النص المفهرس

صفحات 461-480

الجزء الثالث
٤٥٧
فصل في القراءة
يشملُ الفاتحة وغيرَها، لكنْ في "الكافي"(١): ((فإنْ كان في السفر في حالة الضَّرورة - بأنْ كان على
عجلةٍ من السير، أو خائفاً من عدوٍّ أو لصٍّ - يقرأ الفاتحة وأيَّ سورةٍ شاء، وفي الحضر في حالة
الضَّرورة - بأنْ خافَ فَوْتَ الوقت - يقرأ ما لا(٢) يفُوتُهُ الوقتُ)) اهـ.
ولقائلِ أنْ يقول: لا يختصُّ التخفيفُ للضرورة بالسورة فقط، بل كذلك الفاتحةُ، كما إذا
اشْتَدَّ خوفُهُ من عدوٍّ فقرأ آيةً مثلاً، ولا يكونُ مسيئاً، كذا في "الشرنبلالَيَّةٍ(٢).
أقولُ: وقولُ "الكافي": ((بقدْرِ ما لا يفُوتُهُ الوقتُ)) يشملُ الفاتحة، فله أنْ يقرأ في كلِّ ركعةٍ
بآيةٍ إِنْ خاف نوتَ الوقت بالزيادة، وهل هو في كلِّ صلاةٍ أو خاصٌّ بالفجر؟ فيه خلافٌ حكاه
في "القنية"(٤)، وقال في آخر "شرح المنية"(٥): ((وقيل: يراعي سنّةَ القراءة في غير الفجر وإنْ خرَجَ
[١/ق٤٢٥/أ] الوقت، والأظهرُ أنْ يراعيَ قدْرَ الواجب في غيرها؛ لأنَّ الإخلال به مُفسِدٌ عند
بعض الأئمّة بخلاف خروج الوقت)) اهـ.
أي: فإنَّه في غير الفجر غيرُ مُفسدٍ اتّفاقً، ثمَّ ذكَرَ (٩): ((أَنَّ له الاقتصارَ على الفاتحة وتسبيحةٍ
واحدةٍ، وتركَ الثناء والتعوُّذِ في سنَّة الفجر أو الظهر لو خافَ فوتَ الجماعة؛ لأَنَّه إذا جاز تركُ
السّنّة لإدراك الجماعة فتركُ سنَّةِ السّنّة أَولى)) اهـ
(قولُهُ: أقول: وقول "الكافي": بقدرِ ما لا يفوتُهُ الوقتُ إلخ) لا يصلحُ جواباً عن إيرادِ "الشرنبلاليِّ"
على "الكافي".
(قولُهُ: فتركُ سنَّةِ السنَّةِ أَولى) المناسبُ أن يقول: فتركُ سنَّةِ السنَّة أو واجبِها أَولى حتَّى يَتَمَّ
الاستدلالُ على جواز الاقتصار على الفاتحة.
(١) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٠/ب - ٣١/أ بتصرف.
(٢) ((لا)) ساقطة من "٢".
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٠/١ بتصرف. (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب في القراءة ق ١٢/أ.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في مسائل شتى صـ٦١٨ -.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في مسائل شتى صـ٦١٩- بتصرف.

قسم العبادات
٤٥٨
حاشية ابن عابدين
ذكَرَهُ "الحلبيُّ"، والناسُ عنه غافلون (طوالُ المفصَّل) من الحجُرات.
[٤٥٦٣] (قولُهُ: ذكَرَهُ "الحلبيُّ)) (١)) ونقَلَهُ "الزاهديُّ" في "القنية"(٢) عن "المجرد" بقوله:
((قال "أبو حنيفة": والذي يصلّي وحدَهُ بمنزلة الإمام في جميع ما وصفنا من القراءة سوى
الجهرِ))، قال "الزاهديُّ": ((وهذا نصٌّ على أنَّ القراءة المسنونةَ يستوي فيها الإمامُ والمنفرد،
والناسُ عنه غافلون)).
[٤٥٦٤] (قولُهُ: طوالُ المفصَّلِ) بكسر الطاء: جمعُ طويلٍ ككريمٍ وكِرامٍ، واقتصَرَ عليه في
"الصحاح"(٣)، وأمَّا بالضمّ فالرَّجُلُ الطويل كما صرَّحَ بِهِ "ابنُ مالكٍ" في "مثَلَّثه (٤). والمفصَّلُ بفتح
الصاد المهملة: هو السبعُ السابعُ من القرآن، سُمِّيَ به لكثرةٍ فصله بالبسملة، أو لقلَّةِ المنسوخ منه،
ولهذا يُسمَّى بالمحكم أيضاً، واختُلِفَ في أوَّلِهِ، قال في "البحر"(٥): ((والذي عليه أصحابنا أنَّه من
٣٦٢/١ الحجرات)) اهـ. قال "الرمليُّ": ((ونظَمَ "ابنُ أبي شريفٍ"(٦) الأقوال فيه بقوله: [طويل]
خلافٌ فصافَاتٌ وقافٌ وسبِّح
مُفْصَّلُ قرآن بأوَّلِهِ أَتَّى
وفَتْحٌ ضُحَىِّ حُجْراتُها ذا المصحَّحُ )).
وجائيةٌ مُلْكٌ وصَفِّ قِتَالُها
(قولُهُ: طوالُ المفصَّلِ بكسرِ الطاء إلخ) في "شرح المنهج" لـ "شيخ الإسلام": ((طوالُ المفصَّل بكسرٍ
الطاء وضمِّها )) اهـ "سندي".
(قولُهُ: أو لقلَّةِ المنسوخِ منه) وعليه يكونُ من الفصل معنى الكلام البِّن، فكان المنسوخُ غيرَ بَيِّنٍ.
(١) "شرح المنية الكبير": صفة الصلاة صـ ٣١٠- وما بعدها.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب في القراءة ق١٣/أ.
(٣) بل ذكر أيضاً: الطُّوال بالضّمّ، والطّوال بالفتح، انظر "الصحاح": مادة ((طول)).
(٤) المسمى "إكمال الأعلام بتثليث الكلام": ٢٩٧/٢ وعبارته: ((والطَّوال مبالغة فيه)) أي: في الطويل، وهو لأبي عبدالله
محمد بن عبدالله جمال الدين المعروف بابن مالك الطائيّ الجَيّانيّ الشافعي (ت٦٧٢هـ) ("كشف الظنون" ١٤٤/١،
١٥٨٧/٢، "بغية الوعاة"١٣٠/١).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦٠/١.
(٦) أبو المعالي محمد بن محمد، كمال الدين الشهير بابن أبي شريف المقدسي المصري الشافعي (ت٩٠٦هـ).
("الكواكب السائرة" ١١/١، "الأعلام" ٥٣/٧).

الجزء الثالث
٤٥٩
فصل في القراءة
إلى آخر البُروج.
وزادَ "السيوطيُّ" في "الإتقان"(١) قولين فأوصَلَها إلى اثني عشَرَ قولاً: الرحمنَ والإِنسان.
(٤٥٦٥] (قولُهُ: إلى آخرِ البروج) عزاه في "الخزائن)"(٢) إلى "شرح الكنز" للشيخ "باكثير)"(٢)،
وقال بعده: ((وفي "النهر"(٤): لا يخفى دخولُ الغاية في المغيَّا هنا)) اهـ
فالبروجُ من الطِّوال، وهو مُفادُ عبارة "الهداية" المذكورة(٥) آنفاً، لكنَّ مُفاد ما نقلناه(٥) بعدها
عن "شرح المنية" و"شرح المجمع": ((أنّها من الأوساط))، ونقله في "الشرنبلاليّة"(٦) عن "الكافي)(٧)،
بل نقَلَ "الْقُهُستانِيُّ(٨) عن "الكافي"(٩) خروجَ الغاية الأُولى والثانية، وعليه فسورةُ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾
[البِّنة - ١] من القصار، وتوقَّفَ في ذلك كلّه صاحبُ "الحلبة"(١٠) وقال: ((العبارةُ لا تفيدُ ذلك، بل
يحتاجُ إلى [١/ق٤٢٥ /ب] تَّبْتٍ في ذلك من خارجٍ، والله أعلم))، أي: لأنَّ الغاية
تحتملُ الدخول والخروج، فافهم.
(قولُهُ: خروجَ الغايةِ الأُولى والثانية) أي: ما جُعِلَ غايةً في الطوال وما جُعِلَ غايةً في الأوساط،
وعبارة "القُهُستانيِّ": ((وفي "النهاية": من الحجرات إلى عبس، ثمَّ التكويرِ إلى والضحى، ثمَّ ألم نشرح
إلى الآخر، ولا شكَّ أنَّ الغاية الأخيرة داخلةٌ في المغيًّا، وينبغي أنْ يكون الأوليان كذلك، لكنّهما
خارجتان كما في "الكافي" وغيره )) اهـ.
(١) "الإتقان": النوع الثامن عشر ٢٠٠/١.
(٢) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ق٩٨/ب.
(٣) انظر "الخزائن": ق٣/آ، و"بروكلمان"١٩٦/٧.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥١/ب.
(٥) المقولة [٤٥٦٠] قوله: ((ورجحه في "البحر")).
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٠/١. (هامش " الدرر والغرر").
(٧) "كافي النسفي: "كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣١/أ.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ١٠٤/١.
(٩) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣١/أ. بتصرف.
(١٠) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٠٤/أ.

قسم العبادات
٤٦٠
حاشية ابن عابدين
(في الفجرِ والظُّهرِ و) منها إلى آخرِ لم يَكُنْ (أوساطُهُ في العصر والعشاء و) باقيه
(قصارُهُ في المغرب) أي: في كلِّ ركعةٍ سورةٌ مما ذُكِرَ، ذكَرَهُ "الحلبيُّ)(١)، ........
[٤٥٦٦] (قولُهُ: في الفجرِ والظّهرِ) قال في "النهر "(٢): ((هذا مخالفٌ لِما في "منية المصلِّي)"(٣)
من أنَّ الظهر كالعصر، لكنَّ الأكثرَ على ما عليه "المصنّف"(٤))) اهـ.
[٤٥٦٧] (قولُهُ: وباقيهِ) أي: باقي المفصَّل.
[٤٥٦٨] (قولُهُ: أي: في كلِّ ركعةٍ سورةٌ مما ذُكِرَ) أي: من الطّوال والأوساط والقصار،
ومقتضاه أنّه لا نظرَ إلى مقدارٍ معيّنٍ من حيث عددُ الآيات، مع أنّه ذكَرَ في "النهر "(٥): ((أَنَّ
القراءة من المفصَّل سنّةٌ، والمقدارَ المعَيّن سنّةٌ أخرى))، ثمَّ قال: ((وفي "الجامع الصغير "(٦): يقرأ
في الفجر في الركعتين سورة الفاتحة وقدْرَ أربعين أو خمسين، واقتصَرَ في "الأصل(٧) على
الأربعين، وفي "المحرَّد": ما بين السّين إلى المائة، والكلُّ ثابتٌ من فعله عليه الصلاة والسلام،
ويقرأ في العصر والعشاء خمسَ عشرةَ في الركعتين في ظاهر الرواية، كذا في "شرح الجامع"
لـ "قاضي خان"(٨)، وجزَمَ به في "الخلاصة"(٩)، وفي "المحيط" وغيره: يقرأ عشرين، وفي المغرب
خَمسَ آياتٍ في كلِّ ركعةٍ)) اهـ.
أقولُ: كونُ المقروء من سور المفصَّل على الوجه الذي ذكَرَهُ "المصنّف" هو المذكورُ في المتون
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٢ -.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥١/ب.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١١ -.
(٤) أي مصنف "كنز الدقائق".
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٥١/ب.
(٦) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب القراءة في الصلاة صـ ٩٥-٩٦ -.
(٧) "الأصل": كتاب الطهارة - باب ما جاء في القيام في الفريضة ١٥٩/١.
(٨) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب القراءة في الصلاة في السفر ١/ق ٢١/أ - ب.
(٩) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق ٢٨/ أ معزياً إلى "الأصل".

الجزء الثالث
٤٦١
فصل في القراءة
كـ "القدوريٌّ"(١)، و"الكنز"(٢)، و"المجمع"، و"الوقاية"(٣)، و"النقاية"(٤) وغيرها، وحَصْرُ المقروء
بعددٍ على ما ذكَرَهُ في "النهر"(٥) و"البحر"(٦) مما علمتَهُ مخالفٌ لِما في المتون من بعض الوجوهِ كما
نَبَّهَ عليه في "الحلبة(٧)، فإنَّه لو قرأ في الفجر أو الظهر سورتين من طوال المفصَّل تَزيدان على مائةٍ
آيةٍ كالرحمن والواقعة، أو قرأ في العصر أوالعشاء سورتين من أوساطِ المفصَّل تَزيدان على عشرين
أو ثلاثين آيةً كالغاشية والفجر يكونُ ذلك موافقاً للسنّة على ما في المتونِ لا على الروايةِ الثانية،
ولا تحصلُ الموافقة بين الروايتين إلاّ إذا كانت السورتان موافقةً للعدد المذكور، ويلزمُ على ما مرَّ(1)
عن "النهر": ((من أنَّ المقدار المعَّنَ سَنَّةٌ أخرى)) أنْ تكون قراءةُ السورتين الزائدتين على ذلك
المقدارِ خارجةً عن السنّة، إلاّ أنْ يقتصرَ من كلِّ سورةٍ منهما على ذلك المقدارِ، مع أنّهم صرَّحُوا
بأنَّ الأفضل في كلِّ ركعةٍ الفاتحةُ وسورةٌ تامَّةٌ، فالذي ينبغي المصيرُ إليه أنّهما روايتان
[١/ق٤٢٦ /أ] متخالفتان، اختارَ أصحابُ المتون إحداهما.
ويؤيِّدُهُ أَنَّه في متن "الملتقى" (٩) ذكَرَ أوّلاً: ((أَنَّ السنَّة في الفجر حضراً أربعون آيةً أو
ستُّون))، ثم قال: ((واستحسنوا طوالَ المفصَّل فيها وفي الظّهر إلخ))، فذكَرَ أنَّ الثاني استحسانٌ
فيترجَّحُ على الرواية الأولى لتأيّدِهِ بالأثر الوارد عن "عمر" رضي الله تعالى عنه: ((أنّه كَتَبَ إلى "أبي
(١) لم نجد المسألة في مطبوعة القدوري بأعلى " اللباب في شرح الكتاب" التي بين أيدينا.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - فصل في بيان صفة الشروع في الصلاة ٤٤/١.
(٣) انظر "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة كبّر ٥٢/١ (هامش
"كشف الحقائق").
(٤) انظر "شرح النقاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - فصل: جهر القراءة وإخفاؤها وغيرهما ١٨٦/١ - ١٨٧.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥١/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦١/١.
(٧) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٠٢/ ب ق١٠٣/أ.
(٨) في هذه المقولة.
(٩) انظر "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - فصل يجهر الإمام بالقراءة ٩١/١، إلا أن الذي فيه: ((خمسون)) بدل ((ستون)).

قسم العبادات
٤٦٢
حاشية ابن عابدين
واختار في "البدائع" عدمَ التقدير، وأنَّه يَختلِفُ بالوقت والقوم.
موسى الأشعريّ" أن اقرأُ في الفجر والظهر بطِوال المفصَّل، وفي العصر والعشاء بأوساطِ المفصَّل،
وفي المغرب بقصار المفصَّل))(١)، قال في "الكافي"(٢): ((وهو كالمرويِّ عن النبيِّ ◌َّ؛ لأنَّ المقادير
لا تُعرَفُ إِلاَّ سماعاً)) اهـ.
[٤٥٦٩] (قولُهُ: واختارَ في "البدائع(٣) عدمَ التقديرِ إلخ) وعملُ الناس اليومَ على ما اختاره في
"البدائع"، "رملي".
والظاهرُ: أنَّ المراد عدمُ التقدير بمقدارِ معَيَّنِ لكلِّ أحدٍ وفي كلِّ وقتٍ كما يفيدُهُ تمامُ العبارة،
بل تارةً يقتصرُ على أدنى ما ورَدَ كأقصرِ سورةٍ من طوال المفصَّل في الفجر، أو أقصرِ سورةٍ من
قصاره عند ضيقِ وقتٍ أو نحوه من الأعذار؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام: ((قرأ في الفجر بالمعوِّذتين
لَمَّا سمِعَ بكاءً صبيّ خشيةَ أنْ يَشُقَّ على أمِّهِ))(٤)، وتارةً يقرأ أكثرَ ما وَرَدَ إذا لم يَمَلَّ القومُ،
فليس المرادُ إلغاءَ الوارد ولو بلا عذرٍ، ولذا قال في "البحر"(٥) عن "البدائع"(٦): ((والجملةُ فيه أنَّه
ينبغي للإمام أنْ يقرأ مقدارَ ما يَخِفُّ على القوم، ولا يُثْقِلَ عليهم بعد أنْ يكون على التمام، وهكذا
في "الخلاصة"(٧))) اهـ.
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٦٧٢) كتاب الصلاة - باب ما يقرأ في الصلاة، والترمذيّ (٣٠٦) كتاب الصلاة - باب ما
جاء في القراءة في صلاة الصبح، والبيهقيّ في "معرفة السنن والآثار" ٣٣٧/٣ كتاب الصلاة - باب طول القراءة
وقصرها، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٢١٥/١ كتاب الصلاة - باب القراءة في صلاة المغرب، وأورده
الزيلعيّ في "نصب الراية" ١١/٢-١٢.
(٢) انظر "كافي النسفي": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١/ق ٣١/أ بتصرف.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢٠٦/١ بتصرف.
(٤) أخرجه أحمد ١٤٤/٤، وأبو داود (١٤٦٢) و(١٤٦٣)، والنسائيّ ١٥٨/٢، ٢٥٣/٨، وأبو يعلى (١٧٣٤) و(١٧٣٦)،
وابن خزيمة برقم (٥٣٤)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٩٤/٢ باب في المعوذتين، والحاكم في "المستدرك" ٢٤٠/١،
والطبرانيّ في "الكبير" ٣٣٥/١٧ (٩٢٦). كلهم من حديث عقبة بن عامر الجهني ◌ُّه مرفوعاً.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦١/١.
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢٠٦/١.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق ٢٨/أ.

الجزء الثالث
٤٦٣
فصل في القراءة
والإِمام، وفي "الحجَّة": ((يقرأُ في الفرض بالترسُّلِ حرفاً حرفاً، وفي التراويحِ بينَ
بين، وفي النفل ليلاً له أنْ يُسرِعَ بعد أنْ يقرأ كما يُفهَمُ، ويجوزُ بالروايات السَّبْعِ،
لكنَّ الأَولى أنْ لا يقرأ بالغريبة عند العوامِّ صيانةً لدِينهم))
[٤٥٧٠] (قولُهُ: والإمامِ) أي: من حيث حسنُ صوتِهِ وقبحُهُ.
[٤٥٧١] (قولُهُ: وفي "الحجَّة") اسمُ كتابٍ من كتب الفتاوى.
(٤٥٧٢] (قولُهُ: بَيْنَ بِينَ) أي: بأنْ تكون بينَ الترسُّلِ والإسراع.
(٤٥٧٣] (قولُهُ: ليلاً) لعلَّ وجهَ التقييد به أنَّ عادة المتهجِّدين كثرةُ القراءة في تهجُّدهم، فلهم
الإسراعُ لُيُحصِّلوا وِرْدَهم من القراءة، تأمَّل.
[٤٥٧٤] (قولُهُ: كما يُفهَمُ) أي: بعدَ أنْ يَمُدَّ أقلَّ مدٍّ قال به القُرَّاء، وإلاَّ حرُمَ لترك الترتيل
المأمورِ به شرعاً، "ط))(١).
[٤٥٧٥] (قولُهُ: ويجوزُ بالروايات السبعِ) بل يجوزُ بالعشر أيضاً كما نصَّ عليه أهلُ
الأصول، "ط"(٢).
[٤٥٧٦] (قولُهُ: بالغريبة) أي: بالروايات الغريبة والإمالات؛ لأنَّ بعض السفهاء يقولون ما
٣٦٣/١ لا يعلمون، فيقَعُون [١/ق٤٢٦/ب] في الإثم والشقاء، ولا ينبغي للأئمَّة أنْ يحملوا العوامَّ على ما
فيه نقصانُ دينهم، ولا يُقرَأُ عندهم مثلُ قراءة "أبي جعفرٍ"(٣)، و"ابن عامرِ"(٤)، و"عليٍّ بن حمزةَ
الكسائيِّ(٥) صيانةً لدينهم، فلعلَّهم يستخفُّون أو يضحكون وإنْ كان كلُّ القراءات والروايات
(١) "ط": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ٢٣٦/١.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ٢٣٦/١.
(٣) أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني التابعي (ت١٣٠هـ، وقيل: غير ذلك) أحد القراء السبعة، وقيل في
اسمه: جندب بن فيروز، وقيل: فيروز. ("وفيات الأعيان"٢٧٤/٦، "غاية النهاية"٣٨٢/٢).
(٤) أبو عِمْران عبدالله بن عامر بن يزيد اليَحْصُبيّ الدمشقيّ(ت١١٨هـ) أحد القراء السبعة. ("سير أعلام النبلاء"
٢٩٢/٥، "غاية النهاية" ٤٢٣/١، " شذرات الذهب"٨٥/٢).
(٥) في النسخ جميعها: (( والكسائيّ)) بواو العطف، والصواب ما أثبتناه، كما في "التاتر خانية". وهو أبو الحسن عليّ بن
حمزة بن عبدالله الأسديّ الكوفيّ (ت١٨٩ هـ) أحد القراء السبعة. ("وفيات الأعيان"٢٩٥/٣، "غاية النهاية" ٥٣٥/١).

قسم العبادات
٤٦٤
حاشية ابن عابدين
(وتُطالُ أُولى الفجرِ على ثانيتها) بقدْرِ الثلث،.
صحيحةً فصيحةً، ومشائُنا اختاروا قراءةً "أبي عمرٍو"(١) و"حفصِ(٢) عن عاصم"(٣). أهـ من
"التتار خانَّةً" (٤) عن "فتاوى الحجَّة".
[٤٥٧٧] (قولُهُ: وَتُطَالُ إلخ) أي: يُطيلُها الإِمامُ، وهي مسنونةٌ إجماعاً إعانةً على إدراك الركعة
الأُولى؛ لأنَّ وقت الفجر وقتُ نومٍ وغفلةٍ، وقد عُلِمَ من التقييد بالإمام ومن التعليل أنَّ المنفرد
يُسوِّي بين الركعتين في الجميع اتفاقاً، "شرح المنية" (٥).
أقولُ: وبما مرَّ(٦) من أنَّ الإطالة المذكورة مسنونةٌ إجماعاً - ومثلُهُ في "التتار خانَّةٍ(٧) - عُلِمَ أنَّ
ما في "شرح الملتقى" لـ "البهنسيِّ": ((من أَنَّها واجبةٌ إجماعاً)) غريبٌ أو سبقُ قلمٍ، وقال تلميذه
"الباقانيُّ" في "شرح الملتقى": ((لم أجدُهُ في الكتب المشهورة في المذهب))(٨).
[٤٥٧٨] (قولُهُ: بقدْرِ الثلثِ) بأنْ تكون زيادةُ ما في الأُولى على ما في الثانية بقدْرِ ثلثِ مجموعٍ
ما في الركعتين كما في "الكافي"(٩)، حيث قال: ((الثلثان في الأولى، والثلثُ في الثانية))، ومثلُهُ
(قولُهُ: وقد عُلِمَ من التقييدِ بالإِمام ومن التعليل أنَّ المنفرد إلخ) وفي "المجرَّد": ((المنفردُ يفعلُ
كالإمام، وهو الأفضل )) انتهى. اهـ "سندي".
(١) أبو عمرو زبَّان بن عمّار التميميّ المازنيّ البصريّ (ت١٥٤هـ) أحد القراء السبعة. ("وفيات الأعيان" ٤٦٦/٣،
"غاية النهاية" ٢٨٨/١).
(٢) أبو عمر حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي (ت ١٨٠ هـ) ("العبر "٢٧٦/١، "غاية النهاية"٢٥٤/١،
"الأعلام"٢٦٤/٢).
(٣) أبو بكر عاصم بن أبي النّجُود الأسديّ الكوفيّ التابعيّ (ت١٢٧ هـ) أحد القراء السبعة ("وفيات الأعيان"٩/٣،
"سير أعلام النبلاء" ٢٥٦/٥، "غاية النهاية"٣٤٦/١).
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٤٥٥/١ بتصرف.
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٢-٣١٣- باختصار.
(٦) في هذه المقولة.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٤٥٦/١.
(٨) في "د" زيادة: ((أقول بل ذكر الحلبي الإجماع على سنيتها)).
(٩) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١/ق ٣١/أ.

الجزء الثالث
٤٦٥
فصل في القراءة
وقيل: النصفِ ندباً،.
في "الحلبة"(١) و"البحر"(٢) و"الدرر"(٣).
[٤٥٧٩] (قولُهُ: وقيل: النّصفِ) كذا في "الحلبة(٤) معزيًّاً إلى "المحبوبيِّ"، وحكاه في
"البحر"(٥) عن "الخلاصة"(٦)، لكنَّ عبارة "الخلاصة" لا تفيدُهُ؛ لأنَّ عبارتها هكذا: ((وحَدُّ الإطالة
في الفجر أن يقرأ في الركعة الثانية من عشرين إلى ثلاثين، وفي الأُولى من ثلاثين إلى ستِّن)) اهـ.
وأرجَعَ "المحشِّي" القولَ بالنصف إلى القول الأوَّلِ؛ لأنَّ المراد نصفُ المقروء في الأُولى، وهو
ثلثُ المجموع، فلا وجهَ لعدِّهِ مقابلاً له، وأطال في ذلك، فراجعه. لكنْ قد يقال: إنَّ مراد
"الخلاصة" التخييرُ بين جَعْلِ الزيادة بقدْرِ نصفِ ما في الأُولى أو نصفِ ما في الثانية، فإنَّه إذا قرأ في
الأُولى ثلاثين وفي الثانية عشرين فالزيادةُ بقدْرِ [١/ق٤٢٧/أ] نصفِ ما في الثانية(٧)، ولو قرأ في
الأُولى ستّن وفي الثانية ثلاثين فالزيادةُ بقدْرِ نصفِ ما في الأُولى، وبهذا يُغايِرُ القولَ الأَوَّلَ، فتأمَّل.
[٤٥٨٠] (قولُ: ندباً) راجعٌ للقولين، يعني: أنَّ هذا التقديرَ في كلٍّ بيانٌ للأولى، فإنْ لم يُراعِهِ
فهو خلافُ الأَولى، وهو معنى قوله: ((لا بأسَ به))، "ح"(٨).
(قولُهُ: فلا وجهَ لعدِّهِ مقابلاً له) يمكنُ جعلُهُ مقابلاً بالنسبة إلى إفادةِ التخيير في الزّيادة إلى الستّين
على حسب المفاد من عبارة "الخلاصة"، وعليه فإقامةُ السنَّة لا تتوقّفُ على زيادةٍ ثلث المجموع بخلاف
الأوَّل، تأمَّل. وفي تسمية "البحر" والشرح: (( أنَّ ذلك قدرُ النصف لا يطَّردُ في سائر الصور، بل فيما إذا
قرأ في الأولى ستين وفي الثانية ثلاثين، ويصدُقُ عليه أنه قرأ في الثانية ثلث المجموع )).
(١) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٠٥/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦١/١.
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة ٨٣/١.
(٤) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٠٥/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦١/١.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق ٢٨/أ.
(٧) من ((فإنه إذا)) إلى ((الثانية)) ساقط من "آ".
(٨) "ح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق٧٦/أ.

قسم العبادات
٤٦٦
حاشية ابن عابدين
فلو فَحُشَ لا بأس به (فقط) وقال "محمَّدٌ": أُولى الكلِّ حتى التراويحِ، قيل: وعليه
....
الفتوى (وإطالةُ الثانية على الأُولِى يُكرَهُ) تنزيهاً (إجماعاً إنْ بثلاثِ آياتٍ).
[٤٥٨١] (قولُهُ: فلو فَحُشَ) بأنْ قرأ في الأُولى بأربعين آيةً(١) وفي الثانية بثلاثِ آياتٍ ((لا بأسَ
به))، وبه ورَدَ الأثرُ، كذا في "الذخيرة" وغيرها.
[٤٥٨٢] (قولُهُ: فقط) لَمَّ احتمَلَ أنْ يكون الفجرُ مجرَّدَ مثالٍ لا للتقييد أردَفَهُ بقوله(٢)،
كذا في "النهر"(٣).
[٤٥٨٣] (قولُهُ: حتى الّراويحِ) عزاه في "الخزائن"(٤) إلى "الخالنَّة "(٥)، وظاهرُ هذا أنَّ الجمعة
والعيدين على الخلاف كما في "جامع المحبوبيِّ"، لكنْ في "نظم الزندويستيِّ" الاتّفاقُ على تسوية
القراءة فيهما، وأَيَّدَهُ في "الحلبة"(٦) بالأحاديثِ الواردة المقتضية لعدم إطالة الأُولى على الثانية فيهما.
[٤٥٨٤] (قولُهُ: قيل: وعليه الفتوى) قائلُهُ في "معراج الدراية"، ومثلُهُ في "المجتبى"، وفي
"التتار خانيَّة"(٧) عن "الحجَّة": ((وهو المأخوذُ للفتوى))، وفي "الخلاصة"(٨): ((أَنَّه أَحَبُّ))،
(قولُ "المصنّف": وإطالةُ الثانية على الأُولى) ما قاله "المصنّف" إنما يظهرُ في غير الفجر على
قولهما بالتسوية فيه لا على قول "محمَّدٍ"؛ لأَنَّه لو قيل بكراهة الزِّيادة - ولو قليلةً - لَزِمَ الحرج لتعسُّرٍ
الاحتراز عن القليل منها، فلذا كان مناطُ الكراهة الزيادةَ الكثيرة، والفجرُ حيث كانت إطالةُ الأُولى فيه
مسنونةً كانت التسويةُ فيه أو زيادةُ الثانية - ولو دون ثلاثٍ - مكروهةً، تأمَّل.
(١) ((آية)) ليست في "أ" و"ب" و"م".
(٢) قوله: ((أردفه بقوله)) أي: ((فقط))، ولعلها سقطت من قلمه وليراجع. اهـ مصححه، نقول: ((فقط)) ليست في
نسخ الحاشية التي بين أيدينا أيضاً، وهي ثابتة في "النهر" والعبارة منقولة عنه.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥١/ب.
(٤) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٩٩/أ.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في مقدار القراءة في التراويح ٢٣٩/١.
(٦) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ ق ١٠٥/أ.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٤٥٦/١.
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق ٢٨/أ معزياً إلى "البحر".

الجزء الثالث
٤٦٧
فصل في القراءة
وجنَحَ إليه في "فتح القدير"(١)؛ لِما رواه "البخاريُ)(٢): ((من أَنَّه عليه الصلاة والسلام كان يُطوِّلُ
في الركعة الأُولى - أي: من الظُّهر - ما لا يُطوِّلُ في الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح)»،
ونازعه في "شرح المنية"(٣): ((بأنَّه محمولٌ على الإطالة من حيث الثناءُ والتعوُّذُ، وبما دون ثلاثٍ
آياتٍ ضرورةً التوفيقِ بينه وبين ما رواه "مسلمٌ "(٤) عن "أبي سعيد الخدريِّ"، حيث قال:
(قولُهُ: ونازعَهُ في "شرح المنية" بأَنَّه محمولٌ على الإطالة إلخ) بحَثَ فيه في "الفتح": ((بأنَّ الحمل
لا يتأَتَّى في قوله: وكذا الصبحُ وإن حمل التشبيهُ في أصل الإطالة لا في قدرها فهو غيرُ المتبادر، ولذا قال.
في "الخلاصة" في قول "محمَّدٍ": إنَّ أحبُّ)) اهـ. وتعقّبَهُ تلميذه "الحلبيُّ": ((بأَنَّه لا يتوقّفُ قولهما باستنان
تطويل الأولى في الفجر على الاحتجاج بهذا الحديث، فإنَّ لهما أنْ يثبتاه بدليلٍ آخر، فالأحبُّ قولُهماً
لا قولُهُ)) إلى آخرِ ما في "السنديِّ".
(١) " الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٩٣/١.
(٢) أخرجه البخاريّ (٧٥٩) كتاب الأذان - باب القراءة في الظهر، و(٧٧٦) باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب،
و(٧٧٨) باب إذا أسمع الإمام الآية، و(٧٧٩) باب يطول في الركعة الأولى، ومسلم (٤٥١)(١٥٤)(١٥٥) كتاب
الصلاة - باب القراءة في الظهر والعصر، وأبو داود (٧٩٨)(٧٩٩) (٨٠٠) كتاب الصلاة - باب ما جاء في القراءة في
الظهر، والنسائيّ ١٦٤/٢ كتاب الافتتاح - باب تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر، و١٦٥/٢ باب إسماع
الإمام الآية في الظهر، وباب تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر، وباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر،
وابن ماجه (٨٢٩) كتاب إقامة الصلاة - باب الجهر بالآية أحياناً في صلاة الظهر والعصر. كلهم من حديث أبي قتادة تعديته.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٣- باختصار.
(٤) أخرجه مسلم (٤٥٢)(١٥٦)(١٥٧) كتاب الصلاة - باب القراءة في الظهر والعصر، وأحمد ٣/٢، وابن أبي شيبة
٣٩١/١ كتاب الصلاة - باب القراءة في الظهر قدرُ كم؟، وأبو داود (٨٠٤) كتاب الصلاة - باب تخفيف
الأخريين، والنسائيّ ٢٣٧/١ كتاب الصلاة - باب عدد صلاة العصر في الحضر، والدارميّ ٣١٤/١ كتاب الصلاة -
باب قدر القراءة في الظهر، وأبو يعلى (١٢٩٢)، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٢٠٧/١ كتاب الصلاة - باب
القراءة في الظهر والعصر، والدارقطني ٣٣٧/١ كتاب الصلاة - باب قدر القراءة في الظهر والعصر والصبح، وابن
خزيمة في "صحيحه" (٥٠٩) كتاب الصلاة - باب إباحة القراءة في الأخريين، والبيهقيّ في "الكبرى" ٣٩٠/٢ كتاب
الصلاة - باب قدر القراءة في الظهر والعصر، وابن حبان (١٨٢٨) كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة.

قسم العبادات
٤٦٨
حاشية ابن عابدين
إِنْ تقارَبَتْ طولاً وقِصَراً، وإلاَّ اعتُبرَ الحروفُ والكلمات،.
((فَحَزَرناٌ قيامَهُ في الظهر في كلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثين آيةً))، فإنّه أفادَ التسويةَ بين الركعتين)) اهـ.
وقال في "الحلبة"(١) بعد أنْ حقَّقَ دليلَهما: ((فيظهرُ على هذا أنَّ قولهما أحبُّ لا قولَهُ، وأنَّ
الأَولى كونُ الفتوى على قولهما لا قولِهِ))، وأقرَّهُ في "البحر"(٢) و"الشرنبلاليَّة"(٣)، واعتمَدَ قولَهما
في "الكنز"(٤) و"الملتقى"(٥) و"المختار"(٦) و"الهداية"(٧)، فلذا اعتمَدَهُ "المصنّف" أيضاً.
[٤٥٨٥] (قولُهُ: إنْ تقارَبَتْ إلخ) ذكَرَ هذا في "الكافي"(٨) في المسألة التي قبلَ هذه، واعتبَرَهُ في
"شرح المنية" في هذه المسألةِ أيضاً كما يأتي(٩) في عبارته.
والحاصلُ: أنَّ سنَّة إطالة الأُولى على الثانية وكراهيةَ العكس إنما تُعتَبَرُ من حيث عددُ الآيات
إِنْ تقاربتِ [١/ق٤٢٧ /ب] الآياتُ طولاً وقصراً، فإنْ تفاوتَتْ تُعتَبَرُ من حيث الكلماتُ، فإذا قرأ
في الأُولى من الفجر عشرين آيةً طويلةً، وفي الثانية منها عشرين آيةً قصيرةً تبلُغُ كلماتُها قدْرَ نصفِ
كلماتِ الأُولى فقد حصَّلَ السنَّة، ولو عكَسَ يكره، وإنما ذكَرَ الحروفَ للإشارة إلى أنَّ المعتبر
مقابلةُ كلِّ كلمةٍ بمثلها في عدَّةِ الحروف، فالمعتبرُ عددُ الحروف لا الكلماتِ، فلو اقتصَرَ "الشارح"
على الحروف، أو عطَفَها على الكلمات كما فعَلَ في "الكافي"(١٠) لَكان أَولى.
** قوله: ((فحزرنا)) بالحاء المهملة ثم الزاي ثم الراء الساكنة من ((الحزر)) وهو الظن والتخمين. اهـ منه.
(١) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٠٤/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦٢/١.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة ٨٣/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٤٤/١.
(٥) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام بالقراءة ٩١/١.
(٦) المسألة ليست في "المختار" بل في شرحه "الاختيار": كتاب الصلاة - باب الأفعال في الصلاة - فصل في القراءة
في الصلاة ٥٧/١.
(٧) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٥٥/١.
(٨) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١/ق ٣١/أ.
(٩) في المقولة الآتية.
(١٠) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١/ق ٣١/أ.

الجزء الثالث
٤٦٩
فصل في القراءة
واعتَبَرَ "الحلبيُّ" فُحْشَ الطولِ لا عددَ الآيات،
[٤٥٨٦] (قولُهُ: واعتبرَ "الحلبيُّ)(١) فُحْشَ الطولِ إلخ) كما لو قرأ في الأُولى ﴿وَالْعَصْرِ﴾، وفي
الثانية الهُمَزَةَ، فَرَمَزَ في "القنية"(٢) أوَّلاً: ((أَنَّه لا يكرهُ))، ثم رمَزَ ثانياً: ((أَنْه يكره))، وقال: ((لأنَّ
الأُولى ثلاثُ آياتٍ، والثانيةَ تسعٌ، وتكرهُ الزيادة الكثيرة، وأمَّا ما رُوِيَ أَنَّه عليه الصلاة والسلام: ((قرأ
في الأُولى من الجمعة بـ ﴿سَيِحِ أَسْمَرَبِّكَ آلْأَعْلَى﴾، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ اُلْفَاشِيَةِ﴾)(٣) فزادَ
على الأُولى بسبعٍ لكنَّ السبع في السور الطّوال يسيرٌ دونَ القصار؛ لأنَّ السِّتَّ هنا ضِعْفُ الأصلِ،
والسبعَ ثَمَّةَ أَقلُّ من نصفه)) اهـ.
أي: أنَّ السِّتَّ الزائدة في الهُمَزَةِ ضِعْفُ سورة العصر، بخلاف السبعِ الزائدة في الغاشية،
فإنّها أقلُّ من نصفِ سورة الأعلى، فكانت يسيرةً، قال "الحلبيُّ" في "شرح المنية"(٤): ((وعُلِمَ من
كلام "القنية" أنَّ ثلاث آياتٍ إنما تكرهُ في السُّوَرِ القصار لظهورِ الطول فيها بذلك ظهوراً بيِّناً،
وهو حَسَنٌ، إلاَّ أَنَّه ربما يُتوهَّمُ منه أنَّه متى كانت الزيادةُ بما دون النصفِ لا تكرهُ، وليس كذلك،
بل الذي ينبغي أنَّ الزيادة إذا كانت ظاهرةً ظهوراً تاماً تكرهُ، وإلاّ فلا لِلزومِ الحرج في التحرُّز عن
الخفيَّة، ولِوُرودِ مثلِ هذا في الحديث، ولا تغفلْ عمَّا تقدَّمَ(٥) من أنَّ التقدير بالآيات إنما يُعتَبَرُ عند
٣٦٤/١
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٣ -.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب في القراءة والسكوت ق١٣/أ. ولم نَرَ ما رمز له ثانياً أنّه يكره.
(٣) أخرجه أحمد ١٣/٥-١٤، وأبو داود (١١٢٥) كتاب الصلاة - باب ما يقرأ به في الجمعة، والنسائيّ
١١١/٣-١١٢ كتاب الجمعة - باب القراءة في صلاة الجمعة بـ((سبح اسم ربك الأعلى)) و((هل أتاك حديث
الغاشية))، وابن خزيمة (١٨٤٧) كتاب الجمعة - باب إباحة القراءة في صلاة الجمعة بـ((سبح اسم ربك الأعلى))
و((هل أتاك حديث الغاشية))، وابن حبان (٢٨٠٨) كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة، والطبرانيّ في "الكبير"
(٦٧٧٣) و(٦٧٧٤) و(٦٧٧٥) و(٦٧٧٦) و(٦٧٧٧) و(٦٧٧٨)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٩٤/٣-
٢٩٥ كتاب صلاة العيدين - باب الجهر بالقراءة في العيدين. كلهم من حديث سمرة بن جندب مظلته. وفي الباب
عن نعمان بن بشير طه.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٣-٣١٤ -.
(٥) في المقولة السابقة.

قسم العبادات
٤٧٠
حاشية ابن عابدين
واستثنى في "البحر" ما ورَدَتْ به السنّة، واستظهَرَ في النفل عدمَ الكراهة ..
.....
تقارُبها، وأمَّا عند تفاؤُتِها فالمعتبرُ التقديرُ بالكلمات أو الحروف، وإلاَّ فـ ﴿أَنَشْرَحْ﴾ ثمانِ
آياتٍ، و﴿لَمْيَكُنِ﴾ ثمانِ آياتٍ، ولا شكَّ أنّه لو قرأ الأُولى في الأُولى، والثانيةَ في الثانية أنَّه
يكرهُ؛ لِما قلنا من ظهور الزيادة والطول وإنْ لم يكن من حيثُ الآيُ، [١/ق٤٢٨/أ] لكنَّه
من حيث الكَلِمُ والحروفُ، وقِسْ على هذا)) اهـ كلامُ "شرح المنية" لـ "الحلبيِّ".
والذي تحصَّلَ من مجموعِ كلامه وكلام "القنية": أنَّ إطلاق كراهةٍ إطالة الثانية بثلاثِ آياتٍ
مقَّذٌ بالسُّوَرِ القصيرة المتقاربةِ الآياتِ؛ لظهورِ الإطالة حينئذٍ فيها، أمَّا السورُ الطويلة أو القصيرة
المتفاوتة فلا يُعتبرُ العددُ فيهما، بل يُعتبَرُ ظهورُ الإطالة من حيث الكلماتُ وإِن أَتَّحدَتْ آياتُ
السورتين عدداً، هذا ما فهمتُهُ، والله تعالى أعلم.
[٤٥٨٧] (قولُهُ: واستشنَى في "البحر "(١) ما ورَدَتْ به السنَّةُ) أي: كقراءته عليه الصلاة والسلام
في الجمعة والعيدين في الأُولى بالأعلى وفي الثانية بالغاشية، فإِنَّه تَبَتَ في "الصحيحين)(٢)، مع أنَّ
الأُولى تسعَ عشرةَ آيَةً والثانيةَ ستٌّ وعشرون، وعلى ما مرَّ(٢) عن "شرح المنية" لا حاجةً إلى
الاستثناء؛ لأنَّ هاتين السورتين طويلتان، ولا تفاؤُتَ ظاهرٌ بينهما من حيث الكلماتُ والحروف،
بل هما متقاربتان.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦٢/١.
(٢) أخرجه أحمد ٢٧١/٤ و٢٧٣ و٢٧٦، ومسلم (٨٧٨) و(٦٢) و(٦٣) في الجمعة - باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، وأبو
داود (١١٢٢) كتاب الصلاة - باب ما يقرأ في الجمعة، والترمذيّ(٥٣٣) كتاب الصلاة - باب ما جاء في القراءة
في العيدين، وقال: حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح، والنسائيّ ١١٢/٣ كتاب الجمعة - باب
الاختلاف على النعمان في القراءة في صلاة الجمعة، و١٨٤/٣ كتاب العيدين - باب القراءة في العيدين، وابن
ماجه (١٢٨١) كتاب الإقامة - باب ما جاء في القراءة في صلاة العيدين. كلهم من حديث النعمان بن بشير توليته.
وفي الباب عن سمرة بن جندب، وابن عباس، وأبي واقدَّه. ولم نجدہ في البخاريّ.
(٣) في المقولة السابقة.

الجزء الثالث
٤٧١
فصل في القراءة
مطلقاً (وإنْ بأقلَّ لا) يكرهُ؛ لأَنَّه عليه الصلاة والسلام.
[٤٥٨٨] (قولُهُ: مطلقاً) أي: ورَدَتْ به السنَّةُ أَوْ لا بقرينة ما قبله، ولأنَّ عبارة "البحر"(١)
هكذا: ((وقَيَّدَ بالغرض لأَنَّه يُسوَّى في السنن والنوافل بين ركعاتها في القراءة إلاَّ فيما وردتْ
به السنَّةُ أو الأثرُ، كذا في "منية المصلِّي"(٢)، وصرَّحَ في "المحيط" بكراهةِ تطويل ركعةٍ من
التطوُّع ونقصِ أخرى، وأطلَقَ في "جامع المحبوبيِّ" عدمَ كراهة إطالةِ الأُولى على الثانية في
السنن والنوافل؛ لأنَّ أمرَها سهلٌ، واختاره "أبو اليسر"، ومشى عليه في "خزانة الفتاوى"،
فكان الظاهرُ عدمَ الكراهة)) اهـ.
فقولُ "البحر": ((وأطلَقَ في "جامع المحبوبيِّ" إلخ)) واستظهارُهُ له قرينةٌ واضحةٌ على أنَّه
أرادَ خلافَ ما في "المنية" من التقييد بما وردتْ به السنّة، نعمْ كلامُهُ في إطالة الأُولى على الثانية
فقط دون العكس، فكان على "الشارح" ذكرُ ذلك عند قوله: ((وتُطالُ أُولى الفجر))، قال في
"شرح المنية"(٣): ((والأصحُّ كراهةُ إطالة الثانية على الأُولى في النفل أيضاً إلحاقاً له بالفرض فيما لم
يَرِدْ به تخصيصٌ من التوسعة كجوازه قاعداً بلا عذرٍ ونحوِهِ، وأمَّ إطالةُ الثالثة على الثانية والأُولى
(قولُهُ: نعم كلامُهُ في إطالة الأولى على الثانية فقط إلخ) ونقل "ابنُ فِرِشْتَه" في "شرح المجمع" عن
"جامع المحبوبيِّ": ((أَنَّ إطالة الثانية إنما يكرهُ في الفرائض، وأمَّا في النوافل فغيرُ مكروهٍ، ولعلَّ الوجه فيه أنَّ
النفل بأبُهُ واسعٌ، فُيُغتفَرُ فيه ما لا يُغْتَفَرُ في غيره؛ لأنَّ المتطوِّع أميرُ نفسه، فلا يلزمُهُ إلاَّ ما التزَمَهُ باختيارِهِ
وقصدِهِ بخلاف الغرض؛ لأَنَّ مقدَّرٌ معَيَّنٌ أصلاً ووصفاً، فلا يتجاوزُ عن ذلك)) اهـ من "السنديّ". ولعلَّ
"الشارح" نظَرَ أنَّ العلّة التي ذكَرَها في "البحر" لعدم كراهة إطالة الأولى على الثانية - وهي أنَّ أمر النوافل
سهلٌ - تفيدُ أيضاً عدمَ كراهة إطالة الثانية على الأولى، فعزا له أنَّه استظهَرَ في النفل عدمَ الكراهة، فمرادُهُ
أنَّ ما ذكرَهُ من التعليل يفيدُ ذلك وإنْ كان كلامه في إطالة الأولى على الثانية لا العكس.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦٢/١ باختصار.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣١٤ -.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٣-٣١٤ -.

قسم العبادات
٤٧٢
حاشية ابن عابدين
صلَّى بالمعوِّدتين(١).
(ولا يتعيَّنُ شيءٌ من القرآن لصلاةٍ على طريقِ الفرضيّة) بل تعُّنُ الفاتحةِ على وجهِ الوجوب
(ويكرهُ التعيين) كالسجدةِ وهل أتى لفجرِ كلِّ جمعةٍ، بل يُندَبُ قراءتهما أحياناً.
(والمؤتَمُّ لا يقرأ مطلقاً).
[١/ق٤٢٨/ب] فلا تكرهُ؛ لِما أَنَّ شفعٌ آخرُ)) اهـ.
[٤٥٨٩] (قولُهُ: صلَّى بالمعوِّذتين) يعني: في صلاة الفجر، والسورةُ الثانية أطولُ من الأُولى
بآيةٍ، وفي الاحترازِ عن هذا التفاوُتِ حَرَجٌ، وهو مدفوعٌ شرعاً، فتحعَلُ زيادةُ ما دون ثلاثٍ آياتٍ
أو نقصانُهُ كالعدم، فلا يكرهُ، "ح"(٢) عن "الحلبة"(٣).
[٤٥٩٠] (قولُهُ: على طريقِ الفرضِيَّةِ) أي: بحيث لا تصحُّ الصلاةُ بدونه كما يقولُ
"الشافعيُّ" في الفاتحة.
[٤٥٩١] (قولُهُ: ويكرهُ التعيينُ إلخ) هذه المسألةُ مفرَّعةٌ على ما قبلها؛ لأنَّ الشارع إذا لم
يُعَيِّنْ عليه شيئاً تيسيراً عليه كُرِهَ له أنْ يُعِّنَ، وعلَّلهُ في "الهداية"(٤) بقوله: ((لما فيه من هَجْرِ
الباقي وإيهامٍ التفضيل)).
[٤٥٩٢) (قولُهُ: بل يُندَبُ قراءتُهما أحياناً) قال في "جامع الفتاوى"(٥): (( وهذا إذا صلَّى الوترَ
بجماعةٍ، وإنْ صلَّى وحدَهُ يقرأُ كيف يشاءُ)) اهـ
وفي "فتح القدير"(٦): ((لأنَّ مقتضى الدليلِ عدمُ المداومة لا المداومةُ على العدم كما يفعلُهُ
(قولُهُ: وهذا إذا صلَّى الوترَ بجماعةٍ) هذا إنما يناسبُ كراهةَ تعيين السُّور الثلاث في الوتر.
(١) سيأتي تخريجه في صـ ٥٤٦ __.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ق٧٦/أ.
(٣) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٠٥/أ - ب.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٥٥/١.
(٥) "جامع الفتاوى": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق ١٢/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٩٤/١ بتصرف يسير.

الجزء الثالث
٤٧٣
فصل في القراءة
حنفيَّةُ العصر، فيُستحَبُّ أنْ يقرأ ذلك أحياناً تبرُّكاً بالمأثور، فإنَّ لُزومَ الإيهام ينتفي بالترك أحياناً،
ولذا قالوا: السنّةُ أنْ يقرأ في ركعتي الفجرِ بالكافرون والإخلاصِ، وظاهرُ هذا إفادةُ المواظبة؛ إذ
الإِيهامُ المذكور مُنتفٍ بالنسبة إلى المصلِّي نفسِهِ)) اهـ
ومقتضاه اختصاصُ الكراهة بالإِمام، ونازَعَهُ في "البحر"(١): ((بأنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ العلّة
إيهامُ التفضيلِ والتعيينِ، أمَّا على ما عَلَّلَ به المشايخُ من هجرِ الباقي فلا فرقَ في كراهة المداومة بين
المنفردِ والإمامِ والسنّةِ والفرضِ، فتكرهُ المداومةُ مطلقاً؛ لِما صرَّحَ به في "غاية البيان" من كراهة
المواظبة على قراءةِ السُّور الثلاثِ في الوتر أعمَّ من كونه في رمضانَ إماماً أوْ لا)) اهـ.
وأجابَ في "النهر "(٢): ((بأَنَّه قد علَّلَ بهما المشايخُ، والظاهرُ أنّهما علَّةٌ واحدةٌ لا علَّتان،
فيَّجِهُ ما في "الفتح")).
أقولُ: على أنَّه في "غاية البيان" لم يُصرِّحْ بالتعميم المذكور، وأيضاً فإنَّ إبهامَ هجرِ الباقي
يزولُ بقراءته في صلاةٍ أخرى، وأيضاً ذكَرَ في وتر "البحر"(٣) عن "النهاية": ((أَنَّه لا ينبغي أنْ يقرأ
سورةً متعيّةً على الدوام؛ لئلاّ يظُنَّ بعضُ الناس أَنَّه واجبٌ)) اهـ. فهذا يؤيِّدُ ما في "الفتح" أيضاً.
هذا، وقَّدَ "الطحاويُّ" و"الإسبيجابيُّ" [١/ق٤٢٩/ أ] الكراهةَ بـ ((ما إذا رأى ذلك حتماً
لا يجوزُ غيرُهُ، أمَّا لو قرأه للتيسير عليه أو تبرُّكاً بقراءته عليه الصلاة والسلام فلا كراهةً، لكنْ
بشرطِ أنْ يقرأ غيرَها أحياناً لئلاَّ يظُنَّ الجاهلُ أنَّ غيرَها لا يجوزُ))، واعترضَهُ في "الفتح"(٤):
(قولُهُ: حتماً لا يجوزُ غيرُهُ) عبارة "الفتح": ((حتماً يكرهُ غيره إلخ)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦٢/١ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٥٢/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة ٤٦/٢ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٩٤/١.

قسم العبادات
٤٧٤
حاشية ابن عابدين
ولا الفاتحةَ في السِّرِّة اتّفاقً، وما نُسِبَ لـ "محمَّدٍ" ضعيفٌ كما بسَطَهُ "الكمال" (فإنْ
قرَأْ كُرِهَ تحريماً) وتصحُّ في الأصحِّ، وفي "درر البحار" عن "مبسوطِ خواهر زاده":
((بأنَّه لا تحريرَ فيه؛ لأنَّ الكلام في المداومة)) اهـ.
/٣٦٥
وأقولُ: حاصلُ معنى كلامٍ هذين الشيخين بيانُ وجهِ الكراهة في المداومة، وهو أَنَّه إن رأى
ذلك حتماً يكرهُ من حيث تغييرُ المشروع، وإلاَّ يكرهُ من حيث إبهامُ الجاهلِ، وبهذا الحملِ يتأَيَّدُ
أيضاً كلامُ "الفتح" السابقُ، ويندفعُ اعتراضُهُ اللاحق، فتدبّر.
[٤٥٩٣] (قولُهُ: ولا الفاتحةَ) بالنصب معطوفٌ على محذوفٍ تقديرُهُ: لا غيرَ الفاتحةِ
ولا الفاتحةَ، وقولُهُ: ((في السِّرِّية)) يُعلَمُ منه نفيُ القراءة في الجهريَّة بالأَولى، والمرادُ التعريضُ بخلاف
الإِمام "الشافعيّ"، وبرَدِّ ما نُسِبَ لـ "محمَّدٍ" . .
[٤٥٩٤] (قولُهُ: اتّفاقاً) أي: بينَ أثمَّتنا الثلاثة.
[٤٥٩٥] (قولُهُ: وما نُسِبَ لـ "محمَّدٍ") أي: من استحبابِ قراءة الفاتحة في السِّرِّية احتياطاً.
[٤٥٩٦] (قولُهُ: كما بسَطَهُ "الكمالُ")(١) حاصلُهُ: أنَّ "محمَّدً" قال في كتابه "الآثار"(٢):
(قولُهُ: لأنَّ الكلام في المداومةِ) تمامُ عبارة "الفتح": ((والحقُّ أنَّ المداومة مكروهةٌ سواءٌ رآه حتماً يكرهُ
غيره أوْ لا؛ لأنَّ دليل الكراهة لا يُفضِّل، وهو إيهامُ التفضيل وهجر الباقي، لكنَّ الهجران إنما يلزمُ لو لم يقرأ
الباقيَ في صلاةٍ أخرى، فالحقُّ أَنَّه إيهامُ التعيين)) اهـ. وبهذا تعلمُ أنَّ اعتراضه عليهما من حيث تقييدُهما
الكراهةَ بما إذا رأى ذلك حتماً، والذي فهمه المحشِّي من عبارتهما أنَّ الكراهة تتحقَّقُ فيما إذا رأى ذلك
حتماً، وأنَّ العلّة فيه تغييرُ المشروع، وفيما إذا داوَمَ بدون أنْ يراه حتماً لعلَّةٍ إيهام الجاهل، لكنَّ هذا بعيدٌ منها
حيث قَّدَ الكراهةَ بما إذا رآه حتماً، ثمَّ ذكرا محترزَهُ بقوله: ((أمَّا إذا قرأ للتيسير إلخ)) ثمَّ ذكرا قوله: ((لكن
بشرطِ أن يقرأ إلخ)) المفيدَ عدمَ المداومة مع أنَّ موضوع الكلام فيها، فلو كانت الكراهة مقيّدةً بما إذا رآه
حتماً لا يكونُ هناك داعٍ لقوله: ((لكن بشرطِ إلخ)) نعم كلامُ المحشِّي وجية في ذاته.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٩٧/١.
(٢) "الآثار": صـ١٦ - باب القراءة خلف الإمام وتلقينه.

الجزء الثالث
٤٧٥
فصل في القراءة
((أَنَّها تفسُدُ ويكون فاسقاً))، وهو مرويٌّ عن عدَّةٍ من الصحابة، فالمنعُ أحوطُ (بل
يَستمِعُ) إذا جهَرَ (ويُنصِتُ) إذا أسَرَّ؛ لقول "أبي هريرة" رضي الله عنه: ((كنّا نقرأُ
خلف الإمام فنزل: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْلَهُ، وَأَنْصِتُواْ﴾(١) [ الأعراف
- ٢٠٤])) (وإنْ) وصليَّةٌ (قرَأَ الإِمامُ آيةَ ترغيبٍ.
((لا نرى القراءةَ خلْفَ الإِمام في شيءٍ من الصلوات يُجهَرُ فيه أو يُسَرُّ)، ودعوى الاحتياطِ
ممنوعةٌ، بل الاحتياطُ تركُ القراءة؛ لأَنَّ العملُ بأقوى الدليلين، وقد رُوِيَ الفسادُ بالقراءة عن عدَّةٍ
من الصحابة، فأقواهما المنعُ.
[٤٥٩٧] (قولُهُ: أَنَّها تفسُدُ) هذا مقابلُ الأصحِّ.
[٤٥٩٨] (قولُهُ: وهو) أي: الفسادُ المفهومُ من ((نفسُدُ)).
[٤٥٩٩] (قولُهُ: مرويٌّ عن عدَّةٍّ من الصحابة) قال في "الخزائن)(٢): ((وفي "الكافي"(٣). ومَنْعُ
المؤتَمِّ من القراءة مأثورٌ عن ثمانين نفراً من كبار الصحابة، منهم "المرتضى" والعبادِلةُ، وقد دَوَّنَ
أهلُ الحديث أساميَهم)).
[٤٦٠٠] (قولُهُ: ويُنصِتُ إذا أسَرَّ) وكذا إذا جهَرَ بالأَولى، قال في "البحر"(٤): ((وحاصلُ الآية
أنَّ المطلوب بها أمران: الاستماعُ والسكوتُ، فُعمَلُ بكلّ منهما، والأوَّلُ يَخَّصُ الجهريَّةَ، والثاني
لا، فيجري على إطلاقه، فيجبُ السكوت عند القراءة مطلقاً)) اهـ.
(٤٦٠١] (قولُهُ: آيةَ ترغيبٍ) أي: في ثوابه تعالى، ((أو ترهيبٍ)) أي: تخويفٍ من عقابه تعالى،
فلا يسألُ الأوَّلَ ولا يستعيذُ من الثاني، قال في "الفتح"(٥): ((لأنَّ الله تعالى وعَدَهُ بالرحمة
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٦٣/٢ كتاب صلاة التطوع والإمامة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْلَهُ، وَأَنْصِتُوا﴾
بلفظ: ((كانوا يتكلّمون في الصلاة فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ, وَأَنْصِتُواْ﴾، قالوا: هذا في الصلاة))،
والدار قطني ٣٢٦/١ كتاب الصلاة - باب ذكر قوله : ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة))، وفيه: ((نزلت في رفع
الأصوات وهم خلف رسول الله ﴿ في الصلاة، وفي إسناده عبد الله بن عامر، ضعيف)).
(٢) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٩٩/ب.
(٣) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١/ق ٣١/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٦٤/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٩٨/١ بتصرف.

قسم العبادات
٤٧٦
حاشية ابن عابدين
أو ترهيبٍ) وكذا الإِمامُ لا يشتغلُ بغير القرآن، وما ورَدَ حُمِلَ على النفل منفرداً ..
إذا استمَعَ، ووعدُهُ [١/ق٤٢٩/ب] حتمٌّ، وإجابةُ دعاءِ المتشاغل عنه غيرُ مجزومٍ بها)).
[٤٦٠٢] (قولُهُ: وما ورَدَ) أي: عن "حذيفةً"َّه أَنَّه قال: ((صلَّتُ مع رسول اللـه ◌ُ ﴿ ذات
ليلةٍ)) إلى أنْ قال: ((وما مرَّ بآية رحمةٍ إلاَّ وَقَفَ عندها فسأل، ولا بآيةِ عذابٍ إلاَّ وقَفَ عندها
وتعوَّذَ) أخرجَهُ "أبو داود"(١)، وتمامُهُ في "الحلبة"(٢).
[٤٦٠٣] (قولُهُ: حُمِلَ على النَّقْل منفرداً) أفادَ أنَّ كلاً من الإمام والمقتدي في الفرض أو النفل
سواءٌ، قال في "الحلبة"(٣): ((أمَّ الإِمامُ في الفرائض فلِما ذكرنا من أنَّهِوَ﴿ لم يفعله فيها، وكذا
الأئمّةُ مِنْ بعدِهِ إلى يومنا هذا، فكان من المحدَثَات، ولأَنَّه تثقيلٌ على القوم فيكرهُ، وأمَّا في التطوُّع
فإنْ كان في التراويحِ فكذلك، وإنْ كان في غيرها من نوافل الليل التي اقْتَدَى به فيها واحدٌ أو اثنان
فلا يَتِمُّ تَرجُّحُ الترك على الفعل لِما روينا، أي: من حديث "حذيفةً" السابق، اللهمَّ إلاَّ إذا كان في
ذلك تثقيلٌ على المقتدي، وفيه تأمُّلٌ، وأمَّا المأمومُ فلأنَّ وظيفته الاستماعُ والإنصات، فلا يشتغلُ بما
يُخِلُّه، لكنْ قد يقال: إنما يَتِمُّ ذلك في المقتدي في الفرائض والتراويح، أمَّا المقتدي في النافلة
المذكورة إذا كان إمامُهُ يفعله فلا لعدم الإخلال بما ذُكِرَ، فليحملْ على ما عدا هذه الحالةَ)) اهـ.
(قولُهُ: وفيه تأمُّلٌ) لعلَّ وجه التأمُّل أَنَّه حيث ثبتَ ما ذكرَ من فعله عليه السلام لا يتركُهُ الإِمامُ فيما ذكر.
الكسلِ مَن صلّى معه، كما أنّه لا يتركُ شيئاً من سنن الصلاة أو سنَّةِ القراءة أو نحو ذلك لِما ذكر، تأمَّل، والله أعلم.
(١) أخرجه الطيالسي (٤١٥)، وأحمد ٣٨٢/٥- ٣٨٤ - ٣٨٩ - ٣٩٤ - ٣٩٧، ومسلم (٧٧٢) كتاب صلاة المسافرين -
باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، وأبو داود (٨٧١) كتاب الصلاة - باب ما يقول الرجل في ركوعه
وسجوده، والترمذيّ(٢٦٢) كتاب الصلاة - باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود، والنسائيّ ١٧٦/٢-
١٧٧ كتاب الافتتاح - باب تعوذ القارئ إذا مرَّ بآية عذاب، و١٧٧/٢ باب مسألة القارئ إذا مرَّ بآية رحمة،
و٢٢٤/٢ كتاب التطبيق - باب نوع آخر، و٢٢٥/٣ - ٢٢٦ كتاب قيام الليل - باب تسوية القيام والركوع، وابن
ماجه (١٣٥١) كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٠٩/٢ -
٣١٠ كتاب الصلاة - باب الوقوف عند آية الرحمة وآية العذاب وآية التسبيح.
(٢) انظر "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٧٢/أ.
(٣) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٧٢/أ بتصرف يسير.