النص المفهرس

صفحات 301-320

الجزء الثالث
٢٩٧
باب صفة الصلاة
ولا تكرهُ اتّفاقاً، وما صحَّحَهُ "الزاهديُّ" من وجوبها
ووقَعَ في "النهر "(١) هنا خطأٌ وخللٌ في النقل أيضاً عن "شرح الغزنويَّةُ" فاجتنبْهُ، فافهم.
مطلبٌ: قراءةُ البسملة بين الفاتحة والسُّورة حسنٌ
[٤١٩٩] (قولُهُ: ولا تكرهُ اتفاقً) ولهذا صرَّحَ في "الذَّخيرة " و"المحتبى": ((بأَنَّه إنْ سمَّى بين
٣٢٩/١ الفاتحة والسورة المقروءة سراً أو جهراً كان حسناً عند "أبي حنيفة"))، ورجَّحَهُ المحقِّق
"ابن الهمام"(٢) وتلميذُه "الحلبيُّ) (٣) لشبهةِ الاختلاف في كونها آيَةً من كلِّ سورةٍ، "بحر "(٤).
[٤٢٠٠] (قولُهُ: وما صحَّحَهُ "الزاهديُّ" من وجوبها) يعني: في أوَّلِ الفاتحة، وقد صحَّحَهُ
"الزيلعيُّ" (٥) أيضاً في سجود السهو، ونقَلَ في "الكفاية"(٦) عبارةَ "الزاهديِّ" وأقرَّها، وقال في
"شرح المنية"(٧): ((إنّ الأحوطُ؛ لأنَّ الأحاديث الصحيحة تدلُّ على مواظبته عليه الصلاة والسلام
عليها(٨))، وجعله في "الوهبانيَّة"(٩) قولَ الأكثرين، أي: بناءً على قول "الحلوانيّ": ((إنَّ أكثر
(١) انظر "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٤٦/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٥٥/١.
(٣) "الحلبة": صفة الصلاة ٢/ق ٩٧/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٠/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ١٩٤/١.
(٦) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٥٣/١ (هامش "فتح القدير").
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٠٦ -.
(٨) فقد أخرج النسائيّ ١٣٤/٢ کتاب الافتاح - باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وابن خزيمة (٤٩٩) کتاب الصلاة - باب
ذكر الدليل على أنَّ الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والمخافتة به جميعاً مباح، وابن حبان (١٧٩٧) و(١٨٠١) كتاب
الصلاة - باب صفة الصلاة، والحاكم في "المستدرك" ٢٣٢/١ كتاب الصلاة - باب أنَّ رسول الله ◌ُ له قرأ في الصلاة بسم
الله الرحمن الرحيم فعَدَّها آيةٌ، والدار قطنيّ ٣٠٥/١-٣٠٦ كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في
الصلاة، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٥٨/٢ كتاب الصلاة - باب جهر الإمام بالتأمين.
وأخرجه أحمد ٤٩٧/٢ مختصراً. كلُّهم من حديث نُعَيْم بن المحمرظُه قال: صليت خلف أبي هريرة فقرأ
((بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم الكتاب ... وقال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلَّ))،
وانظر أحاديث هذا الباب في "نصب الراية" للزيلعيّ ٣٢٤/١-٣٢٧.
(٩) "الوهبانية": فصل من كتاب الصلاة صـ٩- (هامش "المنظومة المحبية").

قسم العبادات
٢٩٨
حاشية ابن عابدين
ضعَّفَهُ في "البحر" وهي (آيةٌ) واحدةٌ (من القرآنِ) كلِّهِ (أُنزِلَتْ للفصلِ بين السُّور)
فما في النمل بعضُ آيةٍ إجماعاً (وليستْ من الفاتحة.
المشايخِ على أنَّها من الفاتحة، فإذا كانت منها تجبُ مثلَها))، لكنْ لم يسلَّمْ كونُهُ قولَ الأكثر.
[١/ق ٣٨٤/أ]
[٤٢٠١] (قولُهُ: ضعَّفَهُ في "البحر")(١) حيث قال في سجود السهو: ((إنَّ هذا كلَّه مخالفٌ
لظاهر المذهب المذكورِ في المتون والشروح والفتاوى من أنَّها سنّةٌ لا واجبٌ، فلا يجبُ بتركها
شيءٌ))، قال في "النهر" (٢): ((والحقُّ أَنَّهما قولان مرجَّحان، إلاَّ أنَّ المتون على الأوَّلِ)) اهـ.
أقولُ: أي: أنَّ الأوَّل مرجٌَّ من حيث الروايةُ، والثانيَ من حيث الدرايةُ، والله أعلم.
[٤٢٠٢] (قولُهُ: وهي آيةٌ) أي: خلافاً لقول "مالكٍ" وبعض أصحابنا: إنَّها ليست من القرآن
أصلاً، قال "القُهُستانيُّ) (٣): ((ولم يوجدْ ما في حواشي "الكشّاف" و"التلويح": أنّها ليست من
القرآن(٤) في المشهور من مذهب "أبي حنيفة")) اهـ. أي: بل هو قولٌ ضعيفٌ عندنا.
(٤٢٠٣) (قولُهُ: أُنزِلت للفصلِ) وذُكِرَتْ في أوَّلِ الفاتحة للتبُّك.
[٤٢٠٤] (قولُهُ: فما في النملِ بعضُ آيةٍ) وأوَّلُها: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ﴾، وآخرُها:
﴿ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ﴾ [النمل - ٣٠، ٣١] وهو تفريعٌ على قوله: ((أُنزِلِتْ للفصل))، "ط)"(٥).
[٤٢٠٥] (قولُهُ: وليستْ من الفاتحة) قال في "النهر"(٦): ((فيه ردٌّ لقول "الحَلْوانيّ": أكثرُ
المشايخ على أنَّها من الفاتحة، ومن ثَمَّ قيل بوجوبها، وجعلَهُ في "الذَّخيرة" روايةً "الثاني" عن
"الإِمام"، وبه أخَذَ، وهو أحوط)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة ١٠٦/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٤٦/أ.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٣/١.
(٤) من ((أصلاً قال)) إلى ((ليست من القرآن)) ساقط من "الأصل".
(٥) "ط": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ٢١٩/١.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ق ٤٦/أ.

. الجزء الثالث
٢٩٩
باب صفة الصلاة
ولا من كلِّ سورةٍ) في الأصحِّ، فتحرُمُ على الجُنُبِ (ولم تَحُزِ الصلاةُ بها) احتياطاً
(ولم يُكفَرْ جاحدُها لشبهةٍ) اختلافِ "مالكٍ" (فيها).
(و) كما سَمَّى (قرَأَ المصلِّي لو إماماً أو منفرداً الفاتحةَ.
وما نقَلَهُ عن "الحلوانيّ" ذكرَهُ "القُهُستانيُ)) (١) عن "المحيط)"(٢) و"الذخيرة" و"الخلاصة"(١)
وغيرها.
[٤٢٠٦] (قولُهُ: ولا من كلِّ سورةٍ) أي: خلافاً لقول "الشافعيِّ": إنّها آيةٌ من كلِّ سورةٍ
ما عدا براءةً.
[٤٢٠٧] (قولُهُ: في الأصحِّ) قيدٌ لقوله: ((وليست من الفاتحة))، وكان ينبغي ذكرُهُ عقبه
ليكون إشارةً إلى قول "الحَلْوانيّ" المتقدِّمِ(٤) لا إلى قول "الشافعيّ"؛ إذ لم تَخْرِ عادتُهم بذكرٍ
التصحيح للإشارة إلى مذهب الغيرِ، بل إلى المرجوح في المذهب، ولم أرَ لأحدٍ من مشايخنا القولَ
بأنّها آيةٌ من كلِّ سورةٍ، وإنما عزاه في "البحر"(٥) وغيره إلى "الشافعيّ" فقط، فافهم.
[٤٢٠٨] (قولُهُ: فتحرُمُ على الجنب) أي: وما في معناه كالحائض والنفساءِ، وهذا لو على
قصدِ التلاوة.
[٤٢٠٩] (قولُهُ: احتياطاً) علّةٌ للمسألتين، وذلك أنَّ مذهب الجمهور أنَّها من القرآن لتواترها
في محلّها، وخالَفَ في ذلك "مالك" ، فكان الاحتياطُ حرمتها على الجنب نظراً إلى مذهبٍ
الجمهور، وعدمَ جوازِ الاقتصار عليها في الصلاة نظراً إلى شبهةِ الخلاف؛ لأنَّ فرض القراءة ثابتٌ
بيقين، فلا يسقطُ بما فيه شبهةٌ.
[٤٢١٠] (قولُهُ: ولم يُكفَرْ جاحدُها إلخ) جوابٌ [١/ق٣٨٤/ب] عما قيل من الإشكال
٠
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٣/١.
(٢) "المحيط البرهانيّ": كتاب الصلاة - بيان ما يفعله المصلي في صلاته ١ / ق ٥٦/ب.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني - في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وسنتها وواجباتها ق ١٨/ب.
(٤) المقولة [٤٢٠٠] قوله: ((وما صحَّحه الزاهديّ من وجوبها)).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٠/١.

قسم العبادات
٣٠٠
حاشية ابن عابدين
و) قرَأَ بعدها وجوباً.
في التسمية: إنَّها إنْ كانت متواترةً لزِمَ تكفيرُ منكرها، وإلاّ فليست قرآنً، والجوابُ - كما في
"التحرير"(١) - : ((أَنَّ القطعيَّ إنما يُكَفَرُ منكرُه إذا لم تثبت فيه شبهةٌ قويَّةٌ كإنكار ركنٍ، وهنا
قد وُجِدَت، وذلك لأنَّ مَن أنكَرَها كـ "مالكٍ" ادَّعى عدمَ تواتر كونها قرآناً في الأوائلِ، وأنَّ
كتابتها فيها لشهرةٍ استنانِ الافتتاح بها في الشرع، والمثبتُ يقول: إجماعُهم على كتابتها مع
أمرِهم بتجريدِ المصاحف يوجبُ كونَها قرآناً، والاستناثُ لا يسوِّغُ الإجماعَ لتحقُّقه في
الاستعاذة، والأحقُّ(٢) أنّها من القرآن لتواترها في المصحف، وهو دليلُ كونها قرآناً، ولا نسلِّمُ
توقُّفَ ثبوت القرآنيَّة على تواتر الأخبار بكونها قرآناً، بل الشرطُ فيما هو قرآنٌ تواترُه في محلّه
فقط وإنْ لم يتواتر كونُه في محلّه من القرآن)) اهـ.
وقوله: ((ولا نسلِّمُ إلخ)) ردٌّ لِما تضمَّنَه كلامُ المنكر من أنَّ تواترها في محلِّها لا يستلزمُ
كونَها قرآناً، بل لا بدَّ من تواترِ الأخبار بقرآنَّتها.
والحاصلُ: أنَّ تواترها في محلّها أثبتَ أصلَ قرآنَتها، وأمَّا كونها قرآناً متواتراً فهو متوقّفٌ
على تواترِ الأخبارِ به، ولذلك لم يُكفّرْ منكرها بخلاف غيرها لتواتر الأخبار بقرآنَّته، ووقَعَ في
"البحر" هنا اضطرابٌ وخللٌ بَّتُه فيما علَّقته عليه(٣).
وبما قرَّرناه يُعلَمُ أَنَّه كان على "الشارح" أنْ يُقِيَ المتنَ على حاله، ويُسقِطَ قولَه: ((اختلافٍ
"مالكٍ")) ليكون جواباً عن إنكار "مالكٍ" أيضاً قرآنَّها؛ لأنَّ الشبهة لم تُبُتْ بإنكاره، بل هي
ثابتٌ قبله من جهةٍ أخرى، فتدبّر.
[٤٢١١] (قولُهُ: وقرأ بعدها وجوباً) الوجوبُ يرجعُ إلى القراءة والبعديَّة، وأشار إلى أنَّه يلزمُ
بتركها الإعادةُ لو عامداً كالفاتحة خلافاً لِما في "التبيين"(٤) و"الدرر"(*)؛ لأنَّ الفاتحة وإنْ كانت
(١) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الثاني - أدلة الأحكام صـ ٢٩٨ -.
(٢) في "م": ((والحق )).
(٣) انظر حاشية "منحة الخالق على البحر الرائق": عند قول صاحب "البحر": ((إنما لم يحكم))٣٣٠/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ١١٣/١.
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٦٩/١.

الجزء الثالث
٣٠١
باب صفة الصلاة
(سورةً أو ثلاثَ آياتٍ) ولو كانت الآيةُ أو الآيتان تَعدِلُ ثلاثَ آياتٍ قصاراً انتَفَتْ
كراهةُ التحريم، ذكَرَهُ "الحلبيُّ)(١)، ولا تنتفي التنزيهيَّةُ إلاَّ بالمسنون (وأمَّنَ) بعدٍّ
وقصرِ وإمالةٍ،.
أكدَ للاختلاف في ركنَّتها إلاَّ أنَّه يظهرُ في الإثم لا في وجوبِ الإعادة كما قدَّمناه(٢) أوَّلَ
بحث الواجبات.
[٤٢١٢] (قولُهُ: سورةً) أشار إلى أنَّ الأفضل قراءةُ سورةٍ واحدةٍ، ففي "جامع
الفتاوى"(٣): ((روى "الحسن" عن "أبي حنيفة" أَنَّه قال: لا أحبُّ أنْ يَقرأ سورتين بعد الفاتحة في
المكتوبات، ولو فعَلَ لا يكرهُ، [١/ق٣٨٥/أ] وفي النوافل لا بأس به)).
(٢١٣ ٤] (قولُهُ: إِلاَّ بالمسنون) وهو القراءةُ من طوالِ المفصَّل في الفجر والظهر، وأوساطِه في
العصر والعشاء، وقصارِه في المغرب، "ط " (٤).
٣٣٠/١
[٤٢١٤] (قولُهُ: وأمَّنَ) هو سنّةٌ للحديث الآتي(٥) المنَّفَقِ عليه كما في "شرح المنية"(٦) وغيره،
واتَّفقوا على أنَّه ليس من القرآن كما في "البحر (٧).
[٤٢١٥] (قولُهُ: بمدِّ) هي أشهرُها وأفصحُها، ((وقصرٍ)) وهي مشهورةٌ، ومعناه استَجِبْ،
"ط "(٨) .
[٤٢١٦] (قولُهُ: وإمالةٍ) أي: في المدِّ لعدم تأنّيها في القصر، "ح"(٩). وحقيقةُ الإمالة: أنْ يُنْحَى
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٠٩ -.
(٢) المقولة [٣٩٣٧] قوله: ((وتعاد وجوباً)).
(٣) "جامع الفتاوى": كتاب الصلاة - فصل في القراءة ق ١٢/أ باختصار.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ٢١٩/١.
(٥) المقولة [٤٢٢٥] قوله: ((وأما حديث إلخ)).
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٠٩ -.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣١/١.
(٨) "ط": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ٢١٩/١ نقلاً عن أبي السعود.
(٩) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٣/أ بتصرف.

قسم العبادات
٣٠٢
حاشية ابن عابدين
ولا تفسُدُ مع تشدیدٍ أو حذفٍ یاءٍ،
بالفتحة نحوَ الكسرة، فتميلُ الألفُ إنْ كان بعدها ألفٌ نحوَ الياءِ، "أُشموني)" (١).
[٤٢١٧] (قولُهُ: ولا تفسُدُ إلخ) أشارَ به إلى أنَّ الكلام في نفي الفساد لا في تحصيلِ السنَّة، فإنَّ
السنَّة لا تحصُلُ إلاَّ بالثلاثة الأُوَلِ كما أفاده "ط)" (٢).
[٤٢١٨] (قولُهُ: بمدّ مع تشديدٍ أو حذفٍ ياءِ) أي: حالةً كون المدِّ مصاحباً لأحدهما لا لكلِّ
منهما، ففيه صورتان:
الأُولى: المدُّ مع التشديد بلا حذفٍ، فلا يُفسِدُ على المفتى به عندنا؛ لأَنَّه لغةٌ فيها حكاها
"الواحديُّ" (٣)، ولأَنَّه موجودٌ في القرآن، ولأنَّ له وجهاً كما قال "الحَلْوانيُّ": إنَّ معناه: ندعوك
قاصدين إجابتك؛ لأنَّ معنى أمِّين: قاصدين، وأنكَرَ جماعةٌ من مشايخنا كونَها لغةً، وحكَمَ بفساد
الصلاة، "بحر "(٤).
والصورة الثانية: المدُّ مع حذف الياء بلا تشديدٍ لوجوده في قوله تعالى: ﴿وَيَلَكَ ءَامِنْ﴾
[الأحقاف - ١٧] كما في "الإمداد"(٥)، فـ ((أو)) في كلامه لمنعِ الجمع فقط؛ لأنَّه لو أتى بالمدِّ
جامعاً بين التشديد والحذف تفسُدُ كما نَّهَ عليه بعدُ(٦)، ولو كانت لمنع الخلوِّ أيضاً - بأنْ أتى بالمدِّ
خالياً عن التشديد والحذف - لزِمَ التكرارُ؛ لأنّه اللغةُ الفصحى المتقدِّمة، فافهم.
(قولُهُ: بأنْ أتى بالمدِّ خالياً عن التشديدِ إلخ) لا يصلحُ تفسيراً لمنعِ الخلوِّ، بل هو تفسيرٌ للخلوِّ، ولزومُ
التكرار إنما هو إذا خلَّى المدَّ عن التشديدِ وحذفِ الياء، وهذا ليس معنى منعِ الخلوِّ؛ إذ المرادُ به أنْ يوجد أحدُ
القيدين مع المقيَّدِ بدون خلوِّهِ وتجاوزِهِ إلى غيره، نعم على جعلِها مانعةً خلوٍّ يكونُ المفهوم غيرَ صحيحٍ، تأمَّل.
(١) "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك": الإمالة ٢٢٠/٤.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ٢١٩/١.
(٣) أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محمد الواحديّ النيسابوريّ الشّافعي(ت٤٦٨ هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٣٣٩/١٨،
"طبقات السبكي" ٢٤٠/٥).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٢/١ بتصرف.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في سننها ق ١٣٧/ب.
(٦) المقولة [٤٢٢٠] قوله: ((أو بمد معهما)).

الجزء الثالث
٣٠٣
باب صفة الصلاة
بل بقصرٍ مع أحدِهما، أو بعدٍّ معهما، وهذا مما تفرَّدْتُ بتحريره (الإِمامُ سرَّاً
كمأمومٍ ومنفردٍ) ولو في السرِّيَّة إذا سَمِعَهُ.
[٤٢١٩] (قولُهُ: بل بقصرٍ مع أحدِهما) أي: مع التشديد بلا حذفِ الياء، وهو أمِّينْ لعدم
وجوده في القرآن، أو مع حذفِ الياء بلا تشديدٍ وهو أمِنْ، وفيه نظرٌ لوجوده في قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾ [البقرة - ٢٨٣]، "ح"(١). أي: ولذلك لم يذكره في "البحر" و"النهر".
هذا، وذكَّرَ في "الحلبة" (٢) الأوَّلَ لغةً ضعيفةً فقال: ((وقصرُها وتشديدُ الميم حكاها بعضُهم
عن "ابن الأنباريّ" واسْتُضِفَتْ، ويظهرُ أنَّ الأشبه فسادُ الصلاة بها)) اهـ.
[٤٢٢٠] (قولُهُ: أو بمدٌّ معهما) أي: مع التشديد وحذف الياء، وهو آمِّنْ، فإِنَّه مُفسِدٌ
[١/ق٣٨٥/ب] لعدم وجوده في القرآن.
وحاصلُ ما ذكَرَهُ ثمانيةُ أوجهٍ: خمسةٌ صحيحةٌ، وثلاثةٌ مُفسِدةٌ، وبِقِيَ تاسعٌ، وهو أمِّنْ
بالقصر مع التشديد والحذفِ، وهو مُفْسِدٌ لعدم وجوده في القرآن، ولو قال "الشارح": وبمٍّ أو
قصر معهما لاستوفی، "ح"(٣).
قلت: وقد ذكَّرَ هذا التاسعَ مع الثامن في "البحر"(٤) وقال: ((ولا يبعُدُ فسادُ الصلاة فيهما)).
(٤٢٢] (قولُهُ: الإِمامُ سراً) أشار بالأوَّلِ إلى خلاف "مالكٍ" في تخصيصِ المؤتَمِّ بالتأمين دون
الإمام، وهو روايةُ "الحسن" عن "الإِمام"، وبالثاني إلى خلاف "الشافعيّ" أَنَّه يأتي بها كلٌّ منهما
جهراً، وقولُهُ: ((كمأمومٍ ومنفردٍ)) محلُّ اتّفاقٍ، فلذا أتى بالكاف.
[٢٢٢ ٤] (قولُهُ: ولو في السِّرِّية) أي: لإطلاقِ الأمر في الحديث الآتي(٥)، وهذا راجعٌ إلى
المأموم، وكان ينبغي ذكرُهُ عقبه، وقيل: لا يؤمِّنُ المأمومُ في السرِّية ولو سمع الإِمامَ؛ لأنَّ ذلك
الجهرَ لا عبرةً به.
(١) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٢/أ - ب بتصرف يسير.
(٢) "الحلبة": فصل في صفة الصلاة ٢/ق٧٨/ب.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٢/ب بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٢/١.
(٥) المقولة [٤٢٢٥] قوله: ((وأما حديث إلخ)).

قسم العبادات
٣٠٤
حاشية ابن عابدين
ولو من مثله في نحوٍ جمعةٍ وعيدٍ، وأمَّا حديثُ: ((إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا )) فمِن
التعليق بمعلومِ الوجود، فلا يتوقّفُ على سماعه منه، بل يحصُلُ بتمامِ الفاتحة
بدليلٍ: (( إذا قال الإمامُ: ولا الضالِّين.
(٤٢٢٣] (قولُهُ: ولو مِن مثلِهِ) أي: من مقتدٍ مثلِهِ، بأنْ كان مثلُّهُ قريباً من الإمام يسمعُ قراءته،
فأمَّنَ فسمع(١) ذلك المقتدي تأمينَ مثلِهِ القريبِ من الإِمام، فيؤمِّنُ لأنَّ المناط العلمُ بتأمين الإمام.
[٤٢٢٤] (قولُهُ: في نحوِ جمعةٍ وعيدٍ) أشار بـ ((نحوٍ)) إلى أنَّ التقيد بالجمعة والعيد - كما وقَعَ
في "الجوهرة"(٢) - غيرُ قيدٍ كما بحثَهُ في "الشرنبلاليّة"(٣) بقوله: ((ينبغي أنْ لا يختصَّ بهما، بل
الحكمُ في الجماعة الكثيرة كذلك)).
[٤٢٢٥] (قولُهُ: وأمَّ حديثُ إلخ) هو ما رواه "الشيخان"(٤): (( إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا، فإِنَّه مَن
وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه))، وهو مفيدٌ تأمينَهما، لكنْ في حقِّ الإمام
بالإِشارة؛ لأنَّ النصَّ لم يُسَقْ له، وفي حقِّ المأموم بالعبارة؛ لأَنَّه سِيقَ لأجله، "بحر "(٥). ثم مرادُ
"الشارح" الجوابُ عن قول "الشافعيِّ": إنَّ الحديث دليلٌ على جهرِ الإمام بالتأمين؛ لأَنَّه علَّقَ
تأمينَهم بتأمينه، والجوابُ: أنَّ موضع التأمين معلومٌ، فإذا سمع لفظة ﴿وَلَ الضَّالِينَ﴾ كفى؛
(١) ((فسمع )) ساقطة من"م".
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٦١/١.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٦٩/١. (هامش " الدرر والغرر").
(٤) أخرجه مالك ٨٧/١ كتاب الصلاة - باب ما جاء في التأمين خلف الإمام، وأحمد ٢٣٨/٢، وعبد الرزاق
(٢٦٤٤)، والبخاريّ (٧٨٠) كتاب الأذان - باب جهر الإمام بالتأمين، ومسلم (٤١٠) كتاب الصلاة - باب
التسميع والتحميد والتأمين، وأبو داود (٩٣٦) كتاب الصلاة - باب التأمين وراء الإمام، والترمذيّ(٢٥٠) كتاب
الصلاة - باب ما جاء في فضل التأمين وقال: حديث أبي هريرة ◌َّلُله حديث حسن صحيح، والنسائيّ ١٤٤/٢
كتاب الافتتاح - باب جهر الإمام بآمين، وابن ماجه (٨٥٢) كتاب إقامة الصلاة - باب الجهر بآمين، وابن حبان
(١٨٠٤) كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة. كلُّهم من حديث أبي هريرةُه.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣١/١.

الجزء الثالث
٣٠٥
باب صفة الصلاة
فقولوا: آمين)).
(ثُمَّ) كما فرَغَ (يُكبِّرُ) مع الانحطاط (الركوع).
لأَنَّ الشارع طَلَبَ من الإِمام التأمينَ بعده، فصار من التعليق بمعلومِ الوجود، وتمامُ الأَدَّة في المطوّلات.
ويظهرُ من هذا أنَّ مَن كان بعيداً عن الإِمام لا يسمعُ قراءته أصلاً لا يؤمِّنُ كما في
"البحر"(١)، أي: لعدم سماعه موضعَ التأمين، [١/ق ٣٨٦/أ] اللهمَّ إلا أنْ يسمعَ مِن مثلِه كما مرَّ(٢)
في السّرّية.
[٤٢٢٦] (قولُهُ: فقولوا آمين) تمامُ الحديث: («فإنَّ الملائكة تقولُ آمين، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ
الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه)) رواه "عبدُ الرزاق" و"النسائيُّ" و"ابن حبَّان"(٣)، "حلبة(٤). وفي
"شرح مسلمٍ" لـ "النوويِ"(٥): ((الصحيحُ الصوابُ أنَّ المراد الموافقةُ للملائكة في وقت التأمين،
وقيل: في الصفة والخشوع والإخلاص، ثم قيل: هم الحفَظةُ، وقيل: غيرُهم لقوله لَ﴿ّ في الحديث
الآخرِ: (فوافَقَ قولُه قولَ أهل السماء))(٦))).
[٤٢٢٧] (قولُهُ: مع الانحطاطِ) أفاد أنَّ السنّة كونُ ابتداء التكبير عند الخرور وانتهائه
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣١/١-٣٣٢.
(٢) المقولة [٤٢٢٣] قوله: ((ولو من مثله)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٦٤٤)، وابن حبان (١٨٠٤)، والنسائي ١٤٤/٢ كتاب الافتتاح - باب الأمر بالتأمين
خلف الإمام، وأخرجه مالك ٨٧/١ كتاب الصلاة - باب ما جاء في التأمين خلف الإمام، وأحمد ٢٣٣/٢ - ٢٧٠،
والبخاريّ (٧٨٢) كتاب الأذان - باب جهر المأموم بالتأمين، و(٤٤٧٥) كتاب التفسير - باب ((غير المغضوب عليهم ولا
الضالين ))، ومسلم (٤١٠)(٧٦) كتاب الصلاة - باب التسميع والتحميد والتأمين، وأبو داود (٩٣٥) كتاب الصلاة -
باب التأمين وراء الإمام، والترمذي (٢٥٠) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في فضل التأمين، وقال: حسن صحيح،
وابن ماجه (٨٥٢) كتاب إقامة الصلاة - باب الجهر بـ ((آمين))، كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
(٤) "الحلبة": فصل في صفة الصلاة ٢/ق ٩٧/ب.
(٥) "شرح صحيح مسلم": كتاب الصلاة - باب التسميع والتحميد والتأمين ١٣٠/٤.
(٦) أخرجه البخاريّ (٧٨١) كتاب الأذان - باب فضل التأمين، ومسلم (٤١٠) (٧٦)(٧٥) كتاب الصلاة - باب
التسميع والتحميد والتأمين، والنسائيّ ١٤٥/٢ كتاب الافتتاح - باب الأمر بالتأمين خلف الإمام، والبيهقي في
"السنن الكبرى" ٥٥/٢ كتاب الصلاة - باب التأمين.

قسم العبادات
٣٠٦
حاشية ابن عابدين
ولا يكرهُ وصلُ القراءة بتكبيرةٍ، ولو بقِيَ حرفٌ أو كلمةٌ فأتَمَّهُ حالةَ الخرور
لا بأس به عند البعض، "منية المصلِّي" (ويضعُ يديه) معتمداً بهما (على ركبتيه
ويُفرِّجُ أصابعَهُ) للتمگُّن،
عند استواء الظهر، وقيل: إنَّه يكبِّرُ قائماً، والأوَّلُ هو الصحيح كما في "المضمرات"، وتمامُهُ في
"القُهُستَانِىٌ)(١).
[٤٢٢٨] (قولُهُ: ولا يكرهُ إلخ) مثالُهُ أنْ يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى-١١]
اللَّهُ أكبرُ بكسر الثاءِ المثّة لالتقاء الساكنين، "ح"(٢). وفي "القُهُستانيّ (٣): ((وفي قوله: ثُمَّ يكبِّرُ
دلالةٌ على أنَّه لا يصلُ التكبيرَ بالقراءة، وهذا رخصةٌ، والأفضلُ الوصل))، وفي "شرح المنية "(٤):
((وعن "أبي يوسف" أنَّه قال: ربما وصلتُ وربما تركتُ)) اهـ
وذكَرَ في "التاتر خانَّة" (٥) تفصيلاً حسناً، وهو: ((أَنَّه إذا كان آخرُ السورة ثناءً مثل:
﴿وَكَبِرَهُتَكْبِيرًا﴾ [الإسراء -١١١] فالوصلُ أَولى، وإلاَّ فالفصلُ أَولى مثل: ﴿إِنَّ شَائِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
[الكوثر- ٣] فيقفُ ويفصلُ، ثم يكبِّرُ للركوع)).
٣٣١/١
(٤٢٢٩] (قولُهُ: لا بأس به عند البعض) أشار بهذا إلى أنَّ هذا القولَ خلافُ المعتمد المشارِ إليه
بقوله أوَّلاً: ((ثُمَّ كما فرغ يكَبِّرُ مع الانحطاط))، فإِنَّه ظاهرٌ فِي أَنَّه يُتُّ القراءةَ جميعَها، وبعد الفراغ
منها ينحَطُّ للركوع مكِّرً، والأوَّلُ أصحُّ كما في "المنية"(٦)، فيكون "الشارح" قد نَبَّهَ على القولين،
وأنَّ الأوَّلَ هو المعتمد والثانيَ ضعيفٌ بأوجزِ عبارةٍ وألطفِ إشارةٍ، فليس في كلامه إهمالٌ كما
لا يخفى على ذوي الكمال، فافهم.
(١) انظر "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٤/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٢/ب.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة أفعال الصلاة ٩٤/١.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٠٩ -.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٤٩٢/١ بتصرف نقلاً عن القاضي أبي بكر اليعقوبيّ.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٥ -.

الجزء الثالث
٣٠٧
باب صفة الصلاة
ويُسَنُّ أنْ يُلصِقَ كعبيه.
٠٠
[٤٢٣٠] (قولُهُ: ويسنُّ أنْ يُلصِقَ كعبيه) قال السيِّد "أبو السُّعود"(١): ((وكذا في السجود
أيضاً، وسَبَقَ في السنن أيضاً)) اهـ. والذي سبَقَ هو قوله(٢): ((وإلصاقُ كعبيه في السجود سنة،
"در")) اهـ.
ولا يخفى أنَّ هذا سبقُ نظرٍ، فإنَّ شارحنا لم يذكرْ ذلك لا في "الدرِّ المختار" ولا في "الدرِّ
المنتقى"، ولم أره لغيره أيضاً، فافهم. نعمْ ربما يُفهَمُ ذلك من أَنَّه إذا كان السنّةُ في الركوع إلصاقَ
الكعبين، ولم يذكروا تفريجَهما بعده [١/ق٣٨٦/ب] فالأصلُ بقاؤهما ملصَقين في حالة السجود
أيضاً، تأمَّل.
هذا، وكان ينبغي أنْ يذكر لفظَ (يُسَنُّ))(٣) عند قوله: ((ويضعُ يديه)) لُيُعلَمَ أنَّ الوضع،
والاعتمادَ، والتفريجَ، والإلصاقَ، وَالنَّصْبَ، والبسطَ، والتسويةَ كلَّها سننٌ كما في "القُهُستانيّ"(٤)،
قال: ((وينبغي أنْ يُزادَ: مجافياً عضُدَيه مستقبلاً أصابعَه، فإنّهما سنّةٌ كما في "الزاهديِّ")) اهـ.
قال في "المعراج": ((وفي "المجتبى": هذا كلُّهُ في حقِّ الرجل، أمَّا المرأةُ فتنحني في الركوع
(قولُ "الشارح": ويُسَنُّ أنْ يُلصِقَ كعبيه) قال الشيخ "أبو الحسن" السنديُّ الصغير في تعليقته على
"الدرّ": ((هذه السنَّةُ إنما ذكَرَها مَن ذكَرَها من المتأخّرين تبعاً لـ "المجتبى"، وليس لها ذكرٌ في الكتب المتقدِّمة
كـ "الهداية" وشروحها، وكان بعضُ مشايخنا يرى أنَّها من أوهامٍ صاحب "المجتبى"، ولم تَرِدْ في السنَّة على
ما وقفنا عليه، وكأنَّهم توهَّمُوا ذلك مما ورَدَ أنَّ الصحابة كانوا يهتمُّون بسدِّ الخلل في الصفوف حتّى يضمُّون
الكعابَ والمناكب، ولا يخفى أنَّ المراد هنا إلصاقُ كعبِهِ بكعبِ صاحبه لا كعبِهِ مع كعبه الآخر )) اهـ.
قلت: ولعلَّ الشيخ "أبا الحسن" لَحَظَ إلى الآثار الواردة في أنَّ التراوح بين القدمين في الصلاة مطلقاً
أفضلُ من إلصاقهما اهـ "سندي". وقد ذكَرَ الآثارَ الواردة في التراوح فانظره.
(١) "فتح المعين": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ١٨٩/١.
(٢) أي: قول صاحب "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب في صفة الصلاة ١٧٧/١.
(٣) ((يسن)) ساقط من "آ".
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٤/١.

قسم العبادات
٣٠٨
حاشية ابن عابدين
ويَنصِبَ ساقيه (ويبسُطُ ظهرَهُ) ويسوِّي ظهرَهُ بعجُزِهِ (غيرَ رافعٍ ولا منكِّسٍ رأسَهُ،
ويسبِّحُ فيهِ) وأَقُّهُ (ثلاثاً) فلو ترَكَهُ أو نقَصَهُ كُرِهَ تنزيهاً،.
يسيراً ولا تفرِّجُ، ولكنْ تضمُّ وتضعُ يديها على ركبتيها وضعاً، وتحني ركبتيها ولا تجافي عضديها؟
لأنَّ ذلك أسترُ لها، وفي "شرح الوجيز"(١): الخنثى كالمرأة)) اهـ.
[٤٢٣١] (قولُهُ: وينصِبُ ساقيه) فجعلُهما شبهَ القوس - كما يفعلُه كثيرٌ من العوامِّ -
مكروهٌ، "بحر"(٢).
(٤٢٣٢] (قولُهُ: وأقلُّه ثلاثاً) أي: أَقُلُّه يكون ثلاثاً، أو أقلُّه تسبيحُه ثلاثاً، وهذا أولى من جعل
((ثلاثاً)) خبراً عن ((أقلُه)) بنزعِ الخافض، أي: في ثلاثٍ؛ لأنَّ نزع الخافض سماعيٌّ، ومع هذا
فهو بعيدٌ جداً، فافهم. ويحتملُ أنْ يكون ((أَقُّه)) خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ والواوُ للحال، والتقدير:
ويسبِّحُ فيه ثلاثاً، وهو أقلُّه، أي: والحالُ أنَّ الثلاثَ أَقُّه، وسوَّغَ مجيءَ الحال من النكرة تقديمُها
على صاحبها، وهذا الوجهُ أفاده "شيخنا" حفظه الله تعالى.
(٤٢٣٣] (قولُهُ: كُرِهَ تنزيهاً) أي: بناءً على أنَّ الأمر بالتسبيح للاستحباب، "بحر"(٣). وفي
"المعراج": ((وقال "أبو مطيعِ البلخيُّ"(٤) تلميذُ "أبي حنيفة": إنَّ الثلاث فرضٌ، وعند "أحمد" يجبُ
مرَّةً كتسبيح السجود والتكبيرات والتسميع والدعاء بين السجدتين، فلو ترَكَهُ عمداً بطلت، ولو
سهواً لا))، وفي "القُهُستانيّ"(٥): ((وقيل يجبُ)) اهـ.
(١) لم يتبيّن لنا المراد من "شرح الوجيز"، وانظر تعليقنا على "الوجيز" المتقدم ٤٥٧/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٣/١ بتصرف، نقلاً عن "روضة العلماء".
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٣/١ بتصرف يسير.
(٤) أبو مطيع الحكم بن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن البلخيّ الخراسانيّ(ت١٩٩هـ). ("الجواهر المضية" ٨٤/٤،
"الفوائد البهية" صـ٦٨-).
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صفة الصلاة ٩٤/١.

الجزء الثالث
٣٠٩
باب صفة الصلاة
وهذا قولٌ ثالثٌ عندنا، وذكَرَ في "الحلبة"(١): ((أَنَّ الأمر به والمواظبةَ عليه متظافران على
الوجوب، فينبغي لزومُ سجودِ السهو أو الإعادةُ(٢) لو ترَكَهُ ساهياً أو عامداً))، ووافقَهُ على هذا
البحثِ العلاَّمة "إبراهيم الحلبيُّ" في "شرح المنية"(٢) أيضاً، وأجاب في "البحر"(٤): ((بأنّه عليه
الصلاة والسلام لم يذكره للأعرابيِّ حين عَلَّمَهُ(٥)، فهذا صارفٌ للأمر عن الوجوب))، لكن
استشعَرَ في "شرح المنية"(٦) وُرُودَ هذا فأجاب عنه بقوله: ((ولقائلِ أنْ يقول: إنما يلزمُ ذلك أنْ لو
لم يكن [١/ ق٣٨٧/أ] في الصلاة واجبٌ خارجٌ عمَّا عَلَّمَهُ الأعرابيَّ، وليس كذلك، بل تعيينُ
الفاتحة وضمُّ السورة أو ثلاث آياتٍ ليس مما علَّمَهُ للأعرابيِّ، بل ثبَتَ بدليلٍ آخرَ، فِلِمَ لا يكون
هذا كذلك؟)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ في تتليث التسبيح في الركوع والسجود ثلاثةَ أقوال عندنا، أرجحُها من حيث
الدليلُ الوجوبُ تخريجاً على القواعد المذهبيّة، فينبغي اعتمادُه كما اعتمَدَ "ابنُ الهمام" ومَن تبعه
روايةَ وجوب القومة والجلسة والطمأنينة فيهما كما مرَّ(٧)، وأمَّا من حيث الروايةُ فالأرجحُ السنّة؟
لأَنَّها المصرَّحُ بها في مشاهيرِ الكتب، وصرَّحُوا بأَنَّه يكره أنْ ينقص عن الثلاث، وأنَّ الزيادة
مستحبّةٌ بعد أنْ يختمَ على وترٍ خمسٍ أو سبعٍ أو تسعٍ ما لم يكن إماماً فلا يطوّل، وقدَّمنا (٨) في سنن
الصلاة عن "أصول أبي اليسر": ((أنَّ حكم السنَّة أنْ يُندَبَ إلى تحصيلها، ويُلامَ على تركها
(١) "الحلبة": فصل في صفة الصلاة ٢/ق ١٠٨/ب بتصرف.
(٢) من ((الأمر به)) إلى ((أو الإعادة )) ساقط من "الأصل".
(٣) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - الركوع صـ ٢٨٢ -.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٣/١ بتصرف.
(٥) هو حديث المسيء صلاته، وقد تقدم تخريجه صـ ١٧٢ -.
(٦) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - الركوع صـ ٢٨٢ -.
(٧) المقولة [٣٩٧٩] قوله: ((على ما اختاره الكمال)).
(٨) المقولة [٤٠٣٧] قوله: ((وقالوا إلخ)).

قسم العبادات
٣١٠
حاشية ابن عابدين
وكُرِهَ تحريماً.
مع حصولِ إِثْمٍ يسيرٍ))، وهذا يفيدُ أنَّ كراهة تركِها فوقَ التنزيهِ وتحتَ المكروه تحريماً، وبهذا يضعُفُ
قولُ "البحر"(١): ((إنَّ الكراهة هنا للتنزيهِ؛ لأَنَّه مستحبٌ)) وإِنْ تِبعَهُ "الشارح" وغيره، فتدَبَّر.
( تنبيةٌ)
السنة في تسبيح الركوع: سبحان ربيَ العظيمِ (٢)، إلاَّ إنْ كان لا يُحسِنُ الظاءَ فيبدلُ به
الكريمَ لئلاَّ يجريَ على لسانه العزيم فتفسُدَ به الصلاةُ، كذا في "شرح درر البحار"(٣) فليُحفَظ، فإنَّ
العامَّة عنه غافلون، حيث يأتون بدل الظاء بزاي مفخمة.
مطلبٌ في إطالةِ الركوع للجائي
[٤٢٣٤] (قولُهُ: وكُرِهَ تحريماً) لِما في "البدائع"(٤) و"الذخيرة": ((عن "أبي يوسف" قال:
سألتُ "أبا حنيفة" و"ابنَ أبي ليلى"(٥) عن ذلك فكرهاه، وقال "أبو حنيفة"(٦): أخشى عليه أمراً
عظيماً، يعني الشركَ، ورَوى "هشام" عن "محمَّدٍ" أَنَّه كرهَ ذلك أيضاً، وكذا رُوِيَ عن "مالكِ"
و "الشافعيِّ" في الجديد، وتوهَّمَ بعضهم من كلام "الإمام" أنَّه يصيرُ مشركاً، فأفتى بإباحة دمه
وليس كذلك، وإنما أراد الشركَ في العمل؛ لأنَّ أوَّلَ الركوع كان لله تعالى وآخرَه للجائي، ولا
يُكَفَرُ؛ لأَنَّه ما أراد التذلّلَ والعبادةَ له))، وتمامُهُ في "الحلبة(٧) و"البحر "(٨).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٣/١.
(٢) في "د" زيادة: ((فرع: تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بإجماع الأئمة الأربعة لقوله محل: « نهيت
أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً» رواه مسلم "معراج" )).
(٣) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر صفة الصلاة ق ٣٤/ب.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢٠٩/١.
(٥) أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ الكوفيّ (ت١٤٨ هـ). ("تذكرة الحفاظ" ص١٧١،
"وفيات الأعيان" ٧٩/٢).
(٦) الذي في "الحلبة": (( أبو يوسف))، والصواب ما أثبته ابن عابدين كما في "البدائع" و"البحر".
(٧) انظر "الحلبة": فصل في صفة الصلاة ٢/ق ١٠٨/ب.
(٨) انظر "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٤/١.

الجزء الثالث
٣١١
باب صفة الصلاة
إطالةُ ركوعٍ أو قراءةٍ لإدراكِ الجائي، أي: إنْ عرَفَهُ، وإلاَّ فلا بأس به، ...
. . . . .
٣٣٢/١
[٤٢٣٥] (قولُهُ: إطالةُ ركوعٍ أو قراءةٍ)(١) وكذا [١/ق٣٨٧/ب] القعودُ الأخيرُ قبل السلام،
وذكَرَ في "السِّراج"(٢): ((أنَّ فيه خلافاً))، وأشار إلى أنَّ الكلام في المصلِّي، فلو انتظَرَ قبل الصلاة
ففي أذان "البزَّازِيَّة"(٣): ((لو انتظَرَ الإقامةَ ليدرك الناسُ الجماعة يجوزُ، ولواحدٍ(٤) بعد الاجتماع لا،
إلاّ إذا كان داعراً(٥) شِرِّيراً)) اهـ.
[٤٢٣٦] (قولُهُ: أي: إنْ عَرَفَهُ) عزاه في "شرح المنية"(٦) إلى أكثرِ العلماء، أي: لأنَّ انتظاره
حينئذٍ يكون للتودُّدِ إليه، لا للتقرُّب والإعانة على الخير.
[٤٢٣٧] (قولُهُ: وإلاَّ فلا بأس) أي: وإنْ لم يعرفْهُ فلا بأس به؛ لأَنَّه إعانةٌ على الطاعة، لكن
يطوِّلُ مقدارَ ما لا يثقلُ على القوم، بأنْ يزيدَ تسبيحةً أو تسبيحتين على المعتاد.
ولفظُ لا بأس تفيدُ في الغالب أنَّ تركه أفضلُ، وينبغي أنْ يكون هنا كذلك، فإنَّ فعل العبادة
لأمرٍ فيه شبهةُ عدمٍ إخلاصها لله تعالى لا شكَّ أنَّ تركه أفضلُ لقوله عليه الصلاة والسلام:
(دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك))(٧)، ولأَنَّه وإنْ كان إعانةً على إدراك الركعة ففيه إعانةٌ
(١) وفي "د" زيادة: ((الظاهر أنَّ منه ما لو أطال حتى أَتَمَّ المقتدي تكبيره خشية أن يعتد بتلك الركعة إذا رفع قبل إتمامه،
كما يقع لكثير من العوامّ، ثَّمَّ رأيت "ط" استظهر ذلك أيضاً، ثم رأيت في "معراج الدّراية" قال: وقيل: إنْ طوَّله
للإدراك دون التقرب يكره، وهذا معنى قول أبي حنيفة: وإن طوَّلَه تقرباً ويدرك به لا بأس به، كتطويل الركعة الأولى
من الفجر على الثانية، وفي "الجامع الصغير" لا يكره، وهو مأمور لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْعَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ﴾. وعن أبي
اللَّيْثِ: هو حسن (الأَنَّّ كان يُخَفِّفُ القراءةَ لِبُكَاءِ الصِّيّ لكيلا تُفْتَنَ أُمُّهُ)))).
(٢) "السّراج الوهّاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٤/ق ١٥٨/ب.
(٣) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل في الأذان ٢٥/٤. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) عبارة "البزازية": ((ولو أخر)) وما في الحاشية هو الموافق للسياق.
(٥) الذي في "البزازية": ((ذا عداء شريراً)).
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٧ -.
(٧) تقدم تخريجه ٥٨٥/١.

قسم العبادات
٣١٢
حاشية ابن عابدين
ولو أرادَ التقرُّبَ إلى الله تعالى لم يكره اتّفاقاً، لكنّه نادرٌ، وتُسمَّى مسألةَ الرياء، فينبغي
التحرُّزُ عنها.
على التكاسل(١) وتركِ المبادرة والتهُّؤُ للصلاة قبل حضور وقتها، فالأَولى تركه، "شرح المنية"(٢).
[٤٢٣٨] (قولُهُ: ولو أرادَ التقرُّبَ إلى الله تعالى) أي: خاصةً من غير أنْ يتخالَجَ قلبَهُ شيءٌ
سوى التقرُّبِ، حتى ولا الإعانةُ على إدراك الركعة، فيكونُ حينئذٍ هو الأفضلَ، لكنّه في غاية
النّدرة، ويمكن أنْ يراد بالتقرُّب الإعانةُ على إدراك الركعة؛ لِما فيه من إعانة عباد الله على طاعته،
فيكونُ الأفضلُ تركَهُ لِما فيه من الشبهة التي ذكرناها، "شرح المنية"(٣) ملخَّصاً.
أقولُ: قصدُ الإعانة على إدراك الركعة مطلوبٌ، فقد شُرِعت إطالةُ الركعة الأولى في الفجر
اتفاقً - وكذا في غيره على الخلاف - إعانةً للناس على إدراكها؛ لأَنَّه وقتُ نومٍ وغفلةٍ كما فَهِمَ
الصحابة ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام(٤)، وفي "المنية"(٥): ((ويكرهُ للإمام أنْ يعجِّلَهم
عن إكمال السنّة))، ونقَلَ في "الحلبة"(٦) عن "عبد الله بن المبارك" و"إسحاقَ"(٧) و"إبراهيمَ"
(قولُهُ: على تركِ التكاسل) الصوابُ حذف لفظ ((تركِ)) الأُولى كما هو ظاهرٌ، تأمَّل.
(قولُهُ: ويمكنُ أن يُرادَ بالتقرُّبِ الإعانةُ على إدراك الرَّكعة إلخ) يُبعِدُ إرادةً هذا الاحتمالِ ما ذكرَهُ
"الشارح" بقوله: ((لكنّه نادرٌ؛ إذ إرادةُ الإعانة على إدراكِ الرَّكعة لا ندورَ فيها))، تأمَّل.
(١) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((ترك التكاسل)) وهو خطأ، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لما في "شرح المنية" وانظر
"تقريرات الرافعيّ".
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٧ -.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣١٧ -.
(٤) فقد أخرج البخاريّ (٧٧٦) كتاب الأذان - باب: يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، و(٧٧٩) باب يُطوِّل في الركعة
الأولى، ومسلم (٤٥١) كتاب الصلاة - باب القراءة في الظهر والعصر، عن أبي قتادة رضابه أنَّ النِّيَّ ◌َهُ: ((كان يُطَوِّلُ
في الرَّكْعَةِ الأُولى مِن صَلاةِ الظُّهْر، ويُقَصِّرُ فِي النَّانية، ويَفْعَلُ ذَلكَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ )).
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": كراهية الصلاة صـ٣٦٤ -.
(٦) "الحلبة": فرائض الصلاة - الركوع ٢/ق ٦٨/أ - ب، عن "جامع الترمذيّ".
(٧) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد، المعروف بابن راهويه الحنظليّ التميميّ المَرْوَزِيّ(ت٢٣٨هـ). ("تاريخ
بغداد" ٣٤٥/٦، "وفيات الأعيان" ١٩٩/١، "طبقات السبكي" ٨٣/٢).

٠٠
الجزء الثالث
٣١٣٠
باب صفة الصلاة
(و) اعلمْ أنَّه مما يبتني على لزومٍ المتابعة في الأركان أنَّه (لو رفَعَ الإِمامُ رأسَهُ) من
الركوع أو السجود (قبل أنْ يُتِمَّ المأمومُ التسبيحاتِ) الثلاثِ.
و "الثوريّ": ((أَنَّه يُستحَبُّ للإمام أنْ يسبِّحَ خمس تسبيحاتٍ ليدركَ مَنْ خلفه الثلاثَ)) اهـ.
فعلى هذا [١/ق٣٨٨/أ] إذا قصَدَ إعانةَ الجائي فهو أفضلُ بعد أنْ لا يُخطِرَ بباله التودُّدَ إليه
ولا الحياءَ منه ونحوَه، ولهذا نقل في "المعراج" عن "الجامع الأصغر"(١): ((أَنَّه مأجورٌ لقوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِ وَالنَّقْوَى﴾ [المائدة -٢]))، وفي أذان "التاتر خانَّة"(٢) قال: ((وفي "المنتقى": أنَّ
تأخيرَ المؤذِّن وتطويلَ القراءة لإدراك بعض الناس حرامٌ، هذا إذا مالَ لأهل الدنيا تطويلاً وتأخيراً
يشقُّ على الناس، فالحاصلُ أنَّ التأخير القليلَ لإعانة أهلِ الخير غيرُ مكروهٍ)) اهـ.
قال "ط"(٣): ((ويظهرُ أنَّ من التقرُّب إطالةَ الإمام الركوعَ لإدراك مكِرٍ لو رفع الإمامُ رأسه
قبل إدراكه يظُنُّ أَنَّه أدرَكَ الركعة كما يقعُ لكثيرٍ من العوامِّ، فيسلّمُ مع الإمام بناءً على ظنّه،
ولا يتمكَّنُ الإِمامُ من أمره بالإعادة أو الإِتمام)).
[٤٢٣٩] (قولُهُ: واعلم إلخ) قدَّمنا(٤) في بحث الواجبات الكلامَ على المتابعة بما لا مزيدَ عليه،
وحقّقنا هناك أنَّ المتابعة بمعنى عدمِ التأخير واجبةٌ في الفرائض والواجباتِ وسنّةٌ في السنن، فالتقبيدُ
بالأركان هنا فيه نظرٌ، على أنَّ الرفع من الركوع أو السجود واجبٌ أو سنّةٌ، وأيضاً فإنَّ المتابعة
لم يتعرَّضْ لها "المصنّف" هنا حتى يكونَ كلامه مبنيًّاً عليها، بل كان ينبغي بناءُ قوله: ((وجَبَ
(قولُهُ: لم يتعرَّضْ لها "المصنّفُ" هنا حتَّى يكونَ كلامُهُ إلخ) عدمُ تعرُّضِ "المصنّف" للمتابعة
لا يُنافي بناءَ الفرع الذي ذكرَهُ عليها، تأمَّل.
(١) "الجامع الأصغر": لأبي عليّ محمد بن الوليد المعروف بالزّاهد السمرقنديّ، كان حيّاً س٥٠ ٤ سنة هـ. ("كشف
الظنون" ٥٣٥/١، "الجواهر المضية" ٣٩٠/٣).
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني ٥٢٠/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٠/١ بتصرف.
(٤) المقولة [٤٠٢٣] قوله: ((ومتابعة الإمام)).

· قسم العبادات
٣١٤٠
حاشية ابن عابدين
(وجَبَ متابعتُهُ) وكذا عكسُهُ فيعودُ، ولا يصيرُ ذلك ركوعين (بخلافِ سلامه) أو
قيامه الثالثةٍ (قبل إتمام المؤتَمِّ التشهُّدَ) فإنَّه لا يتابعُهُ، بل يُتِمُّهُ ..
متابعتُه)) على قوله: ((ويسبِّحُ فيه ثلاثاً))، فإِنَّه سنّةٌ على المعتمد المشهور في المذهب، لا فرضٌ ولا
واجبٌ كما مرَّ(١)، فلا يترك المتابعةَ الواجبة لأجلها، تأمَّل.
[٤٢٤٠] (قولُهُ: وجَبَ متابعته) أي: في الأصحِّ من الروايتين كما في "البحر"(٢).
[٤٢٤١] (قولُهُ: وكذا عكسُه) وهو أنْ يرفع المأمومُ رأسه من الركوع أو السجود قبل أنْ يُتِمَّ
الإمام التسبيحات، "ح"(٣).
[٤٢٤٢] (قولُهُ: فيعودُ) أي: المقتدي لوجوبِ متابعته لإمامه في إكمال الركوع وكراهةٍ
مسابقته له، فلو لم يعُدْ ارتكبَ كراهةَ التحريم.
(٤٢٤٣] (قولُهُ: ولا يصيرُ ذلك ركوعين) لأنَّ عودَهُ تتميمٌ للركوع الأوَّلِ لا ركوعٌ
مستقلٌّ، "ح" (٤).
[٤٢٤٤] (قولُهُ: فإنَّه لا يتابعُهُ إلخ) أي: ولو خاف أنْ تفوته الركعةُ الثالثة مع الإمام كما صرَّحَ
به في "الظهيريَّة"(٥)، وشملَ بإطلاقه ما لو اقتدى به في أثناء التشهُّدِ الأوَّلِ أو الأخيرِ فحين قعَدَ قَام
إمامُه أو سلَّمَ.
ومقتضاه: أَنَّه يُتُمُّ التشهد [١/ق٣٨٨/ب] ثم يقومُ، ولم أره صريحاً، ثمَّ رأيته في "الدَّخيرة"
ناقلاً عن "أبي الليث": ((المختارُ عندي أنَّه يُتِمُّ التشهُّدَ، وإنْ لم يفعل أجزأه)) اهـ، ولله الحمد.
(قولُهُ: لا ركوعٌ مستقلٌّ) ولم يَصِرْ شارعاً فيما انتقَلَ إليه؛ إذ عملُهُ قبل إمامه كلا عملٍ.
(١) المقولة [٤٢٣٣] قوله: ((كره تنزيهاً)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٤/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٢/ب.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٢/ب.
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الرابع فيما يصحُّ الاقتداء به وما يتعلق بالإمامة ق ٢١/أ.

الجزء الثالث
٣١٥
باب صفة الصلاة
لوجوبه، ولو لم يُتِمَّ جاز، ولو سلَّمَ والمؤتَمُّ في.
[٢٤٥ ٤] (قولُهُ: لوجوبه) أي: لوجوب التشهُّدِ كما في "الخانّة"(١) وغيرها، ومقتضاه سقوطُ
وجوبِ المتابعة كما سنذكره(٢)، وإلاَّ لم ينتج المطلوبُ، فافهم.
[٤٢٤٦] (قولُهُ: ولو لم يُتِمَّ جازَ) أي: صحَّ مع كراهة التحريم كما أفاده "ح"(٣)، ونازعه
"ط "(٤) و"الرحمتيُّ"، وهو مُفادُ ما في "شرح المنية "(٥) حيث قال: ((والحاصلُ أنَّ متابعة الإِمام في
الفرائض والواجبات من غير تأخيرِ واجبٌ، فإِنْ عارَضَها واجبٌ لا ينبغي أنْ يفوّتَه، بل يأتي به ثم
يتابعُه؛ لأنَّ الإتيان به لا يفوِّتُ المتابعةَ بالكليّة وإنما يؤخّرُها، والمتابعةُ مع قطعه تفوّتُهُ بالكلّيّة، فكان
تأخيرُ أحدِ الواجبين مع الإتيان بهما أَولى من ترك أحدهما بالكلَّة بخلاف ما إذا عارَضَها سنة؟
لأنَّ ترك السنّةِ أَوِى من تأخير الواجب)) اهـ.
أقولُ: ظاهرُه أنَّ إتمام التشهُّدِ أَولى لا واجبٌ، لكنْ لقائلِ أنْ يقول: إنَّ المتابعة الواجبةَ
٣٣٣/١ هنا معناها عدمُ التأخير، فيلزمُ من إتمام التشهُّد تركُها بالكلّة، فينبغي التعليلُ بأنَّ المتابعة
المذكورةَ إنما تجبُ إذا لم يعارضها واجبٌ، كما أنَّ ردَّ السلام واجبٌ ويسقطُ إذا عارَضَه
وجوبُ استماعِ الخطبة.
ومقتضى هذا أنّه يجبُ إتمام التشهُّد، لكنْ قد يدَّعَى عكسُ التعليل فيقال: إتمامُ التشهُّد
واجبٌ إذا لم يعارضه وجوبُ المتابعة، نعمْ قولُهم: لا يتابعُه يدلُّ على بقاء وجوبِ الإِتمام وسقوطِ
المتابعة لتأكُّدِ ما شرَعَ فيه على ما يعرِضُ بعده، وكذا ما قدَّمناه(٦) عن "الظهيريَّة"، وحينئذٍ فقولهم:
ولو لم يُتِمَّ جاز معناه: صحَّ مع الكراهة التحريميّة، ويدلُّ عليه أيضاً تعليلُهم بوجوب التشهُّد؛
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به وفيمن لا يصحُّ ٩٦/١. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في المقولة التالية.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع في الصلاة ق ٦٢/ب.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - فصل في الشروع في الصلاة ٢٢٠/١.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ٥٢٧-٥٢٨ _.
(٦) المقولة [٤٢٤٤] قوله: ((فإنه لا يتابعه إلخ)).

قسم العبادات
٣١٦
حاشية ابن عابدين
أدعيةِ التشهُّد تابَعَهُ؛ لأَنَّها سنةٌ، والناسُ عنه غافلون.
(ثُمَّ يرفعُ رأسَهُ من ركوعه مسمِّعاً) في "الولوالجِيَّةِ"(١): ((لو أبدَلَ النون لاماً تفسُدُ))،
وهل يقفُ بحزْمٍ أو تحريكٍ؟.
إذ لو كانت المتابعةُ واجبةً أيضاً لم يصحَّ التعليل كما قدَّمناه(٢)، فتدبر.
[٤٢٤٧] (قولُهُ: في أدعيةِ التشهُّدِ) يشملُ الصلاة على النبي ﴿، وبه صرَّحَ في "شرح
المنية"(٣).
[٤٢٤٨] (قولُهُ: مُسمِّعاً) أي: قائلاً سمع الله لمن حمده، وأفاد أنَّ لا يكبِّرُ حالةَ الرفع خلافاً
لِما في "المحيط": ((من أنّه سنّةٌ)) وإن ادَّعى "الطحاويُّ"(٤) تواترَ العمل [١/ق٣٨٩/أ] به - لِما
رُوي أنَّ النبي ◌َّ و "أبا بكرٍ" و"عمر" و"عليّاً" و"أبا هريرة" رضي الله تعالى عنهم: («كانوا
يكِّرون عند كلِّ خفضٍ ورفعٍ» (٥) - فقد أجاب في "المعراج": ((بأنَّ المراد بالتكبير الذكرُ الذي فيه
تعظيمٌ لله تعالى جمعاً بين الروايات والآثار والأخبار)) اهـ.
[٤٢٤٩] (قولُهُ: لو أبدَلَ النونَ لاماً) بأنْ قال: لِمَلْ حمده تفسُدُ، لكنْ في "منية المصلِّي)"(٦) في
بحث زلَّة القارئ: ((يُرجَى أنْ لا تفسد))، قال "الحلبيُّ" في "شرحها"(٧): ((القربِ المخرج،
والظاهرُ أنَّ حكمه حكمُ الألتغ)) اهـ.
واستحسنَهُ صاحب "القنية"(٨)، بل قال في "الحلبة"(٩): ((وقد ذكَرَ "الحَلْوانِيُّ": أنَّ
(١) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الثامن: الأذان وقراءة القرآن ق ٩/أ.
(٢) المقولة [٤٢٤٥] قوله: ((لوجوبه)).
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في الإمامة صـ ٥٢٧ ..
(٤) "شرح معاني الآثار": كتاب الصلاة - باب الخفض في الصلاة هل فيه تكبير؟ ٢٢٢/١.
(٥) تقدم تخريجه ص٢٤٢ -.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في بيان أحكام زلة القارئ صـ٤٨٧ -.
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في بيان أحكام زلة القارئ صـ٤٨٧ -.
(٨) "القنية": كتاب الصلاة - باب زلة القارئ ق ٢٨/أ.
(٩) "الحلبة": فصل في زلة القارئ ٢/ق ٢٥٨/ب.
رد المحتار على الدر المختار — pages 301-320 | ScribeTools Library