النص المفهرس
صفحات 401-420
الجزء الثالث
٣٩٧
باب صفة الصلاة
فقَّدَ المأمولَ بالقبول )).
(ودعا) بالعربيَّةِ،.
موقوفٌ على "أبي الدرداء"، ومَنْ أرادَ الزِّيادةَ على ذلك فليرجع إلى "شرح الدلائل")).
والذي يظهرُ من ذلك أنَّ المراد بقبولها قطعاً أنَّها لا تُرَدُّ أصلاً مع أنَّ كلمة التوحيد -
وهي (١) الشهادة - قد تُرَدُّ، فلذا استشكلَهُ "السنوسيُّ" [١/ق ٤٠٨ /ب] وغيره، والذي ينبغي حملُ
كلام السَّلف عليه: أَنَّه لَمَّا كانت الصلاة دعاءً، والدعاءُ منه المقبولُ ومنه المردودُ، وأنَّ الله تعالى قد
يجيبُ السائلَ بعينِ ما دعاه، وقد يجيبُهُ بغيره لمقتضى حكمته خرجَت الصلاةُ من عموم الدعاء؛
لأَنَّ الله تعالى قال: ﴿ إِنَّاللَّهَ وَمَلَبِ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّيَّ﴾ [الأحزاب - ٥٦] بلفظ المضارعِ
المفيدِ للاستمرار التجدُّديِّ مع الافتتاح بالجملة الاسميّة المفيدة للتوكيد وابتدائها بـ﴿إِنَّ﴾ لزيادة
التوكيد، وهذا دليلٌ على أنَّه سبحانه لا يزالُ مصلّياً على رسوله و﴿، ثم امْتَنَّ سبحانه على عباده
المؤمنين، حيث أمَرَهم بالصلاة أيضاً ليحصلَ لهم بذلك زيادةُ فضلٍ وشرفٍ، وإلاَّ فالنبيُّ ◌َّ
مُستغنِ بصلاة ربِّه سبحانه وتعالى عليه، فيكون دعاءُ المؤمن بطلب الصلاة من ربِّه تعالى مقبولاً
٣٤٩/١ قطعاً، أي: مُجاباً لإخباره سبحانه وتعالى بأنَّه يصلّي عليه، بخلاف سائرِ أنواع الدعاء وغيره من
العبادات، وليس في هذا ما يقتضي أنَّ المؤمن يُثابُ عليها أوْ لا يثابُ، بل معناه أنَّ هذا الطلبَ
والدعاء مقبولٌ غيرُ مردودٍ، وأمَّ الثوابُ فهو مشروطٌ بعدم العوارِضِ كما قدَّمناه(٢)، فعُلِمَ أَنَّه
لا إشكالَ في كلام السَّلْف، وأنَّ له سنداً قويّاً، وهو إخبارُهُ تعالى الذي لا ريبَ فيه، فاغتنمْ هذا
التحرير العظيم، الذي هو من فيض الفتّاح العليم، ثم رأيتُ "الرحمتيَّ" ذكَرَ نحوه.
[٤٤٢١] (قولُهُ: فقَّدَ المأمُولَ) أي: قَّدَ الثوابَ الذي يأمُله العبدُ ويرجوه - وهو هنا مَحْوُ
الذنوب - بالقبول، أي: المتوقّفِ على صدق العزيمة وعدم الموانع، وقد علمتَ أنَّ هذا لا ينافي كونَ
هذا الدعاء مجاباً قطعاً.
(١) قوله: ((التوحيد وهي)) ليست في "ب" و"م".
(٢) في هذه المقولة.
قسم العبادات
٣٩٨
حاشية ابن عابدين
وحرُمَ بغيرها، "نهر".
مطلبٌ في الدُّعاء بغيرِ العربيّة
(٤٢٢ ٤] (قولُهُ: وحَرُمَ بغيرِها) أقولُ: نقلَهُ في "النهر"(١) عن الإمام "القرائيّ" المالكيِّ معلِّلاً
باشتماله على ما ينافي التعظيمَ، ثمَّ رأيتُ العلاَّمة "اللَّقَانيّ" المالكيَّ نقَلَ في "شرحه الكبير" على
منظومته المسمَّةِ "جوهرة التوحيد" كلامَ "القرائيّ"، وقَّدَ الأعجميّةَ بالمجهولةِ المدلولِ أخذاً من تعليله
بجواز [١/ق ٤٠٩/أ] اشتمالها على ما ينافي جلالَ الربوبيّة، ثمَّ قال: ((واحترزنا بذلك عمَّا إذا عُلِمَ
مدلولُها فيجوزُ استعمالُهُ مطلقاً في الصلاة وغيرها؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
[ البقرة - ٣١]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ [إبراهيم-٤])) اهـ.
لكنَّ المنقول عندنا الكراهةُ، فقد قال في "غرر الأفكار شرح درر البحار" في هذا
المحلّ(٢): ((وكُرِهَ الدعاءُ بالعجميَّة؛ لأنَّ "عمر" نَهَى عن رَطانة الأعاجم)) اهـ.
والرَّطانةُ - كما في "القاموس"(٣) -: ((الكلام بالأعجميّة))، ورأيتُ في "الولو الحيّة"(٤) في
بحث التكبير بالفارسيّة: ((أَنَّ التكبير عبادةٌ لله تعالى، واللَّهُ تعالى لا يحبُّ غيرَ العربَّة، ولهذا كان
الدعاءُ بالعربيّة أقربَ إلى الإجابة، فلا يقعُ غيرُها من الألسنِ في الرِّضى والمحبَّة لها موقعَ كلام
العرب)) اهـ. وظاهرُ التعليل أنَّ الدعاء بغير العربيّة خلافُ الأَولى، وأنَّ الكراهة فيه تنزيهيّةٌ.
هذا، وقد تقدَّمَ أوَّلَ الفصل: أنَّ الإِمام رجَعَ إلى قولهما بعدم جواز الصلاة بالقراءة بالفارسيَّة
إلاّ عند العجز عن العربيَّة، وأمَّا صحَّةُ الشروع بالفارسيّة - وكذا جميعُ أذكار الصلاة - فهي على
الخلاف، فعنده تصحُّ الصلاة بها مطلقاً خلافاً لهما كما حقَّقَهُ الشارح هناك (٥).
(١) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٤٩/ب.
(٢) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق ٣٧/أ.
(٣) "القاموس المحيط": مادة ((رطن)).
(٤) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل التاسع في الحدث الطارئ على الصلاة ق ١١/ب.
(٥) صـ٢٧٢-٢٧٣ - "در".
الجزء الثالث
٣٩٩
باب صفة الصلاة
لنفسِهِ وأبويه وأستاذِهِ المؤمنين،
والظاهرُ: أنَّ الصحّة عنده لا تنفي الكراهةَ، وقد صرَّحوا بها في الشُّروع، وأمَّا بقيَّهُ أذكار
الصلاة فلم أر مَنْ صرَّحَ فيها بالكراهة سوى ما تقدَّمَ، ولا يبعُدُ أنْ يكون الدعاءُ بالفارسيَّة
مكروهاً تحريماً في الصلاة وتنزيهاً خارجها، فليتأمَّل وليراجعْ.
(٤٤٢٣] (قولُهُ: لنفسِهِ وأبويه وأستاذِهِ المؤمنين) احترَزَ به عمَّا إذا كانوا كفَّاراً فإِنَّه لا يجوزُ
الدعاء لهم بالمغفرة كما يأتي(١)، بخلاف ما لو دعا لهم بالهداية والتوفيق لو كانوا أحياءً، وكان
ينبغي أنْ يزيدَ: ولجميعِ المؤمنين والمؤمناتِ كما فعَلَ في "المنية"(٢)؛ لأنَّ السنّة التعميمُ لقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَغْفِرْلِذَتِكَ وَلِلْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [ محمَّد-١٩]، وللحديثِ: ((مَنْ صَلَّى صلاةً لم يدعُ
فيها للمؤمنين والمؤمنات فهي خِدَاجٌ))(٣) كما في "البحر"(٤)، ولخبرِ "المستغفريِ" (٥): ((ما مِنْ دعاءِ
أحبَّ إلى الله من قولِ العبد: اللهمَّ اغفر لأمَّةِ محمَّدٍ مغفرةً عامةً»، [١/ق ٤٠٩ /ب] وفي روايةٍ:
أَنَّم ◌َّ سمع رَجُلاً يقول: اللهمَّ اغفر لي، فقال له(٦): ((ويحك لو عمَّمْتَ لاستُجِيبَ لك»
وفي أخرى: أَنَّ ضرَبَ مَنكِبَ مَنْ قال: اغفر لي وارحمني، ثم قال له: ((عَمِّمْ في دعائك،
(قولُهُ: والظاهرُ أنَّ الصحَّة عنده لا تنفي الكراهةَ إلخ) بعدَ وجودِ التصريح بالكراهة في الشروع فهو
كافٍ، ولا حاجةً لهذا الاستظهار. ثمَّ إِنَّ قوله: (( ولا يبعُدُ إلخ)) لا يظهرُ بعد ما قدَّمَهُ مما يفيدُ أَنَّها تنزيهيّةٌ.
(قولُهُ: فهي خِداجٌ) في "القاموس": ((صلاتُهُ خِداجٌ أي: نقصالٌ)) اهـ.
(١) المقولة [٤٤٢٥] قوله: ((والحق إلخ)).
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٣٤ -.
(٣) ذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة" ١١٩/١، والفتني في "تذكرة الموضوعات" صـ٣٩-، والشوكاني في "الفوائد
المجموعة" صـ ٢٨-٢٩ -. وفي إسناده نوح بن ذكوان ليس بشيء، وعنه سويد بن عبد العزيز متروك.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٩/١.
(٥) أخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ١٥٧/٦، وذكره الهيثميّ في "الفتاوى الحديثية" ص ٤٦ -.
(٦) ((له)) ليست في "ب" و"م".
قسم العبادات
٤٠٠
حاشية ابن عابدين
ويحرُمُ سؤالُ العافية مدى الدهرِ، أو خيرِ الدارين ودفعٍ شرِّهما، أو المستحيلاتِ
العاديَّة كنزول المائدة، قيل: والشرعيّةِ،
فإِنَّ بين الدعاءِ الخاصِّ والعامِّ كما بين السماء والأرض))(١)، وفي "البحر"(٢) عن "الحاوي
القدسيِّ"(٢): ((مِنْ سننِ القعدة الأخيرة الدعاءُ بما شاءً من صلاح الدين والدنيا لنفسه ولوالديه
وأستاذيه(٤) وجميعِ المؤمنين )) اهـ.
قال(٥): ((وهو يفيدُ أنَّه لو قال: اللهمَّ اغفرْ لي ولوالديَّ وأستاذي لا تفسُدُ مع أنَّ الأستاذ
ليس في القرآن، فيقتضي عدمَ الفساد في: اللهمَّ اغفرْ لزَيْدٍ)).
مطلبٌ في الدُّعاء المحرَّم
[٤٤٢٤] (قولُهُ: ويحرُمُ سؤالُ العافية مدى الدهرِ إلى قوله: والحقُّ) هو أيضاً من كلام "القرافيّ"
المالكيِّ، نقلَهُ عنه في "النهر " (٦)، ونقلَهُ أيضاً العلاَّمة "اللَّقانيُّ" في "شرح جوهرة التوحيد" فقال:
((الثاني من المحرَّمِ: أنْ يسألَ المستحيلاتِ العاديَّةَ وليس نبيّاً ولا ولياً في الحال، كسؤالِ الاستغناء
عن التنفّس في الهواء ليأمنَ الاختناقَ، أو العافيةِ من المرض أَبَدَ الدهرِ لينتفعَ بقواه وحواسِّه أبداً؛ إذ
دَلَّتِ العادةُ على استحالة ذلك، أو ولداً مِنْ غير جماعٍ، أو ثماراً من غيرِ أشجارٍ، وكذا قولُهُ: اللهمَّ
أعطِنِي خيرَ الدنيا والآخرةِ؛ لأَنَّه محالٌ، فلا بدَّ من أنْ يرادَ الخصوصُ بغير منازلِ الأنبياء ومراتبٍ
الملائكة، ولا بدَّ أنْ يدركَهُ بعضُ الشرور ولو سكراتِ الموت ووحشةَ القبر، فكلُّهُ حرامٌ.
الثالثُ: أنْ يطلبَ نفيَ أمرٍ دلَّ السمعُ على نفيه كقوله: ربَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا
(١) لم نعثر على تخريجه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥١/١.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - فصل في القعدة الأصلية في الصلاة ق ٤٠/أ.
(٤) الذي في "البحر": ((أستاذه))، وما أثبتناه هو الموافق لما في "الحاوي القدسي".
(٥) أي: صاحب "البحر".
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٤٩/ب.
الجزء الثالث
٤٠١
باب صفة الصلاة
إلخ، مع أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((رُفِعَ عن أمَّتَي الخطأُ والنسيانُ وما استُكرِهُوا عليه)(١)،
فهي مرفوعةٌ، فيكون تحصيلَ(٢) الحاصل، وهو سوءُ أدبٍ مثل: أَوجبْ علينا الصلاةَ والزكاة، إلاَّ
أنْ يريدَ بالخطأ العمدَ، وبما لا يُطاقُ الرزايا والمحنَ فيجوزُ)) اهـ ملخَّصاً.
قال "اللَّقانيُّ": ((ورَدَّ هذا بعضُهم بما قدَّمناه عن "العزِّ بنِ عبد السلام" من أَنَّه يجوزُ الدعاءُ
بما عُلِمَتِ السلامةُ [١/ق ٤١٠ /أ] منه)) اهـ.
ولذا قال "الشارح": ((قيل: والشرعيَّةٍ))، أي: لأن أحسنَ الدعاء ما ورَدَ في القرآن والسنّة،
٣٥٠/١ ومنه ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة - ٢٨٦] الآيةَ، فكيف يُنْهَى عنه؟! ولو كان الدعاءُ بتحصيل
الحاصلِ منهّاً لَمَا ساغ الدعاءُ بالصلاة على النبي ◌َّ، ولا الدعاءُ له بالوسيلة، ولا بقولِ المؤمن:
اهدِنا الصراطَ المستقيم، ولا بلَعْنِ الشياطينِ والكافرين ونحوِ ذلك مما فيه إظهارُ العجزِ والعبوديَّةِ، أو
(قولُهُ: ولذا قال "الشارح": قيل: والشرعيَّةِ إلخ) فيه أنَّ المستحيل الشرعيَّ هو ما دلَّ الشرعُ على نفيه
كرؤيةِ الباري تعالى في الدنيا والمغفرةِ للكافر، وليس القسمُ الثالث منه، وقال "ط": ((طلبُ المستحيلِ الشرعيِّ
أَولى بالتحريم من المستحيل العاديِّ، فلينظر دليلُ المقابل)) اهـ. ولعلَّ "الشارح" لم يقصد بقوله: ((وقيل))
حكايةً خلافٍ بل مجرَّدَ النقل.
(١) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" صـ ٣٧٠ -: ((وقع بهذا اللفظ في كتب كثيرين من الفقهاء والأصوليين))، وقال
الزيلعيّ في "نصب الراية" ٦٥/٢ كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها: ((لا يوجد بهذا اللفظ وإن
كان الفقهاء كلُّهم لا يذكرونه إلا بهذا اللفظ، وأكثر ما يروى بلفظ: إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان))،
فقد رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) كتاب الطلاق - باب طلاق المكره والناسي، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار"
٩٥/٣ كتاب الطلاق - باب طلاق المكره، والطبرانيّ في "الكبير" (١١٢٧٤)، وفي "المعجم الصغير" ٢٧٠/١،
والعقيلي في "الضعفاء" ١٤٥/٤، وابن عدي ١٩٢٠/٥-١٩٢١، وابن حبان (٧٢١٩) كتاب إخباره صَ لّ عن مناقب
الصحابة - باب فضل الأمة، والدارقطني ١٧٠/٤ -١٧١، والحاكم ١٩٨/٢، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٥٦/٧
كتاب الخلع والطلاق - باب ما جاء في طلاق المكره، وابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" ١٤٩/٥، وانظر
"جامع العلوم والحكم" لابن رجب ٣٦١/١-٣٦٢ كلُّهم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وفي
الباب عن: أبي ذَرٍّ، وَثَوْبان، وأبي الدَّرْداءِ، وابن عمر، وأبي بَكْرة، وعُقْبَة بن عامر ط ◌ّه.
(٢) في "ب" : ((تحصل)).
قسم العبادات
٤٠٢
حاشية ابن عابدين
والحقُّ حرمةُ الدعاء بالمغفرة للكافر، لا لكلِّ المؤمنين كلَّ ذنوبهم، "بحر "(١) ..
الرَّغبةِ بحبِّ النبي ◌ُ ◌ّ أو حبِّ الدِّين، أو النفرةِ عن فعل الكافرين ونحوهم، بخلاف قول الرجل:
اللهمَّ اجعلني رَجُلاً ونحوِهِ مما لا فائدة فيه، أو ما فيه تحكُّمٌ على الله تعالى كطلب ما ليس أهلاً
لَيْله أو ما كان مستحيلاً، فإنّه من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفِيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف - ٥٥]، وروى عن "عبد الله بن مُعَفَّلِ" رضي الله
تعالى عنه أَنَّه سمع ابنه يقول: اللهمَّ إنِّي أسألكَ القصرَ الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتُها، فقال:
يا بنيَّ، سَلِ اللَّهَ الجنَّةَ، وتعوَّذْ به من النار، فإِنِّي سمعتُ رسول الله وَّ يقول: ((سيكونُ في هذه
الأمَّة قومٌ يعتدُون في الطُّهور والدعاء))(٢).
مطلبٌ في خُلْفِ الوعيد، وحكمِ الدعاء بالمغفرة للكافر ولجميع المؤمنين
(٤٤٢٥] (قولُهُ: والحقُّ إلخ) ردٌّ على الإمام "القرافيّ" ومَنْ تِعَهُ حيث قال: ((إِنَّ الدعاء بالمغفرة
للكافر كفرٌ؛ لطلبه تكذيبَ الله تعالى فيما أخبَرَ به، وإِنَّ الدعاء لجميع المؤمنين بمغفرةٍ جميعٍ ذنوبهم
حرامٌ؛ لأنَّ فيه تكذيباً للأحاديث الصحيحة المصرِّحة بأنّه لا بدَّ من تعذيبٍ طائفةٍ من المؤمنين بالنار
بذنوبهم، وخروجهم منها بشفاعةٍ أو بغيرها، وليس بكفر للفرق بين تكذيبٍ خبر الآحاد والقطعيِّ)).
ووافَقَهُ على الأوَّلِ صاحبُ "الحلبة"(٣) المحقّقُ "ابن أمير حاج"، وخالفَهُ في الثاني، وحقّقَ
ذلك: ((بأنَّه مبنيٌّ على مسألةٍ شهيرةٍ، وهي: أَنَّه هل يجوزُ الخُلْفُ في الوعيد؟ فظاهرُ ما في
"المواقف"(٤) و"المقاصد"(٥): أنَّ الأشاعرةَ قائلون بجوازه؛ لأَنَّه لا يُعَدُّ نقصاً بل جُوداً وكرماً،
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الشروع في الصلاة ٣٤٩/١.
(٢) أخرجه أحمد في "المسند" ٨٦/٤-٨٧، و٥٥/٥، وابن أبي شيبة ٦٥/٧ كتاب الدعاء باب من كره الاعتداء في
الدعاء، دون لفظ ((الطهور))، وأبو داود (٩٦) كتاب الطهارة - باب الإسراف في الماء، وابن ماجه (٣٨٦٤) كتاب
الدعاء - باب كراهية الاعتداء في الدعاء، والطبرانيّ في "الدعاء" (٥٨) و(٥٩)، وابن حبان (٦٧٦٤) كتاب التاريخ باب
إخباره عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، والحاكم ١٦٢/١ و ٥٤٠، وفي الباب: عن سعد بن أبي وقاص ◌َيّته.
(٣) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٢٧/أ - ب، ٢/ق ١٢٨/أ.
(٤) "المواقف": الموقف السادس في السمعيات بالمرصد الثاني في المعاد - المقصد السادس في تقرير مذهب أصحابنا في
الثواب والعقاب صـ٣٧٨ -.
(٥) "المقاصد": المقصد السادس في السمعيات - الفصل الثاني في المعاد - المبحث الثاني عشر ١٥٢/٥.
الجزء الثالث
٤٠٣
باب صفة الصلاة
وصرَّحَ "التفتازانيُ))(١) وغيره: بأنَّ المحقّقين [١/ق ٤١٠/ب] على عدم جوازه، وصرَّحَ
"النسفيُّ)(٢): بأنّه الصحيحُ لاستحالته عليه تعالى لقوله: ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
لَدَىَّ﴾ [سورة ق-٢٨، ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَن يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج -٤٧] أي: وعيدَه،
وإنما يُمدَحُ به العبادُ خاصَّةً، فهذا الدعاءُ يجوزُ على الأوَّلِ لا الثاني، والأشبهُ ترجُّحُ جواز الخلف
في الوعيد في حقِّ المسلمين خاصَّةً دون الكفّار توفيقاً بين أدلَّةِ المانعين المتقدِّمة وأدلَّةِ المثبتين التي من
أَنَصِّها قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُأَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُمَادُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء- ٤٨]، وقولُهُ عن
إبراهيمَ: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلَوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم - ٤١]، وأَمَرَ بِهِ نََّا مَّ
بقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْلِذَنْكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمَّد-١٩]، وفعُلُهُ عليه الصلاة
والسلام كما في "صحيح ابن حبَّان"(٢): أنَّه ◌َ ﴿ قال: ((اللهمَّ اغفرْ لـ "عائشةَ" ما تقدَّمَ من ذنبِها
وما تأخّرَ، ما أسَرَّتْ وما أعلَنْت)، ثم قال: ((إِنَّها لَدُعائي لأُمَّتَي في كلِّ صلاةٍ)). وحاصلُ هذا
القولِ جوازُ التخصيص؛ لِما دلّ عليه اللفظُ بوضعه اللغويِّ من العموم في نصوص الوعيد، ولا
ينافي النصوصَ الصحيحةَ المصرِّحةَ بأنَّ مِنَ المؤمنين مَنْ يدخلُ النار ويُعاقَبُ فيها على ذنوبه؛ لأنَّ
الغرض جوازُ مغفرةٍ جميع الذنوب لجميع المؤمنين، لا الجزمُ بوقوعها للجميع، وجوازُ الدعاء بها
مبنيٌّ على جوازِ وقوعها لا على الجزم بوقوعها))، هذا خلاصةُ ما أطالَ به في "الحلبة".
1
وحاصلُهُ: أنَّ ما دلَّ من النصوصِ على عدم جواز خُلْفِ الوعيد مخصوصٌ بغير المؤمنين، أمَّا
في حقِّ المؤمنين فهو جائزٌ عقلاً، فيجوزُ الدعاء بشمولِ المغفرة لهم وإنْ كان غيرَ واقعٍ للنصوص
(١) "شرح العقائد النسفية": صـ ١٨٠ -.
(٢) أي: أبو البركات، حافظ الدين النسفيّ(ت٥٣٧هـ). كما في "الحلبة".
(٣) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٧١١١) كتاب إخباره و﴿ عن مناقب الصحابة ذكر مغفرة الله جل وعلا ذنوب
عائشة ما تقدَّم منها وما تأخّر، والبزّار (٢٦٥٨) وقال: لا نعلم رواه إلاَّ عائشة، والحاكم في "المستدرك" ١١/٤،
وذكره الهثيمي في "المجمع" ٢٤٣/٩ - ٢٤٤ وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وأورده الحافظ ابن حجر
في "معرفة الخصال المكفرة" صـ٣٢- عن ابن حبان وسكت عنه. كلّهم من حديث عائشة رضي الله عنها.
قسم العبادات
٤٠٤
حاشية ابن عابدين
(بالأدعيةِ المذكورة في القرآن والسنّة لا بما يُشبهُ كلامَ الناس) اضطرَبَ فيه كلامُهم ولا
سيَّما "المصنّف" ، والمختارُ - كما قاله "الحلبيُّ))(١) -: ((أنَّ ما هو في القرآن أو في الحديث
الصحيحة المصرِّحة بأنّه لا بدَّ من تعذيب طائفةٍ منهم، وجوازُ الدعاء يتني على الجوازِ عقلاً، لكنْ
يَرِدُ عليه أنَّ ما ثبَتَ بالنصوص الصريحة لا يجوزُ عدمُهُ شرعاً، وقد نقَلَ "اللَّقانيُّ" عن "الأبي"(٢)
و"النوويّ" (٣) انعقادَ الإجماع على أنَّه لا بدَّ من نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة، وإذا كان كذلك
يكونُ الدعاء به مثلَ قولنا: اللهمَّ لا توجبْ علينا الصومَ والصلاة، وأيضاً يلزمُ منه جوازُ الدعاء
بالمغفرة لِمَنْ ماتَ [١/ق ٤١١ /ب] كافراً أيضاً، إلاَّ أن يقال: إنما جازَ الدعاءُ للمؤمنين بذلك
إظهاراً لفَرْطِ الشَّفقة على إخوانه بخلاف الكافرين، وبخلافٍ: لا تُوجِبْ علينا الصومَ؛ لقبحِ الدعاء
لأعداء الله تعالى ورسوله ﴿، وإظهارِ التضِتُّر من الطاعة، فيكونُ عاصياً بذلك لا كافراً على ما
اختارَهُ في "البحر "(٤)، وقال: ((إِنّ الحقُّ))، وتِعَهُ "الشارح"، لكنّه مبنيٌّ على جواز العفوِ عن
الشرك عقلاً، وعليه يبتني القولُ بجواز الخُلْفِ في الوعيد، وقد علمتَ أنَّ الصحيح خلافُهُ، فالدعاءُ
به كفرٌ لعدم جوازِهِ عقلاً ولا شرعاً، ولتكذيبه النصوصَ القطعيّة بخلاف الدعاء للمؤمنين كما
علمتَ، فالحقُّ ما في "الحلبة" على الوجهِ الذي نقلناه عنها، لا على ما نقَلَهُ "ح"(٥)، فافهم.
[٤٤٢٦] (قولُهُ: ودعا بالأدعيةِ المذكورة في القرآن والسنّة) عدَلَ عن قول "الكنز)"(٦): ((بما
يُشْبِهُ القرآنَ))؛ لأنَّ القرآن مُعجِزٌ لا يشبهُهُ شيءٌ، وأجابَ في "البحر)"(٧): ((بأنّه أطلَقَ المشابهةَ
لإرادتِهِ نفسَ الدعاء لا قراءة القرآن)) اهـ.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل فيما يفسد الصلاة صـ٤٤٦ - بتصرف نقلاً عن قاضي خان.
(٢) انظر "إكمال إكمال المُعْلِم": ٣٠/٢.
(٣) انظر "شرح صحيح مسلم" ١٣٥/٣-١٣٦.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٠/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٩ /ب.
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - فصل في بيان صفة الشروع في الصلاة ٤٢/١.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٤٩/١.
الجزء الثالث
٤٠٥
باب صفة الصلاة
لا يُفسِدُ، وما ليس في أحدهما.
ومُفاده: أنّه لا ينوي القراءةَ، وفي "المعراج" أوَّلَ الباب: ((وتكرهُ قراءةُ القرآن في الركوع
والسجود والتشهُّد بإجماع الأئمّة الأربعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «نُهْتُ أنْ أقرأ القرآن
راكعاً أو ساجداً)) رواه "مسلمٌ))(١) اهـ، تأمَّل.
هذا، وقد ذكَرَ في "الإمداد"(٢) في بحث السنن جملةً من الأدعية المأثورة، فتكفي سهولةُ
مراجعتها عن ذكرِها هنا.
٣٥١/١
(تتمَّةٌ)
ينبغي أنْ يدعوَ في صلاته بدعاءِ محفوظٍ، وأمَّا في غيرها فينبغي أنْ يدعوَ بما يحضُرُه،
ولا يستظهرَ الدعاء؛ لأنَّ حفظَهُ يَذْهَبُ بِرِقَّةِ القلب، "هنديَّةَ"(٣) عن "المحيط"(٤). واستظهارُهُ:
حفظُهُ عن ظهرٍ قلبٍ.
[٤٤٢٧] (قولُهُ: لا يُفسِدُ) أي: مطلقاً، سواءٌ استحالَ طلبُهُ من العباد كاغفر لي،
(قولُهُ: تأمَّل) لعلَّه أشار به إلى أنَّ ما في "المعراج" لا ينافي ما في "البحر" لحملٍ ما في "المعراج" على
ما إذا لم يَقصِد الدُّعاءَ، ونحوُ ما في "البحر" في "شرح المنية الكبير"، حيث قال بعد عدِّ الدعاء بالألفاظ
القرآنيَّة: ((فإنَّ هذه الأدعيةَ ليست بقرآنٍ؛ لأَنَّه لم يقصد بها القراءة بل الدعاء، حتّى جاز الدعاءُ بها مع
الجنابةِ والحيض)) اهـ.
(١) أخرجه أحمد ٢١٩/١، ومسلم (٤٧٩) كتاب الصلاة - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وأبو
داود(٨٧٦) كتاب الصلاة - باب في الدعاء في الركوع والسجود، والنسائيّ ١٨٩/٢ - ١٩٠ كتاب التطبيق - باب
تعظيم الرب في الركوع، وابن ماجه (٣٨٩٩) كتاب تعبير الرؤيا - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له،
کلُّهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في سننها ق ١٤٥/أ.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب الكراهية - الباب الرابع ٣١٨/٥.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الاستحسان والكراهية، الفصل الرابع ٢/ق ٥٤١/أ.
قسم العبادات
٤٠٦
حاشية ابن عابدين
إن استحالَ طلبُهُ من الخلق لا يُفسِدُ، وإلاّ يُفسِدُ لو قبلَ قَدْرِ التشهُّد، وإلاَّ تَتِمُّ به ما
لم يتذكَّر سجدةً، فلا تفسُدُ بسؤال المغفرة مطلقاً ولو لعمِّي أو لعمرو،.
......
أوْ لا كارزقني مِنْ بَقْلِها وقِنَّائها وقُومها وعَدَسها وبَصَلها، وفيه ردٌّ على "الفَضْليِّ" في اختياره
الفسادَ بما ليس في القرآن مطلقاً، وعلى ما في "الخلاصة"(١) من تقييده عدمَ الفساد بالمستحيل من
العباد بما إذا كان مأثوراً، وهو مبنيٌّ على قول "الفضليِّ،" قال في "النهر"(٢): ((والمذهبُ الإطلاقُ)).
[٤٤٢٨] (قولُهُ: إن استحالَ طلُبُهُ من الخلق) كاغفرْ لعَمِّي أو لعمرو، فلا يُفسِدُ
[١/ق ٤١١ /ب] وإن لم يكن في القرآن خلافاً لـ "الفضليّ".
[٤٤٢٩] (قولُهُ: وإلاَّ يُفسِدُ) مثل: اللهمَّ ارزقْني بقلاً وقِتَّاءً وعدساً وبصلاً، أو ارزقني فلانةً.
[٤٤٣٠] (قولُهُ: وإلاَّ تَنِمُّ به) أي: مع كراهة التحريم، "ط" (٣).
[٤٤٣١] (قولُهُ: ما لم يتذكَّرْ سجدةً) أي: صُلبَّةً، فتفسُدُ الصلاةُ لوجود القاطع المانع من
إعادتها، وهو الدعاءُ المذكور بخلاف التلاويَّة والسهويّة؛ لأَنَّه لا تتوقّفُ صحَّةُ الصلاة على
سجودهما، فَتِمُّ الصلاةُ بِه وإنْ لم يسجدْهما؛ لأَنَّهما واجبتان، والصلبيَّةُ ركزٌ، بل لو سجَدَهما
فهو لغوّ؛ لأَنّ بعد قطعِ الصلاة، كما لو سلَّمَ وهو ذاكرٌ لسجدةٍ تلاويَّةٍ أو سهويَّةٍ تَمَّتْ صلاته
لخروجه منها بعد تمام الأركان، وأمَّ قولُهم: إنَّ التلاويَّة كالصلبيَّة في أنّها ترفعُ القعدةَ والتشهُّد
فذاك فيما إذا فعَلَهما قبل خروجه من الصلاة بسلامٍ أو كلامٍ بخلاف ما نحن فيه، فذِكْرُ التلاويَّة
هنا خطأٌ صريحٌ كما نبّهَ عليه "الرحمتيُّ"، فافهم.
[٤٣٢ ٤] (قولُهُ: فلا تفسُدُ إلخ) تفريعٌ على المختارِ السابق.
[٤٤٣٣] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان في القرآن كاغفر لي أوْ لا كاغفر لعمِّي أو لعمرو؛
لأنَّ المغفرة يستحيلُ طلبُها من العباد، ومَنْ يغفر الذنوبَ إلاَّ اللَّهُ؟ وما في "الظهيرِيَّة"(٤) من الفساد
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر - فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٢/ب.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٩ /ب.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ٢٣٠/١.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثاني فيما يفسد الصلاة ق ٢٥/أ.
الجزء الثالث
٤٠٧
باب صفة الصلاة
وكذا الرزقُ ما لم يقيِّدْهُ بمال ونحوه؛ لاستعمالِهِ في العباد مجازاً )).
(ثُمَّ يسلِّمُ عن يمينِهِ ويساره)(١).
به اتّفاقاً مؤوَّلٌ باتّفاق مَن اختارَ قولَ "الفضليِّ"، أو ممنوعٌ بدليل ما في "المجتبى": ((وفي أقربائي
وأعمامي اختلافُ المشايخ))، وتمامُهُ في "البحر"(٢) و"النهر"(٣).
[٤٤٣٤] (قولُهُ: وكذا الرِّزْقُ) أي: لا يُفسِدُ إذا قَّدَهُ بما يستحيلُ من العباد كارزقني الحجَّ أو
رؤيتَكَ بخلاف فلانةٍ، وجعَلَ هذا التفصيلَ في "الخلاصة"(٤) هو الأصحَّ، وفي "النهر"(٥): ((وهذا
التخريجُ ينبغي اعتمادُهُ)) اهـ.
قلت: وكذا لو أطلَقَهُ لأَنّه في القرآن: ﴿وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الزَّرِقِينَ﴾ [المائدة- ١١٤]، وجعل في
"الهداية"(٦) ارزقني مُفسِداً لقولهم: رزَقَ الأميرُ الجندَ، قال في "الفتح"(٧): ((ورُجِّحَ عدمُ الفساد؛ لأنَّ
الرازق في الحقيقة هو الله تعالى، ونسبتُهُ إلى الأميرِ مجازٌ))، قال في "شرح المنية (٨): ((لأنَّ الرِّزْقِ عند
أهل السنّة ما يكونُ غذاءً للحيوان، وليس في وِسْعِ المخلوق إلاَّ إيصالُ سبِهِ كالمالِ، ولذا لوقَّدَهُ به
فقال: ارزقني مالاً تفسُدُ بلا خلافٍ، وعليه فأكرمْني [١/ق ٤١٢/أ] أو أَنْعِمْ عليَّ ينبغي أنْ
يُفسِدَ؛ إذ يقال: أكرَمَ فلانٌ فلاناً وأنعَمَ عليه، إلاَّ أنَّه في "المحيط"(٩) ذكَرَ عن "الأصل"(١٠):
(١) في "د" زيادة عند قول الشارح: ثم يسلم عن يمينه ويساره: ((قال في "الفتح": قيل الثانية سنة، والأصحُّ أنها واجبة
كالأولى، بمجرد لفظ السلام يخرج، ولا يتوقف على عليكم. انتهى)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥١/١.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٩/ب.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر - فيما يفسد الصلاة وفيما لا يفسد ق ٣٢/ب بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٩ /ب.
(٦) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٥٢/١.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٨/١.
(٨) "شرح المنية الكبير": مفسدات الصلاة صـ٤٤٦ -.
(٩) المسألة مذكورة في "المحيط البرهاني" بلفظ آخر، ودونما نقل عن "الأصل"، ولعل المراد هنا بالمحيط "محيط
السرخسي"، انظر المسألة في "المحيط البرهاني" ١/ق ٦١/أ.
(١٠) "الأصل": كتاب الصلاة - باب الدعاء في الصلاة ١٩٣/١.
قسم العبادات
٤٠٨
حاشية ابن عابدين
حتَّى يُرى بياضُ خدِّه، ولو عكَسَ سلّم عن يمينه فقط، ولو تلقاءَ وجههِ سلَّمَ عن
يساره أخرى، ولو نسِيَ اليسارَ أتى به ما لم يستدبر القبلةَ.
أنَّه لا يُفسِدُ؛ لأنَّ معناه في القرآن: ﴿ إِذَامَا أَبْثَلَئُهُ رَبُُّفَأَكْرَمَهُ, وَنَعَّمَهُ﴾ [ الفجر - ١٥]، وكذا لو
قال: امدُدْني بمالٍ لا يُفسِدُ، وأمَّا قوله: أَصلِحْ أمري فبالنظر إلى إطلاق الأمر يستحيلُ طلُبُهُ من
العباد)) اهـ ملحّصاً.
(تنبيةٌ)
في "البحر"(١) عن "فتاوى الحجَّة": ((لو قال: اللهمَّ الْعَنِ الظالمين لا يقطعُ صلاته، ولو قال:
اللهمَّ الْعَنْ فلاناً - يعني: ظاِلِمَهُ - يقطعُ الصلاة)) اهـ. أي: لأَنّه دعاءٌ بمحرَّمِ وإنِ استحالَ من العباد،
فصار كلاماً، أو لأَنَّه غيرُ مستحيلٍ بدليلٍ ﴿عَلَّهِمْ لَنَّةُ اللَّهِوَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[ البقرة - ١٦١]، وأمَّا اللعنةُ على الظالمين فهي في القرآن، فافهم.
[٤٤٣٥] (قولُهُ: حَتَّى يُرى بياضُ خلِّهِ) أي: حتى يَراه مَنْ يصلِّي خلفه، أفاده "ح"(٢)، وفي
"البدائع"(٣): ((ُيُسَنُّ أنْ يبالغَ في تحويل الوجهِ في التسليمتين، ويسلِّمَ عن يمينه حتى يُرى بياضُ خدِّه
الأيمنِ، وعن يساره حتى يُرى بياضُ خدِّه الأيسرٍ)).
(٤٣٦ ٤] (قولُهُ: ولو عكَسَ) بأنْ سلَّمَ عن يساره أوَّلاً عامداً أو ناسياً، "بحر "(٤).
[٤٣٧ ٤] (قولُهُ: فقط) أي: فلا يعيدُ التسليمَ عن يساره.
[٤٤٣٨] (قولُهُ: ما لم يَستدبرِ القبلةَ) أي: أو يتكلّمْ، "بحر "(٥).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥١/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق٦٩/ب وما بعدها.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢١٤/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٢/١ بتصرف يسير.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٢/١.
الجزء الثالث
٤٠٩
باب صفة الصلاة
٠
في الأصحِّ، وتنقطعُ التحريمة بتسليمةٍ واحدةٍ، "برهان"، وقد مرَّ. وفي "التتار خانيَّة"(١):
((ما شُرِعَ في الصلاة مَثْنَى فللواحدِ حکمُ المثنّى))، فيحصُلُ التحليل بسلامٍ واحدٍ
كما يحصُلُ بالمثنّى، وتتقيَّدُ الركعة بسجدةٍ واحدةٍ كما تتقيَّدُ بسجدتين (مع
الإمامِ)
[٤٣٩ ٤] (قولُهُ: في الأصحِّ) مقابلُهُ ما في "البحر"(٢): ((من أنّه يأتي به ما لم يَخرُجْ من
المسجد))، أي: وإن استدبَرَ القبلةَ، وعدَلَ عنه "الشارح" لِما في "القنية"(٣): ((من أنَّ الصحيحَ
الأوَّلُ))، وعَبَّرَ "الشارح" بالأصحِّ بدلَ الصحيح، والخطبُ فيه سهلٌ.
[٤٤٤٠] (قولُهُ: وقد مَرَّ(٤) أي: في الواجبات، حيث قال: ((وتنقضي قدوةٌ بالأوَّلِ قبل
عليكم على المشهورِ عندنا خلافاً لـ "التكملة")) اهـ. أي: فلا يصحُّ الاقتداءُ به بعدها لانقضاء
حكم الصلاة، وهذا في غيرِ الساهي، أما هو إذا سجَدَ له بعد السلام يعودُ إلى حرمتها، "ط" (٥).
[٤٤١ ٤] (قولُهُ: مَنْنَى) أي: اثنين وإِنْ لم يتكرَّرْ فإنَّه يُطلَقُ على هذا كثيراً، ومنه قولُهُ تعالى:
﴿ فَأَتَكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء - ٣]، أو يرادُ التكرارُ باعتبار تعدُّدِ الصلوات، ثم
الذي شُرِعَ فيها مَتْنَى مع الموالاة السلامُ والسجودُ، "ط) (٦). وأمَّا القيامُ والركوع فإِنَّه وإِنْ تكرَّرَ
في الصلاة إلاَّ أنَّه مع الفاصل، [١/ق ٤١٢/ب] وليس مرادٍ هنا.
[٤٤٢ ٤] (قولُهُ: وتتقيَّدُ الركعةُ بسجدةٍ) حتى لو سها في الفرض، فقامَ قبل القعودِ الأخير يبطُلُ
فرضُه إذا قَّدَ الركعةَ بسجدةٍ.
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - ما يفسد الصلاة وما لا يفسد ٥٩٨/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٢/١.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب في القعدة والذكر فيها ق ١٤/ب.
(٤) صـ ٢٢٠ - "در".
(٥) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٣٠/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٣٠/١.
قسم العبادات .
٤١٠
حاشية ابن عابدين
إِنْ أَتَّمَّ التشهُدَ كما مرَّ، ولا يخرُجُ المؤتَمُّ بنحوِ سلامِ الإمام، بل بقهقهتِهِ وحدثه
عمداً لانتفاء حرمتها، فلا يُسلِّمُ، ولو أَتَمَّهُ قبل إمامه فتكلَّمَ جاز وكره،.
[٤٤٣ ٤] (قولُهُ: إنْ أَتَمَّ) أي: المؤتَمُّ؛ لأنَّ متابعة الإمام في السلام وإنْ كانت واجبةً فليستْ
/٣٥٢ بأَولى من إتمام(١) الواجبِ الذي هو فيه، "ح"(٢). وهل إتمامُ التشهُّدِ واجبٌ أو أَولِى؟ قدَّمنا(٣)
الكلامَ فيه فيما مرَّ عند قول "المصنّف": ((ولو رفَعَ الإِمامُ رأسه قبل أنْ يُتِمَّ المأمومُ التسبيحات)).
[٤٤٤٤] (قولُهُ: ولا يخرُجُ المؤتَمُّ) أي: عن حرمةِ الصلاة، فعليه أنْ يُسلِّمَ، حتى لو قَهْقَهَ قبله
انتقَضَ وضوءُه، وهذا عندهما خلافاً لـ "محمَّدٍ".
[٤٤٤٥] (قولُهُ: بنحوِ سلامٍ الإمام إلخ) أي: مما هو مُتَمِّمٌ لها لا مُفسِدٌ، فإنَّه لو سلَّمَ بعد
القعدة أو تكلَّمَ انتهتْ صلاته ولم تَفْسُدْ، بخلافَ القهقهةِ أو الحدثِ العمدِ؛ لانتفاء حرمة الصلاة
به؛ لأَنَّه مُفسِدٌ للجزءِ الملاقي له مِن صلاة الإمام، فيفسُدُ مقابلُهُ من صلاة المؤتَمِّ، لكنّه إنْ كان
مُدرِكاً فقد حصَلَ المفسِدُ بعد تمام الأركان، فلا يضرُّهُ كالإِمام بخلاف اللاحق أو المسبوق.
(٤٤٤٦] (قولُهُ: عمداً) أمَّا لو كان بلا صنعِهِ فله أنْ يبنيَ، فيتوضَّأُ ثم يسلِّمُ ويتبعُهُ(٤) المؤْتَمُّ.
[٤٤٤٧] (قولُهُ: فلا يُسلِّمُ) أي: الإِمامُ أو المؤتَمُّ به لخروجه منها اتفاقاً، حتى لو قهقَهَ المؤتَمُّ
لا تنتقضُ طهارته.
[٤٤٤٨] (قولُ: ولو أَتَمَّهُ إلخ) أي: لو أَتَمَّ المؤتَمُّ التشهُّدَ - بأنْ أسرَعَ فيه وفرَغَ منه قبل إتمام
إمامه، فأَتَّى بما يُخرِجُه من الصلاة كسلامٍ أو كلامٍ أو قيامٍ - جاز، أي: صحَّتْ صلاُهُ لحصوله
بعد تمام الأركان؛ لأنَّ الإِمام وإنْ لم يكن أَتَمَّ التشهُّدَ لكنَّه قعَدَ قَدْرَهُ؛ لأنَّ المفروض من القعدة
(١) في "م": ((تمام)).
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٧٠/أ.
(٣) المقولة [٤٢٣٩] قوله: ((واعلم إلخ)) وما بعدها.
(٤) في "م": ((ويتبعد)) وهو تحريف.
٠٠٢٩٠
الجزء الثالث
٤١١
باب صفة الصلاة
فلو عرَضَ منافٍ تفسُدُ صلاة الإمام فقط (كالتحريمة) مع الإمام، وقالا: الأفضلُ
فيهما بعده (قائلاً: السلامُ عليكم ورحمةُ الله).
قَدْرُ أسرعِ ما يكونُ من قراءة التشهُّد وقد حصَلَ، وإنما كُرِهَ للمؤتَمِّ ذلك لتركه متابعةَ الإِمام
بلا عذر، فلو به كخوفِ حدثٍ، أو خروجٍ وقتٍ جمعةٍ، أو مرورِ مارٍّ بينَ يديه فلا كراهةً كما
سيأتي(8) قبيل باب الاستخلاف.
[٤٤٩ ٤] (قولُهُ: فلو عرَضَ مُنَافٍ) أي: بغيرِ صنعه كالمسائلِ الاثني عشريَّةً، وإلاّ - بأنْ قهقَهَ أو
أحدَثَ عمدً .- فلا تفسُدُ صلاةُ الإِمام أيضاً كما مرَّ(٢).
[٤٤٥٠] (قولُهُ: تفسُدُ صلاةُ الإمام فقط) أي: لا صلاةُ المأموم؛ لأَنَّه لَمَّا تكلّمَ خرَجَ عن
صلاة الإمام قبل عُروضِ المنافي [١/ق ٤١٣ /أ] لها.
[٤٤٥١] (قولُهُ: مع الإِمام) متعلّقٌ بـ (التحريمةِ))، فإنَّ المراد بها هنا المصدرُ، أي: كما يُحرِمُ
مع الإِمام، وإنما جعَلَ التحريمةَ مشبَّهاً بها لأنَّ المعيّة فيها روايةٌ واحدةٌ عن الإمام بخلاف السلام،
فإنَّ فيه روايتين عنه أصحُهما المعيَّةُ، "ح"(٣).
[٤٤٥٢] (قولُهُ: وقالا: الأفضلُ فيهما بَعدَه) أفادَ أنَّ خلاف الصاحبين في الأفضليّة، وهو
الصحيح، "نهر"(٤). وقيل: في الجواز، حتى لا يصحُّ الشُّروعُ بالمقارنة في إحدى الرِّوايتين عن "أبي
يوسف"، ويكون مُسيئاً عند "محمَّدٍ" كما في "البدائع"(٥)، وفي "القُهُستانيِّ" (٦): ((وقال
"السرخسيُّ": إنَّ قولَه أدقُّ وأجودُ، وقولَهما أرفقُ وأحوطُ، وفي "عون المروزيِّ"(٧): المختارُ
(١) صـ ٦٤٩ - "در".
(٢) المقولة [٤٤٤٤] قوله: ((ولا يخرج المؤتم)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٧٠/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق٤٩ /ب.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢٠٠/١ بتصرف.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٠/١.
(٧) "العون": لأبي القاسم وأبي المجد محمود بن عبيد الله بن صاعد، شيخ الإسلام، علاء الدين الحارثيّ المروزي
(ت ٦٠٦هـ). ("كشف الظنون"١٨٠/٢، "الجواهر المضية "٤٤٤/٣، "الفوائد البهية" ص ٢٠٩-، "هدية العارفين" ٤٠٢/٢،
"الأعلام" ١٧٧/٧، وفي "تاج التراجم" صـ ٢٥٠ -: ((له كتاب العون على الدين شرح مختلف الرواية)).
قسم العبادات
٤١٢
حاشية ابن عابدين
هو السنةَ، وصرَّحَ "الحدَّاديُّ" بكراهةِ عليكم السلام (و) أَنَّه (لا يقولُ).
للفتوى في صحَّة الشروع قولُه، وفي الأفضليّة قولُهما)) اهـ
مطلبٌ في وقتٍ إدراك فضيلة تكبيرة الافتتاح
وفي "التاتر خانَّةً"(١) عن "المنتقى": ((المقارنةُ على قوله كمقارنة حلْقةِ الخاتم والإصبع،
والبعديَّةُ على قولهما أنْ يُوصِلَ المقتدي همزةَ الله براءٍ أكبر، وتظهرُ فائدة الخلاف في وقتِ إدراك
فضيلة تكبيرة الافتاح، فعنده بالمقارنة، وعندهما إذا كَّرَ في وقت الثناء، وقيل: بالشروعِ قبل قراءة
ثلاثٍ آياتٍ لو كان المقتدي حاضراً، وقبل: سبعٍ لو غائباً، وقيل: بإدراكِ الركعة الأولى، وهذا
أوسعُ، وهو الصحیحُ)) اهـ.
وقيل: بإدراكِ الفاتحة، وهو المختارُ، "خلاصة"(٢). واقتصَرَ على ذكرِ التحريمة والسلام، فأفادَ
أنَّ المقارنة في الأفعال أفضلُ بالإجماع، وقيل: على الخلاف كما في "الحلبة"(٣) وغيرها عن
"الحقائق"(٤).
(٤٥٣ ٤] (قولُهُ: هو السنَّةُ) قال في "البحر"(٥): ((وهو على وجهِ الأكملِ أنْ يقول: السلامُ
عليكم ورحمة الله مرَّتين، فإِنْ قال: السلام عليكم، أو السلامُ، أو سلامٌ عليكم، أو عليكم السلامُ
أجزأه وكان تاركاً للسنَّة، وصرَّحَ في "السِّراج"(٦) بكراهة الأخير)) اهـ.
قلت: تصريحه بذلك لا ينافي كراهةَ غيره أيضاً مما خالَفَ السنّةَ.
[٤٤٥٤] (قولُهُ: وأَنّ) معطوفٌ على قوله: ((بكراهةٍ))؛ لأَنَّه صرَّحَ به "الحدَّاديُ)(٧) أيضاً.
(١) "التاتر خانية": فرائض الصلاة ٤٤٢/١ منقولاً عن "المصفى"، وعن الشيخ أبي نصر الصفار، عن شداد بن الحكيم،
وعن "الحصر" لأبي الليث السمرقندي لا عن "المنتقى" فليتنبه.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل التاسع: في التكبير ق٢٧/أ.
(٣) "الحلبة": فرائض الصلاة - تكبيرة الافتتاح ٢/ق ٤٩ /ب.
(٤) "حقائق المنظومة": باب الذي اختصَّ به أبو حنيفة من المسائل الشريفة ق١٣/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٢/١.
(٦) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٧١/أ.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٦٦/١.
الجزء الثالث
٤١٣
باب صفة الصلاة
هنا (وبركاتُهُ) وجعَلَهُ "النوويُّ" بدعةً، وردّهُ "الحلبيُّ"، وفي "الحاوي": ((أَنَّه حسنٌ)).
(وسُنَّ جعلُ الثاني أخفضَ من الأوَّلِ) خصَّهُ في "المنية" بالإِمام، وأقرَّهُ "المصنّف" ...
[٤٤٥٥] (قولُهُ: هنا) أي: في سلامِ التحلُّل بخلاف الذي في التشهُّد كما يأتي(١).
[٤٤٥٦] (قولُهُ: وردَّهُ "الحلبيُّ) يعني: المحقّقَ "ابن أمير حاج"، حيث قال في "الحلبة (٢) شرح
المنية " بعد نقلِهِ قولَ "النوويّ": ((إِنَّها بدعةٌ، ولم يَصِحَّ [١/ق ٤١٣ /ب] فيها حديثٌ، بل صحَّ في
تركها غيرُما حديثٍ)) ما نصُّهُ: ((لكنَّه مُتَعَقَّبٌ في هذا، فإِنَّها جاءت في "سنن أبي داود"(٣) من
حديث "وائلٍ بن حِجْرٍ" بإسنادٍ صحيحٍ، وفي "صحيح ابن حبّان"(٤) من حديث "عبد الله بن
مسعودٍ"))، ثم قال: ((اللهمَّ إلاَّ أنْ يجابَ بشذوذها وإِنْ صِحَّ مَخْرَجُها كما مشى عليه "النوويُّ"
في "الأذكار"(٥)، وفيه تأمُّلٌ)) اهـ.
[٤٤٥٧] (قولُهُ: وفي "الحاوي": أَنَّه حسنٌ) أي: "الحاوي القدسيِّ"(٦)، وعبارته: ((وزاد
بعضهم: وبركاتُهُ، وهو حسنٌ)) اهـ. وقال أيضاً(٧) في محلٍ آخرَ: ((ورُوِيَ: وبر كاتُهُ)).
[٤٤٥٨] (قولُهُ: أخفضَ من الأوَّلِ) أفادَ أَنّ يخفِضُ صوتَهُ بالأوَّلِ أيضاً، أي: عن الزائد على
قَدْرِ الحاجة في الإعلام، فهو خفضٌ نِسِيٌّ، وإلاَّ فهو في الحقيقة جهرٌ، فالمرادُ أنَّه يجهرُ بهما، إلاَّ أنَّه
يجهرُ بالثاني دون الأوَّلِ، وقيل: إنَّه يُخْفِضُ الثاني، أي: لا يجهرُ به أصلاً، والأصحُّ الأوَّلُ لحاجةٍ
المقتدي إلى سماع الثاني أيضاً؛ لأنّه لا يعلمُ أنَّه بعدَ الأوَّلِ يأتي به، أو يسجدُ قبله لسهوِ حصَلَ له،
(١) ص ٤١٤-٤١٥ - "در".
(٢) "الحلبة": فصل في صفة الصلاة ٢/ق ١٣٤/ب - ١٣٥/أ.
(٣) (٩٩٧) كتاب الصلاة - باب في السلام.
(٤) (١٩٩٣) كتاب الصلاة - فصل في القنوت. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وجابر بن سمرة، وأبي
سعيد، وعمار، ووائل بن حجر، وعدي بن عميرة، وجابر بن عبد الله مؤث أجمعين.
(٥) "الأذكار": باب السلام للتحلل من الصلاة صـ ٥٦ -.
(٦) "الحاوي القدسي": فصل: واختلفوا في الخروج من الصلاة بفعله ق .٤/أ.
(٧) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب فيما يكره في الصلاة وما لا يكره ق٤٧/ب.
قسم العبادات
٤١٤
حاشية ابن عابدين
(وينوي) الإمامُ بخطابه (السلامَ على مَن في يمينه ويساره) ممن معه في صلاته ولو
جّاً أو نساءً، أمَّا سلامُ التشهُّد.
أفاده في "شرح المنية"(١)، وفي "البدائع"(٢): ((ومنها - أي: السننِ - أنْ يجهرَ بالتسليم لو إماماً؛ لأَنّه
للخروج عن الصلاة، فلا بدَّ من الإعلام)) اهـ، فافهم.
[٤٤٥٩] (قولُهُ: وينوي إلخ) أي: ليكونَ مقيماً للسنّة، فينوي ذلك كسائر السنن، ولذا
/٣٥٣ ذكَرَ "شيخُ الإسلام": ((أنه إذا سلَّمَ على أحدٍ خارجَ الصلاة ينوي السنَّة))، وبه اندفَحَ ما
أورده "صدرُ الإسلام": ((من أنَّه لا حاجةَ للإمام إلى النّة؛ لأَنّه يجهرُ ويشيرُ إليهم، فهو فوق
النَّةِ)). اهـ "بحر "(٣) ملخِّصاً.
وجهُ الدفعِ: أنَّه لا يلزمُ من الإشارة إليهم بالخطاب حصولُ النَّة بإقامة القُربة، فلا بدَّ منها.
أقولُ: وأيضاً فإنَّ التحلُّل من الصلاة لَمَّ وجَبَ بالسلام كان المقصودُ الأصليُّ منه التحُلُّلَ
لا خطابَ المصلِّين، فلمَّا لم يكن الخطابُ مقصوداً أصالةً لزمتِ النَّة لإقامة السنّة الزائدة على
التحلّلِ الواجبِ؛ إذ لولاها لبقيَ السلامُ لمجرَّد التحلّل دون التحيَّة، فتدبّر.
[٤٤٦٠] (قولُهُ: السلامَ) مفعولُ ((ينوي))، وهو اسمُ مصدرٍ بمعنى التسليم.
[٤٤٦١] (قولُهُ: ممن معه في صلاته) هذا قولُ الجمهور، وقيل: مَنْ معه في المسجد، وقيل: إنّه
يعمُّ كسلامِ التشهُّد، "حلبة "(٤). [١/ق ٤١٤ /أ]
[٤٦٢ ٤] (قولُهُ: أو نساءً) صرَّحَ به "محمَّدٌ" في "الأصل"(٥)، وما في كثيرٍ من الكتب من أَنَّه
لا ينويهنَّ في زماننا مبنيٌّ على عدم حضور هنَّ الجماعةَ، فلا مخالفةَ بينهما؛ لأنَّ المدار على الحضور
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ ٣٤٠ -.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢١٤/١ بتصرف يسير.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٢/١.
(٤) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٥ /ب باختصار.
(٥) "الأصل": كتاب الصلاة - باب الدخول في الصلاة ٣٥/١.
الجزء الثالث
٤١٥
باب صفة الصلاة
فيعمُّ لعدم الخطاب (والحفظةِ فيهما) بلا نيَّةِ عددٍ.
وعدمِهِ، حتى لو حضَرَ خَنائى أو صبيانٌ نواهم أيضاً، "حلبة"(١) والبحر "(٢). لكنْ في "النهر"(٣):
((أَنَّه لا ينوي النساءَ وإنْ حضرْنَ لكراهة حضور هنَّ)).
(٤٤٦٣] (قولُهُ: فيعمُّ إلخ) ولذا ورَدَ: (إذا قال العبدُ: السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين
أصابتْ كلَّ عبدٍ لله صالحٍ في السماء والأرض»(٤).
[٤٦٤ ٤] (قولُهُ: والحفظةِ) بالجرِّ عطفاً على ((مَنْ))، ولم يقل: الكتبةِ ليشملَ مَنْ يحفظُ أعمال
المكلّف - وهم الكرامُ الكاتبون - ومَنْ يحفظُهُ من الجنِّ وهم المعقّبات، ويشملُ كلَّ مصلٍّ، فإنَّ
المميّزَ لا كتبةً له كما(٥) أفاده في "الحلبة"(٦) و"البحر "(٧)، وفيه كلامٌ يأتي(٨)، على أنَّ الكلام هنا في
الإمام، ولا يكونُ صبيّاً.
[٤٤٦٥] (قولُهُ: فيهما) أي: في اليمين واليسار.
[٤٤٦٦] (قولُهُ: بلا ئيَّةِ عددٍ) أي: للاختلافِ فيه، فقيل: مع كلِّ مؤمنٍ اثنان، وقيل: أربعةٌ،
وقيل: خمسةٌ، وقيل: عشرةٌ، وقيل: مائةٌ وستُّون، وقيل غيرُ ذلك، وتمامُهُ في شروح "المنية"(٩).
(١) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٥/ب بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٢/١.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٥٠/أ.
(٤) أخرجه أحمد ٣٨٢/٢، والبخاريّ (٨٣١) كتاب الأذان - باب التشهد في الآخرة، ومسلم (٤٠٢) كتاب الصلاة - باب
التشهد في الصلاة، وأبو داود (٩٦٨) كتاب الصلاة - باب التشهد، والنسائيّ ٥٠/٣-٥١ كتاب السهو - باب تخيير الدعاء
في الصلاة على النبيِحَ لّ، وابن ماجه (٨٩٩) كتاب الصلاة - باب ما جاء في التشهد، كلَّهم من حديث ابن مسعود څ.
(٥) ((كما)) ليست في "م".
(٦) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٤٠/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٥٤/١.
(٨) المقولة [٤٤٩٣] قوله: ((إذ لا كتبة معه)).
(٩) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٣٨ - و"الصغير" صـ١٧٧ -، و"الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ١٣٥/ب.
قسم العبادات
٤١٦
حاشية ابن عابدين
كالإِيمان بالأنبياء، وقُدِّمَ القومُ لأنَّ المختار أنَّ خواصَّ بني آدمَ - وهم الأنبياءُ - أفضلُ من
كلِّ الملائكة، وعوامَّ بني آدم - وهم الأتقياءُ - أفضلُ من عوامٌّ الملائكة، والمرادُ بالأتقياء
مَن أنَّقى الشركَ فقط كالفسقة كما في "البحر" عن "الروضة"، وأقرَّهُ "المصنّف" .....
مطلبٌ في عددِ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام
[٤٤٦٧] (قولُهُ: كالإِيمان بالأنبياء) لأنَّ عددهم ليس بمعلومٍ قطعاً، فينبغي أن يقال: آمنتُ
بجميع الأنبياء، أوّلُهم آدمُ وآخرُهم محمَّدٌ عليه وعليهم الصلاة والسلام، "معراج". فلا يجبُ اعتقادُ
أَنَّهم مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفاً، وأنَّ الرسل منهم تلُثُمائٍ وثلاثةٌ وعشرون؛ لأنَّه خبرُ آحادٍ.
[٤٤٦٨] (قولُهُ: وقُدِّمَ القومُ) أي: المعبَّرُ عنهم بـ ((مَنْ)) بدليلٍ عطف الحفظة عليهم، والعطفُ
للمغايرة، وعَبَّرَ بالقوم ليُخرِجَ الجنَّ، فإِنَّهم ليسوا أفضلَ من الملَك، وأشار بذلك إلى ما قاله
"فخر الإسلام": ((من أنَّ للبداءة أثراً في الاهتمام، ولذا قال أصحابنا في الوصايا بالنوافل: إنَّه يُبدَأ بما
بدأ به الميتُ)).
[٤٤٦٩] (قولُهُ: مَن أَتَّقَى الشِّركَ فقط) الأولى أنْ يُسقِطَ لفظَ ((فقط))، فيصيرُ المعنى: مَن
أَتَّقَى الشركَ سواءٌ أَّقَى المعاصيَ أيضاً أوْ لا، "ح"(١).
مطلبٌ في تفضيل البشرِ على الملائكة
[٤٤٧٠] (قولُهُ: كما في "البحر" عن "الروضة") أي: "روضةِ العلماء" لـ "الزندوستي"(٢)،
حيث قال: ((أجمعَتِ الأَمَّةُ على أنَّ الأنبياء أفضلُ الخليقة، وأنَّ نبيّنا عليه الصلاة والسلام
[١ /ق٤ ٤١ /ب] أفضلُهم، وأنَّ أفضل الخلائق بعد الأنبياء الملائكةُ الأربعةُ وحملةُ العرش
والرُّوحانُون ورضوانُ ومالكٌ، وأنَّ الصحابة والتابعين والشهداءَ والصالحين أفضلُ من سائر
الملائكة، واختلفوا بعد ذلك، فقال "الإِمام": سائرُ الناس من المسلمين أفضلُ من سائر الملائكة،
وقالا: سائرُ الملائكة أفضلُ)) اهـ ملخّصاً.
(١) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٧١/أ.
(٢) تقدمت ترجمتها ٥٨٠/٢.