النص المفهرس
صفحات 521-540
الجزء الثالث
٥١٧
باب الإمامة
فلا يُعذَرُ ويُعزَّرُ ولو بأخذِ المال، يعني: بحبسِهِ عنه مدَّةً، ولا تُقبَلُ شهادتُهُ إلاَّ بتأويل
بدعةِ الإمام أو عدمٍ مراعاته.
(والأحقُّ بالإِمامة) تقديماً بل نصباً، "مجمع الأنهر"(١) (الأعلمُ.
اللغة))، ثمَّ وفَّقَ بينهما بحمْلِ الأوَّلِ على المواظب على الترك تهاوناً، والثاني على غيره، وهذا ما
مشى عليه "الشارح" في قوله: ((أي: إلاَّ إلخ)).
[٤٦٩٥] (قولُهُ: فلا يُعذَرُ ويُعزَّرُ الأوَّلُ بالذال، والثاني بالزاي.
[٤٦٩٦] (قولُهُ: يعني: بحبسِهِ عنه إلخ) صرَّحَ بذلك في "البحر"(٢) عن "البزَّازِيَّة"(٣)، قال
"الرَّحِمتَيُّ" : ((قالوا: هذا مما يُعلَمُ وَيُكَمُ؛ لأنَّ الظَّلَمَةَ صِيَّادون لأخذِ المال، متى وقَعَ فِي شَرَكِهم
لا يُؤْخَذُ منهم، وربما يُحْدِثُون للإنسان ذنباً لم يفعلْهُ توصُّلاً إلى ماله)) اهـ
(تتمَّةٌ)
مجموعُ الأعذارِ التي مرَّتْ متناً وشرحاً عشرون، وقد نظمتُها بقولي:
أودَعْتُها في عِقد نظم كالدُّررْ
أعذارُ تركِ جماعةٍ عشرونَ قد
مطرٌ وطينٌ ثم بَرْدٌ قد أَضَرْ
مَرَضٌ وإقعادٌ عمىٍّ وَزَمَانةٌ
فَلْجٌ وعَجْزُ الشيخ قصدٌ للسَّفَرْ
قَطْعٌ لرجْل معْ يدٍ أو دونَها
أو دائن وشَهيُّ أکل قد حَضَرْ
خوفٌ على مال كذا من ظالم
أَلَّم مُدافعةٌ لبول أو قَذَرْ
والريحُ ليلاً ظلمةٌ تمريضُ ذي
بعض من الأوقات عُذْرٌ مُعتَبَرْ
ثُمَّ اشتغالٌ لا بغير الفقهِ في
[٤٦٩٧] (قولُهُ: أو عدمٍ مراعاتِهِ) أي: لمذهبِ المقتدي فيما يُوجِبُ بطلانَ الصلاة على ما
سيأتي (٤) بيانه.
[٤٦٩٨] (قولُهُ: تقديماً) أي: على مَنْ حضَرَ معه.
[٤٦٩٩] (قولُهُ: بل [١/ق٤٣٩ /ب] نصباً) أي: للإمام الرَّاتب.
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - فصل: الجماعة سنة مؤكدة ١٠٧/١ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٥/١.
(٣) "البزازية": كتاب الحدود - القذف ٤٢٧/٦ بتصرف. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) المقولة [٤٧٦٦] قوله: ((إن تيقن المراعاة لم يكره إلخ)).
قسم العبادات
٥١٨
حاشية ابن عابدين
بأحكامِ الصلاة) فقط صحَّةً وفساداً بشرطِ اجتنابه للفواحش الظاهرة، وحفظِهِ قَدْرَ
فرضٍ، وقيل: واجبٍ، وقيل: سنّةٍ ...
[٤٧٠٠] (قولُهُ: بأحكامِ الصلاة فقط) أي: وإن كان غيرَ متبحِّرٍ في بقيّة العلوم، وهو أولى من
المتبحِر، كذا في "زاد الفقير" عن "شرح الإرشاد".
(٧٠١ ٤] (قولُهُ: بشرطِ اجتنابِهِ إلخ) كذا في "الدراية" عن "المجتبى"، وعبارةُ "الكافي)" (١)
وغيره: ((الأعلمُ بالسنَّة أَولى، إلاَّ أنْ يُطعَنَ عليه في دينه؛ لأنَّ الناس لا يرغبون في الاقتداء به)).
[٤٧٠٢] (قولُهُ: قدْرَ فرضٍ) أخَذَهُ تبعاً لـ "البحر "(٢) من قول "الكافي"(٣): ((قدْرَ ما تجوزُ به
الصلاة)) بناءً على أنَّ (تجوزُ)) بمعنى تصحُّ، لا بمعنى تحلُّ.
[٤٧٠٣] (قولُهُ: وقيل: واجبٍ) ذكَرَهُ في "البحر " (٤) بحثاً، لكنْ يمكنُ أخذه من كلام
"الكافي"(٥)؛ لأنَّ الجواز يُطلَقُ بمعنى الحلِّ، بل قال الشيخ "إسماعيل"(٦): ((ينبغي حملُ الجواز
المذكور على ما يشملُ عدمَ الكراهة، وحينئذٍ فَيَرجِعُ إلى القول الثالث)).
[٤٧٠٤] (قولُهُ: وقيل: سنَّةٍ) قائلُهُ "الزيلعيُّ)(٧)، وهو ظاهر "المبسوط) (٨) كما في "النهر " (٩)،
ومشى عليه في "الفتح"(١٠)، قال "ط" (١١): ((وهو الأظهرُ؛ لأنَّ هذا التقديم على سبيل الأولويَّة،
فالأنسبُ له مراعاةُ السنَّة)).
(١) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٣١/ب ٣٢/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٨/١.
(٣) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٣١/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٨/١.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٣١/ب.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٤٣/أ.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٣٣/١.
(٨) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب افتتاح الصلاة ٤١/١.
(٩) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٣/أ باختصار.
(١٠) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٢/١.
(١١) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٢/١.
الجزء الثالث
٥١٩
باب الإمامة
(ثُمَّ الأحسنُ تلاوةً) وتجويداً (للقراءة ثمَّ الأورعُ) أي: الأكثرُ اتقاءً للشبهات،
والتقوى: اتّقاءُ المحرَّمات (ثُمَّ الأسَنُّ) أي: الأقدمُ إسلاماً، فيُقدَّمُ شابٌّ على شيخٍ
أسلَمَ، وقالوا: يُقدَّمُ الأقدمُ ورعاً، وفي "النهر"(١).
[٤٧٠٥] (قولُهُ: ثم الأحسنُ تلاوةً وتجويداً) أفادَ بذلك أنَّ معنى قولهم: ((أقرأُ)) أي: أُجوِّدُ،
لا أكثرُهم حفظاً وإِنْ جعله في "البحر"(٢) متبادراً، ومعنى الحسن في التلاوة أنْ يكون عالماً بكيفيَّة
الحروف والوقف وما يتعلَّقُ بها، "قُهُستاني)(٣) "ط)" (٤).
[٤٧٠٦] (قولُهُ: أي: الأكثرُ أَتْقَاءً للشُّبهات) الشُّهة: ما اشتبَهَ حِلُّهُ وحرمته، ويلزمُ من الورع
التقوى بلا عكسٍ، والزهدُ: تركُ شيءٍ من الحلال خوفَ الوقوع في الشبهة، فهو أخصُّ من
الورع، وليس في السنّة ذكرُ الورع، بل الهجرةُ عن الوطن، فلمَّا نُسِخَتْ أُرِيدَ بها هجرةُ المعاصي
بالورع، فلا تجبُ هجرةٌ إلَّ على مَنْ أسلَمَ في دار الحرب كما في "المعراج"، "ط)"(٥).
[٤٧٠٧] (قولُهُ: أي: الأقدمُ إسلاماً) استَبَّطَهُ صاحب "البحر"(٦)، وتِبِعَهُ في "النهر"(٧) من تعليل
"البدائع"(٨): ((بأنَّ مَن امتَدَّ عمره في الإسلام كان أكثرَ طاعةٌ)).
أقولُ: بل الظاهرُ أنَّ المراد بالأسنِّ الأكبرُ سنّاً كما هو في بعض روايات الحديث: ((فأكبرُهم
٣٧٤/١ سنا))، وهو المفهوم من أكثر الكتب، فيكونُ الكلام في المسلم الأصليِّ، نعم أخرَجَ الجماعةُ(٩)
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٣/ب بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٨/١.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: صلاة الجماعة ١٠٦/١ بتصرف.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٢/١.
(٥) "ط: كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٢/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٨/١.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٣/ب.
(٨) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الأحق بالإمامة ١٥٧/١.
(٩) أخرجه مسلم (٦٧٣) (٢٩٠) و(٢٩١) كتاب المساجد - باب من أحق بالإمامة؟ وأبو داود (٥٨٢) كتاب الصلاة -
باب من أحق بالإمامة؟ والترمذيّ(٢٣٥) كتاب الصلاة - باب ما جاء من أحق بالإمامة؟ وقال: حديث حسن
صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم، و(٢٧٧٢) كتاب الأدب - باب (٢٤) وقال: حديث حسن صحيح، =
قسم العبادات
٥٢٠
حاشية ابن عابدين
عن "الزاد": ((وعليه يُقَاسُ سائرُ الخصال فيقال: يُقدَّمُ أقدمُهم علماً ونحوُهُ، وحينئذٍ
فقلَّما يُحتاجُ للقُرعة)) (ثُمَّ الأحسنُ خُلُقاً) بالضمِّ أُلفةً بالناس (ثُمَّ الأحسنُ وجهاً)
أي: أكثرُهم تهجُّداً،.
إلاّ "البخاريّ": ((فأقدمُهم [١/ق٤٠ ٤ /أ] إسلامً)، وعليه فيكونُ ذلك سبباً آخرَ للترجيح فيمن
عَرَضَ إسلامه، فيُقدَّمُ شابٌّ نشأ في الاسلام على شيخٍ أسلَمَ، أمَّا لو كانا مسلمَينِ من الأصل أو
أسلما معاً يُقدّمُ الأكبرُ سنّا؛ لِما في "الزيلعيِّ(١): ((من أنَّ الأكبر سنّاً يكونُ أخشعَ قلباً عادةً،
وأعظمَ حرمةً، ورغبةُ الناس في الاقتداء به أكثرُ، فيكونُ في تقديمه تكثيرُ الجماعة)) اهـ.
هذا، وما مشى عليه "المصنّف" من تقديم الأورعِ على الأسنِّ هو المذكورُ في المتون وكثيرِ
من الكتب، وعكَسَ في "المحيط".
[٤٧٠٨] (قولُهُ: عن "الزَّادِ") أي: "زادِ الفقير" لـ "ابن الهمام".
(٤٧٠٩] (قولُهُ: بالضمِّ) أي: ضمِّ الخاء، أمَّا بفتحها فهو المرادُ بما بعده.
[٤٧١٠] (قولُهُ: أكثرُهم تهجُّداً) تفسيرٌ بالملزوم، فإِنَّه يلزمُ من كثرة التهجُّد حسنُ الوجهِ
الحديث: (مَنْ كثرتْ صلاته بالليل حَسُنَ وجهُهُ بالنهار))(٢) وإنْ كان ضعيفاً عند المحدِّثين، قال
= والنسائيّ ٧٦/٢ كتاب الإمامة - باب من أحق بالإمامة؟ و٧٦/٢ -٧٧ باب تقديم ذوي السن، وابن ماجه (٩٨٠)
كتاب إقامة الصلاة - باب من أحق بالإمامة؟ وأخرجه أحمد ٢٧٢/٥، وابن حبان في صحيحه(٢١٢٧) و(٢١٣٣)
و(٤٤(٢) كتاب الصلاة - باب فرض متابعة الإمام. كلهم من حديث أبي مسعود البدري به قال: قال رسول الله صل:
((يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمُهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمَّهم أقدمُهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة
سواء فليؤمهم أكبرهم سناً، ولا يُؤَمَّنَّ الرجلُ في أهله ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك أو
بإذنه))، وفي الباب عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، وأنس بن مالك، ومالك بن الْحُوَيْرِث، وعمرو بن سَلَمة ◌ُهـ
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإقامة والحدث في الصلاة ١٣٤/١.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٣) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في قيام الليل، والقَضَاعِيّ في "مسنده" ٢٥٢/١ -٢٥٣ -
٢٥٦- ٢٥٧ - ٢٥٨ من حديث جابر بن عبد الله رطلبه، وهو حديث ضعيف. وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"
١٠٩/٢ من عدة طُرُق، وضَعّفها كلها، وقال: هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله ﴿.
وقال السِّندِيّ في "شرحه" على ابن ماجه١٢٦/١: معنى الحديث ثابت بموافقة القرآن وشهادة التجربة، لكن الحفاظ =
الجزء الثالث.
٥٢١
باب الإمامة
زاد في "الزاد": ((ثمَّ أصبحُهم.
في "البدائع"(١): ((لا حاجةً إلى هذا التكلَّف، بل يبقى على ظاهره؛ لأنَّ صباحةَ الوجهِ سببٌ لكثرة
الجماعة)) كما في "البحر"(٢)، " ح"(٣).
[٤٧١١] (قولُهُ: زادَ في "الزَّادِ" إلخ) أقول: ليس فيه زيادةٌ، ونصُّ عبارةٍ "الزاد" بعد الخُلُق
هكذا: ((فإنْ تساوَوْا فأصبَحُهم وجهاً - وقَّدَهُ في "الكافي"(٤) بمن يصلِّي بالليل - فإنْ تساوَوْا
فأشرفُهم نسباً إلخ)).
(قولُهُ: أقول: ليس فيه زيادةٌ، ونصُّ عبارةٍ "الزاد" إلخ) الذي في "النهر" عن "الزاد" الجمعُ بين حُسنٍ
الوجِهِ وصَباحته، ونصُّهُ: ((واعلم أنّه وقَعَ في "زاد الفقير" بعد قوله: فأحسنُهم خَلْقاً: فإن استَوَوا فأحسنُهم
وَجْهاً، وفسَّرَهُ في "الكافي" بمن يصلّي بالليل، فإنْ تساوَوْا فأصبَحُهم وجهاً اهـ. ولم أر مَن جَمَعَ بينهما
غيرَهُ، وعليه فأحسنُهم وَجْهاً أي: أكثرُهم إضاءةً له بدليلِ ما في "الكافي"؛ إذ رُوِيَ: ((مَن كثرت صلاتُهُ
بالليل ضاءَ وجهُهُ بالنهار ))، وأصبحُهم هو أسمحُهم )) اهـ "نهر". ولَمَّا كانتَ الصَّباحةُ هي الجمالَ ولا
معنى لزيادتها في عبارة "الزاد" نَبََّ "الشارح" تبعاً لـ "النهر" على معناها.
= على أن الحديث بهذ اللفظ غير ثابت، وإنما هو من كلام شريك، قاله لثابت بن موسى لما دخل عليه، فظنَّ أنه متن
الحديث، وقد تواردت أقوال الأئمة على عدّ هذا الحديث في الموضوع على سبيل الغلط لا التعمد، وخالفهم
القضاعي في "مسند الشهاب" فمال في الحديث إلى تُبُوته.
وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" صـ ٦٦٦ -: لا أصل له وإن روي من طرق عدة، عند ابن ماجه بعضُها، وأورد
الكثيرَ منها القضاعيُّ وغيره، ولكن قرأت بخط شيخنا في بعض أجوبته: إنه ضعيف، بل قواه بعضهم، والمعتمد
الأول، وقد أطنب ابن عدي في ردِّه، ومثلوا به في الموضوع غير المقصود. قال ابن الطاهر: ظَنَّ القضاعيُّ أن
الحديث صحيحٌ لكثرة طُرُقه، وهو معذور؛ لأنه لم يكن حافظاً. واتفق أئمة الحديث: ابن عَدِيّ، والدّارَقُطْنيّ،
والعُقَيْلِي، وابنُ حِبَّان، والحاكم على أنه من قول شريك اهـ.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الأحق بالإمامة ٥٨/١ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٩/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٨/ب وما بعدها.
(٤) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق ٣٢/أ.
قسم العبادات
٥٢٢
حاشية ابن عابدين
- أي: أسمحُهم وجهاً - ثم أكثرُهم حسبً(١))) (ثمَّ الأشرفُ نسباً) زاد في "البرهان":
((ثم الأحسنُ صوتاً))، وفي "الأشباه"(٢) قبيل ثَمن المثل: ((ثُمَّ الأحسنُ زوجةً، ثمَّ
الأكثرُ مالاً،
[٧١٢ ٤] (قولُهُ: أي: أسمحُهم وجهاً) عبارةٌ عن بشاشته في وجهِ مَنْ يلقاه وابتسامِهِ له، وهذا
يُغَايِرُ الحسنَ الذي هو تناسُبُ الأعضاء، أفاده "ح"(٣).
(٤٧١٣] (قولُهُ: ثم أكثرُهم حَسَباً) الظاهرُ أنَّ الحسَب بالباء الموحَّدة لا بالنون، وهو الذي
كَتَبَ عليه "ابن عبد الرزَّاق" في "شرحه"، قال في "البحر"(٤): ((وقدَّمَ في "الفتح"(٥) الحسبَ على
صباحةِ الوجه)) اهـ
وفي "القاموس"(٦): ((الحسَبُ: ما تعُدُّ من مفاخرٍ آبائك، أو المالُ، أو الدِّينُ، أو الكَرَم، أو
الشرفُ في الفعل إلخ)).
[٤٧١٤] (قولُهُ: ثم الأحسنُ زوجةً) لأَنَّه غالباً يكونُ أحبَّ لها وأعفَّ لعدم تعلُّقه بغيرها،
وهذا مما يُعلَمُ بين الأصحاب أو الأرحام أو الجيران؛ إذ ليس المرادُ أنْ يَذكُرَ كلٌّ منهم أوصافَ
زوجته حتى يُعلَمَ مَن هو أحسنُ زوجةٌ.
[٤٧١٥] (قولُهُ: ثم الأكثرُ مالاً) إذ بكثرته مع ما تقدَّمَ من الأوصاف يحصلُ له القناعةُ والعفَّة،
[١ /ق ٤٤٠ /ب] فيرغبُ الناس فيه أكثرَ.
(١) في "د" و"و": ((حسناً)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - الجمع والفرق - ما يقدم على الدين وما يؤخر عنه صـ ٤٣٠-، إلا أنه لم يذكر
الأكثر مالاً.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٩/١.
(٥) قدم في مطبوعة "الفتح" النسب على صباحة الوجه، وهو تحريف، إذ الأصل تقديم الحسب على صباحة الوجه،
وهو أعمّ من النسب؛ إذ يشمل المفاخر والدِّين والمال والكرم والشرف إلخ كما هو مبسوط في كتب اللغة، ويدل
على ذلك ما نقله في "البحر" و"الفتاوى الهندية" عن "الفتح" من تقديم الجسب على صباحة الوجه.
انظر "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٣/١، و"البحر" ٣٦٩/١، و"الفتاوى الهندية" ٨٣/١.
(٦) "القاموس" مادة ((حسب)).
الجزء الثالث
٥٢٣
باب الإمامة
ثُمَّ الأكثرُ جاهاً (ثُمَّ الأنظفُ ثوباً) ثمَّ الأكبرُ رأساً والأصغرُ عضواً، ثمَّ المقيمُ على
المسافر، ثمَّ الحرُّ الأصليُّ على المعتق، ثمَّ المتيمِّمُ عن حدثٍ على المتيمِّم عن جنابةٍ.
(فائدةٌ) لا يُقدَّمُ أحدٌ في التزاحُم إلاَّ بمرجِّحٍ،
[٤٧١٦] (قولُهُ: ثم الأكبرُ رأساً إلخ) لأَنَّه يدلُّ على كِبَرِ العقل، يعني: مع مناسبةِ الأعضاء له،
وإلاَّ فلو فحُشَ الرأسُ كبراً والأعضاءُ صغراً كان دلالةً على اختلالِ تركيبِ مزاجه المستلزِمِ لعدم
اعتدالِ عقله. اهـ "ح"(١).
وفي "حاشية أبي السُّعود"(٢): ((وقد نُقِلَ عن بعضهم في هذا المقام ما لا يليقُ أنْ يُذكَرَ فضلاً
عن أنْ يُكَتَبَ)) اهـ. وكأنّه يشيرُ إلى ما قيل: إن المراد بالعضوِ الذِّكَر.
[٤٧١٧] (قولُهُ: ثم المقيمُ على المسافرِ) وقيل: هما سواءٌ، "بحر"(٣). وظاهرُهُ: ولو كان
الجماعةُ مسافرين، فليتأمَّل. وهذا ما دام الوقتُ باقياً، وإلاّ فلا يصحُّ اقتداءُ المسافر بالمقيم في
الرباعيّة كما يأتي(٤).
[٧١٨ ٤] (قولُهُ: ثم المتيمِّمُ عن حَدَثٍ على المتيمِّم عن جنابةٍ) كذا أجابَ به "الحَلْوانيُّ" كما
في "التتمَّة"، وجزَمَ به في "الفيض" و"جامع الفتاوى"(٥)، كذا في "الإحكام" للشيخ "إسماعيل"(٦)،
ومثلُهُ في "التتار خانَة"(٧)، ولعلَّ وجهه: أنَّ الحدث أخفُّ من الجنابة، لكنْ في "منية المفتي":
(قولُهُ: ولعلَّ وجهَهُ أنَّ الحدث أخفُّ من الجنابة) لا يظهرُ هذا التوجيهُ، فإنَّه بالتيمُّم ارتفَعَ كلِّ
منهما، وتساوى الجنبُ والمحدثُ في الطهارة، ولعلَّ مراده ما ذكرَهُ "السنديُّ" تعليلاً بقوله: (( للخلاف
في كون التيمُّم هل يرفعُ الحدث أم لا؟ والجنابةُ أغلظ )) اهـ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٧٩/أ.
(٢) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٠٧/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٩/١.
(٤) المقولة [٤٨٨٤] قوله: ((ولا مسافر بمقيم إلخ)).
(٥) "جامع الفتاوى": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة ق ١١/أ.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٤٥/أ.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس في بيان من هو أحق بالإمامة ٦٠٠/١.
قسم العبادات
٤ ٥٢
حاشية ابن عابدين
ومنه السبقُ إلى الدَّرْس والإفتاءِ والدعوى، فإن استَوَوا في المجيءٍ أُقرِعَ بينهم )) اهـ
كلامُ "الأشباه".
وفي الفصل الثاني والثلاثين من حظر "التاتر خانَّة"(١): ((وفي طلبة العلم يُقدَّمُ
السابق، فإن اختلفوا وثَمَّةَ بِّنةٌ فبها، وإلاَّ أُقرِعَ كمجيئهم معاً كما في الحَرْقى
والغَرْقَى إذا لم يُعرَفِ الأوَّلُ، ويُجعَلُ كأنَّهم ماتوا معاً)) اهـ.
وفي "محاسن القرَّاء" لـ "ابن وهبان"(٢): ((وقيل: إنْ لم يكن للشيخ معلومٌ جازَ أنْ
يُقدِّمَ مَن شاء، وأكثرُ مشايخنا على تقديم الأسبقِ،
((المتيمِّمُ عن الجنابة أولى بالإمامة من المتيمِّم عن حدثٍ))، ونقَلَهُ في "النهر"(٣) عنها مقتصراً عليه،
ولعلَّ وجهه أنَّ طهارته أقوى؛ لأنَّها بمنزلة الغُسل لا يُبطِلُها الحدث.
[٤٧١٩] (قولُهُ: ومنه) أي: من المرجِّح.
[٤٧٢٠] (قولُهُ: والإفتاءُ) الأولى: و(٤) الاستفتاء.
[٤٧٢١] (قولُهُ: والدَّعوى) أي: بين يدي القاضي.
[٤٧٢٢] (قولُهُ: أُقْرِعَ بينهم) أي: إذا تنازعوا، والظاهرُ أنَّ هذا على سبيل الأولويَّة.
(٧٢٣ ٤] (قولُهُ: كما في الحَرقى والغَرقى) التشبيهُ في أنَّ الترتيب إذا لم يُعَلَمْ كان كالمعَّة،
لا في القرعة أيضاً، فإنَّها لا تتأَتَّى في الحرقى والغرقى، "ح"(٥).
[٤٧٢٤] (قولُهُ: معلومٌ) أي: وظيفةٌ من جهةِ الواقف أو من الطَّبة، أفاده "ح"(٦).
[٤٧٢٥] (قولُهُ: جازَ أنْ يقدِّمَ مَن شاء) لأنَّ له أنْ لا يُقرِئهم أصلاً، "ح"(٧).
(١) هذا الفصل من "التاتر خانية" في القسم غير المطبوع منها.
(٢) المسمى "أحاسن الأخبار في محاسن الأخيار وأئمة الخمسة الأمصار": صـ٥٠-، لابن وهبان (ت٧٦٨هـ).
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٣/ب.
(٤) "الواو" ليست في "أ" و"ب" و"م".
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/أ.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٧٩/أ.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/أ.
الجزء الثالث
٥٢٥
باب الإمامة
وأوَّلُ مَن سَنَّهُ "ابنُ كثيرٍ")) (فإِنِ اسْتَوَوا يُقرَعُ) بين المستويين (أو الخيارُ إلى القوم)
فإن اختلفوا اعتُبرَ أكثرُهم، ولو قَدَّموا غيرَ الأَولى أساؤوا بلا إثمٍ.
(و) اعلمْ أنَّ (صاحب البيت) ومثلُهُ إمامُ المسجد الراتبُ (أَولى بالإِمامة من غيره) ..
[٤٧٢٦] (قولُهُ: وأوَّلُ مَن سَنَّهُ "ابنُ كثيرِ"(١)) قال "السمهوديُّ" في "جوهر العِقدين"(٢).
((رُوِيَّ أنَّ أنصارَّاً جاء إلى رسول الله ﴿ يسأله، وجاءَ رجلٌ من ثقيفٍ، فقال النبيُّ ◌َّ: (يا
أخا ثقيفٍ، إنَّ الأنصاريَّ قد سبَقَكَ بالمسألة، فاجلسْ كيما نبدأً بحاجة الأنصاريِّ قبل
حاجتك))(٣)) اهـ.
فِعُلِمَ منه أَنَّه سنَّةُ النبيِ ﴿ و"ابنُ كثيرٍ" تابعٌ في ذلك، وأَنَّه لا فرق بين من له معلومٌ وغيرِه،
نعم يمكنُ الفرق بين ذي المعلوم [١/ق ٤٤١/أ] وغيره فيما إذا حَضَرا معاً، "رحمتي". أي: فُيُقرَعُ
لو له معلومٌ، وإِلاَّ يُقدِّمُ مَن شاء، تأمَّل.
[٧٢٧ ٤] (قولُهُ: اعْتُبِرَ أكثرُهم) لا يظهرُ هذا إلاَّ في النصب، وإلاَّ فكلٌّ يصلّي خلف مَن
يختاره، "ط" (٤). لكنْ فيه تكرارُ الجماعة، وقد مرَّ(٥) ما فيه.
[٤٧٢٨] (قولُهُ: أساؤوا بلا إثمٍ) قال في "التتار خانَّةً"(٦): ((ولو أنَّ رَجُلين في الفقهِ والصَّلاح
(١) أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، عماد الدين القرشيّ البصرويّ ثم الدمشقيّ الشافعيّ (ت٧٧٤هـ) ("الدرر
الكامنة"٣٧٣/١، "البدر الطالع"١٥٣/١، "الأعلام"٣٢٠/١).
(٢) "جواهر العقدين في فضل الشرفين، شرف العلم الجليّ والنّسب العَلِيّ": صـ ٣٧٣ -٣٧٤-، لأبي الحسن علي
ابن عبد الله، نور الدين السَّمْهُوديّ الشافعي(ت ٩١١هـ). ("كشف الظنون" ٦١٤/١، "النور السافر" صـ٥٩-،
"هدية العارفين" ٧٤٠/١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٨٣٠)، والبزار (٢٠٨٢) وقال: قد روي هذا الحديث من وجوه، ولا نعلم له أحسن من هذا
الطريق، والطبرانيّ في "الكبير" (١٣٥٦٦)، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٢٧٥/٣ وقال: ورجال البزار موثقون.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٣/١.
(٥) صـ ٥٠٣- "در".
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس في بيان من هو أحق بالإمامة ٦٠٠/١ متضمناً النقل عن كتابي
"الحجة" و"البديعة".
قسم العبادات
٥٢٦
حاشية ابن عابدين
مطلقاً (إلاَّ أنْ يكون معه سلطانٌ أو قاضٍ فُقدَّمُ عليه) لعمومٍ ولايتهما، وصرَّحَ
.......
"الحدَّادِيُّ" بتقديمِ الوالي على الراتب (والمستعيرُ والمستأجرُ أحقُّ من المالك)
سواءٌ إلاَّ أنَّ أحدهما أقرأُ، فقدَّمَ القومُ الآخرَ فقد أساؤوا وتركوا السنَّةَ، ولكنْ لا يأثمون؛ لأَنَّهم
قدَّموا رجلاً صالحاً، وكذا الحكمُ في الإمارة والحكومة، أمَّا الخلافة - وهي الإمامة الكبرى - فلا
يجوز أنْ يتركوا الأفضلَ، وعليه إجماع الأمَّة)) اهـ فافهم.
[٤٧٢٩] (قولُهُ: مطلقاً) أي: وإنْ كان غيرُهُ من الحاضرين مَنْ هو أعلمُ وأقرأ منه، وفي
"التتار خانَّة"(١): ((جماعةُ أضيافٍ في دارٍ، يريدُ أنْ يتقدَّمَ أحدهم ينبغي أنْ يتقدَّمَ المالك، فإِنْ قدَّمَ
/٣٧٥ واحداً منهم لعلمه وكِبَره فهو أفضلُ، وإذا تقدَّمَ أحدُهم جاز؛ لأنَّ الظاهر أنَّ المالك يأذَنُ لضيفه
إكراماً له)) اهـ.
[٤٧٣٠] (قولُهُ: وصرَّحَ "الحداديُّ"(٢) إلخ) أفاد أنَّ هذا غيرُ خاصٌٍ بالسلطان العامِّ الولايةِ،
ولا بالقاضي الخاصِّ الولايةِ بالأحكام الشرعيَّة، بل مثلُهما الوالي، وأنَّ الإمام الراتب كصاحب
البيت في ذلك، قال في "الإِمداد"(٣): ((وأمَّا إذا اجتمعوا فالسلطانُ مقدَّمٌ، ثم الأميرُ، ثم القاضي،
ثم صاحبُ المنزل ولو مستأجِراً، وكذا يُقدَّمُ القاضي على إمام المسجد)).
(٤٧٣١] (قولُهُ: والمستعيرُ والمستأجرُ أحقُّ) لأنَّ الإعارة تمليكُ المنافعِ، والمعيرُ وإنْ كان له أنْ
يرجع بخلاف المؤجِّرِ لكنّه ما لم يرجعْ يبقى المستعيرُ أحقَّ، والكلام في ذلك؛ لأنّه إذا رجَعَ لم تبقَ
العاريَّةُ، وخرجت المسألةُ عن موضوعها، فافهم.
(قولُ "الشارح": لعمومٍ ولايتهما) المقرَّرُ أنَّ الولاية الخاصَّة أَولى من الولاية العامَّة، فالأولى أنْ يقول:
لأنَّ في التقدُّم استطالةَ عليهما، وقد تبعَ في ذلك صاحبَ "البحر" ناقلاً عن "الإِسبيجابيِّ". اهـ "سندي".
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السادس في بيان من هو أحق بالإمامة ٦٠١/١ نقلاً عن "ح" و"الملتقط".
(٢) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق١٨٧/أ.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في الأحق بالإمامة وترتيب الصفوف ق ١٦٦/أ باختصار.
الجزء الثالث
٥٢٧
باب الإمامة
لِما مرَّ (ولو أمَّ قوماً وهم له كارهون إنٍ) الكراهةُ (لفسادٍ فيه أو لأَنَّهم أحقُّ
بالإِمامة منه كُرِهَ) له ذلك تحريماً؛ لحديث "أبي داود"(١): ((لا يقبلُ اللَّهُ صلاةَ مَن
تقدَّمَ قوماً وهم له كارهون)) (وإِنْ هو أحقُّ لا) والكراهةُ عليهم.
(ويكرهُ) تنزيهاً (إمامةُ عبدٍ).
[٤٧٣٢] (قولُهُ: لِما مرَّ(٢)) أي: من قوله: ((لعموم ولايتهما))، ولكنّه غير مناسبٍ؛ لأنَّ المراد
بعموم الولاية عمومُها للناس، وهذان ليسا كذلك، فكان عليه أنْ يقول: لأنَّ الولاية لهما في هذه
الحالة دون المالكِ، "ح"(٣).
(٤٧٣٣] (قولُهُ: لحديثِ إلخ) هكذا رواه في "النهر "(٤) بالمعنى، وعزاه إلى "الحلبيِّ" صاحب
"الحلبة"(٥) مع أنّه في "الحلبة" ذكَرَهُ مطوَّلاً، ونقله في "البحر"(٦) عنها.
[٤٧٣٤] (قولُهُ: والكراهةُ [١/ق ٤٤١ /ب] عليهم) جزَمَ في "الحلبة"(٧): ((بأنَّ الكراهة الأُولى
تحريميَّةٌ للحديث))، وتردَّدَ في هذه.
[٤٧٣٥] (قولُهُ: ويكرهُ تنزيهاً إلخ) لقوله في "الأصل)"(٨): ((إمامةُ غيرِهم أحبُّ إليَّ))،
(قولُهُ: مع أَنَّه في "الحلبة" ذكرَهُ مُطوَّلاً، ونقلَهُ في "البحر" عنها) لفظُهُ على ما في "البحر": (( ثلاثةٌ لا
يقبل اللَّهُ منهم صلاةً: مَن تقدَّمَ قوماً وهم له كارهون، ورجلٌ أتى الصلاةَ دِباراً - والدِّبارُ أن يأتيّها بعد أن
تفوتَهُ - ورجلٌ اعتبَدَ محرَّرَهُ)) اهـ. أي: مَن طَلَبَ من عبده العبوديَّة بعدما حرَّرَهُ، أو باع مُحرَّراً وأكل ثمنه.
(١) أخرجه أبو داود (٥٩٣) كتاب الصلاة - باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، وابن ماجه (٩٧٠) كتاب الصلاة
- باب من أمَّ قوماً وهم له كارهون، كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً.
(٢) في الصحيفة السابقة.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/أ.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٣/ب.
(٥) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٣/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٩/١.
(٧) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٣/أ.
(٨) "الأصل": كتاب الصلاة - باب افتتاح الصلاة وما يصنع الإمام ٤٣/١ بتصرف.
قسم العبادات
٥٢٨
حاشية ابن عابدين
ولو معتَقاً، "قُهُستاني"(١) عن "الخلاصة"(٢). ولعلَّه لِما قدَّمناه من تقدُّمِ الحرِّ
الأصليِّ؛ إذ الكراهةُ تنزيهيٌَّ، فتنبّهْ (وأعرابيّ) ومثلُهُ تُرْكمانٌ وأكرادٌ وعاميٌّ .......
"بحر "(٣) عن "المجتبى" و"المعراج"، ثمَّ قال: ((فيكره لهم التقدُّمُ، ويكره الاقتداءُ بهم تنزيهاً، فإنْ
أُمكَنَ الصلاة خلفَ غيرهم فهو أفضلُ، وإلاّ فالاقتداءُ أَولى من الانفراد)).
[٤٧٣٦] (قولُهُ: ولو مُعَتَقاً) يلزمُهُ استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، فإنَّ المعَقَ عبدٌ باعتبار ما
كانٍ، اللهمَّ إلاَّ أنْ يكون من قَبِيل عموم المجاز، بأنْ يُرادَ بالعبد من أَنَّصَفَ بالرِّقِّ وقتاً ما، سواءٌ
كان في الحال أو فيما مضى، "ح"(٤).
[٧٣٧ ٤] (قولُهُ: ولعلَّه) أي: لعلَّ سبب كراهة المعتَقِ ما قدَّمناه(٥) إلخ، فإنَّ تقديم الحرِّ الأصليّ
مندوبٌ إليه، وتركه مكروه تنزيهاً، فلذا قال: ((إذ الكراهةُ إلخ))، وفي نسخةٍ: ((والعلَّةُ))، أي:
والعلَّةُ في كراهة إمامةِ المعَتَقِ أنَّ الحرَّ الأصليَّ أولى بالإمامة منه؛ لأَنَّه نشأ في الرِّقِّ مشتغلاً بخدمة
المولى لم يتفرَّغْ للتعلُّم، "رحمتي".
[٤٧٣٨] (قولُهُ: وأعرابىٌّ) نسبةٌ إلى الأعراب، لا واحدَ له مِن لفظه، وليس جمعاً لعَرَبٍ كما
في "الصحاح"(٦)، لكنْ في "الرضيِّ (٧): ((الظاهرُ أَنَّه جمعٌ))، "قُهُستاني"(٨). وهو مَن يسكنُ
البادية عربيًّ أو عجميَّاً، "بحر"(٩). وخصَّهُ في "المصباح"(١٠) بأهل البدوِ من العرب.
[٧٣٩ ٤] (قولُهُ: ومثلُهُ إلخ) مبنيٌّ على أنَّ الأعرابيَّ(١١) لا يشملُ الأعجميَّ، وإلاَّ فالمناسبُ:
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل صلاة الجماعة ١٠٦/١.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق ٣٦/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٠/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/أ.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "الصحاح": مادة ((عرب)).
(٧) شرح الرضي على الشافية لابن الحاجب: باب المنسوب - النسب إلى اللفظ الدال على الجمع ٧٨/٢.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - صلاة الجماعة ١٠٦/١.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٠/١.
(١٠) "المصباح": مادة ((عرب)).
(١١) في "آ" و"ب": ((الأعراب)).
الجزء الثالث
٥٢٩
باب الإمامة
(وفاسقٍ وأعمى) ونحوُهُ الأعشى، "نهر" (إلاَّ أنْ يكون) أي: غيرُ الفاسق (أعلمَ
القوم) فهو أولى (ومُبتدِعٍ).
ومنه، والعلَّةُ في الكلِّ غلبةُ الجهل.
[٤٧٤٠] (قولُهُ: وفاسقٍ) من الفِسق، وهو الخروجُ عن الاستقامة، ولعلَّ المراد به مَن
يرتكبُ الكبائرَ كشارب الخمر والزَّاني وآكِلِ الرِّبًا ونحو ذلك، كذا في "البِرْ جَنديّ"،
"إسماعيل"(١). وفي "المعراج": ((قال أصحابنا: لا ينبغي أنْ يُقْتَدَى بالفاسق إلاَّ في الجمعة؛ لأنَّه
في غيرها يجدُ إماماً غيره)) اهـ.
قال في "الفتح"(٢): ((وعليه فيكرهُ في الجمعة إذا تعدَّدتْ إقامتها في المصر على قول "محمَّدٍ"
المفتى به؛ لأنَّه بسبيلٍ إلى التحوُّل)).
[٤٧٤١] (قولُهُ: ونحوُهُ الأعشى) هو سيِّءُ البصر ليلاً ونهاراً، "قاموس"(٣). وهذا ذكرَهُ في
"النهر"(٤) بحثاً أخذاً [١/ق ٤٢ ٤/أ] من تعليل الأعمى: ((بأَنَّ لا يَتوقَّى النجاسة)).
[٧٤٢ ٤] (قولُهُ: أي: غيرُ الفاسقِ) تِبِعَ في ذلك صاحب "البحر"(٥) حيث قال: ((قَّدَ كراهةً
إمامة الأعمى في "المحيط" وغيره بأنْ لا يكون أفضلَ القوم، فإِنْ كان أفضلَهم فهو أولى)) اهـ.
ثمَّ ذكَرَ: ((أَنَّه ينبغي جريانُ هذا القيدِ في العبد والأعرابيِّ وولد الزِّنى))، ونازَعَهُ في
"النهر"(٦): ((بأَنَّه في "الهداية"(٧) علَّلَ للكراهة بغلبة الجهل فيهم، وبأنَّ في تقديمهم تنفيرَ الجماعة،
ومقتضى الثانيةِ ثبوتُ الكراهة مع انتفاء الجهل، لكنْ وَرَدَ في الأعمى نصٌّ خاصٌّ هو استخلافُهُ وَلَّ
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٤٥/١ ب.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٤/١.
(٣) "القاموس": مادة((عشو)).
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٤/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٩/١.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٤/أ.
(٧) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٥٦/١.
قسم العبادات
٥٣٠
حاشية ابن عابدين
لـ "ابن أمِّ مكتومٍ" و"عتبان" على المدينة وكانا أعمَيَين(١)؛ لأَنَّه لم يبقَ من الرجال مَنْ هو أصلحُ
منهما، وهذا هو المناسبُ لإطلاقِهم واقتصارهم على استثناء الأعمى)) اهـ.
وحاصلُهُ: أنَّ قوله: ((إلاَّ أنْ يكون أعلمَ القوم)) خاصٌّ بالأعمى، أمَّا غيره فلا تنتفي
الكراهة بعلمه، لكنَّ ما بحثه في "البحر" صرَّحَ به في "الاختيار "(٢) حيث قال: ((ولو عُدِمَتْ
- أي: عَلَّهُ الكراهة، بأنْ كان الأعرابيُّ أفضلَ من الحضريِّ، والعبدُ من الحرِّ، وولدُ الزِّنى من
ولد الرَّشْدةِ، والأعمى من البصير - فالحكمُ بالضدِّ)) اهـ ونحوُهُ في "شرح الملتقى"
لـ "البهنسيِّ" و"شرح درر البحار)"(٣).
ولعلَّ وجهه: أنَّ تنفير الجماعة بتقديمه يزولُ إذا كان أفضلَ من غيره، بل التنفيرُ يكون في
تقديم غيره، وأمَّا الفاسقُ فقد علَّلوا كراهة تقديمه بأنَّه لا يهتمُّ لأمرٍ دينه، وبأنَّ في تقديمه للإمامة
تعظيمَهُ، وقد وجَبَ عليهم إهانته شرعاً، ولا يخفى أنَّه إذا كان أعلمَ من غيره لا تزولُ العَلَّة، فإنَّه
لا يُؤْمَنُ أنْ يصلّيَ بهم بغير طهارةٍ، فهو كالمبتدع تكره إمامته بكلِّ حالٍ، بل مشى في "شرح
المنية"(٤) على: ((أنَّ كراهة تقديمه كراهةٌ تحريمٍ)) لِما ذكرنا، قال: ((ولذا لم تَجُزْ الصلاة خلفه
(١) أخرجه أحمد ١٩٣/٣، وأبو داود (٥٩٥) كتاب الصلاة - باب إمامة الأعمى، و(٢٩٣١) كتاب الخراج والإمارة
والفيء - باب في الضرير يُوَلَّى، وأبو يعلى (٣١١٠) و (٣١٣٨) والبيهقي في "السنن الكبرى" ٨٨/٣ كتاب
الصلاة - باب إمامة الأعمى من حديث أنس بن مالك أنّ رسول الله ﴿ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين
يصلي بهم وهو أعمى. وفي الباب عن عائشة عند ابن حبان (٢١٣٤) و (٢١٣٥) كتاب الصلاة - باب فرض متابعة
الإمام، وعن ابن عباس عند الطبراني في "الكبير". وأما استخلاف عتبان بن مالك على المدينة فلم نجدهُ، لكن
أخرج ابن أبي شيبة ١١٨/٢ كتاب صلاة التطوع والإمامة - في إمامة الأعمى مَنْ رخّص فيه، والبيهقي في "السنن
الكبرى" ٨٨/٣ كتاب الصلاة - باب إمامة الأعمى عن محمود بن الربيع الأنصاري، وقال: ورأيت عتبان بن مالك
يؤم قومه بني سالم في مسجدهم وهو أعمى.
(٢) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب الأفعال في الصلاة، فصل الجماعة سنة مؤكدة ٥٨/١.
(٣) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر الإمامة ق٣٩/ب.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٣-٥١٤- بتصرف.
الجزء الثالث
٥٣١
باب الإمامة
أي: صاحبِ بدعة، وهي اعتقادُ خلافٍ المعروف عن الرسول
..
أصلاً عند "مالكٍ" وروايةٍ عن "أحمد"))، فلذا حاوَلَ "الشارح" في عبارة "المصنّف"، وحَمَلَ
الاستثناءَ على غير الفاسق، والله أعلم.
مطلبٌ: البدعةُ خمسةُ أقسامٍ
[٤٧٤٣] (قولُهُ: أي: صاحبِ بدعةٍ) أي: محرَّمةٍ، وإلاَّ فقد تكون واجبةً كنصبِ الأدلّة للردِّ
على أهل الفِرَق الضالّة [١/ق٤٤٢/ب] وتعلُّمِ النحو المفهِمِ للكتاب والسنَّة، ومندوبةً كإحداثٍ
نحو رِباطٍ ومدرسةٍ وكلِّ إحسانٍ لم يكن في الصدر الأوَّلِ، ومكروهةً كزخرفة المساجد، ومباحةً
كالتوسُّع بلذيذِ المآكل والمشارب والثياب كما في "شرح الجامع الصغير" لـ "المناويّ"(١) عن
"تهذيب النوويّ"(٢)، ومثله في "الطريقة المحمَّديَّة" لـ "البركليّ)(٣).
٣٧٦/١
[٤٧٤٤] (قولُهُ: وهي اعتقادُ إلخ) عزا هذا التعريفَ في هامش "الخزائن)"(٤) إلى الحافظ "ابن
حجرٍ" في "شرح النخبة"(٥)، ولا يخفى أنَّ الاعتقاد يشملُ ما كان معه عمَلٌ أَوْ لا، فإنَّ مَن تليَّنَ
بعملٍ لا بدَّ أنْ يعتقده كمسح الشّيعة على الرِّجلين وإنكارهم المسحَ على الحقَّين ونحوِ ذلك، وحينئذٍ
فيساوي تعريفَ "الشمنيِّ" لها: ((بأنّها ما أُحدِثَ على خلاف الحقِّ المتلقَّى عن رسول الله ◌َ ◌ّ
(١) "فيض القدير" شرح "الجامع الصغير": ٤٣٩/١- ٤٤٠ رقم (٨٥٣).
(٢) "تهذيب الأسماء واللغات": ٢٢/٢ مادة ((بدع)). وهو للإمام أبي زكريّا، يحيى بن شرف محيي الدين النّوَوي
(ت ٦٧٦ هـ). ("كشف الظنون" ٥١٤/١، "طبقات السُبكي" ٣٩٥/٨).
(٣) "الطريقة المحمدية": الباب الأول - الفصل الثاني صـ ١١ -. للمولى محمد بن بير علي، تقي الدين المعروف بالبركليّ
أو البِرْكويّ الروميّ (ت٩٨١هـ). ("كشف الظنون"١١١٢/٢، "العقد المنظوم"ص- ٤٣٦- (ذيل "الشقائق النعمانية")،
"هدية العارفين" ٢٥٢/٢).
(٤) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ١٠٣/أ.
(٥) "نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر": أسباب الطعن في الراوي صـ٨٥- لأبي الفضل أحمد بن علي، شهاب الدين
المعروف بابن حجر الكناني العسقلاني المصري الشافعي (ت٨٥٢هـ)("كشف الظنون" ١٩٣٦/٢، "الضوء اللامع
٣٦/٢).
قسم العبادات
٥٣٢
حاشية ابن عابدين
لا بمعاندةٍ، بل بنوعٍ شبهةٍ، وكلُّ مَن كان من قِبلتنا (لا يُكَفَرُ بها) حتى الخوارجُ الذين
يستحلُّون دماءَنا وأموالَنا وسبَّ الرسول(١)، ويُنكِرون صفاتِهِ تعالى وجوازَ رؤيته؛ .....
من عِلْمٍ أو عملٍ أو حالٍ بنوعٍ شبهةٍ واستحسانٍ، وجُعِلَ دِيناً قويمً وصراطاً مستقيماً)) اهـ، فافهم.
[٤٧٤٥] (قولُهُ: لا بمعاندةٍ) أمَّا لو كان مُعانِداً للأدّة القطعيَّة التي لا شبهةَ له فيها أصلاً
كإنكار الحشر أو حدوثِ العالَمِ ونحوِ ذلك فهو كافرٌ قطعاً.
[٤٧٤٦] (قولُهُ: بل بنوعٍ شبهةٍ) أي: وإنْ كانت فاسدةٌ كقول مُنكِرِ الرؤية بأنَّه تعالى لا يُرى
لجلالِهِ وعظمته.
[٤٧٤٧] (قولُهُ: وكلُّ مَنْ كان من قِبلتنا لا يُكفَرُ بها) أي: بالبدعة المذكورة المبنيّة على شبهةٍ؛
إذ لا خلاف في كفر المخالف في ضروريَّات الإسلام من حدوثِ العالَم وحشر الأجساد ونفىٍ
العلم بالجزئيَّات وإنْ كان من أهل القِبلة المواظِبِ طولَ عمره على الطاعات كما في "شرح
التحرير"(٢).
[٤٧٤٨] (قولُهُ: حتى الخوارجُ) أرادَ بهم مَنْ خَرَجَ عن مُعتقَد أهل الحقِّ، لا خصوصُ الفرقة
الذين خرجوا على الإِمام "علىّ" رضي الله تعالى عنه وكفَّرُوه، فيشملُ المعتزلة والشّيعة وغيرهم.
[٤٧٤٩] (قولُهُ: وسبَّ الرسولِ) هكذا في غالب النسخ، ورأيته كذلك في "الخزائن)"(٢) بخطّ
"الشارح"، وفيه أنَّ سابَّ الرسول وَ﴿ كافرٌ قطعاً، فالصوابُ: وسبَّ أصحابِ الرسول، وقَّدَهم
(قولُهُ: مَن عِلْمٍ أو عملٍ أو حالٍ إلخ) في "البحر" عن "المغرب": ((البدعةُ: اسمٌ من ابتدَعَ الأمرَ إذا
ابتدأه وأحدَثَّهُ كالرِّفعة من الارتفاع والخلفة من الاختلاف، ثمَّ غلبتْ على ما هو زيادةٌ في الدين أو
نقصانٌ منه)) اهـ. والظاهرُ أنَّ المراد بالحال في تعريف "الشمنيِّ" النقصانُ من الدِّين.
(١) في "د" و"و": ((وسبَّ أصحاب الرسول)).
(٢) انظر "التقرير والتحبير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه - ٣١٨/٣.
(٣) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق١٠٣/أ.
الجزء الثالث
٥٣٣
باب الإمامة
الكونِهِ عن تأويلٍ وشبهةٍ بدليلٍ قبول شهادتهم إلاَّ الخطابَّةَ،
"المحشِّي"(١) بغير الشيخين؛ لِما سيأتي(٢) [١/ق٤٤٣ /أ] في باب المرتدِّ أنَّ سأَبَّهما أو أحدِهما كافرٌ.
أقولُ: ما سيأتي محمولٌ على سبِّهما بلا شبهةٍ؛ لِما صرَّحَ به في "شرح المنية"(٣): ((من أنَّ
سأَبَّهما أو مُنكِرَ خلافتهما إذا بناه على شبهةٍ له لا يُكفَرُ وإِنْ كان قوله كفراً في حدّ ذاته؛ لأنّهم
ينكرون حجّة الإجماع باتّهامِهِم الصحابةَ، فكان شبهةً في الجملة وإنْ كانت باطلةً، بخلاف مَن
ادَّعَى أنَّ "علَّا" إلهٌ، وأنَّ جبريل غَلِطَ؛ لأَنَّه ليس عن شبهٍ واستفراغِ وسعٍ في الاجتهاد، بل محضُ
هوىٍّ، وتمامُهُ فيه فراجعه، وقد أوضحتُ هذا المقام في كتابي "تنبيه الولاة والحكّام على أحكام
شاتِمٍ خير الأنام أو أحدٍ أصحابه الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام"(٤).
[٤٧٥٠] (قولُهُ: لكونِه عن تأويلٍ إلخ) علّةٌ لقوله: ((لا يُكَفَرُ بها))، قال المحقّق "ابن الهمام"
في أواخر "التحرير"(٥): ((وجهلُ المبتدعِ كالمعتزلة مانِعِي ثبوتِ الصفات زائدةً، وعذابِ القبر،
والشفاعةٍ، وخروجٍ مُرتكِبِ الكبيرة، والرؤية لا يصلُحُ عذراً لوضوح الأدَّة من الكتاب والسنَّة
الصحيحة، لكنْ لا يُكَفَرُ؛ إذ تمسُّكُه بالقرآن أو الحديث أو العقل، وللنَّهي عن تكفير أهل القبلة،
والإجماعِ على قبول شهادتهم، ولا شهادةً لكافرٍ على مسلمٍ، وعدمُهُ في الخطَّايّة ليس لكفرهم،
أي: بل لتدُّنِهم شهادةَ الزُّور لمن كان على رأيهم أو حلَفَ أَنَّه مُحِقٌّ(٦)، وأُورِدَ أنَّ استباحة المعصية
كفرٌ، وأجيب: إذا كان عن مكابرةٍ وعدمٍ دليلٍ، بخلاف ما عن دليلٍ شرعىٍّ، والمبتدعُ مخطئٌ
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٧٩/أ.
(٢) انظر المقولة [٢٠٣٤٣] قوله: ((وليكن التوفيق)).
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥١٤- وما بعدها باختصار.
(٤) "تنبيه الولاة والحكام": الباب الثاني: في حكم سابِّ أحد الصّحابة ◌َّ صـ٣٣٥- وما بعدها،(ضمن مجموعة
"رسائل ابن عابدين" رحمه الله).
(٥) "التحرير": الباب الخامس : - المقالة الثالثة: في الاجتهاد وما يتبعه من التقليد والإفتاء، تتمة: قسَّمَ الحنفية الجهل
المركب إلى ثلاثة أقسام صـ٥٣٧-٥٣٨ ..
(٦) من ((أي: بل لتدينهم)) إلى ((محق)) مأخوذ من "شرح التحرير" لابن أمير حاج ٣١٨/٣.
قسم العبادات
٤ ٥٣
حاشية ابن عابدين
ومنّا مَن كفّرَهم (وإنْ) أنكَرَ بعضَ ما عُلِمَ من الدِّين ضرورةً (كُفِرَ بها) كقوله:
جسمٌ (١) كالأجسام، وإنكارِهِ صحبةً "الصِّدِّيق" (فلا يصحُّ الاقتداءُ به.
في تمسُّكه لا مكابرٌ، والله أعلمُ بسرائر عباده)) اهـ.
[٤٧٥١] (قولُهُ: ومَنَّا مَنْ كَفَّرَهم) أي: منّا معشرَ أهل السنّة والجماعة مَنْ كَفَّرَ الخوارجَ، أي:
أصحابَ البدع، أو المرادُ: مَنَّا معشرَ الحنفيَّة، وأفادَ أنَّ المعتمد عندنا خلافه، فقد نقَلَ في "البحر"(٢)
عن "الخلاصة"(٢) فروعاً تدلُّ على كفرِ بعضهم، ثم قال(٤): ((والحاصلُ أنَّ المذهب عدمُ تكفير
أحدٍ من المخالفين فيما ليس من الأصول المعلومة من الدِّين ضرورةً إلخ))، فافهم.
[٤٧٥٢] (قولُهُ: كقوله: جسمٌ كالأجسامٍ) وكذا لو لم يَقُلْ: كالأجسام، وأمَّا لو قال: لا
كالأجسام فلا يُكفَرُ؛ لأَنّه ليس [١/ق ٤٤٣ /ب] فيه إلاَّ إطلاقُ لفظِ الجسم الموهِمِ للنقص، فرفَعَهُ
بقوله: لا كالأجسام، فلم يبقَ إلاَّ مجرَّدُ الإطلاق، وذلك معصيةٌ، وتمامُهُ في "البحر "(٥).
(٤٧٥٣] (قولُهُ: وإنكارِهِ صحبةً "الصِّدِّيق") لِما فيه من تكذيب قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ﴾
[التوبة - ٤٠]، "ح"(١). وفي "الفتح"(٧) عن "الخلاصة"(٨): ((وإنْ أنكَرَ خلافةَ "الصِّدِّيق" أو "عمر"
فهو كافرٌ)) اهـ.
ولعلَّ المراد إنكارُ استحقاقهما الخلافةَ - فهو مخالفٌ لإجماع الصحابة - لا إنكارُ وجودِها لهما،
"بحر"(٩). وينبغي تقييدُ الكفر بإنكار الخلافة بما إذا لم يكن عن شبهةٍ كما مرَّ( ١٠) عن شرح "المنية"،
(١) في "ب" و"و": ((كقوله: إن الله تعالى جسم)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٠/١.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر: في الإمامة والاقتداء ق٣٧/ب.
١
(٤) في "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧١/١.
(٥) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٠/١.
---
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/ب.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٤/١.
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر: في الإمامة والاقتداء ق٣٧/ب. وقوله ((أو عمر)) ليس فيها.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٠/١ بتصرف يسير.
(١٠) المقولة [٤٧٤٩] قوله: ((وسب الرسول)).
الجزء الثالث
٥٣٥
باب الإمامة .
أصلاً) فليحفظ (وولدِ الزِّنى) هذا إنْ وُجدَ غيرُهم، وإلاَّ فلا كراهةَ، "بحر" بحثاً.
وفي "النهر"(١) عن "المحيط": ((صلَّى خلفَ فاسقِ أو مبتدعِ نالَ فضل الجماعة)) ..
بخلاف إنكارِ صحبة "الصِّدِّيق"، تأمَّل.
[٤٧٥٤] (قولُهُ: أصلاً) تأكيدٌ، وليس المرادُ به في حالةٍ كذا، ولا في حالةِ كذا؛ إذ ليس هنا.
أحوالٌ، "ح"(٢).
[٤٧٥٥] (قولُهُ: وولدِ الزِّنى) إذ ليس له أبٌّ يُرِّيه ويؤدّبُهُ ويعلِّمُه، فيغلبُ عليه الجهلُ،
:
"بحر"(٣). أو لنفرةِ الناس عنه.
[٧٥٦ ٤] (قولُهُ: هذا) أي: ما ذُكِرَ من كراهة إمامةِ المذكورِين.
[٤٧٥٧] (قولُهُ: إِنْ وُجِدَ غيرُهم) أي: مَن هو أحقُّ بالإمامة منه.
[٤٧٥٨] (قولُهُ: "بحر "(٤) بحثاً) قد علمتَ أنّه موافقٌ للمنقول عن "الاختيار"(٥) وغيره.
[٧٥٩ ٤] (قولُهُ: نالَ فضلَ الجماعةِ) أفادَ أنَّ الصلاة خلفهما أولى من الانفراد، لكن لا ينالُ
كما ينالُ خلف تقيّ وَرِعٍ؛ لحديث: (مَنْ صلَّى خلف عالِمٍ تقيٍّ فكأنما صلّى خلف نبيِّ) (٦)، قال
في "الحلبة"(٧): ((ولم يجدْهُ المخرِّجون، نعم أخرَجَ "الحاكم" في "مستدركه"(٨) مرفوعاً: ((إنْ
(قولُهُ: إذ ليس هنا أحوالٌ) قد يقال: مرادُهُ لا يصحُّ في حالةِ كون اعتقاده ناشئاً عن شبهةٍ وإن
كانت باطلة، وفي حالة كونه ليس عن شبهةٍ .
(قولُهُ: من كراهةٍ إمامةِ المذكورين) حتى المبتدع ما عدا الفاسقَ لِما تقدَّمَ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٣/ب بتصرف يسير.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٩/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٩/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٧٠/١.
(٥) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب الأفعال في الصلاة - فصل الجماعة سنة مؤكدة ٥٨/١.
(٦) قال العيني في "البناية في شرح الهداية" ٣٩٠/٢: وهذا الحديث غريب ليس في كتب الحديث، وذكره السخاوي في
"المقاصد الحسنة" صـ ٤٨٦ - وقال: وما وقع في "الهداية" للحنفية بلفظ: ((من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى
خلف نبي)) فلم أقف عليه بهذا اللفظ.
(٧) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٥/أ.
(٨) "المستدرك" ٢٢٢/٣، والطبرانيّ في "الكبير" ٧٧٧/٢٠ وفي إسناده يحيى بن يَعْلى الأسلميّ وهو ضعيف . =
قسم العبادات
٥٣٦
حاشية ابن عابدين
وكذا تكرهُ خلفَ أمردَ،
سَرَّكم أنْ يقبلَ الله صلاتكم فليؤمَّكم خيارُكم، فإنّهم وفدُكم فيما بينكم وبين ربِّكم)))) اهـ.
مطلبٌ في إمامةِ الأمردِ
٣٧٧/١
[٤٧٦٠] (قولُهُ: وكذا تكرهُ خلفَ أمردَ) الظاهرُ أَنّها تنزيهيَّةٌ أيضاً، والظاهرُ أيضاً - كما قال
"الرَّحِمَتَيُّ" - : ((أنَّ المراد به الصبيحُ الوجهِ؛ لأَنَّه محلُّ الفتنة))، وهل يقالُ هنا أيضاً إذا كان أعلمَ
القوم تنتفي الكراهةُ؟ فإنْ كانت علَّهُ الكراهة خشيةَ الشهوة - وهو الأظهرُ - فلا، وإنْ كانت غلبةً
الجهل أو نفرةَ الناس من الصلاة خلفه فنعم، فتأمَّل.
والظاهرُ: أنَّ ذا العِذارِ الصبيحَ المشتهَى كالأمردِ، تأمَّل.
هذا، وفي "حاشية المدنيّ" عن "الفتاوى العفيفيَّة"(١): ((سُئل العلاَّمة الشيخ"عبد الرحمن بنُ
عيسى المرشديُ)(٢) عن شخصٍ بَلَغَ من السنِّ عشرين سنةً، وتجاوز حدَّ الإِنبات ولم ينْبُتْ عذارُه،
فهل يخرجُ بذلك عن حدٍّ [١/ق ٤٤٤ /أ] الأمرديَّة؟ وخصوصاً قد نبَتَ له شعراتٌ في ذقنه تُؤَذِنُ
بأنَّه ليس من مُستديري اللِّحى، فهل حكمُهُ في الإمامة كالرِّجال الكاملين أم لا؟ أجابَ: سُئل
العلامة الشيخ "أحمدُ بن يونس" المعروف بـ "ابن الشلبيّ" من متأخري علماء الحنفيَّة عن مثل هذه
المسألةِ فأجاب بالجواز من غير كراهةٍ، وناهيك به قدوةً والله أعلم، وكذلك سُئل عنها المفتي
"محمَّدٌ تاج الدين القلعيُّ))(٣) فأجاب كذلك)) أهـ.
= وأورده الشوكاني في "الفوائد المجموعة صـ٣٢ - وقال: لا يصح، وذكره السخاوي في "المقاصد الحسنة" صـ ٤٨٦-،
وقال: أخرجه الدَّيْلَمِيّ عن جابرِنَُّه به مرفوعاً، والحاكم والطبرانيّ بسند ضعيف عن مرتد بن أبي مرتد الغَنْوِيّ.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٦٤/٢، وقال: رواه الطبرانيّ في "الكبير" وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف.
ورواه ابن عساكر عن أبي أمامة مرفوعاً، وقال الشيخ أشرف علي التهانوي: حديث حسن لغيره، انظر "إعلاء
السنن" ٢٠٠/٤ وفي الباب عن ابن عباس رضي
(١) هي - والله أعلم - فتاوى عبد الله بن حسن العفيف الكازروني المكي (ت بعد ١١٠٢هـ)، وهي ترتيب وتهذيب
وزيادة على فتاوى الشمس الحانوتي (ت ١٠١٠هـ) المسماة "إجابة السائلين بفتوى المتأخرين". ("فهرس مخطوطات
الظاهرية" - الفقه الحنفي ١٥/٢، "الأعلام" ٧٩/٤).
(٢) أبو الوَجَاهة عبد الرحمن بن عيسى بن مرشد العُمَريّ الْمُرشِدِيّ، مفتي الحرم المكّي (ت ١٠٣٧هـ). ("خلاصة الأثر"
٣٦٩/٢، "الأعلام" ٣٢١/٣).
(٣) لعله أبو الفضل محمد بن عبد المحسن، تاج الدين القلعي (كان حياً سنة ١١٤٧ هـ). ("معجم المؤلفين"٤٦٢/٣).