضَت القملةُ ونحوُها
بالأذى، وإلاَّ كره الأخذُ فضلاً عن غيره، وهذا كلُّهُ خارجَ المسجد، أمَّا فيه فلا بأس بالقتل بشرطِ
تعرُّضِها له بالأذى، ولا يطرحُها في المسجد بطريق الدفن أو غيره إلاَّ إذا غَلَبَ على ظنّه أنَّه يظفرُ
بها بعد الفراغ من الصلاة، وبهذا التفصيل يحصلُ الجمعُ بين ما سبَقَ عن "الإِمام" أَنَّه يدفُها في
الصلاة - أي: في غير المسجد - وبين ما رُوِيَ عنه أَنَّه لو دفَنَها في المسجد أساءَ)) اهـ.
وفي "الإِمداد"(٣) عن "الينبوع" لـ "السيوطيّ)"(٤) عن "ابن العماد": ((طرحُ القمل في المسجد
إنْ كان ميتاً حرُّمَ لنجاسته، وإنْ كان حيّاً ففي كتب المالكيَّة كذلك؛ لأنَّ فيه تعذيباً له بالجوع
بخلاف البرغوث؛ لأنّه يأكلُ التراب، وعلى هذا يحرُمُ طرح القمل حيّاً في غير المسجد أيضاً)) اهـ
قال في "الإِمداد"(٥): ((والمصرَّحُ به في كتبنا أنّه لا يجوزُ إلقاءُ قشر القملة في المسجد)) اهـ.
قلت: الظاهرُ أنَّ العَلَّة تقديرُ المسجد، وإلاّ فالمصرَّحُ به عندنا أنَّ ما لا نَفْسَ له سائلةٌ إذا مات
في الماء لا ينجِّسُهُ.
مطلبٌ في بيان السّنّةِ والمستحبِّ والمندوب والمكروهِ وخلافِ الأَولى
[٥٥٠٧] (قولُهُ: وتركُ كلِّ سنَّةٍ ومستحبٌٍ) السنَّةُ قسمان: سنَّةُ هُدىًّ وهي المؤكَّدةُ، وسنّةُ
(١) المقولة [٥٢٩٢] قوله: ((وفيه أقوال خمسة أصحها ما لا يشك ... إلخ)).
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦٥/ب بتصرف.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في المكروهات ق ١٩٠/أ بتصرف.
(٤) "الينبوع فيما زاد على الروضة من الفروع": لأبي الفضل عبدالرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
الشافعي(ت ٩١١هـ). ("كشف الظنون"٢٠٥٢/٢، "الضوء اللامع"٦٥/٤، "النور السافر"ص ٥٤-).
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في المكروهات ق ١٩٠/أ.
قسم العبادات
١٨٦
حاشية ابن عابدين
زوائدَ، والمستحبُّ غيرُه وهو المندوبُ، أو هما قسمان، وقد يُطلَقُ عليه سنّةٌ، وقدَّمنا (١) تحقيق ذلك
كُلِّه في سنن الوضوء، قال في [٢/ق ٣١/ب] "البحر"(٢) عند قوله: ((وعلى بساطٍ فيه تصاويرٌ)):
((الحاصلُ أنَّ السنَّة إنْ كانت مؤكّدةً قويَّةً لا يبعُدُ كونُ تركها مكروهاً تحريماً، وإنْ كانت غيرَ
مؤكّدةٍ فتركُها مكروه تنزيهاً، وأمَّ المستحبُّ أو المندوب فينبغي أنْ لا يكره تركُهُ أصلاً لقولهم:
يُستحَبُّ يومَ الأضحى أنْ لا يأكل أوَّلاً إلاَّ من أضحيته، ولو أكَلَ من غيرها لم يكره، فلم يلزم من
ترك المستحبِّ ثبوتُ الكراهة، إلاَّ أَنَّه يُشكِلُ عليه قولُهم: المكروهُ تنزيهاً مرجعُهُ إلى خلاف
الأَولى، ولا شكَّ أنَّ ترك المستحبِّ خلافُ الأَولى)) اهـ.
أقولُ: لكنْ صرَّحَ في "البحر"(٣) في صلاة العيد عند مسألة الأكل: ((بأنّه لا يلزمُ من ترك
المستحبِّ ثبوتُ الكراهة؛ إذ لا بدَّ لها من دليلٍ خاصٍ)) اهـ.
وأشارَ إلى ذلك في "التحرير"(٤) الأصوليِّ: ((بأنَّ خلاف الأولى ما ليس فيه صيغةُ نهيٍ
كترك صلاةِ الضحى بخلاف المكروه تنزيها)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ خلاف الأَولى أعمُّ، فكلُّ مكروهٍ تنزيهاً خلافُ الأَولى ولا عكس؛ لأنَّ
خلاف الأولى قد لا يكونُ مكروهاً حيث لا دليلَ خاصٌّ كترك صلاة الضحى، وبه يظهرُ أنَّ
(قولُهُ: إلاَّ أنَّه يشكلُ عليه قولهم: المكروهُ تنزيهاً إلخ) ويشكلُ على قولهم: ((تركُ السنَّة يقتضي
الكراهة)) ما قالوه: إنَّ السنّة في رمي جمرة العقبة أنْ يكون بعد طلوع الشمس إلى الزَّوال، ومن الفجر إلى
الشمس ومن الزَّوال إلى الغروب مباحٌ، ومن الغروب إلى الفجر مكروة، فلم يجعلوه مكروهاً قبل الشمس
ولا بعد الزَّوال مع أنَّ فيه تركَ السنّة، كذا ذكرَهُ "السنديُّ" عن "الرحمتيّ"، ولم يُحِبْ جواباً كافياً.
(١) المقولة [٩٩٥] قوله: ((ويسمى مندوباً وأدباً)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٤/٢ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة ١٧٦/٢.
(٤) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأول - الفصل الثالث مسألة: اختلف في لفظ المأمور به في المندوب صـ٢٥٧ - بتصرف.
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
-
١٨٧
وحملُ الطّفل، وما ورَدَ نُسِخَ بحديثٍ: ((إِنَّ في الصلاة لشُغلاً)).
كون (١) ترك المستحبِّ راجعاً إلى خلاف الأولى لا يلزمُ منه أنْ يكون مكروهاً إلاَّ بنهىٍ خاصّ؛
لأنَّ الكراهة حكمٌ شرعيٌّ، فلا بدَّ له من دليلٍ، والله تعالى أعلم.
[٥٥٠٨] (قولُهُ: وحملُ الطفلٍ) أي: لغير حاجةٍ.
[٥٥٠٩] (قولُهُ: وما ورَدَ إلخ)(٢) جوابُ سؤالٍ هو أنَّه كيف يكونُ مكروهاً وقد ورَدَ في
"الصحيحين" وغيرهما (٣) عن "أبي قتادة": أنَّ النبي ◌َ ﴿ ((كان يصلّي وهو حاملٌ "أمامةً بنت
زينبَ" بنتِ النبيِ﴿ّ، فإذا سجَدَ وضَعَها، وإذا قام حَمَلها))؟! وقد أجيب عنه بأجوبةٍ، منها ما
ذكره "الشارح": أَنَّه منسوخٌ بما ذكَّرَهُ من الحديث، وهو مردودٌ بأنَّ حديث: ((إنَّ في الصلاة
لشغلاً)(٤) كان قبل الهجرة، وقصَّةُ "أمامة" بعدها، ومنها ما في "البدائع"(٥): ((أَنَّه ◌َ ◌ّ لم يُكره منه
(١) ((كون)) ساقطة من"آ".
(٢) في"د" زيادة: ((لا حاجة للنسخ بل هو بيان للجواز، وربما لا يكون مكروهاً إذا كان في تركه مَضَرّة بالمصلي؛ حيث
احتاج للقيام بإرضاء الطفل، فإنَّ تركَهُ أضرُّ من قرص القملة والنملة، وقد جعلوا ذلك عذراً لدفع الكراهة التنزيهية
فهذا أولى، وقال القسْطَلّنيّ: ((وادعى المالكيّة نسخَه بتحريم العمل في الصلاة))، وهو مردود بأن قصة أُمامة كانت
بعد قوله عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ فِي الصَّلاة ◌َشُغْلاً)) فإن ذلك كان قبل الهجرة، وقصةُ أُمامة بعدها قطعاً بمدة
مديدة، وحَمْلُ مالكٍ لها على صلاة النافلة مدفوعٌ بحديث مسلم: ((رأيتُ رسولَ اللَّهِلَّهيَؤُمُّ الّاسَ وَأُمامة على عاتِقِهِ))،
وحديث أبي داود: ((بينا نحنُ ننتظرُ رسولَ الله ◌َّ في الظهر أو العصر وقد دَعَاه بلالُ الصّلاة إذ خَرَجَ إلينا وأُمامة بنتُ
أبي العاص بنتُ ابنته على عاتقه، فقام في الصلاة فقُمْنَا خلفَه))، وأطال في ذلك، وجعل العمل على هذا الحديث مذهب
أبي حنيفة والشافعيّ وأحمد فارجع إليه. رحمتيّ بنوع اختصار، وذكر شيئاً من ذلك في "البدائع")).
(٣) أخرجه أحمد ٢٩٦،٢٩٥/٥، والبخاريّ (٥١٦) كتاب الصلاة - باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة،
ومسلم (٥٤٣) كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، وأبو داود (٩١٧) كتاب
الصلاة - باب العمل في الصلاة، والشافعيّ في "مسنده" صـ١١٦- برقم (٣٤٥)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى"
٢٦٣/٢ كتاب الصلاة - باب حمل الصبي ووضعه في الصلاة، و٣١١/٢ باب الدليل على أن وقوف المرأة بجنب
الرجل لا يفسد عليه صلاته.
(٤) أخرجه أحمد ٣٧٦/١، وأبو داود (٩٢٣) كتاب الصلاة - باب رد السلام في الصلاة، وابن خزيمة (٨٥٥)، والبغويّ
في "شرح السنة"٥٩٢/١، وذكره ابن حجر في "الفتح" ٥٩٢/١، وفي "التلخيص الحبير" ٢٨٠/١. كلَّهم من حديث
عبد الله بن مسعود رضي
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان حكم الاستخلاف ٢٤١/١ بتصرف يسير.
قسم العبادات
١٨٨
حاشية ابن عابدين
ذلك لأنّه كان محتاجاً إليه لعدم مَن يحفظُها، أو للتشريع بالفعلِ أنَّ هذا غيرُ مفسدٍ، ومثلُهُ أيضاً في
زماننا، لا يكره لواحدٍ منا فعلُهُ عند [٢/ق٣٢/أ] الحاجة، أمّا بدونها فمكروهٌ)) اهـ.
وقد أطالَ المحقّق "ابن أمير حاج" في "الحلبة"(١) في هذا المحلِّ، ثمَّ قال: ((إِنَّ كونه للتشريع
بالفعل هو الصوابُ الذي لا يُعدَلُ عنه كما ذكره "النوويُ)(٢)، فإنَّه ذكَرَ بعضُهم أنَّه بالفعل أقوى
من القول، ففعلُهُ ذلك لبيان الجواز، وأنَّ الآدميَّ طاهرٌ، وما في جوفه من النجاسة معفوٌّ عنه لكونه
في معدنه، وأنَّ ثياب الأطفال وأجسادهم طاهرةٌ حتى تتحقَّقَ نجاستُها، وأنَّ الأفعال إذا لم تكن
متواليةٌ لا تُبطِلُ الصلاةَ فضلاً عن الفعل القليل إلى غير ذلك))، وتمامُهُ فيه.
(تتمَّةٌ)
بقِيَ من المكروهات أشياءُ أخرُ ذكَرَها في "المنية(٣) و"نور الإيضاح(٤) وغيرهما، منها: الصلاةُ
بحضرة ما يشغلُ البالَ ويُخِلُّ بالخشوع كزينةٍ ولهو ولعبٍ، ولذلك كرهت بحضرةٍ طعامٍ تميلُ إليه
نفسه، وسيأتي(٥) في كتاب الحجِّ قبيل باب القِران: يكرهُ للمصلِّي جعلُ نحو نعله خلفه لشغل قلبه،
ومنها ما في "الخزائن)(٦): ((تغطيةُ الأنف والفم، والهرولةُ للصلاة، والاتّكاءُ على حائطٍ أو عصاً في
٤٣٩/١ الفرض بلا عذرِ لا في النّفل على الأصحِّ، ورفعُ يديه عند الركوع والرفع منه، وما رُوِيَ من الفساد
شاذٌّ، وإتمامُ القراءة راكعاً، والقراءةُ في غير حالة القيام، ورفعُ الرأس ووضعُه قبل الإِمام، والصلاةُ في
مظانِّ النجاسة كمقبرةٍ وحَمَّامٍ، إلاّ إذا غسَلَ موضعاً منه ولا تمثالَ، أو صلَّى في موضعِ نزع الثياب،
أو كان في المقبرة موضعٌ أُعِدَّ للصلاة ولا قبرَ ولا نجاسةَ فلا بأس كما في "الخانيّة"(٧)) اهـ.
(١) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق١٥٩/أ، ١٦٠/ب بتصرف.
(٢) "شرح صحيح مسلم": كتاب الصلاة - باب جواز حمل الصبيان في الصلاة ٣٥/٥.
(٣) انظر"شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٤٩ -.
(٤) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره للمصلي صـ ١٦١ -.
(٥) المقولة [١٠٢٢٦] قوله: ((وكذا)).
(٦) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة، فصل فيما يكره فيها ق ١٢٢/أ بتصرف.
(٧) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
١٨٩ ___
الجزء الرابع
ويباحُ قطعُها لنحوِ قتلٍ حَيَّةٍ، ونَدِّ دابَةٍ، وفَوْرِ قِدْرٍ، وضياعٍ ما قيمتُهُ درهمٌ له أو
لغيره، ويُستحَبُّ لمدافعةِ الأخبثين،.
وتقدَّمَ (١) تمامُ هذا في بحث الأوقات المكروهة، وفي "القُهُستانيِّ"(٢): ((لا تكرهُ الصلاة في
جهةٍ قبرٍ إلَّ إذا كان بين يديه بحيث لو صلَّى صلاةَ الخاشعين وقَعَ بصره عليه كما في جنائز
"المضمرات")) اهـ.
[٥٥١٠] (قولُهُ: ويباحُ قطعُها) أي: لو كانت فرضاً كما في "الإمداد"(٣).
[٥٥١١] (قولُهُ: لنحوِ قتل حَّةٍ) أي: بأنْ يقتلَها بعملٍ كثيرٍ بناءً على ما مرَّ(٤) من تصحيح
الفساد به.
[٥٥١٢] (قولُهُ: وندِّ دَّةٍ) أي: هربِها، وكذا لخوفِ ذئبٍ على غنمٍ، "نور الإيضاح"(٥).
(٥٥١٣] (قولُهُ: وفَوْرِ قِدْرِ) الظاهرُ أَنَّه مقَّدٌ بما بعده من فوات ما قيمتُهُ درهمٌ، سواءٌ كان ما
في القِدْرِ [٢/ق٣٢/ب] له أو لغيره، "رحمتي".
[٥٥١٤] (قولُهُ: وضياعٍ ما قيمتُهُ درهمٌ) قال في "مجمع الروايات": ((لأنَّ ما دونه حقيرٌ،
فلا يقطعُ الصلاةَ لأجله))، لكنْ ذَكَرَ في "المحيط" في الكفالة: ((أنَّ الحبس بالدانق يجوزُ، فقطعُ
الصلاة أَولى، وهذا في مالِ الغير، أمَّ في مالِهِ لا يقطعُ، والأصحُّ جوازه فيهما)) اهـ وتمامُهُ في
"الإِمداد"(٦)، والذي مشى عليه في "الفتح"(٧) التقييدُ بالدرهم.
[٥٥١٥] (قولُهُ: ويُستحَبُّ لمدافعةِ الأخبثين) كذا في "مواهب الرحمن" و"نور الإيضاح"(٨)،
(١) ٥٥٧/٢ وما بعدها "در".
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - مكروهات الصلاة ١٢٢/١ بتصرف.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب قطع الصلاة ق ٢٠٠/أ.
(٤) المقولة [٥٤٩٤] قوله: ((لكن صحح "الحلبيّ" الفساد)).
(٥) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره للمصلي صـ ١٦١ -.
(٦) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب قطع الصلاة ق ٢٠٠/أ.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٦٥/١.
(٨) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره للمصلي صـ ١٦١ -.
قسم العبادات
١٩٠
حاشية ابن عابدين
وللخروج من الخلاف إنْ لم يَخَفْ فوتَ وقتٍ أو جماعةٍ، ويجبُ لإغاثةِ ملهوفٍ
وغريق وحريق،.
لكنَّه مخالفٌ لِما قدَّمناه (١) عن "الخزائن" و"شرح المنية": ((من أنَّه إنْ كان ذلك يشغلُهُ - أي: يشغلُ
قلبه عن الصلاة وخشوعها - فَأَتَّمَّها يأثمُ؛ لأدائها مع الكراهة التحريميَّة))، ومقتضى هذا أنَّ القطع
واجبٌ لا مستحبٌّ، ويدلُّ عليه الحديثُ الماءُّ(٢): ((لا يحلُّ لأحدٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أنْ يصلّيَ
وهو حاقنٌ حتى يتخفَّفَ))، اللهمَّ إلاَّ أنْ يُحمَلَ ما هنا على ما إذا لم يشغله، لكنَّ الظاهر أنَّ ذلك
لا يكون مسوِّغاً للقطع، فليتأمَّل. ثم رأيتُ "الشرنبلاليَّ (٣) بعدما صرَّحَ بندبِ القطع كما هنا
قال: ((وقضيّةُ الحديث تُوجِبُه)).
[٥٥١٦] (قولُهُ: وللخروجٍ من الخلاف) عبارتُهُ في "الخزائن (٤): ((ولإزالةِ نجاسةٍ غيرِ مانعةٍ.
الاستحبابِ الخروج من الخلاف))، وما هنا أعمُّ لشموله لنحوِ ما إذا مسَتْهُ امرأةٌ أجنبيّةٌ.
[٥٥١٧] (قولُهُ: إنْ لم يَخَفْ إلخ) راجعٌ لقوله: ((وللخروج إلخ))، وأمَّا قطعُها لمدافعة
الأخبثين فقدَّمنا (٥) عن "شرح المنية": ((أنَّ الصواب أنَّه يقطعُها وإنْ فاتته الجماعةُ، كما يقطعُها
لغَسل قدْرِ الدرهم)).
[٥٥١٨] (قولُهُ: ويجبُ) الظاهرُ منه الافتراض، "ط" (٦).
[٥٥١٩] (قولُهُ: لإغاثةِ ملهوف) سواءٌ استغاثَ بالمصلِّي أو لم يعِّنْ أحداً في استغاثته إذا قدَرَ
على ذلك، ومثلُهُ خوفُ تردِّي أعمى في بئرٍ مثلاً إذا غَلَبَ على ظنّه سقوطه، "إمداد"(٧).
(١) المقولة [٥٥٠٩] قوله: ((وما ورد إلخ)).
(٢) المقولة [٥٤١٨] قوله: ((وصلاته مع مدافعة الأخبثين)).
(٣) "مراقي الفلاح": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره للمصلي صـ٣٣٩ -.
(٤) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة، فصل فيما يكره فيها ق ١٢٢/ب.
(٥) المقولة [٥٤١٨] قوله: ((وصلاته مع مدافعة الأخبثين)).
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١.
(٧) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب قطع الصلاة ق ٢٠٠/ب نقلاً عن "البرهان" و"التجنيس".
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
١٩١
لا لنداءِ أحدِ أبويه بلا استغاثةٍ إلاَّ في النفل، فإنْ عَلِمَ أَنَّه يصلِّي لا بأس أنْ لا يجيبَهُ،
وإنْ لم يَعلَمْ أجابَهُ.
[٥٥٢٠] (قولُهُ: لا لنداءِ أحد أبويه إلخ) المرادُ بهما الأصولُ وإِنْ عَلَوا، وظاهرُ سياقه أَنَّه نفيٌ
لوجوب الإجابة، فيصدُقُ مع بقاء الندب والجواز، "ط)(١).
قلت: لكنَّ ظاهر "الفتح"(٢) أنَّه نفيٌ للجواز، وبه صرَّحَ في "الإمداد"(٣) بقوله: ((أي:
لا يجوزُ قطعها بنداءِ أحد أبويه من غيرِ استغاثةٍ وطلب إعانةٍ؛ لأنَّ قطعها لا يجوزُ إلاَّ لضرورةٍ، وقال
"الطحاويُّ": هذا في الفرض، وإنْ كان في نافلةٍ إنْ [٢/ق١/٣٣] عَلِمَ أحدُ أبويه أَنَّه في الصلاة
وناداه لا بأس أنْ لا يجيبه، وإنْ لم يعلم يجيبه)) اهـ.
[٥٥٢١] (قولُهُ: إلاَّ فِي النَّفل) أي: فيحيبُه وجوباً وإنْ لم يستغث؛ لأَنَّه لِيْمَ عابدُ بني إسرائيل
على تركه الإِجابةَ، وقال :﴿ ما معناه: (لو كان فقيهاً لأجابَ أمَّه))(٤)، وهذا إنْ لم يَعلَم أَنَّه
يصلّي، فإنْ عَلِمَ لا تحبُ الإجابة، لكنّها أَولى كما يستفاد من قوله: ((لا بأس إلخ))، فقوله: ((فإِنْ
عَلِمَ)) تفصيلٌ لحكم المستثنى، "ط)"(٥). وقد يقال: إنَّ لا بأس هنا لدفع ما يُتُوهَّمُ أنَّ عليه بأساً في
عدمِ الإجابة وكونِهِ عقوقاً، فلا يفيدُ أنَّ الإجابة أَولى، وسيأتي(٦) تمامُهُ في باب إدراك الفريضة.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره للمصلّي ٣٦٥/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل فيما يوجب قطع الصلاة ق ٢٠٠/أ.
(٤) أخرج هذه القصة أحمد ٣٠٧/٢ -٣٠٨ و٣٨٥ و٤٣٣-٤٣٤، والبخاريّ (١٢٠٦) كتاب العمل في الصلاة - باب
إذا دعت الأم ولدها في الصلاة، و(٢٤٨٢) كتاب المظالم - باب إذا هدم حائطاً فلْيْنِ مِثْلَه، و(٣٤٣٦) كتاب
أحاديث الأنبياء - باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْتَ إِانتَبَذَتْ﴾، ومسلم (٢٥٥٠) كتاب البر والصلة -
باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، وابن حبان (٦٤٨٩) كتاب التاريخ - باب المعجزات،
والطّحَاوِيّ في "شرح مشكل الآثار" ١٦٦/٤. كلّهم من حديث أبي هريرة نظُته مرفوعاً.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١ بتصرف يسير.
(٦) المقولة [٥٩٤٨] قوله: ((لا يجيبه)).
قسم العبادات
١٩٢
حاشية ابن عابدين
و (يكرهُ) تحريماً (استقبال القبلةِ بالفَرْجِ) ولو (في الخلاءِ) بالمدِّ: بيتُ التغوُّطِ (وكذا
استدبارُها) في الأصحِّ.
[٥٥٢٢] (قولُهُ: ويكرهُ إلخ) لَمَّا فرَغَ من بيان الكراهة في الصلاة شرَعَ في بيانها خارجَها مما
هو من توابعها، "بحر"(١).
[٥٥٢٣] (قولُهُ: تحريماً) لِما أخرجَهُ "السنَّةُ"(٢) عنه ◌َ: ((إذا أتيتُمُ الغائطَ فلا تستقبلوا القبلةَ
ولا تستدبروها، ولكنْ شرِّقوا أو غرِّبوا»، ولهذا كان الأصحُّ من الروايتين كراهةَ الاستدبار
کالاستقبال، "بحر "(٣).
[٥٥٢٤] (قولُهُ: استقبالُ القبلةِ بالفَرْجِ) يعُّ قُبُلَ الرجل والمرأة، والظاهرُ أنَّ المراد بالقبلةِ جهتها
كما في الصلاة، وهو ظاهرُ الحديث المارِ (٤)، وأنَّ التقييد بالفرج يفيدُ ما صرَّحَ به الشافعيَّةِ أَنَّه لو
استقبلَها بصدره وحوَّلَ ذَكَره عنها لم يكره، بخلاف عكسه كما قدَّمناه(٥) في باب الاستنجاء،
وتقدَّمَ هناك أنَّ المكروه الاستقبالُ أو الاستدبار لأجل بولٍ أو غائطٍ، فلو للاستنجاء لم يكره،
أي: تحريماً، وفي "النهاية": ((ولو غفَلَ عن ذلك وجلَسَ يقضي حاجته، ثم وجَدَ نفسه كذلك
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٦/٢.
(٢) أخرجه أحمد ٤١٤/٥ و٤١٦-٤١٧ و٤٢١، والشافعيّ في "المسند" ٢٦،٢٥/١ كتاب الطهارة - باب آداب الخلاء،
والبخاريّ (١٤٤) كتاب الوضوء - باب لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول، و(٣٩٤) كتاب الصلاة - باب قبلة أهل
المدينة وأهل الشام والمشرق، ومسلم (٢٦٤) كتاب الطهارة - باب الاستطابة، وأبو داود (٩) كتاب الطهارة - باب
في كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، والترمذيّ (٨) كتاب الطهارة - باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط
أو بول، وقال: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، والنسائيّ ٢٣،٢٢/١ كتاب الطهارة - باب
النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة، وابن ماجه (٣١٨) كتاب الطهارة وسننها - باب النهي عن استقبال القبلة
بالبول والغائط، وابن خزيمة في "صحيحه" (٥٧) كتاب الوضوء - باب ذكر خبر روي عن النّبِيِّ ◌َ ◌ّ في النهي عن
استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول، وابن حبان في "صحيحه" (١٤١٦) و(١٤١٧) كتاب الطهارة - باب
الاستطابة. كلُّهم من حديث أبي أيوب الأنصاري بعضُه، وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءِ الزُّبَيْدي،
ومَعْقِل بن أبي الهيثم، ويقال: ابن أبي معقل، وأبي أُمامة، وأبي هريرة، وسَهْل بن حُنَيْفٍ ﴾.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٦/٢.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) ٤٣٢/٢ "در".
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
-
١٩٣
كما كُرِهَ) البالغ (إمساكُ صبِيٍّ) ليبولَ (نحوَها و) كما كُرِهَ (مدُّ رِجْليه في نومٍ أو
غيره إليها) أي: عمدً؛ لأَنَّه إساءةُ أدبٍ، قالَهُ "منلا باكير" (أو إلى مصحفٍ أو
شيءٍ من الكتبِ الشرعيَّة.
فلا بأس، لكن إنْ أمكنه الانحرافُ ينحرفُ، فإنَّه عُدَّ ذلك من مُوجبات الرحمة، فإنْ لم يفعل
فلا بأس)) اهـ.
وكأنَّه سقَطَ الوجوبُ عند الإِمكان لسقوطه ابتداءً بالنسيان ولخشية التلوُّث، وتقدَّمَ هناك(١)
أيضاً كراهةُ استقبال الشمس والقمر، أي: لأَنّهما من الآيات الباهرة، ولما معهما من الملائكة كما
في "السراج"(٢)، وقدَّمنا(٣) أنَّ الظاهر أنَّ الكراهة فيه تنزيهيَّةٌ ما لم يَرِدْ نهيٌّ خاصٌّ، وأنَّ المراد
استقبالُ عينهما لا جهتهما ولا ضوئهما، [٢/ق٣٣/ب] وتقدَّمَ تمام ذلك كلّه هناك(٣)، فراجعه.
[٥٥٢٥] (قولُهُ: كما كُرِهَ لبالغٍ) الظاهرُ منه التحريمُ، "ط "(٤).
(٥٥٢٦] (قولُهُ: إمساكُ صبيّ ليبولَ نحوَها) أي: جهتَها؛ لأَنَّه يحرُمُ على البالغ أنْ يفعل
بالصغير ما يحرُّمُ على الصغير فعلُهُ إِذَا بَلَغَ، ولذا يحرُ على أبيه أنْ يُلِسَه حريراً أو حَلْياً لو كانَ
ذكراً، أو يسقيَّهُ خمراً ونحوَ ذلك.
٤٤٠/١
[٥٥٢٧] (قولُهُ: مدُّ رجليه) أو رِجْلٍ واحدةٍ، ومثلُ البالغ الصبيُّ في الحكم المذكور، "ط)" (٥).
[٥٥٢٨] (قولُهُ: أي: عمداً) أي: من غيرِ عذرٍ، أمَّا بالعذر أو السهو فلا، "ط)" (٦).
[٥٥٢٩] (قولُهُ: لأَنَّه إساءةُ أدبٍ) أفادَ أنَّ الكراهة تنزيهيَّةٌ، "ط)(٧). لكنْ قدَّمنا(٨) عن
"الرحمتيِّ" في باب الاستنجاء: ((أَنَّه سيأتي أَنَّه بعدِّ الرِّجْل إليها تُرَدُّ شهادته))، قال: ((وهذا يقتضي
(١) ٤٣٥/٢ "در".
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٢١/١/أ.
(٣) المقولة [٣٠٥٠] قوله: ((واستقبال شمس وقمر)).
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١.
(٨) المقولة [٣٠٤٩] قوله: ((وكذا مد رجليه)).
قسم العبادات
١٩٤
حاشية ابن عابدين
(إلاَّ أنْ يكون على موضعٍ مرتفعٍ عن المحاذاة) فلا يكرهُ، قَالَّهُ "الكمال"(١) (و) كما
كُرِهَ (غَلْقُ بابِ المسجد) إلاَّ لخوفٍ على متاعِهِ، به يُفتَى.
(و) حُرِهَ تحريماً.
التحریمَ))، فليحرَّر.
[٥٥٣٠] (قولُهُ: إلاَّ أنْ يكون) ما ذُكِرَ من المصحف والكتب، أمَّا القبلةُ فهي إلى عَنان
السماء.
(٥٥٣١] (قولُهُ: مرتفعٍ) ظاهرُهُ ولو كان الارتفاعُ قليلاً، "ط)(٢).
قلت: أي: بما تنتفي به المحاذاةُ عُرفاً، ويَختلِفُ ذلك في القرب والبعد، فإنّه في البعد لا تنتفي
بالارتفاع القليل، والظاهرُ أنَّه مع البعد الكثير لا كراهةَ مطلقاً، تأمَّل.
مطلبٌ في أحكام المسجد
[٥٥٣٢] (قولُهُ: غَلْقُ بابِ المسجد) الأفصحُ: إغلاقُ؛ لِما في "القاموس"(٣): ((غَلَقَ البابَ
يغلِقُهُ لغَةٌ رديَّةٌ في أغْلَقَهُ)) اهـ
قال في "البحر"(٤): ((وإنما كره لأَنَّه يشبهُ المنعَ من الصلاة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن ◌َمَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة - ١١٤]، ومن هنا يُعلَمُ جهلُ بعض مدرِّسي زماننا
من منعهم مَن يُدرِّسُ في مسجدٍ تقرَّرَ في تدريسه))، وتمامُهُ فيه.
[٥٥٣٣] (قولُهُ: إلاَّ لخوفٍ على متاعِهِ) هذا أَولى من التقييد بزماننا؛ لأنَّ المدار على خوف
(قولُهُ: الأفصحُ: إغلاقُ إلخ) الغَلْقُ اسمٌ من الإغلاق كما في "الصحاح". اهـ "سندي"، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل: ما يكره خارج الصلاة ٣٦٦/١.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٦/١.
(٣) "القاموس": مادة ((غلق)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٦/٢.
الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فیها
١٩٥
(الوطءُ فوقَهُ والبولُ والتغوُّطُ) لأَنَّه مسجدٌ إلى عنان السماء ..
الضرر، فإنْ ثبَتَ في زماننا في جميع الأوقات ثبَتَ كذلك إلاَّ في أوقات الصلاة، أوْ لا فلا، أو في
بعضها ففي بعضها، كذا في "الفتح"(١)، وفي "العناية"(٢): ((والتدبيرُ في الغَلْقِ لأهل المحلَّة، فإنّهم إذا
اجتمعوا على رجلٍ وجعلوه متولّاً بغيرِ أمر القاضي يكون متولّياً)) انتهى، "بحر"(٣) و"نهر " (٤).
[٥٥٣٤] (قولُهُ: الوطءُ فوقَهُ) أي: الجماعُ، "خزائن "(٥). أمَّا الوطءُ فوقه بالقدم فغيرُ مكروهٍ إلاّ
في الكعبة لغيرِ عذرٍ؛ لقولهم بكراهة الصلاة فوقها، ثم رأيتُ "القُهُستانيّ"(٦) نقَلَ عن "المفيد"
كراهةَ الصعود على سطح [٢/ق٣٤/أ] المسجد اهـ. ويلزمُهُ كراهةُ الصلاة أيضاً فوقه، فليتأمَّل.
[٥٥٣٥] (قولُهُ: لأَنَّه مسجدٌ) علّةٌ لكراهةٍ ما ذُكِرَ فوقه، قال "الزيلعيُّ)(٧): ((ولهذا يصحُّ
اقتداءُ مَن على سطح المسجد بمن فيه إذا لم يتقدَّمْ على الإِمام، ولا يبطُلُ الاعتكافُ بالصعود إليه،
ولا يحلُّ للحُنُبِ والحائض والنفساءِ الوقوفُ عليه، ولو حلَفَ لا يدخلُ هذه الدار فوقَفَ على
سطحها يحنثُ)) اهـ.
[٥٥٣٦] (قولُهُ: إلى عَنانِ السماءِ) بفتح العين، وكذا إلى تحتِ الثرى كما في "البيري" عن
"الإِسْبيجابيِّ"، بقِيَ لو جعَلَ الواقفُ تحته بيتاً للخلاء هل يجوزُ كما في مسجدٍ مَحَلَّةِ الشحم(٨)
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل ما يكره خارج الصلاة ٣٦٨/١.
(٢) "العناية": كتاب الصلاة - فصل ما يكره خارج الصلاة ٣٦٨/١ (هامش "فتح القدير").
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما كره فيها ٣٦/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها، فصل ما يكره خارج الصلاة ق ٦٦/أ.
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة، فصل ما يكره خارج الصلاة ق ١٢٢/ب.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - مكروهات الصلاة ١٢٣/١.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها، فصل: كره استقبال القبلة بالفرج بالخلاء
واستدبارها ١٦٨/١.
(٨) محلة الشحم: من أحياء دمشق القديمة، وهي منسوبة إلى مئذنة الشحم التي ما تزال إلى اليوم، ويسمى مسجدها
مسجد السوق، واشتهر باسم مئذنته، انظر ذيل "ثمار المقاصد" صـ ٢٤٩-، و"خطط دمشق "صـ ٣٤٨ -.
قسم العبادات
١٩٦
حاشية ابن عابدين
(واتّخاذُه طريقاً بغيرِ عذرٍ) وصرَّحَ في "القنية" بفسقِهِ باعتيادِهِ.
ے
في دمشق؟ لم أره صريحاً، نعم سيأتي(١) متناً في كتاب الوقف: أنَّه لو جعَلَ تحته سرداباً لمصالحه
جاز، تأمَّل.
[٥٥٣٧] (قولُهُ: واتخاذُهُ طريقاً) في التعبير بالاتّخاذ إيماء إلى أنَّه لا يفسُقُ بمرَّةٍ أو مرَّتين، ولذا
عَبَّرَ في "القنية"(٢) بالاعتياد، "نهر"(٣). وفي "القنية"(٤): ((دخَلَ المسجدَ، فلمَّا توسَّطَهُ ندم قيل:
يخرجُ من بابٍ غيرِ الذي قصده، وقيل: يصلّي ثمَّ يتخيّرُ في الخروج، وقيل: إنْ كان مُحدِثاً يخرُجُ
من حيث دخَلَ إعداماً لِما جنى)) اهـ.
[٥٥٣٨] (قولُهُ: بغيرِ عذرٍ) فلو بعذرٍ جاز، ويصلّي كلَّ يومٍ تحيَّة المسجد مرَّةً، "بحر "(٥) عن
"الخلاصة"(٦). أي: إذا تكرَّرَ دخوله تكفيه التحيَّةُ مرَّةً.
[٥٥٣٩] (قولُهُ: بفسقِهِ) يخرُجُ عنه بنَّةِ الاعتكاف وإنْ لم يمكث، "ط"(٧) عن
لـ ٣"(٨).
"الشرنبلالي
(قولُهُ: لم أره صريحاً، نعم سيأتي متناً إلخ) الظاهرُ عدُ الجواز، وما يأتي متناً لا يفيدُ الجواز؛ لأنَّ
بيت الخلاء ليس من مصالحه، على أنَّ الظاهر عدمُ صحَّةٍ جعله مسجداً بجعل بيت الخلاء تحته كما يأتي
أنَّه لو جعل السِّقايةَ أسفلَهُ لا يكون مسجداً فكذا بيتُ الخلاء؛ لأَنَّهما ليسا من المصالح، تأمَّل. ثمَّ رأيتُ
في "غاية البيان" ما يفيدُ الجواز كما يأتي نقلُ عبارتها في كتاب الوقف من أحكام المسجد.
(١) انظر المقولة [٢١٣٦٥] قوله: ((وإذا جعل تحته سرداباً)).
(٢) "القنية": كتاب الكراهية ق ٦٦/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٦/ب.
(٤) "القنية": كتاب الكراهية ق٦٦/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٨/٢ بتصرف يسير.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس والعشرون: في المسجد وما يتصل به ق٥٨/ب.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٧/١.
(٨) لم نعثر على هذا النقل في مظانّه من "المراقي" و"الإمداد" و"الشرنبلالّة".