النص المفهرس

صفحات 121-140

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
١١٧
ولو امرأةً أو كلباً (أو) مرورُهُ (أسفلَ من الدكّان(١) أمامَ المصلِّي لو كان يصلِّي
عليها) أي: الدكَّانِ (بشرطِ محاذاة
فإِنَّه لو جُعِلَ كذلك لزِمَ الخرجُ على المارَّة، فَاقْتُصِرَ على موضع السجود، هذا ما ظهَرَ لي في تقرير
هذا المحلِّ.
[٥٣٦٤] (قولُهُ: ولو امرأةً أو كلباً) بيانٌ للإطلاق، وأشار به إلى الردِّ على "الظاهريَّة" بقولهم:
يقطعُ الصلاةَ مرورُ المرأة والكلب والحمار، وعلى "أحمد" في الكلبِ الأسود، وإلى أنَّ ما رُوِيَ في
ذلك منسوخٌ(٢) كما حقَّقَهُ في "الحلبة"(٣). [٢/ق١٦/أ]
[٥٣٦٥] (قولُهُ: أو مرورُهُ إلخ) مرفوعٌ بالعطف على ((مرورُ مارٌٍ))، أي: لا يُفسِدُها أيضاً
مرورُهُ ذلك وإنْ أثِمَ المارُّ، فقوله: ((بشرطِ إلخ)) قيدٌ للإثم كما تقدَّمَ(٤)، قال "القُهُستانيُ) (٥):
(١) في "د" زيادة: ((هذا بالاتفاق كما يظهر من "البحر"، وصرح به في "الفتح" خلافاً لما في "المنح" فراجعها)).
(٢) انظر "الكافي في فقه الإمام أحمد" ٢٢٦/١، وقد استند إلى حديث أبي ذررضي الذي رواه مسلم (٥١٠) كتاب الصلاة -
باب قدر ما يستر المصلي، والترمذيّ (٣٣٨) كتاب الصلاة - باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار
والمرأة، وأبو داود (٧٠٢) كتاب الصلاة - باب ما يقطع الصلاة، والبزّار في "كشف الأستار" ٢٨١/١ جميعهم عن أبي
ذَرْ ضُه قال: قال رسول الله ﴿: ((يَقْطَعُ صَلَاةَ الرّجُل إِذَا لَمْ يَكُنْ بين يَدَيْهِ قَيْد آخر الرَّحْلِ الحِمَارُ والكَلْبِ الأَسْودُ
والَرْأة، فقلت: ما بَالُ الكَلْبِ الأَسْود من الأَحْمَر من الأَصْفَر من الأَبْيَض؟ فقال: يا ابن أخي، سألتُ رسولَ اللهَّ
كَمَا سَأَلْتَنِي فقال: الكَلْب الأَسْود شَيْطانٌ)). قال الإمام الحازميّ في "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار"
صـ ١٥٠ -: وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء، وقال جماعة منهم: هذه الأحاديث وإن حملناها على
ظواهرها فهي منسوخة بحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه البخاريّ (٤٩٣) كتاب الصلاة - باب سترة
الإمام وسترة من خلفه، ومسلم (١١٢٤) كتاب الصلاة - باب سترة المصلّي، وأبو داود (٧١٥) كتاب الصلاة - باب
من قال: الحمار لا يقطع الصلاة، والترمذيّ (٣٣٧) كتاب الصلاة - باب ما جاء لا يقطع الصلاة شيء، والدارميّ
٣٥٠/١ كتاب الصلاة - باب ما يقطع الصلاة وما لا يقطعها، قال: «جئتُ أنا والفضلُ على أَتَانِ، ورسولُ اللـه ◌َ ﴿
يُصَلِّي بالناسِ بِمِنِى، فمررت بين يَدَيِ الصّفِّ، فتركت الأتانَ تَرْتَعُ، ودخلتُ في الصّفّ فلم يُنْكِرِ عليّ ذلك أحدٌ».
(٣) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٠/أ - ب.
(٤) المقولة [٥٣٥٨] قوله: ((بموضع سجوده)).
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل ما يفسد الصلاة ١٢٥/١ بتصرف.

قسم العبادات
١١٨
حاشية ابن عابدين
بعض أعضاء المارِّ بعضَ أعضائه، وكذا سطحٌ وسريرٌ وكلُّ مرتفعٍ) دونَ قامةِ المارِّ، ..
((والدكَّانُ: الموضعُ المرتفع كالسطح والسرير، وهو بالضمِّ والتشديد، في الأصل فارسيٌّ معرَّبٌ
كما في "الصحاح"(١)، أو عربيٌّ من: دَكَنْتُ المتاعَ إذا نضدتَ بعضَه فوق بعضٍ كما في
"المقاييس"(٢))) اهـ.
[٥٣٦٦ ] (قولُهُ: بعضِ أعضاءِ المارِّ إلخ) قال في "شرح المنية(٣): ((لا يخفى أنْ ليس المرادُ
محاذاةً أعضاءِ المارِّ جميعَ أعضاء المصلّي، فإنَّه لا يتأَّى إلاَّ إذا اتَّحَدَ مكانُ المرور ومكانُ الصلاة في
العلوِّ والتسفُّل، بل بعضِ الأعضاء بعضاً، وهو يصدُقُ على محاذاة رأسِ المارِّ قدمَي المصلّي)) اهـ.
لكنْ في "القُهُستانيِ) (٤): ((ومحاذاةُ الأعضاء للأعضاء يستوي فيه جميعُ أعضاء المارِّ - هو
الصحيحُ كما في "التتمَّةَ"(٥) - وأعضاءُ المصلّي كُلُّها كما قاله بعضُهم، أو أكثرُها كما قاله آخرون
٤٢٦/١
(قولُهُ: لكنْ في "القُهُستانيِّ": ومحاذاةُ الأعضاء إلخ) عبارة "القُهُستانيِّ": ((ويأْتُمُ بالمرور أمامَ المصلِّي
في)) أيِّ موضعٍ من ((مسجدٍ صغيرٍ))، وأمَّا في غيره ففيما ينتهي إليه بصرُهُ ناظراً في مسجده ((و)) فيما
((حاذى الأعضاءُ)) أي: يستوي فيه جميعُ أعضاءِ المارِّ أو أكثرُها ((الأعضاءَ)) أي: أعضاءَ المصلّ كلَّها
كما قاله بعضهم أو أكثرَها كما قاله آخرون كما في "الكرمانيِّ"، وفيه إشعارٌ إلى آخر عبارة المحشِّي
التي نقَلَها عنه ((إِنْ صلّى على دُكَّانٍ)) أي: موضعٍ مرتفعٍ اهـ. والقصدُ مما نقلَهُ عن "الكرمانيِّ" أنّه
يحتمل أن يُرادَ بمحاذاة الأعضاء للأعضاء محاذاةٌ جميع أعضاءِ المارِّ أو أكثرِها لجميع أعضاء المصلّي على
قولٍ أو أكثرِها على قولٍ، فقد حَكَى القولين "الكرمانيُّ"، وخرَجَ احتمالُ النّصف والأقلِّ، فَيُفْهَمُ أَنَّه
لا يكره، وفي "الزاد" أدخَّلَ النصفَ في الكراهة أيضاً، كذا في "حاشية القُهُستانيِّ"، تأمَّل.
(١) "الصحاح": مادة ((دكن)).
(٢) "معجم مقاييس اللغة": مادة ((دكن)).
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٦٧ -.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل ما يفسد الصلاة ١٢٥/١ بتصرف يسير.
(٥) قوله: ((هو الصحيح كما في "التتمة")) لم يذكره القهستانيّ في هذه المسألة، وإنما ذكره في المسألة التي قبلها.

باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
١١٩
الجزء الرابع
وقيل: دونَ السترة كما في "غرر الأذكار" (وإنْ أَثِمَ المارُّ)
كما في "الكرمانيّ"، وفيه إشعارٌ بأنَّ لو حاذى أقلّها أو نصفَها لم يكره، وفي "الزاد": أنَّه يكرهُ إذا
حاذَى نصفُهُ الأسفلُ النصفَ الأعلى من المصلّي، "كما إذا كان المارُّ على فرسٍ)) اهـ، تأمَّل.
[٥٣٦٧ ] (قولُهُ: وقيل: دونَ السُّترة) أي: دونَ ذراعٍ، قال في "البحر"(١): ((وهو غلطٌ؛ لأنّه
لو كان كذلك لَما كُرِهَ مرورُ الراكب)) اهـ. ومثلُهُ في "الفتح"(٢).
[٥٣٢٨] (قولُهُ: وإنْ أَثْمَ المارُّ) مبالغةٌ على عدم الفساد؛ لأنَّ الإِثم لا يَستلزِمُ الفساد، وظاهرُه
أَنَّه يأْتُمُ وإِنْ لم يكن للمصلِّي سترةٌ - وسنذكرُ (٣) ما يفيدُهُ أيضاً - وأَنَّه لا إثمَ على المصلِّي، لكنْ
قال في "الحلبة"(٤): ((وقد أفادَ بعضُ الفقهاء أنَّ هنا صوراً أربعاً:
الأُولى: أنْ يكون للمارِّ مندوحةٌ عن المرور بين يدي المصلِّي، ولم يتعرَّض المصلِّي لذلك،
فَيَختصُّ المارُّ بالإِثم إنْ مرَّ.
الثانية مقابِلتُها، وهي أنْ يكون المصلِّي(٥) تعرَّضَ للمرور، والمارُّ ليس له مندوحةٌ عن المرورِ،
فيختصُّ المصلّي بالإِثم دون المارِ.
الثالثة: أنْ يتعرَّضَ المصلِّي للمرور ويكونَ للمارِّ مندوحةٌ، فيأثمان، أمَّ المصلِّي فلتعرُّضِهِ، وأمَّا
المارُّ فلمرورِهِ مع إمكانِ أنْ لا يفعل.
الرابعة: أنْ لا يتعرَّضَ المصلّي، [٢/ق١٦/ب] ولا يكونَ للمارِّ مندوحةٌ، فلا يأْتُمُ واحدٌ
منهما، كذا نقلَهُ الشيخ "تقيُّ الدين(٦) بنُ دقيق العيد" رحمه الله تعالى)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٨/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٥٤/١.
(٣) المقولة [٥٣٨٥] قوله: ((ويدفعه)).
(٤) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨١/أ.
(٥) من ((ولم يتعرض)) إلى ((يكون المصلي)) ساقط من "الأصل".
(٦) أبو الفتح محمد بن عليّ بن وهب بن مطيع، تقيّ الدين المعروف - كأبيه وجده - بابن دقيق العيد القُشَيريّ
(ت٧٠٢هـ). ("الدرر الكامنة ٩١/٤، "شذرات الذهب" ١١/٨).

قسم العبادات
١٢٠
حاشية ابن عابدين
قلت: وظاهرُ كلام "الحلبة" أنَّ قواعد مذهبنا لا تنافيه، حيث ذكرَهُ وأقرَّه، وعزا ذلك
بعضُهم إلى "البدائع"، ولم أره فيها، ولو كان فيها لم ينقله في "الحلبة" عن الشافعيَّة، فافهم.
١
والظاهرُ: أنَّ من الصورةِ الثانية ما لو صلَّى عند باب المسجد وقتَ إقامةِ الجماعة؛ لأنَّ للمارِّ
أنْ يمرَّ على رقبته كما يأتي(١)، وأَنَّه لو صلَّى في أرضِهِ مستقبلاً لطريقِ العامَّة فهو من الصورة
الثالثة؛ لأنَّ المارَّ مأمورٌ بالوقوف وإنْ لم يجد طريقاً آخرَ كما يظهرُ من إطلاق الأحاديث ما لم
يكن مضطرًا إلى المرور، هذا إنْ كان المرادُ بالمندوحة إمكانَ الوقوف وإنْ لم يجد طريقاً آخر، أمَّا
إِنْ أُرِيدَ بها تيسُّرُ طريقٍ آخر، أو إمكانُ مروره من خلفِ المصلِّي أو بعيداً منه، وبعدَمِها عَدَمُ ذلك
فحينئذٍ يقال: إنْ كان للمارِّ مندوحةٌ على هذا التفسيرِ يكون ذلك من الصورة الثالثة أيضاً،
وإلاَّ فمن الصورة الثانية، ويؤيِّدُ التفسيرَ الأوَّلَ قوله: ((وأمَّا المارُّ فلمرورِهِ مع إمكانِ أن لا يفعل))،
وكذا تعليلُهم كراهةَ الصلاة في طريق العامَّة بأنَّ فيه منعَ الناس عن المرور، فإِنَّ مُفاده أَنَّه لا يجوزُ
لهم المرور، وإلاّ فلا مَنْعَ، إلاَّ أنْ يراد به المنعُ الحسِّيُّ لا الشرعيُّ، وهو الأظهرُ، وعليه فلو صلَّى في
نفس طريق العامَّة لم تكن صلاتُهُ محترمةً كمن صلَّى خلف فرجةِ الصفِّ، فلا يُمَعون من المرور
لتعدِّيه، فليتأمَّل.
( تنبيةٌ)
ذكَرَ في "حاشية المدنيِّ": ((لا يُمنَعُ المارُّ داخلَ الكعبة وخلفَ المقام وحاشيةِ المطاف؛
(قولُهُ: لا يُمنَعُ المارُّ داخلَ الكعبة إلخ) المرورُ بين يدي المصلِّي في موضعٍ سجوده داخلَ الكعبة
لا شكَّ في كراهته، وإنْ وراءه أو خلف المقامٍ أو حاشيةِ المطاف فلا يُتوهّمُ فيه الكراهةُ حيث كان لا في
موضع السجود، وهذا معلومٌ من كلام "المصنّف"، فإنَّ المسجد كبيرٌ، ولا حاجة حينئذٍ إلى حمل الوارد
على الطائفين.
(١) صـ ١٢٣ - "در".

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
-
١٢١
لحديث "البزَّار": ((لو يعلمُ المارُّ ماذا عليه من الوِزْر لوقَفَ أربعين خريفاً)) ..
لِما روى "أحمدُ" و"أبو داود"(١) عن "المطّلب بن أبي وداعةً": (أَنَّ رأى النبيَّلَ ﴿ يصلّي مما يلي
بابَ بني سهمٍ والناسُ يمرُّون بين يديه، وليس بينهما سترةٌ)، وهو محمولٌ على الطائفين فيما يظهرُ؛
لأنَّ الطواف صلاةٌ، فصار كمن بين يديه صفوفٌ من المصلِّين انتهى.
ومثلُهُ في "البحر العميق" (٢)، وحكاه "عزُّ الدين بنُ جماعةً"(٣) عن "مشكلات الآثار"
لـ "الطحاويٌّ"(٤)، ونقلَهُ المنلا "رحمةُ الله" في "منسكه الكبير"(٥)، ونقلَهُ "سنان أفندي"(٦) أيضاً
في "منسكه")) اهـ. وسيأتي(٧) - إن شاء الله تعالى - تأييدُ ذلك في باب [٢/ق١٧/أ] الإحرام
من كتاب الحجِّ.
[٥٣٦٩] (قولُهُ: لحديثِ "البزَّار" إلخ) ذكَرَ في "الحلبة(٨): ((أَنَّ الحديث في "الصحيحين (٩)
بلفظ: ((لو يَعلَمُ المارُّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه لكان أنْ يقف أربعين خيراً له من أنْ يَمُرَّ
(١) أخرجه أحمد في "المسند" ٣٩٩/٦، وأبو داود (٢٠١٦) كتاب المناسك - باب في مكة.
(٢) "البحر العميق في مناسك المعتمر والحاج إلى البيت العتيق": لأبي البقاء محمد بن أحمد بن محمد المعروف بابن الضياء
الصاغانيّ المكيّ العمريّ القرشيّ(ت ٨٥٤هـ). ("كشف الظنون" ٢٢٥/١، "الضوء اللامع"٨٤/٧، "الأعلام" ٣٣٢/٥).
(٣) أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم، عزّ الدين الشهيربابن جماعة الحَمَويّ الدمشقيّ ثم المصريّ الشافعيّ
(ت٧٦٧هـ). ("طبقات السبكي" ٧٩/١٠، "الدرر الكامنة" ٣٧٨/٢، "الأعلام" ٢٦/٤).
(٤) "شرح مشكل الآثار": باب بيان مشكل ما روي عنه * في المرور بين يدي المصلي في البيت الحرام وفي الغيبة عنه ٢٥/٧.
(٥) لم نقف على هذا النقل في "لباب المناسك"، وقد عثرنا على نصه في حاشية "إرشاد الساري إلى مناسك منلا عليّ
القارِي" - فصل في ركعتي الطواف صـ١٠٥ -١٠٦ - نقلاً عن "منسك قطب الدين" الحنفيّ.
(٦) يوسف بن يعقوب، المعروف بسنان الدين الخلوتيّ الرُّوْميّ (ت ٩٨٩هـ) له: "أخبار الحج" في المناسك، و"قرة
العيون" في المناسك أيضاً. ("هدية العارفين" ٥٦٤/٢).
(٧) المقولة [١٠٠٤٥] قوله: ((ينبغي تقييده)).
(٨) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٧٩/أ.
(٩) أخرجه مالك في "الموطأ" ١٥٤/١ -١٥٥ كتاب قصر الصلاة في السفر - باب التشديد في أن يَمُرَّ أحد بين يدي
المصلي، وأحمد ١٦٩/٤، والبخاريّ (٥١٠) كتاب الصلاة - باب إثم المار بين يدي المصلي، ومسلم (٥٠٧) =

١
قسم العبادات
١٢٢
حاشية ابن عابدين
(في ذلك) المرورِ لو بلا حائلٍ ولو ستارةً ترتفعُ إذا سجَدَ، وتعودُ إذا قام،.
بين يديه))، قال "أبو النضر" أحدُ رواته: لا أدري قال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً))، قال:
((وأخرجَهُ "البزَّار"(١) وقال: ((أربعين خريفاً))، وفي بعض روايات "البخاريِّ": ((ماذا عليه من
الإِثم)) (٢)) اهـ. والخريفُ السنَّةُ، سُمِّيَتْ به باعتبار بعض الفصول.
[٥٣٧٠] (قولُهُ: في ذلك) لفظُ ((في)) هنا للسبيَّةِ.
[٥٣٧١] (قولُهُ: ولو ستارةً ترتفعُ) أي: تزولُ بحركةِ رأسه إذا سجَدَ، وهذه الصورةُ ذكَرَها
"سعدي جلبي"(٣) جواباً عن صاحب "الهداية"(٤)، حيث اختار: ((أَنَّ الحدَّ موضعُ السجود))
= كتاب الصلاة - باب منع المار بين يدي المصلي، وأبو داود (٧٠١) كتاب الصلاة - باب ما ينهى عنه من المرور بين
يدي المصلي، والترمذيّ (٣٣٦) كتاب الصلاة - باب ما جاء في كراهية المرور بين يدي المصلي، وقال: حديث أبي
جهيم ◌ُّه حديث حسن صحيح، والنسائيّ ٦٦/٢ كتاب القبلة - باب التشديد في المرور بين يدي المصلي، وابن
ماجه (٩٤٥) كتاب إقامة الصلاة - باب المرور بين يدي المصلي، والدارميّ ٣٢٩/١ كتاب الصلاة - باب كراهية
المرور بين يدي المصلي، والطحاويّ في "شرح مشكل الآثار" (٨٥) (٨٦) باب بيان مشكل ما روي عنه،﴿ في
الأعداد من الزمان التي لو وقفها مَنْ مَرّ بين يدي المصلي كانت خيراً له من مروره بين يديه، وابن حبان (٢٣٦٦)
كتاب الصلاة - باب ما يكره للمصلي وما لا يكره. كلَّهم من حديث أبي جهيم عته، وفي الباب عن أبي سعيد
الخُدْريّ، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمروها.
(١) في "مسنده" ٢٩٩/٩ (٣٧٨٢).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٥٨٥/١: ((قوله - أي البخاريّ -: ماذا عليه؟ زاد الكشميهني ((من الإثم))، وليست
هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في "الموطأ" بدونها، وقال ابن عبد البرّ: لم يختلف على مالك في
شيء منه، وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقاً،
لكن في مصنف "ابن أبي شيبة": ((يعني من الإثم)) فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاريّ حاشية، فظنّها
الكشميهني أصلاً، لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ بل كان راوية، وقد عزاها المحب الطبريّ في "الأحكام"
للبخاريّ وأطلق، فعِيْبَ ذلك عليه وعلى صاحب "العمدة" في إبهامه أنها في الصحيحين، وأنكر ابن الصلاح في
"مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر فقال: ((لفظ الإثم ليس في الحديث صريحاً)). ولما ذكر النوويّ في "شرح
المهذب" دونها قال: وفي رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الهرويّ: ((ماذا عليه من الإثم؟)).
(٣) "الحواشي السعدية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٥٣/١ (هامش "فتح القدير"). وتقدمت ترجمة سعدي
جلبي من ابن عابدين رحمه الله ٨٨/١ .
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٣/١.

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
-
١٢٣
ولو كان فرجةٌ فللداخلِ أنْ يَمُرَّ على رقبةٍ مَن لم يَسُدَّها؛ لأنَّه أسقَطَ حرمةَ نفسه،
"قنية"(١) ..
كما مشى عليه "المصنّف"، فأُورِدَ عليه أنَّه مع الحائل كجدارٍ أو أسطوانةٍ لا يكرهُ، والحائلُ لا يمكنُ
أنْ يكون في موضع السجود، فأجاب "سعدي جلبي": ((بأنّه يجوزُ أنْ يكون ستارةً معلّقةً إذا ركَعَ
أو سجَدَ يُحرِّكُها رأس المصلِّي، ويزيلُها من موضع سجوده، ثم تعودُ إذا قام أو قعد)) اهـ.
وصورتُهُ: أنْ تكون السِّارةُ من ثوبٍ أو نحوه، معلّقةً في سقفٍ مثلاً، ثم يصلّي قريباً منها،
فإذا سجَدَ تقعُ على ظهره، ويكونُ سجوده خارجاً عنها، وإذا قام أو قعَدَ سُبِلَتْ على الأرض
وسترته، تأمّل.
[٥٣٧٢] (قولُهُ: ولو كان فرجةٌ إلخ) ((كان)) تامَّةٌ، و((فرجةٌ)) فاعلُها، قال في "القنية"(٢):
((قام في آخرِ الصفِّ في المسجد بينه وبين الصفوف مواضعُ خاليةٌ فللداخلِ أنْ يمرَّ بين يديه ليصلَ
الصفوفَ؛ لأنّه أسقَطَ حرمةَ نفسه، فلا يأثمُ المارُّ بين يديه، دلَّ عليه ما ذكَرَ في "الفردوس"(٣)
بروايةِ "ابن عبّاسٍ" رضي الله تعالى عنهما عن النبي أَنَّه قال: ((مَن نظَرَ إلى فرجةٍ في صفِّ
فليسُدَّها بنفسه، فإنْ لم يفعل فمرَّ مارٌّ فلْيتخَطَّ على رقبته، فإنَّه لا حرمةً له))، أي: فلْيتخَطَّ المارُّ
على رقبة مَن لم يَسُدَّ الفرجة)) اهـ.
قلتُ: وليس المرادُ بالتخطِّي الوطءَ على رقبته؛ لأَنَّه قد يؤدِّي إلى قتله ولا يجوزُ، بل المرادُ أنْ
يخطوَ من فوق رقبته، وإذا كان له ذلك فله أنْ يمرَّ من بين يديه بالأولى، فافهم.
٤٢٧/١
ثمَّ هذه المسألةُ بمنزلة الاستثناء [٢/ق١٧ /ب] من قوله: ((وإنْ أثِمَ المارُّ))، وقد علمتَ
(١) في "ب" و"و": ((فتنبه)).
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب في السترة والمرور بين يدي المصلي ق ١٤/ب.
(٣) لم نجده في "مسند الفردوس"، وأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (١١١٨٤) و(١١٢١٤)، وأورده الهيثميّ
في "المجمع" ٩٥/٢ كتاب الصلاة - باب فيمن وجد فرجة في صف فلم يسدها، وقال: رواه الطبرانيّ في "الكبير"،
وفيه مسلمة بن عليّ وهو ضعيف.

-
قسم العبادات
١٢٤
حاشية ابن عابدين
(ويَغْرِزُ) ندباً، "بدائع"(١) (الإمامُ)
التفصيل المارَّ(٢)، ويُستثنَى أيضاً ما قدَّمناه(٣) من داخل الكعبة وخلف المقام وحاشية المطاف.
(تتمَّةٌ)
في "غريب الرواية": ((النهرُ الكبير ليس بسترةٍ، وكذا الحوضُ الكبير، والبئرُ سترةٌ. أرادَ
المرورَ بين يدي المصلِّي فإنْ كان معه شيءٌ يضعُهُ بين يديه، ثم يمرُّ ويأخذُه، ولو مرَّ اثنان يقومُ
أحدُهما أمامه ويمرُّ الآخر، ويفعل الآخرُ هكذا و(٤)يمرَّان، وإنْ معه داَبَّةٌ فمرَّ راكباً أثِمَ، وإِنْ نزَلَ
وتستّرَ بالداَبَّةِ ومرَّ لم(٥) يأثم، ولو مرَّ رجلان متحاذيين فالذي يلي المصلّيَ هو الآثمُ))، "قنية"(٦).
أقولُ: وإذا كان معه عصاً لا تقفُ على الأرض بنفسها فأمسَكَها بيده ومرَّ من خلفها
هل يكفي ذلك؟ لم أره.
(٥٣٧٣ ] (قولُهُ: ندباً) لحديث: ((إذا صلَّى أحدُكم فليصلِّ إلى سترةٍ، ولا يدع أحداً يمرُّ بين
يديه)) رواه "الحاكمُ" و"أحمدُ"(٧) وغيرهما، وصرَّحَ في "المنية "(٨) بكراهة تركها، وهي تنزيهيَّةٌ،
(قولُهُ: وكذا الحوضُ الكبير والبئر إلخ) الظاهرُ أنَّ المراد بالحوض الحوضُ غيرُ المرتفع قدْرَ ذراعٍ،
وبالبئر ما له حاجزٌ قَدْرَ ذراعٍ، وإلاَّ فما الفرق؟ تأمَّل.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل فيما يستحب فيها وما يكره ٢١٧/١ بتصرف.
(٢) المقولة [٥٣٦٨] قوله: ((وإن أثم المار)).
(٣) المقولة [٥٣٦٨] قوله: ((وإن أثم المار)).
(٤) الواو ليست في "م".
(٥) ((لم)) ساقطة من نسخة "القنية" التي بين أيدينا.
(٦) "القنية": كتاب الصلاة - باب في السترة والمرور بين يدي المصلي ق ١٤/ب.
(٧) أخرجه أحمد ٢/٤، والحُمَيْديّ (٤٠١)، والطيالسيّ (١٣٤٢)، وابن أبي شيبة ٣١٢/١ كتاب الصلاة - باب من كان يقول
إذا صليت إلى سترة فادن منها، وأبو داود (٦٩٥) كتاب الصلاة - باب الدنو من السترة، والنسائيّ ٦٢/٢ كتاب القبلة -
باب الأمر بالدنو من السترة، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٤٥٨/١ كتاب الصلاة - باب المرور بين يدي المصلي،
والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٧٢/٢ كتاب الصلاة - باب الدنو من السترة، والحاكم في "المستدرك" ٢٥١/١ - ٢٥٢
وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ، وابن حبان في "صحيحه" (٢٣٧٣) كتاب
الصلاة - باب ما يكره للمصلي وما لا يكره. كلَّهم من حديث سَهْل بن أبي حَثْمَةَتُه.
(٨) انظر "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٦٢ -.

باب ما يفسد الصلاة وما یکره فیها
١٢٥
الجزء الرابع
وكذا المنفردُ (في الصحراءِ) ونحوِها (سترةً بقدْرِ ذراعٍ) طولاً (وغِلَظِ أصبعٍ) لتبدوَ للناظر
والصارفُ للأمر عن حقيقته مارواه "أبو داود" عن "الفضل بن العَبَّاس"(١): ((رأينا النبيََّ ﴾] في
باديةٍ لنا يصلّي في صحراءً ليس بين يديه سترةٌ)، ومارواه "أحمد"(٢): ((أنَّ "ابن عبّاسٍ" صلَّى في
فضاء ليس بين يديه شيءٌ)) كما في "الشرنبلاليَّة"(٣).
[٥٣٧٤] (قولُهُ: وكذا المنفردُ) أمَّا المقتدي فسترةُ الإِمام تكفيه كما يأتي(٤).
[٥٣٧٥] (قولُهُ: ونحوِها) أي: من كلِّ موضعٍ يُخافُ فيه المرورُ، قال في "البحر"(٥) عن
"الحلبة"(٦): ((إنما قَّدَ بالصحراءِ لأَنّها المحلُّ الذي يقعُ فيه المرورُ غالباً، وإلاَّ فالظاهرُ كراهةُ ترك
السترة فيما يُخافُ فيه المرورُ أيَّ موضعٍ كان)) اهـ.
[٥٣٧٦) (قولُهُ: بقدْرِ ذراعٍ) بيانٌ لأقلِّها، "ط)(٧). والظاهرُ أنَّ المراد به ذراعُ اليد كما صرَّحَ
به الشافعيّة، وهو شبران.
[٥٣٧٧] (قولُهُ: وغلظِ إصبعٍ) كذا في "الهداية"(٨)، لكنْ جَعَلَ في "البدائع"(٩) بيانَ الغلظ قولاً
(١) في النسخ ((الفضل والعباس)) وهو خطأ، والصواب: ما أثبتناه والحديث أخرجه أبو داود (٧١٨) كتاب الصلاة - باب
من قال: الكلب لا يقطع الصلاة، والنسائيّ ٦٥/٢ بنحوه كتاب القبلة - باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع.
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٤/١ - ٣٢٧، وأبو يعلى (٢٦٠١)، والطبرانيّ في "الكبير" (١٢٧٢٨)، والبيهقيّ في "السنن
الكبرى" ٢٧٣/٢ كتاب الصلاة - باب من صلى إلى غير سترة، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٦٣/٢ وقال: رواه
أحمد وأبو يعلى وفيه: الحجاج بن أرطاة وفيه ضعف، وقد حسّن التّهَانَوِيّ حديثَ الحجّاج بن أرْطَاة، انظر
"إعلاء السنن" ٥٧/٤.
(٣) "الشرنبلاليّة": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٠٥/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
(٤) المقولة [٥٣٩٣] قوله: ((للكل)).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٨/٢.
(٦) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٠/ب.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٩/١.
(٨) "الهداية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٣/١.
(٩) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره وما يستحب ٢١٧/١ بتصرف.

قسم العبادات
١٢٦
حاشية ابن عابدين
(بقرِبِهِ) دونَ ثلاثةِ أذرُعِ (على) حذاءٍ (أحدٍ حاجبيه) لا بينَ عينيه، والأيمنُ أفضلُ
ضعيفاً، وأنَّه لا اعتبارَ بالعرض، وظاهرُه أَنَّه المذهب، "بحر"(١). ويؤيِّدُه ما رواه "الحاكم"(٢) -
وقال: ((على شرط "مسلمٍ")) - أَنَّه ﴿: قال: ((يُحزي من السترة قدرُ مُؤْخِرة الرَّحْل ولو بدِقَّةٍ
شعرةٍ))، ومُؤْخِرةُ بضمِّ الميم وهمزةٍ ساكنةٍ وكسرِ الخاء المعجمة: العُود الذي في آخرِ رحل
البعير كما في "الحلبة"(٣).
[٥٣٧٨] (قولُهُ: بقرِهِ) متعلّقٌ بقوله: ((يَغْرِزُ))، أو بمحذوفٍ صفةٍ [٢/ ق١٨ /أ] لـ ((سترةٌ))،
أو حال منها.
ء
-
[٥٣٧٩] (قولُهُ: دونَ ثلاثةِ أذرعٍ) الأَولى أنْ يُبدِلَ ((دونَ)) بقدْرِ؛ لِما في "البحر"(٤) عن
"الحلبة"(٥): ((السنّةُ أنْ لا يزيدَ ما بينه وبينها على ثلاثةِ أذرعٍ))، "ط)" (٦).
[٩٢٩] بقي هل هذا شرطٌ لتحصيلِ سنّة الصلاة إلى السترة، حتى لو زاد على ثلاثةِ أذرعٍ
تكونُ صلاته إلى غيرِ سترةٍ، أم هو سنّةٌ مستقلّةٌ؟ لم أره.
[٥٣٨٠] (قولُهُ: والأيمنُ أفضلُ) صرَّحَ به "الزيلعيُّ))(٧).
(قولُهُ: بقي: هل هذا شرطٌ لتحصيلِ سنَّةِ الصلاة إلخ) الظاهرُ من قولهم: السنَّةُ أنْ لا يزيدَ إلخ أنَّ
هذا سنّةٌ مستقلّةٌ، وإلاَّ لعَبَّروا مثلَ تعبير "المصنّف"، ثُمَّ إِنَّه لو عبَّرَ بقدر كما قال "ط" لاقتَضَى أَنَّه لا يكون
آتياً بالسنَّة إلاَّ إذا جعَلَها قدْرَ ثلاثة أذرعٍ مع أنَّ السنة أنْ لا يزيدَ عليها، فيكون آتيً بها بقدرها أو دونه.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٢) في "المستدرك" ٢٥٢/١ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه مفسراً بذكر دقة الشعر، ووافقه الذهبيّ،
وليس عندهما آخره.
(٣) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٧٨ /ب - ١٧٩/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٥) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق١٧٩/أ.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٩/١.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٦١/١.

الجزء الرابع
١٢٧
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
(ولا يكفي الوضعُ ولا الخطُّ) وقيل: يكفي،
(٥٣٨١] (قولُهُ: ولا يكفي الوضعُ) أي: وضعُ السترة على الأرض إذا لم يمكن غرزُها، وهذا
ما اختارَهُ في "الهداية"(١)، ونسَبَهُ في "غاية البيان" إلى "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"، وصحَّحَهُ جماعةٌ منهم
"قاضي خان" (٢) معلّلاً: ((بأنَّه لا يفيدُ المقصودَ))، "بحر "(٣).
[٥٣٨٢ ] (قولُهُ: ولا الخطُّ) أي: الخطُّ في الأرض إذا لم يجدْ ما يتّخذُهُ سترةً، وهذا على
إحدى الروايتين أَنَّه ليس بمسنونٍ، ومشى عليه كثيرٌ من المشايخ، واختارَهُ في "الهداية"(٤)؛ لأَنَّه
لا يحصلُ به المقصودُ؛ إذ لا يظهرُ من بعيدٍ.
(٥٣٨٣ ] (قولُهُ: وقيل: يكفي)(٥) أي: كلٌّ من الوضعِ والخطِّ، أي: يحصُلُ به السنَّةُ، فَيُسَنُّ
الوضعُ كما نقله "القدوريُّ" عن "أبي يوسف"، ثم قيل: يضعُهُ طولاً لا عرضاً؛ ليكونَ على مثال
الغرز، ويُسَنُّ الخطُّ كما هو الروايةُ الثانية عن "محمَّدٍ"؛ لحديث "أبي داود"(٦): ((فإنْ لم يكن
(١) "الهداية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٣/١.
(٢) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب الإمام أين يستحب له القيام؟ ١/ق ٣٢.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٣/١.
(٥) في "د" زيادة: ((هذا إذا لم يكن معه ما يغرزه، أما إن وجد ولكن تعذر الغرز لصلابة الأرض، فقيل: لا يكفي،
وقيل: يكفي طولاً، كما في "الإمداد" و"مدني")).
(٦) أبو داود (٦٨٩) (٦٩٠) كتاب الصلاة - باب الخط إذا لم يجد عصا، وأخرجه أحمد ٢٤٩/٢ - ٢٥٤ - ٢٥٥ - ٢٦٦،
وعبد الرزاق (٢٢٨٦)، وابن ماجه (٩٤٣) كتاب إقامة الصلاة - باب ما يستر المصلي، وابن خزيمة (٨١١)(٨١٢) كتاب
الصلاة - باب الاستتار بالخط إذا لم يجد المصلي ما ينصب بين يديه للاستتار به، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٧٠/٢ -
٢٧١ كتاب الصلاة - باب الخط إذا لم يجد عصا، وابن حبان في "صحيحه" (٢٣٦١) كتاب الصلاة - باب ما يكره
للمصلي وما لا يكره. كُلُّهم من حديث أبي محمد بن عمرو بن حُرَيْث عن جده .
وأما سبب ضعفه فهو لاضطرابه في الإسناد، ولجهالة حال أبي محمد بن عمرو بن حُرَيْث وجده. وانظر - لزاماً -
تعليق الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى على "المسند" رقم (٧٣٨٦)، وتعليق الشيخ شعيب الأرناؤوط على
"صحيح ابن حبان" برقم (٢٣٦١).

قسم العبادات
١٢٨
حاشية ابن عابدين
فيخُطُّ طولاً، وقيل: كالمحراب ..
...
معه عصاً فليخُطَّ خطّاً)، وهو ضعيفٌ، لكنَّه يجوزُ العمل به في الفضائل، ولذا قال "ابن الهمام"(١):
((والسنَّةُ أَولى بالاتّباع مع أنَّه يظهرُ في الجملة؛ إذ المقصودُ جمعُ الخاطر بربطِ الخيال به كيلا
ينتشرَ))، كذا في "البحر"(٢) و"شرح المنية"(٣)، قال في "الحلبة"(٤): ((وقد يُعارَضُ تضعيفُهُ بتصحيح
"أحمد" و"ابن حبَّان" وغيرِهما له)).
[٥٣٨٤] (قولُهُ: فيخُطُّ طولاً إلخ) قال في "شرح المنية(٥): ((وقال "أبو داود"(٦): قالوا: الخطُّ
بالطول، وقالوا: بالعرض مثلَ الهلال)) اهـ.
وذكّرَ "النوويُّ)(٧): ((أَنَّ الأَوَّل المختارُ؛ ليصيرَ شبهَ ظلِّ السترة))، "بحر "(٨).
لم يذكروا ما إذا لم يكن معه سترةٌ ومعه ثوبٌ أو كتابٌ مثلاً، هل يكفي وضعُهُ بين يديه؟
( تنبيةٌ)
(قولُهُ: لم يذكروا ما إذا لم يكن معه سترةٌ إلخ) الظاهرُ من اشتراطهم النصبَ أو الوضعَ أو الخطَّ
على خلافٍ أنَّ ما عدا هذه الثلاث لا يكفي لإقامة السنّة وإن كان تعليلُ "ابن الهمام" المارُّ يفيدُ أنّه
يكفي ما ذكر.
(١) "فتح القدير": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٥٥/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٦٨-٣٦٩ -.
(٤) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٧٩/ب.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٦٩ -.
(٦) في "سننه": كتاب الصلاة - باب الخط إذا لم يجد عصا ١٨٤/١، ناقلاً القول الأول عن مُسَدَّد عن ابن داود،
والقول الثاني عن أحمد بن حنبل.
(٧) "المجموع": كتاب الصلاة - باب استقبال القبلة ٢٢٦/٣، دون قوله: ((ليصير شبه ظل السترة))، ولعل هذا التعليل
لصاحب "البحر" ذكره بعد نقله عن النوويّ.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.

باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
-
١٢٩
الجزء الرابع
(ويدفعُهُ) هو رخصةٌ، فتركُهُ أفضلُ، "بدائع"(١). قال "الباقانيُّ": ((فلو ضرَبَهُ فماتَ
لا شيءَ عليه عند "الشافعيِّ"رَّهِ خلافاً لنا على ما يُفهَمُ مِن كتبنا)) (بتسبيحٍ) ...
والظاهرُ نعم كما يُؤْخَذُ من تعليل "ابن الهمام" المارِّ آنفاً (٢)، وكذا لو بسَطَ ثوبَهُ وصلَّى
عليه، ثم المفهومُ من كلامهم أنَّه عند إمكان الغرز لا يكفي الوضعُ، وعند إمكانِ الوضع
لا يكفي الخطُّ.
[٥٣٨٥] (قولُهُ: ويدفعُهُ) أي: إذا مرَّ بين يديه ولم تكن له سترةٌ، أو كانت ومرَّ بينه
[٢/ق١٨ /ب] وبينها كما في "الحلبة"(٣) و"البحر"(٤)، ومُفاده إثمُ المارِّ وإنْ لم تكن سترةٌ كما
قدَّمناه(٥)، وفي "التتار خانيّة"(٦): ((وإذا دفعَهُ رجلٌ آخرُ لا بأس به، سواءٌ كان في الصلاة أوْ لا)).
[٥٣٨٦] (قولُهُ: فلو ضرَّبَهُ إلخ) أي: إذا لم يمكن دفعُهُ إلاّ بذلك؛ لأنَّ الشافعيَّة صرَّحوا بأنّه
يلزمُ الدافعَ تحرِّي الأسهلِ کما في دفع الصائل.
[٥٣٨٧] (قولُهُ: خلافاً لنا إلخ) أي: أنَّ المفهوم من كتب مذهبنا أنَّ ما يقوله "الشافعيُّ"
خلافُ قولنا، فإِنَّهم صرَّحوا في كتبنا بأنّه رخصةٌ، والعزيمةُ عدمُ التعرُّضِ له، فحيث كان رخصةٌ
يتقيَّدُ بوصفِ السلامة، أفاده "الرحمتيُّ"، بل قولهم: ولا يزادُ على الإشارة صريحٌ في أنَّ الرخصة
٤٢٨/١ هي الإشارة، وأنَّ المقاتلة غيرُ مأذون بها أصلاً، وأمَّا الأمرُ بها في حديث: ((فليقاتلْهُ فإنَّه شيطانٌ)(٧)
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل فيما يستحب فيها وما يكره ٢١٧/١ بتصرف.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٧٩ /ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٥) المقولة [٥٣٦٨] قوله: ((وإن أثم المار)).
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل التاسع ٦٢٩/١ نقلاً عن "الحجة".
(٧) أخرجه مالك ١٢٧/١ كتاب الصلاة في السفر - باب التشديد في أن يمر أحد بين يدي المصلي، وأحمد ٣٤/٣ و٤٤
و٤٩ و٦٣، والبخاريّ (٥٠٩) كتاب الصلاة - باب يرد المصلي مَنْ مرَّ بين يديه، و(٣٢٧٤) كتاب بدء الخلق -
باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم (٥٠٥) كتاب الصلاة - باب منع المارّ بين يدَي المصلّي، وأبو داود (٦٩٧) =

قسم العبادات
١٣٠
حاشية ابن عابدين
أو جهرِ بقراءةٍ (أو إشارةٍ) ولا يُزادُ عليها عندنا، "قُهُستاني".
فهو منسوخٌ؛ لِما في "الزيلعيِّ"(١) عن "السرخسيِّ" (٢): ((أنَّ الأمر بها محمولٌ على الابتداء حين
كان العملُ في الصلاة مباحاً)) اهـ. فإذا كانت المقاتلةُ غيرَ مأذون بها عندنا كان قتُلُهُ جنايةً يلزمُهُ
مُوجِبُها مِن دِيَةٍ أو قَوَدٍ، فافهم.
[٥٣٨٨] (قولُهُ: أو جهرِ بقراءةٍ) خصَّهُ في "البحر "(٣) بحثاً بالصلاة الجهريَّة وبما يُجهَرُ فيه منها،
وعليه فالمرادُ زيادةُ رفع الصوت عن أصل جهره.
والظاهرُ شمولُ السّرِّيَّة؛ لأنَّ هذا الجهرَ مأذونٌ فيه فلا يكره، على أنَّ الجهر اليسير عفوٌ،
والمكروهُ قدْرُ ما تجوزُ به الصلاة في الأصحِّ كما في سهو "البحر"(٤)، فإذا جهَرَ في السرِّيَّة بكلمةٍ
أو كلمتين حصَلَ المقصودُ، ولم يلزم المحذورُ، فتدَّر.
[٥٣٨٩] (قولُهُ: أو إشارةٍ) أي: باليدِ، أو الرأس، أو العين، "بحر "(٥).
[٥٣٩٠] (قولُهُ: ولا يزادُ عليها) أي: على الإشارة بما ذُكِرَ، فلا يدرأُ بأخذِ الثوب
ولا بالضرب الوجيع كما في "القُهُستانيِّ"(٦) عن "التمرتاشيّ"، ويُؤخَذُ منه فسادُ الصلاة لو بعملٍ كثيرٍ
(قولَهُ: أي: على الإِشارةِ إلخ) الأقربُ إرجاعُ الضمير للأشياء المذكورة لا لخصوص الإشارة بما
ذكرَهُ، تأمَّل.
= كتاب الصلاة - باب يؤمر المصلي أن يَدْرَأ من يمر بين يديه، والنسائيّ ٦٦/٢ كتاب القبلة - باب التشديد في المرور
بين يدي المصلي، وابن ماجه (٩٥٤) كتاب إقامة الصلاة - باب ادرأ ما استطعت، والدارميّ ٣٤٩/١ كتاب
الصلاة - باب في دنو المصلي إلى السترة. كُلُّهم من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ ◌َتُه.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٦١/١.
(٢) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ١٩٢/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ١٠٤/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٢٦/١.

الجزء الرابع
١٣١
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فیها
-
(لا بهما) فإنَّه يكرهُ، والمرأةُ تصفّقُ لا يبطنِ على بطنٍ، ولو صفّقَ أو سبَّحَتْ لم
تفسُدْ، وقد تَرَكا السنَّةَ، "تتارخانَّةِ"(١) (وكَفَتْ سترةُ الإِمام) للكلِّ (ولو عُدِمَ
المرورُ والطريقُ جازَ تركُها) وفعلُها أَولِى.
بخلاف قتلِ الحَيَّة على أحدِ القولين فيه كما يأتي(٢).
[٥٣٩١] (قولُهُ: لا بهما) أي: لا يَجمَعُ بين التسبيح والإشارة؛ لأنَّ بأحدِهما كفايةً، فيكرهُ
كما في "الهداية"(٣) جازماً به خلافاً لِما في "الشرنبلاليَّة"(٤)، فإنَّه تحريفٌ لِما في "الهداية" كما أفاده
"الشارح" في هامش "الخزائن"(٥).
[٥٣٩٢] (قولُهُ: لا ببطنٍ على بطنٍ) أي: بل بظهرِ أصابعِ اليمنى على صفحةٍ كفِّ اليسرى
كما في "البحر"(٦) وغيره عن "غاية البيان"، لكنْ لم يظهر وجهُهُ؛ إذ يبطنِ اليمنى على ظهر
اليسرى أقلُّ عملاً، فكأنَّ هذا حَمَلَ "الشارحَ" [٢/ق١٩/أ] على تغيير العبارة والتنصيص على محلِّ
الكراهة، وهو الضربُ ببطنٍ على بطنٍ، "رحمتي".
[٥٣٩٣] (قولُهُ: للكلِّ) أي: للمقتدين به كلِّهم، وعليه فلو مرَّ مارٌّ في قِبلة الصفِّ في المسجد
الصغير لم يكره إذا كان للإِمامِ سترةٌ، وظاهرُ التعميم شمولُ المسبوق، وبه صرَّحَ "القُهُستانِيُّ)(٧)،
وظاهرُه الاكتفاءُ بها ولو بعد فراغ إمامه، وإلاَّ فما فائدتُهُ؟! وقد يقال: فائدتُهُ التنبيهُ على أنَّه
كالمدرك، لا يُطلَبُ منه نصبُ سترةٍ قبل الدخول في الصلاة وإنْ كان يلزمُ أنْ يصير منفرداً
بلا سترةٍ بعد سلام إمامه؛ لأنَّ العبرة لوقتِ الشروع، وهو وقتَهُ كان مُستِراً بسترةٍ إمامه، تأمَّل.
[٥٣٩٤] (قولُهُ: ولو عُدِمَ المرورُ إلخ) أي: لو صلَّى في مكانٍ لا يمرُّ فيه أحدٌ، ولم يُواجِهِ
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - مفسدات الصلاة ٥٧٥/١ نقلاً عن "فتاوى الحجة".
(٢) المقولة [٥٤٩٤] قوله: ((لكنْ صحَّحَ الحلبيّ الفساد)).
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٣/١.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٠٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق١١٨/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل ما يفسد الصلاة ١٢٥/١.

قسم العبادات
-
١٣٢
حاشية ابن عابدين
(وكُرِهَ) هذه تعمُّ التنزيهيَّةَ التي مرجعُها خلافُ الأَولى، فالفارقُ الدليلُ، فإنْ نَهْياً
ظَنِّيَّ الثبوتِ ولا صارفَ فتحريميّةٌ،.
الطريقَ لا يكره تركُها؛ لأنَّ اتخاذها للحجاب عن المارِّ، قال في "البحر"(١) عن "الحلبة"(٢):
((ويظهرُ أنَّ الأَولى اتّخاذُها في هذا الحال وإنْ لم يكره التركُ لمقصودٍ آخرَ، وهو كفُّ بصره عمَّا
وراءَها، وجمعُ خاطره بربطِ الخيال)) اهـ
وقَيَّدوا بقولهم: ولم يُواجِهِ الطريقَ لأنَّ الصلاة في نفسِ الطريق - أي: طريقِ العامَّة - مكروهةٌ
بسترةٍ وبدونها؛ لأَنَّه أُعِدَّ للمرور فيه، فلا يجوزُ شغلُهُ بما ليس له حقُّ الشغل كما في "المحيط"،
وظاهرُهُ أنَّ الكراهة للتحريم، وتمامُهُ في "البحر "(٣).
مطلبٌ: مكروهاتُ الصلاة
مطلبٌ في الكراهة التحريميَّة والتنزيهيَّة
[٥٣٩٥] (قولُهُ: هذه تعمُّ التنزيهيَّة إلخ) قال في "البحر"(٤): ((والمكروهُ في هذا الباب نوعان:
(قولُهُ: وقَيِّدُوا بقولهم: ولم يُواجه إلخ) الصلاةُ في الطريق لا يتبادرُ قصدُ الاحتراز عنها بقولهم
المذكور، بل المتبادرُ أَنَّه احترازُ عمَّا لو توجَّهَ للطريق فإنَّه لا بدَّ منها؛ لأنَّه مظنَّهُ المرور فيه غالباً، تأمَّل.
ثمَّ رأيتُ في "حاشية البحر" كَتَبَّ ما نصُّهُ: ((قولُهُ: لأنَّ الصلاة في الطريق أي: المفهومةَ بالأولى من
قوله: ولم يُواجِه الطريق، فإنَّ كراهة تركِ السترة عند مواجهته لِما فيه من مَنْعِ العامَّة عن المرور تفيدُ
كراهة الصلاة فيه بالأَولى، تأمَّل. أو المرادُ أنَّ التقييد بالمواجهة حيث لم يقولوا: ولم يُصَلِّ في الطريق؛
لأنَّ الصلاة في الطريق مكروهةٌ، وهذا أظهرُ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٩/٢ -٢٠.
(٢) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٠/ب بتصرف.
(٣) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٠/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٠/٢.

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
-
١٣٣
وإلاَّ فتنزيهيَّةٌ (سَدْلُ)
أحدُهما: ما يكرهُ تحريماً، وهو المحملُ عند إطلاقهم كما في زكاة "الفتح"(١)، وذكَرَ: أَنَّه في
رتبةِ الواجب، لا يثبتُ إلَّ بما يثبتُ(٢) به الواجبُ، يعني: بالنهيِ الظّيِّ الثبوتِ أو الدلالة(٣)، فإنَّ
الواجب يثُبُتُ بالأمر الظنّيِّ الثبوتِ أو الدلالةِ(٣).
ثانيهما: المكروهُ تنزيهاً، ومَرجِعُهُ إلى ما تركُهُ أَولى، وكثيراً ما يطلقونه كما ذكره في
"الحلبة (٤)، فحينئذٍ إذا ذكروا مكروهاً فلا بدَّ من النظر في دليله، فإنْ كان نهياً ظنّاً يُحكَمُ بكراهة
التحريم إلاَّ لصارفٍ للنهي عن التحريم إلى الندب، وإنْ لم يكن الدليلُ نهياً، بل كان مفيداً للترك
الغيرِ الجازم فهي تنزيهيٌَّ)) اهـ.
قلت: ويُعرَفُ أيضاً بلا دليلِ نهيٍ خاصٍّ، بأنْ تضمَّنَ تركَ واجبٍ أو تركَ سنَّةٍ، فالأوَّلُ
مكروه تحريماً، والثاني تنزيهاً، ولكنْ [٢/ق١٩/ب] تتفاوَتُ التنزيهيّةُ في الشدَّة والقرب من
التحريمِيَّة بحسب تأكُّدِ السنَّة، فإنَّ مراتب الاستحبابِ متفاوتةٌ كمراتبِ السنَّة والواجب والفرض،
فكذا أضدادُها كما أفاده في "شرح المنية "(٥)، وسيأتي(٦) في آخر المكروهات تمامُ ذلك.
[٥٣٩٦] (قولُهُ: وإلاَّ فتنزيهيّةٌ) راجعٌ إلى قوله: ((فإنْ نهياً))، أي: وإنْ لم يكن نهياً، بل كان
مفيداً للترك الغيرِ الجازم، وإلى قوله (٧): ((ولا صارفَ))، أي: وإِنْ كان نهياً ولكنْ وُجِدَ الصارفُ
له عن التحريم فهي فيهما تنزيهيَّةٌ كما علمتَهُ من عبارة "البحر"، فافهم.
(١) "الفتح": ١١٤/٢.
(٢) ((إلا بما يثبت)) ساقطة من "٢".
(٣) قوله : ((أو الدلالة )) في الموضعين ليست في مخطوطة البحر ومطبوعته التي بين أيدينا، والسياق يقتضيها كما هو
معلوم في أصول الحنفية.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢٢/أ.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٤٤ -.
(٦) المقولة [٥٥٠٧] قوله: ((وترك كل سنة ومستحب)).
(٧) من ((فإن نهياً)) إلى ((قوله)) ساقط من "آ".

قسم العبادات
١٣٤
حاشية ابن عابدين
تحريماً للنهي (ثوبِهِ) أي: إرسالُهُ بلا لبسٍ معتادٍ، وكذا القَبَاءُ بكمّ إلى وراءٍ، ذكَرَهُ "الحلبيُّ"،
[٥٣٩٧] (قولُهُ: تحريماً للنهي) الأولى تأخيرُهُ عن المضاف إليه، "ط)(١).
[٥٣٩٨] (قولُهُ: أي: إرسالُهُ بلا لبسِ معتادٍ) قال في "شرح المنية"(٢): ((السَّدْلُ هو الإرسالُ
من غيرِ لبسٍ ضرورةً أنَّ إرسالَ ذيل القميص ونحوه لا يُسمَّى سدلاً)) اهـ.
ودِخَلَ في قوله: ((ونحوِهِ)) عذَبَةُ العمامة، وقال في "البحر"(٣): ((وفسَّرَهُ "الكرخيُّ" بأنْ
يَجَعَلَ ثوبَهُ على رأسه أو على كتفيه، ويُرسِلَ أطرافه من جانبه إذا لم يكن عليه سراويلُ اهـ. فكراهتُهُ
لاحتمال كشف العورة، وإنْ كان مع السَّراويلِ فكراهتُهُ للتشُّهِ بأهل الكتاب، فهو مكروهٌ مطلقاً،
وسواء كان للخُيَلاءِ أو غيره)) اهـ.
ثُمَّ قال في "البحر"(٤): ((وظاهرُ كلامهم يقتضي أنَّ لا فرقَ بين أنْ يكون الثوبُ محفوظاً من
الوقوع أوْ لا، فعلى هذا تكرهُ في الطََّلَسانِ الذي يُجعَلُ على الرأس، وقد صرَّحَ به في "شرح
الوقاية "(٥)) اهـ. أي: إذا لم يُدِرْهُ على عنقه، وإلاَّ فلا سدلَ.
[٥٣٩٩] (قولُهُ: وكذا القَبَاءُ بِكُمٌّ إلى وراءٍ) أي: كالأقبيةِ الروميَّة التي تُجعَلُ لأكمامها خروقٌ
عند أعلى العضدِ، إذا أخرَجَ المصلِّي يدَهُ من الخرق، وأرسَلَ الكمَّ إلى ورائه مثلاً فإنَّه يكرهُ أيضاً
(قولُهُ: قال في "شرح المنية": السَّدْلُ هو إلخ) عبارتُهُ بعد أنْ ذكَرَ الصور التي يصدُقُ عليها حدُّ
السَّدل ما نصُّهُ: ((والكلُّ يصدُقُ عليه حدُّ السدل، وهو الإرسالُ من غيرٍ لبسٍ، فإنَّ السَّدل في اللغة
الإرخاءُ والإرسالُ، ولا بدَّ أن يُقَّدَ بعدم اللُّس ضرورةَ أنَّ إرسال ذيل القميص ونحوه لا يُسمَّى سدلاً))
اهـ. وفي "الفتح": ((السَّدْلُ يصدُقُ على أن يكون المنديلُ مُرسَلاً من كتفيه)) اهـ. ويُتصوَّرُ فيما لو
أرخى ثوباً على رأسه وأرسَلَ جوانبه، أو أرخاه على كتفيه كذلك، أو وضَعَهُ على كتفِهِ الواحدة فصار
طرقُهُ على صدره وطرقُهُ على ظهره. اهـ "سندي".
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٠/١.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٤٧ - باختصار.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦/٢ بتصرف نقلاً عن "البدائع".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦/٢.
(٥) "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦١/١ (هامش "كشف الحقائق").

باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
-
١٣٥
الجزء الرابع
كشَدٍّ ومنديلٍ يُرسِلُه من كتفيه، فلو من أحدِهما لم يكره كحالةِ عذرٍ وخارجٍ
صلاةٍ في الأصحِّ، وفي "الخلاصة": ((إذا لم يُدخِلْ اليدَ في كمِّ الفَرَحِيِّ المختارُ أَنَّهُ
لا يكرهُ، وهل يُرسِلُ الكمَّ أو يُمسِكُ؟ خلافٌ،
٤٢٩/١ الصدقِ السدلِ عليه؛ لأنّه إرخاءٌ من غيرِ لبسٍ؛ لأنَّ لبس الكمّ يكون بإدخال اليد فيه، وتمامُهُ
في "شرح المنية"(١).
[٥٤٠٠] (قولُهُ: كشَدِّ) هو شيءٌ يُعتاد وضعُهُ على الكتفين كما في "البحر"(٢)، وذلك نحو
الشَّال.
[٥٤٠١] (قولُهُ: فلو مِن أحدِهما لم يكره) مخالفٌ لِما في "البحر"(٣)، حيث ذكَرَ في الشَّدِّ:
((أَنَّه إذا أرسَلَ طرفاً منه على صدره وطرفاً على ظهره يكره)).
[٥٤٠٢] (قولُهُ: وخارجٍ صلاةٍ في الأصحِّ) أي: إذا لم يكن للتكُّرِ فالأصحُّ أنَّه لا يكره، قال
في "النهر"(٤): ((أي: تحريماً، وإلاَّ فمقتضى [٢/ق٢٠/أ] ما مرَّ أَنَّه يكرهُ تنزيهاً)) اهـ.
وما مرَّ هو قوله(٥): ((لأَنَّه صنيعُ أهل الكتاب))، قال الشيخ "إسماعيل"(٦): ((وفيه بحثٌ؛
لأنَّ الظاهر من كلامهم أنَّ تخصيص أهل الكتاب بفعلِهِ معتبرٌ فيه كونُهُ في الصلاة، فلا يظهرُ التشبّهُ
وكراهتُهُ خارجها)) اهـ.
[٥٤٠٣] (قولُهُ: وفي "الخلاصة") استدراكٌ على قوله: ((وكذا القَبَاءُ إلخ))، "ح"(٧). لكن قال
(قولُ "الشارح": فلو من أحدِهما لم يكره) أي: أحدٍ كتفيه ولفَّ الباقيَ على عنقه. اهـ "سندي"،
تأمَّل. وبه يُعلَمُ عدمُ المخالفة لِما في "البحر".
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ ٣٤٨ -.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦/٢.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦٤/ب.
(٥) أي: صاحب "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦٤/ب.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١/ق ٣٩٣/أ.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٩٠/ب.

قسم العبادات
١٣٦
حاشية ابن عابدين
في "شرح المنية"(١): ((وفي "الخلاصة"(٢): المصلِّي إذا كان لابساً شِقَّةً أو فَرَحِيَّاً، ولم يُدخِلْ يديه
اختلَفَ المتأخّرون في الكراهة، والمختارُ أَنَّه لا يكرهُ، ولم يوافقه على ذلك أحدٌ سوى
"البزَّزيِّ (٣)، والصحيحُ الذي عليه "قاضي خان"(٤) والجمهورُ أَنَّه يكرهُ؛ لأنه إذا لم يُدخِلْ يديه
في كمَّيه صدَقَ عليه اسمُ السدل؛ لأَنَّه إرسالٌ للثوب بدون أنْ يلبسَهُ)) اهـ.
قال في "الخزائن)"(٥): ((بل ذكَرَ "أبو جعفرٍ": أَنَّ لو أدخَلَ يديه في كمَّه ولم يَشُدَّ وسطَهُ،
أو لم يَزُرَّ أزرارَهُ فهو مسيءٌ؛ لأَنّه يشبهُ السدل)) اهـ.
قلتُ: لكنْ قال في "الحلبة"(٦): ((فيه نظرٌ ظاهرٌ بعد أنْ يكون تحته قميصٌ أو نحوُهُ مما يسترُ
البدن، بل اختُلِفَ في كراهة شدِّ وسطه إذا كان عليه قميصٌ ونحوه، ففي "العَنَّايَّةُ": أنّه يكرهُ؛ لأنّه
صنيعُ أهل الكتاب، وفي "الخلاصة"(٧): لا يكره)) اهـ. وجزَمَ في "نور الإيضاح"(٨) بعدم الكراهة.
(قولُهُ: وفي "الخلاصة": المصلِّي إذا كان إلخ) وقَعَ تحريفٌ في هذه العبارة، أوَّلاً ذكَرَ فرجى وحقُّهُ
فرجياً، وثانياً زيادةُ لا في: والجمهور أنّه لا يكره، وثالثاً حذف لأنَّه قبل إذا كما ذلك عبارةُ الأصل،
تأمَّل. ثُمَّ رأيتُ "السنديّ" نقَلَ هذه العبارة عن "الخلاصة" بلفظ: ((المصلّي إذا كان لابسَ شقَّةٍ إلخ)).
(١) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٤٨ -.
(٢) من ((استدراك)) إلى ((وفي "الخلاصة")) ساقط من "الأصل". والمسألة في "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل
الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وواجباتها وسننها ق ٢٠/أ.
(٣) "البزازية": كتاب الصلاة - نوع فيما يكره ٢٧/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة وما يكره فيها وما لا يكره ١١٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة، فصل فيما يكره ق١١٨ /ب.
(٦) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٥٠/أ بتصرف.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني: في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وواجباتها وسننها ق١٩/ب.
(٨) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل فيما يفعله المصلي صـ ١٦٧ -.