النص المفهرس

صفحات 221-240

الجزء الثالث
٢١٧
واجبات الصلاة
ولو فَرَضنا إدراكَهُ للإمام ساجداً ولم يسجُدْهما معه فمقتضى القواعدِ أنّه يقضيهما، ..
السهو فإنّها تصيرُ ثمانيَ صورٍ. اهـ "ح"(١).
أقولُ: والذي في غالبِ النسخ: ((زِيدَ ستُّون))، وصورتُهُ: أنْ يتذكَّرَ بعد القعدة
السابعة صلبَّتِين أُخْريَينِ(٢) على التعاقب، ويسجدَ بعد كلٍّ منهما، فهذه أربعٌ، ثم يتذكِّرَ
بقيَّةَ آيات السحدة واحدةٌ بعد [١/ق ٣٦٤/ب] واحدةٍ - وهي ثلاثَ عشرةَ(٣) آيةً - ويسجدَ
بعد كلٍّ منها (٤)، فهذه ستٌّ وعشرون، فالمجموعُ ثلاثون، وإذا وقَعَ مثلُهُ للمأموم تصير
سَّين، ثم إذا ضُمَّ إليها الأربعَ عشرةَ التي قدَّمها (٥) "الشارح" والأربعُ الآتية في قوله عَقِيبه:
((ولو فرضنا)) تبلغُ ثمانيةً وسبعين، وهي المشارُ إليها في قوله الآتي(٦): ((في ثمانيةٍ وسبعين
كما مرَّ)، فالصوابُ ما في غالب النسخ.
[٣٩٩٩] (قولُهُ: ولو فرضنا إدراكَهُ إلخ) صورتُهُ: أدرَكَ الإِمامَ وهو في السَّحدةِ الأُولى من
الرَّكعة الثانية، وقعَدَ من غيرِ سجودٍ معه، "ح"(٧).
[٤٠٠٠] (قولُهُ: فمقتضى القواعدِ أَنَّ يقضيهما) مرادُهُ بالقواعد الواحدةُ بناءً على أنَّ ((أل))
الجنسيَّةَ تُبُطِلُ الجمعِيَّةَ، وتلك القاعدةُ هي: أنَّ مَنْ فَتَهُ شيءٌ من الصلاة بعد اقتدائه أعادَهُ
کاللاحق، وهذا في حکمه.
أقولُ: عمومُ هذه القاعدة على هذا الوجهِ لم أر مَنْ ذكَرَهُ، نعم وجوبُ فعلٍ هاتين
السجدتين مع الإمام مسلّمٌ لوجوبِ المتابعة وإنْ لم تحسبا له من الركعة التي يقضيها، وأمَّا(٨) لزومُ
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/ب.
(٢) في "٢" و"ب": ((أخر)).
(٣) في "آ" و"م": ((عشر))، وهو تحريف.
(٤) في "آ" و"م": ((منهما)).
(٥) صـ ٢١٤ -٢١٦ - "در".
(٦) صـ٢٣٣ - "در".
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/ب.
(٨) من ((مع الإمام)) إلى ((وأما )) ساقط من "الأصل".

:
قسم العبادات
٢١٨
حاشية ابن عابدين
فُزادُ أربعٌ أخرُ، فتدَبَّر، ولم أرَ مَن نَّهَ عليه(١)، والله أعلم.
قضائهما فإنْ أراد به أنَّه يأتي بهما في الركعة التي يقضيها فمسلَّمٌ أيضاً، وأمَّا إن أراد أنَّه يأتي
بهما زيادةً على الركعة المذكورة - كما هو المتبادِرُ من كلامه - فيحتاجُ إلى نقلٍ، والمنقولُ
وجوبُ المتابعة، وأَنَّه يقضي ركعةً تامَّةً فقط، قال في "البحر"(٢) قبيل بابِ قضاء الفوائت:
((وصرَّحَ في "الذخيرة": بأنَّ المتابعة فيهما واجبةٌ، ومقتضاه أنَّه لو ترَكَهما لا تفسُدُ صلاته،
وقد توقَّفنا في ذلك مدَّةً حتى رأيتُهُ في "التجنيس" (٣)، وعبارتُهُ: رجلٌ انتهى إلى الإمام وقد
سجَدَ سجدةً، فكَبَّرَ ونوى الاقتداءَ به، ومكَثَ قائماً حتى قام الإِمامُ ولم يتابعْهُ في السجدة،
ثم تابعَهُ في بقيَّةِ الصلاة، فلمَّا فرَغَ الإِمامُ قام وقضى ما سُبِقَ به تجوزُ الصلاة، إلاَّ أَنَّه يصلّي
تلك الركعةَ الفائتة بسجدتيها بعد فراغِ الإمام وإنْ كانت المتابعةُ حين يشرعُ واجبةً في تلك
السجدة، انتهى)). اهـ كلام "البحر".
فقد صرَّحوا بوجوبِ المتابعة، ولم يذكروا أَنَّه يصلِّي ركعةً تامَّةً، ويسجدُ فيها ثلاثَ
سجداتٍ أو أربعاً قضاءً عمَّا لم يتابعْ فيه، على أنَّ الواجب هو المتابعةُ، [١/ق٣٦٥/أ] وهي لا
يمكن قضاؤها بعد فواتها؛ لأنَّ السجود لم يجبْ عليه لذاته؛ لأنّه غيرُ محسوبٍ من صلاته، وإنما
وجَبَ عليه لئلا يخالفَ إمامَهُ، نعم صرَّحوا بوجوبِ سجدتي السهو فيما لو اقتدى بإمامٍ عليه سهوٌ
قبل أنْ يسجدَ، ولم يتابعْ إمامَهُ فيه فإنَّه يأتي بالسجدتين بعد فراغه استحساناً؛ لأنَّ في تحريمته
نقصاناً لا ينجبرُ إلَّ بسجدتين، وبقيَ النقصانُ لانعدامِ الجابر، كذا قالوا، وهذه العلَّةُ لا توجد هنا؟
إذ لا نقصانَ في تحريمته هنا؛ لأنَّ النقصان جاءه هناك من قِبَلٍ إمامه، هذا ما ظهَرَ لي، فافهم.
[٤٠٠١] (قولُهُ: فيزادُ أربعٌ أَخَرُ وهذا أيضاً مفروضٌ فيما إذا تذكَّرَ إحداهما بعد تشهُّدِ
السهو، فسجَدَها وتشهَّدَ، ثم سجَدَ للسهو وتشهَّدَ، ثم تذكَّرَ الأخرى فسجَدَها وتشهَّدَ،
(١) في "ب" و"و": ((على ذلك)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨٣/٢.
(٣) معزياً فيه إلى "فتاوى أئمة سمرقند". كذا في "البحر".

الجزء الثالث
٢١٩
واجبات الصلاة
(ولفظُ السلامِ) مرَّتين، فالثاني واجبٌ على الأصحِّ، "برهان".
ثم سحَدَ للسهو وتشهَّدَ، وأمَّا إذا تذكَّرَهما معاً فعلى التفصيلِ المتقدِّمِّ في التلاويَّة والصلبيَّة،
فصار مجموعُ القعدات على ما ذكَرَهُ أربعاً وعشرين، وعلى ما ذكرناه من الثمان في تعدُّدِ التلاويَّةِ
والصليَّة ستاً وعشرين، "ح"(١).
أقولُ: هذا على نسخةٍ: ((زِيدَ ستٌ))، أمَّا على نسخةٍ: ((زِيدَ ستُّون)) فهي ثمانيةٌ
وسبعون كما قرَّرناه(٢) على وَفْق كلامه الآتي (٣)، لكنْ قد علمتَ أنَّ زيادة الأربعِ الأخيرة
غيرُ مسلَّمةٍ لعدمٍ وجوب قضاءِ السجدتين ما لم يوجدْ نقلٌ صريحٌ، فالباقي أربعٌ وسبعون،
نعم على ما قرَّرَهُ "ح" من الثمان في تعدُّدِ التلاويَّةِ والصلبَّة يزادُ سحدتان على ما ذكره
"الشارح"، فيكون الحاصلُ ستاً وسبعين.
[٤٠٠٢] (قولُهُ: ولفظُ السَّلامِ) فيه إشارةٌ إلى أنَّ لفظاً آخرَ لا يقومُ مَقامه ولو كان بمعناه حيث
كان قادراً عليه بخلافِ التشهُّدِ في الصلاة، حيث لا يختصُّ بلفظِ العربيِّ، بل يجوزُ بأيِّ لسانٍ كان
مع قدرته على العربيِّ، ولذا لم يقلْ: ولفظُ التشهُّدِ، وقال: ((ولفظُ السَّلام))، لكنَّ هذه الإشارة
يخالِفُها صريحُ المنقول، فإنَّه سيأتي أنَّ "الزيلعيَّ) (٤) نقَلَ الإجماعَ أنَّ السلام لا يختصُّ بلفظِ العربيِّ،
كذا في بعض نسخ "البحر"(٥).
[٤٠٠٣] (قولُهُ: على الأصحِّ) وقيل: سنة، "فتح"(٦).
: ((قوله: فعلى التفصيل المتقدم)) أي: بين أن يتذكرهما قبل القعدة الأخيرة أو بعدها قبل تشهُّد سجود السهو أو بعده. اهـ منه.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٩/ب.
(٢) المقولة [٣٩٩٨] قوله: ((زيد ست أيضاً)).
(٣) صـ٢٣٣ - "در".
(٤) لم نعثر على هذه المسألة في مظانها، والذي رأيناه هو قوله: ((فلو آمن بغير العربية جاز إجماعاً لحصول المقصود،
وكذا التلبية في الحج والتسمية عند الذبح يجوز بها بالإجماع ...... )) وليس فيه ذكر ((السلام)) انظر "تبيين
الحقائق" كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١١٠/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٨/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٧٩/١.

قسم العبادات
٢٢٠
حاشية ابن عابدين
دونَ عليكم(١)، وتنقضي قدوةٌ بالأوَّلِ قبل عليكم على المشهور عندنا، وعليه
الشافعيَّة خلافاً لـ "التكملة" (و) قراءةُ (قنوتِ الوتر)
[٤٠٠٤] (قولُهُ: دونَ عليكم) فليس بواجبٍ عندنا.
[٤٠٠٥] (قولُهُ: فلو ائْتَمَّ به إلى [١/ق٣٦٥/ب] قوله: ذكَرَهُ "الرمليُّ " الشافعيُّ) وُجِدَ في
بعض النسخ، وليس في نسخةٍ "الشارح" التي رُجِعَ إليها، "قَال".
[٤٠٠٦] (قولُهُ: وتنقضي قدوةٌ بالأوَّلِ) أي: بالسَّلام الأوَّلِ، قال في "التجنيس": ((الإمامُ
إذا فرَغَ من صلاته، فلمَّا قال: السلامُ جاء رجلٌ واقتدى به قبل أنْ يقول: عليكم لا يصيرُ
داخلاً في صلاته؛ لأنَّ هذا سلامٌ، ألا ترى أنَّه لو أراد أنْ يُسلِّمَ على أحدٍ في صلاته ساهياً،
٣١٤ فقال: السلامُ، ثم عِلِمَ فسكت تفسُدُ صلاته؟)). اهـ "رحمتي".
[٤٠٠٧] (قولُهُ: خلافاً لـ "التكملة") أي: لشارحِ "التكملة"(٢)، حيث صحَّحَ أنَّ التحريمة
إنما تنقطعُ بالسلام الثاني كما وُجِدَ قبله في بعض النسخ.
[٤٠٠٨] (قولُهُ: وقراءةُ قنوتِ الوتر) أقحَمَ لفظ ((قراءةُ)) إشارةً إلى أنَّ المراد بالقنوت
الدعاءُ لا طولُ القيام كما قيل، وحكاهما في "المجتبى"، وسيجيءُ في محلّهِ، "ابن عبد الرزَّاق".
ثُمَّ وجوبُ القنوت مبنيٌّ على قول "الإِمام"، وأمَّا عندهما فسنَّةٌ، فالخلافُ فيه كالخلاف في
الوتر كما سيأتي(٣) في بابه.
(١) في "د" زيادة: ((فلو ائتمَّ به بعده قبل قوله: عليكم لم يجز، وهل تنقطع التحريمة بالأول أم بالثاني؟ جزم في
"الجوهرة" و"البرهان" وغيرهما بالأول، وصحَّح شارح "التكملة" الثاني، وعليه فيصح الاقتداء قبله. والمعتمد عند
الشافعية: أنّه لو اقتدى به بعد شروعه في السَّلام وقبل عليكم لم تصح القدوة، ذكره الرملي الشافعي في باب
سجود السّهو)). قال ابن عابدين معلّقاً على هذه المقولة في "د": ((قوله: فلو ائتم به .... إلى قوله: وتنقضي قدوة
هذه الجملة ساقطة من بعض النسخ، وهو الأولى)).
(٢) "التكملة وشرحها": لأبي الحسن عليّ بن أحمد بن مكّي، حسام الدّين الَكِّيّ الرّازي(ت ٥٩٨هـ)، وهي جمع ما شَذِّ
من نَظْم "مختصر القدوري" من المسائل المنثورة في المختصرات، كـ"الجامع الصغير" و"مختصر الطّحاويّ" و"الإرشاد"
و"موجز الفرغاني". ("كشف الظنون" ١٦٣٣/٢، "الجواهر المضية ٥٤٣/٢، "هدية العارفين" ٧٠٣/١).
(٣) المقولة [٥٦٢١] قوله: ((وقنت فيه)).

الجزء الثالث
٢٢١
واجبات الصلاة
وهو مطلقُ الدُّعاء، وكذا تكبيرُ قنوته، وتكبيرةُ ركوع الثالثة، "زيلعي".
(وتكبيراتُ العيدين) وكذا أحدُها، وتكبيرُ ركوعٍ ركعته الثانية.
[٤٠٠٩] (قولُهُ: وهو مطلقُ الدُّعاءِ) أي: القنوتُ الواجبُ يحصل بأيِّ دعاءٍ كان، قال في
"النهر"(١): ((وأمَّ خصوصُ: اللهمّ إنَّا نستعينُكَ فسنّةٌ فقط، حتى لو أتى بغيره جاز إجماعاً)).
٤٠١٠٦] (قولُهُ: وكذا تكبيرُ قنوتِهِ) أي: الوترِ، قال في "البحر"(٢) في باب سجود السهو:
((ومما أُلحِقَ به - أي: بالقنوت - تكبيرُهُ، وجزَمَ "الزيلعيُّ(٣) بوجوب السجود بتركه، وذكَرَ في
"الظهيريَّة"(٤): أَنَّه لو تركه لا روايةَ فيه، وقيل: يجبُ السجود اعتباراً بتكبيرات العيد، وقيل: لا اهـ.
وينبغي ترجيحُ عدمِ الوجوب؛ لأَنّه الأصلُ ولا دليلَ عليه بخلافٍ تكبيرات العيد)) اهـ.
[٤٠١١] (قولُهُ: وتكبيرةُ ركوعِ الثالثةِ، "زيلعي") كذا عزاه إلى "الزيلعيِّ" في "النهر "(٥)، وتَبِعَهُ
"الشارح"، قال السيِّد "أبو السُّعود" في "حواشي مسكين(٦) في باب سجود السهو: ((قال شيخنا: هذا
سهوٌ لعدمٍ وجوده في "الزيلعيّ" لا في الصلاةِ ولا في السهو(٧)، ولعلَّه سبَقَ نظرُهُ إلى ما ذكَرَهُ "الزيلعيُّ"
بقوله: ولو ترَكَ التكبيرةَ التي بعد القراءة قبل القنوت سجَدَ للسهو، فتوهَّمَ أنَّ هذه تكبيرةُ الثالثةِ من
الوتر، وليس كذلك، وإنما هي تكبيرةُ القنوت)) اهـ. وكذا نَبَّهَ "الرحمتيُّ" على أنّه لم يجده فيه.
[٤٠١٢] (قولُهُ: وتكبيراتُ العيدين) هي ستُّ تكبيراتٍ، في كلِّ ركعةٍ ثلاثةٌ. [١/ق ٣٦٦/أ]
[٤٠١٣] (قولُهُ: وكذا أحدُها) أفاد أنَّ كلَّ تكبيرةٍ واجبٌ مستقلٌّ، "ط)(٨).
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٣/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠٣/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٩٤/١.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الرابع - الفصل الثاني في الوتر والسهو ق ٣٢/أ.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٣/ب.
(٦) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٢٨٢/١.
(٧) ونحن كذلك لم نعثر على النقل في الموضعين المذكورين.
(٨) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١٠/١.

قسم العبادات
٢٢٢
حاشية ابن عابدين
كلفظ التكبير في افتتاحه، لكنَّ الأشبهَ وجوبُهُ في كلِّ صلاةٍ، "بحر"(١)، فليحفظ
(والجهرُ) للإمام (والإسرارُ) للكلِّ (فيما يُجهَرُ) فيه (ويُسَرُّ).
وبقِيَ من الواجبات إتيانُ كلِّ واجبٍ أو فرضٍ في محلّه».
[٤٠١٤] (قولُهُ: كلفظِ التكبيرِ في افتاحِهِ) أي: افتتاحِ العيد دون بقيَّةِ الصلوات كما في
"المستصفى" و"نور الإيضاح"(٢).
(٤٠١٥] (قولُهُ: لكنَّ الأَشبَهَ وجوبُهُ) أي: وجوبُ لفظِ التكبير في كلِّ صلاةٍ، حتى يكرهُ
تحريماً الشروعُ بغيرِ اللَّهُ أكبرُ، كذا في "شرحه" على "الملتقى"(٣).
(٤٠١٦] (قولُهُ: والجهرُ للإِمامِ) اللامُ بمعنى على مثلَ: ﴿ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ [الإسراء-٧]،
واحترَزَ به عن المنفرد، فإنّه يُخيّرُ بين الجهرِ والإسرار.
وقوله: ((والإسرارُ للكلِّ)) أي: الإِمامِ والمنفرد، وقوله: ((فيما يُجهَرُ ويُسَرُّ) لفٌّ ونشرٌ،
يعني: أنَّ الجهر يجبُ على الإمام فيما يُجهَرُ فيه، وهو صلاةُ الصبح، والأُوليان من المغرب والعشاء،
وصلاةُ العيدين، والجمعةِ، والتراويحِ، والوترِ في رمضان، والإسرارُ يجبُ على الإمام والمنفرد فيما
يُسَرُّ فيه، وهو صلاةُ الظهر، والعصر، والثالثةُ من المغرب، والأُخريان من العشاء، وصلاةٌ
الكسوف، والاستسقاءِ كما في "البحر"(٤)، لكنَّ وجوب الإسرار على الإمامِ بالاتّفاق،
(قولُهُ: اللامُ بمعنى على) يصحُّ إبقاءُ اللام على حالها بدون جعلها بمعنى على متعلّقةً بمحذوفٍ صفةٍ
للجهر، وكونُهُ واجباً مأخوذٌ من تعداد الواجبات.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - فصل: إذا أراد الشروع في الصلاة ٣٢٣/١.
(٢) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - فصل في واجبات الصلاة صـ١١٦ -.
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - تكملة الواجبات ٨٩/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٩/١، وقوله: ((والجمعة)) قبل سطرين، لم نعثر عليه في نسخة
"البحر" التي بين أيدينا.

الجزء الثالث
٢٢٣
واجبات الصلاة
فلو أَتَمَّ القراءةَ فمكَثَ متفكّراً سهواً، ثمَّ ركَعَ أو تذكَّرَ السورةَ راكعاً، فضمَّها قائماً
أعادَ الركوعَ وسجَدَ للسهو،.
وأمَّا على المنفرد فقال في "البحر"(١): ((إِنَّه الأصحُّ))، وذكَرَ (٢) في الفصل الآتي: ((أَنَّه الظَّاهرُ من
المذهب))، وفيه كلامٌ ستعرفُهُ هناك(٣).
[٤٠١٧] (قولُهُ: فلو أُتّمَّ القراءةُ) في بعضِ النسخ: ((فلو أَتَمَّ الفاتحةَ))، وهذا مثالٌ لتأخيرِ
الفرض - وهو الركوعُ هنا - عن محلّهِ.
[٤٠١٨] (قولُهُ: أو تذكَّرَ السورةَ إلخ) مثالٌ لتأخيرِ الواجب - وهو السُّورةُ - عن محلِّهِ لفصلِهِ
بين الفاتحة والسورة بأجنبيٍّ، وهو الركوعُ المفروضُ لوقوعه في أثناءِ القراءة؛ لأَنَّه لَمَّا قرأ السورةَ
التحقتْ بالفرض، وبعد وجودِ القراءة يصيرُ الترتيبُ بينها وبين الركوع فرضاً بخلافه قبلَ وجودها،
فإنَّه يكون واجباً كما قدَّمنا(٤) تحقيقَهُ في بحث القيام، وسيأتي(٥) له زيادةُ تحقيقٍ آخرَ في فصلٍ
القراءة والفرق بين القراءة وبين القنوت، حيث لا يعودُ له. وقَّدَ بتذكُّرِ السورة لأَنَّه لو قرأها، ثم
عادَ فقرأ سورةً أخرى لا يَنتقِضُ ركوعُهُ كما في سهوِ "الحلبة"(٦) عن "الزاهديّ" وغيره.
[٤٠١٩] (قولُهُ: أعادَ الرُّكوعَ) مختصٌّ بالمسألة الثانية، وقوله: ((وسجَدَ للسهو)) راجعٌ
للمسألتين، وفي التركيب حزازةٌ، ولو قال: فضَمَّها قائماً وأعادَ الركوع سجَدَ للسهو لَسلِمَ من
هذا، "ح"(٧).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٩/١.
(٢) أي: في "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الشروع بالصلاة ٣٥٥/١.
(٣) المقولة [٤٥٢١] قوله: ((على المذهب)).
(٤) المقولة [٣٨٧١] قوله: ((بقدر القراءة فيه)).
(٥) المقولة [٤٥٤٠] قوله: ((وأعاد الركوع)).
(٦) "الحلبة": فصل في سجود السهو ٢/ق ٢٣٥/أ بتصرف.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٦٠/أ.

قسم العبادات
٢٢٤
حاشية ابن عابدين
وتركُ تكريرِ ركوعٍ وتثليثٍ سجودٍ، وتركُ قعودٍ قبل ثانيةٍ أو رابعةٍ، وكلِّ زيادةٍ
تتخلَّلُ بين الفرضين،
[٤٠٢٠] (قولُهُ: وتركُ تكريرِ ركوعٍ إلخ) بالرفعِ عطفاً على ((إتيانُ))؛ [١/ق ٣٦٦/ب] لأنَّ
في زيادةِ ركوعٍ أو سجودٍ تغييرَ المشروع؛ لأنَّ الواجب في كلِّ ركعةٍ ركوعٌ واحدٌ وسجدتان
فقط، فإذا زاد على ذلك فقد ترَكَ الواجبَ، ويلزمُ منه تركُ واجبٍ آخرَ، وهو ما مرَّ(١)، أعني
إتيانَ الغرض في محلِّهِ؛ لأنَّ تكرير الركوع فيه تأخيرُ السجود عن محلِّهِ، وتثليثُ السجود فيه تأخيرُ
القيام أو القعدة، وكذا القعدةُ في آخرِ الركعة الأولى أو الثالثة، فيجبُ تركُها، ويلزمُ من فعلها
أيضاً تأخيرُ القيام إلى الثانية أو الرابعة عن محلِّ، وهذا إذا كانت القعدةُ طويلةً، أمَّا الجلسةُ الخفيفة
التي استحبَّها "الشافعيُّ" فتركُها غيرُ واجبٍ عندنا، بل هو الأفضلُ كما سيأتي(٢)، وهكذا كلُّ
زيادةٍ بين فرضين يكونُ فيها تركُ واجبٍ بسببِ تلك الزيادةِ، ويلزمُ منها تركُ واجبٍ آخرَ، وهو
تأخيرُ الفرض الثاني عن محلِّهِ.
والحاصلُ: أنَّ تركَ هذه المذكوراتِ في كلام "الشارح" واجبٌ لغيره، وهو إتيانُ كلِّ
واجبٍ أو فرضٍ في محلِّهِ الذي ذكَرَهُ أوَّلاً، فإنَّ ذلك الواجبَ لا يتحقَّقُ إلاَّ بتركِ هذه
المذكوراتِ، فكان تركُها واجباً لغيره؛ لأَنَّه يلزمُ من الإخلال بهذا الواجبِ الإِخلالُ بذاك
الواجبِ، فهو نظيرُ عدِّهم من الفرائض الانتقالَ من ركنٍ إلى ركنٍ، فإنّه فرضٌ لغيره كما
/٣١٥ قدَّمنا(٣) بيانَهُ، فلا تكرارَ في كلامه، فافهم.
[٤٠٢١] (قولُهُ: وكلِّ زيادةٍ إلخ) بجرِّ ((كلِّ)) عطفاً على ((تكريرٍ)) من عطفِ العامِّ على
الخاصِّ، ويدخلُ في الزيادة السكوتُ، حتى لو شكَّ فتفكّرَ سحَدَ للسهو كما مرَّ(٤).
(١) صـ٢٢٢ - "در".
(٢) المقولة [٤٣٢٧] قوله: ((بلا اعتماد إلخ)).
(٣) المقولة [٣٩٠٩] قوله: ((وإتمام الصلاة والانتقال إلخ)).
(٤) صـ ٢٢٣ - "در".

الجزء الثالث
٢٢٥
واجبات الصلاة
وقولُهُ: ((بين الفرضين)) غيرُ قيدٍ، فتدخلُ الزيادةُ بين فرضٍ وواجبٍ كالزيادةِ بين التشهُّدِ
الأوَّلِ والقيامِ إلى الركعة الثالثة كما مرَّ(١).
والظاهرُ: أنَّ منه قراءةَ التشهُّدِ بعد السجدة الثانية بلا تأخيرٍ، حتى لو رفَعَ من السجدة
وقعَدَ ساكنً يلزمُهُ السهو، ومنه يُعلَمُ ما يفعلُهُ كثيرٌ من الناس حين يمدُّ المبلِّغُ تكبيرَ القعدة، فلا
يشرعون بقراءةِ التشهُّدِ إلاّ بعد سكوته، فليتنبّهْ، قال "ط)"(٢): ((استُفيد منه أنَّه لو أطال قيامَ
الركوع أو الرفعَ بين السجدتين أكثرَ من تسبيحةٍ بقدرٍ تسبيحةٍ ساهياً يلزمُهُ سجودُ السهو،
فليتنَبَّهْ له)) اهـ. ولم يعزُهُ إلى أحدٍ.
نعم ذكَرَ نحوَهُ "ابنُ عبد الرزَّاق" في "شرحه" على هذا [١/ق٣٦٧/أ] الشرح فقال:
((كإطالةٍ وقوفه بعد الرفع من الركوع)) اهـ. ولم يعزُهُ أيضاً، ولم أر ذلك لغيرهما، ويحتاجُ إلى
نقلٍ صريحٍ، نعم رأيتُ في سجود السهو من "الحلبة"(٣) عن "الذخيرة" و"النتمَّة" نقلاً عن "غريب
الرواية": ((أَنَّه ذكَرَ "البلخيُّ (٤) في "نوادره" عن "أبي حنيفة": مَنْ شكَّ في صلاته، فأطال تفكّرَه
في قيامه أو ركوعه أو قَوْمته أو سجوده أو قعدته لا سهوَ عليه، وإنْ في جلوسه بين السَّجدتين
(قولُهُ: ويحتاجُ إلى نقلٍ صريحٍ) ما ذكرَهُ "ط" ظاهرٌ مما ذكرَهُ "الشارح" بجعلٍ قوله: ((بين فرضين))
غيرَ قيدٍ كما فعَلَ المحشِّي، ولا حاجة لنقلٍ في المسألة بخصوصها.
(١) صـ ٢٢٤ - "در".
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١١/١.
(٣) "الحلبة": ٢/ق ٢٤٣/أ بتصرف يسير.
(٤) كذا في النسخ، ولعله تحريف صوابه التّلجي؛ إذ كتاب "النوادر" له، قال في "الجواهر المضية": ((وصحّفه بعضهم
بالباء والخاء، وهو غلط، التَّلجيّ بالثاء والجيم ))، وهو أبو عبد الله محمد بن شجاع النِّلْجيّ، ويقال: ابن التّلْجيّ
(ت ٢٦٦هـ) نسبة إلى ثلج بن عمرو بن مالك. ("كشف الظنون" ١٩٨١/٢، "الجواهر المضية" ١٧٣/٣، ١٦٧/٤،
"توضيح المشتبه" ٥٨٨/١، "الفوائد البهية" صـ ١٧١-).

قسم العبادات
٢٢٦
حاشية ابن عابدين
وإنصاتُ المقتدي، ومتابعةُ الإِمام،.
فعليه السهوُ؛ لأنَّ له أنْ يطيل اللُّبثَ في جميع ما وصفنا إلاَّ فيما بين السجدتين وفي القعودِ في
وسط الصلاة)) اهـ.
وقولُهُ: ((لا سهوَ عليه)) مخالفٌ للمشهور في كتب المذهب، ولكنَّ هذه روايةٌ غريبةٌ نادرةٌ،
فليتأمَّلْ.
ورأيتُ في "البحر"(١) في باب الوتر عند قول "الكنز": ((ويتبعُ المؤتَّمُّ قانتَ الوتر لا الفجر)):
((أَنَّ طول القيام في الرفع من الركوع ليس بمشروعٍ)).
[٤٠٢٢] (قولُهُ: وإنصاتُ المقتدي) فلو قرأ خلْفَ إمامه كُرِهَ تحريماً، ولا تفسُدُ في الأصحِّ كما
سيأتي(٢) قبيل باب الإمامة، ولا يلزمُهُ سجودُ سهوٍ لو قرأ سهواً؛ لأَنَّ لا سهوَ على المقتدي، وهل
يلزمُ المتعمِّدَ الإِعادةُ؟ جزَمَ "ح"(٣) - وتبعه "ط "(٤) - بوجوبها، وانظرْ ما قدَّمناه(٥) أوَّلَ الواجبات.
مطلبٌ مهمٌّ في تحقيقٍ متابعة الإمام
(٤٠٢٣] (قولُهُ: ومتابعةُ الإِمام) قال في "شرح المنية"(٦): ((لا خلافَ في لزوم المتابعة في
الأركان الفعلِيَّةِ؛ إذ هي موضوعُ الاقتداء، واختُلِفَ في المتابعة في الركن القوليِّ - وهو القراءةُ -
فعندنا لا يتابعُ فيها، بل يَستمِعُ ويُنصِتُ، وفيما عدا القراءةً من الأذكار يتابعُهُ. والحاصلُ: أنَّ متابعة
الإمام في الفرائض والواجبات من غيرِ تأخيرٍ واجبةٌ، فإِنْ عارَضَها واجبٌ لا ينبغي أنْ يفوِّته، بل
يأتي به ثم يتابعُ، كما لو قام الإمام قبل أنْ يُتِمَّ المقتدي التشهُّدَ فإِنَّه يتمُّهُ ثم يقوم؛ لأنَّ الإتيان
به لا يفوِّتُ المتابعةَ بالكليّة، وإنما يؤخّرها، والمتابعةُ مع قطعِهِ تفوِّتُه بالكليّة، فكان تأخيرُ أحدٍ
(١) "البحر": كتاب الصلاة ٤٨/٢ بتصرف يسير.
(٢) صـ٤٧٥- "در".
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٦٠/ب.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١١/١.
(٥) المقولة [٣٩٤٠] قوله: ((وكذا كل صلاة إلخ)).
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل الإمامة صـ ٥٢٥ - وما بعدها.

الجزء الثالث
٢٢٧
واجبات الصلاة
الواجبين مع الإتيان بهما أَولى من ترك أحدهما بالكليّة، بخلاف ما إذا عارَضَها سنة - كما لو رفع
الإِمامُ قبل تسبيحِ المقتدي ثلاثاً - فالأصحُّ [١/ق٣٦٧/ب] أنَّه يتابعُهُ؛ لأنَّ ترك السنَّة أَولى من
تأخير الواجب)). اهـ ملخَّصاً.
ثَّ ذكَرَ ما حاصلُهُ: ((أَنّ تجبُ متابعته للإمام في الواجبات فعلاً، وكذا تركاً إنْ لزِمَ من فعله
مخالفةُ الإِمام في الفعل كتركه القنوتَ، أو تكبيراتِ العيد، أو القعدةَ الأولى، أو سجودَ السهو، أو
التلاوةِ، فيتركُهُ المؤتَمُّ أيضاً، وأَنَّه ليس له أنْ يتابعَهُ في البدعة والمنسوخ وما لا تعلُّقَ له بالصلاة، فلا
يتابعُهُ لو زاد سجدةً، أو زاد على أقوال الصحابة في تكبيرات العيدين(١)، أو على أربعٍ في تكبيرِ
الجنازة، أو قام إلى الخامسة ساهياً، وأَنَّه لا تحبُ المتابعةُ في السنن فعلاً وكذا تركاً، فلا يتابعُهُ في
ترك رفع اليدين في التحريمة، والثناء، وتكبيرٍ الركوع والسجود، والتسبيحِ فيهما، والتسميع، وكذا
لا يتابعُهُ في تركِ الواجب القوليِّ الذي لا يلزمُ من فعله المخالفةُ في واجبٍ فعليٌّ كالتشهُّدِ والسلامِ
وتكبير التشريق بخلاف القنوتِ وتكبيرات العيدين؛ إذ يلزمُ من فعلهما المخالفةُ في الفعل، وهو
القيامُ مع ركوعِ الإمام)) اهـ.
فَعُلِمَ من هذا أنَّ المتابعة ليست فرضاً، بل تكون واجبةً في الفرائض والواجباتِ الفعلَّةِ،
وتكون سنّةً في السنن، وكذا في غيرها عند معارضةِ سنَّةٍ، وتكون خلافَ الأَولى إذا عارَضَها
واجبٌ آخرُ، أو كانتْ في تركٍ لا يلزمُ من فعله مخالفةُ الإمام في واجبٍ فعليٌّ كرفع اليدين للتحريمة
ونظائرِهِ، وتكون غيرَ جائزةٍ إذا كانت في فعلٍ بدعةٍ أو منسوخٍ أو ما لا تعلَّقَ له بالصلاة، أو في
تركِ ما يلزمُ من فعله مخالفةُ الإِمام في واجبٍ فعلىٍّ، ويُشكِلُ على هذا ما في "شرح
(قولُهُ: وكذا لا يتابعُهُ في ترك الواجب إلخ) أي: بأنْ ترَكَهُ الإِمامُ بالكلِيَّة.
(قولُهُ: أو في تركِ ما يلزمُ من فعله) يظهرُ زيادةُ لا قبل (( يلزمُ))، تأمَّل.
(١) من ((بالصلاة )) إلى ((العيدين )) ساقط من"آ".

قسم العبادات
٢٢٨
حاشية ابن عابدين
القُهُستانيّ" على "المقدّمة الكيدانيّة" من قوله: ((إِنَّ المتابعة فرضٌ كما في "الكافي"(١) وغيره، وإنّها
شرطٌ في الأفعالِ دون الأذكار كما في "المنية")) اهـ.
وكذا ما في "الفتح"(٢) و"البحر"(٣) وغيرهما من باب سجود السهو: ((من أنَّ المؤتَمَّ لو قام
ساهياً في القاعدة الأولى يعودُ ويقعد؛ لأنَّ القعود فرضٌ عليه بحكمٍ المتابعة))، حتى قال في
"البحر"(٤): ((ظاهرُهُ أَنَّه لو لم يُعِدْ تبطُلُ صلاته لتركِ الفرض))، وقال في "النهر"(٥): ((والذي
ينبغي أنْ يقال: إنَّها واجبةٌ في الواجبِ، فرضٌ في الفرض)) اهـ.
أقولُ: [١/ق٣٦٨/أ] الذي يظهرُ أَنَّهم أرادوا بالفرضِ الواجبَ، وكونُ المتابعة فرضاً في
الفرض لا يصحُّ على إطلاقه؛ لِما صرَّحوا به من أنَّ المسبوق لو قام قبل قعودٍ إمامه قدْرَ التشهُّدِ في
٣١٦/١ آخرِ الصلاة تصحُّ صلاته إنْ قرأ ما تجوزُ به الصلاةُ بعد قعودِ الإمام قدْرَ التشهُّدِ، وإلاَّ لا مع أنّه لم
يتابِعْ في القعدة الأخيرة، فلو كانت المتابعةُ فرضاً في الفرض مطلقاً لبطلَتْ صلاته مطلقاً، نعم تكونُ
المتابعة فرضاً بمعنى أنْ يأتيَ بالفرض مع إمامِهِ أو بعده، كما لو ركَعَ إِمامُهُ فركع معه مقارِناً أو
معاقِباً وشاركه فيه أو بعدَما رفَعَ منه، فلو لم يركعْ أصلاً، أو ركع ورفَعَ قبل أنْ يركعَ إِمامُهُ ولم
یُعده معه أو بعده بطلت صلاته.
والحاصلُ: أنَّ المتابعة في ذاتها ثلاثةُ أنواعٍ:
مقارِنةٌ لفعلِ الإِمام مثلَ أنْ يقارِنَ إحرامُهُ لإِحرامِ إمامه، وركوعُهُ لركوعِهِ، وسلامُهُ لسلامِهِ،
ويدخلُ فيها ما لو ركع قبل إمامه ودام حتّى أدرَكَهُ إِمامُهُ فيه.
(١) "كافي النّسَفيّ": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق٣٢/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٤٢/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة ١١٠/٢ نقلاً عن "السّراج الوهّاج".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ١١٠/٢.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق٧٧/أ.

الجزء الثالث
٢٢٩
واجبات الصلاة
يعني: في المجتهَدِ فيه،.
..
ومعاقِبَةٌ لابتداءِ فعلٍ إمامه مع المشاركةِ في باقيه.
ومتراخيةٌ عنه، فمطلقُ المتابعة الشاملُ لهذه الأنواعِ الثلاثةِ يكون فرضاً في الفرض، وواجباً في
الواجب، وسنّةً في السنّة عند عدمِ المعارِضِ أو عدمٍ لزومِ المخالفة كما قدَّمناه (١)، ولا يُشكِلُ مسألةٌ
المسبوق المذكورةُ؛ لأنَّ القعدة وإنْ كانت فرضاً لكنَّه يأتي بها في آخرِ صلاته التي يقضيها بعد
سلامٍ إِمامه، فقد وُجِدَت المتابعةُ المتراخية، فلذا صحَّتْ صلاته، والمتابعةُ المقيّدةُ بعدمِ التأخير
والتراخي الشاملةُ للمقارنة والمعاقبة لا تكون فرضاً، بل تكون واجبةً في الواجب، وسنّةً في السنّة
عند عدمِ المعارِضِ وعدمٍ لزوم المخالفة أيضاً، والمتابعةُ المقارنةُ بلا تعقيبٍ ولا تراخٍ سنة عنده لا
عندهما، وهذا معنى ما في "المقدّمة الكيدانيّة"(٢)، حيث ذكَرَ المتابعةَ من واجبات الصلاة، ثم
ذكَرَها في السنن، ومرادُهُ بالثانية المقارنةُ كما ذكَرَهُ "القُهُستانيُّ" في "شرحها".
إذا علمتَ ذلك ظهَرَ لك أنَّ مَنْ قال: [١/ق٣٦٨/ب] إنَّ المتابعة فرضٌ أو شرطٌ كما في
"الكافي"(٣) وغيره أرادَ به مطلقَها بالمعنى الذي ذكرناه(٤)، ومَنْ قال: إنَّها واجبةٌ كما في "شرح
المنية "(٥) وغيره أرادَ به المقيَّةَ بعدم التأخير، ومَنْ قال: إنّها سنَّةٌ أرادَ به المقارنةَ، الحمدُلله على
توفيقه، وأسألُهُ هدايةً طريقه.
مطلبٌ: المرادُ بالمجتهَدِ فیه
[٤٠٢٤] (قولُهُ: يعني: في المجتهَدِ فيه) المرادُ بالمجتهَدِ فيه ما كان مبنيًّاً على دليلٍ معتبرٍ شرعاً،
بحيث يَسُوغُ للمجتهدِ بسببه مخالفةُ غيره، حتى لو كان مما يدخلُ تحت الحكمٍ وحكَمَ به حاكمٌ
(١) في هذه المقولة.
(٢) هي رسالة "مقدمة الصلاة" المسماة "عمدة المصلّي" المنسوبة للطف الله النّسَفيّ المعروف بالفاضل الكَيْدانيّ. وانظر
تعليقنا المتقدّم ٣٦/١.
(٣) "كافي النّسَفيّ": كتاب الصلاة - باب الإمامة ١/ق٣٢/ب.
(٤) في هذه المقولة.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل الإمامة صـ ٥٢٧ _.

قسم العبادات
٢٣٠
حاشية ابن عابدين
يراه نفَذَ حكمُهُ، وإذا رُفِعَ حكمُهُ إلى حاكمٍ آخرَ لا يراه وجَبَ عليه إمضاؤه، بخلاف ما إذا كان
قولاً مخالفاً للكتاب كحلِّ متروكِ التسميةِ عمداً، أو السنَّةِ المشهورةِ كالاكتفاء بشاهدٍ ويمينٍ ونحوِ
ذلك مما سيجيءُ في كتاب القضاء(١) إنْ شاء الله تعالى فإِنَّه لا يسمَّى محتهَداً فيه، حتى إذا رُفِعَ
حكمُهُ إلى مَنْ لا يراه ينقضُهُ ولا يُمضيه، وأفادَ وجوبَ المتابعة في المَّفَقِ عليه بالأَولى، وعدمَ
جوازها فيما كان بدعةً أوْ لا تعلُّقَ له بالصلاة كما لو زادَ سجدةً، أو قام إلى الخامسةِ ساهياً كما
مرَّ(٢) عن "شرح المنية".
ومثالُ ما تجبُ فيه المتابعةُ مما يَسُوعُ فيه الاجتهادُ ما ذَكَرَهُ "القُهُستانيُّ" في "شرح
الكيدانيَّة" عن "الجلاَّبي" بقوله: ((كتكبيراتِ العيد، وسجدتيِ السَّهو قبل السلام، والقنوتِ
بعد الركوع في الوتر)) اهـ.
والمرادُ بتكبيراتِ العيد ما زاد على الثلاثِ في كلِّ ركعةٍ مما لم يخرُجْ عن أقوال الصحابة كما
لو اقتدى من يراها خمساً مثلاً كشافعيّ، ومثّلَ لِما لا يَسُوعُ الاجتهادُ فيه في "شرح الكيدانَيَّة" عن
"الجلاَّبي" أيضاً بقوله: ((كالقنوتِ في الفجر، والتكبيرِ الخامس في الجنازة، ورفع اليدين في تكبير
الركوع وتكبيراتِ الجنازة))، قال: ((فالمتابعةُ فيها غير جائزٌ)) اهـ.
لكنَّ رفع اليدين في تكبيراتِ الجنازة قال به كثيرٌ من علمائنا كأئمَّةٍ بلخٍ، فكونُهُ مما لا يَسُوعُ
الاجتهادُ فيه محلٌّ نظرٍ، ولهذا قال "الخيرُ الرمليُّ" في "حاشية البحر" في باب الجنازة: ((إنَّه يستفادُ
من هذا - أي: مما قاله أئمَّةُ بلخٍ - أنَّ الأَولى [١ /ق ٣٦٩/أ] متابعةُ الحنفيِّ للشافعيِّ بالرفعِ إذا اقتدى
به، ولم أره)) اهـ. أي: فإِنَّ اختلافَ أئمَّتنا فيه دليلٌ على أنَّه محتهَدٌ فيه، فتأمَّلْ.
وقال: ((الأَولى)) ولم يقل: يجبُ لأنَّ المتابعة إنما تجبُ في الواجبِ أو الفرض، وهذا الرَّفعُ
غيرُ واجبٍ عند "الشافعيِّ".
(١) انظر المقولة [٢٦٢٩٦] قوله: ((أو سنة مشهورة)).
(٢) المقولة [٤٠٢٣] قوله: ((ومتابعة الإمام)).

الجزء الثالث
٢٣١
واجبات الصلاة
لا في المقطوع بنسخه أو بعدم سنيَّته كقنوتِ فجر، وإنما تفسُدُ بمخالفته في الفروض
كما بسطناه في "الخزائن"
[٤٠٢٥] (قولُهُ: لا في المقطوعِ بنسخِهِ) كما لو كَّرَ في الجنازة خمساً، فإنَّ الآثار اختلفتْ في
فعله وَلّ فُرُويَ الخمسُ والسَّبْعُ والتسعُ وأكثرُ من ذلك(١)، إلاَّ أنَّ آخرَ فعلِهِ كان أربعاً، فكان
ناسخاً لِما قبله كما في "الإِمداد"(٢).
[٤٠٢٦] (قولُهُ: كقُنُوتِ فجرٍ) فإنَّ إِمَّا مقطوعٌ بنسخِهِ على تقديرٍ أَنَّه كان سنّةً، أو بعدمِ
سنَّتِهِ على تقديرٍ أَنَّه كان دعاءً على قومٍ شهراً كما في "الفتح"(٢) من النوافل، فهو مثالٌ للمقطوعِ
بنسخه أو بعدمٍ سنَّتِهِ على سبيل البدل، "ح"(٤).
[٤٠٢٧] (قولُهُ: وإنما تفسُدُ) أي: الصلاةُ ((بمخالفته في الفروضِ)) المرادُ بالمخالفة هنا عدمُ
المتابعة أصلاً بأنواعِها الثلاثةِ المارَّةِ(٥)، والفسادُ في الحقيقة إنما هو بتركِ الفرض لا بتركِ المتابعة، لكنْ
أُسِنِدَ إليها لأَنَّه يلزمُ منها تركُهُ، وخُصَّ الفرضُ لأَنَّه لا فسادَ بتركِ الواجب أو السّنّة.
[٤٠٢٨] (قولُهُ: في "الخزائن")(٦) ونصُّهُ: ((وجوبُ المتابعة ليس على إطلاقه، بل هي تارةً
(١) أمّا رواية ((الخمس والسبع)) فقد أخرجها الطبرانيّ في "الكبير" (١١٣٦٢)، وأوردها الهيثميّ في "مجمع الزوائد"
٣٥/٣ وقال: رواه الطبرانيّ في "الكبير"، وإسناده فيه نافع أبو هرمز وهو ضعيف.
وأورده الزيلعيّ في "نصب الراية" ٢٦٧/٢ - ٢٦٨ وعزاه لأبي نُعَيم الأصبهانيّ في "تاريخ أصبهان". كلُّهم من
حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً.
وأمّا رواية ((التّسْعِ)) فقد أخرجها الطبرانيّ في "الكبير" (١١٤٠٣)، وفي "الأوسط" (١٦٢٢).
وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ١٤٢/٣ وقال: إسناد الطبرانيّ في "الكبير" و"الأوسط" حسن. كلُّهم من
حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً.
(٢) "الإمداد": باب الجنائز - فصل في أحكام الصلاة عليه ق٣١٧/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة ٣٧٩/١، المسألة في باب الوتر، لا النوافل.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٦٠/ب.
(٥) المقولة [٤٠٢٣] قوله: ((ومتابعة الإمام)).
(٦) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٨٥/أ.

قسم العبادات
٢٣٢
حاشية ابن عابدين
قلتُ: فبلَغَتْ أصولُها نِيِّفاً وأربعين،.
تُفْرَضُ، وتارةً تجبُ، وتارةً لا تجبُ، ففي وتر "الفتح"(١): إنما تجبُ المتابعةُ في الفصل المجتهَدِ
فيه، لا في المقطوعِ بنسخه أو بعدمٍ كونه سنّةً من الأصل كقنوتِ الفجر، وفي "العناية"(٢): إنما
يتبعُهُ في المشروع دون غيره، وفي "البحر"(٣): المخالفةُ فيما هو من الأركان أو الشَّرائط مُفسِدةٌ
لا في غيرها)) اهـ.
[٤٠٢٩] (قولُهُ: قلتُ: فبلغَتْ أصولُها إلخ) تفريعٌ على ما زاده من الواجبات على ما في المتن،
٣١٧/١ وذلك أنَّ في الفاتحة ستَّ(٤) آياتٍ، وقد عدَّها في المتن واجباً واحداً، وكذا تكبيراتُ العيد ستٌّ،
وعدَّها واحدً، فيزادُ عليه عشرةٌ، وتعديلُ الأركان عدَّهُ واحداً، وهو واجبٌ في الركوعِ والسجود
والرَّفْعِ من كلٍّ منهما، فيزادُ ثلاثةٌ، فهي ثلاثةً(٥) عشرَ.
والرابعَ عشرَ: تركُ تكريرِ الفاتحة قبل سورةٍ الأوليين. [١/ق٣٦٩/ب]
والخامسَ عشرَ والسادسَ عشرَ: رعايةُ الترتيبِ بين القراءة والركوع، وفيما تكرَّرَ في
كلِّ الصلاة.
والسابعَ عشرَ: تركُ الزيادةِ على التشهُّدِ.
والثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ: تكبيرةُ القنوتِ، وتكبيرةُ ركوعه.
والعشرون والحادي والعشرون: تكبيرةُ ركوعٍ ثانيةِ العيد، ولفظُ التكبير في الافتتاح، ثمَّ
ذكَرَ سبعةً تحت قوله: ((ويقِيَ من الواجبات إلخ))، فهذه ثمانيةٌ وعشرون، كلُّها صريحةٌ في كلامه
زيادةً على ما في المتن من الأربعةَ عشرَ، فتبلغُ اثنين وأربعين واجباً بدون ضربٍ وبسطٍ، فلذا
سَمَّاها أصولاً.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الوتر ٣٧٩/١.
(٢) "العناية": كتاب الصلاة - باب صلاة الوتر ٣٨٠/١ (هامش "فتح القدير").
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٨/٢.
(٤) في "آ" و"ب": ((ستة )) وهو خطأ.
(٥) ((فهي ثلاثة )) ساقط من "آ".

الجزء الثالث
٢٣٣
واجبات الصلاة
وبالبسطِ أكثرَ من مائة ألفٍ؛ إذ أحدُها يُنتِجُ (٣٩٠) من ضربِ خمسةٍ: قعدةِ
المغرب بتشهُّدِها، وتركِ نقصٍ منه، وزيادةٍ (١) فيه، أو عليه في (٧٨) كما مرَّ،
......
والتُّعُ ينفي الحصرَ فتبصَّرْ، فيُلغَزُ: أيُّ واجبٍ يَستوجبُ (٣٩٠) واجباً؟.
[٤٠٣٠] (قولُهُ: وبالبسطِ أكثرَ من مائةٍ ألفٍ) أقولُ: أكثرُها صورٌ عقليَّةٌ لا خارجيَّةٌ
كما ستعرفُهُ(٢).
[٤٠٣١] (قولُهُ: إذ أحدُها) المرادُ به التشهُّدُ، وهو واحدٌ من جهةِ النوع، أي: أنَّه واحدٌ من
نوعِ الواجبات النّفِ زأربعين، وإلاَّ فهو في الحقيقة متعدِّدٌ؛ لأنَّ هذا الواحدَ هو المضروبُ فيه،
وهو ثمانيةٌ وسبعون تشهُّداً.
[٤٠٣٢] (قولُهُ: من ضربِ خمسةٍ) أي: خمسةِ واجباتٍ هي قعدةُ المغرب الأولى مع
تشهُّدِها، وتركُ نقصٍ من كلماته، وتركُ زيادةٍ فيه، أي: في أثناءِ كلماته؛ لأَنَّهَ ذِكرٌ منظومٌ لا
يجوزُ أنْ يزادَ فيه أجنبيٌّ عنه، وتركُ زيادةٍ عليه، أي: بعد تمامِه، وهذا لا يكون واجباً إلاّ في
القعدة الأُولى من غيرِ النوافل.
[٤٠٣٣] (قولُهُ: في ثمانيةٍ وسبعين) متعلّقٌ بـ ((ضَرْبٍ))، وقولُهُ: ((كما مرَّ))(٣) أي:
في كلامه، حيث ذكَرَ: ((أنَّ التشهُّدَ قد يتكرَّرُ عشراً))، ثم زادَ أربعاً ثم ستّين ثم أربعاً، فبلغتْ
ثمانيةً وسبعين تشهُّداً كما أوضحناه فيما مرَّ(٤)، وإذا ضربتها في الخمسةِ الواجباتِ التي ذكَرَها هنا
بلغتْ ثلثمائةٍ وتسعین.
وبيانُ ذلك: أنَّ التشهُّدَ في نفسه واجبٌ، ويجبُ له القعدةُ، وأنْ يتركَ نقصاً منه، وزيادةً فيه،
أو عليه، فهذه خمسُ واجباتٍ تجبُ في كلِّ صورةٍ من الصُّور الثمانيةِ والسبعين المارَّةِ، فتبلُغُ
(١) في "ب": ((أو زيادة)).
(٢) المقولة [٤٠٣٣] قوله: ((في ثمانية وسبعين)).
(٣) صـ ٢١٤ - "در".
(٤) المقولة [٣٩٩٨] قوله: ((زيد ست أيضاً)).

قسم العبادات
٢٣٤
حاشية ابن عابدين
ما ذكَرَ، وأرادَ بالواجب ما يشملُ الفرض؛ لأنَّ هذه الصُّورَ ليستْ كلُّ قعداتِها واجبةً، بل الواجبُ
منها ما كان قعدةً [١/ق٣٧٠/أ] أُولى أو بعد سجودٍ سهوٍ، أمَّا ما كان قعدةً أخيرةً أو بعد سجدةٍ
صلبَّةٍ أو تلاويَّةٍ فإنّها فرضٌ، والفرضُ قد يُطلَقُ عليه لفظُ الواجب، فهذا واجبٌ واحدٌ من نوعِ
الواجبات النِّفِ وأربعين المارَّةِ(١) - وهو التشهُّدُ - استلزَمَ ثلثمائةٍ وتسعين واجباً، فيصلُحُ لُغزاً.
ثُمَّ هذه الواجباتُ تشتملُ على أكثرَ من مائةٍ سجدةٍ ما بين سهويَّةٍ وصليَّةٍ وتلاويَّةٍ، كلُّ
سجدةٍ منها يجبُ فيها ثلاثةُ واجباتٍ: الطُّمأنينةُ، ووضعُ اليدين، ووضع الركبتين على ما اختاره
"الكمالُ"(٢)، ورجَّحَهُ في "البحر"(٣) وغيره، وإذا ضربتَ ثلاثةً في مائةٍ تبلغُ ثلثمائةٍ، وكذا يجبُ بين
كلِّ سجدتي سهوِ الرفعُ والطمأنينةُ فيه، فتبلغُ أكثرَ من تلِثِمائةٍ، وإذا ضُمَّ ذلك إلى ما مرَّ تبلغُ أكثرَ
من سبعِمائةٍ، وإذا ضربتَها في بقيّةِ النَّفِ وأربعين المارَّةِ تبلغُ أكثرَ من ثمانيةٍ(٤) وعشرين ألفاً
وسبعمائةٍ، وكلُّ واحدٍ منها يستلزِمُ تركُهُ سجدتي سهوٍ وتشهُّداً وقعدةً، وكلُّ سجدةٍ يجبُ فيها
الطمأنينةُ والرفعُ بينهما والطمأنينةُ فيه، والتشهُّدُ للسهو يجبُ فيه تركُ نقصٍ منه وزيادةٍ فيه، أمَّا
الزيادةُ عليه فتجوزُ، فهذه عشرُ واجباتٍ، فإِذا ضربتها في ثمانيةٍ وعشرين ألفاً وسبعمائةٍ بلغتْ
مائتي ألفٍ وسبعةً وثمانين ألفاً، وإذا نظرتَ إلى أنَّ متابعة المقتدي لإمامه واجبةٌ في الفرائض النِّفِ
وعشرين، وفي الواجبات النِّفِ وأربعين - وجملةُ ذلك نّيِّفٌ وستُّون - فإذا ضربتَها فيما مرَّ بلغتْ
أكثرَ من سبعةَ عشرَ ألفَ ألفٍ ومائتي ألفٍ(*) وعشرين ألفاً.
وبقي واجباتٌ أخرُ لم يذكرْها كالسجود على الأنفِ، وعدمِ القراءة في الركوع، وعدمٍ
القيام قبل التشهُّدِ، أو قبل السلام وغيرِ ذلك مما تبلُغُ جملتُهُ بالضرب عدداً كثيراً أكثرُها صورٌ عقليّةٌ
(١) المقولة [٤٠٢٩] قوله: ((قلت فبلغت أصولها إلخ)).
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٦٥/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - فصل إذا أراد الدخول في الصلاة ٣٣٦/١.
(٤) في "ب" و"م": (( ثمانمائة)) وهو خطأ.
(٥) في النسخ جميعها: (( مائتي ألف ألف )) والحساب يقتضي ما أثبتناه.

الجزء الثالث
-٢٣٥
سنن الصلاة
(وسُنُها) تركُ السنَّةِ لا يُوجبُ فساداً ولا سهواً، بل إساءةً لو عامداً غيرَ مُستخفٍّ،
. وقالوا: الإساءةُ أدونُ من الكراهة.
كما يظهرُ ذلك لمن أرادَ ضياعَ وقته، ولولا ضرورةُ بيانِ كلام "الشارح" لكان الإعراضُ عن ذلك أَولى.
مطلبٌ: سننُ الصلاة
[٤٠٣٤] (قولُهُ: وسنتُها) تقدَّمَ(١) الكلامُ في الوضوء على [١/ق٣٧٠/ب] السنّةِ وتعريفِها
وتقسيمِها إلى سنّةِ هدىٍّ وسنّةٍ زوائدَ، والفرقُ بين الثانية وبين المستحبِّ والمندوبِ، وما في ذلك
من الأسئلة وغير ذلك، فراجعه.
[٤٠٣٥] (قولُهُ: لا يُوجِبُ فساداً ولا سهواً) أي: بخلاف تركِ الفرض فإنَّه يوجبُ الفسادَ،
وتركِ الواجب فإنّه يوجبُ سجود السهو.
(٠٣٦ ٤] (قولُهُ: لو عامداً غيرَ مُستخِفٌٍّ) فلو غيرَ عامٍ فلا إساءةً أيضاً، بل تندبُ إعادةُ
الصلاة كما قدَّمناه(٢) في أوَّلِ بحثِ الواجبات، ولو مستخِفاً كُفِرَ لِما في "النهر)"(٣) عن
"البزَّازيّة"(٤): ((لو لم يَرَ السِنَّةَ حقاً كُفِرَ؛ لأَنَّه استخفافٌ)) اهـ.
ووجهُهُ: أنَّ السنّة أحدُ الأحكام الشرعيَّةِ المتَّقِ على مشروعيَّتها عند علماء الدين، فإذا أنكَرَ
ذلك ولم يرَها شيئاً ثابتاً ومعتبراً في الدِّين يكونُ قد استخَفَّ بها واستهانَها، وذلك كفرٌ، تأمَّلْ.
مطلبٌ في قولهم: الإساءةُ دونَ الكراهة
[٤٠٣٧] (قولُهُ: وقالوا إلخ) نصَّ على ذلك في "التحقيق" وفي "التقرير الأكمليِّ" من كتب
الأصول، لكنْ صرَّحَ "ابن نجيمٍ" في "شرح المنار"(٥): ((بأنَّ الإساءة أفحشُ من الكراهة))،
(١) المقولة [٨٢٩] قوله: ((وسننه إلخ)).
(٢) المقولة [٣٩٤٠] قوله: ((وكذا كل صلاة إلخ)).
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٣/ب.
(٤) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل في السنن ٢٨/٤ بتصرف يسير. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "فتح الغفار بشرح المنار": فصل في بيان الحكم وأقسامه ٦٥/٢.

قسم العبادات
٢٣٦
حاشية ابن عابدين
.....
/٣١٨
وهو المناسبُ هنا لقولِ "التحرير"(١): ((وتاركُها يستوجبُ إساءةً))، أي: التضليلَ واللَّومَ، وفي
"التلويح"(٢): ((تركُ السّنّةِ المؤكَّدةِ قريبٌ من الحرام))، وقد يُوفَّقُ بأنَّ مرادهم بالكراهة التحريميَّةُ،
والمرادُ بها في "شرح المنار" التنزيهيَّةُ، فهي دون المكروه تحريماً وفوق المكروهِ تنزيهاً، ويدلُّ على
ذلك ما في "النهر"(٣) عن "الكشف الكبير"(٤) معزيًّاً إلى "أصول أبي اليسر": ((حكمُ السنَّةِ أنْ
يُندَبَ إلى تحصيلها، ويُلامَ على تركها مع لحوقِ إنْمٍ يسيٍ)) اهـ.
وعن هذا قال في "البحر"(٥): ((إنَّ الظاهرَ من كلامهم أنَّ الإثم منوطٌ بتركِ الواجبِ أو
السّنّة المؤكَّدةِ لتصريحهم بإثمٍ مَنْ تَرَكَ سننَ الصلوات الخمس على الصَّحيح، وتصريحِهم بإثمٍ مَنْ
ترَكَ الجماعةَ مع أَنَّها سنَّةٌ على الصَّحيح، ولا شكَّ أنَّ الإثم بعضُهُ أشدُّ من بعضٍ، فالإِثْمُ لتاركِ
السنَّةِ المؤكَّدةِ أخفُّ منه لتاركِ الواجب)). اهـ ملخَّصاً.
وظاهرُهُ حصولُ الإِثم بالترك مرَّةً، ويخالقُهُ ما في "شرح التحرير"(٦): ((أَنَّ المراد التركُ بلا عذرِ
على سبيلِ الإصرار))، وكذا ما [١/ق ٣٧١/أ] يأتي(٧) قريباً عن "الخلاصة"، وكذا ما مرَّ(٨) في سنن
الوضوء من أنَّه لو اكتفَى بالغَسلِ مرَّةً إِنِ اعتادَهُ أَيِّمَ، وإلاَّ لا، وكذا ما في "شرح الكيدانيَّة" عن
"الكشف"(٩): ((وقال "محمَّدٌ" في المصِرِّين على ترك السنّة بالقتال، و"أبو يوسف" بالتأديب)) اهـ.
(١) "التحرير": مبحث الرخصة والعزيمة صـ٢٥٩ -.
(٢) "التلويح": باب في الحكم - القسم الثاني: الحرام لعينه والحرام لغيره ١٢٦/٢.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٣/ب.
. (٤) "كشف الأسرار": باب العزيمة والرخصة - حكم السنة ٥٦٣/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٩/١.
(٦) "التقرير والتحبير": مبحث الرخصة والعزيمة ١٤٩/٢.
(٧) المقولة [٤٠٤١] قوله: ((في "الخلاصة" إلخ)).
(٨) صـ٣٩٥- وما بعدها "در".
(٩) "كشف الأسرار": باب العزيمة والرخصة - حكم السنة ٥٦٨/٢.