النص المفهرس

صفحات 421-440

الجزء الثالث
٤١٧
باب صفة الصلاة
قلتُ: وفي "مجمع الأنهر"(١) تبعاً لـ "القهستانيِّ": ((خواصُّ البشر وأوساطُهُ أفضلُ
من خواصِّ الملك وأوساطِهِ عند أكثرِ المشايخ))، وهل تتغيَّرُ الحفظةُ؟ قولان، ......
وحاصلُهُ: أَنَّه قسَّمَ البشرَ إلى ثلاثة أقسام: خواصَّ كالأنبياء، وأوساطٍ كالصالحين من
الصحابة وغيرهم، وعوامَّ كباقي الناس، وقسَّمَ الملائكةَ إلى قسمين: خواصَّ كالملائكة المذكورين،
وغيرِهم كباقي الملائكة، وجعَلَ خواصَّ البشر أفضلَ من الملائكة خاصِّهم وعامِّهم، وبعدَهم في
الفضل خواصُّ الملائكة، فهم أفضلُ من باقي البشر أوساطِهم وعوامِّهم، وبعدَهم أوساطُ البشر،
فهم أفضلُ ممن عدا خواصِّ الملائكة، وكذلك عوامُ البشر عند الإِمام كأوساطِهم، فالأفضلُ عنده
خواصُّ البشر، ثم خواصُّ الملَك، ثم باقي البشر، وعندهما خواصُّ البشر، ثم خواصُّ الملك، ثم
أوساطُ البشر، ثم باقي المَلَك.
[٤٧١ ٤] (قولُهُ: قلت إلخ) حاصلُهُ: أنَّ "القُهُستانيَّ) (٢) جعَلَ كلاً من البشر والمَلَك قسمين:
خواصَّ وأوساطً، وجعَلَ خواصَّ البشر أفضلَ من خواصِّ الملَك، وأوساطَ البشر أفضلَ من أوساطٍ
المَلَك، ففي كلامه لفٌّ ونشرٌ مرتّبٌ، وسكَتَ عن عوامِّ البشر للخلاف السابق، وبه ظهَرَ أنَّ هذا
غيرُ مخالفٍ لِما مرَّ(٢) عن "الروضة"، نعمْ قولُهُ: ((عند أكثرِ المشايخ)) مخالفٌ لِما في "الروضة" من
دعوى الاتّفاق، وما هنا أَولى؛ إذ المسألةُ خلافَّةٌ، وهي ظنيَّةٌ أيضاً كما نصَّ عليه في "شرح
النسفيَّة"(٤)، بل قال في "شرح المنية"(٥): ((وقد رُوِيَ التوقّفُ في هذه المسألة - أي: مسألةٍ تفضيل
البشر على الملك - عن جماعةٍ منهم "أبو حنيفة" لعدم القاطع، وتفويضُ عِلْمٍ ما لم يحصلْ لنا الجزمُ
بعلمه إلى عالِمه أسلمُ، والله أعلمُ)) اهـ.
مطلبٌ: هل تتغيَّرُ الحفظةُ؟
[٤٤٧٢] (قولُهُ: وهل تتغيَّرُ الحفظة؟ قولان) فقيل: نعم؛ لحديثِ "الصحيحين"(٦): ((يتعاقبون
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٠٢/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ١٠٠/١.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) "شرح العقائد النسفية" للتفتازاني: ص ٢٧٩ -.
. (٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٣٨- بتصرف.
(٦) أخرجه مالك ١٧٠/١ كتاب قصر الصلاة في السفر - باب جامع الصلاة، وأحمد ٢٥٧/٢ و٣١٢ و٣٤٤ و٤٨٦، =

قسم العبادات
٤١٨
حاشية ابن عابدين
ويفارقُهُ كاتبُ السّيِّئَات عند جِماعٍ وخلاٍ.
.....
فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في [١/ق ٤١٥/ أ] صلاة الصبح وصلاة العصر،
فيصعدُ الذين بأُتُوا فيكم، فيسألُهم - وهو أعلمُ بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم
يصلُّون، وتركناهم وهم يصلُّون)، فقَلَ "عياضٌ" وغيرُه عن الجمهور أَنَّهم الحفظةُ - أي: الكرامُ
الكاتبون - واستظهَرَ "القرطبيُّ)(١) أنّهم غيرُهم، وقيل: لا يتغيّران ما دام حيّاً؛ لحديث "أنس": أنَّ
٣٥٤/١ رسول الله وَ﴿ل قال: ((إنَّ الله تبارك وتعالى وكَّلَ بعبده المؤمنِ مَلَكين يكتبان عملَهُ، فإذا ماتَ قالا:
ربَّنا قد ماتَ فلانٌ، فتأذنُ لنا فنصعد إلى السماء؟ فيقول الله عزَّ وجلَّ: سمائي مملوءةٌ من ملائكتي
يسِّحونني، فيقولان: فنقيمُ في الأرض؟ فيقول الله تعالى: أرضي مملوءةٌ من خلقي يسبِّحونني،
فيقولان: فأين نكونُ؟ فيقولُ الله تعالى: قُومَا على قبرِ عبدي، فكِّراني وهلّلاني واذكراني، واكتبا
ذلك لعبدي إلى يومِ القيامة)(٢)، وتمامُهُ في "الحلبة"(٣).
مطلبٌ: هل يفارقُهُ المَكان؟
[٤٤٧٣] (قولُهُ: ويفارقُهُ كاتبُ السِّئَات عند جماعٍ وخلاءٍ) تبعَ في ذلك صاحبَ "البحر "(٤)،
= والبخاريّ(٥٥٥) كتاب مواقيت الصلاة - باب فضل صلاة العصر، ومسلم (٦٣٢) كتاب المساجد - باب فضل صلاتي الصبح
والعصر والمحافظة عليهما، والنسائيّ ٢٤٠/١ - ٢٤١ كتاب الصلاة - باب فضل الجماعة من حديث أبي هريرة تضخّته.
(١) في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": كتاب الصلاة - باب المحافظة على الصبح والعصر ٢٦١/٢.
(٢) أخرجه البيهقيّ في "شُعَب الإيمان" (٩٩٣١)، وقال: تفرد به عثمان بن مطر، وليس بالقوي، وأخرجه أحمد بن منيع
كما في "المطالب العالية" (٢٨٦٦)، وذكره الزيلعيّ في "نصب الراية" ٤٣٤/١، ونسبه إلى إسحاق بن راهويه في
"مسنده"، وفي سنده عثمان بن مطر، وهو ضعيف جداً. وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" ٢٢٩/٣ وقال: هذا
حديث لا يصح، وقد اتفقوا على تضعيف عثمان بن مطر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل
الاحتجاج به، وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" رقم (٤٢٩٦٧): ونسبه إلى المروزي في الجنائز، وأبي بكر
الشافعي في "الغيلانيات" وأبي الشيخ في "العظمة"، والبيهقيّ في "شعب الإيمان"، والديلمي، وقال: وأورده ابن
الجوزي في "الموضوعات" فلم يصب.
(٣) انظر "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٦/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٤/١.

الجزء الثالث
٤١٩
باب صفة الصلاة
وصلاةٍ، والمختارُ أنَّ كيفيَّة الكتابة والمكتوب فيه مما استأثَّرَ الله بعلمِهِ، نعم في
"حاشية الأشباه": (( تُكتَبُ فِي رَقِّ.
والمصرَّحُ به في "شرح الجوهرة الكبير" لـ "اللَّقائيّ": ((أنَّ المفارِقَ له في هذه الحالة الملَكان))، وزاد:
((أَنّهما يكتبان ما حصَلَ منه بعد فراغِهِ بعلامةٍ يجعلُها الله تعالى لهما))، ولكنَّه لم يستندْ في ذلك
إلى دليلٍ، وذكَرَ في "الحلبة"(١): ((أنَّ الجزم به يحتاجُ إلى ثبوتٍ سمعيٍّ يفيدُهُ، وأمَّا ما رُوِيَ
عن "أبي بكرٍ" رضي الله عنه («أنّه كان إذا أرادَ الدخول في الخلاء يبسُطُ رداءَهُ ويقول: أيُّها
المَكان الحافظان عليَّ، اجلِسا ههنا، فإنّي عاهدتُ الله تعالى أنْ لا أتكلّمَ في الخلاءِ(٢) فذكَرَ
شيخُنا الحافظُ أَنَّه ضعيفٌ )) اهـ "ح"(٣) ملخّصاً.
[٤٤٧٤] (قولُهُ: وصلاةٍ) يعني: أنَّ كاتب السيِّئَات يفارقُ الإنسانَ في صلاته؛ لأَنَّه ليس له
ما يكتبُهُ، ذكَرَهُ "القرطبيُّ)(٤)، وردَّهُ في "الحلبة(٥) كما نقَلَهُ "ح"(٤).
[٤٤٧٥] (قولُهُ: والمختارُ إلخ) مقابلُهُ ما يأتي(٧) عن "حاشية الأشباه" - وكذا ما في "النهر "(4) .
((من أنَّ القَلَمَ الِّسَان، والمدادَ الرِّيقُ)).
[٤٤٧٦] (قولُهُ: استأَثَرَ) أي: اخْتَصَّ.
[٤٧٧ ٤] (قولُهُ: نعمْ إلخ) لا يحسُنُ الاستدراكُ به بعد تصريحه باختيارِ الأوَّلِ، تأمَّلْ.
[٤٧٨ ٤] (قولُهُ: تُكتَبُ فِي رَقِّ) قال في "الحلبة" (٩): ((ثم قيل: إنَّ الذي يكُتُبُ فيه الحفظةُ
(١) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٧/أ.
(٢) لم نعثر عليه في المصادر التي بين أيدينا.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٧١/ب.
(٤) لم نعثر عليه في "المفهم شرح كتاب تلخيص مسلم".
(٥) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٧/ب.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٧١/ب.
(٧) في هذه الصحيفة "در".
(٨) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/أ.
(٩) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٨/أ.

قسم العبادات
٤٢٠
حاشية ابن عابدين
بلا حرفٍ كثبوتها في العقل ))، وهو أحدُ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ
فِى رَقِ مَّشُورٍ ﴾ [ الطور - ٢، ٣،]،.
دواوينُ [١/ق ٤١٥ /ب] من رَقِّ كما هو المرادُ من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبٍ مَّسْطُورٍ ﴿ فِ رَقِ مَّشُورٍ﴾
[ الطور - ٢، ٣] في أحدِ الأقوال، لكنَّ المأثور عن "عليّ" رَّهُ: ((أنَّ لَلَّهِ ملائكةٌ ينزلون بشيءٍ
يكُبُون فيه أعمالَ بني آدمَ(١)، فلم يعَيِّنْ ذلك، والله سبحانه أعلمُ)) اهـ.
[٤٤٧٩] (قولُهُ: بلا حَرْفٍ كثبوتِها في العقل) يؤيِّدُهُ ما قاله "الغزاليُّ" في المكتوب في
اللوح المحفوظ أيضاً: ((إِنَّه ليس حروفاً، وإنما هو ثبوتُ المعلومات فيه كثبوتها في العقل))،
قال في "الحلبة"(٢): ((لكنَّ صَرْفَ اللفظِ عن ظاهره يحتاجُ إلى وجودٍ صارفٍ مع كثرة ما
في الكتاب والسنّة مما يؤيِّدُ الظاهرَ كقوله تعالى: ﴿إِنَّاكُنَا نَسْتَنْسِخُ مَاَ كُمْتَعْمَلُونَ﴾
[الجاثية - ٢٩]، ﴿وَرُسُلُنَا لَدَتِهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف - ٨٠]، وكذا ما ثبَتَ في الإسراء من
سماعه عليه الصلاة والسلام صَرِيفَ الأقلام(٣)، أي: تصويتَها، فُيُحمَلُ على ظاهره، لكنَّ
كيفيَّة ذلك وصورتَهُ وجنسَهُ مما لا يعلمُهُ إِلاَّ اللَّهُ تعالى، أو مَن أطلَعَهُ على شيءٍ من ذلك))
اهـ ملخِّصاً، وتمامُهُ في "ح"(٤).
[٤٨٠ ٤] (قولُهُ: وهو أحدُ ما قيل إلخ) راجعٌ إلى قوله: ((تُكتَبُ فِي رَقِّ)) فقط كما أفاده
ے
"ح"(٥)، فراجعه وتأمَّل.
(١) لم نجده في المصادر الحديثية التي بين أيدينا.
(٢) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٨/ب.
(٣) أخرجه أحمد ١٤٩/٣، والبخاري (٣٤٩) كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ ومسلم (١٦٣)
كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول الله ﴿ إلى السموات وفرض الصلوات من حديث أنس به مرفوعاً.
(٤) ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٧٢/أ.
(٥) انظر "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٧٢/أ.

الجزء الثالث
٤٢١
باب صفة الصلاة
وصحَّحَ "النيسابوريُّ" في "تفسيره"(١): ((أَنَّهما يَكْتُبان كلَّ شيءٍ حتى أنينَهُ)).
قلتُ: وفي "تفسير الدمياطيِ))(٢): ((يكتُبُ المباحَ كاتبُ السيِّئَات، ويُمحَى يوم القيامة))،
[٤٤٨١] (قولُهُ: وصحَّحَ "النَّيسابوريُّ) نقَلَهُ في "الحلبة"(٣) عن "الحسن" و"مجاهدٍ"(٤)
و "الضخَّك" (٥) وغيرهم، وذكَرَ قبله(٦) عن "الاختيار"(٧): ((أنَّ "محمَّدً" رَوَى عن "هشامِ" عن
"عكرمة" عن "ابن عبَّاسِ" أَنَّه قال: ((الملائكةُ لا تكتبُ إلاَّ ما فيه أجرٌ أو وِزْرٌ))(4).
[٤٨٢ ٤] (قولُهُ: حتى أنينَهُ) هو الصوتُ الصادرُ عن طبيعة الشخص في مرضه لعُسره، أو
الضجره، أو لتأسُّفه على ما فرَّطَ في جَنْبِ (٩) الله تعالى، وأشارَ بهذه الغايةِ إلى أَنَّهما يَكُبان جميعَ
الضروريَّات أيضاً كالتنفّس وحركةِ النبض وسائرِ العروق والأعضاء، أفاده "ح"(١٠) عن "اللَّقانيّ".
[٤٨٣ ٤] (قولُهُ: يكُتُبُ المباحَ كاتبُ السَيِّئَات) تفسيرٌ لِما أَجَمَلَ في العبارة السابقة، حيث
نسَبَ فيها كتابةً كلِّ شيءٍ إليهما، فأشارَ هنا إلى تفصيله وبيانه؛ لأنَّ المكتوب ثلاثةُ أقسامٍ: ما فيه
أجرٌ، وما فيه وزرٌ، وما لا ولا، فما فيه أجرٌ لكاتبِ الحسنات، والباقي لكاتبِ السِّئَات.
[٤٤٨٤] (قولُهُ: ويُمحَى يومَ القيامة) وقيل: في آخرِ النهار، وقيل: يومَ الخميس، وهو
مأثورٌ عن "ابن عبّاسٍ" و "الكلبيِّ"، وذَكَرَ في "الحلبة"(١١) عن "الاختيار"(١٢): ((أنَّ الأكثرِين على
(١) المسمى "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" للحسن بن محمد، نظام الدين المعروف بالأعرج القمي النيسابوري
الحسيني (ت بعد ٨٥٠هـ). ("كشف الظنون" ٤٦٠/١، ١١٩٥/٢، "الأعلام" ٢١٦/٢).
(٢) لأبي محمد بكر بن سهل بن إسماعيل الدمياطي (ت٢٨٩هـ). ("كشف الظنون" ٤٤٧/١، "هدية العارفين" ٢٣٤/١).
(٣) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٧/ب.
(٤) أبو الحجاج مجاهد بن جبر المخزوميّ المكيّ التابعيّ (ت١٠٤هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٤٤٩/٤، "الأعلام" ٢٧٨/٥).
(٥) أبو محمد وأبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلاليّ البلخيّ الخراسانيّ (ت ١٠٥هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٥٩٨/٤،
"الأعلام" ٢١٥/٣).
(٦) لم نعثر على النقل في نسخة "الحلبة" التي بين أيدينا . .
(٧) "الاختيار": كتاب الكراهية - فصل تقسيم الكلام ١٨٠/٤.
(٨) لم نجده في المصادر الحديثية التي بين أيدينا.
(٩) في "الأصل" "ب" و"م": ((جانب)).
(١٠) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٧٢/ب.
(١١) لم نجد النقل في مظانه.
(١٢) "الاختيار": كتاب الكراهية - فصل تقسيم الكلام ١٨٠/٤.

قسم العبادات
٤٢٢
حاشية ابن عابدين
وفي "تفسير الكازرونيِ"(١) المعروفِ بالأخوين: ((الأصحُّ أَنَّ الكافر أيضاً تُكتَبُ
أعمالُهُ، إلاَّ أنَّ كاتب اليمين كالشاهد على كاتب اليسار))، وفي "البرهان": ((أنَّ
ملائكة الليلِ غيرُ ملائكةِ النهار، وأنَّ إبليس مع ابنِ آدمَ بالنهار، وولدَهُ بالليل))،
وفي "صحيح مسلمٍ"(٢): ((ما منكم من أحدٍ إلاَّ وقد وكّلَ اللَّهُ به قرينَهُ من الجنِّ
وقرينَهُ من الملائكة))، قالوا: وإِيَّاك يا رسولَ الله؟ قال: ((وإِيَّايَ، ولكنَّ اللَّهَ أعانني
علیه فأسلمَ))، رُوِيَ بفتح الميم ..
[١/ق ٤١٦ /أ] الأوَّل))، وعن بعض المفسِّرين: أنّه الصحيحُ عند المحقّقين، فلذا مشى عليه "الشارح".
[٤٤٨٥] (قولُهُ: الأصحُّ أنَّ الكافر أيضاً تُكَبُ أعمالُهُ إلخ) أي: السيَّةُ؛ إذ لا حسنةً له، وهو
مكلّفٌ بحقوق العباد والعقوباتِ اتّفاقً، وبالعباداتِ أداءً واعتقادً، وهو المعتمدُ عندنا، فيُعاقَبُ على
ترك الأمرين، وتمامُهُ في "ح"(٣)، ونقَلَ عنَ "اللَّانِيّ": ((أَنَّ أعمال الكافر التي يظُنُّ هو أنَّها حسنةٌ
لا تُكتَبُ له إلاَّ إذا أسلَمَ، فُكتَبُ له ثوابُ ما عمِلَهُ في الكفر من الحسنات)) اهـ. وفي حفظي أنَّ
مذهبنا خلافُهُ، فليراجع.
[٤٤٨٦] (قولُهُ: وفي "البرهانِ" إلخ) لحديثِ: ((يتعاقُون)) المتقدِّمِ(٤)، والمرادُ بهم الحفظةُ الذين
هم المعقّبات، لا الحفظةُ الذين هم الكتبةُ لِما قدَّمناه، "ح"(٥).
[٤٨٧ ٤] (قولُهُ: وأنَّ إبليسَ مع ابنِ آدم بالنهار) أي: مع جميعِهم إلاّ مَنْ حفِظَهُ الله تعالى منه
وأقدَرَهُ على ذلك، كما أقدَرَ مَلَكَ الموت على نظيرِ ذلك.
والظاهرُ: أنَّ هذا غيرُ القرينِ الآتي(٦)؛ لأَنَّه لا يفارقُ الآدميَّ، فافهم.
[٤٤٨٨] (قولُهُ: رُوِيَ بفتحِ الميم) بمعنى: آمَنَ القرينُ، فصار لا يأمرُ إلَّ بخيرٍ كالقرينِ المَلَكِ،
(١) لعله لأبي البركات وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد، تاج الدين المعروف بحاج هراس الكازروني المدني
الشافعي (ت٨٤٣هـ). ("الضوء اللامع" ٩٦/٧، "هدية العارفين" ١٩٤/٢).
(٢) برقم (٢٨١٤) كتاب صفات المنافقين - باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قريناً.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٧٢/ب.
(٤) المقولة [٤٤٧٢] قوله: ((هل تتغير الحفظة؟ قولان)).
(٥) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٧٣/أ.
(٦) في هذه الصحيفة "در".

الجزء الثالث
٤٢٣
باب صفة الصلاة
وضمِّها. (ويزيدُ) المؤتَمُّ (السلامَ على إمامِهِ في التسليمة الأُولى إن كان) الإِمامُ
(فيها وإلاَّ ففي الثانية، ونواه فيهما لو مُحاذِياً، وينوي المنفردُ الحفظةَ فقط) لم يقل:
الكتبةَ ليعُمَّ المميِّزَ؛ إذ لا كتبةَ معه».
وهذا ظاهرُ الحديث.
[٤٤٨٩] (قولُهُ: وضَمِّها) فيكونُ فعلاً مضارعاً مفيداً للسلامة من القرين الكافر على طريقٍ
الاستمرارِ التحدُّديِّ، "ح"(١). وصحَّحَ بعضُهم هذه الروايةَ ورجَّحَها، وفي روايةٍ: ((فاستسلَمَ))
كما في "الشفاء"(٢).
٣٥٥/١
[٤٤٩٠] (قولُهُ: ويزيدُ المؤتَمُّ إلخ) أي: يزيدُ على ما تقدَّمَ(٢) من نَّةِ القومِ والحفظةِ نَّةَ إمامِهِ.
[٤٤٩١] (قولُهُ: إنْ كان الإمامُ فيها) أي: في التسليمةِ الأُولى، أي: في جهتِها.
(٤٩٢ ٤] (قولُهُ: وإلاَّ) صادقٌ بالمحاذاةِ، وليستْ مرادةً لذكرِها بعدُ، "ح"(٤).
(٤٤٩٣] (قولُهُ: إذ لا كتبةَ معَهُ) أفادَ أنَّ المراد بالحفظة حفظةُ ذاته من الأسواء لا حفظةٌ
الأعمال، وهما قولان كما مرَّ(٥)، لكنَّ الصحيح أنَّ حسناتِ الصبيِّ له، ولوالديه ثوابُ التعليم،
ولذا ذكَرَ "اللَّقانيُّ": ((أَنَّه تُكتَبُ حسناتُهُ))، فمقتضاه أنَّ له كاتبَ حسناتٍ.
(قولُ "المصنّف": ونواه فيهما) تخصيصُ الإمام بالذكرِ يُشعِرُ بأنّه لا حاجة أنْ ينويَ مَن كان في
محاذاته من المؤتَمِّين في الجانبين، بل تكفي نَيَّتُهُ في جانبٍ واحدٍ، ويُحتمَلُ أنَّه لم يذكر المؤتَمَّ لأَنَّه يُعلَمُ
حكمُهُ بالمقايسة على الإمام. اهـ "سندي" عن "البِرْ جَنديّ".
(قولُهُ: فمقتضاه أنَّ له كاتبَ حسناتٍ) بل قال "السنديُّ" نقلاً عن "الرحمتيّ": (( إلاَّ أنَّ كاتب
السيِّئَات مُعطَّلٌ، إلاَّ لو وقَعَ منه ما يؤدِّي إلى الكفر؛ إذ تصحُّ ردَّتُهُ)) اهـ على أنَّ كاتب السيِّئَات
يكتبُ المباحَ أيضاً، والصبيُّ يفعلُهُ، فيكون كاتبَ سيِّئَات بلا تعطيلٍ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٧٣/أ.
(٢) "الشفا": القسم الثالث - الباب الأول - فصل في إجماع الأمة على عصمة النبي من الشيطان ٧٣٦/٢.
(٣) صـ ٤١٤ - "در".
(٤) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٧٣/أ.
(٥) المقولة [٤٤٦٤] قوله: ((والحفظة)).

قسم العبادات
٤٢٤
حاشية ابن عابدين
ولَعَمْري لقد صار هذا كالشريعة المنسوخة، لا يكادُ ينوي أحدٌ شيئاً إلاَّ الفقهاءَ،
وفيهم نظرٌ.
ويكرهُ تأخيرُ السنّةِ إِلاَّ بقدْرِ اللهمَّ أنت السلامُ إلخ، وقال "الحَلْوانيُّ": (( لا بأس
بالفصل بالأوراد))،.
[٤٤٩٤] (قولُهُ: وَلَعَمْري) قسمٌ، وتقدَّمَ الكلامُ عليه في خطبة الكتاب(١).
(٤٩٥ ٤] (قولُهُ: هذا) أي: ما ذُكِرَ من النَّة، وفي "الحلبة"(٢) عن "صدر الإسلام": ((هذا شيءٌ
تَرَكَهُ جميعُ الناس؛ لأَنَّه قَلَّما ينوي أحدٌ شيئاً، قال في "غاية البيان": وهذا حقٌّ؛ لأنَّ [١/ق ٤١٦/ب]
النَّة في السلام صارتْ كالشريعة المنسوخة، ولهذا لو سألتَ ألوف ألوفٍ من الناس: أيَّ شيءٍ
نويتَ بسلامك لا يكادُ يجيبُ أحدٌ منهم بما فيه طائلٌ إلاَّ الفقهاءُ، وفيهم نظرٌ)) اهـ.
[٤٤٩٦] (قولُهُ: إلَّ بقدْرِ: اللهمَّ إلخ) لِما رواه "مسلمٌ" و "الترمذيُ)(٣) عن "عائشة" رضي الله
تعالى عنها قالت: ((كان رسولُ اللهِوَّ لا يقعدُ إلاَّ بمقدارِ ما يقولُ: اللهمَّ أنت السلامُ، ومنك
السلامُ، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام)، وأمَّا ما ورَدَ من الأحاديث في الأذكار عقيبَ الصلاة
فلا دلالةَ فيه على الإتيان بها قبل السنّة، بل يُحمَلُ على الإتيان بها بعدَها؛ لأنَّ السنَّة مِنْ لَوَاحقِ
الفريضة وتوابعها ومكمّلاتها، فلم تكن أجنبيّةً عنها، فما يُفعَلُ بعدَها يُطلَقُ عليه أنَّه عقيبَ
الفريضة، وقولُ "عائشةَ": ((بمقدارٍ)) لا يفيدُ أَنَّه كان يقولُ ذلك بعينه، بل كان يقعدُ بِقَدْرِ
(١) المقولة [٥٨] قوله: ((ولعمري)).
(٢) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ ق ١٣٥/ب - ١٣٦/أ.
(٣) أخرجه مسلم (٥٩٢) كتاب المساجد - باب استحباب الذكر بعد الصلاة - وبيان صفته، وأبو داود (١٥١٢) كتاب
الصلاة - باب ما يقول الرجل إذا سلّم، والترمذيّ(٢٩٨) كتاب الصلاة - باب ما يقول إذا سلم من الصلاة، وقال:
حديث عائشة حديث حسن صحيح، والنسائيّ ٦٩/٣ كتاب السهو - باب الذكر بعد الاستغفار، وابن
ماجه (٩٢٤) كتاب إقامة الصلاة - باب ما يقال بعد التسليم، وفي الباب عن ثوبان، وابن عمر، وابن عباس، وأبي
سعيد، وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة ته.

الجزء الثالث
٤٢٥
باب صفة الصلاة
واختارَهُ "الكمال"،
ما يسَعُهُ ونحوَهُ من القول تقريباً، فلا ينافي ما في "الصحيحين)"(١): ((من أَنَّهَ ﴿ّ كان يقولُ في دُبُرٍ
كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: لا إلهَ إلاَّ الله وحده لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ
قديرٌ، اللهمَّ لا مانعَ لِما أعطيتَ، ولا معطيَ لِما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجدُّ)، وتمامُهُ في
"شرح المنية"(٢)، وكذا في "الفتح"(٣) من باب الوترِ والنوافل.
[٤٤٩٧] (قولُهُ: واختارَهُ "الكمال") فيه أنَّ الذي اختاره "الكمالُ(٤) هو الأوَّلُ، وهو قولُ
"البقَّالِيِّ"، ورَدَّ ما في "شرح الشهيد"(٥): ((من أنَّ القيام إلى السَّةِ متَّصلاً بالفرض مسنونٌ))، ثمَّ
قال: ((وعندي أنَّ قول "الحَلْوانيّ": لا بأسَ لا يعارِضُ القولين؛ لأنَّ المشهور في هذه العبارة كونُ
(قولُهُ: فيه أنَّ الذي اختارَهُ "الكمال" هو الأوَّلُ) لا مانعَ من إرجاع الضمير لِما قاله "الحلوانيُّ"،
فإِنَّه مختارُهُ أيضاً حيث لم يَرُدَّهُ وأرجعَهُ إلى القول قبله بخلاف قول "الشهيد" حيث ردَّهُ.
(قولُهُ: وعندي أنَّ قول "الحلوانيّ": لا بأس يعارضُ القولين إلخ) عدمُ معارضته لقول "البقاليّ"
غيرُ ظاهرٍ، فإنَّه قائلٌ بكراهة ما زادَ على قدر الوارد لا ما كان قدْرَهُ، و"الحلوانيُّ" يقولُ بالكراهة
التنزيهَّة فيهما كما هو مُفاد قوله: ((لا بأس بالفصل بالأوراد))، و"الحلوانيُّ" موافقٌ لِما في "شرح
الشهيد"؛ إذ مفادُ كلامه كراهةَ التأخير ولو قدْرَ الوارد، إلاّ إذا حمل قوله: ((لا بأس )) على الإباحةِ
فيكونُ مخالفاً لِما في "شرح الشهيد" ولِما قاله "الحلوانيُّ"، وهذا كلَّهُ بقطع النظر عن التوفيق الذي أشار
له "الشارح" بقوله: ((وفي حفظي إلخ)).
(١) أخرجه البخاريّ (٨٤٤) كتاب الأذان - باب الذكر بعد الصلاة، ومسلم (٥٩٣) (١٣٨) كتاب المساجد - باب
استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، وأبو داود(١٥٠٥) كتاب الصلاة - باب ما يقول الرجل إذا سلم،
والنسائيّ ٧٠/٣ كتاب السهو - باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة من حديث المغيرة بن شعبة.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٤١-٣٤٢ ..
(٣) انظر "الفتح": كتاب الصلاة ٣٨٣/١-٣٨٤.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٨٣/١-٣٨٤.
(٥) أي: شرح حسام الدين الصدر الشهيد (ت٥٣٦هـ) ويعرف بالجامع الحسامي على "الجامع الصغير"للإمام
محمد، وتقدمت ترجمته ٥١٠/١.

قسم العبادات
٤٢٦
حاشية ابن عابدين
قال "الحلبيُّ": ((إنْ أُرِيدَ بالكراهة التنزيهيَّةُ ارتفَعَ الخلافُ)).
قلتُ: وفي حفظي حملُهُ على القليلة، ويُستحَبُّ أنْ يستغفرَ ثلاثاً، ويقرأ آية الكرسيِّ
خلافه أَولى، فكان معناها أنَّ الأَولى أنْ لا يقرأَ قبل السنّة، ولو فعَلَ لا بأس، فأفاد عدمَ سقوط
السنّةِ بذلك، حتى إذا صلَّى بعد الأورادِ تقعُ سنَّةً لا على وجهِ السنَّة، ولذا قالوا: لو تكلّمَ بعد
الفرض لا تسقُطُ، لكنَّ ثوابها أقلُّ، فلا أقلّ من كونِ قراءة الأوراد لا تُسقِطُها)) اهـ.
وتبِعَهُ على ذلك تلميذُهُ في "الحلبة"(١) وقال: ((فُتُحمَلُ الكراهةُ في قول "البقَّالِيِّ" على
التنزيهيَّة لعدم دليلِ التحريميّة، حتى لو صلاّها بعدَ [١/ق٤١٧/أ] الأوراد تقعُ سنَّةً مؤدَّةً، لكن
لا في وقتها المسنونِ))، ثم قال: ((وأفاد "شيخُنا" أنَّ الكلام فيما إذا صلَّى السنَّةَ في محلِّ الفرض؛
الاتفاق كلمةِ المشايخ على أنَّ الأفضل في السنن حتى سنَّةِ المغرب المنزلُ، أي: فلا يكرهُ الفصلُ
بمسافةِ الطريق)).
[٤٤٩٨] (قولُهُ: قال "الحلبيُّ)(٢) إلخ) هو عينُ ما قاله "الكمال" في كلام "الحَلْوانيِّ" من عدم
المعارضة، "ط" (٣).
[٤٤٩٩] (قولُهُ: ارتفَعَ الخلافُ) لأَنَّه إذا كانت الزيادةُ مكروهةً تنزيهاً كانت خلافَ الأولى
الذي هو معنى لا بأسَ.
[٤٥٠٠] (قولُهُ: وفي حفظي إلخ) توفيقٌ آخرُ بين القولين المذكورين، وذلك بأنَّ المرادَ في قول
"الحلوانيّ": لا بأس بالفصل بالأوراد أي: القليلةِ التي بمقدارِ اللهمَّ أنت السلامُ إلخ؛ لِما علمتَ
(قولُ "الشارح": ارتفَعَ الخلافُ) أي: بين "البقَّاليِّ" و"الحلوانيّ"، وأمَّ الخلافُ بين "الشهيد" و"البقَّالِيِّ"
فثابتٌ لم يرتفع؛ لأنَّ "الشهيد" يكرهُ الفصل حتّى بقولِ: اللهمَّ أنت السلامُ إلخ، و "البقَّاليُّ" لم يكره بذلك
القدرِ لا كراهةً تحريميَّةً ولا تنزيهيَّةً. اهـ "سندي".
(قولُهُ: بأنَّ المراد بقولِ "الحلوانيّ": لا بأس إلخ) أي: مع حملٍ قوله: (( لا بأس)) على الإباحة، والله أعلم.
(١) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٤٣/ب بتصرف.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٤٣ - بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٣٣/١.

الجزء الثالث
٤٢٧
باب صفة الصلاة
والمعوِّذات، ويسّبِّحَ ويحمَدَ ويكبِّرَ ثلاثاً وثلاثين، ويهِّلَ تمامَ المائة، ويدعوَ ويختمَ
بسبحانَ ربِّكَ، وفي "الجوهرة"(١): ((يكرهُ للإمام التنفُّلُ في مكانه ..
من أَنَّه ليس المرادُ خصوصَ ذلك، بل هو أو ما قارَّبَهُ في المقدار بلا زيادةٍ كثيرةٍ، فتأمَّل. وعليه
فالكراهةُ على الزيادة تنزيهيَّةٌ؛ لِما علمتَ من عدم دليلِ التحريميّة، فافهم. وسيأتي(٢) في باب الوتر
والنوافل ما لو تكلّمَ بين السنَّة والفرض أو أكَلَ أو شرِبَ، وأَنَّه لا يُسَنُّ عندنا الفصلُ بين سنَّة
الفجر وفرضه بالضجعةِ التي يفعلُها الشافعيَّة.
[٤٥٠١] (قولُهُ: والمعوِّذات) فيه تغليبٌ، فإنَّ المراد الإِخلاصُ والمعوِّذتان، "ط) (٢).
[٤٥٠٢] (قولُهُ: ثلاثاً وثلاثين) تنازَعَ فيه كلٌّ من الأفعالِ الثلاثةِ قبله(٤).
مطلبٌ فيما لو زادَ على عدد الواردِ في التسبيح عقِبَ الصلاة
(تنبيةٌ)
لو زادَ على العدد قيل: يكرهُ؛ لأَنَّه سوءُ أدبٍ، وَأَيِّدَ بأَنَّه كدواءِ زِيْدَ على قانونه، أو مفتاحٍ زِيْدَ
على أسنانه، وقيل: لا، بل يحصُلُ له التوابُ المخصوص مع الزيادة، بل قيل: لا يحلُّ اعتقادُ الكراهة
لقوله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام-١٦٠]، والأوجهُ: إنْ زادَ لنحوِ شك
عُذِرَ، أو لتعُّدٍ فلا لاستدراكِهِ على الشارع، وهو ممنوعٌ. اهـ ملخّصاً من "تحفة ابن حجرٍ"(٥).
([٤٥٠٣] (قولُهُ: يكرهُ للإمام التنفُّلُ في مكانه) بل يتحوَّلُ مخيراً كما يأتي(٦) عن "المنية"، وكذا
يكرهُ مُكته قاعداً في مكانه مستقبل القبلة في صلاةٍ لا تطوُّعَ بعدَها كما في "شرح المنية"(٧)
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب النوافل ٨٦/١ بتصرف.
(٢) ٢٨٢/٤ "در".
(٣) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٣٣/١.
(٤) في "م" : ((قبل)).
(٥) "تحفة المحتاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٠٦/٢.
(٦) المقولة [٤٥٠٧] قوله: ((وخيره إلخ)).
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٤١ -.

قسم العبادات
٤٢٨
حاشية ابن عابدين
لا للمؤتَمِّ، وقيل: يُستحَبُّ كسرُ الصفوف))، وفي "الخانَيَّة": (( يُستحَبُّ للإمام
التحوُّلُ ليمينِ القبلة - يعني: يسارَ المصلِّي - لتنفُّلِ أو وِرْدٍ))، وخَيَّرَهُ في "المنية" بين
تحوُّلِهِ يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، وذهابهِ لبيته، واستقبالِهِ الناسَ بوجهِهِ ..
[١/ ق ٤١٧/ب] عن "الخلاصة"(١)، والكراهةُ تنزيهيَّةٌ كما دلَّتْ عليه عبارةُ "الخانيّة"(٢).
[٤٥٠٤] (قولُهُ: لا للمؤتَمِّ) ومثلُهُ المنفردُ؛ لِما في "المنية" و"شرحها"(٣): ((أمَّا المقتدي والمنفردُ
فإِنَّهما إِنْ لَبِثْا أو قاما إلى التطوُّع في مكانهما الذي صَلَّيا فيه المكتوبةَ جاز، والأحسنُ أنْ يتطوَّعا في
مكان آخرَ)) اهـ.
[٤٥٠٥] (قولُهُ: وقيل: يُستحَبُّ كَسْرُ الصفوف) ليزولَ الاشتباهُ عن الداخل المعايِنِ
للكلِّ في الصلاة البعيدِ عن الإمام، وذكَرَهُ في "البدائع"(٤) و"الذخيرة" عن "محمَّدٍ"، ونصَّ في
"المحيط" على: ((أَنَّه السنَّة كما في "الحلبة"))(٥)، وهذا معنى قوله في "المنية"(٦): ((والأحسنُ
أنْ يتطوَّعا في مكانٍ آخرَ))، قال في "الحلبة"(٧): ((وأحسنُ من ذلك كلِّهِ أنْ يتطوَّعَ في منزله
٣٥٦/١ إنْ لم يَخَفْ مانعاً)).
(٤٥٠٦] (قولُهُ: لتنقُّلِ أو وِرْدٍ) أقولُ: عبارتُهُ في "الخزائن)(٨): ((قلت: يحتملُ أَنَّه لأجلِ
التنفُّلِ والوِرْدِ)) اهـ. فدلَّ على أنَّ ذلك ليس من كلام "الخانيّة"، والذي رأيتُهُ في "الخانِيَّة"
صريحٌ في أَنَّه للتَقُّل.
[٤٥٠٧] (قولُهُ: وخَّرَهُ إلخ) الضميرُ المنصوبُ للإمام، لكنَّ التخيير الذي في "المنية"(٩) هو:
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر: في الإمامة والاقتداء ق ٣٩/أ.
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصح الاقتداء به وفيمن لا يصح ١٠٠/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٤٤ -.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يستحب للإمام فعله عقيب الصلاة ١٦٠/١.
(٥) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٤٥/ب.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٤٤ -.
(٧) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٤٤/ب ـ ١٤٥/أ - ب.
(٨) "الخزائن": كتاب الصلاة - فصل في بيان صفة الشروع في الصلاة ق ٩٧/أ.
(٩) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٤٠ - وما بعدها بتصرف يسير.

الجزء الثالث
٤٢٩
باب صفة الصلاة
((أَّه إنْ كان في صلاةٍ لا تطوُّعَ بعدَها فإنْ شاءَ انحرَفَ عن يمينه أو يساره، أو ذهَبَ إلى حوائجه،
أو استقبَلَ الناس بوجهه، وإنْ كان بعدَها تطوٌُّ وقام يصلِّيه يتقدَّمُ أو يتأخَّرُ، أو ينحرفُ يميناً أو
شمالاً، أو يذهبُ إلى بيته فيتطوَّعُ ثَمَّةً)) اهـ
وهذا التخييرُ لا يخالفُ ما مرَّ(١) عن "الخانَيَّة"؛ لأَنَّه لبيان الجواز، وذاك لبيان الأفضل، ولذا
عَلَّلهُ في "الخانَة"(٢) وغيرها: ((بأنَّ لليمين فضلاً على اليسار))، لكنَّ هذا لا يخصُّ يمينَ القبلة، بل
يقالُ مثلُهُ في يمين المصلِّي، بل في "شرح المنية"(٣): ((أَنَّ انحرافَهُ عن يمينه أَولى))، وأَيَّدَهُ بحديثٍ في
"صحيح مسلمٍ"(٤)، وصحَّحَ في "البدائع"(٥) التسويةَ بينهما وقال: ((لأنَّ المقصود من الانحراف -
وهو زوالُ الاشتباهِ، أي: اشتباهِ أَنَّه في الصلاة - يحصلُ بكلّ منهما))، وقدَّمنا (٦) عن "الحلبة": ((أَنَّ
الأحسنَ من ذلك كلّهِ تطوُّعُه في منزله؛ لِما في "سنن أبي داود(٧) بإسنادٍ صحيحٍ: ((صلاةُ المرء في
بيته أفضلُ من صلاته في مسجدي هذا إلاَّ المكتوبةَ)))).
قلت: وإلاَّ التراويحَ كما سيأتي(٨) في باب الوتر والنوافل مع [١/ق٤١٨ /أ] زياداتٍ أخرَ،
(١) صـ ٤٢٨ - "در".
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصح الاقتداء به وفيمن لا يصح ١٠٠/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٤٠ -.
(٤) أخرجه أحمد ١٧٩/٣، ومسلم (٧٠٨) كتاب صلاة المسافرين - باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين
والشمال، والنسائيّ ٨١/٣ كتاب السهو - باب الانصراف من الصلاة من حديث أنس رضي ◌ُبه.
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يستحب للإمام فعله عقيب الصلاة ١٦٠/١.
(٦) المقولة [٤٥٠٥] قوله: ((وقيل: يستحب كسر الصفوف)).
(٧) أخرجه أبو داود (١٠٤٤) كتاب الصلاة - باب صلاة الرجل التطوُّعَ في بيته، و(١٤٤٧) كتاب الصلاة - باب في
فضل التطوع في البيت، وأخرج بنحوه مالك ١٢٦/١، كتاب صلاة الجماعة - باب فضل صلاة الجماعة على
صلاة الفذ، وأحمد ١٨٦/٥، والترمذيّ (٤٥٠) كتاب الصلاة - باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت، وقال:
حدیث زید بن ثابت حديث حسن.
(٨) المقولة [٥٩٠٣] قوله: ((والجماعة فيها سنة على الكفاية إلخ)).

قسم العبادات
٤٣٠
حاشية ابن عابدين
ولو دونَ عشرةٍ ما لم يكن بحذائه مُصَلِّ.
ثم إذا شاءَ الذهابَ انصرَفَ من جهةِ يمينه أو يساره، فقد صحَّ الأمران عنهَ﴿، وعليه العملُ
عند أهل العلم كما قاله "الترمذيُّ"(١)، وذكَرَ "النوويُ))(٢): ((أَنَّه عند استواء الجهتين في
الحاجة وعدمها فاليمينُ أفضلُ لعموم الأحاديث المصرِّحة بفضل اليمين في باب المكارم
ونحوِها)) كما في "الحلبة"(٣).
[٤٥٠٨] (قولُهُ: ولو دونَ عشرةٍ) أي: أنَّ الاستقبال مطلقٌ لا تفصيلَ فيه بَيْنِ عددٍ وعددٍ على
ما ذكَرَهُ في "الخلاصة(٤) وغيرها، ولا يُلتَفَتُ إلى ما ذَكَرَهُ بعض شرَّح "المقدّمة"(٥): ((من أنَّ
الجماعة إنْ كانوا عشرةً يَلتِفِتُ إليهم لترجُّحِ حرمتهم على حرمة القبلة، وإلاَّ فلا لترجُّحِ حرمة
القبلة على الجماعة، فإنَّ هذا الذي ذَكَرَهُ لا أصلَ له في الفقهِ، وهو رجلٌ مجهولٌ لا تُشبِهُ ألفاظُهُ
ألفاظَ أهل الفقهِ فضلاً عن أنْ يُقَلَّدَ فيما ليس له أصلٌ، والذي رواه موضوعٌ كذبٌ على النبي ◌َّ،
بل حرمةُ المسلم الواحدِ أرجحُ من حرمة القبلة، غيرَ أنَّ الواحد لا يكون خلفَ الإِمام حتى يُلْتِفِتَ
إليه، بل هو عن يمينه، فلو كانا اثنين كانا خلفه، فليلتفتْ إليهما للإطلاق المذكور)) اهـ.
ونازعَهُ في "الإمداد"(٦): ((بأنَّه ذكَرَ ذلك في "مجمع الروايات شرحِ القدوريِّ" عن "حاشية
البدريَّة"(٧) عن "أبي حنيفة"))، فليتأمَّل.
(١) في "السنن" (٣٠١) كتاب الصلاة - باب ما جاء في الانصراف عن يمينه وشماله عن قَبِيصَة بن هُلْب عن أبيه، قال
أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة رضي چين.
(٢) "شرح صحيح مسلم": ٢٢٠/٥ كتاب صلاة المسافرين - باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال.
(٣) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٤١/ب.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر: في الإمامة والاقتداء ق ٣٩/أ.
(٥) أي: "مقدمة الصلاة" لأبي الليث السمر قندي (ت٣٧٣ هـ على الراجح). انظر ق١٢/ب ـ ١٣/أ من الشرح الذي
بین أیدینا، وهو لشارحٍ مجهول.
(٦) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في الأذكار الواردة بعد الفرض ق١٧٣/ب.
(٧) لعلها لأبي عبد الله وأبي البقاء محمد بن عبد الله، بدر الدين، الشّبليّ، الدّمشقيّ ثم الطَّرابلسيّ(ت ٧٦٩هـ).
شرح مختصر القدوري ("كشف الظنون" ١٦٣٢/٢، "الدرر الكامنة" ٤٨٧/٣، "تاج التراجم" صـ ٢١٩-،
"التعليقات السنية على الفوائد البهية "صـ ١٧-).

الجزء الثالث
٤٣١
فصل في القراءة
ولو بعيداً على المذهب.
* فصل في القراءة
(فصلٌ: وَيَجِهَرُ الإِمامُ) وجوباً بحسبِ الجماعة،.
[٤٥٠٩] (قولُهُ: ولو بعيداً على المذهبِ) صرَّحَ به في "الذخيرة" أخذاً من إطلاق "محمَّدٍ" في
"الأصل "(١) قولَهُ: ((إذا لم يكن بحذائه رجلٌ يصلّي))، ثمَّ قال في "الذخيرة": ((وهذا هو ظاهرُ
المذهب؛ لأَنَّه إذا كان وجهُهُ مقابلَ وجهِ الإِمام في حالةِ قيامه يكرهُ وإنْ كان بينهما صفوفٌ))،
واستظهَرَ "ابن أمير حاج" في "الحلبة"(٢) خلافَ هذا فقال: ((الذي يظهرُ أَنَّه إذا كان بين الإمام
والمصلِّي بحذائه رجلٌ جالسٌ ظهرُهُ إلى المصلّي لا يكرهُ للإمام استقبالُ القوم؛ لأَنَّه إذا كان سترةً
للمصلي لا يكره المرورُ وراءه، فكذا هنا، وقد صرَّحُوا بأَنَّه لو صلَّى إلى وجهِ إنسان وبينهما ثالثٌ
ظهرُهُ إلى وجهِ المصلِّي لم يكره، ولعلَّ "محمَّدً " لم يقيِّدْ بذلك للعلم به)) اهـ ملحّصاً، فافهم، والله
تعالى أعلم.
﴿فصلٌ في القراءة﴾
لَمَّا فرَغَ من بيان صفة الصلاة [١/ق٤١٨/ب] وكيفَّتِها وفرائضِها وواجباتها وسنِها ذكَرَ
أحكام القراءة في فصلٍ على حدةٍ لزيادة أحكامٍ تعلّقَتْ بها دون سائرِ الأركان.
[٤٥١٠] (قولُهُ: ويجهرُ الإِمامُ وجوباً) أي: جهراً واجباً على أنَّه مصدرٌ بمعنى اسمِ الفاعل،
وقولُهُ: ((بحسبِ الجماعةِ)) صفةٌ ثانيةٌ للجهر، ولا يخفى أنَّه لا يلزمُ من اتّصافِ الجهر بهذين
الوصفين أنْ يَتَّصِفَ كونُهُ بحسب الجماعة بالوجوب أيضاً، نعمْ لو جُعِلَ حالاً من ضميرِ ((وجوباً))
﴿فصلٌ في القراءة﴾
(قولُهُ: نعم لو جُعِلَ حالاً من ضميرٍ وجوباً المؤوَّلِ باسم الفاعل يلزمُ ذلك) إذ الحالُ وصفٌ
لصاحبها قيدٌ في عاملها، فيقتضي أنَّ الوجوب مقيَّدٌ بكونه بحسبِ الجماعة، تأمَّل.
(١) "الأصل": كتاب الصلاة - باب افتتاح الصلاة ٤٠/١.
(٢) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٤٢/ب.

حاشية ابن عابدين
٤٣٢
قسم العبادات
فإنْ زادَ عليه أساءَ، ولو ائْتَمَّ به بعد الفاتحة أو بعضِها سرّاً أعادَها جهراً، "بحر".
لكنْ في آخر "شرح المنية": (( ائْتَمَّ به بعدَ الفاتحة يجهرُ بالسورة.
المؤوَّلِ باسم الفاعل يلزمُ ذلك، ولا داعيَ إلى حمل الكلام على ما يُفسِدُ المعنى مع تبادُرِ
غيره، فافهم.
[٤٥١١] (قولُهُ: فإنْ زادَ عليه أساءَ) وفي "الزاهديِّ" عن "أبي جعفرٍ": ((لو زادَ على الحاجة
فهو أفضلُ، إلَّ إذا أجهَدَ نفسَهُ أو آذى غيرَهُ))، "قُهُستاني)"(١).
[٤٥١٢] (قولُهُ: أعادَها جهراً) لأنَّ الجهر فيما بقيَ صار واجباً بالاقتداء، والجمعُ بين الجهر
والمخافتة في ركعةٍ واحدةٍ شنيعٌ، "بحر"(٢).
ومُفاده: أَنَّه لو ائْتَمَّ بعد قراءة بعضِ السُّورة أنَّه يعيدُ الفاتحةَ والسورة، فليراجع، "ح(٢).
(٤٥١٣] (قولُهُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على قوله: ((ولو اثَّمَّ به)) وهذا قولٌ آخرُ، وقد حَکَی
القولين "القُهُستانيُ)(٤) حيث قال: ((إِنَّ الإِمام لو خافَتَ ببعضِ الفاتحة أو كلِّها أو المنفردَ، ثمَّ
اقتدى به رجُلٌ أعادَها جهراً كما في "الخلاصة"(٥)، وقيل: لم يُعِدْ وجهَرَ فيما بقيَ من بعض الفاتحة
أو السورة كلّها أو بعضِها كما في "المنية"))(٦) اهـ.
(قولُهُ: ومُعَادُهُ أَنَّه لو ائْتَمَّ إلخ) التعليلُ المذكور منظورٌ فيه بأنَّه بإعادةِ الفاتحة جهراً ما زالَ الجمع
المذكور موجوداً في ركعةٍ واحدةٍ، إلاَّ أنْ يقال: إنّه بإعادتها جهراً صار كأنَّ ما وُجِدَ أوَّلاً لم يوجد،
فكأَنَّه لم يوجد إلاَّ الجهر، فتأمَّل.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ١٠٢/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٦/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق ٧٤/أ.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ١٠١/١.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق ٣٩/أ معزياً إلى "الأصل".
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في مسائل شتى صـ٦١٨ -.

الجزء الثالث
٤٣٣
فصل في القراءة
وعزى في "القنية"(١) القول الثاني إلى القاضي "عبد الجَّار" و"فتاوى السُّغديّ"(٢)، ولعلَّ
وجهَهُ أنَّ فيه التحرُّزَ عن تكرار الفاتحة في ركعةٍ وتأخيرِ الواجب عن محلِّهِ، وهو مُوجِبٌ لسجودٍ
السهو، فكان مكروهاً، وهو أسهلُ من لزومِ الجمع بين الجهر والإسرار في ركعةٍ، على أنَّ كون
ذلك الجمعِ شنيعاً غيرُ مطَّردٍ؛ لِما ذَكَرَهُ في آخر "شرح المنية(٣): ((أَنَّ الإِمام لو سها فخافَتَ
/٣٥٧ بالفاتحة في الجهريَّة، ثمَّ تذكَّرَ يجهرُ بالسورة ولا يعيدُ، ولو خافَتَ بآيةٍ أو أكثرَ يتمُّها جهراً
ولا يعيدُ))، وفي "القُهُستانيّ"(٤): ((ولا خلافَ أَنَّه إذا جهَرَ بأكثرِ الفاتحة يتمُّها مخافتةً كما في
"الزاهديِّ")) اهـ. أي: في الصلاة السِّرِّيّة.
وكونُ القول الأوَّلِ نقَلَهُ في "الخلاصة"(٥) عن "الأصل"(٦) كما في "البحر)"(٧) - و"الأصلُ"
من كتب ظاهر الرواية - لا يلزمُ منه كونُ الثاني لم يُذكَرْ في [١/ق٤١٩/ أ] كتابٍ آخرَ من كتب
ظاهر الرواية، فدعوى أنَّه ضعيفٌ روايةً ودرايةً غيرُ مسلّمةٍ، فافهم.
(قولُهُ: وهو أسهلُ من لزومِ الجمع) لعلَّ الأَولى إبدالُ ((أسهل)) بـ ((أشد)) مثلاً حتَّى يظهرَ
كون ما ذكر وجهاً للقيل الثاني، تأمَّل.
(قولُهُ: على أنَّ كون ذلك الجمعِ شنيعاً غيرُ مطَّردٍ إلخ) قد يقال: إنَّ ما في "شرح المنية" مبنيٌّ على
الرِّوايةِ الثانية، وعلى الرِّوايةِ الأولى يعيدُ، ويُعلَمُ من تعبير "المنية" عن الثانية بـ ((قيل)) ضعفُها.
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمامة ق١٧/ب.
(٢) لم نجدها في المطبوعة التي بين أيدينا من "فتاوى السغدي".
(٣) "شرح المنية الكبير": مسائل شتى صـ٦١٨ -.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ١٠١/١.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق ٣٩/أ.
(٦) "الأصل": كتاب الصلاة - باب السهو في الصلاة وما يقطعها ٢١٥/١-٢١٦.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٦/١.

قسم العبادات
٤ ٤٣
حاشية ابن عابدين
إِنْ قصَدَ الإِمامةَ، وإلاَّ فلا يلزمُهُ الجهرُ)) (في الفجرِ وأُولبي العشاءين أداءً وقضاءً
وجمعةٍ وعيدين وتراويحَ ووترِ بعدَها) أي: في رمضانَ فقط للتوارُثِ ..
[٤٥١٤] (قولُهُ: إِنْ قصَدَ الإمامةُ إلخ) عزاه في "القنية"(١) إلى "فتاوى الكَرْمانِّ"(٢)، ووجهُهُ أنَّ
الإِمام منفردٌ في حقِّ نفسه، ولذا لا يحنثُ في: لا يؤمُّ أحداً ما لم ينوِ الإِمامةَ، ولا يحصلُ ثواب
الجماعة إلاَّ بالنّة، ولا تفسُدُ الصلاة بمحاذاة المرأة إلاَّ بالنيّة كما مرَّ(٢) في بحث النّة، وسيذكرُ(٤) في
باب الوتر عند ذكرٍ كراهة الجماعة في التطوُّع على سبيل التداعي: أَنَّه لا كراهة على الإمام لو
لم ينوِ الإمامة، فإذا كان كذلك فكيف تلزمُهُ أحكامُ الإمامة بدون التزامٍ؟ فافهم.
[٤٥١٥] (قولُهُ: وأُولَيِ العِشاءين) بفتح الياء الأُولى وكسرِ الثانية، "قُهُتاني"(٥). والعشاءان:
المغربُ والعتمةُ.
[٤٥١٦] (قولُهُ: أي: في رمضانَ فقط) مأخوذٌ من "المصنّف" في "المنح"(٦) حيث قال:
((وقَّدنا الوترَ بكونه بعد التراويح لأَنّه إنما يُجهَرُ في الوتر إذا كان في رمضانَ لا في غيره كما أفاده
"ابنُ نجيمٍ" في "بحره"(٧)، وهو واردٌ على إطلاقٍ "الزيلعيِّ)(٨) الجهرَ في الوتر إذا كان إماماً)) اهـ.
فدلَّ كلامُهُ على أنَّ مراده في متنه بقوله: ((بعدَها)) كونُهُ في رمضانَ كما هو المسنونُ أعمَّ
من أنْ يكون بعد التراويح أوْ لا، وبه سقَطَ ما يأتي (٩) عن "مجمع الأنهر"، لكنْ يَرِدُ عليه أنَّه
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيما يتعلق بالإمام ق١٧/ب.
(٢) "الفتاوى": لأبي الفضل عبد الرحمن بن محمد، ركن الدين المعروف بابن أميرويه الكرمانيّ (ت٥٤٣هـ). ("الفوائد
البهية "ص ٩١-، "الأعلام "٣٢٧/٣).
(٣) صـ ٨٧ - "در".
(٤) ٣٧٩/٤ "در".
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ١٠١/١ بتصرف يسير.
(٦) "المنح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ١/ق ٤١/أ بتصرف يسير.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٥/١.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة ١٢٧/١.
(٩) صـ٤٣٥ - "در".

الجزء الثالث
٤٣٥
فصل في القراءة
قلتُ: في تقييدِهِ بـ: بعدَها نظرٌ؛ لجهرِهِ فيه وإنْ لم يُصَلِّ التراويحَ على الصحيح كما
في "مجمع الأنهر"(١)، نعم في "القُهُستَانِيِّ" تبعاً لـ "القاعديّ"(٢): ((لا سهوَ بالمخافتة
في غيرِ الفرائض كعيدٍ ووترِ، نعم الجهرُ أفضلُ)).
(ويُسِرُّ في غيرِها) وكان عليه الصلاة والسلام يجهرُ في الكلِّ، ثم ترَكَهُ في الظهر
والعصر لدفعِ أذى الكفّار(٢)، "كافي"(٤) (كمتنقّلِ بالنهار) فإنَّه يُسِرُّ (ويُخيّرُ المنفردُ
في الجهرِ) وهو أفضلُ، ويكتفي بأدناه (إِنْ أَدَّى) وفي السِّرِّة يُخافِتُ حتماً .......
يقتضي أنَّه لو صلَّى الوترَ جماعةً في غير رمضانَ أَنَّه لا يجهرُ به وإنْ لم يكن على سبيلِ التَّداعي، ويحتاجُ
إلى نقلٍ صريحٍ، وإطلاقُ "الزيلعيّ" يخالفُهُ، وكذا ما يأتي(٥) من أنَّ المتنفِّل بالليل لو أمَّ جهَرَ، فتأمَّل.
[٤٥١٧] (قولُهُ: قلت إلخ) علمتَ أنَّه غيرُ واردٍ.
[٤٥١٨] (قولُهُ: نعمْ في "القُهُستانيِّ") فيه أنَّ "القُهُستانيّ)(٦) صرَّحَ بعده بتصحيحِ خلافه.
[٤٥١٩] (قولُهُ: ويُسِرُّ في غيرِها) وهو الثالثةُ من المغرب، والأُخريان من العشاء، وكذا جميعُ
ركعات الظهر والعصر وإنْ كان بعرفةً خلافاً لـ "مالكٍ" كما في "الهداية"(٧).
[٤٥٢٠] (قولهُ: وهو أفضلُ) ليكونَ الأداءُ على هيئة الجماعة، ولهذا كان أداؤه بأذان
ء
(قولُهُ: وكذا ما يأتي من أنَّ المنتفّل بالليل لو أمَّ جهَرَ، فتأمَّل) المتعِيِّنُ في هذه المسألة أنَّ البعديَّة
ليست بقيدٍ، بل ذكرُها حَرْيٌ على الغالب عملاً بإطلاق "الزيلعيّ"، وما يفيدُهُ ما يأتي من أنَّ المتنفّل
بالليل لو أمَّ جهَرَ، وفي "السنديِّ" نقلاً عن "البِرْجَنديِّ" بالعزوِ لـ "القنية": ((الجهرُ في التراويح والوتر
واجبٌ، حتَّى لو ترَكَهُ ساهياً يلزمُهُ سجود السهو)) اهـ.
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - فصل في أحكام القراءة ١٠٣/١.
(٢) لم نعثر على ترجمة له فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٢٢) كتاب التفسير - باب: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها، ومسلم (٤٤٦) كتاب الصلاة - باب
التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣٠/أ بتصرف.
(٥) صـ ٤٣٦-٤٣٧ - "در".
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل: يجهر الإمام ١٠٢/١.
(٧) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٥٣/١.

قسم العبادات
٤٣٦
حاشية ابن عابدين
على المذهب (كمتنفّلٍ بالليل) منفرداً،.
وإقامةٍ أفضلَ، ورُوِيَ في الخبر: (( أنَّ مَنْ صلَّى على هيئة الجماعة صلَّتْ بصلاته صفوفٌ من
الملائكة))(١)، "منح"(٢).
[٤٥٢١] (قولُهُ: على المذهبِ) كذا في "البحر"(٣) رادًاً على ما في "العناية"(٤): ((من أنَّ ظاهر
الرواية أَنَّه مُخَّرٌ)).
أقولُ: ما في "العناية" صرَّحَ به أيضاً في "النهاية" [١/ق٤١٩/ب] و"الكفاية"(٥) و"المعراج"،
ونقَلَ في "التار خانَّةً"(٦) عن "المحيط)(٧): ((أَنَّه لا سهوَ عليه إذا جهَرَ فيما يُخافَتُ؛ لأَنَّه لم يترك
واجباً))، وعلَّلهُ في "الهداية"(٨) في باب سجود السهو: ((بأنَّ الجهر والمخافتة من خصائص
الجماعة))، وقال الشرَّاح(٩): إنّه جوابُ ظاهرِ الزواية، وأمَّ جوابُ روايةِ النوادر فإنّه يلزمُهُ السهو،
وفي "الذخيرة": ((إذا جهَرَ فيما يُخافَتُ عليه السهو، وفي ظاهر الرواية: لا سهوَ عليه))، نعم
صحَّحَ في "الدرر"(١٠) تبعاً لـ "الفتح"(١) و"التبيين"(١٢) وجوبَ المخافتة، ومشى عليه في "شرح
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٤)، وأحمد ١٤٠/٥-١٤١، وأبو داود (٥٥٤) كتاب الصلاة - باب في فضل صلاة
الجماعة، والنسائيّ ١٠٤/٢ كتاب الإمامة - باب الجماعة إذا كانوا اثنين، والدارميّ ٢٩١/١، والطيالسي (٥٥٤)،
وابن خزيمة (١٤٧٦) و(١٤٧٧)، وابن حبان (٢٠٥٦) كتاب الصلاة - باب الإمامة والجماعة، والحاكم ٢٤٧/١ -
٢٤٨، والبيهقيّ في "الكبرى" ٦٧/٣ - ٦٨ و١٠٢ كتاب الصلاة - باب الاثنين فما فوقهما جماعة. كلهم من
حديث أبي بن كعب ◌َّه.
(٢) "المنح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ١/ق ٤١/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٥/١.
(٤) "العناية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٤٢/١. (هامش "فتح القدير").
(٥) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٤٢/١. (هامش "فتح القدير").
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السابع عشر في سجود السهو ٧٢٠/١.
(٧) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١/ق ٨١/ب.
(٨) "الهداية": كتاب الصلاة ٧٥/١.
(٩) انظر "الكفاية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٤٢/١ نقلاً عن "واقعات الناطفي" (هامش "فتح القدير")
و"البناية" ٧٣٨/٢.
(١٠) "الدرر": كتاب الصلاة - فصل في الإمامة ٨١/١.
(١١) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ٢٨٥/١.
(١٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الدخول في الصلاة ١٢٧/١.