النص المفهرس
صفحات 621-640
الجزء الثالث
٦١٧
باب الإمامة
"درر" و"بحر "(١) وغيرهما، وأقرَّهُ "المصنّف"، لكنْ تعقّبَهُ في "الشرنبلاليَّة"، ونقَلَ عن
"البرهان" وغيره :.
النهر أو الطريق يختلفُ المكان، وعند [١/ق٤٦٥/أ] اتّصال الصفوف يصيرُ المكانُ واحداً حكماً،
فلا يمنعُ كما مرَّ(٢)، وكأنَّه أراد بالحائلِ في كلام "المصنّف" ما يشملُ الحائطَ وغيره كالطريق
والنهر؛ إذ لو أُرِيدَ به الحائطُ فقط لم يناسِبْ ذكرُ هذا الكلامِ هنا، تأمَّل.
[٤٩٢٨] (قولُهُ: "درر"(٣) عبارتُها: ((الحائلُ بينهما لو بحيث يَشتبِهُ به حالُ الإِمام يمنعُ، وإلاّ
فلا، إلاَّ أنْ يختلف المكان، قال "قاضي خان"(٤): إذا قامَ على الجدار الذي يكون(٥) بين داره وبين
المسجد، ولا يشتبهُ حالُ الإِمام يصحُّ الاقتداء، وإِنْ قام على سطحِ داره ودارُهُ متَّصلةٌ بالمسجد
لا يصحُّ اقتداؤه وإِنْ كان لا يشتبهُ عليه حالُ الإِمام؛ لأنَّ بين المسجد وبين سطح دارِهِ كثيرَ
التخلُّلِ، فصار المكانُ مختلفاً، أمّا في البيت مع المسجد لم يتخلَّلْ إلَّ الحائطُ، ولم يختلف المكان،
W
وعند اتّحادِ المكان يصحُّ الاقتداء إلاَّ إذا اشتَبَهَ عليه حالُ الإِمام)) اهـ.
أقولُ: حاصلُ كلام "الدرر" أنَّ اختلاف المكان مانعٌ مطلقاً، وأمَّا إذا أَتَّحَدَ فِإِنْ حصَلَ اشتباهٌ
مِنَعَ، وإلاَّ فلا، وما نقلَهُ عن "قاضي خان" صريحٌ في ذلك.
[٤٩٢٩] (قولُهُ: لكنْ تعقّبَهُ في "الشرنبلاليّة"(٦) إلخ) حيث ذكَرَ: ((أَنَّ ما نقلَهُ عن
"الخانّة"(٧) من أنَّه لو قام على سطحِ داره المتّصلةِ بالمسجد لا يصحُّ إلخ خلافُ الصحيح؛ لِما
٣٩٤/١
لـ "الشارح" أن يقول: عند عدم اتّصال الصفوف حتّى يكونَ تمثيلاً لاختلافِ المكان في مثل الصحراء؛
إذا اتّصالُها لا يصلحُ تصويراً للاختلاف الحكميِّ إلخ)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٥/١.
(٢) المقولة [٤٩١٨] قوله: ((إلا إذا اتصلت الصفوف)).
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٩٢/١ بتصرف يسير.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٤/١ - ٩٥ بتصرف يسير. (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٥) ((يكون)) ساقطة من "آ".
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٩٢/١. (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٤/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم العبادات
٦١٨
حاشية ابن عابدين
....
.. .
في "الظهيريَّة"(١) من أنَّ الصحيح أنّه يصحُّ، ولِما في "البرهان" من أنَّه لو كان بينهما حائطٌ كبيرٌ
لا يمكنُ الوصولُ منه إلى الإمام، ولكنْ لا يشتبهُ حالُهُ عليه بسماعٍ أو رؤيةٍ لانتقالاتِهِ لا يمنع صحَّةً
الاقتداء في الصحيح، وهو اختيارُ شمس الأئمَّة "الحَلْوانيّ")) اهـ.
وحاصلُ كلام "الشرنبلاليّ": أنَّ المعتبر الاشتباهُ وعدمه فقط دون اختلافِ المكان، فإنْ
حصَلَ الاشتباهُ منَعَ، سواءٌ أَتَّحَدَ المكانُ أوْ لا، وإلاَّ فلا، واعترضَهُ العلاَّمة "نوح أفندي": ((بأنَّ
المشهور من مذهب "النعمان" أنَّ الاقتداء لا يجوزُ عند اختلاف المكان، والمكانُ في مسألة الظهيريَّة
مختلفٌ كما صرَّحَ به "قاضي خان(٢)، فالصحيحُ أَنَّه لا يصحُ)) اهـ.
أقولُ: ويؤيِّدُهُ أنَّ "الشرنبلاليَّ" نفسَهُ صرَّحَ في "الإمداد"(٣): ((بأنّه [١/ق٤٦٥/ب]
لا يصحُّ اقتداءُ الراحِلِ بالراكب، وعكسُهُ، ولا الراكبِ بالراكب لاختلاف المكان، إلاَّ إذا كان
راكباً داَبَةَ إمامِهِ))، وكذا ما ذكروه من أنَّ مَنْ سبقَهُ الحدث فاستخلَفَ غيره ثم توضَّأ يلزمُهُ العَوْدُ
إلى مكانه ليُتِمَّ مع خليفته إنْ كان بينهما ما يمنعُ الاقتداءَ لئلاَّ يختلفَ المكان، وأمَّا ما صحَّحَهُ في
"الظهيريَّة" في مسألة السطح فالظاهرُ أَنَّه بناه على ما إذا كان السطحُ متَّصلاً بالمسجد، فحينئذٍ
يصحُّ الاقتداء، ويكون ما في "الخانيَّة" مبنيّاً على عدم الاتّصال المذكور، بدليلٍ أَنَّه في "الخانيَّة " علَّلَ
للمنع بكثرةِ التخلُّل واختلافِ المكان، أي: لكون صحنِ الدار فاصلاً بين السطح والمسجد، فيفيدُ
أَنَّه لولا ذلك لصحَّ الاقتداءُ، ويؤيِّدُهُ ما في "البدائع"(٤) حيث قال: ((لو كان على سطحٍ بجنبٍ
المسجد متّصلٍ به ليس بينهما طريقٌ فاقتدى به صَحَّ اقتداؤه عندنا؛ لأَنّه إذا كان متَّصلاً به صار تبعاً
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الرابع فيمن يصح الاقتداء به وما يتعلق بالإمامة ق ٢١/ب، لكن
عبارتها ((أنَّ الصحيح أنَّه لا يصحُّ)) والظاهر من السياق أنَّ زيادة ((لا)) تحريف.
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٤/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق١٦٣/ب.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١٤٦/١ بتصرف.
الجزء الثالث
٦١٩
باب الإمامة
((أَنَّ الصحيح اعتبارُ الاشتباهِ فقط)).
قلتُ: وفي "الأشباه"(١) و"زواهر الجواهر"(٢) ...
لسطح المسجد، وسطحُ المسجد له حكمُ المسجد، فهو كاقتدائه في جوف المسجد إذا كان
لا يشتبهُ عليه حالُ الإِمام)) اهـ
فأنت ترى كيف علَّلَ الصحَّةَ بالاتّصال كما علَّلَ في "الخانَيَّة" لعدمها بعدمه، وقد جزَمَ
صاحب "الهداية" في "مختارات النوازل"(٣): ((بأنَّ العبرة للاشتباهِ))، ثمَّ قال بعده: ((وإنْ قام على
سطحِ داره واقتدى بالإمام إنْ لم يكن بينهما حائلٌ ولا شارعٌ يصحُّ)) اهـ.
فيتعيّنُ حملُ ما في "الظهيرِيَّة" على ما إذا لم يكنْ حائلٌ كما قلنا، فيصحُّ لاَّحاد المكان، وأمَّا
ما نقلَهُ "الشرنبلاليُّ" عن "البرهان" فليس فيه تصحيحُ الاقتداء مع اختلاف المكان؛ لأَنَّه بتخلُّلِ
الحائطِ لا يختلفُ المكان كما قدَّمناه(٤) عن "قاضي خان"، وفي "التتار خانيَّة"(٥). ((وإنْ صلَّى على
سطح بيته المتّصل بالمسجد ذكَرَ شمس الأئمّة "الحَلْوانِيُّ)" أَنَّه يجوزُ؛ لأَنَّه إذا كان متَّصلاً بالمسجد
لا يكون أشدَّ حالاً من منزل بينه وبين المسجد حائطٌ، ولو صلَّى رجلٌ في مثلِ هذا المنزلِ وهو
يسمعُ التكبير من الإِمام أو المكِّرِ يجوزُ، فكذلك القيامُ على السطح)) اهـ.
فقد تحرَّرَ بما تقرَّرَ أنَّ اختلاف المكان مانعٌ من صحَّةِ الاقتداء ولو بلا اشتباهٍ، [١/ق٤٦٦/أ]
وأَنَّه عند الاشتباهِ لا يصحُّ الاقتداء وإن أَّحَدَ المكان، ثم رأيت "الرحمتيّ" قرَّرَ كذلك، فاغتنم ذلك.
[٤٩٣٠] (قولُهُ: أنَّ الصحيح اعتبارُ الاشتباهِ فقط) أي: ولا عبرةَ باختلاف المكان بناءً على ما
فهِمَهُ "الشرنبلاليُّ"، وليس ذلك بمرادٍ؛ لِما علمتَ من أنَّ اختلاف المكان مانعٌ، وإنما المرادُ التوفيقُ
بين رواية "الحسن" عن "الإمام" أنَّ الحائط يمنعُ الاقتداء وروايةٍ(٦) "الأصل(٧) أنَّه لا يمنعُ، فقيل: إنَّه
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني - كتاب الصلاة صـ١٩٧ -.
(٢) هي حاشية على "الأشباه والنظائر"، لصالح بن محمد بن عبد الله التَّمُرْناشيّ(ت ١٠٠٥ هـ). ("كشف الظنون"
٩٩/١، "خلاصة الأثر" ٢٣٩/٢، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٤٠٦/١).
(٣) "مختارات النوازل": كتاب الصلاة - باب الإمامة والاقتداء بالإمام وإدراكه ق٢٢/أ.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس فيمن هو أحقُّ بالإمامة ٦١٦/١ بتصرف نقلاً عن "المحيط".
(٦) في "ب": ((راوية)) وهو تحريف.
(٧) "الأصل": كتاب الطهارة والصلاة - باب الرجل يحدث وهو راكع أو ساجد ١٨٧/١.
قسم العبادات
٦٢٠
حاشية ابن عابدين
و"مفتاح السعادة": ((أنّه الأصحُّ))، وفي "النهر"(١) عن "الزاد"(٢): ((أَنَّه اختيارُ
جماعةٍ من المتأخّرِين)).
(وصحَّ اقتداءُ متوضِّئٍ).
بإمكان الوصول منه وعدمِهِ، واختار "شمس الأئمّة" اعتبارَ الاشتباهِ وعدمِه(٣)، وهذا هو الذي
اختارَهُ جماعةٌ من المتأخّرين، وقدَّمناه(٤) أيضاً عن "مختارات النوازل" و"البدائع"، قال في "الخانيّة "(٥).
(لأنَّ الاقتداء متابعةٌ، ومع الاشتباهِ لا يمكنُهُ المتابعةُ، والذي يُصحِّحُ هذا الاختيارَ ما روينا أنَّ
رسول الله ﴿ ((كان يصلّي في حجرة "عائشة" والناسُ يصلُّون بصلاته))(٦)، ونحن نعلمُ أَنَّهم ما
كانوا متمكِّنين من الوصول إليه في الحجرة)) اهـ.
[٤٩٣١] (قولُهُ: و"مفتاحِ السعادة") في بعض النسخ زيادةُ: ((و"مجمعِ الفتاوى)(٧)،
و "الّصابِ"، و"الخانَةُ"(٨)).
[٤٩٣٢] (قولُهُ: وصحَّ اقتداءُ متوضِّئٍ بمتيمٍِّ) أي: عندهما بناءً على أنَّ الخَلَفيَّةِ(٤) عندهما بين
الآلتين وهما الماء والتراب، والطهارتان سواءٌ، وقال "محمَّدٌ": لا يصحُّ في غير صلاة الجنازة بناءً
(قولُهُ: وقال "محمَّدٌ": لا يصحُّ في غيرِ صلاة الجنازة) أي: فإنّها يجوزُ فيها اقتداء المتوضِّئ بالمتيمِّم
اتّفاقاً كما نقله في "البحر" عن "الخلاصة"، وانظر وجه الجواز على قول "محمَّدٍ"، ولعلَّه أنَّها ليست
بصلاةٍ حقيقةً بل هي دعاءٌ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٦/ب.
(٢) أي: "زاد الفقير" لابن الهمام، كما في "النهر".
(٣) من ((واختار)) إلى ((وعدمه)) ساقط من "آ".
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٤/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) أخرجه البخاري (٧٢٩) كتاب الأذان - باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط، والبيهقي في "السنن الكبرى"
١١٠/٣ كتاب الصلاة - باب صلاة المأموم في المسجد أو على ظهره، وأخرجه أبو داود، مختصراً (١١٢٦) كتاب
الصلاة - باب الرجل يأتم بالإمام وبينهما جدار.
(٧) " مَجْمع الفتاوى": لأحمد بن محمد بن أبي بكر (ت٥٢٢هـ)، ("كشف الظنون ١٦٠٣/٢"، "الأعلام ٢١٥/١").
(٨) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٤/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) في "آ" و"م": ((الخليفة)).
الجزء الثالث
٦٢١
باب الإمامة
لا ماءَ معه (متيمِّمٍ)
على أنَّ الخَلَفيَّة عنده بين الطهارتين، فيلزمُ بناء القويِّ على الضعيف، وتمامُهُ في الأصول، "بحر"(١).
(٩٣٣ ٤] (قولُهُ: لا ماءَ معه) أي: مع المقتدي، أمَّ لو كان معه ماءٌ فلا يصحُّ الاقتداء، وهذا
القيدُ مبنيٌّ على فرعٍ: إذا رأى المتوضِّئُ المقتدي بمتيمٍِّ ماءً في الصلاة لم يره الإمامُ فسدت صلاُهُ؟
الاعتقادِه فسادَ صلاة إمامِهِ لوجود الماء، وعند "زفر" لا تفسُدُ، وينبغي حملُ الفساد على ما إذا ظنَّ
عِلْمَ إمامِهِ به؛ لأنَّ اعتقاده فسادُ صلاة إمامه بذلك، كذا في "الفتح"(٢)، وأقرَّهُ في "الحلبة"(٣)
و "البحر "(٤)، ونازعَهُ في "النهر "(٥)، وتبعَهُ الشيخ "إسماعيل"(٦): ((بأنَّ "الزيلعيّ"(٧) عَلَّلَ البطلانَ
بأنَّ إمامه [١/ق٤٦٦ /ب] قادرٌ على الماء بإخباره)) اهـ. أي: فكان اعتقادُهُ فسادَ صلاة إِمامِهِ مبنياً
على القدرة المذكورة.
وينبغي - كما قال في "الحلبة"(٨) - ((تقييدُ المسألة بما إذا كان تيمُّمُه لفَقْدِ الماءِ، أمَّا لو كان
لعجزِهِ عن استعماله لمرضٍ ونحوه يصحُّ الاقتداءُ مطلقاً؛ لأنَّ وجود الماء حينئذٍ لا يُطِلُ تِيمُّمَهُ)).
( تنبيةٌ )
ذكَرَ في "النهر"(٩) عن "المحيط": ((أَنَّ المراد بالفساد هنا فسادُ الوصف، حتى لو قهقَهَ
٣٩٥/١ المقتدي انتقَضَ وضوءه عندهما خلافاً لـ "محمَّدٍ"(١٠)))، قال: ((وينبغي على ما اختاره " الزيلعيُّ"
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٥/١ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣١٩/١-٣٢٠.
(٣) "الحلبة": فصل في التيمم ١/ق ١٧٣/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٥/١.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٧/أ.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٥٢/ب وما بعدها.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٤٩/١.
(٨) "الحلبة": فصل في التيمم ١/ق ١٧٤/أ.
(٩) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٧/أ.
(١٠) الذي في "النهر": خلافاً لمحمد وزفر.
قسم العبادات
٦٢٢
حاشية ابن عابدين
ولو مع متوضِّئٍ بسؤرِ حمارِ، "مجتبى" (وغاسلٍ بماسحٍ) ولو على جبيرةٍ (وقائمٍ
بقاعدٍ) يركعُ وَيسجُدُ؛ لأَنَّهِ وَّهِ ((صلَّى آخرَ صلَاتِهِ قاعدً وهم قيامٌ و"أبو بكرٍ"
يُبلِّغُهم تكبيرَهُ))، وبه عُلِمَ جوازُ رفعِ المؤذِّنين أصواتَهم في جمعةٍ وغيرها، يعني:
أصلَ الرفع، أمَّا ما تعارفوه في زماننا فلا يبعُدُ أَنَّه مُفسِدٌ؛.
أنْ يبطُلَ الأصلُ أيضاً؛ إذ الفسادُ لفَقْدِ شرطٍ وهو الطهارة)) اهـ. وتقدَّمَ(١) الكلام على ذلك.
[٤٩٣٤] (قولُهُ: ولو مع متوضِّئٍ بسؤرِ حمارٍ) أي: ولو كان المتيمِّمُ جامعاً بين التيمُّمِ والوضوء
بسؤرِ مشكوكٍ فيه، ولا وجه للمبالغة هنا، ومفهومُه أَنَّه لو أدَّها بالوضوء أوَّلاً لم يصحّ الاقتداءُ به
في أدائها ثانياً بالتيمُم وحدَهُ لعدم تحقّقٍ أداءِ الفرض به، أفاده "ط)"(٢).
[٤٩٣٥] (قولُهُ: ولو على جبيرةٍ) الأَولى قوله في "الخزائن)"(٣): ((على خُفٍّ أو
جبيرةٍ))؛ إذ لا وجه للمبالغة هنا أيضاً؛ لأنَّ المسح على الجبيرة أولى بالجواز؛ لأَنَّه كالغَسل
لِما تحته، على أنَّه استبعَدَ في "النهر "(٤) شمولَ ((ماسحٍ)) له، فجعلَهُ مفهوماً بالأَولى، أي:
فيدخلُ دلالةٌ لا منطوقاً، تأمَّل.
[٤٩٣٦] (قولُهُ: وقائمٍ بقاعدٍ) أي: قائمٍ راكعٍ ساجدٍ أومُومٍ، وهذا عندهما خلافا لـ "محمَّدٍ"،
وقَّدَ القاعدَ بكونه يركعُ ويسجد لأَنَّه لو كان مُومياً لم يَحُز اتفاقاً، والخلاف أيضاً فيما عدا النفلَ،
أمَّا فيه فيجوزُ اتفاقاً ولو في التراويح في الأصحِّ كما في "البحر "(٥).
[٤٩٣٧] (قولُهُ: لأَنَّه ◌ِ﴿ إلخ(٦)) الكلامُ على ذلك مبسوطٌ في "الفتح"(٧) و"حاشية نوحٍ"
وغيرهما، والغرضُ لنا معرفة الأحكام.
(١) المقولة [٤٩٠٧] قوله: ((وحينئذ فالأشبه إلخ)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٥٢/١ بتصرف.
(٣) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق١٠٦/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٧/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٧/١.
(٦) أخرجه مسلم (٤١٨) (٩٥) (٩٦) كتاب الصلاة - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، والبيهقي في "معرفة
السنن والآثار" (٥٦٨٢) كتاب الصلاة - باب صلاة الإمام قاعداً من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٧) انظر "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢١/١.
الجزء الثالث
٦٢٣
باب الإمامة
إذ الصياحُ مُلحَقٌ بالكلام، "فتح"
مطلبٌ في رفعِ المبلِّغ صوتَه زيادةً على الحاجة
[٤٩٣٨] (قولُهُ: إذ الصياحُ مُلحَقٌ بالكلام) قال في "الفتح"(١) بعده: ((وسيأتي أَنَّه إذا ارتفَعَ
بكاؤه لمصيبةٍ بَلَغَتْهُ تفسُدُ؛ لأَنَّه تعرُّضٌ لإظهارها، ولو صرَّحَ بها فقال: وامُصيبتاه فسَدَ، فهو
بمنزلته، وهنا معلومٌ [١/ق٤٦٧ /أ] أنَّ قصده إعجابُ الناس به، ولو قال: إِعجَبوا من حُسْن صوتي
وتحريري فيه أفسَدَ، وحصولُ الحروف لازمٌ من التلحين)) اهـ ملخَّصاً.
وأقرَّهُ في "النهر "(٢)، واستحسنه في "الحلبة"(٢) فقال: ((وقد أجادَ فيما أوضَحَ وأفاد)) اهـ.
ولم أر مَن تعقَّبه سوى السيِّدِ "أحمد الحمويِّ" في رسالته "القول البليغ في حكم التبليغ":
((بأَنَّه صرَّحَ في "السِّراج(٤) بأنَّ الإمام إذا جهَرَ فوق الحاجةِ فقد أساء اهـ.
مطلبٌ: القياسُ بعد عصر الأربعمائةِ منقطعٌ، فليس لأحدٍ أن يقيس
والإِساءةُ دون الكراهة، ولا توجبُ الإفساد، وقياسُهُ على البكاء غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ هذا ذكرٌ
بصيغته، فلا يتغيّرُ بعزيمته، والمفسدُ للصلاة الملفوظُ لا عزيمةُ القلب، على أنَّ القياس بعد الأربعمائةِ
منقطعٌ، فليس لأحدٍ بعدها أنْ يقيس مسألةً على مسألةٍ كما ذكره "ابن نجيمٍ)" في رسائله(٥))) اهـ
أقولُ: فيه نظرٌ؛ لأنَّ "الكمال"(٦) لم يجعل الفسادَ مبنيًّاً على مجرَّدِ الرفع حتى يَرِدَ عليه ما في
"السِّراج"، بل بناه على زيادةِ الرفع الملحق بالصِّياح حيث قال: ((فإنّهم يبالغون في الصِّياح زيادةً
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢٢/١.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٧/أ.
(٣) "الحلبة": آداب الصلاة ٢/ق ١٨٩/أ.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٧٤/أ.
(٥) لم نعثر على النقل بعد طول بحث ونظر، ولكن ثمة عبارة قريبة منه في رسالته "تحرير المقال في مسألة الاستبدال"
حيث يقول: ((باب القياس مسدود في زماننا، إنما للعلماء النقل عن أهل مذهبهم من الكتب المعتمدة، كما صرحوا
به)) اهـ صـ٨٧ - والله أعلم، وهذا النقل - من العلامة ابن عابدين عن العلامة ابن نجيم المشتمل على سدٍّ باب
القياس بعد عصر الأربع مئة - مبنيٌّ على مزيدٍ من الورع في الدين يشكر عليه أصحابُهُ، ولا يُوَافَقُون؛ ذلك لأنَّ
القياس من جملة الاجتهاد، وباب الاجتهاد مفتوح بشروطه، في محله، إذا صدر عن أهله، كما هو منصوص في
كتب أصول الفقه، وإغلاقُهُ تعطيلٌ للشريعة، وحجرٌ لرحمة الله تعالى خَلْقَهُ، والأمة الإسلامية اليوم بأشدِّ الحاجة إلى
الاجتهاد، لاسيما فيما يَجدُّ من المسائل، ويحدث من الوقائع مع تطور العلم والصناعات والمخترعات، والله أعلم.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢٢/١.
قسم العبادات
٦٢٤
حاشية ابن عابدين
(وقائمٍ بأحدبَ) وإنْ بَلَغَ حَدَّبُهُ الركوعَ.
على حاجة الإبلاغ، والاشتغال بتحريراتِ النغم إظهاراً للصناعة النغميّة لا إقامةً للعيادة، والصياحُ
ملحقٌ بالكلام))، وقوله: ((وقياسُهُ إلخ)) كلامٌ ساقطٌ؛ لأنَّ ما ذكره قولُ "أبي يوسف"، حيث
بنى عليه عدمَ الفساد فيما لو فَتَحَ المصلِّي على غير إمامه، أو أجاب المؤذِّنَ، أو أُخبِرَ بما يسُرُّه فقال:
الحمدُ لله، أو بما يُعجِبُه فقال: سبحان الله على قصدِ الجواب ونحو ذلك مما سيأتي في مفسدات
الصلاة، والمذهبُ الفسادُ في الكلِّ، وهو قولُهما؛ لأنّه تعليمٌ وتعلُّمٌ في الأُولى، وفيما بقِيَ قد أُخرِجَ
الكلامُ مُخرَجَ الجواب، وهو يحتملُهُ، فإنَّ مناط كونه من كلام الناس عندهما كونُهُ لفظاً أُفِيدَ به
معنىٌ ليس من أعمال الصلاة، لا كونُهُ وُضِعَ لإفادة ذلك، وكونُهُ لم يتغيّرْ بعزيمته ممنوعٌ، ألا ترى
أنَّ الجُنُب إذا قرأ على قصدِ الثناء جاز؟ وقد أوردوا على أصل "أبي يوسف" المذكورِ أشياءَ كما لو
قال: يا يحيى خُذ الكتاب لمن اسمُهُ يحبى وغيرِ ذلك مما سيأتي في محلّهُ(١)، وحيث كان مناطُ
الفساد [١/ق٤٦٧/ب] عندهما كونَ اللفظ أُفِيدَ به معنىًّ ليس من أعمال الصلاة كان ذلك قاعدةً
كُلِّةً يندرجُ تحتها أفرادٌ جزئيَّةٌ منها مسألتنا هذه؛ إذ لا شكَّ أَنَّه إذا لم يقصد الذِّكرَ، بل بالَغَ في
الصِّيَاح لأجلِ تحرير النغم والإعجاب بذلك يكونُ قد أفاد به معنىً ليس من أعمال الصلاة،
ولا يكون ذلك من القياس، بل هو تصريحٌ بما تضمَّنَهُ كلام المجتهد، أو دلَّ عليه دلالةَ المساواة،
فالحقُّ ما قاله المحقّق "ابن الهمام" ومَنْ تابعَهُ من الأعلام كما بسطتُ ذلك قديماً في رسالةٍ سَمَّيتها
"تنبيه ذوي الأفهام على حكم التبليغ خلف الإمام"، فافهم، وقدَّمنا(٢) مسائلَ متعلّقةً بالتبليغ أيضاً
في أوَّلِ بحث سنن الصلاة فراجعها.
[٤٩٣٩] (قولُهُ: وقائمٍ بأحدبَ) القائمُ هنا أيضاً صادقٌ بالراكع الساجد وبالمومي، "ح"(٣).
وفيه عن "القاموس"(٤): ((والحدَبُ: خروجُ الظهر ودخولُ الصَّدْر والبطن، من باب فَرِحَ)) اهـ.
(١) المقولة [٥٢٥١] قوله: ((كل ما قصد به الجواب)).
(٢) المقولة [٤٠٤٤] قوله: ((بقدر حاجته للإعلام إلخ)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٣/ب.
(٤) "القاموس": مادة ((حدب)).
الجزء الثالث
٦٢٥
باب الإمامة
على المعتمد، وكذا بأعرجَ، وغيرُهُ أَولى (ومُومٍ بمثلِهِ) إلاَّ أنْ يُومِئَ الإِمامُ مضطجعاً،
والمؤتَمُّ قاعداً أو قائماً، هو المختارُ (ومتنفّلِ بمفترضٍ.
[٤٩٤٠] (قولُهُ: على المعتمدِ) هو قولُهما، وبه أخَذَ عامَّة العلماء خلافاً لـ "محمَّدٍ"، وصحَّحَ في
"الظهيريَّةِ"(١) قوله، ولا يخفى ضعفُهُ، فإنَّه ليس أدنى حالاً من القاعد، وتمامُهُ في "البحر"(٢).
[٤٩٤١] (قولُهُ: وغيرُهُ أَولى) مبتدأ وخبرٌ، أي: غيرُ الأعرجِ كما في "البحر"(٣)، وغيرُ خافٍ
أنَّ هذا الحكم لا يخصُّ الأعرجَ، بل غيرُ كلٍّ من المتيمِّم والقاعد والأحدبِ كذلك، "ح (1).
[٤٩٤٢] (قولُهُ: ومُومٍ بمثِهِ) سواءٌ كان الإِمامُ يومي قائماً أو قاعداً، البحر "(٥).
(٤٣ ٤٩] (قولُهُ: إلاَّ أنْ يوميَ إلخ) فإنّه لا يجوزُ لقوّة حال المأموم، "بحر "(٦).
[٤٩٤٤] (قولُهُ: ومتفّلٍ بمفترضٍ) لا يقال: النفلُ يغايرُ الفرض؛ لأنَّ النفل مطلقٌ والفرضَ
مقَيَّدٌ، والمطلقُ جزءُ المقيَّدِ فلا يغايرُه، "شرح المنية(٧). والقراءةُ في الأخريين وإنْ كانت فرضاً في
النقل ونفلاً في الفرض إلاَّ أنَّ صلاته بالاقتداء أخذت حكمَ الفرض تبعاً لصلاة الإمام، ولذا لو
أفسَدَها بعد الاقتداء يقضيها أربعاً كما قدَّمناه(٨) عن "النهاية".
( تنبيةٌ )
قال "القُهُستانيُ)(٩): ((وفي قوله: ومنتنفِّل مفترض إشارةٌ إلى أنَّه لا تكرهُ جماعة النفل إذا أدَّى
الإِمامُ الفرضَ والمقتدي النفلَ، وإنما المكروهُ ما إذا [١/ق٤٦٨ /أ] أدَّى الكلُّ نقلاً)) اهـ.
٣٩٦/١
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الرابع فيمن يصحُّ الاقتداء به وما يتعلَّق بالإمامة ق ٢٠/ب.
(٢) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٧/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٧/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٣/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٧/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٧/١.
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٧ -.
(٨) المقولة [٤٨٩٠] قوله: ((في شفع أول أو ثان)).
(٩) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام ١٠٨/١.
قسم العبادات
٦٢٦
حاشية ابن عابدين
في غيرِ التراويحِ) في الصحيح، "خانَّة"
قلت: ويدلُّ له ما مرَّ(١) في حديثِ "معاذٍ".
[٤٩٤٥] (قولُهُ: في غيرِ التراويحِ) أمَّا فيها فلا يصحُّ الاقتداء بالمفترض على أنَّها تراويحُ، بل
يصحُّ على أنَّها نقلٌ مطلقٌ، "ح"(٢).
[٤٩٤٦] (قولُهُ: في الصحيحِ، "خانَّة") أقول: ذكَرَ ذلك في "الخانَّة"(٣) في باب صلاة
التراويح فقال: ((إِنْ نوى التراويحَ أو سنةَ الوقت أو قيامَ الليل في رمضانَ جاز، وإنْ نوى الصلاةَ
أو صلاة التطوُّع اختلَفَ المشايخ فيه كاختلافهم في سنن المكتوبات، قال بعضهم: يجوزُ أداءُ السنن
بذلك، وقال بعضهم: لا يجوزُ، وهو الصحيح؛ لأَنّها صلاةٌ مخصوصةٌ، فيجبُ مراعاة الصفة
للخروج عن العهدة، وذلك بأنْ ينويَ السنَّة أو متابعةَ النبي ﴿ كما في المكتوبة، فعلى هذا إذا
صلَّى التراويحَ مقتدياً بمن يصلّي المكتوبة أو بمن يصلِّي نافلةً غيرَ التراويح اختلفوا فيه، والصحيحُ أنّه
لا يجوزُ)) اهـ. ومثلُهُ في "الخلاصة"(٤) و"الظهيريَّةِ" (٥).
واستشكَّلَ في "البحر "(٦) قولَهُ: ((مقتدياً بمن يصلّي المكتوبة)): ((بأنّه بناءُ الضعيف على
القويِّ))، أي: ومقتضاه الجوازُ، وأجاب في "الشرنبلاليّة"(٧): ((بأنَّ ذلك ليس في عبارة
"الخانَيَّة")).
قلت: وكأنَّه ليس في نسخته لإسقاط الكاتب، وإلاَّ فقد رأيتُهُ فيها، وأجاب أيضاً: ((بأنَّ
المراد من نفى الجواز نفيُ الكمال)).
(١) صـ٥٩٥- "در".
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٨٣/ب بتصرف يسير.
(٣) "الخانية": كتاب الصيام ٢٣٦/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في التراويح ق ٢١/ب، وعبر فيه بـ((الأصح)) بدل ((الصحيح)) والله أعلم.
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السابع - الفصل الأول في التراويح ق٤٣/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٨/١.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٨٧/١ (هامش "الدرر والغرر").
الجزء الثالث
٦٢٧
باب الإمامة
وكأنَّه لأَنَّها سنّةٌ على هيئةٍ مخصوصةٍ، فيُراعَى وضعُها الخاصُّ للخروج عن العُهدة.
(فروعٌ) صحَّ اقتداءُ متنقّلٍ متنقّلٍ، ومَن يرى الوترَ واجباً بِمَن يراهُ سنَّةً، ومَن اقتدى
في العصر.
أقولُ: ولا يخفى بُعدُه، بل الجوابُ أَنَّه بنى تصحيحَ عدم الجواز على القول باشتراط نيّةٍ
التعيين في السنن الرَّواتب والتراويح كما هو صريحُ قوله: ((فعلى هذا إلخ))، ولا يخفى أنَّ الإِمام
حيث كان مفترضاً أو متنقّلاً نفلاً آخرَ لم توجدْ منه نَّة التراويح، فلا تتأدَّى بنيّته وإِنْ عِيَّنَها
المقتدي كما صرَّحَ به العلاَّمة "قاسمٌ" في "فتاواه"، وعلى هذا باقي سننِ الرواتب، لا يصحُّ الاقتداء
بها بمفترضٍ أو بمتنقّلٍ نفلاً آخر، فالظاهر أنَّ تخصيص التراويح بالذّكر في غير محلِّه، وإنما خصَّصَها
في "الخانيّة" لكون الباب معقوداً لها، تأمَّل.
ثُمَّ اعلم أنَّ ما ذكرَهُ "المصنّف" هنا مخالفٌ لِما قدَّمَهُ(١) في شروط الصلاة بقوله:
[١ /ق٤٦٨ /ب] ((وكفى مطلقُ نَيَّةِ الصلاة لنفلِ وسنّةٍ وتراويحَ))، وذكَرَ "الشارح" هناك: أنّه
المعتمدُ، ونقلنا هناك(٢) عن "البحر": ((أَنَّه ظاهرُ الرواية، وقولُ عامَّة المشايخ))، وصحَّحَهُ في
"الهداية" وغيرها، ورجَّحَهُ في "الفتح"، ونسبَهُ إلى المحقّقين.
قلت: فعلى هذا يصحُّ الاقتداء في التراويحِ وغيرها مفترضٍ وغيره، ومثلُها سائرُ السنن
الرواتب كما تفيدُه عبارة "الخانيَّة"، تأمّل.
[٤٩٤٧] (قولُهُ: وكأنّه لأَنّها سنّةٌ إلخ) تابَعَ في ذلك "المصنّفَ" في "منحه"(٣)، وتقدَّمَ (٤) هذا
التعليلُ في كلام "الخانَيَّة" على أنَّه علٌّ لاشتراطِ نَيَّةِ التعيين في التراويح وغيرِها من السنن، ومفهومُ
كلامه أنَّه أراد بمراعاةِ الصفة تعيينَها لقوله: ((بأنْ ينويَ السنّةً أو متابعةَ النبي {ٌ))، فافهم.
[٤٩٤٨] (قولُهُ: بِمَن يراه سنّةٌ) أي: بشرطِ أنْ يصلَّه بسلامٍ واحدٍ؛ لأنَّ الصحيح اعتبارُ رأيٍ
(١) صـ ٦١ - "در".
(٢) المقولة [٤٢٥٣] قوله: ((على المعتمد)).
(٣) "المنح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٤٦/أ بتصرف يسير.
(٤) المقولة [٤٩٤٦] قوله: ((في الصحيح، "خانية")).
قسم العبادات
٦٢٨
حاشية ابن عابدين
وهو مقيمٌ بعد الغروب بمَن أحرَمَ قبله للأِّحاد.
(وإذا ظهَرَ حدثُ إمامِهِ).
المقتدي، وعلى مقابله يصحُّ مطلقاً، وبقي قولٌ ثالثٌ، وهو أنّه لا يصحُّ مطلقاً، وتمامُهُ في "ح"(١).
[٤٩٤٩] (قولُهُ: وهو مقيمٌ) لأَنَّه لو كان مسافراً لا يصحُّ اقتداؤه بعدَ خروج الوقت بمقيمٍ في
الرباعيَّة، وقولُهُ: ((بعد الغروب)) ظرفٌ لـ ((اقتدى))، وقولُهُ: ((بِمَن)) متعلّقٌ بـ ((اقتدى))، وقوله:
((أحرَمَ قبله)) أي: قبل الغروب مقيماً كان أو مسافراً. اهـ "ح"(٢).
ونظيرُ هذا مَنْ يقتدي في الظهر معتقداً قولَ الصاحبين من يصلِّه معتقداً قولَ الإمام،
ولا يضرُّ التخالفُ بالأداء والقضاء، ط"(٣).
[٤٩٥٠] (قولُهُ: للاتحاد) أي: اتحادِ صلاة الإمام مع صلاة المقتدي في الصور الثلاث، أمَّا في
الأُولى فظاهرٌ، وأمَّ في الثانية فلأنَّ ما أتى به كلُّ واحدٍ منهما هو الوترُ في نفس الأمرِ، واعتقادُ
أحدِهما سنّه والآخرِ وجوبَه أمرٌ عارضٌ لا يوجبُ اختلافَ الصلاتين، وأمَّ الثالثةُ فلأنَّ(٤) كلاًّ
منهما عصرُ يومٍ واحدٍ، نعم صلاةُ الإمام أداءٌ حيث أحرَمَ قبل الغروب، وصلاةُ المقتدي قضاءٌ
حيث أحرَمَ بعده، وهذا القَدْرُ من الاختلاف لا يمنعُ الاقتداء، ألا ترى أنَّه يصحُّ الأداءُ بنَّة القضاء
وبالعكس؟ "ح"(٥).
[٤٩٥١] (قولُهُ: وإذا ظهَرَ حدثُ إمامِهِ) أي: بشهادةٍ [١/ق ٤٦٩/أ] الشهود أنَّه أحدَثَ
وصلَّى قبل أنْ يتوضَّأ، أو بإخباره عن نفسه وكان عدلاً، وإلاَّ نُدِبَ كما في "النهر"(٦) عن
!! (٧)
"السِّراج"
(١) انظر "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٤/أ.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٤/أ بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٥٣/١.
(٤) من ((ما أتى به)) إلى ((فلأن)) ساقط من "آ".
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٤/أ.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٧/أ بتصرف.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٠٣/أ بتصرف.
الجزء الثالث
٦٢٩
باب الإمامة
وكذا كلُّ مُفسِدٍ في رأىٍ مقتدٍ (بِطَلَتْ فليزمُ إعادتها) لتضمُّنِها صلاةَ المؤتَمِّ صحَّةً
وفسادًا (كما يلزمُ الإِمامَ إخبارُ القوم إذا أَمَّهم.
[٤٩٥٢] (قولُهُ: وكذا كلُّ مُفسدٍ في رأىٍ مقتدٍ) أشارَ إلى أنَّ الحدث ليس بقيدٍ، فلو قال
"المصنّف" - كما في "النهر"(١) -: ((ولو ظهَرَ أنَّ بإمامِهِ ما يمنعُ صحَّةً الصلاة)) لكان أولى؛
ليشملَ ما لو أُخَلَّ بشرطٍ أو ركنٍ، وإلى أنَّ العبرة برأي المقتدي، حتى لو عَلِمَ من إمامِهِ ما
يعتقدُ أَنّه مانعٌ والإِمامُ خلافَهُ أعادَ، وفي عكسه لا إذا كان الإِمامُ لا يعلمُ ذلك، ولو اقتدى
بآخرَ، فإذا قطرةُ دمٍ وكلٌّ منهما يزعمُ أنَّها من صاحبه أعاد المقتدي لفسادٍ صلاته على كلِّ
حالٍ كما في "النهر"(٢) عن "البزَّازِيَّةِ"(٣).
[٤٩٥٣] (قولُهُ: بطلَتْ) أي: تبيَّنَ أنَّها لم تنعقد إنْ كان الحدثُ سابقاً على تكبيرة الإِمام، أو
مقارناً لتكبيرة المقتدي، أو سابقاً عليها بعد تكبيرة الإِمام، وأمّا إذا كان متأخراً عن تكبيرة المقتدي
فإنَّها تنعقدُ أوَّلاً، ثم تبطلُ عند وجود الحدث، "ح(٤).
[٤٩٥٤] (قولُهُ: فيلزمُ إِعادتُها) المرادُ بالإِعادة الإتيانُ بالفرض بقرينةِ قوله: ((بطلت))،
لا المصطلحُ عليها، وهي الإتيانُ بمثل المؤدَّى لخللٍ غيرِ الفساد.
[٤٩٥٥] (قولُهُ: لتضمُّنِها) أي: تضمُّنِ صلاة الإمام، والأولى التصريحُ به، وأشارَ به إلى
حديثٍ: ((الإِمامُ ضامنُ))(٥)؛ إذ ليس المرادُ به الكفالةَ بل التضمُّنَ، بمعنى أنَّ صلاة الإمام متضمّنةٌ
٣٩٧/١
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٧/ب.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٧/ب.
(٣) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل فيما يفسد وما لا يفسد ٤٨/٤ بتصرف. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٤/أ.
(٥) أخرجه أحمد ٢٨٤/٢ و٤١٩ و٤٢٤ و٤٦١ و٤٦٤، وعبد الرزاق في "المصنف" (١٨٣٩)، والطيالسي (٢٤٠٤)،
وأبو داود (٥١٧) كتاب الصلاة - باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت، والترمذي (٢٠٧) كتاب الصلاة -
باب ما جاء أنَّ الإِمام ضامن والمؤذن مُؤْتَمَن، وابن خزيمة (١٥٢٨) كتاب الصلاة - باب ذكر دعاء النبي صَلّ للأئمة
بالرَّشَاد، والطبراني في "الصغير" ١٠٧/١ و١٣/٢، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤٣٠/١ كتاب الصلاة - باب
فضل التأذين على الإمامة و١٢٧/٣ باب المسافر يؤم المقيمين، والبزار (٣٥٧)، وابن حبان (١٦٧٢) كتاب الصلاة
- باب الأذان. كُلُّهم من حديث أبي هريرة ◌َيُّه، وفي الباب عن عائشة، وسهل بن سعد، وعقبة بن عامر ضي ◌ّته.
قسم العبادات
٦٣٠
حاشية ابن عابدين
وهو محدثٌ أو جُنُبٌ) أو فاقدُ شرطٍ أو ركنِ،
لصلاة المقتدي، ولذا اشتُرِطَ عدمُ مغايرتِهما، فإذا صحَّتْ صلاة الإمام صحَّتْ صلاة المقتدي إلا
لمانعٍ آخرَ، وإذا فسدت صلاتُه فسدت صلاةُ المقتدي؛ لأَنَّه متى فسَدَ الشيءُ فسد ما في ضمنه.
مطلبٌ: المواضعُ التي تفسُدُ فيها صلاةُ الإمام دون المؤتَمِّ
[٤٩٥٦] (قولُهُ: وهو مُحدِثٌ إلخ) أي: في اعتقاده، أمّا لو كان حدثُّهُ ونحوه على اعتقادِ
المقتدين لا يلزمُهُ الإخبار، نعم في "التتار خانيّة"(١) عن "الحجَّة": ((ينبغي للإمام أنْ يحترزَ عن
ملامسةِ النساء ومواضعِ الاختلاف ما استطاعَ)) اهـ.
[٤٩٥٧] (قولُهُ: أو فاقدُ شرطٍ) عطفُ عامٍ على خاصٍّ، قال في "الإمداد"(٢): ((وقَّدنا
ظهورَ البطلانِ بفواتِ شرطٍ أو ركنٍ إشارةً إلى أنَّه لو طرّاً المفسدُ لا يعيد المقتدي صلاتَهُ، كما
لو ارتَدَّ الإِمامُ، [١/ق٤٦٩ /ب] أو سعى إلى الجمعة بعدَما صلَّى الظهر بجماعةٍ وسعى هو
دونَهم فسدت صلاته فقط كما في "العناية"(٣)، وكذا لو عادَ إلى سجود التلاوة بعدَما تفرَّقوا
کما سنذ کرُه)) اهـ.
قلت: ومثلُهُ ما سنذكرُهُ(٤) في المسائل الاثني عشريَّةَ: لو سلَّمَ القوم قبل الإمام بعدَما قعَدَ قَدْرَ
التشهُّد، ثم عرَضَ له واحدٌ منها فإنَّها تبطلُ صلاتُه وحده، وكذا إذا سجَدَ هو للسهو ولم يسجد
القومُ، ثم عرَضَ له ذلك كما في "البحر"(٥)، فهذه جملةُ مسائلَ تفسُدُ فيها صلاة الإمام مع صحَّةٍ
صلاة المؤتَمِّ، ولا تنتقضُ القاعدة السابقة بذلك؛ لأنَّ هذا الفسادَ طارئٌ على صلاة الإمام بعد
فراغ الإمامة، فلا إمامَ ولا مؤتَمَّ في الحقيقة، والله أعلم.
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس فيمن هو أحقُّ بالإمامة ٦٠٤/١ بتصرف.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق١٦٥/أ.
(٣) لم نعثر عليها في المطبوعة التي بين أيدينا من "العناية".
(٤) المقولة [٥١٠٨] قوله: ((ولو بعده بطلت)).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ٤٠٠/١ بتصرف يسير.
١.
الجزء الثالث
٦٣١
باب الإمامة
وهل عليهم إعادتها؟ إنْ عَدْلاً نعم، وإلاَّ نُدِبَتْ، وقيل: لا؛ لفسقِهِ باعترافه، ولو
زعَمَ أَنَّه كافرٌ لم يُقبَلْ منه؛ لأنَّ الصلاة دليلُ الإسلام، وأُجبرَ عليه.
[٤٩٥٨] (قولُهُ: وهل عليهم إعادتُها إلخ) أي: لو ظهَرَ بطلانُها بإخباره، وهذا تفصيلٌ لقول
"المصنّف": ((فيلزمُ إعادتها)).
[٤٩٥٩] (قولُهُ: وقيل: لا لفِسْقه) أي: وخبرُ الفاسق غيرُ مقبولٍ في الدِّيانات، وهو محمولٌ
على ما إذا كان عامداً كما يشيرُ إليه قولُهُ: ((باعترافه))، وقولُهُ في "النهر"(١) عن "البزَّازِيَّةَ"(٢):
((وإن احتملَ أَنَّه قال ذلك تورُّعا أعادوا)).
[٤٩٦٠] (قولُهُ: لأنَّ الصلاة دليلُ الإسلام) أي: دليلٌ على أنَّه كان مسلماً، وأنّه كَذَبَ بقوله:
إنّه صلَّى بهم وهو كافرٌ، وكان ذلك الكلامُ منه رِدَّةً، فُيُحَبَرُ على الإسلام، ولا ينافي ذلك ما مرَّ(٣)
أوَّلَ كتاب الصلاة من أنَّه لا يُحكَمُ بإسلامه بالصلاة إلاَّ إذا صلأَّها في الوقت مقتدياً متممّاً،
بخلاف ما إذا صلَّها إماماً أو منفرداً؛ لأنَّ ذاك في الكافر الأصليِّ المعلومِ كفرُه، وما هنا ليس
كذلك، فإنَّ مَنْ جَهَلْنَا حَلَهُ نشهدُ له بالإسلام إذا استقبَلَ قِبلتنا كما في الحديث(٤)، بل مجرَّدٍ
(قولُهُ: وهذا تفصيلٌ لقولِ "المصنّف": فيلزمُ إعادتها) الظاهرُ أَنَّه تقييدٌ لكلامه لا تفصيلٌ؛ إذ مقتضى
اللّزُومِ الوجوبُ حتَّى في خبر الفاسق، إلاَّ أن يُحمَلَ اللزومُ على ما يشمل طلبَ الندب، لكنّه خلاف المتبادر.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٧/ب.
(٢) "البزازية": كتاب الصلاة - الإمامة والاقتداء ٥٤/٤ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٣١٣٥] قوله: ((ويحكم بإسلام فاعلها إلخ)).
(٤) أخرجه البخاري (٣٩١) كتاب الصلاة - باب فضل استقبال القبلة، والنسائي ١٠٥/٨ كتاب الإيمان - باب صفة المسلم،
والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣/٢ كتاب الصلاة - باب فرض القبلة وفرض استقبالها. من حديث أنس ر ◌ُه قال: قال
رسول الله صلّ: ((مَنْ صَلّى، صَلاَتَنَا واستقبلَ قِبْلَتنا، وأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فذلك المُسلِمُ الذي له ذِمّةُ اللـه وذِمّةُ رسوله، فلا
تُخْفِرُوا اللهَ في ذِمّته)) واللفظ للبخاري، وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وجندب رضي الله عنهما.
٠٠٠
قسم العبادات
٦٣٢
حاشية ابن عابدين
(بالقدْرِ الممكنِ) بلسانِهِ أو (بكتابٍ أو رسولِ على الأصحِّ) لو معيَّنين، وإلاّ
لا يلزمُهُ، "بحر"(١) عن "المعراج". وصحَّحَ في "مجمع الفتاوى" عدمَهُ مطلقاً لكونِهِ
عن خطأٍ معفوٌ عنه، لكنَّ الشروح مرجَّحةٌ على الفتاوى.
(وإذا اقتَدَى أَمِّيٌّ وقارئٌ بأمِّيِّ)
إلقاء السلام كما في الآية، ولذا قال: ((لأنَّ الصلاة دليلُ الإسلام))، ولم يقل: لأَنَّه صار بها
مسلماً، فافهم.
[٤٩٦١] (قولُهُ: بالقدْرِ الممكنِ) متعلّقٌ بـ ((إخبارُ))، وقولُهُ: ((على الأصحِ)) متعلّقٌ
بـ ((يلزمُ)).
[٤٩٦٢] (قولُهُ: لو معيَّنين) أي: معلومين، وقال "ح(٢): ((وإِنْ تَعَّنَ بعضُهم لزِمَهُ إخبارُه)).
[٩٦٣ ٤] (قولُهُ: وإلاّ) أي: وإنْ لم يكونوا معيّنِينَ كلَّهم أو بعضُهم لا يلزمُه.
[٤٩٦٤] (قولُهُ: وصحَّحَ [١/ق ٤٧٠/أ] في "مجمع الفتاوى") وكذا صحَّحَهُ "الزاهديُّ" في
"القنية"(٣) و"الحاوي" وقال: ((وإليه أشار "أبو يوسف")).
[٤٩٦٥] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان الفسادُ مختلفاً فيه أو متَّفقاً عليه كما في "القنية" (٤)
و"الحاوي"، فافهم.
[٤٩٦٦] (قولُهُ: لكونِهِ عن خطأٍ معفوٍّ عنه) أي: لأَنَّه لم يتعمَّدْ ذلك، فصلانُهُ غيرُ صحيحةٍ
ويلزمُه فعلها ثانياً لعلمه بالمفسد، وأمَّا صلاتُهم فإِنَّها وإنْ لم تصحَّ أيضاً لكنْ لا يلزمُهم إعادتها
لعدم علمهم، ولا يلزمُهُ إخبارُهم لعدم تعمُّده، فافهم.
[٤٩٦٧] (قولُهُ: لكنَّ الشروحَ إلخ) أي: كـ "المعراج"، فإنَّه شرحُ "الهداية"، ونقلَهُ
(قولُهُ: أي: لأَنَّه لم يتعمَّد ذلك، فصلاتُهُ غيرُ صحيحةٍ إلخ) قال "السنديُّ" ما ملخّصُهُ: ((أنَّ "عمر"
لَمَّا رأى الاحتلامَ في ثوبه اغتسَلَ وغسَلَ الاحتلامَ، ولم يذكر أنَّه أخبَرَ الناس، وعزا الأثرَ لـ "الموطّا")) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٨/١ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٤/ب.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمامة ق١٧/ب.
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمامة ق١٧/ب.
الجزء الثالث
٦٣٣
باب الإمامة
تفسُدُ صلاةُ الكلِّ؛ للقدرةِ على القراءة للاقتداء بالقارئ، سواءٌ عَلِمَ به أوْ لا، نواه
أوْ لا على المذهب (أو استخلَفَ الإِمامُ أُمِّياً في الأُخريين) ولو في التشهُّد، أمَّا بعدَهُ
فتصحُّ لخروجِهِ بصنعه (تفسُدُ صلاتُهم) لأنَّ كلَّ ركعةٍ صلاةٌ، فلا تخلو عن القراءة
في "البحر"(١) أيضاً عن "المجتبى شرحِ القدوريِّ" لـ "الزاهديِّ"، تأمَّل.
[٤٩٦٨] (قولُهُ: تفسُدُ صلاةُ الكلِّ) أي: عنده، وعندهما صلاةُ القارئ فقط؛ لأنَّه تاركُ فرضِ
القراءة مع القدرة، وله: أنَّ الأَمَِّينِ أيضاً تركاها مع القدرة عليها؛ إذ كانا قادرين على تقديم
القارئ حيث حصَلَ الاتّفاق في الصلاة والرغبةُ في الجماعة، "شرح المنية"(٢). وأشار بقوله:
((نفسُدُ)) إلى ما قيل: إنَّ القارئ صحَّ شروعه في صلاة الإِمام، وإذا جاء أوانُ القراءة تفسُدُ،
وصحَّحَ في "الذخيرة" عدمَه، فلا تنتقضُ طهارته بالقهقهةِ، وتمامُهُ في "الزيلعيِّ"(٣) و"البحر "(٤).
[٤٩٦٩] (قولُهُ: على المذهبٍ) وجهُهُ أنَّ الفرائض لا يختلف فيها الحالُ بين العلم والجهل،
"بحر"(٥). وإذا لم يُشترَط العلمُ فالنَّةِ أَولى، "زيلعي"(٦).
[٤٩٧٠] (قولُهُ: في الأخريين) أي: سواءٌ قرأ في الأوليين، أو في إحداهما، أوْ لا ولا، وفي
الأُولى خلافُ "زفر" وروايةٌ عن "أبي يوسف"، والأخيرتان اتفاقاً كما لو استخلفَهُ في الأوليين،
ذكره "ح(٧) في الباب الآتي.
. [٤٩٧١] (قولُهُ: لخروجهِ بصنعه) وهو الاستخلافُ، وهو الصحيح، وقيل: تفسُدُ عنده، وهي
من الاثني عشريَّةً، "ح"(٨) عن "العناية"(٩).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٨/١.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥٢٠- بتصرف يسير.
(٣) انظر "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٤٤/١.
(٤) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٨/١ وما بعدها.
(٥) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٩/١.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٤٤/١.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب الاستخلاف ق٨٧/ب.
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٤/ب.
(٩) "العناية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢٨/١. (هامش "فتح القدير").
قسم العبادات
٦٣٤
حاشية ابن عابدين
ولو تقديراً (وصحَّتْ لو صلَّى كلٌّ من الأمِّيِّ والقارئ وحدَهُ) في الصحيح (بخلافٍ
حضورِ الأَمِّيِّ بعد افتاح القارئ إذا لم يَقْتَدِ به وصلَّى منفرداً.
[٤٩٧٢] (قولُهُ: ولو تقديراً) أي: ولا تقديرَ في حقِّ الأَمِّيِّ لانعدام الأهليّة، فقد استخلَفَ مَنْ
لا يصلُحُ للإمامة ففسدت صلاتهم، أمَّا صلاة الإِمام فلأَنَّه عملٌ كثيرٌ، وصلاةُ القوم مبنيّةٌ
عليها، "بحر"(١).
(٤٩٧٣] (قولُهُ: وصحَّتْ إلخ) محترزُ قوله: ((وإذا اقتدى إلخ))، واحترَزَ بـ ((الصحيحِ)) عن
قول "أبي حازم)"(٢): لا تجوزُ صلاة الأُمِّيِّ قياساً على المسألة [١/ق٤٧٠/ب] الأُولى لقدرته على
القراءة بالاقتداء بالقارئ، وصحَّحَ في "الهداية"(٣) الأوَّلَ وقال: ((لأَنَّه لم يظهرْ منهما رغبةٌ في
الجماعة)) اهـ.
وحاصلُهُ: أَنَّه إنما تُعتَبَرُ قدرته على القراءة بالاقتداء حيث ظهرتْ منهما رغبةٌ في الجماعة
كما أشار إليه في "الكفاية"(٤)، وظاهرُه أَنَّه لا بدَّ من الرغبة من كلٌّ منهما، حتى لو حصلتْ من
٣٩٨/١ أحدِهما لا تكفي، وبه اندفَعَ ما في "ح"(٥): ((من أنَّ ما ذكرَ عن "الهداية" يقتضي أنَّه لو اقتدى
أمِّيٌّ بمثله، وصلَّى قارئٌ وحده لا تصحُّ صلاةُ الأَمِين لظهور رغبتهما في الجماعة)) اهـ.
ويدفعُهُ أيضاً ما في "الفتح"(٦) عن "الكافي"(٧): ((إذا كان بجواره قارئٌ ليس عليه طلبُهُ
وانتظارُه؛ لأَنّه لا ولايةَ له عليه ليُلزِمَه، وإنما تثبتُ القدرة إذا صادَقَهُ حاضراً مطاوعاً)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٨٩/١.
(٢) كذا ((بالحاء)) في النسخ جميعها، وهو في أكثر كتب التراجم: أبو خازم - بالخاء - عبد الحميد بن عبد العزيز
البصريّ البغداديّ (ت٢٩٢هـ). ("الجواهر المضية" ٣٦٦/٢، "الفوائد البهية" صـ ٨٦-).
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٥٨/١.
(٤) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢٧/١. (هامش "فتح القدير").
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٨٤/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢٨/١.
(٧) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٣٣/ب.
الجزء الثالث
٦٣٥
باب الإمامة
فإنَّها تفسُدُ في الأصحِّ لِما مرَّ.
وفي "شرح المنية"(١) عن "المحيط"(٢): ((إذا كان القارئُ على باب المسجد أو بحوارِ
المسجد، والأمِّيُّ في المسجد يصلِّي وحده جازت بلا خلافٍ، وكذا إذا كان القارئُ في صلاةٍ غيرِ
صلاةِ الأُمِّيِّ جازت، ولا ينتظرُ فراغَ القارئ بالاتّفاق، أمَّا لو كان كلٌّ منهما في ناحيةٍ من المسجد
وصلاتُهما متوافقةٌ فذكَرَ القاضي "أبو حازم": أَنَّه لا يجوزُ، وفي روايةٍ: يجوزُ؛ لأَنَّه لم يظهر من
القارئ(٣) رغبةٌ في أداء الصلاة بالجماعة)) اهـ.
فإذا رَغِبَ الأَمِّيُّ في الجماعة دون القارئ لا يلزمُهُ طلبه، فيصلِّي وحده، أو يقتدي بأمِّيٌّ آخرَ
راغبٍ؛ لأَنّه لا بدَّ من رغبة القارئ أيضاً على هذه الرواية الثانية، وهي التي مرَّ(٤) تصحيحُها عن
"الهداية"، فافهم.
واعلم أنَّ ما صحَّحَهُ "الشارح" هنا مخالفٌ لِما مرَّ(٥) له في الألتغ من أنَّه متى أمكنَهُ الاقتداءُ
لزِمَهُ، فتأمَّل.
[٤٩٧٤] (قولُهُ: فإنَّها تفسُدُ في الأصحِّ لِما مرَّ(١)) أي: من قوله: ((للقدرة على القراءة
بالاقتداء بالقارئ))، وتصحيحُ هذه المسألةِ ذكرَهُ في "النهاية"، وهو مخالفٌ لِما قبله الذي صحَّحَهُ
في "الهداية"(٧)، فإنَّ ما قبله شاملٌ لِما إذا شَرَعا معاً، أو افتَحَ الأَمِّيُّ أَوَّلاً ثم القارئُّ أو بالعكس،
ووفّقَ في "الفتح "(٨) بحمل ما في "الهداية" على الصورة الأولى والثانية من هذه الثلاثِ، وفيه نظرٌ،
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥٢٠- باختصار.
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - بيان من هو أحقُّ بالإمامة ١/ق ٦٥/أ بتصرف.
(٣) عبارة "المحيط": فقد ذكر أبو حازم أنّ على قياس قول أبي حنيفة لا يجوز، وهو قول مالك، ولئن سلمنا أنه يجوز
فوَجْهُ تخريجه أنه لم يظهر من القارئ إلخ)).
(٤) في المقولة نفسها.
(٥) صـ ٦٠٣ - "در".
(٦) صـ٦٣٣ - "در".
(٧) المقولة [٤٩٧٣] قوله: ((وصحت إلخ)).
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٢٧/١ - ٣٢٨.
قسم العبادات
٦٣٦
حاشية ابن عابدين
فإنَّ تعليل "الهداية" بعدم [١/ق ٤٧١/أ] ظهور الرغبة في الجماعة يشملُ صورة العكس
أيضاً، فيخالفُ ما في "النهاية" المبنيَّ على اعتبار القدرة على القراءة بالاقتداء وإنْ لم تظهر
منهما الرغبةُ في الجماعة.
ويظهرُ لي أنَّ هذا مبنيٌّ على قول القاضي "أبي حازمٍ"، وذَكَرَ العلاَّمة "نوح أفندي" بعد
كلامٍ: ((أقولُ: الذي تحصَّلَ لنا من هذا كلِّه أنَّ بعض العلماء ذهبوا إلى أنَّ الموجبَ لفساد صلاة
الأمِّيِّ تركُ القراءة مع القدرة عليها بعد ظهور الرغبة في الجماعة، وإليه جنَحَ صاحب "الهداية"
ومَنْ حذا حَذْوَهُ، وأنَّ بعضهم ذهبوا إلى أنَّ الموجِبَ لفسادها تركُ القراءة مع القدرة عليها بالاقتداء
بالقارئ، سواءٌ ظهرت الرغبةُ في صلاة الجماعة أوْ لا، وإليه مالَ صاحب "النهاية" ومَنْ نحا نحوَهُ،
والتحقيقُ الأوَّلُ الذي في "الهداية"، ولهذا انحَطَّ كلامُ أكثرِ العلماءِ عليه)).
مطلبٌ: الأخذُ بالصحيح أَولى من الأصحِّ
ثم أَيَّدَهُ بما مرَّ(١) في صدر الكتاب عن "شرح المنية": ((من أنَّ الأخذ بالصحيحِ أَولى من
الأصحِّ؛ لأنَّ مقابل الأوَّلِ فاسدٌ، ومقابلَ الثاني صحيحٌ، فقائلُ الأصحِّ موافقٌ قائلَ الصحيح دون
العكس، والأخذُ بما انَّقا على أَنَّه صحيحٌ أَولى)).
( تتمَّةٌ )
تقدَّمَ(٢) أَنَّه لا يصحُّ اقتداءُ أمِّيّ بأخرسَ لقدرةِ الأمِّيِّ على التحريمة، ويصحُّ عكسه،
فالأخرسُ أسوأُ حالاً من الأمِّيِّ، فتجري فيه الأحكامُ المذكورة.
( فرعٌ)
سُئل العلاَّمة "قاسمٌ" في "فتاواه" عن رجلٍ أخرسَ أدرَكَ بعض صلاة الإِمام، وفاته البعضُ،
(قولُهُ: من أنَّ الأخذ بالصحيح أَولى من الأصحِّ إلخ) الأرجحُ في هذه المسألة تقديمُ الأصحِّ على
الصحيح كما تقدَّمَ في رسم المفتي.
(١) ٢٣٩/١ - ٢٤٠ "در".
(٢) صـ ٥٩٣- "در