النص المفهرس
صفحات 241-260
الجزء الثالث
٢٣٧
سنن الصلاة
ثمَّ هي على ما ذكَرَهُ ثلاثةٌ وعشرون: (رفعُ اليدين للتحريمة) في "الخلاصة": ((إن
اعتادَ ترْكَهُ أَثِّمَ )) (ونشرُ الأصابعِ).
فيتعيّنُ حملُ الترك فيما مرَّ(١) عن "البحر" على التركِ على سبيل الإصرار توفيقاً بين كلامهم.
[٤٠٣٨] (قولُهُ: على ما ذكَرَهُ) وإلاَّ فهي أكثرُ كما سيأتي، وقد عَدَّ منها "الشرنبلاليُّ" في
مقدِّمَتِهِ "نورِ الإيضاح(٢) إحدى وخمسين.
[٤٠٣٩] (قولُهُ: ثلاثةٌ وعشرون) أَنَّثَ لفظَ العددِ لحذفِ المعدود، "ح"(٣).
[٤٠٤٠] (قولُهُ: للتحريمةِ) أي: قبلها، وقيل: معها كما سيذكرُه(٤) "الشارح" في الفصل الآتي.
[٤٠٤١] (قولُهُ: في "الخلاصة" إلخ) حكى في "الخلاصة"(٥) أوَّلاً خلافاً: ((قيل: يأْتُمُ، وقيل:
لا))، ثم قال: ((والمختار: إن اعتادَهُ أَثِمَ، لا إنْ كان أحياناً)) اهـ.
وجزَمَ به في "الفيض"، وكذا في "المنية"، قال "شارحها"(٦): ((يأتمُ لا لنفسِ الترك، بل
لأَنَّه استخفافٌ وعدمُ مبالاةٍ بسنَّةٍ وَاظَبَ عليها النّبِيِّ وَ ﴿ مِدَّةَ عمرِهِ، وهذا مطّردٌ في جميع
السننِ المؤكَّدة)) اهـ.
والتعليلُ المذكورُ مأخوذٌ من "الفتح"(٧)، وردّهُ في "البحر"(٨) بقوله بعدَما قدَّمناه(٩) عنه:
((فالحاصلُ: أنَّ القائل بالإِثمٍ في ترك الرفع بناهُ على أنَّه من سننِ الهدى، فهو سنّةٌ مؤكّدةٌ، والقائلَ
(١) في هذه المقولة.
(٢) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة صـ١١٧ -.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٦٠/ب.
(٤) صـ ٢٦٥ - "در".
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وسننها وواجباتها ق١٨/ب
بتصرف معزياً إلى "المناسك".
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صفة الصلاة صـ٣٠٠ -.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٤/١.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٩/١.
(٩) المقولة [٤٠٣٧] قوله: ((وقالوا إلخ)).
قسم العبادات
٢٣٨
حاشية ابن عابدين
أي: تركُها بحالِها (وأنْ لا يُطأطئَ رأسَهُ عند التكبير) فإنّه بدعةٌ (وجَهْرُ الإِمامِ
بالتكبير) بقدْرِ حاجته للإعلام بالدخول والانتقال، وكذا بالتسميع والسلام، وأمَّا
المؤتَمُّ والمنفردُ فُيُسمِعُ نفسَهُ.
بعدمه بناهُ على أنَّ من سننِ الزوائد بمنزلة المستحبِّ إلخ)).
قلت: لكنَّ كونه سنَّةً مؤكّدةً لا يستلزمُ الإِثْمَ بتركه مرَّةً واحدةً بلا عذرٍ، فيتعيّنُ تقييدُ الترك
بالاعتياد والإصرارِ توفيقاً بين كلامهم كما قدَّمناه، فإنَّ الظاهر أنَّ الحامل على الإصرارِ على الترك
الاستخفافُ بمعنى التهاون وعدم المبالاة، لا معنى الاستهانة والاحتقار، وإلاَّ(١) كان كفراً كما
مرَّ(٢) خلافاً لِما فهمَهُ في "النهر"(٣)، فتدبّرْ.
(٤٠٤٢] (قولُهُ: أي: تركُها بحالِها) قال في "الحلبة (٤): ((ظَنَّ بعضُهم أَنَّه أراد بالنشرِ تفريجَ
الأصابع، وهو غلطٌ، بل أرادَ به النشرَ عن الطيِّ، يعني: يرفعُهما منصوبتين لا مضمومتين حتى
تكونَ الأصابع مع الكفِّ مستقبلةً للقبلة، ثمَّ لا يخفى أنَّه لا تتوقّفُ السنّة على ضمِّ الأصابع أوَّلاً،
بل لو كانت منشورةً غيرَ متفرِّجةٍ كلَّ التفريجِ ولا مضمومةٍ كلَّ الضمِّ، [١/ق ٣٧١/ب] ثم
رفَعَهما كذلك مستقبلاً بهما القبلةَ فقد أتى بالسنّة)) اهـ
(٤٠٤٣] (قولُهُ: وأنْ لا يطأطِئَ رأسَهُ) أي: لا يَخْفِضَه، والمسألةُ في "البحر"(٥) عن
"المبسوط"(٦).
(٤٠٤٤] (قولُهُ: بقدْرِ حاجتِهِ للإعلام إلخ) وإنْ زادَ كُرِهَ، "ط)(٧).
(١) ((وإلا )) ساقطة من "آ".
(٢) المقولة [٤٠٣٦] قوله: ((لو عامداً غير مستخف)).
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٤٣/ب.
(٤) "الحلبة": باب صفة الصلاة ٢/ق ٨٤/أ - ب بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٢٠/١.
(٦) "المبسوط": كتاب الصلاة - كيفية الدخول في الصلاة ١٢/١.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١٣/١.
الجزء الثالث
٢٣٩
سنن الصلاة
قلت: هذا إذا لم يفحُشْ كما سيأتي(١) بيانُهُ إن شاء الله تعالى في آخر باب الإمامة عند
قوله: ((وقائمٍ بقاعدٍ))، وأشار بقوله: ((والانتقال)) إلى أنَّ المراد بالتكبير هنا ما يشملُ تكبيرَ
الإحرام وغيرَهُ، وبه صرَّحَ في "الضياء".
ثُمَّ اعلمْ أنَّ الإمام إذا كَبَّرَ للافتتاح فلا بدَّ لصحَّةٍ صلاته من قصدِهِ بالتكبير الإحرامَ، وإلاّ فلا
صلاةَ له إذا قصَدَ الإعلامَ فقط، فإِنْ جَمَعَ بين الأمرين - بأنْ قَصَدَ الإحرامَ والإعلانَ للإعلام -
فذلك هو المطلوبُ منه شرعاً.
مطلبٌ في التبليغِ خلفَ الإمام
وكذلك المبلِّغُ إِذا قصَدَ التبليغَ فقط خالياً عن قصدِ الإِحرام فلا صلاةً له ولا لِمَن يصلِّي
بتبليغه في هذه الحالة؛ لأَنَّه اقتدى من لم يدخلْ في الصلاة، فإنْ قصَدَ بتكبيرِهِ الإحرامَ مع التبليغ
للمصلِّين فذلك هو المقصودُ منه شرعاً، كذا في "فتاوى(٢) الشيخ محمَّدٍ بن محمَّد" الغزيُِّ الملقَّبِ
بشيخ الشيوخ.
ووجهُهُ: أنَّ تكبيرة الافتتاح شرطٌ أو ركنٌ، فلا بدَّ في تحقُّقِها من قصدِ الإحرام، أي:
الدخول في الصلاة، وأمَّا التسميعُ من الإمام، والتحميدُ من المبلِّغِ، وتكبيراتُ الانتقالات منهما إذا
قُصِدَ بما ذُكِرَ الإعلامُ فقط فلا فسادَ للصلاة، كذا في "القول البليغ في حكم التبليغ"(٢) للسيِّد
(قولُهُ: لِأَنَّه اقْتَدَى بمن لم يدخل في الصَّلاة) فيه أنَّه إذا اعتمَدَ على خبرِ المبلّغ الذي لم يدخل في
الصلاة يكونُ قد اعتمَدَ على خبرِ العدل في أمرٍ دينيٍّ، وهو مما يصحُّ العملُ بخبره في الدِّيانات، فما
ذكرَهُ من العلَّة المذكورة غيرُ ظاهرٍ لإثباتِ الحكم المذكور.
(١) المقولة [٤٩٣٦] قوله: ((وقائم بقاعد)).
(٢) لم نهتد إلى معرفته بعد طول بحث، والظاهر أنّه لم يكن معروفاً عند ابن عابدين رحمه الله كما يظهر في المنهوة الآتية.
: ((قوله: الغزي )) أقول: ليس هذا صاحب المتن فإنه محمد بن عبد الله الغَزّيّ التّمُرْناشيّ. اهـ منه.
(٣) "القول البليغ في حكم التبليغ": رسالة للسيد أبي العباس أحمد بن محمد مَكّي، شهاب الدين الحسينيّ الحمويّ
المصريّ(ت ١٠٩٨ هـ). ("إيضاح المكنون" ٢٤٧/٢، "هدية العارفين" ١٦٤/١، "الأعلام" ٢٣٩/١).
قسم العبادات
٢٤٠
حاشية ابن عابدين
"أحمدَ الحمويِّ"، وأقرَّهُ السَّيِّد "محمَّدٌ أبو السُّعود" في "حواشي مسكين"(١).
والفرقُ: أنَّ قصْدَ الإِعلام غيرُ مُفسِدٍ كما لو سبَّحَ ليُعلِمَ غيرَهُ أَنَّه في الصلاة، ولَمَّا كان
المطلوبُ هو التكبيرَ على قصد الذّكر والإعلامِ فإذا مُحِّضَ قصدُ الإعلام فكأنّه لم يذكُرْ، وعدمُ
الذِّكر في غير التحريمة غيرُ مفسدٍ، وقد أشبعنا الكلامَ على هذه المسألةِ في رسالتنا المسمَّة "تنبيه
ذوي الأفهام على حكم التبليغ خلف الإمام"(٢).
هذا، وسيأتي(٣) في أوَّلِ الفصل أنَّه لو نوى بتكبيرة الإحرام تكبيرةَ الركوع لغَتْ نَّتْه وصحَّ
شروعُهُ؛ لأنَّ المحلّ له.
/٣١٩
ومقتضاهُ: أَنَّ لو نوى بها الإعلامَ صحَّ أيضاً، على أنَّ الصحيح أنَّها شرطٌ [١/ق٣٧٢/ أ]
لا ركزٌ، والشرطُ يلزمُ حصولُهُ لا تحصيله، لكنْ سيأتي(٤) جوابُهُ. ثُمَّ هذا كلَّهُ إذا قَصَدَ الإعلامَ
بنفس التكبيرة، أمَّا إذا قصَدَ بها التحريمةَ، وقصد بالجهر بها الإعلامَ - بأنْ كان لولا الإعلامُ لم
يجهرْ، وأنّه يأتي بها ولو لم يجهرْ - فهو المطلوبُ كما مرَّ(٥)، والزائدُ على قدْرِ الحاجة كما هو
(قولُهُ: ومقتضاه أنَّه لو نوى بها الإعلامَ صحَّ أيضاً إلخ) فيه أنَّ صحَّة الصلاة في المسألة الآتية
لوجودٍ قصده الدخولَ فيها؛ إذ بنَّتَه تكبيرَ الرُّكوعِ يكونُ قاصداً للصلاة، والذي لغا كونُها للرُّكوع،
ولم يوجد - فيما إذا قصَدَ مجرَّدَ الإِعلام - قَصْدُ الدخول في الصلاة الذي هو شرطٌ لصحَّة الشُّروع كنفس
التكبير، فلا بدَّ من وجودهما، ولا يكفي لصحَّةِ الشُّروع وجودُ أحدهما، تأمَّل. وذكَرَ فيما يأتي أنَّه إذا
قصَدَ به الإِعلامَ لا يكون قاصداً للذّكر، فصار كلاَّما أجنبيًّاً، فلا يصحُّ شروعُهُ.
(١) "فتح المعين": كتاب الصلاة - سنن الصلاة ١٧٦/١.
(٢) الرسالة السادسة ١٤١/١ (ضمن مجموعة "رسائل ابن عابدين" رحمه الله).
(٣) صـ ٢٦١ - "در".
(٤) المقولة [٤١١٠] قوله: ((ولغت نية تكبيرة الركوع)).
(٥) في هذه المقولة.
الجزء الثالث
٢٤١
سنن الصلاة
(والثناءُ والتعوُّذُ والتسميةُ والتأمينُ) وكونُهنَّ (سرًّاً ووضعُ يمينه على يساره (١)
مكروهٌ للإمام يكرهُ للمبلِّغ، وفي "حاشية أبي السُّعود"(٢): ((واعلمْ أنَّ التبليغ عند عدم الحاجة إليه - بأنْ
بَلَغَهم صوتُ الإِمام - مكروهٌ، وفي "السيرة الحلبيَّة(٢): اتَّفَقَ الأئمّة الأربعة على أنَّ التبليغ حينئذٍ بدعةٌ
منكرةٌ، أي: مكروهةٌ، وأمَّا عند الاحتياج إليه فمستحبٌّ، وما نُقِلَ عن "الطحاويّ): إذا بلَغَ القومَ صوتُ
الإمام، فبلَّغَ المؤذِّثُ فسدتْ صلاته لعدم الاحتياجِ إِليه فلا وجهَ له؛ إذ غايْتُهُ أَنَّه رفَعَ صوتَهُ بما هو ذِكرٌ
بصيغته، وقال "الحمويُّ": وأظنُّ أنَّ هذا النقلَ مكذوبٌ على "الطحاويِّ"، فإنّه مخالفٌ للقواعد)) اهـ.
[٤٠٤٥] (قولُهُ: والتسميةُ) وقيل: إِنَّها واجبةٌ، وسيأتي(٤) تمامُ الكلام عليه وعلى بقيَّةِ السنن
المذكورةِ في الفصل الآتي.
[٤٠٤٦] (قولُهُ: والتأمينُ) أي: عقِبَ قراءة الفاتحة، قال في "المنية"(٥): ((وإذا قال
الإِمام: ﴿ وَلَ الضَّآلّينَ﴾ [الفاتحة - ٧] قال: آمين)) اهـ.
ولا يخفى أنَّ هذا هو المفهومُ لكلِّ أحدٍ، فما قيل: لو ترَكَ الفاتحةَ، وقرأ
نحوَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة - ٢٨٦] الآيةَ هل يسنُّ التعوُّذُ والتسميةُ والتأمين؟ اهـ. ففيه نظرٌ
بالنسبة إلى توقّفِهِ في التأمين، فإنَّ الوارد في التأمينِ عقِبَ القراءة خاصٌّ بقراءة الفاتحة، وأمَّا التعوُّذُ
والتسمية فغيرُ خاصَّين بها، فالظاهرُ(٦) أَنَّه يأتي بهما، تأمَّلْ.
[٤٠٤٧] (قولُهُ: وكونُهنَّ سرََّ) جعَلَ ((سرََّ)) خبرَ الكونِ المحذوف ليفيدَ أنَّ الإسرار بها
(١) في "د" زيادة قوله: ((ووضع يمينه على يساره، هذا هو المنقول عن الإِمام، وعن الثاني يقبض باليمنى رُسُغَ اليُسرى،
واختاره الهِنْدُوانِيُّ، واستحسن كثيرٌ من المشايخ أخذ الرُّسُغ بالإبهام والخنصر والباقي؛ ليكون جامعاً بين الأخذ
والوضع الْمَرْوِّيْن في السُّنّة، وهو المختار، كذا في "النهر")).
(٢) "فتح المعين": كتاب الصلاة - سنن الصلاة ١٧٥/١.
(٣) المسمّاة "إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون": ٣١٣/٢ بتصرف، وهي لأبي الفرج علي بن إبراهيم، نور الدين الحلبيّ
القاهريّ الشّافعيّ(ت ١٠٤٤هـ). ("كشف الظنون" ١٨٠/١، "خلاصة الأثر" ١٢٢/٣، "الأعلام" ٢٥١/٤).
(٤) المقولة [٤٢٠٠] قوله: ((وما صححه الزاهدي من وجوبها)).
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": شرائط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ٢٠٠-٢٠١ -.
(٦) في "م": ((والظاهر)).
قسم العبادات
٢٤٢
حاشية ابن عابدين
وكونُهُ (تحت السرَّةِ) للرِّجال؛ لقول "عليٍّ"(١) رَؤُهُ: ((مِن السنَّة وضعُهما تحتَ
السرَّة))، ولخوفِ اجتماع الدَّمِ في رؤوس الأصابع (وتكبيرُ الركوع و) كذا (الرفعُ
منه) بحيث يستوي قائما
سنّةٌ أخرى، فعلى هذا سنيَّةُ الإتيان بها تحصُلُ ولو مع الجهر بها، "ط"(٢) عن "أبي السُّعود"(٣).
[٤٠٤٨] (قولُهُ: وكونُهُ إلخ) قدَّرَ الكونَ لِما ذكرنا قبله.
[٤٠٤٩] (قولُهُ: للرِّجال) سيأتي(٤) في الفصل بيانُ محترَزِهِ و كيفَِّهِ.
[٤٠٥٠] (قولُهُ: ولخوفٍ إلخ) بيانٌ لحكمةِ عدمٍ الإرسال.
[٤٠٥١] (قولُهُ: وكذا الرفعُ منه) أشار إلى أنَّ ((الرفعُ)) مرفوعٌ بالعطف على ((تكبيرُ))، قال
في "البحر"(٥): ((ولا يجوزُ جرُّهُ؛ لأَنَّه لا يكِّرُ فيه، وإنما يأتي بالتسميع)) اهـ.
لكنْ سنذكرُ(٦) في الفصل الآتي القول بأنَّه سنّةٌ فيه أيضاً؛ لحديث [١/ق٣٧٢/ب] أنَّه عليه
الصلاة والسلام: ((كان يكبِّرُ عند كلِّ رفعٍ وخفضٍ))(٧)، وعلى تأويلِ الحديث بأنَّ المراد بالتكبير
(١) أخرجه أحمد ١١٠/١، وأبو داود (٧٥٦) كتاب الصلاة - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، والدارقطني
٢٨٦/١ كتاب الصلاة - باب في أخذ الشمال باليمين في الصلاة، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣١/٢ كتاب
الصلاة - باب: وضع اليدين على الصدر في الصلاة من السنة.
وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف، وزياد بن زيد السوائي مجهول. وفي الباب عن أبي هريرة وابن مسعود.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١٣/١.
(٣) "فتح المعين": كتاب الصلاة - سنن الصلاة ١٧٦/١.
(٤) صـ ٢٨١ - "در".
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٢٠/١ باختصار يسير.
(٦) المقولة [٤١٧٦] قوله: ((له قرار إلخ)).
(٧) أخرجه أحمد ٤١٨/١، وابن أبي شيبة ٢٧٠/١ كتاب الصلاة - باب من كان يُتمُّ التكبير ولا ينقصه في كلِّ رفع
وخفض، والترمذيّ(٢٥٣) كتاب الصلاة - باب ما جاء في التكبير عند الركوع والسجود، وقال: حديث حسن
صحيح، والنسائيّ ٢٠٥/٢-٢٣٣ كتاب التطبيق - باب التكبير للسجود، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار"
٢٢٠/١ كتاب الصلاة - باب الخفض في الصلاة هل فيه تكبير؟. كلَّهم من حديث عبد الله بن مسعودط ◌ُته) =
الجزء الثالث
٢٤٣
سنن الصلاة
(والتسبيحُ فيه ثلاثاً) وإلصاقُ كعبيه (وأخذُ ركبتيه بيديه) في الركوع (وتفريجُ أصابعِهِ)
للرَّجُلِ، ولا يُندَبُ التفريجُ إلاَّ هنا، ولا الضمُّ إِلاَّ في السجود (وتكبيرُ السجود.
ذِكرٌ فيه تعظيمٌ يقال مثلُهُ هنا، فيجوزُ الجرُّ لئلاّ يفُوتَ "المصنّفَ" ذكرُ التسميع في
السنن، لكنْ يفوتُهُ ذكرُ نفسِ الرفع، فالتأويلُ في عبارة "الكنز"(١) أظهرُ كما أوضحناه
في "حواشينا"(٢) على "البحر".
هذا، وتقدَّمَ(٣) أنَّ مختار "الكمال" وغيرِهِ روايةُ وجوبِ الرفع من الركوع والسجود
والطُّمأنينة فيهما، وأَنَّه الموافقُ للأدلَّةِ وإنْ كان المشهورُ في المذهب روايةَ السنَّةِ.
[٤٠٥٢] (قولُهُ: والتسبيحُ فيه) الأَولى ذكرُهُ بعد قوله: ((وتكبيرُ الركوع)) كما لا يخفى،
ونظيرُهُ ما يأتي في السجود، "ح"(٤).
[٤٠٥٣] (قولُهُ: ثلاثاً) فلو ترَكَهُ أو نقَصَهُ كُرِهَ تنزيهاً كما سيأتي(٥).
[٤٠٥٤] (قولُهُ: وإلصاقُ كعبيه) أي: حيث لا عذرَ.
[٤٠٥٥] (قولُهُ: للرَّجُلِ) أي: سنّةٌ للرَّجل فقط، وهذا قيدٌ للأخذِ والتفريج؛ لأنَّ المرأة تضعُ
(قولُهُ: فالتأويلُ في عبارة "الكنز" أظهرُ إلخ) لم يظهر وجهُ أظهريَّة التأويلِ في عبارة "الكنز"، تأمَّل.
ثُمَّ رَأيْتُهُ في "حاشية البحر" ذكَرَ الوجهَ بقوله: (( لئلاّ يلزمَ التكرارُ في قوله: والقومةُ والجلسةُ)).
= وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي موسى، وعمران بن حصين، ووائل بن
حُجْر، وابن عباس، وعن عليّ ◌َّه.
(١) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٧/١.
(٢) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٢٠/١.
(٣) المقولة [٣٩٧٩] قوله: ((على ما اختاره الكمال)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٦٠/ب.
(٥) المقولة [٤٢٣٣] قوله: ((كره تنزيهاً)).
قسم العبادات
٢٤٤
حاشية ابن عابدين
وكذا) نفسُ (الرفعِ منه) بحيث يستوي جالساً (و) كذا (تكبيرُهُ والتسبيحُ فيه ثلاثاً
ووضعُ یدیه ور کبتیه) في السجود، ..
يديها على رُكبتيها وضعاً، ولا تفرِّجُ أصابعَها كما في "المعراج"، فافهم. وسيأتي(١) في الفصل أنَّها
تخالفُ الرَّجُلَ في خمسةٍ وعشرين.
[٤٠٥٦] (قولُهُ: وكذا نفسُ الرفعِ منه) زاد لفظةَ ((نفسُ)) لئلاَّ يُتوهَّمَ أَنَّه على تقديرِ مضافٍ -
أي: تكبيرِ الرفع - فيتكرَّرَ مع قوله: ((وكذا تكبيرُهُ))، أو للإشارة إلى أنَّ أصل الرفعِ سنّةٌ كما في
"الزيلعيّ"(٢)، حتى إنَّه لو سجَدَ على شيءٍ، ثم نُزِعَ من تحت جبهته وسجَدَ ثانياً على الأرض جاز
وإنْ لم يرفعْ، لكنَّه خلافُ ما صحَّحَهُ في "الهداية"(٣) بقوله: ((والأصحُّ أَنَّه إذا كان إلى السجود
أقربَ لا يجوزُ؛ لأَنَّه يُعَدُّ ساجدً، وإذا كان إلى الجلوس أقربَ جاز؛ لأَنّه يُعَدُّ جالساً)) اهـ.
وإذا كان الرفعُ المذكورُ فرضاً فالمسنونُ منه أنْ يكون بحيث يستوي جالساً، فلذا قَّدَهُ
"الشارح" بذلك، لكنَّه يتكرَّرُ مع قوله الآتي(٤): ((والجلسةُ))، فالأصوبُ إسقاطُ قوله: ((بحيث
يستوي جالساً))، ويكون مرادُ "المصنّف" بالرفع أصلَهُ بدونِ استواءٍ جَرْياً على القول بسنَّته،
وبالجلسةِ الآتية الاستواءَ، فلا تكرارَ، وقد مرَّ(٥) تصحیحُ وجوبها، وسيأتي(٦) تمامُ الكلام عليه في
الفصل الآتي.
[٤٠٥٧] (قولُهُ: ووضعُ يديه ورُكبتيه) هو ما صرَّحَ به كثيرٌ من المشايخِ، واختار الفقيهُ
"أبو اللَّيث" الافتراضَ، ومشى عليه "الشرنبلاليُ)(٧)، والفتوى على عدمه كما في "التجنيس"
(١) المقولة [٤٣١٥] قوله: ((وحررنا في "الخزائن" إلخ)).
(٢) "تبيين الحقائق": باب صفة الصلاة - فصل: إذا أراد الشروع في الصلاة ١١٨/١.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٥١/١.
(٤) ص ٢٤٧ - "در".
(٥) المقولة [٣٩٧٩] قوله: ((على ما اختاره الكمال)).
(٦) المقولة [٤٣٢٧] قوله: ((بلا اعتماد إلخ)).
(٧) "مراقي الفلاح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة وأركانها - أحكام السجود ٢٣٢/١.
الجزء الثالث
٢٤٥
سنن الصلاة
فلا تلزمُ طهارةُ مكانِهما عندنا، "مجمع"
و"الخلاصة"(١)، [١/ق٣٧٣/أ] واختار في "الفتح"(٢) الوجوبَ؛ لأَنَّه مقتضَى الحديث(٣) مع
المواظبة، قال في "البحر"(٤): ((وهو - إن شاء الله تعالى - أعدلُ الأقوال لموافقتِهِ الأصولَ)) اهـ.
وقال في "الحلبة"(٥): ((وهو حسنٌ ماشٍ على القواعد المذهبيّة))، ثم ذكَرَ ما يؤيِّدُه.
[٤٠٥٨] (قولُهُ: فلا تلزمُ) لأنَّ وضعهما ليس بفرضٍ، فإذا وضَعَهما على نجسٍ كان كعدمٍ
الوضع أصلاً، فلا يضرُّ، وهذا هو المشهورُ، لكنْ قدَّمنا (٦) في شروط الصلاة عن "المنية": ((أنَّ عدم
اشتراطِ طهارةٍ مكانِهما روايةٌ شاذَّةٌ))، وأنَّ الصحيح أنَّه تفسُدُ الصلاةُ كما في "متن المواهب"
و "نور الإيضاح"(٧) و"المنية"(٨)، وفي "النهر"(٩): ((وهو المناسبُ لإطلاق عامَّةِ المتون))، وأَيَّدَهُ
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السابع: في طهارة الثوب والمكان ق٢٤/أ معزياً إلى "الأصل".
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٦٥/١.
(٣) أخرجه أحمد ٢٧٩/١ و٢٨٥ و٢٨٦ و٢٩٢ و٣٠٥، والبخاريّ(٨٠٩) و(٨١٠) كتاب الأذان - باب السجود على سبعة
أعظم، و(٨١٢) باب السجود على الأنف، و(٨١٥) باب لا يكفُّ شعراً، و(٨١٦) باب لا يكفُّ ثوبُه في الصلاة،
ومسلم (٤٩٠) كتاب الصلاة - باب أعضاء السجود والنهي عن كفِّ الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، وأبو
داود (٨٨٩) و(٨٩٠) كتاب الصلاة - باب أعضاء السجود، والترمذيّ(٢٧٣) كتاب الصلاة - باب ما جاء في السجود على
سبعة أعضاء، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائيّ ٢٠٧/٢-٢٠٨ كتاب التطبيق - باب على كم السجود ؟، و٢١٥/٢
باب النهي عن كفِّ الشعر في السجود، و٢١٦/٢ باب النهي عن كفِّ الثياب في السجود، وابن ماجه(٨٨٣) و(٨٨٤) كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها - باب السجود. كلّهم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ((أمر النبي ◌ُ ◌ّ أن يسجد
على سبعة أعضاء)). وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب، وأبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد الخدريّ ضَّها.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٣٦/١.
(٥) "الحلبة": فرائض الصلاة - السجدة ٢/ق ٧١/أ.
(٦) المقولة [٣٥٥٦] قوله: ((على الظاهر)).
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة وأركانها صـ١٠٣ -.
(٨) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ٢٠٠-٢٠١ -.
(٩) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٨/ب.
قسم العبادات
٢٤٦
حاشية ابن عابدين
إلاَّ إذا سحَدَ على كفّه كما مرَّ(١).
(وافتراشُ رجلِهِ الیسری)
٣٢٠/١
بكلام "الخانَّة"(٢)، وفي "شرح المنية"(٣): ((وهو الصحيحُ؛ لأنَّ اتّصال العضو بالنجاسة بمنزلة حملها
وإِن كان وضعُ ذلك العضوِ ليس بفرضٍ)) اهـ.
[٤٠٥٩] (قولُهُ: إلاَّ إذا سجَدَ على كَفِّهِ) أي: على ما هو مَتَّصلٌ به ككفِّهِ وفاضلٍ ثُوبِهِ ،
لا لاشتراطِ طهارةٍ ما تحت الكفِّ أو الثوب، بل لاشتراطِ طهارة محلِّ السجود، وما اتَّصَلَ به
لا يصلُحُ فاصلاً، فكأنَّه سحَدَ على النجاسة.
(٤٠٦٠] (قولُهُ: وافتراشُ رِجْله اليسرى) أي: مع نصبِ اليمنى سواءٌ كان في القعدةِ الأولى أو
الأخرى؛ لأَنَّه عليه الصلاة والسلام فعَلَهُ كذلك(٤)، وما ورَدَ(٥) من تورُّكِهِ عليه الصلاة والسلام
(١) صـ ١٠ - "در".
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ٣٠٩ -.
(٤) أخرجه مسلم (٤٩٨) كتاب الصلاة - باب ما يجمع صفة الصلاة، وابن ماجه (٨٩٣) كتاب إقامة الصلاة - باب الجلوس
بين السجدتين، والبيهقيّ في "السنن الكبرى"١٢٩/٢ كتاب الصلاة - باب كيفية الجلوس في التشهد من حديث عائشة
رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله ﴿ّ يَغْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى)). في حديث طويل.
ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخرجه مالك في "الموطأ" ٩٥/١ كتاب الصلاة - باب العمل في
الجلوس في الصلاة، والبخاريّ (٨٢٧) كتاب الأذان - باب سنة الجلوس في التشهد، وأبو داود (٩٥٨) و(٩٥٩)
كتاب الصلاة - باب كيفية الجلوس في التشهد، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٢٥٨/١ كتاب الصلاة - باب
صفة الجلوس في الصلاة، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٢٩/٢ كتاب الصلاة - باب كيفية الجلوس في التشهد.
ومن حديث وائل بن حُجْر بظلُّه أخرجه أبو داود (٩٥٧) كتاب الصلاة - باب كيفية الجلوس في التشهد، والنسائيّ
٢٣٦/٢ كتاب التطبيق - باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد، والترمذي(٢٩٢) كتاب الصلاة - باب ما جاء
كيف الجلوس في التشهد ؟ وقال: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، والطحاويّ في "شرح
معاني الآثار" ٢٥٨/١ كتاب الصلاة - باب كيفية الجلوس في التشهد.
ومن حديث أبي حميد الساعدي بظ ◌ُبه أخرجه البخاريّ (٨٢٨) كتاب الأذان - باب سنة الجلوس في التشهد،
وأبو داود (٩٦٣) كتاب الصلاة باب من ذكر التورك في الرابعة، والترمذيّ (٢٩٣) كتاب الصلاة - باب كيف
الجلوس في التشهد ؟ وقال: هذا حديث حسن صحيح، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٢٨/٢-١٢٩ كتاب
الصلاة - باب کیفیة الجلوس في التشهد.
(٥) أخرجه أحمد ٤٢٤/٥، والبخاريّ (٨٢٨) كتاب الأذان - باب سنة الجلوس في التشهد، وأبو داود (٩٦٣) و(٩٦٦) =
الجزء الثالث
٢٤٧
سنن الصلاة
في تشهُّدِ الرَّجُل (والجلسةُ) بين السجدتين، ووضعُ يده فيها على فخذيه كالتشهُّد
للتوارُثِ.
وهذا ما أغفلَهُ أهلُ المتون والشروح كما في "إمداد الفتّاحِ"(١) لـ "الشرنبلاليّ" .....
محمولٌ على حالِ كِيَرِه وضعفِهِ، وكذا يفترشُ بين السجدتين كما في "فتاوى الشيخ قاسم"،
"أبو السُّعود "(٢). ومثلُهُ في "شرح الشيخ إسماعيل(٣) عن "البِرْجَنديّ".
[٤٠٦١] (قولُهُ: في تشهُّدِ الرَّجُل) أي: هو سنّةٌ فيه بخلافِ المرأة، فإنَّها تتورَّكُ كما سيأتي(٤).
[٤٠٦٢] (قولُهُ: ووضعُ يديه فيها) أي: في الجلسة.
(قولُ "الشارح": كما في "إمداد الفتّاح" لـ "الشرنبلاليِّ") عبارته على ما نقلَهُ "السنديُّ": ((ويُسَنُّ
وضعُهما على الفخذين وقتَ الجلوس فيما بين السجدتين، فيكونُ صفةُ وضعهما كحالةِ التشهُّد، وهذا
مما أغفله أصحابُ المتون والشروح التي اطّلعتُ عليها، ودليلُ ذلك ما ذكرَهُ "السيوطيُّ" في "الينبوع"
بقوله: والثابتُ في الحديث أنَّه ((كان إذا سجَدَ ورفَعَ رأسَهُ من السجدة الأولى رفَعَ يديه من الأرض
ووضَعَهما على فخذيه))، وقال عليه السلام: ((صلُّوا كما رأيتُموني أصلّي)) اهـ. وقال "الرَّحمتيُّ":
السنَّةُ حكمٌ من الأحكام الشرعيَّة، وحيث لم تذكر في المتون ولا في الشروح كيف تُعَدُّ من السنن لعدٍ
= كتاب الصلاة - باب من ذكر التورك في الرابعة، والترمذيّ (٣٠٤) كتاب الصلاة - باب ما جاء في وصف الصلاة،
وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائيّ ٣٤/٣ كتاب السهو - باب صفة الجلوس في الركعة التي يقضي فيها
الصلاة، وابن ماجه (٨٦٢) و(٨٦٣) كتاب الصلاة - باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع،
والدارميّ ٣٣٣/١ كتاب الصلاة - باب صفة صلاة رسول الله له والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٢٥٨/١
كتاب الصلاة باب صفة الجلوس في الصلاة، وقد ضعفه، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٢٨/٢-١٢٩ كتاب
الصلاة - باب كيفية الجلوس في التشهد. كلُّهم من حديث أبي حُمَيد الساعديّ ◌ُه، من حديث طويل وفيه ((حتى
إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر)) وهذا اللفظ لأبي داود.
(١) "إمداد الفتاح": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ق ١٤٢/ب.
(٢) "فتح المعين": كتاب الصلاة - سنن الصلاة ١٧٨/١.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق٣٠٨/ب.
(٤) المقولة [٤٣٥٣] قوله: ((متوركة)).
قسم العبادات
٢٤٨
حاشية ابن عابدين
قلت: ويأتي(١) معزيًّاً لـ "المنية"، فافهم.
(والصلاةُ على النبيِّ) في القعدة الأخيرة، وفرَضَ "الشافعيُّ" قولَ: اللهمَّ صلِّ على
محمَّدٍ، ونسبُوه إلى الشُّدوذِ ومخالفةِ الإجماع.
[٤٠٦٣] (قولُهُ: فافهم) لعلَّه يشيرُ به إلى أَنَّه يؤخَذُ من كلامهم أيضاً؛ لأنَّ هذه الجلسةَ
مثلُ جلسةِ التشهُّدٍ، ولو كان فيها مخالفةٌ لها لبيّنوا ذلك كما بيَّنْوا أنَّ الجلسة الأخيرة تخالفُ
الأولى في التورُّكِ، فلمَّا أطلقوها عُلِمَ أنَّها مثلُها، ولهذا قال "القُهُستانيُ)(٢) هنا: ((ويجلسُ،
أي: الجلوسَ المعهودَ)).
[٤٠٦٤] (قولُهُ: ونسبُوه) أي: نسبَهُ قومٌ من الأعيان، منهم "الطحاويُّ"(٣) و"أبو بكرٍ
الرازي"(٤) و"ابنُ المنذر" و"الخطابيُّ" و"البغويُّ"(٥) و"ابنُ جريرِ الطبريُّ"(٦)، لكنْ نُقِلَ عن بعضِ
الشافعيَّة لها؟! بل لم يذكر "السيوطيُّ" أنَّ هذه الهيئة سنَّةٌ، وليس في الحديث ما يدلُّ على وضعهما على
الفخذين كما في التشهُّد، ولا يَتِمُّ الاستدلالُ بقوله: ((صلُّوا كما رأيتُموني))، فإنَّه يقتضي افتراضَهُ؛ لأنَّ
دليل الصلاة في القرآن مجملٌ بَّنته السنَّة، والحكمُ يستندُ للمجمل القطعيِّ، وبهذا تثبتُ أركان الصلاة،
فلو تَمَّ الاستدلالُ بهذا الحديث لكان هذا الوضعُ ركناً)) اهـ "سندي".
(قولُ "الشارح": ويأتي معزيًَّ لـ "المنية") حيث قال: ((ويضعُ يديه على فخذيه كالتشهُّد))، قال
"الرَّحمَتَيُّ" : ((صاحبُ "المنية" لم يذكر أنَّه سنَّةٌ، وحين عَدَّ السنن لم يَعُدَّها فيها، بل عقَّبَ ما ذكرَهُ من
السنن بقوله: وما سوى ما ذكرناه فأدبٌ، فظاهرُهُ أنَّ هذا الوضع أدبٌ لا سنّةٌ)) اهـ.
(قولُهُ: أنَّ الجلسة الأخيرة تخالفُ الأُولى في التورُّك) مخالفةُ الجلسة الأخيرة للأولى في التورُّك مذهبُ
(١) صـ ٣٤٩ - "در".
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - كيفية أفعال الصلاة ٩٧/١.
(٣) "شرح مشكل الآثار": باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صل له في كيفية الصلاة عليه ١٥/٦.
(٤) "أحكام القرآن" ٢٤٣/٥، لأبي بكر أحمد بن عليّ المعروف بالجصَّاص الرّازيّ(ت٣٧٠هـ). ("الجواهر المضية"
٢٢٠/١، "الفوائد البهية" صـ ٢٧).
(٥) في "شرح السنة": كتاب الصلاة - باب قراءة التشهد ١٨٥/٣، لأبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد، ظهير
الدين المعروف بالبَغَوِيّ الشّافعيّ(ت٥١٠هـ). ("وفيات الأعيان" ١٣٦/٢، "طبقات السبكي" ٧٥/٧).
(٦) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري(ت ٣١٠هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٢٦٧/١٤، "طبقات السبكي" ١٢٠/٣).
الجزء الثالث
٢٤٩
سنن الصلاة
(والدُّعاءُ) بما يستحيلُ سؤالُهُ من العباد. وبقِيَ بقيَّةُ تكبيراتِ الانتقالات حتى
تكبيرةِ القنوت على قول، والتسميعُ للإمام، والتحميدُ لغيره، وتحويلُ الوجهِ يَمنةً
ويَسرةً للسلام.
الصحابة والتابعين [١/ق٣٧٣/ب] ما يوافق "الشافعيّ"، "بحر"(١).
[٤٠٦٥] (قولُهُ: والدُّعاءُ إلخ) أي: قبل السلام، وسيأتي(٢) في آخرِ الفصل الآتي الكلامُ عليه
وعلى ما يفعلُهُ بعد السلام من قراءةٍ وتسبيحٍ وغيرهما.
[٤٠٦٦] (قولُهُ: لغيرِهِ) أي: لمؤتٍّّ ومنفردٍ، لكنْ سيأتي(٣) أنَّ المعتمد أنَّ المنفرد يجمعُ بين
التسميعِ والتحميد، وكذا الإِمامُ عندهما، وهو روايةٌ عن "الإِمام" جزَمَ بها "الشرنبلاليُّ" في
"مقدمته"(٤).
[٤٠٦٧] (قولُهُ: وتحويلُ الوجهِ يَمنةً ويَسرةً للسَّلام) ويسنُّ البداءةُ باليمين، ونَيَّةُ الإِمام الرِّجالَ
وَالحفظةَ وصالحي الجنِّ إلخ ما سيأتي(*) في الفصل، وخفضُ الثانية عن الأُولى (٦)، ومقارتُهُ لسلامٍ
الإِمام، وانتظارُ المسبوق سلامَ الإمام، كذا في "نور الإيضاح"(٧).
وقدَّمنا(٨) أَنَّه أوصَلَ السننَ إلى إحدى وخمسين، لكنْ عدَّ بعضَها في "الضياء" من
المستحبَّات.
"الشافعيِّ"، وليس مذهباً لنا.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٢١/١ باختصار.
(٢) المقولة [٤٤٢٣] قوله: ((لنفسه وأبويه وأستاذه المؤمنين)) وما بعدها.
(٣) المقولة [٤٢٥٣] قوله: ((على المعتمد)).
(٤) انظر "مراقي الفلاح": كتاب الصلاة - فصل في كيفية تركيب الصلاة صـ٢٨٢-٢٨٣ -.
(٥) صـ ٤١٤ - "در".
(٦) ((عن الأولى)) ليست في "أ" و"ب" و"م".
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة صـ١٢٣ -.
(٨) المقولة [٤٠٣٨] قوله: ((على ما ذكره)).
قسم العبادات
٢٥٠
حاشية ابن عابدين
(ولها آدابٌ) تركُهُ لا يُوجبُ إساءةً ولا عتاباً كتركِ سنَّةِ الزوائد، لكنَّ فعلَهُ أفضلُ
(نظرُهُ إلى موضعٍ سجوده حالَ قيامه، وإلى ظَهرِ قدميه حالَ ركوعه، وإلى أرنبةٍ
أنفِهِ حال سجوده،.
آدابُ الصلاة
[٤٠٦٨] (قولُهُ: ولها آدابٌ) جمعُ أدبٍ، وهو في الصلاة: ما فعَلَّهُ رسول اللّهِ وَ﴾ِ مرَّةً أو
مرّتين، ولم يواظِبْ عليه كالزيادة على الثلاثِ في تسبيحات الركوع والسجود، كذا في "غاية
البيان" و"العناية"(١) وغيرهما، وعرَّفَهُ في أوَّلِ "الحلبة"(٢) بتعاريفَ متعدِّدةٍ وقال: ((والظاهرُ مساواتُهُ
للمندوب)).
[٤٠٦٩] (قولُهُ: تركُهُ) أي: تركُ الأدب الذي تضمََّهُ لفظُ جمِعِهِ.
[٤٠٧٠] (قولُهُ: كتركِ سَنَّةِ الزوائد) هي السننُ الغيرُ المؤكَّدةِ كسَيَرِهِ عليه الصلاة والسلام
في لباسِهِ وقيامه وقعوده وترجُّله وتنعُّله، ويقابلُها سننُ الهدى التي هي من أعلامِ الدِّين
كالأذان والجماعة، ويقابلُ النوعين النفلُ، ومنه المندوبُ والمستحبُّ والأدبُ، وقدَّمنا(٢) تحقيقَ
ذلك في سنن الوضوء.
[٤٠٧١] (قولُهُ: وإلى أرنبةِ أَنفِهِ) أي: طرفِهِ، "قاموس"(٤).
(قولُهُ: هي السننُ الغيرُ المؤكَّدَةِ) لا حاجةً لهذا التقييد، فإنَّ سنن الزوائد تركُها لا يُوجِبُ ما ذكر
ولو مؤكّدةً كما تقدَّمَ فيما لو اقتصَرَ على واجبِ القراءة عن "شرح الملتقى".
(قولُهُ: وترجُّلِهِ) في "المغرب": ((رجَّلَ شعرَهُ: أرسلَهُ بالمشط، وترجَّلَ: فعَلَ بشعرِ نفسه ذلك)) اهـ.
(١) "العناية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤١/١ (هامش "الفتح").
(٢) "الحلبة": فرائض الصلاة ١/ق٢١/ب.
(٣) المقولة [٨٢٩] قوله: ((وسننه إلخ)).
(٤) "القاموس": مادة ((رنب)).
الجزء الثالث
٢٥١
آداب الصلاة
وإلى حِجْرِه حالَ قعوده، وإلى مَنكِبيه الأيمنِ والأيسرِ عند التسليمة الأولى والثانية)
لتحصيلِ الخشوع.
(٤٠٧٢] (قولُهُ: وإلى حِجْرِه) بكسر الحاءِ والجيمِ والراء المهملة: ما بين يديك من ثوبك،
"قاموس"(١). وقال أيضاً: ((الحجرُ مثلَّةُ: المنعُ وحِضْنُ الإنسان))، والمناسبُ هنا الأوَّلُ؛ لأَنّه فسَّرَ
الحضنَ(٢) بـ ((ما دون الإبط إلى الكشْحِ، أو الصدرُ والعضدان))، وفسَّرَ الكشْحَ(٣) بــ ((ما بين
الخاصرة إلى الضِّلَعِ الجنبِ))(٤)، واستظهَرَ في "العزمَيَّة" ضبطَهُ بضمٍّ ففتحٍ فزاىٍ معجمةٍ: جمعُ
حُجَزَةٍ، وهي معقِدُ الإزار، ولا يخفى بُعده.
(٤٠٧٣] (قولُهُ: لتحصيلِ الخشوع) علَّةٌ للجميع؛ لأنَّ المقصود الخشوعُ وتركُ التكليف،
[١/ق٣٧٤/أ] فإذا ترَكَهُ صار ناظراً إلى هذه المواضعِ قصَدَ أوْ لا، وفي ذلك حفظٌ له عن النظرِ إلى
ما يَشْغَله، وفي إطلاقِهِ شمولُ المشاهِدِ للكعبة؛ لأَنَّه لا يأمنُ ما يُلهِيهِ، وإذا كان في الظلام أو كان
بصيراً يحافظُ على عظمةِ الله تعالى؛ لأنَّ المدار عليها، وتمامُهُ في "الإمداد"(٥)، وإذا كان المقصودُ
الخشوعَ فإذا كان في هذه المواضعِ ما ينافيه يَعدِلُ إلى ما يحصِّلُهُ فيه.
(تنبيةٌ)
المنقولُ في ظاهرِ الرواية أنْ يكون منتهى بصرِهِ في صلاته إلى محلِّ سجوده كما في
"المضمرات"، وعليه اقتصَرَ في "الكنز"(٦) وغيره، وهذا التفصيلُ من تصرُّفاتِ المشايخ
كـ "الطحاويِّ"(٧) و"الكرخيِّ" وغيرهما كما يُعلَمُ من المطوّلات.
(١) "القاموس": مادة ((حجر)) وضبطها في "القاموس" بكسر الحاء وسكون الجيم، بالشكل لا بالكلمات، وقوله:
((بكسر الحاء والجيم والراء المهملة )) غير موجود في "القاموس". ولعله من كلام ابن عابدين فلينظر.
(٢) "القاموس": مادة ((حضن )).
(٣) "القاموس": مادة: ((كشح)) بتصرف يسير.
(٤) قوله: الضلع الجنب، هكذا بخطه والذي رأيته في عدة نسخ من "القاموس": الضلع الخلف، فليحرر. اهـ مصححه.
(٥) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في آدابها ق١٤٧/أ.
(٦) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٨/١.
(٧) "مختصر الطحاويّ": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة صـ٢٧ -.
قسم العبادات
٢٥٢
حاشية ابن عابدين
(وإمساكُ فمِهِ عند التثاؤبِ) ولو بأخذِ شفتيه بسنْهِ (فإنْ لم يَقدِرْ غطّاه بـ) ظهرِ
(يدِهِ) اليسرى(١)،
[٤٠٧٤] (قولُهُ: وإمساكُ فمِهِ عند التثاؤب) بالهمز، وأمَّا الواوُ فغلطٌ كما في "المغرب" (٢)
وغيره، وسيأتي(٣) في باب ما يفسد الصلاةً أو يكرهُ أَنَّه يكرهُ ولو خارجَها؛ لأَنّه من الشيطان،
والأنبياءُ محفوظون منه.
[٤٠٧٥] (قولُهُ: ولو بأخذٍ شفتيه بسنْهِ) في بعض النسخ: ((شفتِهِ)) بصيغة المفرد، وهي أحسنُ؟
لأنَّ المتيسِّرَ لدفعِ التثاؤب هو أخذُ الشَّفَةِ السفلى وحدَها، ثم رأيتُ التقييدَ بها في "الضياء".
[٤٠٧٦) (قولُهُ: بظهْرِ يدِهِ اليسرى) كذا في "الضياء المعنويّ"، ومثلُهُ في "الحلبة"(٤) في باب
السنن، و "الشارحُ" عزا المسألةَ إلى "المجتبى" مع أنَّ المنقول في "البحر"(٥) و"النهر"(٦) و"المنح"(٧)
عن "المجتبى": ((أَنّ يغطّي فاه بيمينه، وقيل: بيمينه في القيام، وفي غيره بيساره)) اهـ. وهكذا في
"شرح الشيخ إسماعيل(٨).
وعبارةُ "الشارح" في "الخزائن"(٩): ((أي: بظهرِ يدِهِ اليمنى إلخ))، فالمناسبُ إبدالُ
(قولُهُ: فالمناسبُ إبدال اليسرى باليمنى) الذي رأيتُهُ في عدَّةِ نسخٍ من الشرح: ((بظهرِ يده اليمنى)).
(١) في "و": ((اليمنى)).
(٢) "المغرب": مادة ((ثأب)).
(٣) المقولة [٥٤٤٤] قوله: ((والتثاؤب))، والمقولة [٥٤٤٥] قوله: ((ولو خارجها)).
(٤) "الحلبة": ٢/ق ١٩٠/أ غير مقيَّد بظهر اليسرى، وقد نصَّ على التقييد في فصل ما يكره فعله في الصلاة وما لا يكره
٢/ق ١٤٦/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٢٧/٢.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما لا يكره فيها ق ٦٤/ب.
(٧) "المنح": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق٥١/ب.
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق٣٢٩/أ.
(٩) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٨٦/أ.
الجزء الثالث
٢٥٣
آداب الصلاة
وقيل: باليمنى لو قائماً، وإلاَّ فُسراه، "مجتبى" (أوكمِّهِ) لأنَّ التغطية بلا ضرورةٍ
مكروهةٌ (وإخراجُ كفّيه من كمِّهِ عند التكبير) للرَّجُل إلاَّ لضرورةٍ كبردٍ ...
الیسری باليمنى.
[٤٠٧٧] (قولُهُ: وقيل إلخ) كأنَّه لأنَّ التغطية ينبغي أنْ تكون باليسرى كالامتخاطِ، فإذا كان
٣٢١/١ قاعداً يسهُلُ ذلك عليه، ولم يلزمْ منه حركةُ اليدين، بخلاف ما إذا كان قائماً فإنَّه يلزمُ من التغطيةِ
باليسرى حركةُ اليمين أيضاً؛ لأَنّها تحتَها. اهـ "ح" (١).
[٤٠٧٨] (قولُهُ: لأنَّ التغطية إلخ) علَّةٌ لكونه لا يغطّي بيده أو كمِّه إلاَّ عند عدمٍ إمكانِ كظمٍ
فيه، ولذا قال في "الخلاصة"(٢): ((أمَّا إذا أمكنَهُ بأخذِ شفتيه بسنُّهِ، فلم يفعلْ وغطّى فاه بيده أو
ثوبه يكرهُ، هكذا رُوِيَ عن "أبي حنيفة")) اهـ.
فائدةٌ لدفع التثاؤبِ مجرّةٌ
( فائدةٌ)
رأيتُ في شرح "تحفة الملوك " المسمَّى بـ "هديَّة الصعلوك"(٣) ما نصُّهُ: ((قال "الزاهديُّ":
الطريقُ في دفعِ [١/ق٣٧٤/ب] التثاؤب أنْ يُخطِرَ ببالِهِ أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ماتشاءبوا
قطُّ، قال "القدوريُّ": جرَّبناه مراراً فوجدناه كذلك)) اهـ
قلت: وقد جرَّبْتُهُ أيضاً فوجدتُهُ كذلك.
[٤٠٧٩] (قولُهُ: عند التكبيرِ) أي: تكبيرِ الإحرام.
(قولُ "المصنّف": وإخراجُ كفّيه من كمِّه إلخ) علَّلهُ "الزيلعيُّ": (( بأنَّه أقربُ للتواضع، وأبعدُ من
التشُّهِ بالجبابرة، وأمكنُ لنشر الأصابع )) اهـ. وما ذكرَهُ في التعليل يدلُّ على طلبِ إخراجهما في غيرِ
حالة التكبير أيضاً، تأمَّل.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٦١/أ.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وسننها وواجباتها ق١٩/ب.
(٣) "هدية الصعلوك": لأبي الليث مُحَرَّم بن محمد الزِّئْلِيّ - وقيل: الزيلعيّ - السِّيواسيّ القسطمونيّ الحنفيّ(توفي بعد
١٠١٠ هـ)، شرح "تحفة الملوك" لمحمد بن أبي بكر حسن، زين الدين الرّازيّ الحنفيّ. كان حياً سـ٦٦٦سنة هـ. ("إيضاح
المكنون" ٧٢٧/٢، "الأعلام" ٢٨٤/٥، ٥٥/٦، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٢٨٧/٢)
قسم العبادات
٢٥٤
حاشية ابن عابدين
(ودفعُ السُّعال ما استطاعَ) لأَنَّه بلا عذرٍ مُفسِدٌ، فيحتنبُهُ.
(والقيامُ) لإمامِ ومؤتَمِّ (حين قيل: حيَّ على الفلاحِ)
[٤٠٨٠] (قولُهُ: ودفعُ السُّعال ما استطاعَ) فيه أنّه لا يخلو: إمَّا أنْ يكون المرادُ السعالَ
المضطرَّ إليه فلا يمكنُ دفعُهُ، أو غيرَهُ فدفعُهُ واجبٌ؛ لأَنَّه مُفسِدٌ، وقد يقال: المرادُ به ما تدعو
إليه الطبيعةُ مما يُظَنُّ إمكانُ دفعه، فهذا يُستحَبُّ أنْ يدفعَهُ ما أمكنَ إلى أنْ يخرجَ منه بلا صنعِهِ
أو يندفعَ عنه، فليتأمَّلْ.
ثُمَّ رأيتُهُ في "الحلبة"(١) أجابَ بـ ((حمِلِهِ على غير المضطرِّ إليه إذا كان عذرٌ يدعو إليه في
الجملة، ولا سيَّما إذا كان ذا حروفٍ لِما فيه من الخروجِ عن الخلاف)) اهـ.
والمرادُ بالعذر تحسينُ الصوت أو إعلامُ أَنَّه في الصلاة، فسيأتي(٢) في مفسدات الصلاة أنَّ
التنحنُحَ لأجلِ ذلك لا يُفسِدُ في الصحيح، وعلى هذا فالمرادُ بالسُّعال التنحنُحُ، تأمَّلْ.
[٤٠٨١] (قولُهُ: حين قيل: حيَّ على الفلاحِ) كذا في "الكنز"(٣) و"نور الإيضاح"(٤)
و "الإصلاح" و"الظهيريَّة"(٥) و"البدائع"(٦) وغيرها، والذي في "الدُّرر"(٧) متناً وشرحاً: ((عند
الحيعلةِ الأولى، يعني: حين يقال: حيَّ على الصلاة)) اهـ.
وعزاه الشيخ "إسماعيلُ" في "شرحه"(٨) إلى "عيون المذاهب" (٩) و"الفيض" و"الوقاية"
(١) "الحلبة": فصل ما يكره فعله في الصلاة وما لا يكره ٢/ق١٥٧/أ.
(٢) المقولة [٥٢٢٨] قوله: ((والتنحنح)).
(٣) انظر "شرح العينيّ": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٨/١.
(٤) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل آداب الصلاة صـ ١٢٤ -.
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثالث فيما يكره في الصلاة وما يستحبُّ فيها من الآداب
والسنن ق٢٦/ب.
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢٠٠/١.
(٧) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٨٠/١.
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق٣٢٩/ب.
(٩) "عيون المذاهب": كتاب الصلاة - فصل في الأذان ق ٥/أ.
الجزء الثالث
٢٥٥
آداب الصلاة
خلافاً لـ "زفر"، فعنده عند: حيَّ على الصلاة، "ابن كمال" (إنْ كان الإِمامُ بقُرْبٍ
المحراب، وإلاَّ فيقومُ كلُّ صفٌٍ ينتهي إليه الإمامُ على الأظهرِ) وإنْ دخَلَ مِن قُدَّامٍ
قاموا حين يقعُ بصرُهم عليه، إلاَّ إذا أقامَ الإِمامُ بنفسه في مسجدٍ ..
و "النقاية"(١) و"الحاوي"(٢) و"المختار"(٣) اهـ.
قلت: واعتمَدَهُ في متن "الملتقى(٤)، وحكى الأُولى بـ ((قيل))، لكنْ نقَلَ "ابنُ الكمال"
تصحيحَ الأُوَّلِ، ونصُّ عبارته: ((قال في "الذخيرة": يقومُ الإِمامُ والقوم إذا قال المؤذِّنُ: حيَّ على
الفلاح عند علمائنا الثلاثة، وقال "الحسن بن زيادٍ" و"زفرُ": إذا قال المؤذِّنُ: قد قامت الصلاة قاموا
إلى الصفِّ، وإذا قال مرَّةً ثانيةً كَبَّروا، والصحيحُ قولُ علمائنا الثلاثة)) اهـ.
(٤٠٨٢] (قولُهُ: خلافاً لـ "زفرَ" إلخ) هذا النقلُ غيرُ صحيحٍ وغيرُ موافقٍ لعبارة "ابن كمال"
التي ذكرناها(٥)، وقد راجعتُ "الذخيرة" فرأيتُهُ حكى الخلافَ كما نقَلَهُ "ابن كمالِ" عنها، ومثلُهُ
في "البدائع"(٦) وغيره.
(٤٠٨٣] (قولُهُ: وإلَّ إلخ) أي: وإِنْ لم يكن الإِمامُ بِقُرْبِ المحراب، بأنْ كان في موضعٍ آخرَ
من المسجد، أو خارجَهُ ودخَلَ مِنْ خَلْفٍ، "ح"(٧).
[٤٠٨٤] (قولُهُ: في مسجدٍ) الأولى تعريفُهُ باللام.
(قولُهُ: هذا النقلُ غيرُ صحيحٍ وغيرُ موافقٍ إلخ) الذي في نسخةٍ قديمةٍ كُتِبتْ في سـ ١٢٩ ١سنة في غايةٍ من
الصحَّة الاقتصارُ على قوله: ((خلافاً لـ "زفر " )) بدونِ زيادةٍ، فلعلَّ قوله: ((فعنده إلخ)) من زيادة الكُتَّاب.
(١) انظر "شرح النقاية": للقاري - كتاب الصلاة - باب الإقامة ١٣٧/١.
(٢) لم نجدها في "الحاوي القدسي" ولعلها في "حاوي الزاهديّ".
(٣) انظر "الاختيار لتعليل المختار": كتاب الصلاة - باب الأذان ٤٤/١.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٧٦/١.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الصلاة ٢٠٠/١.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٦١/أ.
قسم العبادات
٢٥٦
حاشية ابن عابدين
فلا يقفُوا حتى يُتِمَّ إقامتَهُ، "ظهيرِيَّة"(١) وإنْ خارجَهُ قامَ كلُّ صفٌٍ ينتهي إليه،
"بحر".
(وشروعُ الإِمامِ) في الصلاة (مُذْ قيل: قد قامت الصلاةُ) ولو أخَّرَ حتَّى أَتَمَّها
لا بأس به إجماعاً، وهو قولُ "الثاني" و"الثلاثة"، وهو أعدلُ المذاهب كما في "شرح
المجمع" لـ "مصنّفه"، وفي "القُهُستانيِ))(٢) معزيًّاً لـ "الخلاصة"(٣): ((أَنَّه الأصحُّ)).
[٤٠٨٥] (قولُهُ: فلا يقِفُوا) الأنسبُ: فلا يقِفُون بإثباتِ النون على أنَّ ((لا)) نافيةٌ
[١/ق٣٧٥/أ] لا ناهيةٌ.
[٤٠٨٦] (قولُهُ: وإنْ خارجَهُ) محترزُ قوله: ((في مسجدٍ)).
[٤٠٨٧] (قولُهُ: "بحر") لم أره فيه بل في "النهر " (٤).
[٤٠٨٨] (قولُهُ: وشروعُ الإِمامِ) وكذا القومُ؛ لأنَّ الأفضل عند "أبي حنيفة" مقارَنتُهم له
كما سيأتي(٥).
[٤٠٨٩] (قولُهُ: لا بأسَ به إجماعاً) أي: لأنَّ الخلاف في الأفضليَّةِ، فنفيُ البأسِ - أي: الشدَّةِ -
ثابتٌ في كلا القولين وإنْ كان الفعلُ أَولى في أحدِهما(٦).
[٤٠٩٠] (قولُهُ: وهو) أي: التأخيرُ المفهومُ من قوله: ((أَخِّرَ)).
(٤٠٩١] (قولُهُ: أَنَّه الأصحُّ) لأنَّ فيه محافظةً على فضيلة متابعةِ المؤذِّن، وإعانةً له على الشُّروع مع الإمام.
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثالث - الفصل الثالث فيما يكره في الصلاة وما يستحب فيها إلخ ق ٢٦/ب.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب الأذان ٧٩/١.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في الإمامة والاقتداء ق ٣٨/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٤/أ.
(٥) المقولة [٤٤٥٢] قوله: ((وقالا: الأفضل فيهما بعده)).
(٦) في "د" زيادة: (( أمَّا على قولهما فظاهر؛ لأنَّ عدم التأخير أدب، وأمَّا على قول الثاني فلأنَّه يندب التأخير كما
يفيده قول "البحر": وقال أبو يوسف: يشرع إذا فرغ من الإقامة محافظةً على فضيلة متابعة المؤذن، وإعانةً للمؤذن
على الشروع معه. اهـ فقد استعمل قوله: ((لا بأس)) فيما تركه أولى وفيما فعله أولى؛ لأنّه يستعمل فيهما،
واستعمال المشترك في كلا معنييه في سياق النفي جائز على ما اختاره صاحب "الهداية" وغيره، وعلى هذا فقوله:
((وهو قول الثاني)) راجع إلى قوله: ((لا بأس به)) بمعنى أنّه أولى، فتدبر )).