النص المفهرس
صفحات 501-520
الجزء الثالث
٤٩٧
باب الإمامة
وعلمِهِ بانتقالاتِهِ وبحالِهِ من إقامةٍ وسفرٍ، ومشاركتِهِ في الأركان، وكونِهِ مثلَهُ أو
دونَهُ فيها ..
بعقبه عن عقب المقتدي شرطٌ لصحَّةِ اقتدائه، حتى لو كان عقبُ المقتدي غيرَ متقدِّمٍ على عقب
الإِمام، لكنَّ قدمَهُ أطولُ، فتكونُ أصابعه قُدَّامَ أصابع إمامه تجوزُ، كما لو كان المقتدي أطولَ من
إمامه فيسجدُ أمامَهُ)) اهـ.
وقولُهُ: ((حتى)) [١/ق ٤٣٤ /ب] إلى آخره يشملُ المساواةَ، فلفظُ التقدُّمِ الواقعُ في المتن غيرُ
مقصودٍ، "رحمتي".
[٤٦٤٦] (قولُهُ: وعِلْمِهِ بانتقالاتِهِ) أي: بسماعٍ أو رؤيةٍ للإمام أو لبعض المقتدين، "رحمتي".
وإنْ لم يَتَّحِدِ المكان، "ط"(١).
[٤٦٤٧] (قولُهُ: وبحالِهِ إلخ) أي: علمُهُ بحالٍ إمامه من إقامةٍ أو سفرٍ قبل الفراغ أو بعده، وهذا
فيما لو صلَّى الرباعيَّةَ ركعتين في مصرٍ أو قريةٍ، فلو خارجَها لا تفسُدُ؛ لأنَّ الظاهر أنَّه مسافرٌ، فلا
يُحمَلُ على السهو، وكذا لو أَتَمَّ مطلقاً، وسيأتي(٢) تمامُهُ إنْ شاء الله تعالى في صلاة المسافر.
[٤٦٤٨] (قولُهُ: ومشاركتِهِ في الأركانِ) أي: في أصلٍ فعلِها، أعمُّ من أنْ يأتيَ بها معه أو بعده
لا قبله، إلاّ إذا أدرَ كَهُ إمامُهُ فيها، فالأوَّلُ ظاهرٌ، والثاني کما لو رگَعَ إمامه ورفع ثم ركع هو
فيصحُّ، والثالثُ عكسُهُ فلا يصحُّ، إلاَّ إذا ركَعَ وبقِيَ راكعاً حتى أدرَكَهُ إمامه فيصحُّ لوجود المتابعة
التي هي حقيقةُ الاقتداء، وقد حقَّقنا الكلامَ على المتابعة في أواخرٍ واجبات الصلاة(٣)، فراجعه.
[٤٦٤٩] (قولُهُ: وكونِهِ مثلَهُ أو دونَهُ فيها) أي: في الأركان، مثالُ الأوَّلِ اقتداءُ الراكعِ
والساجد بمثله والمومي بهما يمثله، ومثالُ الثاني اقتداءُ المومي بالراكع والساجد، واحترَزَ به عن
كونه أقوى حالاً منه فيها كاقتداء الراكع والساجد بالمومي بهما، "ح (٤).
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٠/١.
(٢) المقولة [٦٤١٦] قوله: ((لكن إلخ)).
(٣) المقولة [٤٠٢٣] قوله: ((ومتابعة الإمام)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٨/أ وما بعدها.
قسم العبادات
٤٩٨
حاشية ابن عابدين
وفي الشرائط كما بُسِطَ في "البحر"، قيل: وثبوتُها بـ ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الرَِّينَ﴾
[ البقرة - ٤٣]، ومِن حِكمتها نظامُ الأُلفةِ، وتعلُّمُ الجاهلِ من العالِم ..
(هي أفضلُ من الأذان) عندنا.
[٤٦٥٠] (قولُهُ: وفي الشرائطِ) عطفٌ على ((فيها))، أي: وكونُ المؤتَمِّ مثلَ الإِمام أو دونه في
الشرائط، مثالُ الأوَّلِ اقتداءُ مستجمعِ الشرائط بمثله والعاري بمثله، ومثالُ الثاني اقتداءُ العاري
بالمكتسي، واحترَزَ به عن كونه أقوى حالاً منه فيها كاقتداء المكتسي بالعاري، "ح"(١).
أقولُ: وفي "القنية(٢) عن "تأسيس النظر "(٣): ((وينبغي أنْ يجوزَ اقتداءُ الحرّة بالأمَة الحاسرةِ
الرأس)) اهـ. أي: لأَنّه غيرُ عورةٍ في حقِّ الأمَة، فهو كرأس الرجل (٤)، تأمَّل.
[٤٦٥١] (قولُهُ: كما بُسِطَ في "البحر") المرادُ به ما ذكَرَهُ من الشروط العشرة، لكنَّ هذا ليس
موجوداً في أصل نسخ "البحر"، وإنما يوجَدُ بهامش بعضِ نُسَخِهِ معزّاً إلى خطّ مؤلّفه.
[٤٦٥٢] (قولُهُ: قيل: وثبوتُها إلخ) وقيل: معناه: اخضعُوا مع الخاضعين كما في
"البيضاويِّ" (٥)، "ح"(٦).
[٤٦٥٣] (قولُهُ: نظامُ الأُلْفةِ) بتحصيلِ التعاهُدِ باللقاء في أوقات الصلاة بين الجيران، "بحر "(٧).
والأُلْفة بضمِّ الهمزة: اسمُ الائتلاف، [١/ق ٤٣٥/ أ] "ح"(٨) عن "القاموس" (٩).
[٤٦٥٤] (قولُهُ: هي أفضلُ من الأذان) أي: على المعتمد، وقيل بالعكس، وقيل بالمساواة.
٣٧٠/١
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٨/ب.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمام ق١٨/أ.
(٣) لم نعثر على النقل فيه، وهو لأبي زيد، عبيد الله - وقيل: عبد الله - بن عمر بن عيسى الدَّبُوسيّ(ت ٤٣٠هـ) ..
("كشف الظنون" ٣٣٤/١، "الجواهر المضية" ٤٩٩/٢).
(٤) من ((أي لأنه)) إلى ((الرجل)) ساقط من "الأصل" و"آ".
(٥) في "أنوار التنزيل": سورة البقرة صـ٩ -.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٨/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٧/١.
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٨/ب.
(٩) "القاموس": مادة ((ألف)).
الجزء الثالث
٤٩٩
باب الإمامة
خلافاً لـ "الشافعيِّ"، قالَهُ "العينيُّ"(١)، وقولُ "عمر": ((لولا الخلافةُ لأَذّنْتُ)) أي:
مع الإمامةِ؛ إذ الجمعُ أفضلُ، وقال بعضهم: أخافُ إنْ تركتُ الفاتحة أنْ يعاتبَني
"الشافعيُّ"، أو قرأتُها يعاتبَني "أبو حنيفة"، فاخترتُ الإمامة.
(والجماعةُ سنَّةٌ مؤكّدةٌ للرجال) قال "الزاهديُّ": ((أرادوا بالتأكيدِ الوجوبَ إلاَّ في
جمعةٍ وعيدٍ ...
[٤٦٥٥] (قولُهُ: خلافاً لـ "الشافعيّ") قدَّمنا (٢) في الأذان عن مذهبه قولين مصححين: الأوَّلُ
كقولنا، والثاني عکسُه.
[٤٦٥٦] (قولُهُ: وقولُ "عمر " إلخ) أي: لا دلالة فيه على أفضلَّة الأذان؛ لأنَّ مراده الجمعُ
بينهما، لكنَّ اشتغال الخليفة بأمور العامَّة يمنعُهُ عن مراقبة الأوقات، فلذا اقتصَرَ على الإمامة.
[٤٦٥٧] (قولُهُ: وقال بعضُهم إلخ) ذكَرَهُ "الفخر الرازيُّ(٣) في تفسير سورة المؤمنين، قال في
"البحر"(٤): ((وقد كنتُ أختارُها لهذا المعنى بعينه قبل الاطلاع على هذا النقل، والله الموفّق)) اهـ.
قلت: ومُفاده أنَّها أفضلُ من الاقتداء.
[٤٦٥٨] (قولُهُ: قال "الزاهديُّ" إلخ) توفيقٌ بين القولِ بالسُّنَّة والقولِ بالوجوب
(قولُهُ: توفيقٌ بين القول بالسنّة والقول بالوجوب إلخ) لكنْ في "القُهُستانيِّ": ((الجماعةُ سنَّةٌ
مؤكّدةٌ قريبةٌ من الواجب، فلو أنَّ أهل مصرٍ تركوها قُوتِلوا، وإذا ترَكَ واحدٌ ضُرِبَ وحُبِسَ كما في
"الخلاصة"، فلا تكون واجبةً لقوله عليه السلام: ((الجماعةُ من سنن الهدى))، فتكونُ سنَّةً مؤكَّدةً كما
في "الكرمانيّ"، فكأنَّ صحَّتَهُ لم تبلغ "الزاهديّ"، وإلاَّ لم يقل: أرادوا بالتأكيد الوجوب)) اهـ.
(١) "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٤٥/١.
(٢) المقولة [٣٤١٦] قوله: ((لكن هي أفضل منه)).
(٣) "التفسير الكبير المسمَّى "مفاتيح الغيب": ٧٩/٢٣. لأبي عبد الله محمد بن عمر، فخر الدين المعروف بابن الخطيب
التَّيميّ البكريّ القُرَشيّ الطَّبَرِ ستانيّ الرّازي، الشَّافعيّ (ت ٦٠٦هـ). ("كشف الظنون" ١٧٥٦/٢،"طبقات
السبكي "٨١/٨").
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٦٨/١.
قسم العبادات
٥٠٠
حاشية ابن عابدين
الآتي (١)، وبيانُ أنَّ المراد بهما واحدٌ أخذاً من استدلالهم بالأخبارِ الواردة بالوعيد الشديد بترك
الجماعة، وفي "النهر"(٢) عن "المفيد": ((الجماعةُ واجبةٌ وسنّةٌ لوجوبها بالسنَّة)) اهـ.
وهذا كجوابهم عن رواية سنَّةِ الوتر بأنَّ وجوبها ثبَتَ بالسنَّة، قال في "النهر"(٣): ((إلاَّ أنَّ
هذا يقتضي الاتّفاقَ على أنَّ تركها مرَّةً بلا عذرٍ يوجبُ إنماً مع أَنَّه قولُ العراقيين، والخراسانُّون
على أنّه يأثمُ إذا اعتادَ التركَ كما في "القنية"(٤)) اهـ.
وقال في "شرح المنية "(٥): ((والأحكامُ تدلُّ على الوجوب من أنَّ تاركها بلا عذرٍ يُعزَّرُ،
وتُرَدُّ شهادته، ويأثمُ الجيران بالسكوت عنه، وقد يُوفَّقُ بأنَّ ذلك مقَّدٌ بالمداومة على الترك كما هو
ظاهرُ قولِهِمَ﴿: ((لا يشهدون الصلاة))(٦)، ..
قلت: والحقُّ أنَّ العلماء اختلفوا فيها على خمسةٍ أقوال: أحدُها أنَّها مستحبَّةٌ كما في "جوامع
الفقه"، ثانيها: سنَّةٌ مؤكّدةٌ، ثالثها: ما في "القنية": ((أَنَّها فرضُ عينٍ))، رابعها: فرضُ كفايةٍ، خامسها:
الوجوبُ. اهـ "سندي".
(١) ص ٥٠٩ - "در".
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٣/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٥٣/أ.
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجماعة ق ١٦/ب.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥٠٩ - بتصرف.
(٦) أخرجه أحمد ٤٢٤/٢، والبخاريّ (٢٤٢٠) كتاب الخصومات - باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد
المعرفة، ومسلم (٦٥١)(٢٥٢) كتاب المساجد - باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، وأبو
داود (٥٤٨) كتاب الصلاة - باب التشديد في ترك الجماعة، والترمذيّ(٢١٧) كتاب الصلاة - باب ما جاء فيمن
يسمع النداء فلا يجيب، وقال: حديث أبي هريرة رضيه حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٧٩١) كتاب المساجد -
باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، وابن خزيمة (١٤٨٤) كتاب الإمامة في الصلاة - باب ذكر أثقل الصلاة على
المنافقين، والبيهقيّ في "الكبرى" ٥٥/٣ كتاب الصلاة - باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجيب، وابن حبان في
"صحيحه" (٢٠٩٨) كتاب الصلاة - باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها. كلهم من حديث أبي
هريرة رَالُبه، وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن أنس، وجابر ضيه.
الجزء الثالث
٥٠١
باب الإمامة
فشرطٌ، وفي التراويحِ.
وفي الحديث الآخرِ: (يصلّون في بيوتهم)(١) كما يعطيه ظاهرُ إسنادٍ المضارع نحو: بنو فلان يأكلون
البُرَّ، أي: عادتُهم، فالواجبُ الحضورُ أحياناً، والسنَّةُ المؤكَّدة التي تقرُبُ منه المواظبةُ)) اهـ
ويَرِدُ عليه ما مرَّ(٢) عن "النهر"، إلاَّ أنْ يجابَ بأنَّ قول العراقِّين: يَأْتُمُ بتركها مرَّةً مبنيٌّ على
القول بأنّها فرضُ عينِ عند بعض مشايخنا كما نقَلَهُ "الزيلعيُ)(٣) وغيره، أو على القول بأنّها فرضُ
كفايةٍ كما نقَلَهُ في [١/ق ٤٣٥ /ب] "القنية"(٤) عن "الطحاويِّ" و"الكرخيّ" وجماعةٍ، فإذا ترَكَها
الكلُّ مرَّةً بلا عذرِ أتموا، فتأمَّل.
[٤٦٥٩] (قولُهُ: فشرْطٌ) بناءً على القول بوجوبِ العيد، أمَّ على القول بسنَّتها فتسنُّ الجماعةُ
(قولُهُ: والسنَّةُ المؤكَّدة التي تقرُبُ منه المواظبة) عبارة "الحلبيِّ": ((عليها)).
(قولُهُ: وَيَرِدُ عليه ما مرَّ عن "النهر" إلخ) ما في "شرح المنية" إنما أفادَ أَنَّها سنَّةٌ، وأنَّ الأحكام دالّةٌ
على الوجوب، ووفَّقَ بينهما بالتقييدِ بالمداومة، ولا يَرِدُ على هذا ما قدَّمَهُ عن "النهر"، فإنّه ليس فيه ما
يقتضي الاتّفاقَ على أنَّ الترك مرَّةٌ بلا عذرٍ يُوجِبُ إثماً بخلاف توفيقِ "الزاهديّ".
(قولُهُ: كما نقلَهُ "الزيلعيُّ") عبارته: ((وقال كثيرٌ من المشايخ: إنَّها فريضةٌ، ثمَّ منهم مَن يقول: إنَّها
فرضُ كفايةٍ، ومنهم من يقول: إنَّها فرضُ عينٍ))، وذكَرَ دليلَهم على ما قالوه، ثمَّ قال: ((ولنا)) وذكَّرَ ما
يدلُّ على عدم كونها فرضَ عينِ أو كفايةٍ، وليس في عبارته ما يدلُّ على أنَّ القائل: ((إنَّها فرضُ عينٍ)) من
أهل المذهب، وفي "البناية": ((وقيل: فرضُ كفايةٍ، وبه قال "الطحاويُّ"، وهو قول "الشافعيّ"، وقال
"النوويُّ": وهو الصحيحُ، نَصَّ عليه "الشافعيُّ"، وهو قولُ "ابن سُرَيج" و"أبي إسحاق" وجمهورِ المتقدِّمين من
الشافعيّة، وقال "النوويُّ": وفي وجهٍ سنّةٌ، وفي وجهٍ فرضُ عينٍ، لكنْ ليست شرطاً لصحَّةٍ الفرض، وهو
الصحيحُ من مذهب "أحمد"، وقوله الآخر: لا تصحُّ الصلاة بتركها)) اهـ. فقد ذكَرَ أنَّ القائل: ((إنَّها فرضُ
عین)) من غیر مشايخنا.
ء
(١) أخرجه أبو داود (٥٤٩) كتاب الصلاة - باب في التشديد في ترك الجماعة، والبيهقيّ ٥٦/٣ كتاب الصلاة - باب
ما جاء من التشديد في ترك الجماعة من غير عذر، عن أبي هريرة څه مرفوعاً.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الإمامة والحدث في الصلاة ١٣٢/١.
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجماعة ق ١٦/ب.
قسم العبادات
٥٠٢
حاشية ابن عابدين
سنةٌ كفايةٍ، وفي وترِ رمضانَ مستحبَّةٌ على قولٍ، وفي وترِ غيره وتطوُّعٍ على سبيل
التداعي مكروهةٌ ))، وسنحقّقُهُ».
فيها كما في "الحلبة"(١) و"البحر"(٢)، ثمَّ قال في "البحر"(٢): ((ولا يخفى أنَّ الجماعة شرطُ الصحّة
على كلٍّ من القولين)) اهـ. أي: شرطٌ لصحَّةٍ وقوعِها واجبةً أو سنَّةً، فافهم.
[٤٦٦٠] (قولُهُ: سنَّةُ كفايةٍ) أي: على كلِّ أهلِ مَحَلَّةٍ؛ لِما في "منية المصلِّي)"(٣) من بحث
التراويح: ((من أنَّ إقامتها بالجماعة سنّةٌ على سبيل الكفاية، حتى لو ترَكَ أهلُ مَحَلَّةٍ كلُّهم
الجماعةَ فقد تركوا السنَّةَ وأساؤوا في ذلك، وإنْ تخلَّفَ من أفراد الناس وصلَّى في بيته فقد
ترَكَ الفضيلة)) اهـ.
(٤٦٦١] (قولُهُ: على قولٍ) وغيرُ مستحبَّةٍ على قولٍ آخرَ، بل يصلِيها وحدَهُ في بيته، وهما
قولان مصحَّحان، وسيأتي(٤) قبيل إدراك الفريضة ترجيحُ الثاني بأنّه المذهبُ.
[٤٦٦٢] (قولُهُ: وفي وترِ غيرِهِ إلخ) كراهةُ الجماعة فيه هو المشهورُ، وذكَرَهُ "القدوريُّ" في
"مختصره"(٥)، وذكَرَ في غيره عدمَ الكراهة، ووفّقَ في "الحلبة"(٦) بحمْلِ الأَوَّلِ على المواظبة، والثاني
على الفعل أحياناً، وسيأتي(٧) تمامُّهُ إن شاء الله تعالى.
(٤٦٦٣] (قولُهُ: على سبيلِ الَّداعي) بأنْ يقتديَ أربعةٌ فأكثرُ بواحدٍ .
[٤٦٦٤] (قولُهُ: وسنحقّقُهُ) أي: قبيل إدراكِ الفريضة(٨).
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجماعة ٢/ق ٢٦٣/أ بتصرف يسير.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٦/١.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في التراويح صـ ٤٠١-٤٠٢ -.
(٤) ٣٧٩/٤ "در".
(٥) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الصلاة - باب قيام شهر رمضان ١٢٢/١.
(٦) "الحلبة": صلاة الوتر ٢/ق ٢١١/ب.
(٧) المقولة [٥٩٢٩] قوله: ((أي يكره ذلك)).
(٨) المقولة [٥٩٢٩] قوله: ((أي يكره ذلك)).
الجزء الثالث
٥٠٣
باب الإمامة
ويكرهُ تكرارُ الجماعة بأذان وإقامةٍ في مسجدِ مَحَلَّةٍ، لا في مسجدٍ طريقٍ أو مسجدٍ
لا إمام له ولا مؤذِّنَ.
(تتمَّةٌ)
قال في "الحلبة"(١): ((وأمَّا الجماعةُ في صلاة الخسوف فظاهرُ كلام الجمِّ الغفير من أهل
المذهب كراهتُها، وفي "شرح الزاهديِّ": وقيل: جائزةٌ عندنا، لكنَّها ليست بسنَّةٍ)) اهـ.
مطلبٌ في تكرارِ الجماعة في المسجد
[٤٦٦٥] (قولُهُ: ويكرهُ) أي: تحريماً لقول "الكافي)"(٢): ((لا يجوزُ))، و"المجمعِ": ((لا يباحُ))،
و"شرحِ الجامع الصغير"(٣): ((إنَّه بدعةٌ)) كما في "رسالة السنديّ".
[٤٦٦٦] (قولُهُ: بأذانٍ وإقامةٍ إلخ) عبارته في "الخزائن"(٤) أجْمَعُ مما هنا، ونصُّها: ((يكرهُ تكرارُ
الجماعة في مسجدٍ مَحَلَّةٍ بأذانٍ وإقامةٍ، إلاّ إذا صلَّى بهما فيه أوَّلاً غيرُ أهله، أو أهلُهُ لكنْ بِمُخافتةٍ
الأذان، ولو كرَّرَ أهلُهُ بدونهما، أو كان في(٥) مسجدٍ طريقٍ جازَ إجماعاً كما في مسجدٍ ليس له
إمامٌ ولا مؤذٌّ ويصلّي الناسُ فيه فوجاً فوجاً، فإنَّ الأفضل أنْ يصلّيَ كلُّ فريقٍ بأذانٍ وإقامةٍ على
حدةٍ كما في "أمالي قاضي خان"(٦))) اهـ. ونحوُهُ في "الدرر"(٧).
والمرادُ بمسجدِ المحَلَّة [١/ق٤٣٦ /أ] ما لَهُ إمامٌ وجماعةٌ معلومون كما في "الدرر"(٨) وغيرِها،
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجماعة ٢/ق ٢٦٣/ب بتصرف يسير.
(٢) لم نعثر عليها في "كافي النسفي".
(٣) "شرح الجامع الصغير" لقاضي خان: كتاب الصلاة باب الأذان ق١٤/ب، وفيه: ((فيكون مكروهاً ... والصحيح ما قلنا)).
(٤) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ١٠١/أ.
(٥) ((في)) ليست في "ب" و"م".
(٦) "الأمالي" لأبي المحاسن، الحسن بن منصور، فخر الدين المعروف بقاضيخان الأُوزْجَنْدِي الفَرْغانيّ(ت ٥٩٢هـ).
("كشف الظنون" ١٦٥/١، "الفوائد البهية" صـ ٦٤-).
(٧) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٨٥/١.
(٨) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٨٥/١.
قسم العبادات
٥٠٤
حاشية ابن عابدين
قال في "المنبع": ((والتقييدُ بالمسجد المختصِّ بالمحَلَّة احترازٌ من الشارع، وبالأذان الثاني احترازٌ عمَّا
إذا صلَّى في مسجدِ المحَلَّة جماعةٌ بغير أذانٍ، حيث يباحُ إجماعاً)) اهـ.
ثُمَّ قال في الاستدلال على الإمام "الشافعيِّ" النَّافي للكراهة ما نصُّه: ((ولنا أنَّه عليه
الصلاة والسلام: ((كان خرَجَ لَيُصلِحَ بين قومٍ، فعاد إلى المسجد وقد صلَّى أهلُ المسجد، فرجَعَ
إلى منزله، فجمَعَ أهلَهُ وصلَّى بهم))(١)، ولو جاز ذلك لَما اختار الصلاةَ في بيته على الجماعة
في المسجد، ولأنَّ في الإطلاق هكذا تقليلَ الجماعة معنىٍّ، فإنَّهم لا يجتمعون إذا علموا أنَّها
لا تفُوتُهم، وأمَّا مسجدُ الشارع فالناسُ فيه سواءٌ، لا اختصاصَ له بفريقِ دون فريقٍ)) اهـ.
ومثلُهُ في "البدائع"(٢) وغيرها.
ومقتضى هذا الاستدلال كراهةُ التكرار في مسجد المحَلَّة ولو بدون أذان، ويؤيِّدُهُ ما
في "الظهيريَّة"(٣): ((لو دخَلَ جماعةٌ المسجدَ بعدَما صلَّى فيه أهله يصلُّون وُحداناً، وهو ظاهرٌ
الرِّواية)) اهـ.
(قولُهُ: ولنا أنَّه عليه الصلاة والسلام كان خرَجَ ليُصلِحَ بين قومٍ إلخ) الاستدلالُ بهذا الحديثِ
للمذهب لا يَتِمُّ إلاَّ على إطلاق كراهة تكرارِ الجماعة في أيِّ مسجدٍ كما نقله "ط" عن "المجتبى"، لا في
خصوصٍ مسجدِ المحلّة كما مشى عليه "الشارح"، وإلاّ فمسجدُ المدينة مسجدُ شارعٍ، إلاَّ أن يقال: هو
مسجدُ محلَّةٍ، فإنَّ له إماماً وجماعةً معلومين حين ذاك، وأيضاً لا يَتِمُّ الاستدلالُ به إلاَّ إذا وجَدَ جماعةً
يُصلِّي بهم في المسجد ومع هذا اختارَ الصلاةَ في منزله بأهله، وأيضاً سيأتي أنّه لو فاتته الصلاةُ نُدِبَ
طلبُها في مسجدٍ آخر إلاَّ المسجدَ الحرام ونحوَهُ، فكيف صلاَّها في منزله مع أنَّه لا يصلّيها في مسجدٍ آخر
بل في المسجد الحرام ونحوه؟! تأمَّل.
(١) ((بهم)) ليست في "م" والحديث تقدّم تخريجه ٦١٤/٢.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان محل وجوب الأذان ١٥٣/١ بتصرف.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الأول - الفصل الأول في الأذان ق١٢/أ.
الجزء الثالث
٥٠٥
باب الإمامة
وهذا مخالفٌ لحكاية الإجماع المارَّةِ(١)، وعن هذا ذكَرَ العلاّمة الشيخ "رحمة الله السنديُّ"
تلميذُ المحقّق "ابن الهمام" في "رسالته": ((أنَّ ما يفعلُهُ أهل الحرمين من الصلاة بأئمَّةٍ متعدِّدةٍ
٣٧١/١ وجماعاتٍ مترتّبةٍ مكروهٌ اتفاقاً، ونُقِلَ عن بعض مشايخنا إنكارُهُ صريحاً حين حضَرَ الموسمَ بمكَّة سنةً
/٥٥١/، منهم "الشريفُ الغزنويُّ"))، وذكَرَ: ((أَنَّه أفتى بعضُ المالكَّة بعدم جواز ذلك على
مذهب العلماء الأربعة، ونُقِلَ إنكارُ ذلك أيضاً عن جماعةٍ من الحنفيَّة والشافعيّة والمالكَّة حضروا
الموسمَ سنة / ٥٥١٪)) اهـ. وأقرَّهُ "الرمليُّ" في "حاشية البحر".
لكنْ يُشكِلُ عليه أنَّ نحو المسجدِ المكِّيِّ أو المدنيِّ ليس له جماعةٌ معلومون، فلا يصدُقُ
عليه أنَّه مسجدُ محلّةٍ، بل هو كمسجدٍ شارعٍ، وقد مرَّ(٢) أنَّه لا كراهة في تكرار الجماعة فيه
إجماعاً، فليتأمَّل.
هذا، وقدَّمنا(٣) في باب الأذان عن آخر "شرح المنية" عن "أبي يوسف": ((أَنَّه إذا لم تكن
الجماعةُ على الهيئة الأُولى لا تكره، وإلاَّ تكرهُ، وهو الصحيحُ، وبالعدولِ [١/ق٤٣٦/ب]
عن المحراب تختلفُ الهيئة، كذا في "البزَّازِيَّة"))(٤) انتهى. وفي "التتار خانيَّة" (٥)
(قولُهُ: وعن هذا ذكَرَ العلاّمة الشيخ "رحمة الله السنديُّ" إلخ) لعلَّه فرعُ ما ذكرَهُ على القول بكراهة تكرار
الجماعة في أيِّ مسجدٍ كان ولو بدون إعادةِ الأذان، لا على ما ذكرَهُ "الشارح"، وبهذا يندفعُ الإشكال الآتي.
(قولُهُ: وذكَرَ أَنَّه أفتى بعضُ المالكَّة بعدمٍ جواز ذلك إلخ) وأَّفَ "البيري" رسالةً في جوازٍ ذلك - أي:
ما يفعلُهُ أهلُ الحرمين - وقرَّرَ كراهةَ الاقتداء بالمخالف، والشيخُ "علي القاري" أجازَ كلَّ ذلك. اهـ "سندي".
(١) في هذه المقولة.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) المقولة [٣٤٨٢] قوله: ((وتكرار الجماعة)).
(٤) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل فيما يكره وما لا يكره ٥٦/٤. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٥٢٨/١.
قسم العبادات
٥٠٦
حاشية ابن عابدين
(وأقلُّها اثنان) واحدٌ مع الإمام ولو مميِّزاً أو مَلَكاً أو جنّياً.
عن "الولوالجيَّة"(١): ((وبه نأخذُ)).
[٤٦٦٧] (قولُهُ: وأقلُّها اثنان) لحديثِ: ((اثنان فما فوقَهما جماعةٌ)) أخرجَهُ "السيوطيُّ" في
"الجامع الصغير"(٢) ورمَزَ لضعفه، قال في "البحر"(٣): ((لأَنَّها مأخوذةٌ من الاجتماع، وهما أقلُّ ما
يتحقّقُ به، وهذا في غيرِ جمعةٍ)) اهـ أي: فإنَّ أَقلَّها فيها ثلاثةٌ صالحون للإمامة سوى الإمامِ،
ومثلُها العيدُ لقولهم: يشترطُ لها ما يشترط للجمعة صحَّةً وأداءً سوى الخطبةِ، فافهم.
[٤٦٦٨] (قولُهُ: ولو مميّزاً) أي: ولو كان الواحدُ المقتدي صبيّاً مميّزاً، قال في "السِّراج(٤):
((لو حلَفَ لا يصلّي جماعةٌ، وَأَمَّ صبيًّ يعقلُ حنثَ)) اهـ.
ولا عبرةَ بغير العاقل، "بحر "(٥). قال "ط(٦): ((ويؤخذُ منه أنَّه يحصلُ ثوابُ الجماعة باقتداء
المتنقّل بالمفترض؛ لأنَّ الصبيَّ متنقّلٌ، ولم أر حكمَ اقتداء المتنقّل مثله، هل يزيدُ ثوابُهُ على المنفرد؟
فليحرَّر)) اهـ.
قلت: الظاهرُ نعمْ إنْ لم يكن على سبيل التّداعي لحديث "الصحيحين"(٧): (عن "أنسٍ" نَّه
(قولُهُ: وهذا في غيرِ جمعةٍ) وجهُ الفرق أنَّ طلب الجمعة ورَدَ بصيغةِ الجمع وهو الواو، فقد طُلِبَ
الحضورُ مُعلَّقاً بلغظ الجمع إلى ذِكْرٍ، وهو يستلزمُ ذاكراً.
(١) لم نعثر عليها في نسخة الولوالجية التي بين أيدينا.
(٢) ٣٠/١ برقم (١٦١)، وأخرجه أحمد ٢٥٤/٥، وابن ماجه (٩٧٢) كتاب إقامة الصلاة - باب الاثنان فما فوقهما
جماعة، والطبرانيّ في "الكبير" (٧٨٥٧)، وابن عدي ١٨٩٠/٥ عن أبي أمامة، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٤٥/٢
وقال: وله طرق كلها ضعيفة.
وفي الباب عن أبي موسى، وعبد الله بن عمر، والحكم بن عمير فيه، وانظر "فيض القدير" ١٤٩/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٦/١ بتصرف.
(٤) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٨٦/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٦/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٠/١ باختصار.
(٧) أخرجه أحمد ١٣١/٣- ١٤٩ - ١٦٤، والبخاريّ (٣٨٠) كتاب الصلاة - باب الصلاة على الحصير، ومسلم (٦٥٨) =
1
الجزء الثالث
٥٠٧
باب الإمامة
في مسجدٍ أو غيره، وتصحُّ إمامةُ الجِنِّيِّ،
أنَّ جدَّتَهُ "مليكةً" دَعَتْ رسولَ الله ◌َ ﴿ لطعامٍ صنعتْهُ له، فأكَلَ منه ثمَّ قال: ((قوموا لأصلِّيَ بكم))،
فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسوَدَّ من طولِ ما لَبِثَ، فنضحتُهُ بماءٍ، فقام عليه رسول الله وَ ﴿ّ وصَفَفْتُ
أنا واليتيمُ وراءه، والعجوزُ من ورائنا، فصلّى بنا ركعتين ثمَّ انصرف))، فلو لم يكن الاقتداءُ أفضلَ
لَمَا أَمَرَهم به، تأمَّل.
[٤٦٦٩] (قولُهُ: في مسجدٍ أو غيرِهِ) قال في "القنية"(١): ((واختلَفَ العلماءُ في إقامتها في
البيت، والأصحُّ أنّها كإقامتها في المسجد إلاَّ في الأفضليَّة)) اهـ
[٤٦٧٠] (قولُهُ: وتصحُّ إمامةُ الجَنْيِّ لِأَنَّه مكلّفٌ بخلاف إمامة المَلَكِ، فإنّه متنقّلٌ، وإمامةُ
جبريل (٢) لخصوص التعليم مع احتمال الإعادة من النبيِّ لَ﴿، "ط)"(٣).
= كتاب المساجد - باب جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على حصير وخُمْرة وثوب وغيرها من الطاهرات، وأبو
داود (٦١٢) كتاب الصلاة - باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون؟ والترمذيّ(٢٣٤) كتاب أبواب الصلاة - باب ما
جاء في الرجل يصلي ومعه الرجال والنساء، والنسائيّ ٨٥/٢- ٨٦ كتاب الإمامة - باب إذا كانوا ثلاثة وامرأة.
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجماعة ق١٦/ب.
(٢) في هامش "ب" زيادة وهي: ((قوله: وإمامة جبريل الكلئلا إلخ)) جواب عن سؤال مقدر، تقديره ((إذا لم تصحَّ إمامة الْمَلَك
فكيف صحت إمامة جبريل التليفالا للنبي(وَ)) فأجاب بحمل إمامة جبريل لخصوص التعليم، و"ح" استشعر سؤالاً آخر
تقديره: ((فإذا كانت إمامة جبريل التقليئاً لخصوص التعليم فكيف صحت صلاتهوَ ﴿ل متابعته؟))، فأجاب بأنه يحتمل أنَّ
النبيِ مَّ أعاد تلك الصلاة، أقول: وفيه نظر؛ لأن كون إمامة جبريل التّي مقصورةً على خصوص التعليم فقط غيرُ مسلّم،
ولِمَ لا يجوز أن يكون إمامة جبريل التّيْئاً لأداء ما في عهدته من الصلاة المفروضة عليه مع ترتيب فائدة التعليم عليها؟ كما
في إمامة النبي ◌ُ ◌ّ للصحابة ويه) ولو سلم لكنه لا شك في أن إمامة جبريل الكلية كانت بأمر الله ، وأن الأمر للوجوب،
فتكون تلك الصلاة واجبةً عليه بأمر الله تعالى، فحينئذ يصح إمامته للنبي طاد؛ لأنه حينئذ ليس من قبيل اقتداء المفترض
بالمنتفل، بل اقتداء المفترض بالمفترض، وأما احتمال إعادة النبي صَ لّ تلك الصلاة فاحتمال بعيد جداً في غاية البعد، يكاد
يلحق بالتوهمات الغير المعتبرة، مع أنَّ أصول مذهبنا تقتضي عبادات عوام المؤمنين على الصحة مهما أمكن، فكيف تجيء
صلاة النبي(﴿ّ على الفساد بمجرد توهم؟ !!! )).
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤٠/١ -٢٤١.
قسم العبادات
٥٠٨
حاشية ابن عابدين
"أشباه" (وقيل: واجبةٌ وعليه العامَّة) أي: عامَّةُ مشايخنا، وبه جزَمَ في "التحفة"(١) وغيرها،
[٤٦٧١] (قولُهُ: "أشباه"(٢)) عبارتُها في بحث أحكام الجانِّ: ((ومنها انعقادُ الجماعة بالجنِّ،
ذكَرَهُ "الأسيوطيُّ)"(٣) عن صاحب "آكام المرجان"(٤) من أصحابنا مستدلاً بحديث "أحمد"(٥) عن
"ابن مسعودٍ" في قصَّة الجنِّ، وفيه: ((فلمَّا قام رسول الله ﴿ يصلِّي أدرَكَهُ شخصان منهم فقالا: يا
رسول الله، إنما نحبُّ أنْ تَؤُمَّنَا [١/ق٤٣٧ /أ] في صلاتنا، قال: فصَفَّهما خلفه ثم صلَّى بنا ثمَّ
انصرَفَ))، ونظيرُ ذلك ما ذكَرَهُ "السبكيُّ": أنَّ الجماعة تحصلُ بالملائكة، وفرَّعَ على ذلك: لو
صلَّى في فضاء بأذان وإقامةٍ منفرداً، ثم حلَفَ أَنَّه صلَّى بالجماعة لم يحنثْ، ومنها صحَّةُ الصلاة
خلف الجِنِّيِّ، ذكَرَهُ في "آكام المرجان" (٦))) اهـ.
أقولُ: وما نقلَهُ عن "السبكيّ" مأخوذٌ مِن حديثٍ: (( أنَّ المسافر إذا أذَّنَ وأقامَ صلَّى خلفه من
جنودِ الله ما لا يُرَى طرفاه)) رواه "عبد الرزَّاق"(٧)، ومقتضاه وجوبُ الجهرِ عليه، لكنْ قدَّمنا (٨)
في باب الأذان التصريحَ عن "التاتر خانَّة": ((بأنَّ حكمه حكمُ المنفرد في الجهر والمخافتة))،
وبه يُعلَمُ أَنَّه يحنثُ بحلفه أَنَّه صلَّى بالجماعة عندنا، ولا سيّما والأيمانُ مبنيّةٌ على العُرف عندنا،
(١) "التحفة": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٢٧/١.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - أحكام الجان صـ ٣٩٠ -.
(٣) في "لقط المرجان": بيان انعقاد الجماعة بالجن صـ١٠٧ -.
(٤) "أكام المرجان في أحكام الجان": الباب السابع والعشرون صـ٦٢ -. وهو لأبي عبد الله وأبي البقاء محمد بن
عبد الله، بدر الدين الشِّبْليّ الدّمشقيّ الطّرابُلُسيّ (ت ٧٦٩هـ). ("كشف الظنون" ١٤١/١، "الدرر الكامنة"
٤٨٧/٣، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ١٧-، "الأعلام" ٢٣٤/٦).
(٥) أخرجه أحمد ٤٥٨/١، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٩/١- ١٠ كتاب الطهارة - باب منع التطهر بالنبيذ، والطبرانيّ
في "الكبير" (٩٩٦٢) و(٩٩٦٦)، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٣١٣/٨ كتاب علامات النبوة - باب قدوم وفد الجن
وطاعتهم له . وأخرجه مختصراً أبو داود (٨٤) كتاب الطهارة - باب الوضوء بالنبيذ، والترمذيّ(٨٨) كتاب الطهارة
- باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ، وابن ماجه (٣٨٤) كتاب الطهارة - باب الوضوء بالنبيذ.
(٦) "آكام المرجان": الباب السادس والعشرون صـ ٦٢ -.
(٧) تقدم تخريجه ٦١٢/٢.
(٨) المقولة [٣٤٧٥] قوله: ((ولو منفرداً)).
الجزء الثالث
٥٠٩
باب الإمامة
قال في "البحر": ((وهو الراجحُ عند أهل المذهب)) (فُتُسَنُّ أو تجبُ) ثمرتُهُ تظهرُ
في الإثم ..
وهو منفردٌ عُرفاً وشرعاً، وإلاَّ لأخَذَ أحكامَ الإِمام، على أنَّه مرَّ(١) في الفصل السابق أَنَّه لا يلزمُهُ
الجهر إلاّ إذا نوى الإمامةَ، وكذا مرَّ(٢) في شروط الصلاة أَنَّه لا يحنثُ في لا يؤمُّ أحداً ما لم ينوِ
الإِمامة، وليس في الحديث التصريحُ بالاقتداء به وإنْ كان المرادُ ذلك، فلعلَّ انعقاد الجماعة باقتداء
الملائكة والجنِّ إنما يستلزمُ أحكامَها إذا كانوا على صورةٍ ظاهرةٍ، ولهذا لو جامَعَ جِنِّيٌّ امرأةً
ووجَدَتْ لذَّهُ لا يلزمُها الاغتسالُ كما في "الخانَّة(٣)، إلَّ إذا أَنزَلَتْ كما في "الفتح"(٤)، أو جاءَها
على صورة آدميّ كما في "الحلبة"(٥)، وكذا يقالُ في إمامة الجنّيِّ، والله أعلم.
[٤٦٧٢] (قولُهُ: قال في "البحر"(٦) إلخ) وقال في "النهر "(٧): ((هو أعدلُ الأقوال وأقواها، ولذا
قال في "الأجناس": لا تُقبَلُ شهادته إذا ترَكَها استخفافاً ومَحانةً، أمَّا سهواً أو بتأويلٍ - ككون
الإمام من أهلِ الأهواء أوْ لا يُراعِي مذهبَ المقتدي - فُقْبَلُ)) اهـ "ط " (٨).
[٤٦٧٣] (قولُهُ: ثمرتُهُ إلخ) هذا بناءً على تحقيقِ الخلاف، أمَّا على ما مرَّ(٩)
(قولُهُ: وهو منفردٌ عُرفاً وشرعاً إلخ) نعم هو منفردٌ عُرفاً لا شرعاً لورودِ الأثر، ولا يلزمُ من جعلٍ
حكمه حكمَ المنفرد في الجهر والمخافتة أن يكون كذلك في باقي الأحكام.
(قولُهُ: إذا ترَكَها استخفافاً) أي: تهاوناً وتكاسلاً، وليس المرادُ حقيقةَ الاستخفاف، فإنَّه كفرٌ. اهـ
من "حاشية البحر".
(١) المقولة [٤٥١٤] قوله: ((إن قصد الإمامة إلخ)).
(٢) صـ٨٦ - "در".
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٣/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتح": كتاب الطهارة - فصل في الغسل ٥٥/١.
(٥) "الحلبة": الطهارة الكبرى ٢/ق ٩٠/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٦/١.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق ٥٣/أ.
(٨) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤١/١.
(٩) المقولة [٤٦٥٨] قوله: ((قال الزاهديّ إلخ)).
قسم العبادات
٥١٠
حاشية ابن عابدين
بتركِها مرَّةً (على الرجالِ العقلاءِ البالغين الأحرارِ القادرين على الصلاة بالجماعة
مِن غيرِ حرجٍ).
عن "الزاهديِّ" فلا خلافَ.
[٤٦٧٤] (قولُهُ: بتركِها مرَّةً) أي: بلا عذرٍ، وهذا عند العراقِّين، وعند الخراسانِّين إنما يأثمُ إذا
اعتادَهُ كما في "القنية"، وقد مرَّ(١).
[٤٦٧٥] (قولُهُ: البالغِينَ) قَّدَ به لأنَّ الرَّجل قد يُرادُ به مطلقُ الذِّكَر بالغاً أو غيرَهُ كما في قوله
تعالى: [١/ ق ٤٣٧ /ب] ﴿وَإِن كَانُواْإِخْوَةٌ رِجَالًا﴾ [النساء-١٧٦]، وكما في حديثٍ: ((أَحِقُوا
الفرائضَ بأهلها، فما أبقَتْ فلأَولى رجلٍ ذَكَرٍ))(٢)، ولذا قَّدَ بـ ((ذَكَرٍ)) لدفعِ أنْ يُرادَ به البالغُ بناءً
٣٧٢/١ على ما كان في الجاهليّة من عدم توريثهم إلاَّ مَنِ اسْتعَدَّ للحرب دون الصِّغار، فافهم.
[٤٦٧٦] (قولُهُ: الأحرارِ) فلا تجبُ على القِنِّ، وسيأتي(٣) في الجمعة: لو أذِنَ له مولاه وجَبَتْ،
وقيل: يُخيّرُ، ورجَّحَهُ في "البحر"(٤) اهـ.
قلت: وينبغي جَرَيانُ الخلاف هنا أيضاً، تأمَّل.
[٤٦٧٧] (قولُهُ: من غيرِ حَرَجٍ) قيدٌ لكونِها سنَّةٌ مؤكّدةً أو واجبةً، فبالحرجِ يرتفعُ الإثم
ويُرخَّصُ في تركها، ولكنَّه يفُوتُه الأفضلُ بدليل أنَّه عليه الصلاة والسلام قال لـ "ابن أمِّ مكتومٍ"
(١) المقولة [٤٦٥٨] قوله: ((قال الزاهديّ إلخ)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٢/١ - ٣٢٥، والبخاريّ (٦٧٣٢) كتاب الفرائض - باب ميراث الولد من أبيه وأمه، و(٦٧٣٥)
باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، و(٦٧٣٧) باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، و(٦٧٤٦) باب ابني عم
أحدهما أخ الأم والآخر زوج، ومسلم (١٦١٥) كتاب الفرائض - باب الحقوا الفرائض بأهلها، وأبو داود (٢٨٩٨)
كتاب الفرائض - باب في ميراث العصبة، والترمذيّ (٢٠٩٨) كتاب الفرائض - باب ميراث العصبة، وقال: هذا
حديث حسن، والنسائيّ في "الكبرى" (٦٣٣١) كتاب الفرائض - باب ابنة الأخ لأب مع أخت لأب وأم، وابن
ماجه (٢٧٤٠) كتاب الفرائض - باب ميراث العصبة. كلهم من حديث ابن عباس څته.
(٣) المقولة [٦٨٢٠] قوله: ((ورجّح في البحر التخيير)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٣/٢.
الجزء الثالث
٥١١
باب الإمامة
ولو فاتتْهُ نُدِبَ طلبُها في مسجدٍ آخرَ إلاَّ المسجد الحرام.
الأعمى لَمَّا استأذَنَهُ في الصلاة في بيته: (( ما أجدُ لك رُخصةً) (١)، قال في "الفتح"(٢): ((أي:
تُحصِّلُ لك فضيلةَ الجماعة من غير حضورها، لا الإيجابُ على الأعمى؛ لأنّه عليه الصلاة والسلام
رخَّصَ لـ "عتبانَ بن مالكٍ" في تركها(٣)) اهـ
لكنْ في "نور الإيضاح"(٤): ((وإذا انقطَعَ عن الجماعة لعذرٍ من أعذارها، وكانت نَّه
حضورَها لولا العذرُ يحصُلُ له ثوابُها)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ المراد به العذرُ المانع كالمرض والشيخوخة والفَلَج، بخلاف نحوِ المطر والطين
والبَرْدِ والعَمَى، تأمَّل.
[٤٦٧٨] (قولُهُ: ولو فاتَتْهُ نُدِبَ طلبُها) فلا يجبُ عليه الطلبُ في المساجد بلا خلافٍ
(قولُهُ: رخّصَ لـ "عتبانَ بن مالكٍ" في تركِها) وقال "الرحمتيُّ": ((إنَّ "عتبان" طَلَبَ من النبيِّ﴿ أَنْ
يصلَّ في مكانٍ من بيته يَتَّخِذُهُ مسجداً، فلعلَّه كان يؤمُّ عشيرته فيه بعد اتّخاذه مسجداً، فلم يكن تاركاً
للجماعة ولا لحضور المسجد، بل تَرَكَ المسجدَ الأبعد إلى مسجدٍ قريبٍ دفعاً للحرج، وهذا لا كراهةً فيه كما
تَّخَذُ المساجدُ في المحالِّ وَيُتْرَكُ المسجدُ الجامع، وكان كلُّ قبيلةٍ من الأنصار لهم مسجدٌ يصلُّون فيه إذا
تأخَّروا عن حضور الصلاة مع النبيِّ({$)) انتهى. اهـ "سندي".
(١) أخرجه أحمد ٤٢٣/٣، وأبو داود (٥٥٢) كتاب الصلاة - باب في التشديد في ترك الجماعة، وابن ماجه (٧٩٢)
كتاب المساجد والجماعات باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، وابن خزيمة (١٤٨٠) كتاب الإمامة في الصلاة -
باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة، والحاكم ٢٤٧/١ كتاب الصلاة، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٥٨/٣
كتاب الصلاة - باب ما جاء من التشديد في ترك الجماعة.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٠/١.
(٣) أخرجه أحمد ١٣٥/٣ و٤٣/٤- ٤٤، و٤٤٩/٥ - ٤٥٠، والبخاريّ (٤٢٤) كتاب الصلاة - باب إذا دخل بيتاً يصلي
حيث شاء، أو حيث أمِرَ ولا يتجسس، و(٤٢٥) باب المساجد في البيوت، ومسلم (٣٣)(٥٤)(٥٥) كتاب الإيمان
- باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً، و(٦٥٨) كتاب المساجد - باب الرخصة في التخلف
عن الجماعة بعذر، والنسائيّ ٨٠/٢ كتاب الإمامة - باب إمامة الأعمى، و١٠٥/٢ باب الجماعة للنافلة، و٦٤/٣-
٦٥ كتاب السهو - باب تسليم المأموم حين يسلم الإمام، وابن ماجه (٧٥٤) كتاب المساجد والجماعة ــ باب
المساجد في الدور، وابن حبان (٢٢٣) كتاب الإيمان - باب فرض الإيمان.
(٤) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل في مسقطات الجماعة صـ١٣٥ - بتصرف.
قسم العبادات
٥١٢
حاشية ابن عابدين
بين أصحابنا، بل إنْ أتى مسجداً للجماعة آخرَ فحَسَنٌّ، وإِنْ صَلَّى في مسجدٍ حيِّه منفرداً فحَسَنٌ،
وذكَرَ "القدوريُّ": ((يجمعُ بأهله ويصلِّي بهم))، يعني: وينالُ ثواب الجماعة، كذا في "الفتح"(١)،
واعترَضَ "الشرنبلاليُ)(٢): ((بأنَّ هذا ينافي وجوبَ الجماعة))، وأجاب "ح(٢): ((بأنَّ الوجوب
عند عدمِ الحرج، وفي تُّعِها في الأماكن القاصيةِ حرجٌ لا يخفى، مع ما في مجاوزةِ مسحد حيِّهِ من
مخالفة قوله ◌َلّ: ((لا صلاةَ لجارِ المسجد إلاَّ في المسجد)) (٤))) اهـ.
وفيه أنَّ ظاهر إطلاقه الندبُ ولو إلى مكانٍ قريبٍ، وقولُهُ: ((مع ما في مجاوزةٍ إلخ)) قد
يقالُ: محلُّه فيما إذا كان فيه جماعةٌ، ألا ترى أنَّ مسجد الحيِّ إذا لم تُقَمْ فيه الجماعةُ وتُقَامُ في غيره
لا يرتابُ أحدٌ أنَّ مسجد الجماعة أفضلُ؟ على أنَّهم اختلفوا في الأفضلِ، هل جماعةُ مسجدٍ
[١/ق ٤٣٨/أ] حيِّه أو جماعةُ المسجد الجامع؟ كما في "البحر "(٥) "ط" (٦).
قلت: لكنْ في "الخانّة"(٧): ((وإنْ لم يكن لمسجدِ منزله مؤذِّنٌ فإنَّه يذهبُ إليه ويؤذِّنُ فيه
(قولُهُ: واعترَضَ "الشرنبلاليُّ" بأنَّ هذا ينافي إلخ) أجابَ عن هذا "الرحمتيُّ" بقوله: (( وكأنّه سقَطَ
الوجوبُ بسعيه مرَّةً فبقي الندبُ )) اهـ "سندي".
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٠/١.
(٢) في "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة ٨٤/١ معزياً إلى الحلواني. (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ق٧٨/ب.
(٤) أخرجه الدار قطني ٤١٩/١ كتاب الصلاة - باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر، والحاكم ٢٤٦/١
كتاب الصلاة، والبيهقيّ ٥٧/٣ كتاب الصلاة - باب ما جاء من التشديد من ترك الجماعة. كلهم من حديث أبي
هريرة ◌َ ◌ّه مرفوعاً، وفي إسناده سليمان بن داود اليمامي وهو ضعيف، وفي الباب عن جابر وعائشة رضي الله عنهما
بطرق ضعيفة يقوي بعضها بعضاً. وله شاهد صحيح من حديث علي ته موقوفاً عند ابن أبي شيبة ٣٨٠/١ كتاب
الصلاة - باب من قال: إذا سمع المنادي فليجب، والدار قطني ٤١٩/١، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٥٧/٣.
وقال التهانوي في "إعلاء السنن" ١٧١/٤: الحديث حسن. اهـ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٧/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٢٤١/١.
(٧) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في المسجد ٦٧/١ بتصرف يسير.
الجزء الثالث
٥١٣
باب الإمامة
ونحوَه (فلا تجبُ على مريضٍ ومُقْعَدٍ وزَمِنٍ ومقطوعٍ يدٍ ورِجْلٍ مِن خلافٍ) أو
رِجْلٍ فقط، ذكَرَهُ "الحدَّادِيُّ) (١)
ويصلِّي وإنْ كان واحدً؛ لأنَّ لمسجدٍ منزله حقّاً عليه فيؤدِّي حقَّهُ. مؤذِّنُ مسجدٍ لا يحضُرُ مسجدَهُ
أحدٌ قالوا: هو يؤذِّنُ ويقيمُ ويصلِّي وحده، وذاك أحبُّ من أنْ يصلِّيَ في مسجدٍ آخر)) اهـ.
ثم ذكَرَ ما مرَّ(٢) عن "الفتح"، ولعلَّ ما مرَّ فيما إذا صلَّى فيه الناسُ فُيُخَّرُ، بخلاف ما إذا
لم يصلِّ فيه أحدٌ؛ لأنَّ الحقَّ تَعَّنَ عليه، وعلى كلِّ فقولُ "ط)" (٣): ((قد يقالُ إلخ)) غيرُ
مسلَّمٍ، والله أعلم.
[٤٦٧٩] (قولُهُ: ونحوَّهُ) قال في "القنية"(٤): ((إلاَّ المسجد الحرام، ومسجدَ النبي ◌َّ))، وعزاه
في آخر "شرح المنية"(٥) إلى "مختصر البحر"(٦)، ثم قال(٧): ((وينبغي أنْ يُستثنَى المسجدُ الأقصى
أيضاً؛ لأَنّها في المسجد الحرام بمائةٍ ألفٍ، وفي مسجده عليه الصلاة والسلام بألفٍ، وفي المسجد
الأقصى خمسِمائةٍ)) اهـ. وينبغي استثناءُ مسجد الحيِّ على ما قلناه آنفاً(٨).
[٤٦٨٠] (قولُهُ: ومُقْعَدٍ وَزَمِنٍ) قال في "المغرب" (٩): ((المقعدُ: الذي لا حَراكَ به من داء في
جسده، كأنَّ الداء أقعَدَهُ، وعند الأطباء هو الزَّمِنُ، وبعضُهم فرَّقَ وقال: المقعدُ المتشنِّجُ الأعضاءِ،
والزَّمِنُ الذي طالَ مرضه))، وقال(١٠) في فصل الزَّاي: ((الزَّمِنُ: الذي طالَ مرضُهُ زماناً))، وقيل:
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق١٨٦/أ.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) أي: المار في هذه المقولة.
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب الجماعة ق١٦/ب.
(٥) "شرح المنية الكبير": أحكام المسجد صـ٦١٣ -.
(٦) لم نهتد إلى معرفته بعد طول بحث.
(٧) في "شرح المنية الكبير": أحكام المسجد صـ٦١٣ -.
(٨) في المقولة السابقة.
(٩) "المغرب": مادة ((قعد)).
(١٠) "المغرب": مادة ((زمن)).
قسم العبادات
٥١٤
حاشية ابن عابدين
(ومفلوجٍ وشيخٍ كبيرٍ عاجزٍ وأعمى) وإنْ وَجَدَ قائداً (ولا على مَن حالَ بينه
وبينها مطرٌ وطينٌ.
الزَّمِنُ عن "أبي حنيفة": المقعدُ، والأعمى، والمقطوعُ اليدين أو إحداهما، والمفلوجُ، والأعرجُ الذي
لا يستطيعُ المشيَ، وَالأَشَلُّ اهـ.
(٤٦٨١] (قولُهُ: ومفلوجٍ) هو مَنْ به فالِجٌّ، وهو استرخاءٌ لأحدِ شِقَّي الإنسان لانصبابِ خِلْطٍ
بَلْغَمِيٍّ تَنْسَدُّ منه مسالكُ الرُّوحِ، "قاموس)(١).
[٤٦٨٢] (قولُهُ: وإنْ وجَدَ قائداً) وكذا الزَّمِنُ لو كان غيًّ له مركبٌ وخادمٌ فلا تجبُ عليهما
عنده خلافاً لهما، "حلبة(٢) عن "المحيط". وذكَرَ في "الفتح"(٣): ((أَنَّ الظاهر أنَّه اتفاقٌ، والخلاف
في الجمعة لا في الجماعة)) اهـ. لكنَّ المسطور في الكتب المشهورة خلاقُهُ، "حلبة"(٤).
[٤٦٨٣] (قولُهُ: ولا على مَنْ حالَ بينَهُ وبينها مطرٌ وطينٌ) أشارَ بالَحَيْلولةِ إلى أنَّ المراد المطرُ
الكثير كما قَّدَهُ به في صلاة الجمعة، وكذا الطينُ، وفي "الحلبة"(٥): [١/ق٤٣٨/ب] ((وعن "أبي
يوسف": سألتُ "أبا حنيفة" عن الجماعة في طينٍ ورَدَغَةٍ فقال: لا أحبُّ تركَها، وقال "محمَّدٌ" في
"الموطأ": الحديثُ رخصةٌ، يعني: قولَهُ مَ ﴿: ((إذا ابتَلَّتِ النّعالُ فالصلاةُ فِي الرِّحال)(٦)، والنعالُ هنا
(١) "القاموس": مادة: ((فلج)) بتصرف يسير.
(٢) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في الجماعة ٢/ق٢٦٣/ب بتصرف يسير.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٠٠/١.
(٤) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجماعة ٢/ق ٢٦٤/أ.
(٥) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجماعة ٢/ق ٢٦٤/أ بتصرف يسير.
(٦) قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٣١/٢: لم أره بهذا اللفظ، ولم أره في كتب الحديث، وقد ذكره ابن
الأثير في "النهاية" ٨٢/٥. وله شاهد من حديث أبي المليح عن أبيه عند أحمد ٧٤/٥، وأبو داود (١٠٥٧)
و(١٠٥٩) كتاب الصلاة - باب الجمعة في اليوم المطير، والنسائيّ ١١١/٢ كتاب الإمامة - باب العذر في ترك
الجماعة، وابن ماجه (٩٣٦) كتاب إقامة الصلاة - باب الجماعة في الليلة المطيرة، وابن حبان (٢٠٧٩) كتاب الصلاة
- باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها، وابن خزيمة (١٦٥٧) كتاب الإمامة في الصلاة - باب إباحة ترك
الجماعة في السفر، و(١٨٦٣) باب الرخصة في التخلف عن الجمعة في المطر، وفي الباب عن ابن عمر؛ وابن
عباس مَّه في "الصحيحين"، وعن جابر بن عبد الله رَّه عند مسلم، وعن سمرة بن جندب، ونعيم بن النِّخَّام،
وعمرو بن أوس طيّه عند أحمد، وعبد الرحمن بن سَمُرَة ◌َّه عند الحاكم.
الجزء الثالث
٥١٥
باب الإمامة
وبردٌ شديدٌ وظلمةٌ كذلك) وريحٌ ليلاً لا نهاراً، وخوفٌ على مالِهِ ..
الأراضي الصِّلابُ، وفي "شرح الزاهديِّ" عن "شرح التمرتاشيّ)(١): واختُلِفَ في كون الأمطار
والثلوج والأوحال والبرد الشديد عذراً، وعن "أبي حنيفة": إن اشتَدَّ التأذِي يُعذَرُ، قال "الحسن":
أفادتْ هذه الروايةُ أنَّ الجمعة والجماعة في ذلك سواءٌ، ليس على ما ظنّهُ البعضُ أنَّ ذلك عذرٌ في
الجماعة - لأَنَّها سنَّةٌ - لا في الجمعةِ؛ لأنَّها من أكدِ الفرائض)) اهـ.
وفي "شرح الشيخ إسماعيل"(٢) عن "ابن الملقِّنِ"(٢) الشافعيِّ: ((والمشهورُ أنَّ النّعال جمعُ
فعلٍ، وهو ما غَلُظَ من الأرض في صلابةٍ، وإنما خَصَّها بالذِّكر لأنَّ أدنى بَلَلٍ يُنْدِيها بخلاف
الرِّخوة، فإِنَّها تَنْشَفُ الماءَ، وقيل: النّعالُ الأحذيةُ)).
٠٠
[٤٦٨٤] (قولُهُ: وبردٌ شديدٌ) لم يذكر الحرَّ الشديدَ أيضاً، ولم أرَ مَنْ ذَكَرَهُ من علمائنا، ولعلَّ
وجهه أنَّ الحرَّ الشديد إنما يحصُّلُ غالباً في صلاة الظهر، وقد كُفِينا مؤنتَهُ بسُنيَّة الإبراد، نعم قد
يقال: لو تَرَكَ الإِمام هذه السنّةَ وصلَّى في أوَّلِ الوقت كان الحرُّ الشديدُ عذراً، تأمَّل.
[٤٦٨٥] (قولُهُ: وظلمةٌ كذلك) أي: شديدٌ، والظاهرُ أَنَّه لا يُكلَّفُ إلى إيقادِ نحوِ سراجٍ وإِنْ
٣٧٣/١ أمكنَهُ ذلك، وأنَّ المراد بشدَّةِ الظلمة كونُهُ لا يُصِرُ طريقَه إلى المسجد، فيكونُ كالأعمى.
[٤٦٨٦] (قولُهُ: وريحٌ) أي: شديدٌ أيضاً فيما يظهرُ، تأمّل. وإنما كان عذراً ليلاً فقط لعِظَمٍ
مشقَتِهِ فیه دون النهار.
[٤٦٨٧] (قولُهُ: وخوفٌ على مالِهِ) أي: مِن لصٍّ ونحوه إذا لم يمكنْهُ غَلْقُ الدُّكَّان أو البيت
مثلاً، ومنه خوفُهُ على تَلَفِ طعامٍ في قِدْرٍ، أو خبزٍ في تُنُّورِ، تأمَّل.
وانظرْ هل التقييدُ بـ ((ماِهِ)) للاحتراز عن مالِ غيره؟ والظاهرُ عدمُهُ؛ لأنَّ له قطعَ الصلاة له
ولا سيَّما إنْ كان أمانةً عنده كوديعةٍ أو عاريَّةٍ أو رهنٍ مما يجبُ عليه حفظه، تأمَّل.
(١) هو شرح التُّمُرْناشيّ على "الجامع الصغير"، وتقدَّمت ترجمته ٥١٦/١.
(٢) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٤٢/ب.
(٣) أبو حفص عمر بن علي بن أحمد، سراج الدين المعروف بابن الملقن الأنصاريّ الأندلسيّ المصريّ الشافعيّ
(ت ٨٠٤هـ). ("الضوء اللامع" ١٠٠/٦، " الأعلام"٥٧/٥).
قسم العبادات
٥١٦
حاشية ابن عابدين
أو من غريمٍ أو ظالِمٍ، ومدافعةُ أحدِ الأخبثين، وإرادةُ سفرٍ، وقيامُهُ بمريضٍ،
وحضورُ طعامٍ تتوقُهُ نفسُهُ، ذكَرَهُ "الحدَّادِيُّ))(١)، وكذا اشتغَالُهُ بالفقه لا بغيره،
كذا جزَمَ به "الباقانيُّ" تبعاً لـ "البَهَنْسيِّ"، أي: إلاَّ إذا واظَبَ تكاسلاً.
[٤٦٨٨] (قولُهُ: أو مِنْ غريمٍ) أي: إذا كان مُعسِراً ليس عنده ما يُوفي غريمه، [١/ق٤٣٩/أ]
وإلاَّ كان ظالماً.
[٤٦٨٩] (قولُهُ: أو ظالِمٍ) يخافُهُ على نفسه أو ماله.
[٤٦٩٠] (قولُهُ: الأخبثين) وكذا الريحُ.
[٤٦٩١] (قولُهُ: وإرادةُ سفرٍ) أي: وأقيمت الصلاةُ ويخشى أنْ تفوتَهُ القافلةُ، "بحر"(٢). وأمَّا
السفرُ نفسُهُ فليس بعذرِ كما في "القنية"(٣).
[٤٦٩٢] (قولُهُ: وقيامُهُ بمريضٍ) أي: يُحصُلُ له بغيته المشقّةُ والوَحْشةُ، كذا في "الإمداد"(٤).
(٤٦٩٣] (قولُهُ: تَتُوقُه نفسُهُ) أي: تشتاقُه وتُنازِعُه إليه، "مصباح"(٥). سواءٌ كان عَشاءٌ أو غيره
لشغلِ بالِهِ، "إمداد"(٦). ومثلُّهُ الشراب، وقربُ حضوره كحضوره فيما يظهرُ لوجود العلَّة، وبه
صرَّحَ الشافعيَّةِ.
[٤٦٩٤] (قولُهُ: وكذا اشتغالُهُ بالفقهِ إلخ) عبارةُ "نور الإيضاح"(٧): ((وتكرارُ فقهٍ يجماعةٍ
تفوتُهُ))، ولم أر هذا القيدَ لغيره، ورمَزَ في "القنية"(٨) ل "نجم الأئمّة" فيمن لا يحضُرُها لاستغراقِ
أوقاته في تكرير الفقه: ((لا يُعذَرُ، ولا تُقبَلُ شهادته))، ثمَّ رمَزَ له ثانياً: ((أَنَّه يُعذَرُ بخلافِ مکرِّرٍ
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق١٨٦/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الإمامة ٣٦٧/١.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجماعة ق١٦/ب.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في الأعذار المسقطة لحضور الجماعة ق ١٦٥/ب.
(٥) "المصباح": مادة: ((توق)) بتصرف.
(٦) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في الأعذار المسقطة لحضور الجماعة ق١٦٥/ب.
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل في مسقطات الجماعة صـ١٣٥ -.
(٨) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجماعة ق١٦/ب.