النص المفهرس

صفحات 61-80

باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
-
٥٧
الجزء الرابع
خلافٍ، بل صريحُ كلام "الطحاويّ" أنّه قولُ أئمَّتنا الثلاثة، وكأنَّ هذا القائلَ فَهِمَ من قولهم: ولا
يردُّ بالإِشارة أنَّه مفسدٌ، كذا في "الحلبة"(١) لـ "ابن أمير حاج الحلبيِّ"، واستدرَكَ في "البحر "(٢) على
قوله: ((فإنّه لم يُعرَفْ إلخ)): ((بأَنَّه نقلَهُ صاحبُ "المجمع"، وهو من أهل المذهب المتأخّرين، ومع
هذا فالحقُّ أنَّ الفساد ليس بثابتٍ في المذهب، وإنما استنبطَّهُ بعض المشايخ مما في "الظهيريَّة"(٣)
وغيرها من أنّه لو صافَحَ بنيّة التسليم فسدت فقال: فعلى هذا تفسُدُ أيضاً إذا ردَّ بالإشارة، ويدلُّ
لعدم الفساد أَنَّه عليه الصلاة والسلام فعلَهُ كما رواه "أبو داود" وصحَّحَهُ "الترمذيُّ"(٤)، وصرَّحَ في
"المنية"(٥) بأنّه مكروهٌ، أي: تنزيهاً، وفعلُهُ عليه الصلاة والسلام لتعليم الجواز، فلا يُوصَفُ فعلُه
بالكراهة كما حقَّقَهُ في "الحلبة"(٦))) اهـ.
(قولُهُ: كما حقَّقَهُ في "الحلبة") لكن قال "الزيلعيُّ": ((ولا يَرُدُّ بالإشارة؛ لأَنّه عليه السلام لم يَرُدَّ
بها على "ابن مسعودٍ" ولا "جابرٍ"، وما رُوِيَ من قول "صهيبٍ": ((سلَّمتُ على النبيِّلَ ﴿ وهو يصلّي
فَرَدَّ بالإِشارة)) يحتملُ أَنَّه كان نهياً عن السلام أو كان حالةَ التشهُّد وهو يشيرُ فظنّهُ ردًّاً)) اهـ. وقال
"المقدسيُّ" بعد ذكرٍ حاصلٍ ما في "شرح المنية": ((أقول: ما ذكرَهُ "الشارح" يردُّ هذا؛ لأنَّ الرَّ مشتركٌ
يُرادُ به عدمُ القبول، ولعلَّه المرادُ من فعله عليه السلام، فكأنَّه يُرُدُّ عليهم سلامَهم ويُعلِمُهم أنّه في الصلاة،
ويراد به المكافأةُ، وليس بمرادٍ، وبهذا التوفيق يُستغَنَى عن التطويل والتعسُّف، وجعَلَهُ مكروهاً تنزيهاً
لوقوعه من النبيِّ عليه السلام)) اهـ.
(١) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٥٨/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٩/٢.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثاني فيما يفسد الصلاة ق٢٦/أ.
(٤) أخرجه أبو داود (٩٢٧) كتاب الصلاة - باب رد السلام في الصلاة، والترمذيّ (٣٦٨) كتاب أبواب الصلاة - باب
ما جاء في الإِشارة في الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد ١٢/٦، والطبرانيّ في "الكبير" (١٠٢٧)
جميعهم من حديث ابن عمر عن بلال ه، وفي الباب عن صُهَيْب، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة عته.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يكره فعله في الصلاة صـ٣٥١ -.
(٦) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٥٨/أ.

قسم العبادات
٥٨
حاشية ابن عابدين
قالوا: تفسُدُ، كأنَّه لأَنّه عملٌ كثيرٌ، وفي "النهر"(١) عن "صدر الدِّين الغزِّيِّ"(٢): [طويل]
[٥٢٠٥] (قولُهُ: قالوا: تفسُدُ) فيه إيْماءٌ إلى ما ذكره في "البحر "(٣) بحثاً: ((من أنَّ الظاهر استواءُ
حكم الردِّ بالمصافحة وباليدٍ، وهو عدمُ الفساد الأحاديث الواردة في ذلك))، وقولُهُ: ((كأَنَّه إلخ))
فيه إيْماءٌ إلى ما ذكره في "النهر "(٤): ((من أنَّ هذا التعليل أولى [١/ق٤٨٩/ب] من تعليل
"الزيلعيِّ (٥) وغيره بأنَّه(٦) كلامٌ معنىًّ؛ لأنَّ الردَّ باليد كلامٌ معنىًّ أيضاً)) فتدبّر، وبالله التوفيق، كذا
رأيْتُهُ بخطّ "الشارح" في هامش "الخزائن)(٧).
وهذا كلامٌ متينٌ يدلُّ عليه ما في "البحر" من حديث "ابن عمر": ((قلتُ لـ "بلال": كيف كان
النبيُّ يَرُدُّ عليهم السلام وهو يصلّي؟ قال: يقول هكذا، وبسَطَ كفَّهُ وبسَطَ "جعفرٌ" كفَّه وجعَلَ بطنَهُ
أسفلَ، وجعَلَ ظهرَهُ إلى فوق)) اهـ. فإنَّ بَسْطَهُ على هذا الوجهِ إنما يدلُّ على الردِّ وعدمِ القبول، وليس
في كلام "المقدسيِّ" ما يدلُّ على مَيْله إلى الفساد، وبهذا سقَطَ ما في "حاشية البحر": ((من أنّه إذا قيل:
سلّمتُ عليه فرَدَّ علىَّ سلامي إنما يُستعمَلُ بمعنى جوابِ التحيَّة بقرينة المقام والاستعمال)) إلى آخر ما
ذكرَهُ، فإنَّه وُجِدَ هنا بسطُ الكفِّ على الوجهِ المذكور، وهو دالٌّ على عدمِ القبول، تأمَّل.
(قولُهُ: فيه إيماءٌ إلى ما ذكرَهُ في "البحر" بحثاً إلخ) أخذَهُ من تعليل "الزيلعيِّ" الفسادَ بالمصافحة:
((بأَنَّها كلامٌ معنىً))، فقال: ((وَيَرِدُ عليه أنَّ الردَّ بالإشارة كلامٌ معنىً، فالظاهرُ استواءُ حكمهما، وهو
عدم الفساد إلخ))، ففي كلام "الشارح" إيماءٌ لردِّهِ لا إِماءٌ له، تأمَّل.
(قولُهُ: من أنَّ هذا التعليلَ أَولى إلخ) قال "السنديُّ": ((وعلى تعليله لا يبقى لقوله: بنِيَّةِ السلام
فائدةٌ، فإنَّ حدَّ العمل الكثير صادقٌ على المصافحة؛ لأَنَّه لو رآه ظنَّهُ غيرَ مُصَلٍ)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/ب - ٦٢/أ.
(٢) لم نهتدٍ إلى معرفته.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٠/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/ب.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٥٧/١.
(٦) من ((وهو عدم)) إلى ((بأنه)) ساقط من "أ".
(٧) "خزائن الأسرار": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق١١٣/ب.

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
٥٩-
ومِن بعدِ ما أُبدي يُسَنُّ ويُشرَعُ
سلامُكَ مكروهٌ على مَن ستسمعُ
خطيبٍ ومَن يُصغي إليهم ويَسمَعُ
مصلٌّ وتالٍ ذاكرٍ ومُحدِّثٍ
مطلبٌ: المواضعُ التي يكرهُ فيها السلام
[٥٢٠٦] (قولُهُ: سلامُكَ مكروهٌ) ظاهرُه التحريمُ، "ط "(١). وسيجيءُ(٢) التصريحُ بالإثم في
بعضها.
[٢٥٢٠٧ (قولُهُ: ومِنْ بعدِ ما أُبدي إلخ) فعلٌ مضارعٌ رباعيٌّ، أي: أُظهِرُ، والمعنى: وغيرُ الذي
أذكرُه هنا يُسَنُّ، ولا يناقضُه قوله: ((والزيادةُ تَنفَعُ))؛ لأنّه من كلام صاحب "النهر"(٢) كما
ستعرفُه (٤)، فافهم.
[٥٢٠٨] (قولُهُ: ذاكرٍ) فسَّرَهُ بعضهم بالواعظ؛ لأَنَّه يذكر الله تعالى ويذكِّرُ الناسَ به، والظاهرُ
أَنَّه أعمُّ، فيكرهُ السلامُ على مشتغلٍ بذكر الله تعالى بأيِّ وجهٍ كان، "رحمتي".
[٥٢٠٩] (قولُهُ: خطيبٍ) يعُمُّ جميعَ الخطب، "ط)"(٥).
[٥٢١٠] (قولُهُ: ومَنْ يُصغي إليهمْ) أي: إلى مَنْ ذُكِرَ ولو إلى المصلِّي إذا جهَرَ، وهو داخلٌ في
التالي، "ط" (٦).
(قولُهُ: لأَنَّه من كلام صاحب "النهر" إلخ) قال "الرحمتيُّ) : ((والبيتُ الأخير ذكَرَ صاحب "النهر"
أَنَّه لنفسه، وكأنّه أشار به إلى الاعتراض على قوله: ومِن بعدِ ما أبدى إلخ، كأنَّه يقول: ليس كلُّ ما
لا يُبديه يُسَنُّ فيه السلام، بل هناك أماكنُ يكره فيها، وهو السلامُ على الأستاذ والمغنّي والمطيِّر، ويمكنُ
الزيادة على ذلك أيضاً، أشار إلى ذلك بقوله: والزيادةُ تنفعُ )) اهـ.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٢/١.
(٢) المقولة [٥٢٢٦] قوله: ((وصرح في "الضياء" إلخ)).
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/ب.
(٤) المقولة [٥٢٢٤] قوله: ((وقد زدتُ عليه إلخ)).
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٢/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٢/١.

قسم العبادات
٦٠
حاشية ابن عابدين
ومَن بَحَثُوا في الفقهِ (١) دَعْهم لينفعوا
مكرِّرِ فقٍ جالسٍ لقضائِهِ
كذا الأجنبيَّاتِ الفتَيَّاتِ أمنعُ
مؤذِّنِ أيضاً أو مقيمٍ مدرِّسٍ
ولُعَابِ شطرنجٍ.
[٥٢١١] (قولُهُ: مكرِّرٍ فقهٍ) أي: ليحفظَهُ أو يفهمه.
[٥٢١٢] (قولُهُ: جالسٍ لقضائِهِ) قاسَ بعضُ مشايخنا الولاةَ والأمراء على القاضي، قال شمس
الأئمّة "السرخسيُّ) (٢): ((الصحيحُ الفرقُ، فالرعيَّةُ يُسلِّمون على الأمراء والولاة، والخصومُ
لا يُسلِّمون على القضاة، والفرقُ أنَّ السلام تحيَّةُ الزائرين، والخصومُ ما تقدَّموا إلى القاضي زائرين
بخلاف الرعيَّة))، فعلى هذا لو جلَسَ القاضي للزيارة فالخصومُ يُسلِّمون عليه، ولو جَلَسَ الأميرُ
الفصل الخصومة لا يُسلِّمون عليه، كذا في الثامن من كراهية "التتار خانيَّةَ"(٣)، ومقتضى هذا أنَّ
الخصوم إذا دخلوا على المفتي لا يُسلِّمون عليه، تأمَّل.
(٥٢١٣] (قولُهُ: ومَنْ بَحَثوا في الفقْهِ) عبارةُ "النهر "(٤): ((في العلم))، وفي "الضياء": ((مذاكرة
العلمِ))، فيعُمُّ كلَّ علمٍ شرعيٍّ.
[٥٢١٤] (قولُهُ: ايضاً) بوصلِ الهمزة للضرورة، "ط "(٥).
[٥٢١٥] (قولُهُ: مدرّسٍ) أي: شيخٍ درسِ العلم الشرعيِّ بقرينة ماذكرناه آنفاً.
[ مطلبٌ: حكمُ مصافحةِ العجوز عند أَمْنِ الشَّهوة]
[٥٢١٦] (قولُهُ: الفتيَّاتِ) جمعُ فتَّة: المرأةُ الشابّة، ومفهومُهُ جوازُه على العجوز، بل صرَّحوا
بجواز مصافحتها عند أمنِ الشهوة.
[٢٥٢١٧ (قولُهُ: وَلُعَّابٍ) بضمِّ اللام وتشديد العين المهملة: جمعُ لاعبٍ.
(١) في "و": ((العلم)) بدل ((الفقه)).
(٢) لم نعثر على هذا النقل في "المبسوط".
(٣) لم نجده في القسم المطبوع الذي بين أيدينا.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦٢/أ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٢/١.

الجزء الرابع
٦١
باب ما یفسد الصلاة وما یکره فیها
ومَن هو مَعْ أهلٍ له يتمتّعُ
وشْءٍ بخلقهم
ومَن هو في حالِ التغوُّطِ أشنعُ
ودعْ كافراً أيضاً ومكشوفَ عورةٍ
وتَعلَمُ منه أنَّه ليس يَمْنَعُ
ودعْ آكِلاً إلاَّ إذا كنتَ جائعاً
[٥٢١٨] (قولُهُ: وشِئْءٍ) بكسرِ الشين، أي: مشابهٍ لِخُلُقهم بالضمِّ، والمرادُ مَن يشابهُهم في
فِسقهم من سائر أرباب المعاصي كمَن يلعبُ بالقمار، أو يشربُ الخمر، أو يغتابُ الناس،
[١/ق ٤٩٠/أ] أو يُطِيِّرُ الحمام، أو يغنّي، فقد نَبََّ بلعب الشطرنج المختلف فيه على أنَّ ما فوقه مثلُه
بالأَولى، وسيأتي(١) في الحظر والإباحة أنَّ يكرهُ السلام على الفاسق لو مُعلِناً، وإلاّ لا اهـ.
وفي "فصول العلاميِّ": ((ولا يُسلّمُ على الشيخ الممازحِ والكذَّبِ واللاغي، ولا على مَن
يسبُّ الناس أو ينظرُ وجوهَ الأجنبيّات، ولا على الفاسق المعلن، ولا على مَن يغنّي أو يُطيِّرُ الحمامَ
مالم تُعرَفْ توبتهم، ويُسلِّمُ على قومٍ في معصيةٍ وعلى من يلعبُ بالشطرنج ناوياً أنْ يَشْغَلَهم عمَّا
هم فيه عند "أبي حنيفة"، وكره عندهما تحقيراً لهم)) اهـ.
وظاهرُ قوله: ((مالم تُعرَفْ توبتهم)) أنَّ المراد كراهةُ السلام عليهم في غيرِ حالة مباشرةٍ
المعصية، أمَّا في حالة مباشرتها ففيه الخلافُ المذكور.
[٥٢١٩] (قولُهُ: يتمتّعُ) الظاهرُ منه ما يعمُّ مقدِّمات الجماع، "ط)"(٢).
[٢٥٢٢٠ (قولُهُ: ودَعْ كافراً) أي: إلاَّ إذا كان لك حاجةٌ إليه فلا يكرهُ السلام عليه كما
سيأتي(٣) في باب الحظر والإِباحة.
٤١٤/١
[٥٢٢١] (قولُهُ: ومكشوفَ عورةٍ) ظاهرُه: ولو الكشفُ لضرورةٍ، "ط " (٤).
[٥٢٢٢] (قولُهُ: حالِ التغوُّطِ) مرادُه ما يعمُّ البول، "ط)" (٥).
(٥٢٢٣] (قولُهُ: إلاَّ إذا كنتَ إلخ) انظرْ ما وجهُ ذلك؟ مع أنَّ الكراهة إنما هي في حالةٍ وضع
(١) المقولة [٣٣٤٦١] قوله: ((ولو مُعلناً)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٢/١.
(٣) المقولة [٣٣٤٢٩] قوله: ((لو له حاجة)) .
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٢/١ بتصرف.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٢/١.

قسم العبادات
٦٢
حاشية ابن عابدين
وقد زدتُ عليه المتفقُّهَ على أستاذِهِ كما في "القنية"، والمغنّيَ ومطيِرَ الحمام، وألحقتُهُ
فقلت: [ طويل ]
فهذا ختامٌ و الزيادةُ تَنفَعُ(١)
كذلكَ أُستاذٌ مُغَنِّ مُطيِّرٌ
الُّقمة في الفم كما يظهرُ مما في حظر "المجتبى": ((يكرهُ السلام على العاجز عن الجواب
حقيقةً كالمشغول بالأكل أو الاستفراغ، أو شرعاً كالمشغول بالصلاة وقراءة القرآن، ولو سلَّمَ
لا يستحقَّ الجوابَ)) اهـ.
[٥٢٢٤] (قولُهُ: وقد زدتُ عليه المتفقّهَ على أستاذِهِ كما في "القنية"(٢)، والمغنّيَ ومطَيِّرَ الحمام،
وألحقته فقلتُ: كذلك أستاذٌ إلخ) هكذا يوجدُ في بعض النسخ، وهو من تتمَّة عبارة صاحب
"النهر"(٣)، والبيتُ المذكور من نظمه.
[٥٢٢٥] (قولُهُ: كذلك أستاذٌ) فيه أنَّ الصحابة(٤) وعُه كانوا يُسلِّمون على النبيِعَ لْ، "ح"(٥)
عن "شيخه". والجوابُ أنَّ المراد السلامُ عليه في حالة اشتغاله بالتعليم كما يأتي(٦)، وبه يُعلَمُ أَنَّه
(١) في "د" زيادة: ((هذا البيت - من كلام صاحب "النهر" زيادةً على ما قبله ـــ ردَّهُ شيخنا رحمه الله تعالى، بأنَّ
الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُسلّمون على النبيِ﴿، "ح". أقول: إذا ما ثبتت الراوية فالردُّ مردودٌ؛ لأنَّ الرِّواية
- كما قدَّمناه عن "التاتر خانية" - أنَّ السلام تحية الزائرين، والداخل على الأستاذ للقراءة لا يقصد الزِّيارة، فهو
كالخصم الداخل على القاضي، وما استند إليه من سلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم إنما يصحُّ إذا ثبت أنّهم
سلِّموا عند دخولهم بقصد التعلُّم أو الخصومة، لا لقصد الزِّيارة، والأدبُ مع مشايخ المذهب أَولى بل أوجبُ، والله
أعلم. وفي "شرح الشرعة": صرَّحَ الفقهاء بعدم وجوب الردِّ في بعض المواضع: القاضي إذا سلّمَ عليه الخصمان،
والأستاذ الفقيه إذا سلَّمَ عليه تلميذُهُ أو غيرُهُ أوانَ الدَّرس، وسلام السائل والمشتغل بقراءة القرآن والدعاء حال
شغله، والجالسين في المسجد للتسبيح أو للقراءة، والذكر في حال التذكير. اهـ ملخصاً)).
(٢) "القنية": كتاب الكراهية - باب في السلام والمصافحة ق ٧٣/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦٢/أ.
(٤) لم نجده فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٨٩/أ.
(٦) في المقولة الآتية .

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
٦٣
وصرَّحَ في "الضياء" بوجوبِ الردِّ في بعضِها، وبعدمِهِ في قوله: سلامْ علیکم.
.
داخلٌ في النظم السابق في قوله: ((مُدرِّسٍ))، وكذا المغنّي ومطيِّرُ الحمام داخلان في قوله: ((وشِبْهٍ
بِخُلْقهم)) كما نَّهنا [١/ق٤٩٠/ب] عليه(١)، ولكنَّ الغرض ذكرُ ما وقع التصريحُ به في كلامهم،
وإلاَّ ففي النظم السابق أشياءُ متداخلةٌ يُغني ذكرُ بعضها عن بعضٍ، وعن هذا زادَ شيخ مشايخنا
الشهابُ "أحمد المنيني" - كما نقلَهُ عنه "الرحمتي" - أشياءَ أخر نظَمَها بقوله: [ طويل]
ولاغٍ وكذَّبٍ لكِذْبٍ يُشِّعُ
وزِدْ عدَّ زنديقٍ وشيخٍ مُمازحٍ
ومَن دَابُه سبُّ الأنام ويُردَعُ
ومَنْ ينظرُ النّسوانَ في السوقِ عامداً
وتسبيحِهم هذا عن البعض يُسمَعُ
ومَن جلسوا في مسجدٍ لصلاتِهم
فكنْ عارفاً يا صاحٍ تحظى وتُرفَعُ
ولا تنسَ مَن لَّى هنالك صرَّحوا
مطلبٌ: المواضعُ التي لا يجبُ فيها ردُّ السلام
(٥٢٢٦] (قولُهُ: وصرَّحَ في "الضياء" إلخ) أي: نقلاً عن "روضة الزندويستيٍّ)(٢)، وذكَرَ "ح"(٣)
عبارته، وحاصلُها: ((أَنَّه يأثمُ بالسلام على المشغولين بالخطبة، أو الصلاة، أو قراءةِ القرآن، أو مذاكرة
العلم، أو الأذان، أو الإقامة، وأنّه لا يجبُ الردُّ في الأوَّلين؛ لأَنَّه يُبطِلُ الصلاة، والخطبةُ كالصلاة،
ويُرُدُّون في الباقي لإمكانِ الجمع بين فضيلتي الردِّ وما هم فيه من غيرِ أنْ يؤدِّيَ إلى قطعٍ شيءٍ تجبُ
إعادته))، قال "ح"(٤): ((ويُعلَمُ من التعليل الحكمُ في بقيَّة المسائل المذكورة في النظم)) اهـ.
(قولُهُ: ويردُّون في الباقي إلخ) أي: على سبيلِ التخيير لا الوجوب، ولا يزادُ في الردِّ على وعليكم،
ففي "البزَّازِيَّة" أوَّل القضاء: ((وهل يُسلِّمُ؟ اختلفوا، ولو سلَّمَ عليه أو على المدرِّس أو المذكّر أو القارئ
خُيِّرَ في الردِّ، فإنْ رَدَّ يقول: وعليكم)).
(١) المقولة [٥٢١٨] قوله: ((وشبه)) .
(٢) هي "روضة العلماء" وقد تقدمت ترجمتها ٥٨٠/٢.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٨٩/أ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق٨٩/ب.

قسم العبادات
٦٤
حاشية ابن عابدين
قلت: لكنْ في "البحر"(١) عن "الزيلعيِّ))(٢) ما يخالفُه، فإنَّه قال: ((يكرهُ السلام على المصلِّي
والقارئ والجالس للقضاء أو البحث في الفقه أو التخلّي، ولو سلَّمَ عليهم لا يجبُ عليهم الردُّ؛ لأنّه
في غيرِ محلّه)) اهـ.
ومُفاده: أنَّ كلَّ محلٍ لا يُشرَعُ فيه السلامُ لا يجبُ رِدُّه، وفي "شرح الشِّرعة"(٣): ((صرَّحَ
الفقهاءُ بعدم وجوب الردِّ في بعض المواضع: القاضي إذا سلَّمَ عليه الخصمان، والأستاذِ الفقيهِ إذا
سلَّمَ عليه تلميذُه أو غيرُه أوانَ الدَّرس، وسلامِ السائل، والمشتغلِ بقراءة القرآن والدعاءِ حالَ شُغْلِهِ،
والجالسين في المسجد التسبيحٍ أو قراءةٍ أو ذكرٍ حالَ التذكير)) اهـ.
وفي "البزَّزيَّةَ"(٤): ((لا يجبُ الردُّ على الإمام والمؤذِّن والخطيب عند "الثاني"، وهو
الصحيح)) اهـ.
وينبغي وجوبُ الرّدِّ على الفاسق؛ لأنَّ كراهة السلام عليه للزجر، فلا تُنافي الوجوبَ عليه،
تأمَّل.
هذا، وقد نظَمَ "الجلالُ السيوطيُّ" المواضعَ التي لا يجبُ فيها ردُّ السلام، [٢/ق٢/أ] ونقَلَها
عنه "الشارحُ" في هامش "الخزائن"(٥) فقال:
مَنْ في الصلاة أو بأكلٍ شُغِلا
ردُّ السلامِ واجبٌ إلاَّ على
أو ذكرِ او في خطبةٍ أو تلبيةٌ
أو شربٍ او قراءةٍ أو أدعيةٌ
أو في إقامةٍ أوِ الأذانِ
أو في قضاء حاجةِ الإنسان
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٠/٢.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١٥٧/١.
(٣) "شرح الشرعة": فصل في سنن المشي وآدابه صـ٣١٠- بتصرف.
(٤) "البزازية": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٥/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "خزائن الأسرار": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق ١١٤/أ.

الجزء الرابع
٦٥
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
بجزمِ الميم.
(والتنحنُحُ) بحرفين (بلا عذرٍ) أمَّا به.
أو شابةٌ يُخشَى بها افِتانُ
أو سلَّمَ الطفلُ أو السَّكرانُ
أو حالةَ الجماع أو تحاكُمُ
أو فاسقٌ أو ناعسٌ أو نائمٌ
فواحدٌ من بعدِها عشرونا
أو كان في الحمَّام أو مجنونا
[٥٢٢٧] (قولُهُ: بحزمٍ الميم) كأَنَّه لمخالفتِهِ السنَّةَ، فعلى هذا لو رفَعَ الميمَ بلا تنوينٍ ولا تعريفٍ
كان كجزمٍ الميم لمخالفته السنّةَ أيضاً. اهـ "ح"(١).
قلت: وقد سُمِعَ من العرب: سلامُ عليكم بلا تنوينٍ، وخرَّجَهُ في "مغني اللبيب"(٢) على
حذفٍ أل، أو تقديرٍ مضافٍ، أي: سلامُ الله، لكنْ قال في "الظهيريَّة"(٣): ((ولفظُ السَّلام: السلامُ
عليكم، أو سلامٌ عليكم بالتنوين، وبدونِ هذين - كما يقول الجھَّالُ - لا يكون سلاماً)) اهـ.
وذكَّرَ في "التتار خانيَّةً"(٤) عن بعض أصحاب "أبي يوسف" أنَّ ((سلامُ الله عليكم دعاءٌ
لا تحيَّةٌ))، وسنذكرُ(٥) بقيّة أبحاث السلام في كتاب الحظر والإِباحة.
[٥٢٢٨] (قولُهُ: والتنحنُحُ) هو أنْ يقول: أَحْ بالفتح والضمِّ، "بحر "(٦).
[٥٢٢٩] (قولُهُ: بحرفين) يُعلَمُ حكمُ الزَّائد عليهما بالأولى، لكنْ يُوهِمُ أنَّ الرَّائد لو كان
٤١٥/١ بعذرٍ يُفسِدُ، ويخالفُه ظاهرُ ما في "النهاية" عن "المحيط ": ((من أنَّه إنْ لم يكن مدفوعاً إليه، بل
الإصلاحِ الحلق ليتمكِّنَ من القراءة إنْ ظهَرَ له حروفٌ نحوُ قوله أَحْ أَحْ، وتكلَّفَ لذلك كان الفقيهُ
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق٨٩/ب.
(٢) "المغني": ذكر أماكن من الحذف يتمرن بها المعرب، حذف المضاف إليه صـ ٨١٤ -.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الأول - الفصل الثالث في أحكام المسجد والسلام ق ١٤/أ.
(٤) لم نجده في القسم المطبوع الذي بين أيدينا.
(٥) ٢٦٤/٥ وما بعدها .
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٥/٢.

قسم العبادات
٦٦
حاشية ابن عابدين
- بأنْ نشَأَ من طبعِهِ - فلا (أو) بلا (غرضٍ صحيحٍ) فلو لتحسينِ صوته، أو ليهتديَ
إمامُهُ، أو للإعلام أنَّه في الصلاة فلا فسادَ على الصحيح.
"إسماعيلُ الزاهد"(١) يقول: يقطعُ الصلاةَ عندهما؛ لأَنَّهما حروفٌ مهجَّاةٌ)) اهـ. أي: والصحيحُ
خلافُه كما يأتي(٢).
[٥٢٣٠] (قولُهُ: بأنْ نشَأَ من طبعِهِ) أي: بأنْ كان مدفوعاً إليه.
(٥٢٣١] (قولُهُ: على الصحيحِ) لأَنَّه يفعلُهُ لإصلاحِ القراءة، فيكونُ من القراءة معنىٍّ كالمشي
للبناء، فإنَّه وإنْ لم يكن من الصلاة لكنَّه لإصلاحِها، فصار منها معنىً، "شرح المنية" (٣) عن
"الكفاية"(٤). لكنَّه لا يشملُ ما لو كان لإعلام أَنَّه في الصلاة، أو ليهتديَ إمامُهُ إلى الصواب،
والقياسُ الفسادُ في الكلِّ إلاَّ في المدفوع إليه كما هو قولُ "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"؛ لأَنَّه كلامٌ،
والكلامُ مفسدٌ على كلِّ حالٍ كما مرَّ(٥)، وكأنّهم عَدَلوا بذلك [٢/ق٢/ب] عن القياس،
وصحَّحوا عدمَ الفساد به إذا كان لغرضٍ صحيحٍ لوجود نصٍّ، ولعلَّه ما في "الحلبة"(٦) عن "سنن
ابن ماجه"(٧) عن "علىّ" رَّه قال: ((كان لي من رسول الله لَ﴿ مدخلان: مدخلٌ بالليل ومدخلٌ
بالنهار، فكنت إذا أتيتُهُ وهو يصلّي تنحنَحَ لي))، وفي روايةٍ: ((سَّحَ)) وحَمَلَهما في "الحلبة(٨) على
اختلافِ الحالات، والله تعالى أعلم.
(١) أبو سعد إسماعيل بن عليّ بن الحسين الرازيّ السَّمان الحافظ الزاهد المعتزليّ(ت ٤٤٥هـ). ("الجواهر المضية"
٤٢٤/١، "تاج التراجم "ص ٦٥-، " الطبقات السنية" ١٩٧/٢، وفي "الأعلام" ٣١٩/١ أن وفاته سـ٤٧ ٤ نة هـ).
(٢) المقولة [٥٢٣١] قوله: ((على الصحيح)) .
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ٤٤٩- بتصرف.
(٤) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٤٧/١ بتصرف (هامش "فتح القدير").
(٥) المقولة [٥١٨٣] قوله: ((يفسدها التكلم)).
(٦) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢٢٦ - ٢٢٧/ب - أ.
(٧) أخرجه ابن ماجه (٣٧٠٨) كتاب الأدب - باب الاستئذان، والنسائيّ ١٢/٣ كتاب السهو - باب التنحنح في الصلاة،
وأخرجه أحمد ٨١/١ مطولاً، و١٠٧ مختصراً.
(٨) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢٢٧/أ.

الجزء الرابع
٦٧
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
(والدعاءُ بما يُشبهُ كلامَنا) خلافاً لـ "الشافعيِّ" (والأنينُ) هو قول: أهْ بالقصر
(والتأوُّهُ) هو قوله: آهٍ بالمدِّ (والتأفيفُ) أفِّ أو تُفِّ.
[٥٢٣٢] (قولُهُ: والدعاءُ بما يُشبهُ كلامَنا) هو ما ليس في القرآن ولا في السنّة، ولا يستحيلُ
طلبه من العباد، فإِنْ ورَدَ فيهما أو استحالَ طلبه لم يُفسِدْ كما في "البحر"(١) عن "التجنيس"،
وتقدَّمَ(٢) الكلام عليه في سنن الصلاة، فراجعه.
[٥٢٣٣] (قولُهُ: خلافاً لـ "الشافعيّ") أشار إلى أنَّ فائدة ذكرِ الدعاء المذكور مع أنّه داخلٌ في
الكلام هي التنبيهُ على ما فيه من الخلاف.
[٥٢٣٤] (قولُهُ: والتأوُّهُ إلخ) قال في "شرح المنية(٣): ((بأنْ قال: أَوَّةْ بفتح الهمزة وتشديد
الواو مفتوحةً، وبضمِّ الهمزة وإسكان الواو، أو قال: آه بمدِّ الهمزة)) اهـ.
وذكَرَ في "الحلبة"(٤) فيه ثلاثَ عشرةَ لغةً ساقَها في "البحر "(٥).
[٥٢٣٥] (قولُهُ: والتأفيفُ إلخ) قال في "الحلبة"(٦): ((أفٍّ: اسمُ فعلٍ لأَتضخَّرُ، وفيه لغاتٌ
انتهت إلى أربعين، منها ضمُّ الهمزة مع تثليث الغاء مخقَّةً ومشدّدةً، منوَّنَةً وغيرَ منوَّنةٍ، وقد تأتي
مصدراً يرادُ به الدعاء بتاءٍ في آخره وبغير تاءٍ، فُتُنصَبُ بفعلٍ واجبِ الإضمار، وقد تُردَفُ حينئذٍ
يُفِّ على الإتباع له، ومنه قولُ القائل(٧): [ منسرح]
إِنْ غبتَ عنه سُوَيِعةً زالتْ
أُقّاً وتُفَّاً لِمَن مودَّتُهُ
مالَتْ مع الريح أينما مالَتْ )) اهـ
إِنْ ماَلَتِ الريحُ هكذا أو كذا
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣/٢ بتصرف.
(٢) المقولة [٤٤٢٩] قوله: ((وإلا يفسد)) .
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ٤٣٦ -.
(٤) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢١٥/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٤/٢.
(٦) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢١٥ /أ - ب باختصار.
(٧) البيتان في "ألف باء" للبلويّ ٣٩٩/٢.

قسم العبادات
٦٨
حاشية ابن عابدين
(والبكاءُ بصوتٍ) يحصُلُ به حروفٌ (لوجعِ أو مصيبةٍ) قيدٌ للأربعةِ، إلاَّ لمريض
لا يملكُ نفسَهُ عن أنينِ وتأوُّهٍ؛ لأنّه حينئذٍ كعُطاسٍ وسُعالٍ وجُشاءٍ وتثاؤُبٍ وإِنْ
حصَلَ حروفٌ للضرورة.
وظاهرُه: أنَّ تُفّ ليس من أسماءِ التأفيف، تأمَّل.
[٥٢٣٦] (قولُهُ: والبُكاءُ) بالقصر: خروجُ الدمع، وبالمدِّ: صوتٌ معه كما في "الصحاح"(١)،
فقوله: ((بصوتٍ)) للتقييد على الأوَّلِ، وللتوضيح على الثاني، "إسماعيل"(٢).
[٥٢٣٧] (قولُهُ: يحصُلُ به حروفٌ) كذا في "الفتح"(٣) و"النهاية" و"السِّراج"(٤)، قال في
"النهر"(٥): ((أمَّا خروجُ الدمع بلا صوتٍ، أو صوتٍ لا حروفَ معه فغيرُ مفسدٍ)).
[٥٢٣٨] (قولُهُ: إلاَّ لمريضٍ إلخ) قال في [٢/ق٣/أ] "المعراج": ((ثُمَّ إِنْ كان الأنينُ من وجعٍ
مما يمكنُ الامتناعُ عنه فعن "أبي يوسف" يَقطعُ الصلاة، وإنْ كان مما لا يمكنُ لا يَقطعُ، وعن
"محمَّدٍ": إنْ كان المرضُ خفيفاً يقطعُ، وإلاَّ فلا؛ لأَنَّه لا يمكنه القعودُ إلاّ بالأنين، كذا ذكره
"المحبوبيُّ")) اهـ.
[٥٢٣٩] (قولُهُ: وإنْ حصَلَ حروفٌ) أي: لهذه المذكورات كلِّها كما في "المعراج"، لكنْ
ينبغي تقييدُه بما إذا لم يتكلَّفْ إخراجَ حروفٍ زائدةٍ على ما تقتضيه طبيعةُ العاطس ونحوِهِ، كما لو
قال في تثاؤبه: هاه هاه مكرِّراً لها فإنّه منهيٌّ عنه بالحديث(٦)، تأمَّل. وأفاد أنّه لو لم يحصل له
(قولُهُ: وظاهرُهُ أنَّ تُف ليس من أسماء التأفيفِ) فيه أنَّ ما قبله إنما أفاد أنَّ تُف بعد أُف تابعةٌ له
على الإتباع، وهذا لا يفيدُ ما قاله أنَّ تُف ليس من أسماء التأفيف مطلقاً.
(١) "الصحاح: مادة ((بكى)).
(٢) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١/ق ٣٨٣/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٤٥/١.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢١٨/أ.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ باختصار.
(٦) أخرجه أحمد ٤٢٨/٢، والبخاريّ (٣٢٨٩) كتاب بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده، و(٦٢٢٣) و(٦٢٢٦) =

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
٦٩
(لا لذِكْرِ جنّةٍ أو نارٍ) فلو أعجَبَتْهُ قراءةُ الإِمام، فجَعَلَ يبكي ويقول: بلى، أو نعم،
أو آرِي لا تفسُدُ، "سراحيَّة"(١)؛ لدلالتِهِ على الخشوع.
(و) يُفسِدُها (تشميتُ عاطسٍ) لغيرِهِ.
حروفٌ لا تفسُّدُ مطلقاً كما لو سعَلَ وظهَرَ منه صوتٌ من نَفَسِ يخرجُ من الأنف بلا حروفٍ.
[٥٢٤٠] (قولُهُ: لا لذكرِ جنَّةٍ أو نارٍ) لأنَّ الأنين ونحوه إذا كان بذكرِهما صار كأَنَّه قال:
اللهمَّ إنّي أسألك الجنّةَ وأعوذُ بك من النار، ولو صرَّحَ به لا تفسُدُ صلاته، وإنْ كان من وجعٍ أو
مصيبةٍ صار كأنّه يقول: أنا مصابٌ فعزُّوني، ولو صرَّحَ به تفسُدُ، كذا في "الكافي"(٢)، "درر"(٣).
[٥٢٤١] (قولُهُ: أو آرِئْ) هي لفظةٌ فارسيَّةٌ بمعنى نعم كما صرَّحَ به في "الفتاوى الهنديَّةِ"(٤)،
وهو بفتح الهمزة ممدودةٌ وكسرِ الراء وسكون الياء، "ح"(٥).
[٥٢٤٢] (قولُهُ: الدلالِتِهِ على الخشوع) أفاد أنَّه لو كان استلذاذً بحسن النغمةِ يكونُ مفسداً،
"ط "(٦).
[٤٣ ٥٢] (قولُهُ: وتشميتُ) بالسِّين والشّين المعجمة، والثاني أفصحُ، "درر"(٧).
[٢٥٢٤٤ (قولُهُ: لغيره) تبعَ فيه صاحبَ "النهر "(٨)، والأصوبُ إسقاطه؛ لأنَّ ((تشميت))
= کتاب الأدب - باب ما یستحب من العطاس وما یکره من التثاؤب، وأبو داود(٥٠٢٨) کتاب الأدب - باب ما جاء
في التثاؤب، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة" ٢١٤ و٢١٥ و٢١٦، والترمذيّ (٢٧٤٧) كتاب الأدب - باب ما جاء إن
الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وقال: هذا حديث صحيح، والحاكم ٢٦٤/٤ كتاب الأدب - وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ. كلُّهم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللـهِ﴾: ((إِنّ اللّهَ
يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التّثَاؤُبَ، فإذا تَتَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدّه ما استطاعٍ ولا يَقُل: هَاه هَاه فَإِنّما ذلك من الشّيطان)).
(١) "السراجية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٦٧/١ (هامش "الفتاوى الخانية").
(٢) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١/ق ٣٥/ب.
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٠١/١.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلاة - باب فيما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٠٠/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ق ٩٠/أ.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٣/١ باختصار.
(٧) "الدرر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٠٢/١.
(٨)"النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ.

قسم العبادات
٧٠
حاشية ابن عابدين
(بـ: يرحَمُكَ اللَّهُ، ولو مِن العاطسِ لنفسه لا) وبعكسِهِ التأمينُ بعد التشميت ......
مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، والفاعلُ محذوفٌ وهو المصلِّي، ولكنْ زاده ليقابلَهُ بقوله: ((ولو العاطسُ
لنفسِهِ))، وتأويلُه أنَّ قوله: ((لغيره)) بدلٌ من ((عاطسٍ))؛ لأنَّ الإضافة فيه على معنى اللام، أي:
تشميتُهُ العاطسٍ، فصار المعنى: تشميتُ المصلّي لغيره، فافهم.
[٥٢٤٥] (قولُهُ: بِ: يَرحَمُك اللَّهُ) قَّدَ به لأنَّ السامع لو قال: الحمدُ لله فإنْ عَنَى الجوابَ
اختلَفَ المشايخ، أو التعليمَ فسدت، أو لم يُرِدْ واحدً منهما لا تفسُدُ [٢/ق ٣/ب] اتّفاقً، "نهر "(١).
وصحَّحَ في "شرح المنية"(٢) عدمَ الفساد مطلقاً؛ لأَنَّه لم يُتَعارَف جواباً، قال: ((بخلافِ الجواب
السَّارِّ بها)) أي: بالحمدلة للتعارف.
[٥٢٤٦] (قولُهُ: ولو من(٣) العاطسِ لنفسِهِ لا) أي: لو قال لنفسه: يرحَمُكِ الله يا نفسي
لا تفسُّدُ؛ لأَنَّه لَمَّا لم يكن خطاباً لغيره لم يُعتبرْ من كلام الناس كما إذا قال: يرحَمُني الله، "بحر "(٤).
[٥٢٤٧] (قولُهُ: وبعكسِهِ التأمينُ إلخ) صورتُهُ ما في "الظهيريَّة"(٥): ((رجلان يصلِّان، فعطسَ
أحدُهما، فقال رجلٌ خارج الصلاة: يرحمكَ الله، فقالا جميعاً: آمين تفسُدُ صلاة العاطس دون
الآخر؛ لأَنَّه لم يدعُ له)) اهـ. أي: لم يُحِبْه.
٤١٦/١
(قولُ "الشارح": وبعكسِهِ التأمينُ) أي: تأمينُ العاطس يُفسِدُ، وتأمينُ غيره لا يفسد.
(قولُهُ: أي لم يُحِبْهُ) ظاهرُهُ أنَّ الضمير المنصوب في قوله: ((لأَنَّه لم يَدْعُ له )) عائدٌ على المصلِّي
الآخر، والأظهرُ أَنَّه عائدٌ إلى الرجل الخارج، أي: لأنَّ القائل: يرحمك الله إنما دعا بذلك للعاطسِ
لا للمصلِّي الآخر، فكان قولُ العاطس: آمين جواباً للدَّاعي له بخلاف المصلِّي الآخر، فلم يكن تأمينُهُ
جواباً له، تأمَّل. اهـ من "حاشية البحر".
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ٤٣٩- بتصرف.
(٣) ((من)) ليست في "الأصل" و"أ" و"ب".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٥/٢.
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثاني فيما يفسد الصلاة ق ٢٥/أ.

الجزء الرابع
٧١
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
ويُشكِلُ عليه ما في "الذخيرة": ((إذا أمَّنَ المصلّ لدعاء رجلٍ ليس في الصلاة تفسُدُ
صلاته)) اهـ.
وهو يفيدُ فساد صلاة المؤمِّن الذي ليس بعاطسٍ، وليسَ ببعيدٍ كما لا يخفى، "بحر "(١).
وأجاب في "النهر"(٢): ((بأنّا لا نسلِّمُ أنَّ الثانيَ تأمينٌ لدعائه لانقطاعه بالأوَّل، وإلى هذا يشيرُ
التعليلُ)) اهـ.
وحاصله: أَنَّه لَمَّا كان الدعاءُ للعاطس تعَّنَ تأمينه جواباً للداعي، فلم يكن تأمين المصلِّي
الآخر جواباً، بخلاف ما إذا كان المؤمِّنُ واحداً فإنَّه يتعَيَّن تأمينه جواباً كما في مسألة "الذخيرة"،
وأجاب العلاَّمة "المقدسيُّ": ((بحمل ما في "الذَّخيرة" على ما إذا دعا له ليكون جواباً، أمَّا إذا دعا
لغيره فلا يظهرُ كونه جواباً، فلا تفسُدُ)) اهـ.
لكنْ يُنافيه ما يذكرُه "الشارح"(٣): ((لو دعا لأحدٍ أو عليه، فقال - أي: المصلِّي -: آمين
تفسدُ))، وكذا ما في "البحر"(٤) عن "المبتغى": ((لو سمع المصلِّي من مصلٍّ آخر ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[ الفاتحة -٧] فقال: آمين لا تفسُدُ، وقيل: تفسُدُ، وعليه المتأخّرون)) اهـ.
(قولُهُ: وإلى هذا يشيرُ التعليل) أي: التعليلُ بأنّه لم يُحِبُهُ، فإنَّه يفيد أنَّ الإِجابة حصلت بتأمين العاطس،
فلم يكن الثاني تأميناً لدعائه، وكلامُ "الذخيرة" فيه، فليتأمَّل. انتهى من "حاشية البحر". ثمَّ ذكر ما قاله
"المقدسيُّ" كما هنا وقال: ((وهو أَولى مما في "النهر")) اهـ. ثمَّ على جواب "النهر" يتعيَّنُ تقييدُ المسألة
بالصورة التي في "الظهيريَّة"، أمَّا لو أمَّنَ غيرُ العاطس وحده ينبغي أنْ تفسد صلاته لعدم وجود ما يقطعُهُ اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٥/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٦١/أ.
(٣) صـ ٧٦ - "در" .
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٨/٢.

قسم العبادات
٧٢
حاشية ابن عابدين
(وجوابُ خبرٍ) سُوءٍ (بالاسترجاعِ.
فهذا يؤيِّدُ ما أجاب به في "النهر"؛ لأنَّ المؤمِّن واحدٌ، فتعَّنَ تأمينُه جواباً وإنْ لم يكن الدعاءُ
له، فلذا لم يُعرِّج "الشارح" على ما في "البحر"، فافهم.
[٥٢٤٨] (قولُهُ: وجوابُ خبرٍ سُوءٍ) السُّوء بضمِّ السين صفةُ ((خبرٍ))، وهو مِن ساء
يسوءُ سُوءًاً، نقيضُ سَرَّ، والاسترجاعُ قولُ: إِنَّاللَّهِ وإِنَّا إليه راجعون، ثم الفسادُ بذلك قولُهما
خلافاً لـ "أبي يوسف" كما صحَّحَهُ في "الهداية"(١) [٢/ق ٤/أ] و"الكافي"(٢)؛ لأنَّ الأصل عنده
أنَّ ما كان ثناءً أو قرآناً لا يتغيّرُ بالنّة، وعندهما يتغيّرُ كما في "النهاية"، وقيل: إنَّه بالاتّفاق،
ونسَبَهُ في "غاية البيان" إلى عامَّة المشايخ، وفي "الخانّة"(٣): ((إِنَّه الظاهر))، لكنْ ذكَرَ في
"البحر"(٤): ((أَنَّه لو أُخبِرَ بخبرِ يسرُّهُ فقال: الحمد لله فهو على الخلاف))، ثمَّ قال: ((ولعلَّ الفرق
على قوله أنَّ الاسترجاع لإظهارِ المصيبة، وما شُرِعَت الصلاةُ لأجله، والتحميدُ لإظهارِ الشكر،
(قولُهُ: فهذا يؤيِّدُ ما أجاب به في "النهر" إلخ) ما قاله في "النهر" غيرُ ظاهرٍ؛ إذ لا شكَّ أنَّهما
بتأمينهما معاً كانا مجيبين له، ولا أرجحيَّةَ لأحدهما على الآخرِ، ولا يتأتّى انقطاعُ الثاني بالأوَّل إلاَّ إذا
حصل الترتيب في تأمينهما مع أنَّ الفرض أنَّهما أمَّنا معاً، وهذا على تسليم الانقطاع بالترتيب، والأظهرُ في
دفع الإشكال أن يقال: ما في "الظهيريَّة" مبنيٌّ على قول المتقدِّمين من أنَّ التأمين من غير المدعوِّ له
لا يفسدها؛ لأَنَّه ليس جواباً؛ لأَنَّه إنما يكون من المدعوِّ له، فتأمينُ العاطس مفسدٌ دون تأمينِ الآخرِ، وكونُ
ذلك مذهبَ المتقدِّمين مأخوذٌ مما يأتي له عن "المبتغى" وما في "الذخيرة"، ويأتي شرحاً على قول المتأخّرِين
من أنَّ تأمين المصلّي على دعاء غيره مفسدٌ وإن لم يكن مخاطباً كما يؤخذ أيضاً من عبارة "المبتغى"، فعلى
قولهم لا يُشترَطُ في تحقُقِ الجواب كونُهُ من المدعوِّ له، وعلى قول المتقدِّمين لا يتحقَّقُ إلَّ به، تأمَّل.
(١) "الهداية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٢/١.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ١/ق ٣٦/أ.
(٣) "الخانية": كتاب الصلاة - باب فيما يفسد الصلاة ١٣٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٧/٢ بتصرف.

الجزء الرابع
٧٣
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فیها
على المذهب) لأنّه بقصدِ الجوابِ صارَ ككلام الناس.
(وكذا) يُفسِدُها (كلُّ ما قُصِدَ به الجوابُ) كأن قيل: أمَعَ اللَّهِ إلهٌ؟ فقال: لا إلهَ
إلاّ الله، أو ما مالُكَ؟ فقال: الخيلُ والبغالُ والحمير، أو مِن أين جئت؟ فقال: وبئرِ
معطّلةٍ وقصرِ مَشِيدٍ ..
والصلاةُ شُرِعَت لأجله)) اهـ
قلتُ: وهو مأخوذٌ من "الحلبة"(١)، وفيه نظرٌ؛ إذ لو صحَّ هذا الفرقُ على قول "أبي يوسف"
لا نتقَضَ الأصلُ المذكور، فالأَولى ما في "الهداية"(٢) وغيرها: ((من أنَّ الفرع الأوَّلَ على الخلاف
أيضاً، ولذا مشى عليه في "شرح المنية الكبير"(٣))، فليتأمَّل.
[٥٢٤٩] (قولُهُ: على المذهب) ردٌّ على ما في "الظهيريَّة"(٤) من تصحيح عدم الفساد، فإنّه
تصحيحٌ مخالفٌ للمشهور، وعلى ما في "المجتبى": ((من أنَّه لا فسادَ بشيءٍ من الأذكار التي يُقْصَدُ
بها الجوابُ في قول "أبي حنيفة" وصاحبيه))، فإنّه مخالفٌ للمتون والشروح والفتاوى، كذا في
"الحلبة"(٥) و"البحر"(٦)، فافهم.
[٥٢٥٠] (قولُهُ: لأَنَّه إلخ) بيانٌ لوجهِ الفساد عندهما، فإنَّ المناط كونُهُ لفظاً أُفيدَ به معنىً ليس
من أعمال الصَّلاة، لا كونُهُ وُضِعَ لإفادة ذلك، "فتح"(٧).
[٥٢٥١] (قولُهُ: كلُّ ما قُصِدَ به الجوابُ) أي: عندهما الصيرورةِ الثناء كلامَ الناس بالقصد
كخروج القراءة بقصد الخطاب، والجوابُ بما ليس بثناءٍ مُفسِدٌ اتّفاقاً، كذا في "غرر الأفكار "(٨)،
(١) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢١٧/أ.
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٦٢/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ٤٣٩ -.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الرابع فيمن يصح الاقتداء به وما يتعلق بالإمامة ق ٢١/ب.
(٥) "الحلبة": فصل في مفسدات الصلاة ٢/ق ٢١٦/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٨/٢.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٣٤٩/١.
(٨) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٤٣/أ.

قسم العبادات
٧٤
حاشية ابن عابدين
ومثلُهُ في "الدرر"(١) حيث قال: ((قَّدَ بالتحميد ونحوه لأنَّ الجواب بما ليس بثناء مفسدٌ اتفاقاً)) اهـ.
قلتُ: والمرادُ بما ليس بثناءِ ما كان من غيرِ القرآن، أمَّا ما كان منه إذا قُصِدَ به الجوابُ فإنَّه
على الخلاف أيضاً وإنْ لم يكن ثناءً كقوله: الخيلُ والبغالُ والحمير بدليلٍ ما قدَّمناه(٢) عن "النهاية":
((من أنَّ الأصل عند "أبي يوسف" أنَّ ما كان ثناءً أو قرآناً لا يتغيَّرُ بالنَّة، وعندهما يتغيَّرُ، فلو
قيل: ما مالُكَ؟ فقال: الإِبلُ والبقرُ والعبيدُ مثلاً فسدت اتفاقً؛ لأَنّه ليس قرآناً ولا ثناءً، أمَّا لو أجابَ
عن خبرِ سارٍّ بالتحميد، أو مُعجِبٍ بالتسبيح أو التهليل لا تفسُدُ [٢/ق٤ /ب] عنده؛ لأنّه ثناءٌ وإنْ
لم يكن قرآناً))، واحترَزَ بقصد الجواب عمَّا لو سبَّحَ لِمَن استأذَنَهُ في الدخول على قصد إعلامه أنَّه
في الصَّلاة كما يأتي(٣)، أو سبَّحَ لتنبيهِ إمامه فإنَّه وإنْ لزِمَ تغييره بالنّة عندهما إلاَّ أنَّه خارجٌ عن
القياس بالحديث الصحيح(٤): ((إذا نابَتْ أحدَكم نائبةٌ وهو في الصلاة فليسبِّح))، قال في
"البحر"(٥): ((ومما أُلحِقَ بالجواب ما في "المجتبى": لو سبّحَ أو هلَّلَ يريدُ زجراً عن فعلٍ أو أمراً به
فسدت عندهما)) اهـ
(١) "الدرر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ١٠٣/١.
(٢) المقولة [٥٢٤٨] ((قوله: وجواب خبر سوء)) .
(٣) صـ ٧٧ - "در".
(٤) أخرجه أحمد ٣٣٢/٥ و٣٣٧، والبخاريّ (٦٨٤) كتاب الأذان - باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإِمام الأول،
ومسلم (٤٢١) (١٠٢) كتاب الصلاة - باب تقديم الجماعة مَنْ يصلي بهم إذا تأخر الإمام، وأبو داود (٩٤٠)
كتاب الصلاة - باب التصفيق في الصلاة، والنسائيّ ٧٨/٢ و٧٩ كتاب الإمامة - باب إذا تقدم الرجل من الرعية
ثم جاء الوالي هل يتأخر؟ والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٤٤٧/١ كتاب الصلاة - باب الكلام في الصلاة لما
يحدث فيها من السهو، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٤٦/٢ و٢٤٨ كتاب الصلاة - باب ما يقول إذا نابه شيء
في صلاته، وابن خزيمة (٨٥٣) باب إباحة التحميد والثناء على الله، و(٨٥٤) باب الأمر بالتسبيح للرجال والتصفيق
للنساء، وابن حبان (٢٢٦٠) و(٢٢٦١) كتاب الصلاة - باب ما يكره للمصلي وما لا يكره، من حديث سَهْل بن
سَعْد السّاعِديّ ◌َثُه.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٧/٢-٨.

باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
٧٥
الجزء الرابع
(أو الخطابُ كَ) قولِهِ لِمَن اسمه يحيى أو موسى: (يا يحبى خُذِ الكتابَ بقوَّةٍ) أو
و(١) ما تلكَ بيمينِكَ يا موسى (مخاطباً لِمَن اسمُهُ ذلك) أو لِمَن بالباب: ومَن دخَلَهُ
كان آمِناً.
(فروعٌ) سَمِعَ اسمَ اللَّهِ تعالى فقال: جلَّ جلالُهُ، أو النبيِّ لَ﴿ فصلَّى عليه، أو قراءةَ
الإِمام فقال: صدَقَ اللَّهُ ورسولُهُ تفسُدُ إنْ قصَدَ جوابَهُ، ولو سَمِعَ ذکرَ الشيطان
فَلَعَنَهُ تفسُدُ، ..
قلتُ: والظاهرُ أَنَّه لو لم يُسبِّح ولكنْ جِهَرَ بالقراءة لا تفسُدُ؛ لأَنَّه قاصدٌ للقراءة، وإنما قصَدَ
الزجرَ أو الأمر بمجرَّدٍ رفع الصوت، تأمَّل.
[٥٢٥٢] (قولُهُ: أو الخطابُ إلخ) هذا مفسدٌ بالاتّفاق، وهو مما أُورِدَ نقضاً على أصل "أبي
يوسف"، فإنّه قرآنٌ لم يُوضَع خطاباً لمن خاطبَهُ المصلِّي، وقد أخرجَهُ بقصد الخطاب عن كونه
قرآناً وجعَلَهُ من كلام الناس.
[٥٢٥٣] (قولُهُ: كقوله لمن اسمُهُ يحيى أو موسى) يُغني عنه قولُ "المصنّف": ((مخاطباً لمن
اسمُهُ ذلك))، والظاهرُ أَنَّها تفسُدُ وإنْ لم يكن المخاطَبُ مسمَّىَّ بهذا الاسم إذا قصَدَ خطابه،
"ط" (٢).
[٥٢٥٤] (قولُهُ: أو لمن بالباب إلخ) لعلَّ وجهَ جعله من الخطاب مع أنَّه ليس فيه أداةُ نداء
ولا خطابٍ أَنَّه في معنى قوله: ادخل.
[٥٢٥٥] (قولُهُ: تفسُدُ إِنْ قصَدَ جوابَهُ) ذكَرَ في "البحر "(٣): ((أَنَّه لو قال مثلَ ما قال المؤذِّثُ إِنْ
أرادَ جوابه تفسُّدُ، وكذا لو لم تكن له نيّةٌ؛ لأنَّ الظاهر أَنَّه أراد به الإجابة، وكذلك إذا سَمِعَ اسمَ
النبيِّ ﴿ فِصلَّى عليه فهذا إجابةٌ)) اهـ.
(١) ((و)) ليست في "و".
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٦٤/١ باختصار.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٦/٢ بتصرف.

قسم العبادات
٧٦
حاشية ابن عابدين
وقيل: لا. ولو حوقَلَ لدفعِ الوسوسة إنْ لأمورِ الدنيا تفسُدُ، لا لأمور الآخرة. ولو
سقَطَ شيءٌ من السطح، فبسمَلَ أو دُعِيَ لأحدٍ أو عليه فقال: آمين تفسُدُ،
ولا يُفسِدُ الكلُّ(١) عند "الثاني"، والصحيحُ قولُهما عملاً بقصدِ المتكلِّم،.
ويُشكِلُ على هذا كلِّه ما مرَّ(٢) من التفصيل فيمن سَمِعَ العاطسَ فقال: الحمدُ لله، تأمَّل.
واستُفِيدَ أَنَّه لو لم يقصد الجوابَ، بل قصَدَ الثناء والتعظيم لا تفسُدُ؛ لأنَّ نفس تعظيم الله
تعالى والصلاةِ على نبيِّه ﴿ لا ينافي الصلاة كما في "شرح المنية"(٣).
٤١٧/١
[٥٢٥٦] (قولُهُ: وقيل: لا) جزَمَ به في "البحر "(٤)، والظاهرُ أنَّه مبنيٌّ على ما إذا لم يقصد
الجوابَ، وإلاَّ أشكَلَ عليه ما مرَّ(٥)، تأمَّل.
[٥٢٥٧] (قولُهُ: فبسمَلَ) يُشكِلُ عليه ما في "البحر"(٦): ((لو لدغتْهُ عقربٌ، أو أصابَه وجعٌ فقال:
بسم الله قيل: تفسُدُ؛ لأَنَّه كالأنين، وقيل: لا؛ لأَنَّه ليس من كلام [٢/ق٥/أ] الناس، وفي "النّصاب":
وعليه الفتوى، وجزَمَ به في "الظهيريَّة(٧): وكذا لو قال: يا ربِّ كما في "الذخيرة")) اهـ.
[٥٢٥٨] (قولُهُ: فقال: آمين) قدَّمنا(٨) الكلامَ فيه قريباً.
[٥٢٥٩] (قولُهُ: ولا يُفسِدُ الكلُّ أي: إلَّ إذا قصَدَ الخطاب كما مرَّ(٩).
(قولُهُ: ويُشكِلُ على هذا كلّه ما مرَّ إلخ) يندفعُ هذا الإشكالُ بأنَّه لَمَّا لم يَصدُر من العاطس
كلامٌ بل صوتٌ مجرَّدٌ لم تصلح الحمدلةُ جواباً له إلاَّ بالنَّة، بخلاف ما ذكرَهُ "الشارح" من الأمثلة، فإنَّها
صالحةٌ، فُتُجعَلُ جواباً بها وبدونها على ما في "البحر".
(١) في "و": ((ولا تفسد في الكل)).
(٢) المقولة [٥٢٤٥] قوله: ((بـ: يرحمك الله)).
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ ٤٤٤ -.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٨/٢.
(٥) المقولة [٥٢٥٤] قوله: ((أو لمن بالباب إلخ)) .
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٥/٢ بتصرف.
(٧) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثاني فيما يفسد الصلاة ق ٢٤/ب.
(٨) المقولة [٥٢٤٧] قوله: ((وبعكسه التأمين إلخ)) .
(٩) المقولة [٥٢٥١] قوله: ((كل ما قصد به الجواب)).