النص المفهرس
صفحات 161-180
الجزء الثالث
١٥٧
فرائض الصلاة
(ومنها الركوعُ) بحيث لو مدَّ يديه نالَ ركبتيه.
عن قراءة المقتدي لقوله ﴿:((مَنْ كان له إمامٌ فقراءةُ الإمام له قراءةٌ)(١)، وأجاب "ح"(٢): ((بأنَّ
المراد بالخلَفِ خَلَفٌ يأتي به مَنْ فَاتَهُ الأَصلُ، وها هنا ليس كذلك)) اهـ.
وهو أحسنُ مما في "ط "(٣): ((من أَنَّه ليس المرادُ في الحديث الخلفيَّةَ، بل المرادُ أنَّ الشارع
منَعَهُ عن القراءة، واكتفى بقراءةِ الإِمام عنه)) اهـ.
قال في "النهر "(٤): ((ولقائلِ أنْ يقول: لا نسلِّمُ سقوطَ القراءة بلا ضرورةٍ ليلزمَ كونُها زائداً؛
إذ سقوطُها لضرورةِ الاقتداء، ومن هنا ادَّعى "ابنُ ملكٍ" أَنَّه ركنٌ أصليٌّ)) اهـ.
أقولُ: ولقائلٍ أنْ يقول: [١/ق٣٤٧/ب] لا نسلّمُ أنَّ الاقتداء ضرورةٌ؛ إذ الضرورةُ: العجزُ
المبيعُ لتركِ أداءِ الركن، والمقتدي قادرٌ على القراءة غيرَ أنَّه ممنوعٌ عنها شرعاً، والمنعُ لا يسمَّى عجزاً
إلاَّ بتأويلٍ، وقد خالَفَ "ابنُ ملكٍ" الجمَّ الغفيرَ في ذلك كما قاله في "البحر"(٥)، فلا تُعتبرُ مخالفتُهُ،
والله تعالى أعلم.
بحثُ الرُّكوع والسُّجود
[٣٨٨٨] (قولُهُ بحيث لو مَدَّ يديه إلخ) كذا في "السِّراج"(٦)، وفي "شرح المنية"(٧): ((هو طأطأةُ
(١) أخرجه أحمد ٣٣٩/٣، وابن ماجه (٨٥٠) كتاب إقامة الصلاة - باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، والدار قطني
٣٢٤/١-٣٢٥، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٦٠/٢، والطّحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٢١٧/١، وقال الإمام
اللكنوي: وللحديث طرق أخرى، وقال القاسم بن قطلوبغا في "التعريف والإخبار" ١٢٩/١: رواه أحمد بن مَنِيع في
"مسنده". وذكره الزّيلعيّ في "نصب الراية" ٧/٢ كلُّهم من حديث جابر ◌َّهِ، وفي الباب عن ابن عمر، وأبي سعيد
الخدري، وأبي هريرة وابن عباس ضخّ.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٣/أ.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٣/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٢/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٩/١.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ١٥٧/أ.
(٧) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - الركوع صـ ٢٧٩-٢٨٠ -.
قسم العبادات
١٥٨
حاشية ابن عابدين
الرأس - أي: خفضُهُ - لكنْ مع انحناءِ الظهر؛ لأَنَّه هو المفهومُ من موضوعِ اللغة، فيصدُقُ عليه قولُهُ
تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ﴾ [الحج- ٧٧]، وأمَّا كمالُهُ فبانحناءِ الصُّلبِ حتى يستويَ الرأسُ بالعجُزُ، وهو
حدُّ الاعتدال فيه)) اهـ. لكنْ ضعَّفَهُ في "شرح المختار"(١) حيث قال: ((الركوعُ يتحقَّقُ بما ينطلقُ
عليه الاسم؛ لأَنَّه عبارةٌ عن الانحناءِ، وقيل: إنْ كان إلى حالِ القيام أقربَ لا يجوزُ، وإنْ كان إلى
حالِ الركوع أقربَ جازَ)) اهـ. وتمامُهُ في "الإِمداد"(٢).
وما اختاره في "شرح المختار" هو الموافقُ لِما قرَّرَهُ علماؤنا في كتبِ الأصول، وفي "شرح
الشيخ إسماعيل(٣) عن "المحيط "(٤): ((وإنْ طأطَاً رأسَهُ في الركوع قليلاً ولم يعتدلْ فظاهرٌ
الجواب عن "أبي حنيفة" أنَّه يجوزُ، وروى "الحسنُ" أنَّه إنْ كان إلى الركوعِ أقربَ يجوزُ، وإنْ كان
إلى القيام أقربَ لا يجوز)) اهـ.
وفي "حاشية الفتَّال" عن "البِرْجَندي": ((ولو كان يصلّي قاعدً ينبغي أنْ يحاذيَ جبهته قدَّامَ
ركبتيه(٥) ليحصلَ الركوع)) اهـ.
قلتُ: ولعلَّه محمولٌ على تمامٍ الركوع، وإلاَّ فقد علمتَ حصولَهُ بأصلٍ طأطأةٍ الرأس، أي:
مع انحناءِ الظَّهر، تأمَّلْ.
(قولُهُ: لكنْ ضِعَّفَهُ في "شرح المختار" إلخ) أي: ما ذُكِرَ في "شرح المنية"، لكنَّ المحشِّي قد اختصَرَ ما
فيه اختصاراً مُخِلاَّ، ولذا كان ما نقَلَهُ عنهما هو عينَ ما في "شرح المختار" على حسبِ نقلِهِ لا مقابلَهِ، مع
أنَّ عبارة "شرح المنية" على ما نقلَهُ في "الإمداد": ((الرُّكوعُ خفضُ الرأس مع الانحناءِ بالظهر، وبه يحصل
المفروض، وأمَّا كمالُهُ فبانحناءِ الصُّلب حتَّى يستويَ الرأسُ بالعجز، فإِنْ طأطَأَ رأسَهُ قليلاً ولم يَصِلْ إلى حدٍّ
الاعتدال إنْ كان إلى الركوع الكامل أقربَ منه إلى القيام جازَ ركوعُهُ، وإنْ كان إلى القيام أقربَ
(١) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب الأفعال في الصلاة ٥١/١.
(٢) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق١١٨/ب.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٩٦/ب.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة ١/ق ٥٣/أ.
(٥) ((قدام ركبتيه)) ساقط من"آ".
الجزء الثالث
١٥٩
فرائض الصلاة
(ومنها السجودُ) بجبهتِهِ وقدميه، ووضعُ أصبعٍ واحدةٍ منهما شرطٌ)).
[٣٨٨٩] (قولُهُ: ومنها السجودُ) هو لغةً: الخضوعُ، "قاموس"(١). وفسَّرَهُ في "المغرب"(٢) بوضعِ
الجبهةِ في الأرض، وفي "البحر "(٣): ((وحقيقةُ السجود: وضعُ بعضِ الوجهِ على الأرض مما لا
سُخريةَ فِيه، فدخَلَ الأنفُ، وخرَجَ الخدُّ والذقنُ، وأمَّا إذا رفَعَ قدميه في السُّجود فإِنَّه مع رفعِ
القدمين بالتلاعب أشبهُ منه بالتعظيم والإجلال)) اهـ. وتمامُهُ فيما علَّقناه عليه(٤).
[٣٨٩٠) (قولُهُ: يجبهتِهِ) أي: حيث لا عذرَ بها، وأمَّ جوازُ الاقتصار على الأنفِ فشرطُهُ العذرُ
على الراجح كما سيأتي(٥)، [١/ق٣٤٨/أ] قال "ح"(٦): ((ثُمَّ إِن اقتصَرَ على الجبهة فوضعُ جزءٍ
منها - وإِنْ قلَّ - فرضٌ، ووضعُ أكثرها واجبٌ)).
[٣٨٩١] (قولُهُ: وَقَدَميه) يجبُ إسقاطه؛ لأنَّ وضعَ إصبعٍ واحدٍ(٧) منهما يكفي كما ذكَرَهُ
لم يَحْنِ ظهره بل طأطَاً رأسَهُ مع ميلان منكبيه - لا يجوزُ ركوعه، لكنْ ضعَّفَهُ في "الاختيار"، حيث قال في
"شرح المختار": الركوعُ يتحقَّقُ إلخ ))، فأنت ترى أنَّ ما في "المختار" من التضعيف ليس لِما اقتصَرَ عليه
المحشِّي من عبارة "شرح المنية" التي ذكَرَها؛ إذ هي عينُ ما صدَّرَ به في "الاختيار"، بل لِما ذكرَهُ ثانياً
بقوله: (( فإنْ طأطَاً رأسَهُ قليلاً إلخ))، وهو ما عبَّرَ عنه في "الاختيار" بقيل، تأمَّل. ومع هذا ففي كون ما
في "الاختيار" تضعيفاً لِما في "شرح المنية" مع تقييده بقوله: ((بأن لم يَحْنِ ظهرَهُ بل إلخ)) نظرٌ ظاهرٌ؛ إذ
لا شكَّ أنَّه مع هذا التقييد لا يكونُ راكعاً، وعبارةُ "الاختيار" لا تدلُّ على الضعف في هذه الصُّورة.
(قولُهُ: يجبُ إسقاطُهُ؛ لأنَّ وضعَ إلخ) يقال: ذَكَرَ قوله: ((وضعَ إصبعٍ إلخ)) بياناً للقدر المفروض
(١) "القاموس": مادة ((سجد)).
(٢) "المغرب": مادة ((سجد)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٩/١.
(٤) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٠٩/١.
(٥) صـ٣٢٥ - "در".
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٣/أ.
(٧) في "د" زيادة: ((المراد بوضع أصبع توجيهُها نحو القبلة ليكون الاعتماد عليها؛ لقوله محطّ: ((إذا سجد العبدُ سجد كلُّ
عضوٍ منه فليوجِّة من أعضائه للقبلة ما استطاع)). وهذا يجب التنبه له، وأكثر الناس عنه غافلون، "شرح المنية")).
قسم العبادات
١٦٠
حاشية ابن عابدين
وتكرارُهُ تعبُّدٌ.
بعدُ، "ح"(١). وأفادَ أَنَّه لو لم يضعْ شيئاً من القدمين لم يصحَّ السجود، وهو مقتضى ما قدَّمناه(٢)
آنفاً عن "البحر"، وفيه خلافٌ سنذكره(٣) في الفصل الآتي.
[٣٨٩٢) (قولُهُ: وتكرارُهُ تعبّدٌ)(٤) أي: تكرارُ السجود أمرٌ تعُديٌّ، أي: لم يُعقَلْ معناه على
قولِ أكثر المشايخ تحقيقاً للابتلاء، وقيل: ثُنِي ترغيماً للشيطان، حيث لم يسجدْ مرَّةً، فنحن نسجدُ
مرَّتين، وتمامُهُ في "البحر "(٥).
/٣٠٠
مطلبٌ: هل الأمرُ التعُّديُّ أفضلُ أو المعقولُ المعنى
(فائدةٌ)
سُئل "المصنّف" في آخر "فتاواه التمرتاشيَّة"(٦): ((هل التعُّديُّ أفضلُ أو معقولُ المعنى؟
أجاب: لم أقفْ عليه لعلمائنا سوى قولِهم في الأصول: الأصلُ في النُّصوص التعليلُ))، فإِنَّه يشيرُ
إلى أفضليَّةِ المعقول، ووقفتُ على ذلك في "فتاوى ابن حجرٍ"(٧)، قال: ((قضيَّةُ كلام
من وضع القدمين، وليس في ذكرِ القدمين ما يدلُّ على اشتراطِ وضعِهما، بل إنَّ السجود يكونُ بهما، وهذا
لا يدلُّ على اشتراط وضعهما كما أنَّ ذكر الجبهة لا يدلُّ على اشتراط استيعابها، بل يكفي وضعُ جزءٍ منها.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٣/أ.
(٢) المقولة [٣٨٨٩] قوله: ((ومنها السجود)).
(٣) المقولة [٤٢٧١] قوله: ((وفيه إلخ)).
(٤) في "د"زيادة: ((قال في "البحر": الحكمة من كون السجود مثنى ترغيمٌ للشيطان، فإنه أمر بسجدة فلم يفعل، فنحن
نسجد مرتين ترغيماً له، وقيل: الأولى لامتثال الأمر، والثانية ترغيماً له حيث لم يسجد استكباراً، وقيل: الأولى
لشكر الإيمان، والثانية لبقائه، وقيل: في الأولى إشارةٌ إلى أنَّه خلق من الأرض، وفي الثانية إلى أنَّه يعاد إليها، وقيل:
لَّا أَخَذَ الميثاقَ على ذرية آدم أمرهم بالسجود تصديقاً لما قالوا، فسجد المسلمون كلُّهم وبقي الكفار، فلمَّا رفع
المسلمون رؤوسهم رأوا الكفار لم يسجدوا فسجدوا ثانياً شكراً للتوفيق كما ذكره شيخ الإسلام. انتهى ملخصاً.
وذكر في "السراج" حكماً آخر فارجع إليه من آخر كتاب الصلاة)).
(٥) انظر"البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٠/١.
(٦) منه نسخٌ خطية في مكتبة الأسد، انظر فهرس "مخطوطات المكتبة الظاهرية"- الفقه الحنفي ١٣/٢.
(٧) "الفتاوى الحديثية": مطلب: هل التعبّدِيُّ أفضلُ، أو معقول المعنى؟ صـ ٥٠ ..
الجزء الثالث
١٦١
فرائض الصلاة
ثابتٌ بالسنةِ كعددِ الركعات
(ومنها القعودُ الأخير).
"ابن عبد السلام"(١) أنَّ التعُّديَّ أفضلُ؛ لأَنَّه بمحض الانقياد بخلاف ما ظهرتْ عَّته، فإنَّ مُلابسه قد
يفعلُ لتحصيلِ فائدته، وخالفَهُ "البُلْقَيني(٢) فقال: لا شكَّ أنَّ معقول المعنى من حيث الجملةُ أفضلُ؛
لأنَّ أكثرَ الشريعة كذلك، وبالنظر للجزئيّات قد يكونُ التعُّدِيُّ أفضلَ كالوضوء وغُسلِ الجنابة(٣)، فإنَّ
الوضوء أفضلُ، وقد يكون المعقولُ أفضلَ كالطَّواف والرمي، فإنَّ الطواف أفضلُ)) اهـ.
وفي "الحلبة"(٤) عند الكلام على فرائض الوضوء: ((وقد اختلَفَ العلماءُ في أنَّ الأمور التعبُّديَّة
هل شُرِعَتْ لحكمةٍ عند الله تعالى وخفيت علينا أوْ لا؟ والأكثرون على الأوَّلِ، وهو المتَّحهُ لدلالةِ
استقراء عادةِ الله تعالى على كونه سبحانه جالباً للمصالح دارئاً للمفاسد، فما شرَعَهُ إِنْ ظهرتْ
حكمتُهُ لنا قلنا: إنّه معقولٌ، وإلاّ قلنا: إنّه تعُّديٌّ، والله سبحانه العليمُ الحكيم)).
[٣٨٩٣) (قولُهُ: ثابتٌ بالسُّنَّةِ) أي: وبالإجماع، "بحر"(٥). وهذا لأنَّ الأمر بالسجود في الآية
لا يدلُّ على تكراره.
بحثُ القعودِ الأخير
[٣٨٩٤) (قولُهُ: ومنها القعودُ الأخيرُ) عبَّرَ بالأخير دون الثاني ليشملَ قعدةً الفجر وقعدةً
(قولُهُ: قد يكونُ التعُّدِيُّ أفضلَ كالوضوء إلخ) وذلك أنَّ الحدث بنوعيه بمعنى المانعيَّة القائمة بالشخص إنما
عُرِفَ من جهة الشَّرع كإزالته لا دخلَ للعقل فيه، ثمَّ بعد قيامها به الذي هو عبارةٌ عن جميع الأعضاء لم نَعقِلْ
(١) في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام": فصل فيما عرفت حكمته من المشروعات وما لم تعرف حكمته منها
١٨/١. وهو أبو محمد عبدالعزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السُّلَميّ الدمشقيّ الشافعيّ (ت ٦٦٠هـ). ("قوات
الوفيات" ٣٥٠/٢، "طبقات السبكي "٢٠٩/٨).
(٢) أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير، سراج الدين الكِنَانيّ العسقلانيّ ثم البُلقِينيّ المصريّ الشافعيّ (ت ٨٠٥هـ).
("الضوء اللامع" ٨٥/١٠، "شذرات الذهب" ٨٠/٩، "الأعلام" ٤٦/٥).
(٣) عبارة ابن حجر: ((وغسل النجاسة)) وهو الصواب؛ لأنّ غسلَ النّجاسة معقول المعنى خلافاً للجنابة، ومرادُه
أن يوازن بين تعبّديّ كالوضوء ومعقول المعنى كغسل النجاسة، والله أعلم
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الوضوء ١/ق ٣١/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٠/١.
قسم العبادات
١٦٢
حاشية ابن عابدين
والذي يظهرُ أنَّه شرطٌ؛ .....
المسافر؛ لأنّها أخيرةٌ وليست ثانيةً، كذا في "الدراية"، والمرادُ وصفُهُ بأنَّه واقعٌ آخِرَ الصلاة، وإلاّ
فالأخيرُ يقتضي سبقَ غيره، وعليه: لو قال: آخرُ عبدٍ أملكُهُ [١/ق ٣٤٨/ب] فهو حرّ، فمَلَكَ
عبداً لم يعتِقْ، فليتأمَّلْ، "إمداد"(١).
[٣٨٩٥] (قولُهُ: والذي يظهرُ إلخ) اختُلِفَ في القعدة الأخيرة، قال بعضهم: هي ركنٌ أصليٌّ،
وفي "كشف البزدويّ"(٢): ((أَنّها واجبةٌ لا فرضٌ، لكنَّ الواجب هنا في قوَّةِ الفرض في العملِ
كالوتر))، وفي "الخزانة": ((أَنَّها فرضٌّ، وليستْ بركنٍ أصلىٍّ، بل هي شرطٌ للتحليل))، وجزَمَ بأنَّها
فرضٌ في "الفتح"(٣) و"التبيين"(٤)، وفي "الينابيع": ((أَنَّه الصحيحُ))، وأشار إلى الفرضيّة الإِمامُ
"المحبوبيُّ" في مناسك "الجامع الصغير"، ولذلك مَنْ حلَفَ لا يصلّي يحنثُ بالرفعِ من السجود دونَ
توقُّفٍ على القعدة، فهي فرضٌ لا ركزٌ؛ إذ الركنُ هو الداخلُ في الماهِيَّة، وماهيَّةُ الصلاة تتمُّ بدون
القعدة، ثم قال: ((فُعُلِمَ أَنَّه إنما شُرِعَتْ لأجلِ الاستراحة، والفرضُ أدنى حالاً من الركن؛ لأنَّ الركن
يتكرَّرُ، فعدمُ التكرارِ دليلٌ على عدمِ الركنَّة، والفقهُ فيه أنَّ الصلاة أفعالٌ موضوعةٌ للتعظيم، وأصلُ
التعظيم بالقيامٍ، ويزدادُ بالركوع، ويتناهى بالسُّجود، فكانت القعدةُ مرادةً للخروج من الصلاة،
فكانتْ لغيرها لا لعينها، فلم تكنْ من الرُّكن))، وتمامُهُ في "شرح الدرر" للشيخ "إسماعيل"(٥).
قال في "البحر"(٦): ((ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ لثمرةِ الخلاف))، أي: في أنَّها ركنٌ أوْ لا،
وجهَ تخصيص أعضاء الوضوء بقيام المانعيَّة بها مع تعقِّنا وجهَ قيامِها بجميع أعضاء الغسل؛ إذ هي قائمةٌ به، وهو
عبارةٌ عن جميع أعضائه.
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في متعلقات الشروط ق ١٢٢/ب.
(٢) "كشف الأسرار": فصل الواجب ٥٥٨/٢ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤١/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٠٤/١.
(٥) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٣١٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١١/١.
الجزء الثالث
١٦٣
فرائض الصلاة
لأَنّه شُرِعَ للخروج كالتحريمة للشُّروع، وصحَّحَ في "البدائع"(١): ((أَنَّه ركنٌ زائدٌ؛
لحنثٍ مَن حلَفَ لا يصلّي بالرفع من السجود ))، وفي "السِّراجية"(٢).
وبَيَّنَ في "الإمداد"(٣) الثمرةَ: ((بأنّه لو أتى بالقعدةِ نائماً تعتبرُ على القول بشرطَّتها لا ركنَّتْها))،
وعزاه إلى "التحقيق"(٤)، والأصحُّ عدمُ اعتبارها كما في "شرح المنية"(٥).
قلتُ: وهذا يؤِّدُ القولَ بأَنَّها ركنٌ زائدٌ لا شرطٌ خلافاً لِما مشى عليه "الشارح" تبعاً
لـ "النهر "(٦).
(٣٨٩٦) (قولُهُ: لأَنّ شُرِعَ للخروج) فيه أنَّ ما شُرِعَ لغيره قد يكون ركناً كالقيام، فإنَّه شُرِعَ
وسيلةً للرُّكوع والسجود، حتى لو عجَزَ عنهما يومئُ قاعداً وإِنْ قدَرَ على القيام.
[٣٨٩٧] (قولُهُ: لحنثٍ مَنْ حَلَفَ إلخ) فيه أنَّ القراءة ركنٌ زائدٌ مع أنَّه لو حلَفَ لا يصلِّي
وصلَّى ركعةً بلا قراءةٍ لا يحنثُ، فلا دلالةَ في ذلك على أنَّ القعدة ركنٌ زائدٌ، بل يدلُّ على أنَّها
شرطٌ، فالمناسبُ لـ "الشارح" أنْ يعكسَ، بأنْ يذكرَ هذا دليلاً للشرطيَّة، ويذكرَ ما قبله هنا
(قولُهُ: وهذا يُؤيِّدُ إلخ) أي: أصحِّيّةُ عدمِ اعتبارها، لكنه إنما يُثِبتُ أنَّها ركنٌ لا كونَهُ زائداً.
(قولُهُ: فيه أنَّ ما شُرِعَ لغيره قد يكونُ ركناً إلخ) قد يقال: إنَّ الشأن فيما شُرِعَ لغيره أنْ يكون
شرطاً لا ركناً ما لم يوجد الدَّليلُ على الرُّكنية، وقد وُجِدَ بالنسبة إلى القيام، فإنَّه قام الدليلُ القطعيُّ على
أَنَّه منها ولم يوجد بالنسبة للقعود الأخير.
(قولُهُ: فالمناسبُ لـ "الشارح" أنْ يعكسَ بأنْ يذكرَ هذا دليلاً للشرطيّةِ، ويذكرَ ما قبله هنا إلخ) فيما قالَهُ
تأمُّلٌ؛ لأنَّ غاية ما يفيدُهُ التنظير في التعليل الأوَّل أنَّه لا يلزمُ من كون الشيء مشروعاً لغيره أنْ يكون ركناً
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في أركان الصلاة ١١٣/١ بتصرف.
(٢) "السراجية": كتاب الصلاة - باب الأفعال في الصلاة ٥٣/١ بتصرف يسير (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق١٢٣/ب.
(٤) "التحقيق": لعبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاريّ(ت ٧٣٠هـ) شرح به "المنتخب في أصول المذهب"
لأبي عبدالله محمد بن محمد بن عمر، حسام الدين الأَخْسِيكَنِيّ الحنفيّ (ت٦٤٤هـ). ("كشف الظنون" ١٨٤٨/٢ -
١٨٤٩، "الجواهر المضية" ٤٢٨/٢، ٣٣٤/٣،"الفوائد البهية" صـ ٩٤-،١٨٨-).
(٥) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - السادس: القعود الأخير صـ٢٩١ -.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٤٢/ب.
قسم العبادات
١٦٤
حاشية ابن عابدين
((لا يُكفَرُ منكرُهُ)) (قَدْرَ) أدنى قراءةٍ (التشهُّدِ) إلى: عبدُهُ ورسولُهُ بلا شرطٍ موالاةٍ
وعدمٍ فاصلٍ؛ لِما في "الولوالحيَّةُ"(١): ((صلَّى أربعاً، وجلَسَ لحظةً، فظنّها ثلاثاً فقام، ثمَّ
تذكَّرَ فجلَسَ، ثم تكلّمَ فإنْ كِلا الجلستين قدْرَ التشهُّدِ صحَّت، وإلاَّ لا)).
دليلاً للرُّكِنَّة، تأمَّلْ.
[٣٨٩٨] (قولُهُ: لا يُكفَرُ منكرُهُ) الظاهرُ أنَّ المراد منكرُ فرضَّتَه؛ لأنّه [١/ق ٣٤٩/أ] قيلَ
بوجوبه كما في "القُهُستانيِ))(٢)، وأمَّا منكرُ أصلٍ مشروعيَتَه فينبغي أنْ يُكفَرَ لثبوته بالإجماع،
بل معلومٌ من الدِّين بالضرورة، أفاده "ح"(٣). ويؤيِّدُهُ ما قالوا في السنن الرواتب: مَنْ لم يرَها
حقاً كفَرَ.
[٣٨٩٩) (قولُهُ: قدْرَ أدنى قراءةِ التشهُّدِ) أي: أدنى زمنٍ يُقْرَأَ فيه، بأن يكون قدْرَ أسرعِ ما
يكون من التلفُّظ به مع تصحيحِ الألفاظ، وليس المرادُ أنَّ له في نفسه أدنى وأعلى، "ط" (٤).
[٣٩٠٠) (قولُهُ: إلى: عبدُهُ ورسولُهُ) أشار به إلى أنَّ المراد به التشهُّدُ الواجبُ بتمامه، قال في
"شرح المنية"(٥): ((والمرادُ من التشهُدِ: التحياتُ إلى عبدُهُ ورسولُهُ، هو الصحيحُ، لا ما زعَمَ البعضُ
أَنَّه لفظُ الشَّهادتين فقط)) اهـ.
[٣٩٠١] (قولُهُ: وعدمٍ فاصلٍ) عطفُ تفسير على ما قبله.
أو شرطً، بل تارةً يكونُ ركناً كالقيام، وتارةً شرطاً كالتحريمة، فلا يصلحُ دليلاً للركيَّة، تأمَّل. ويجابُ عن
"الشارح" بأنَّ الركن الزائد ما يسقطُ اعتبارُ الشارع له من الأركان في بعض الأحيان بلا ضرورةٍ، وحيث
سقَطَ اعتبارُ القعود منها في مسألة الحلف كان زائداً، ولا يلزمُ من ذلك اعتبارُ الشارع القراءةَ ركناً زائداً في
هذه المسألة، بل اعتبرَها ركناً أصليّاً وزائداً في الاقتداء، فَتَمَّ لـ "الشارح" تعليلاه للركنيَّة والشرطيَّة.
(١) لم نعثر على المسألة في مخطوطة "الولو الحية" التي بين أيدينا.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فروض الصلاة ٨٧/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٣/ب.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٤/١.
(٥) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - السادس: القعود الأخير صـ٢٩٠ -.
الجزء الثالث
١٦٥
فرائض الصلاة
(ومنها الخروجُ بصنعه) كفعلِهِ المنافِيَ لها بعد تمامها وإنْ كُرِهَ تحريماً، والصحيحُ أنّه
ليس بفرضِ اتّفاقاً، قالَهُ "الزيلعيُّ))(١) وغيره، وأقرَّهُ "المصنّف"، وفي "المجتبى" ......
بحثُ الخروجِ بصنعه
[٣٩٠٢] (قولُهُ: ومنها الخروجُ بصنعِهِ إلخ) أي: بصنعِ المصلِّي، أي: فعلِهِ الاختياريِّ بأيِّ وجهٍ
كان من قول أو فعلٍ ينافي الصلاةَ بعد تمامها كما في "البحر"(٢)، وذلك بأنْ يبنيَ على صلاته
صلاةً ما فرضاً أو نفلاً، أو يضحكَ قهقهةً، أو يُحدِثَ عمداً، أو يتكلّمَ أو يذهبَ أو يُسلِّمَ،
"قاتر خانَّةٍ(٣). ومنه ما لو حاذتْهُ امرأةٌ؛ لأنَّ المحاذاة مفاعَلَةٌ، فكان الفعلُ موجوداً من الرَّجُل بصنعه
كوجوده من المرأة وإنْ لم يكن للرَّجُل فيه اختيارٌ، وتمامُهُ في "النهاية"، واحترَزَ بصنعه عمَّا لو كان
سماويًّاً، كأنْ سبَقَهُ الحدث.
[٣٩٠٣) (قولُهُ: كفعلِهِ المنافي لها) الأَولى التعبيرُ بالباء بدلَ الكاف ليكونَ تفسيراً لقوله:
((بصنعه))، إلاَّ أنْ يقال: أرادَ بالخروج بصنعِهِ الخروجَ بلفظِ السَّلام حملاً للمطلَقِ على الكمال لأنّه
٣٠١/١ الواجبُ، وبقوله: ((كفعلِهِ إلخ)) ما عداه، ويدلّ عليه قولُهُ: ((وإنْ كُرِهَ تحريماً))، فإِنَّه لا يكرهُ إِلاَّ
فيما عدا السلامَ، فافهم. واحترَزَ بالمنافي عن نحوِ قراءةٍ وتسبيحٍ.
[٣٩٠٤] (قولُهُ: بَعْدَ تمامِها) أي: بعدَ قعودِهِ الأخيرِ قدرَ التشهُّد، وقَّدَ به لأَنَّ إتيانه بالمنافي قبلَهُ
يُبطِلُها اتفاقاً، "ح" (٤).
[٣٩٠٥) (قولُهُ: والصحيحُ إلخ) اعلمْ أنَّ كون الخروج بصنعه فرضاً غيرُ منصوصٍ
(قولُهُ: الخروجَ بلفظِ السلام حملاً للمطلقِ إلخ) لا يصحُّ إرادةُ الكامل هنا؛ إذ لو كان مرادُهُ ذلك
لاقتضى كلامُهُ أنَّ هذا الفرد هو الفرضُ بخصوصه مع أنَّه يصحُّ بغيره ويكونُ آتياً بفرضِ الخروج بالصنع.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٠٤/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١١/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في الفرائض - فصل في الخروج عن الصلاة بفعل المصلّي ٥٠٩/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٣/ب.
قسم العبادات
١٦٦
حاشية ابن عابدين
عن "الإِمام"، وإنما استنبطَهُ "البَرْدَعِيُّ(١) من المسائلِ الاثني عشريَّةَ الآتيةِ(٢) قبيل باب مفسدات
الصلاة، فإنَّ "الإِمام" لَمَّ قال فيها بالبطلان مع أنَّ أركان الصلاة ثمّتْ، ولم يبقَ إلاَّ الخروجُ دلَّ
على [١/ق٣٤٩/ب] أنَّه فرضٌ، وصاحباه لَمَّا قالا فيها بالصحَّةِ كان الخروجُ بالصنع ليس فرضاً
عندهما، وردَّهُ "الكرخيُّ": ((بأنّه لا خلافَ بينهم في أنَّه ليس بفرضٍ، وأنَّ هذا الاستنباطَ غلطٌ
من "البردعيّ"؛ لأَنَّه لو كان فرضاً - كما زعَمَهُ - لاختَصَّ بما هو قُربَةٌ وهو السلام)). وإِنما حكَمَ
"الإِمامُ" بالبطلانِ في الاثني عشريَّةَ لمعنىًّ آخرَ، وهو أنَّ العوارض فيها مغيِّرةٌ للفرض، فاستوى في
حدوثها أوَّلُ الصلاة وآخرُها، فإنَّ رؤية المتيمِّمِ بعد القعدة الماءَ مغيِّرةٌ للفرض؛ لأَنَّه كان فرضُهُ
التيمُّمَ فَتَغََّ فرضُهُ إلى الوضوء، وكذا بقيَّهُ المسائلِ بخلاف الكلام، فإِنَّه قاطعٌ لا مغيِّرٌ، والحدثُ
العمدُ والقهقهةُ ونحوُهما مُبطلةٌ لا مغيِّرَةٌ، وتمامُهُ في "ح(٢).
هذا، وقد انتصَرَ العلاَّمة "الشرنبلاليُّ" لـ "البردعيِّ" في رسالته "المسائل البهيّة الزكيّة على
الاثني عشريَّةٍ(٤): ((بأنّه قَد مشَىَ على افتراضِ الخروج بصنعِهِ صاحبُ "الهداية "(٥)، وتِبِعَهُ الشُّراح
(١) أبو سعيد أحمد بن الحسين البَرْدَعيُّ (ت٣١٧ هـ). ("الجواهر المضية" ١٦٣/١، "الطبقات السنية" ٣٤١/١).
(٢) المقولة [٥١١٠] قوله: ((عنده)).
(٣) انظر "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٣/ب.
(٤) انظر "إيضاح المكنون" ٤٧٤/٢، و"هدية العارفين" ٢٩٣/١.
(٥) "ما نقله الشرنبلالي عن صاحب "الهداية" و"شُرّاح الهداية" وشروح "الكنز" من ترجيحهم لقول البَرْدَعِيّ فيه مقال؛ إذ
المنصوص في الكتب المذكورة يؤيد قولَ الكَرْخيّ ويرجحه. انظر "الهداية" باب الحدث في الصلاة صـ ٦٠-، و"الكفاية"
و"العناية" باب الحدث في الصلاة ٣٣٦/١ (هامش "فتح القدير") و"البناية" ٤٧١/٢، و"الكافي" باب صفة الصلاة
١/ق ٢٥/أ، والزّيلعيّ في "تبين الحقائق" باب صفة الصلاة ١٠٤/١، وباب الحدث في الصلاة ١٥١/١، و"البحر" باب
صفة الصلاة ٣١١/١، وباب الحدث في الصلاة ٣٩٩/١، و"النهر" باب صفة الصلاة ق٤٢/ب، وباب الحدث في الصلاة
ق٥٩/ب، والعيني في "رمز الحقائق" ٣٦/١. والغريب أنَّ ابن عابدين رحمه الله صرّح بذلك في المقولة [٥٠٤٥] قوله:
((ليأتي بالسلام)) حيث قال: ((وفي كلام صاحب "الهداية" إشارةٌ إلى أنَّ المختارَ قولُ الكَرْخِيّ)). ثم عاد لينقل ترجيح
الشرنبلالي وكلامه ثانية في المقولة [٥١١٠] قوله: ((عنده)) فتأمل.
الجزء الثالث
١٦٧
فرائض الصلاة
((وعليه المحقِّقون)).
وبقِيَ من الفروض تمييزُ المفروض،
وعامَّةُ المشايخ وأكثرُ المحقّقين، والإِمامُ "النسفيُّ" في "الوافي" و"الكافي"(١) و"الكنز)"(٢) وشروحه،
وإمامُ أهلِ السّنّةِ الشّيخُ "أبو منصور" الماتريديُّ)).
[٣٩٠٦] (قولُهُ: وعليه) أي: على الصحيحِ الذي هو قولُ "الكرخيِّ" المقابلُ لقول "البردعيِّ".
وفائدةُ الخلاف بينهما تظهرُ فيما إذا سبَقَهُ حدثٌ بعد قعوده قَدْرَ التشهُّد، إذا لم يتوضَّأ وبْنِ
ويخرجْ بصنعه بطلتْ على تخريجٍ "البردعيِّ"، وصحَّتْ على تخريج "الكرخيِّ"، "ط"(٣).
[٣٩٠٧] (قولُهُ: تمييزُ المفروضِ) فسَّرَهُ "ط"(٤): ((بأنْ يُميِّزَ السجدةَ الثانيةَ عن الأولى - بأنْ
يرفعَ ولو قليلاً ( أو يكونَ إلى القعود أقربَ، قولان مصحَّحان))، ونقَلَ "الشرنبلاليُّ" أصحِّةً
الثاني، وفسَّرَهُ "ح"(٥): ((بأنَّ المراد بالتمييزِ تمييزُ ما فُرِضَ عليه من الصَّلوات عمَّا لم يُفرَضْ
عليه، حتى لو لم يعلمْ فرضيَّةً الخمسِ إلَّ أَنَّه كان يصلِّيها في وقتها لا يُحزيه، ولو عِلِمَ أنَّ
البعض فرضٌ والبعضَ سنّةٌ، ونوى الفرضَ في الكلِّ، أو لم يعلمْ ونوى صلاةَ الإمام عند اقتدائه
في الفرض جاز، ولو علِمَ الفرضَ دون ما فيه من فرائضَ وسننٍ جازتْ صلاتُهُ أيضاً، کذا في
"البحر "(٦)، فليس المرادُ المفروضَ من أجزاءٍ كلِّ صلاةٍ، أي: بأنْ يعلمَ أنَّ القراءة فيها فرضٌ،
وأنَّ التسبيح سنّةٌ وهكذا)) خلافاً لِما يوهمُهُ ما في متنِ "نور الإيضاح" [١/ق ٣٥٠/أ] وإِنْ
كان في شرحِهِ(٧) فسَّرَهُ بما يرفعُ الإِيهامَ.
(١) "الكافي شرح الوافي": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١/ق ٢٥/أ.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٦/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٤/١.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٤/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٤/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٩٧/١ نقلاً عن "الظهيرية".
(٧) انظر "مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة وأركانها صـ٢٤٣ -.
قسم العبادات
١٦٨
حاشية ابن عابدين
وترتيبُ القيام على الركوع، والركوع على السجود، والقعودِ الأخير على ما قبله،
أقولُ: كان ينبغي لـ "الشارح" عدمُ ذكرِهِ ذلك كما فعل في "الخزائن"(١)؛ لأنّه على التفسيرِ
الأَوَّلِ يكون بمعنى افتراضِ السجدة الثانية؛ لأنَّها لا تتحقَّقُ بدون رفعٍ، وقد مرَّ(٢) ذكرُ السجود،
وعلى التفسيرِ الثاني يرجعُ إلى اشتراطِ التعيين في النَّةِ، وقد صرَّحَ به(٣) في بحث النَّة.
[٣٩٠٨) (قولُهُ: وترتيبُ القيامِ على الرُّكوع إلخ) أي: تقديمُهُ عليه، حتى لو ركَعَ ثم قام لم
يعتبرْ ذلك الركوعُ، فإنْ ركَعَ ثانياً صحَّتْ صلاتُهُ لوجودِ الترتيب المفروض، ولزِمَهُ سجودُ السهوِ
لتقديمه الركوعَ المفروض، وكذا تقديمُ الركوع على السجود، حتى لو سجَدَ ثم ركع فإنْ سحَدَ
ثانياً صحَّتْ لِما قلنا.
وقولُهُ: ((والقعودُ الأخيرُ إلخ)) أي: يفترضُ إيقاعُهُ بعد جميعِ الأركان، حتى لو تذكَّرَ بعده
سجدةً صُليَّةً سجَدَها، وأعادَ القعودَ وسجَدَ للسَّهو، ولو ركوعاً قضاه مع ما بعده من السُّجود،
أو قياماً أو قراءةً صلَّى ركعةً كما حرَّرَهُ في "البحر "(٤)، وكان الأولى أنْ يقول: وترتيبُ القعود إلخ
كما فعل في "الخزائن)"(٥) ليُعلَمَ أَنَّه فرضٌ آخرُ، ولأنَّ الترتيب فيه بمعنى التأخيرِ عكسَ ما قبله.
(قولُهُ: أقول: كان ينبغي لـ "الشارح" عدمُ ذكرِهِ ذلك إلخ) ليس كذلك، فإنَّ تمييز المفروض بالمعنى
الأوَّلِ أمرٌ زائدٌ على السَّجدة الثانية مغايرٌ لها، فصَحَّ عدُّهُ فرضاً وإن توقَّفَ تحقّقُها عليه، ونحوُ ذلك يقال في
إتمامِ الصلاة والانتقالِ من ركنٍ إلى آخر، فيسقطُ قوله الآتي: ((ثمّ إنَّ عدَّ الإِتمامِ والانتقالِ إلخ))، تأمَّل.
(قولُهُ: لِيُعَلَّمَ أَنَّه فرضٌ آخرُ) ولهذه العلَّةِ الأولى أن يقول أيضاً: وترتيبُ الركوع على السجود؛
لأَنَّه فرضٌ آخرُ.
(١) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٨٣/ب.
(٢) صـ ١٥٩ - "در".
(٣) صـ ٦٣ - "در".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٥/١.
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٨٣/ب.
الجزء الثالث
١٦٩
فرائض الصلاة
وإتمامُ الصلاة، والانتقالُ من ركنٍ إلى آخر (١)).
ولم يذكرْ تقديمَ القراءة على الرُّكوع لأَنَّه سيذكرُهُ(٢) في الواجبات، وسيأتي هناك تمامُ الكلام على
ذلك كلّه.
[٣٩٠٩] (قولُهُ: وإتمامُ الصلاةِ والانتقالُ إلخ) قال في "الفتح"(٣): ((وقد عُدَّ من الفرائض
إتمامُها والانتقالُ من ركنٍ إلى ركنٍ، قيل: لأنَّ النصَّ الموجِبَ للصلاة يوجبُ ذلك؛ إذ لا وجودَ
للصلاة بدون إتمامها، وذلك يستدعي الأمرين)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ المراد بالإِتمام عدمُ القطع، وبالانتقالِ المذكور الانتقالُ عن الرُّكن للإتيانِ بركنٍ
بعده؛ إذ لا يتحقَّقُ ما بعده إلاّ بذلك، وأمَّا الانتقالُ من ركنٍ إلى آخرَ بلا فاصلٍ بينهما فواجبٌ،
حتى لو ركعَ ثم ركعَ يجبُ عليه سجودُ السهو؛ لأَنَّه لم ينتقلْ من الفرض - وهو الركوعُ - إلى
السجود، بل أدخَلَ بينهما أجنبيّاً، وهو الركوعُ الثاني كما في "شرح المنية"(٤).
وينبغي إبدالُ الركن بالفرضِ كما عبَّرَ في "المنية"(٤) ليشملَ الانتقالَ [١/ق ٣٥٠/ب] من
السُّجود إلى القعدةِ بناءً على ما استظهَرَهُ: ((من أنَّها شرطٌ لا ركنٌ زائدٌ))، لكنْ قَدَّمنا(٥) ترجيحَ
خلافِهِ، فافهم.
ثُمَّ إِنَّ عَدَّ الإتمامِ والانتقالِ المذكورَيْنِ من الفروض يُغني عنه ما ذكَرَهُ "المصنّف" من الفروض.
(قولُهُ: ولم يذكر تقديمَ القراءة على الرُّكوع) أي: في الفرض الغير الثنائيِّ، حتَّى لو ركَعَ قبل
القراءة صحَّ ركوعُ هذه الرَّكعة كما يأتي.
(قولُهُ: ثمَّ إنَّ عَدَّ الإتمام والانتقال إلخ) فيه أنَّ إتمام الصلاة بمعنى عدمٍ قطعها فرضٌ مغايرٌ للفروض
التي ذكَرَها "المصنّف"، ولذا لو شرَعَ فيها ثمَّ قَطَعَها كان تاركاً لفرض الإتمام، ويستحقُّ ما يستحقُّهُ
(١) في "و": (( إلى ركنٍ آخر)).
(٢) صـ ١٩٩ - "در".
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٠/١.
(٤) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - الثامن تعديل الأركان صـ ٢٩٧ -.
(٥) المقولة [٣٨٩٥] قوله: ((والذي يظهر إلخ)).
قسم العبادات
١٧٠
حاشية ابن عابدين
ومتابعتُهُ لإمامه في الفروض، وصحَّةُ صلاة إمامِهِ في رأيه، وعدمُ تقدُّمِهِ عليه، وعدمُ
مخالفته في الجهة، وعدمُ تذكَّرِ فائتةٍ، وعدمُ محاذاةِ امرأةٍ.
[٣٩١٠) (قولُهُ: ومتابعتُهُ لإمامِهِ في الفروضِ) أي: بأنْ يأتيَ بها معه أو بعده، حتى لو ركَعَ
إمامُهُ ورفعَ، فركعَ هو بعده صحَّ بخلاف ما لو ركعَ قبل إمامِهِ ورفعَ، ثم ركعَ إِمامُهُ، ولم يركعْ
٣٠٢/١ ثانياً مع إمامه أو بعده بطلتْ صلاتُهُ، فالمرادُ بالمتابعة عدمُ المسابقة، نعمْ متابعتُهُ لإمامِهِ بمعنى
مشاركته له في الفرائض معه لا قبله ولا بعده واجبةٌ كما سيذكرُهُ(١) في الفصل الآتي عند قوله:
((واعلمْ أنَّ مما يُبْتَنَى على لزومِ المتابعة إلخ). واحترَزَ بالفروض عن الواجباتِ والسُّنن، فإِنَّ المتابعة
فيها ليستْ بفرضٍ، فلا تفسُدُ الصلاةُ بتركها.
(٣٩١١) (قولُهُ: وصحَّةُ صلاةٍ إمامِهِ في رأيه) لأنَّ العبرة لرأىِ المأموم صحَّةً وفساداً على
المعتمد، فلو اقتدى بشافعيّ مسَّ ذكره أو امرأةً صحَّتْ، لا لو خرَجَ منه دمٌّ، "ط١ (٢). وسيأتي (٣)
بیانُهُ في باب الوتر.
[٣٩١٢] (قولُهُ: وعدمُ تقدُّمِهِ عليه) أي: بالعقِب، فيصدُقُ بما لو حاذاه، أو تأخَّرَ عنه،
وإلاّ فسدتْ.
[٣٩١٣) (قولُهُ: وعدمُ مخالفته في الجهةِ) على تقديرِ مضافٍ، أي: عدمُ علمِهِ مخالفةَ إمامه في
الجهةِ حالةَ التحرِّي، والشرطُ عدمُ العلم في وقتِ الاقتداءِ، حتى لو لم يعلمْ إلاَّ بعد تمامِ الصلاة
تاركُ الفرض وإنْ أتى بها تامَّةً بعد ذلك، وافتراضُهُ مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿ وَلَا تْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمَّد -٣٣]،
والانتقالُ المذكور فرضٌ؛ لأَنَّه لا يمكنُ الإتيان بالثاني إلاَّ به، وما لا يُتوصَّلُ إلى الفرض إلاَّ به فرضٌ، ولا شكَّ أنَّ
هذا الانتقالَ غيرُ الفرض الثاني، وحينئذٍ فهو فرضٌ مغايرٌ لِما ذكرَهُ "المصنّف" من الفروض.
(١) صـ٣١٣ - "در".
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٠٤/١ بتصرف يسير.
(٣) المقولة [٥٦٣٢] قوله: ((كما بسطه في "البحر")).
الجزء الثالث
١٧١
فرائض الصلاة
بشرطِهما، وتعديلُ الأركان عند "الثاني" و"الأئمّة الثلاثة"، قال "العيني"(١): ((وهو
المختارُ))، وأقرَّهُ "المصنف"، وبسطناه في "الخزائن".
صحَّتْ كما مرَّ(٢) في محلّهِ، وقَّدنا بحالةِ التحرِّي لأَنَّه يجوزُ مخالفتُهُ لجهةِ إمامه قصداً في داخلٍ
الكعبة أو خارجَها كما لو حلَّقوا حولها، قال "الرَّحمتَيُّ": ((وأطلَقَ اعتماداً على ما تقدَّمَ ويأتي
كما هو عادتُهم في الإطلاق اعتماداً على التقييدِ في محلِّه)).
مطلبٌ: قصدُهم باطلاقِ العبارات أن لا يدَّعيَ علمَهم إلاّ مَنْ زاحَمَهم عليه
قال في "البحر"(٣): ((وقصدُهم بذلك أنْ لا يدَّعِيَ علمَهم إلاَّ مَنْ زاحَمَهم عليه بالرُّكَب،
وليُعَلَمَ أَنَّه لا يحصلُ إلَّ بكثرةِ المراجعة وتُّعِ عباراتهم والأخذِ عن الأشياخ)) اهـ، فافهم.
[٣٩١٤] (قولُهُ: بشرطِهما) أمَّا الأوَّلُ فهو أنْ يكون صاحبَ ترتيبٍ وفي الوقتِ سَعَةٌ، وأمَّا
الثاني فهو أنْ تكون المحاذاةُ في صلاةٍ، مطلقةٍ، مشتركةٍ تحريمةً وأداءً، ونوى الإمامُ [١/ق ٣٥١/أ]
إمامتَها على ما سيأتي، "ح"(٤). والشرطُ وإِنْ وقَعَ في كلامه مفرداً إلاَّ أنَّه مضافٌ فيعمُّ، "أبو
السعود"(٥).
[٣٩١٥] (قولُهُ: وتعديلُ الأركانِ) سيأتي(٦) تفسيرُهُ عند ذكره له في واجباتِ الصلاة.
[٣٩١٦] (قولُهُ: وبسَطناه في "الخزائن")(٧) حيث قال بعد قوله: ((وهو المختارُ)) : ((قلت:
لكنَّه غريبٌ لم أرَ مَنْ عَرَّجَ عليه، والذي رجَّحَهُ الجمُّ الوجوبُ، وحَمَلَ في "الفتح"(٨) - وتِعَهُ
(١) "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣٧/١.
(٢) صـ ١٢٥ - "در".
(٣) لم نعثر على هذا النقل في "البحر".
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٤/ب.
(٥) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٧١/١.
(٦) صـ ٢٠٧ - "در".
(٧) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٨٣/ب.
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٦٢/١.
قسم العبادات
١٧٢
حاشية ابن عابدين
في "البحر"(١) - قولَ "الثاني" على الفرضِ العمليِّ، فيرتفعُ الخلاف، قلتُ: أنَّى يرتفعُ وقد صرَّحَ(٢)
في السَّهوِ بفسادِ الصلاة بتركه عنده خلافاً لهما؟! فتنبّهْ)) اهـ. وهو مأخوذٌ من "النهر"(٣).
أقولُ: والذي دعا صاحبَ "البحر" إلى هذا الحملِ هو التفصِّي(٤) عن إشكالِ قويٍّ، وهو أنَّ
"أبا يوسف" أثْبَتَ الفرضيَّةَ بحديثِ المسيءٍ صلاَهُ(٥)، وهو خبرُ آحادٍ، والدليلُ القطعيُّ أَمَرَ بمطلقٍ
الركوع والسجود، فيلزمُ الزيادةُ على النصِّ الخاصِّ بخبرِ الواحد، و"أبو يوسف" لا يقول به، وإذا
حُمِلَ قوله بغرضَّةٍ تعديلِ الأركان على الفرضِ العمليِّ الذي هو أعلى قسمى الواجب اندفَعَ
الإشكالُ وارتفَعَ الخلاف.
ويرِدُ عليه ما علمتَهُ، وبيانُهُ: أنَّ الفرض العمليَّ هو الذي يفوتُ الجوازُ بفَوته كتقدير مسحٍ
الرأس بالربع، فيلزمُ فسادُ الصلاة بترك التعديلِ المذكور عند "أبي يوسف"، وهما لا يقولان به،
فالخلافُ باقٍ، ويلزمُ الزيادةُ على النصِّ أيضاً؛ لأنَّ مقتضى النصِّ الاكتفاءُ بمسمَّى ركوعٍ
وسجودٍ، فالإشكالُ باقِ أيضاً، لكنْ أجابَ بعض المحقّقين عن الإشكالِ بجوابٍ حسنٍ ذكرتُهُ فيما
(قولُهُ: لكنْ أجابَ بعضُ المحقّقين عن الإشكالِ إلخ) المرادُ به العلاَّمة "نوح أفندي"، وقال بعدما
قرَّرَهُ في دفع الإشكال: (( ثمَّ رأيتُ "ابن الهمام" أشار إلى ما سنَحَ لي، ثمَّ رأيتُ صاحب "البرهان"
أوضَحَ هذا المقامَ طِبْقَ ما ظهَرَ للعبد )) اهـ من "حاشية البحر".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣١٧/١.
(٢) أي: صاحب "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٣٨/١.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٣/أ.
(٤) قال في "القاموس": ((وأفصى: تخلّص من خير أو شرِ كتفصَّى، وفصَّته تفصية: خلصته)) اهـ مادة((فصي)) باختصار.
(٥) أخرجه أحمد ٤٣٧/٢، والبخاريّ (٧٥٧) كتاب الأذان - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في
الحضر والسفر، ومسلم (٣٩٧) كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأبو داود(٨٥٦) كتاب
الصلاة - باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، والترمذيّ(٣٠٣) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء
في وصف الصلاة، وقال هذا حديث حسن صحيح، والنّسَائيّ ١٢٤/٢ كتاب الافتتاح - باب فرض التكبيرة
الأولى، وابن ماجه (١٠٦٠) كتاب الإقامة - باب إتمام الصلاة. كلهم من حديث أبي هريرة رضيبه،، وفي الباب عن
رِفَاعَةَ بنِ رافع، وعمار بن ياسر رضي الله عنهما.
الجزء الثالث
١٧٣
فرائض الصلاة
(وشُرِطَ في أدائها) أي: هذه الفرائض، قلتُ: وبه بلَغَتْ.
علَّقْتُهُ على "البحْر"(١)، وهو: أنَّ المراد بالركوع والسجودِ في الآية عندهما معناهما اللغويُّ، وهو
معلومٌ لا يحتاجُ إلى البيانِ، فلو قلنا بافتراضِ التعديلِ لزِمَ الزيادةُ على النصِّ بُخبرِ الواحد، وعند "أبي
يوسف" معناهما الشرعيُّ، وهو غيرُ معلومٍ، فيحتاجُ إلى البيانِ.
مطلبٌ: مجملُ الكتاب إذا بُيِّنَ بالظنيِّ فالحكمُ بعده مضافٌ إلى الكتاب
وقد صرَّحَ في "العناية"(٢): ((بأنَّ المجملَ من الكتاب إذا لحِقَهُ البيانُ بالظنيِّ كان الحكمُ بعده
مضافاً إلى الكتابِ لا إلى البيانِ في الصحيح، ولذا قلنا بفرضيَّةِ القعدة الأخيرةِ المبَّةِ بخبر الواحد،
ولم نقلْ بفرضَّةِ الفاتحةِ بخبر الواحد أيضاً؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَاقْرَهُ وَأَمَا تَسَرَ﴾ [المزمِّل-٢٠]
خاصٌّ لا محملٌ)). اهـ [١/ق ٣٥١/ب] ملخَّصاً.
والحاصلُ: أنَّ الركوع والسجود خاصَّان عندهما مجملان عنده، وبهذا يندفعُ الإشكالُ من
أصله، لكنْ يبقى الخلافُ على حاله، والله أعلم.
[٣٩١٧) (قولُهُ: أي: هذه الفرائضِ) أي: المذكورةِ في المتن؛ لأنَّ الضمير في كلام "المصنّف"
راجعٌ إليها، ويشملُ القعدةَ الأخيرة على القولِ بركنّتها كما قدَّمناه(٣) من ثمرة الخلاف.
[٣٩١٨] (قولُهُ: قلت: وبه) أي: وبذكرِ هذا الفرضِ، وهو الاختيارُ الآتي(٤) في المتن، وكان
عليه أنْ يذكُرَ هذا قبيل قوله: ((ولها واجباتٌ)) فَيَسلَمَ من عودِ الضمير على المتأخِّرِ الموجِبِ
(قولُهُ: أي: المذكورةِ في المتن) أفادَ أنَّ هذا ليس شرطاً في الواجبات والسنن، بل ولا في الشرائط كما في
القعدة الأخيرة كما أفادَهُ "الشرنبلاليُّ"، وحينئذٍ فيرادُ بالفرائض في كلامه الأركانُ. اهـ "سندي".
(١) انظر "منحة الخالق على البحر الرائق": ٣١٧/١ عند قوله: ((فيرتفع الخلاف)).
(٢) "العناية": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٠/١. (هامش "فتح القدير").
(٣) المقولة [٣٨٩٥] قوله: ((والذي يظهر إلخ)).
(٤) ص١٨٢ - "در".
قسم العبادات
١٧٤
حاشية ابن عابدين
نّيِّقاً وعشرين، وقد نظَمَ "الشرنبلاليُّ" في "شرحه" لـ "الوهبائيَّة" للتحريمة عشرين
شرطاً، ولغيرها ثلاثةَ عشرَ فقال: [طويل ]
مهدّبةً حسنا مَدَى الدَّهرِ تَزهَرُ
شروطٌ لتحريمِ حُظِيْتَ بجمعِها
الركاكةِ التركيب، "ح"(١).
[٣٩١٩] (قولُهُ: نَيِّقاً وعشرين) النِّفُ بالتشديد كهِّنٍ، ويخفّفُ: ما زادَ على العِقد إلى أنْ يبلغَ
العِقدَ الثانيَ، وأراد هنا أحداً وعشرين، ثمانيةً تقدَّمَتْ في المتن، وهذا تاسعُها، وأثني عشرَ في
"الشرح" بجعلٍ ترتيبِ القعود فرضاً مستقلاً كما قدَّمناه(٢)، فافهم.
[٣٩٢٠] (قولُهُ: في شرحِهِ لـ "الوهبانيَّة") وكذا في رسالته المسمَّةِ "دُرَّ الكنوز"(٣)، فإِنَّه ذكَرَ
فيها هذا النظمَ، وزادَ عليه نظمَ الواجبات والسُّنْن والمندوباتِ ومسائلَ أخرَ، وشَرَحَ الجميعَ.
بحثٌ: شروطُ التحريمة
[٣٩٢١] (قولُهُ: للتحريمةِ عشرين شرطاً) بعضُها فيما يتعلَّقُ بلفظها، وباقيها شروطٌ للصلاة
اشْتُرِطَتْ لها على ما اختاره "الشارح" لاَّصالها بالأركان، وقدَّمنا(٤) الكلامَ عليه.
(٣٩٢٢) (قولُهُ: ولغيرِها) أي: غيرِ التحريمة، وهو الصلاةُ، والكلُّ في الحقيقة شروطٌ لصحَّةٍ
الصلاة، إلاَّ أنَّ هذه الثلاثةَ عشرَ لا مدخلَ فيها للتحريمة، فلذا فصَلَها عمَّا قبلها.
(٣٩٢٣] (قولُهُ: شروطٌ) مبتدأُ سوَّغَ الابتداءً به وصفُهُ بقوله: ((لتحريمٍ))، وبقوله:
((حُظِيتَ)) بالبناء للمجهول(٥) وتاءِ الخطاب أو التكلُّمِ، أي: أُعطيتَ حُظوةً بالضمِّ أو الكسرِ،
٣٠٣٫
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق٥٤/ب.
(٢) المقولة [٣٩٠٨] قوله: ((وترتيب القيام على الركوع إلخ)).
(٣) "در الكنوز للعبد الراجي أن يفوز": منظومة لأبي الإخلاص حسن بن عمار الشرنبلالي (ت ١٠٦٩ هـ) تشتمل
على شروط التحريمة وباقي فروض الصلاة. ("كشف الظنون" ٧٣٢/١، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "فهرس مخطوطات
الظاهرية" - الفقه الحنفي ١٥٩/١).
(٤) المقولة [٣٨٦٥] قوله: ((ولاتصالها إلخ)) وما بعده.
(٥) قوله: ((حظيت بالبناء للمجهول إلخ)) مقتضاه أنه متعدّ، وهو مخالفٌ لما في "المصباح" و"القاموس". ونصُّ الأول : =
الجزء الثالث
١٧٥
فرائض الصلاة
دخولٌ لوقتٍ و اعتقادُ دخولِهِ
ونَّةُ إتباعِ الإمامِ ونطقُهُ
بجملةِ ذكرٍ خالصٍ عن مُرادِهِ
وعن تركِ هاوٍ أو لهاءِ جلالةٍ
وعن فاصلٍ فعلٍ كلامٍ مُبايِنٍ
فدونَكَ هذي مستقيماً لقبلةٍ
فحملتُها العشرون بل زِيْدَ غيرُها
وألحقتُها من بعدِ ذاك لغيرِها
قيامُكَ في المفروض مقدارَ آيةٍ
وفي ركعاتِ النّفلِ والوترِ فرضُها
وشرطُ سجودٍ فالقرارُ بجبهةٍ
وبعد قيامٍ فالركوعُ فسحدةٌ
على ظَهْرِ كفٍّ أو على فضلِ ثوِبِهِ
سجودُكَ في عالٍ فَظَهرِ مُشارِكٍ
أداؤُك أفعالَ الصلاةِ بَيَقْظةٍ
ويَخْتِمُ أفعالَ الصلاة قعودُهُ
وسَتْرٌ وطُهْرٌ والقيامُ المحرَّرُ
وتعيينُ فرضٍ أو وجوبٍ فيذكُرُ
وبسملةٍ عرباءَ إنْ هو يَقدِرُ
وعن مدِّ همزاتٍ وباءٍ بأكبرُ
وعن سبقِ تكبيرٍ ومثلُكَ يعذُرُ
لعلَّكَ تحظى بالقبولِ وتُشكَّرُ
وناظمُها يرجو الجوادَ فَيَغْفِرُ(١)
ثلاثةَ عَشْرِ للمصلِّين تَظهَرُ
وتقرأ في ثنتين منه تَخَّرُ
ومَن كان مؤتَمَّاً فعن تلك يُحظَرُ
وقربُ قعودٍ حدّ فصلٍ محرَّرُ
وثانيةٌ قد صحَّ عنها تُؤخَّرُ (٢)
إذا تطهُرُ الأرضُ الجوازُ مقرَّرُ
لسجدتِها عند ازدحامِكَ يُغْفَرُ
وتمييزُ مفروضٍ عليكَ مقرَّرُ
وفي صنعِهِ عنها الخروجُ محرَّرُ
= ((حَظِيَ عند الناس يَحْظَى - من باب تَعِبَ - حِظَةٌ وزان عِدَةٌ وحُظْوَة بضم الحاء وكسرها إذا أحبوه ورفعوا مَنْزِلَتَه
فهو حَظِيٌّ على وزن فَعِيل إلخ)) وفي الثاني: ((وحظي كل واحد من الزوجين عند صاحبه كرضي، واحتظى إلخ))،
فلیحرر . اهـ مصححه.
(١) في "ب" بعد هذا البيت:
وأزكى صلاةٍ مع سلامٍ لمصطفى
(٢) هذا البيت في "و" مقدَّم على الذي قبله.
ذخيرةُ خلق الله للدِّين ينصر
قسم العبادات
١٧٦
حاشية ابن عابدين
أي: مكانةً أو حظّاً، ((بجمعِها مهذَّبةً)) منقَّاةً مصلحةً، منصوبٌ على الحال من الهاء
((حَسْنَا)) بفتحِ أوَّلِهِ ممدودًاً قُصِرَ الضَّرورة، حالٌ أيضاً أو مرفوعٌ على الوصفيَّةِ أيضاً، أو
بالضمِّ والقصرِ منصوبٌ على التمييز، ((مَدى الدَّهرِ)) ظرفٌ لقوله: ((تَزَهَرُ)) من بابٍ منَحَ،
أي: تتلألأ وتضيءُ.
((دخولٌ)) خبرُ المبتدأ ((لوقتٍ)) أي: وقتِ المكتوبة إنْ كانتْ التحريمةُ لها ((واعتقادُ
دخولِهِ)) أو ما يقومُ مَقامَ الاعتقادِ من غلبةِ الظنِّ، فلو شرَعَ شاكاً فيه [١/ق ٣٥٢/ أ] لا تُجزيِهِ وإِنْ
تَبَّنَ دخولُهُ ((وسَتَرٌ)) لعورةٍ ((وطُهرِّ)) من حدثٍ ونجاسةٍ مانعةٍ في بدنِ وثوبٍ ومكانٍ، وكذا
يُشترَطُ اعتقادُ ذلك، فلو صلَّى على أنَّه مُحدِثٌ، أو أنَّ ثوبه مثلاً نجسرٌ، فبانَ خلافُهُ لم يجزْ كما
مرَّ(١) عند قوله: ((وإنْ شَرَعَ بلا تحرّ إلخ))، قال "ح"(٢): ((وينبغي أنْ يكونَ السَّتر كذلك)).
((والقيامُ)) لقادرٍ في غيرِ نفلٍ وفي سنّةِ فجرِ ((المحرَّرُ)) بأنْ لا تنالَ يداه ركبتيه كما مرَّ(٣)، فلو
أدرَكَ الإِمامَ راكعاً، فكَبَّرَ منحنيًاً لم تصحَّ تحريمته.
((ونيَُّ اتباعِ الإمامِ)) أنت خبيرٌ بأنَّ هذا شرطٌ لصحَّةِ الاقتداء لا لصحَّةٍ التحريمة؛ لأَنَّه إذا لم
ينوِ المتابعةَ صحَّ شروعُهُ منفرداً، لكنَّه إذا ترَكَ القراءةَ أصلاً تبطُلُ صلاته، نعم يشترطُ لصحَّةٍ
التجريمة فيَّةُ مطلقِ الصلاة ولم يذكره، فكان ينبغي أنْ يقول: ونَيَّتُهُ أَصلَ الصلاة، إلاَّ أنْ يقال:
((اتباعُ)) بالرَّفع بإسقاطِ العاطف، فيكون بياناً؛ لأَنّه يشترطُ أنْ يكون بتحريمته تابعاً لإمامه لا
سابقاً عليه ((ونطقُهُ)) اعتُرِضَ بأنَّ النطق ركنُ التحريمة، فكيف يكونُ شرطاً؟! وأجيب: بأنَّ
المراد نطقُهُ على وجهٍ خاصٍّ، وهو أنْ يُسمِعَ بها نفسَهُ، فمَنْ همَسَ بها أو أجراها على قلبه
(قولُهُ: أو بالضمّ إلخ) أي: بضمِّ الحاء وسكون السِّين مصدرٌ.
(١) المقولة [٣٨١٣] قوله: ((وإن شرع)).
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٥٥/أ بتصرف.
(٣) صـ ١٥٠ - "در".