النص المفهرس
صفحات 21-40
الجزء الثالث
١٧
باب شروط الصلاة
حَتَّى شعرُها النازلُ في الأصحِّ (خلا الوجه والكفِّين)
طالقٌ قبله ثلاثاً، فإذا أنَجَزَ(١) عليها طلاقاً فقد وُجدَ الشرطُ، فيقعُ الثلاثُ قبله، ووقوعُها قبله يقتضي
عدمَ وقوعه، فالقولُ بوقوعه باطلٌ، فإذا ألغينا القَبْلَيَّةَ صار كأنَّه قال: إِنْ طلّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً،
فإذا طلَّقَ وقعَ عليها واحدةٌ بتنجيزه، وثنتان من الثلاث بتعليقه، "ح"(٢).
[٣٥٨١] (قولُهُ: حَتّى شعرُها) بالرَّفع عطفاً على ((جميعُ))، "ح"(٣).
[٣٥٨٢) (قولُهُ: النازلُ) أي: عن الرأسِ بأنْ جاوَزَ الأذنَ، وقَّدَ به إذ لا خلافَ فيما على
الرأس.
[٣٥٨٣] (قولُهُ: في الأصحِّ) صحَّحَهُ في "الهداية"(٤) و "المحيط" و"الكافي"(٥) وغيرها، وصحَّحَ
في "الخاتَّة"(٦) خلافَهُ مع تصحيحه حرمةَ النظر إليه، وهو روايةُ "المنتقى"، واختاره "الصدر
الشهيد"، والأوَّلُ أصحُّ وأحوطُ كما في "الحلبة (٧) عن "شرح الجامع" لـ "فخر الإسلام"، وعليه
الفتوى كما في "المعراج".
والمعلَّقُ عند وجودٍ شرطه كالمنجز حينئذٍ، فإذا صلَّتْ في مسألة الصلاة صلاةً صحيحةً وإنْ كانت بدون
قناعٍ لرِقُها صار كأَنَّه قال في ذلك الوقت: أنتِ حرَّةٌ قبل هذه الصلاة، أو أنتِ حرَّةٌ إذا صحَّتْ صلاتُكِ
فَتَعِقُ. اهـ "سندي".
(١) في "ب" و"م": ((نَجز)).
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٤/ب.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٤/ب.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٤٤/١.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٣/ب.
(٦) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يفسد الصلاة ١٣٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة ١/ ق ٣١٥/ب.
قسم العبادات
١٨
حاشية ابن عابدين
فظهرُ الكفِّ عورةٌ على المذهب (والقدمين) على المعتمد،.
....
[٣٥٨٤] (قولُهُ: فظهْرُ الكفِّ عورةٌ) قال في "معراج الدراية" ما نصُّه: ((اعتُرِضَ بأنَّ استثناء
الكفِّ لا يدلُّ على أنَّ ظهر الكفِّ عورةٌ؛ لأنَّ الكفَّ لغةً يتناولُ الظاهر والباطنَ، ولهذا يقال: ظهرُ
الكفِّ"، وأجيبَ بأنَّ الكفَّ عرفاً واستعمالاً لا يتناولُ ظهره)) اهـ.
فظهَرَ أنَّ التفريع مبنيٌّ على الاستعمال العربيِّ لا اللغويِّ، فافهم.
[٣٥٨٥] (قولُهُ: على المذهبِ) أي: ظاهرِ الرِّواية، وفي "مختلفات قاضي خان"(١) وغيرها: ((أنّه
ليس بعورةٍ))، وأَيَدَهُ في "شرح المنية"(٢) بثلاثةِ أوجهٍ، وقال: ((فكان هو الأصحَّ وإِنْ كان غيرَ
٢٧١/١ ظاهرِ الرواية))، وكذا أَيَّدَهُ في "الحلبة"(٣) وقال: ((مشى عليه في "المحيط" و"شرح الجامع"
لـ "قاضي خان")) (٤) اهـ. واعتمده "الشرنبلاليُّ" في "الإِمداد"(٥).
[٣٥٨٦] (قولُهُ: على المعتمدِ) أي: من أقوال ثلاثةٍ مصحَّحَةٍ، ثانيها: عورةٌ مطلقاً، ثالثها:
عورةٌ خارجَ الصلاة لا فيها.
أقول: ولم يتعرَّضْ لظهرِ القدم، وفي "القُهُستانيِّ"(٦) عن "الخلاصة"(٧): [١/ق ٣١٣/ب]
: قوله: ((ولهذا يقال: ظهر الكف)) أي: بالإضافة إلى الكف، وجعل بعضهم الإضافة دليلاً على أنَّه ليس من الكف؛ إذْ
لو كان من الكف لزم إضافة الجزء إلى كلّه، وفيه نظر؛ لأنَّه يقال: رأس زيد ويد زيد. اهـ منه
(١) لم نجد نسبة هذا الكتاب لقاضيخان فيما بين أيدينا من المصادر.
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ ٢١١ -.
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة ١/ق ٣١٤/أ.
(٤) "شرح الجامع الصغير": كتاب الطهارة - باب انكشاف العورة ١/ق ١٣/أ.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في متعلقات الشرط ق١٢٦/ب.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٨١/١.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس في ستر العورة ق ٢٤/أ.
الجزء الثالث
١٩
باب شروط الصلاة
وصوتها على الراجح،
((اختلفتِ الرواياتُ في بطن القدم)) اهـ.
وظاهرُهُ: أَنَّه لا خلافَ في ظاهره، ثم رأيتُ في مقدِّمة المحقّقِ "ابنِ الهمام" المسمَّةِ بـ "زاد
الفقير"(١) قال بعدَ تصحيحِ أنَّ انكشاف ربعِ القدم مانعٌ: ((ولو انكشفَ ظهرُ قدمها لم تَفْسُدْ))،
وعزاه المصنّفُ "التمرتاشيُّ" في شرحها المسمَّى "إعانة الحقير" إلى "الخلاصة"، ثم نقَلَ عن
"الخلاصة"(٢) عن "المحيط": ((أَنَّ في باطن القدم روايتين، وأنَّ الأصحَّ أَنَّه عورةٌ))، ثم قال:
((أقول: فاسْتُفيدَ من كلام "الخلاصة" أنَّ الخلاف إنما هو في باطن القدم، وأمَّا ظاهرُهُ فليس بعورةٍ
بلا خلافٍ، ولهذا جزم "المصنّف" بعدمِ الفساد بانكشافه، لكنْ في كلام العلاَّمة "قاسمٍ" إشارةٌ إلى
أنَّ الخلاف ثابتٌ فيه أيضاً، فإِنَّه قال بعد نقله أنَّ الصحيح أنَّ انكشاف ربعِ القدم يمنعُ الصلاةَ قال:
لأنَّ ظهر القدمِ محلُّ الزِّينة المنهيِّ عن إبدائها، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجِهِنَّ لِيُعْلَمَ
مَا يُخْفِينَ مِنْ زِيَتِهِنَّ﴾ [ النور - ٣١])). اهـ كلامُ "المصنّف".
[ مطلبٌ في حكم صوتِ المرأة ]
[٣٥٨٧] (قولُهُ: وصوتَها) معطوفٌ على المستثنى، يعني: أنَّه ليس بعورةٍ، "ح(٢).
[٣٥٨٨) (قولُهُ: على الراجحِ) عبارةُ "البحر"(٤) عن "الحلبة (*): ((أَنَّه الأشبهُ))، وفي
"النهر"(٦): ((وهو الذي ينبغي اعتمادُهُ))، ومقابلُهُ ما في "النوازل": ((نغمةُ المرأة عورةٌ، وتعلُّمُها القرآنَ
من المرأة أحبُّ، قال عليه الصلاة والسلام: ((التسبيحُ للرجال، والتصفيقُ للنساء)(٧)، فلا يحسُنُ
(١) هو مختصر في مسائل الصلاة. انظر "كشف الظنون" ٩٤٥/٢، و"الفوائد البهية" صـ ١٨٠ -.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس في ستر العورة ق ٢٤/أ.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٤/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٥/١.
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة ١/ق ٣٢١/أ.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٣٩/أ.
(٧) أخرجه أحمد ٢٦١/٢ و٣١٧ و٣٧٦ و٤٣٢ و٤٤٠ و٤٧٩ و٤٩٢، والبخاريّ(١٢٠٣) كتاب العمل في الصلاة =
قسم العبادات
٢٠
حاشية ابن عابدين
أنْ يسمعَها الرَّجُلُ)) اهـ
وفي "الكافي"(١): ((ولا تلّي جهراً؛ لأنَّ صوتها عورةٌ))، ومشى عليه في "المحيط" في باب
الأذان، "بحر "(٢). قال في "الفتح"(٣): ((وعلى هذا لو قيل: إذا جهرتْ بالقراءة في الصلاة فسدتْ
كان متّجهاً، ولهذا منَعَها عليه الصلاة والسلام من التسبيح بالصَّوت لإعلامِ الإمام بسهوِهِ إلى
التصفيق)) اهـ.
وأقرَّهُ "البرهانُ الحلبيُّ" في "شرح المنية الكبير"(٤)، وكذا في "الإمداد"(٥)، ثُمَّ نقَلَ عن خطٌ
العلاَّمة "المقدسيّ": ((ذكَرَ الإِمام "أبو العَبَّاس" القرطبيُّ في كتابه في السماع(٦): ولا يظنَّ مَنْ لا
فطنةً عنده أنّا إذا قلنا: صوتُ المرأة عورةٌ أَنَّا نريدُ بذلك كلامها؛ لأنَّ ذلك ليس بصحيحٍ، فإنّا
نجيزُ الكلامَ مع النساء للأجانب ومحاورتَهنَّ عند الحاجة إلى ذلك، ولا نجيزُ لهنَّ رفعَ أصواتهنَّ
= باب التصفيق للنساء، ومسلم (٤٢٢) كتاب الصلاة - باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة، وأبو داود (٩٣٩)
كتاب الصلاة - باب التصفيق في الصلاة، والترمذيّ (٣٦٩) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء أنَّ التسبيح
للرجال والتصفيق للنساء، وقال: حديث أبي هريرة ◌ُّه حديث حسن صحيح، والنِّسَائِيّ ١١/٣-١٢ كتاب
السهو - باب التصفيق في الصلاة، وابن ماجه (١٠٣٤) كتاب الإقامة - باب التسبيح للرجال في الصلاة
والتصفيق للنساء، كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌َّته، وفي الباب عن علي، وسهل بن سعد، وجابر، وأبي سعيد
الخدري، وابن عمر ثه.
(١) "كافي النسفي": كتاب الحج - الإحرام ١/ق ٨٦/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٥/١.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٢٧/١ بتصرف يسير.
(٤) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ٢١٧ -.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في متعلقات الشروط ق١٢٨/أ.
(٦) المسمى "كشف القناع عن الوجد والسماع": لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم، جمال الدين المعروف بابن
المزين القرطبي المالكي (ت ٦٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٤٩٣/٢، "هدية العارفين" ٩٦/١، "الأعلام" ١٨٦/١).
الجزء الثالث
٢١
باب شروط الصلاة
وذراعيها على المرجوح.
(وتُمنَعُ) المرأةُ الشأبَّة (من كشفِ الوجهِ بين رجالٍ) لا لأَنَّه عورةٌ، بل الخوفٍ
الفتنة) كمسِّهِ وإِنْ أَمِنَ الشهوةَ؛.
[١/ق٣١٤/أ] ولا تمطيطَها ولا تلينَها وتقطيعَها لِما في ذلك من استمالةِ الرِّجال إليهنَّ وتحريكِ
الشهوات منهم، ومن هذا لم يَجُزْ أنْ تؤذِّنَ المرأةُ)) اهـ
قلت: ويشيرُ إلى هذا تعبيرٌ "النوازل" بالنَّغمة.
[٣٥٨٩] (قولُهُ: وذراعيها) معطوفٌ على المستثنى، "ح"(١).
[٣٥٩٠] (قولُهُ: على المرجوحِ) قال في "المعراج" عن "المبسوط": ((وفي الذِّراع روايتان،
والأصحُّ أَنَّها عورةٌ)) اهـ.
قال في "البحر"(٢): ((وصحَّحَ بعضُهم أَنَّه عورةٌ في الصلاة لا خارجَها، والمذهبُ ما في
المتون؛ لأَنَّه ظاهرُ الرِّواية)).
[٣٥٩١] (قولُهُ: وتُمنَعُ المرأةُ إلخ) أي: تُنَهَى عنه وإنْ لم يكن عورةً.
[٣٥٩٢] (قولُهُ: بل لخوفِ الفتنةِ) أي: الفجورِ بها، "قاموس"(٣). أو الشهوةٍ، والمعنى:
تُمنَعُ من الكشفِ لخوفٍ أنْ يرى الرِّجال وجهَها فتقعَ الفتنةُ؛ لأَنَّه مع الكشف قد يقعُ النظرُ
إليها بشهوةٍ.
(٣٥٩٣] (قولُهُ: كمسِّهِ) أي: كما يُمنَعُ الرَّجُلُ من مسِّ وجهِها وكفِّها وإِنْ أَمِنَ الشهوةَ إلخ،
قال "الشارح" في الحظر والإباحة(٤): ((وهذا في الشأَبَّةِ، أمَّا العجوزُ التي لا تُشتَهَى فلا بأسَ
بمصافحتها ومسلِّ يدها إنْ أُمِنَ)) اهـ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٥/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٤/١.
(٣) "القاموس": مادة ((فتن)).
(٤) انظر المقولة [٣٣٠٢٣] قوله: ((أما العجوز إلخ)).
قسم العبادات
٢٢
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه أغلظُ، ولذا ثبَتَ به حرمةُ المصاهرة كما يأتي في الحظر (ولا يجوزُ النظر إليه
بشهوةٍ.
ثمَّ كان المناسبُ في التعبير ذِكْرَ مسألة المسِّ بعد مسألة النظر، بأنْ يقول: ولا يجوزُ النظرُ إليه
بشهوةٍ كمسِّهِ وإِنْ أَمِنَ الشهوةَ إلخ؛ لأنَّ كلاً من النظر والمسِّ مما يُمنَعُ الرجُلُ عنه، والكلامُ فيما
تُمنَعُ هي عنه.
[٣٥٩٤] (قولُهُ: لأَنَّه أغلظُ) أي: من النظر، وهو علّةٌ لمنعِ المسِّ عند أمْنِ الشهوة، أي: بخلاف
النظر، فإنّه عند الأمنِ لا يُمنَعُ، "ط) (١).
[٣٥٩٥] (قولُهُ: ثبَتَ به) أي: بالمسِّ المقارِنِ للشهوة بخلاف النظرِ لغير الفرج الداخل، فلا
تثبتُ به حرمةُ المصاهرة مطلقاً، "ط"(٢).
(٣٥٩٦) (قولُهُ: ولا يجوزُ النظرُ إليه بشهوةٍ) أي: إلاَّ لحاجةٍ كقاضٍ أو شاهدٍ يحكُمُ أو يشهدُ
عليها لا لتحمُّلِ الشهادة، وكخاطبٍ يريدُ نكاحها، فينظرُ ولو عن شهوةٍ بِنَّةِ السُّنَّة لا قضاءٍ
الشَّهوة، وكذا مريدُ شرائها أو مداواتِها إلى موضعِ المرض بقدْرِ الضَّرورة كما سيأتي في الحظر (٣)،
والتقييدُ بالشَّهوة يفيدُ جوازَه بدونها، لكنْ سيأتي في الحظر(٣) تقييدُهُ بالضّرورة، وظاهرُهُ الكراهةُ
بلا حاجةٍ داعيةٍ، قال في "التاتر خانَّةً"(٤): ((وفي "شرح الكرخيِّ"(٥): النظرُ إلى وجهِ الأجنبيَّةِ الحرَّةِ
ليس بحرامٍ، ولكنه يكرهُ لغيرِ حاجةٍ)) اهـ.
[٣٥٩٧] (قولُهُ: بشهوةٍ) [١/ق٣١٤/ب] لم أر تفسيرها هنا، والمذكورُ في المصاهرة أنَّه فيمَنْ
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩١/١.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩١/١.
(٣) انظر المقولة [٣٣٠٤٩] قوله: ((بنَّة السنة)).
(٤) لعل هذه المسألة في "الحظر والإباحة" من "التاترخانية"، وهو غير مطبوع.
(٥) لعله شرح أبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي (ت٣٤٠ هـ) على "الجامع الصغير" للإمام محمد ("كشف
الظنون" ٥٦٣/١، "الفوائد البهية"صـ ١٠٨-).
الجزء الثالث
٢٣
باب شروط الصلاة
كوجهِ أمردَ)
ينتشرُ بالانتشار أو زيادتِهِ إنْ كان موجوداً، وفي المرأة والفاني ميلِ القلب، والذي تفيدُهُ عبارةُ
"مسكين" في الحظر: ((أَنَّهَا مَيْلُ القلب مطلقاً))، ولعلَّه الأنسبُ هنا. اهـ "ط"(١).
قلت: يؤيِّدُهُ ما في "القول المعتبر في بيان النظر"(٢) لسيِّدي "عبد الغني": ((بيانُ الشهوة التي هي
مناطُ الحرمة: أنْ يتحرَّكَ قلبُ الإِنسان، ويميلَ بطبعه إلى اللَّذَّهِ، وربما انتشرتْ آلْتُهُ إِنْ كَثُرَ ذلك
الميلانُ، وعدمُ الشهوة: أنْ لا يتحرَّكَ قلبُهُ إلى شيءٍ من ذلك بمنزلة مَنْ نظَرَ إلى ابنه الصبيحِ الوجهِ
٢٧٢/١ وابنته الحسناءِ)) اهـ. وسيأتي تمامُ الكلام على ذلك(٣) في كتابِ الحظر والإباحة.
مطلبٌ في النظر إلى وجهِ الأمردِ
[٣٥٩٨) (قولُهُ: كوجهِ أمردَ) هو الشابُّ الذي طرَّ شاربه، ولم تنبتْ لحِيتُهُ، "قاموس"(٤). قال
في "الملتقط": ((الغلامُ إذا بلَغَ مبلغَ الرجال، ولم يكن صبيحاً فحكمُهُ حكمُ الرِّجال، وإنْ كان
صبيحاً فحكمُهُ حكمُ النساء، وهو عورةٌ من فَرْقه إلى قَدَمه، قال السيِّدُ الإِمام "أبو القاسم"(٥):
يعني: لا يحلُّ النظرُ إليه عن شهوةٍ، وأمَّ الخلوةُ والنظرُ إليه لا عن شهوةٍ لا بأسَ به، ولهذا لم يؤمرْ
بالنقاب)) اهـ.
أقول: وهذا شاملٌ لمن نَبَتَ عذارُهُ، بل بعضُ الفسقة يفضِّلُهُ على الأمردِ خالي العذارِ.
والظَّاهرُ: أنَّ طُرورَ الشارب وبلوغَهُ مبلغَ الرجال غيرُ قيدٍ، بل هو بيانٌ لغايته، وأنَّ ابتداءه
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩١/١.
(٢) انظر "إيضاح المكنون"٢٥٤/٢، و"سلك الدرر" ٣٠/٣.
(٣) انظر المقولة [٣٢٩٩٧] قوله: ((ولو أمرد صبيح الوجه)).
(٤) "القاموس": مادة ((مرد)).
(٥) السيد الإمام أبو القاسم محمد بن يوسف بن محمد المعروف بابن القَطَن العَلَويّ الَّدَنيّ السمر قنديّ(ت ٥٥٦هـ).
("الجواهر المضية" ٤٠٩/٣، "هدية العارفين" ٩٤/٢، "الأعلام" ١٤٩/٧).
قسم العبادات
٢٤.
حاشية ابن عابدين
فإنّه يحرُمُ النظرُ إلى وجهها ووجهِ الأمردِ إذا شكَّ في الشهوة، أمَّا بدونها فيباحُ ولو
جميلاً كما اعتمَدَهُ "الكمال"، قال: ((فحِلُّ النظر منوطٌ بعدم خشية الشهوة مع
عدم العورة ))، وفي "السِّراج"(١): (( لا عورةَ للصغير جدًّاً، ثم ما دام لم يُشتَهَ فقُبُلٌ
ودُبرٌ،.
من حين بلوغه سنّاً تشتهيه النساء، أو لو كانت صغيرةً لاشتُهَيَتْ فيه للرِّجال، والمرادُ من كونه
صبيحاً أنْ يكون جميلاً بحسبِ طبعِ النَّاظر ولو كان أسودَ؛ لأنَّ الحُسْن يختلفُ باختلافِ الطبائع.
ويستفادُ من تشبيهِ وجهِ المرأة بوجهِ الأمردِ أنَّ حرمة النظر إليه بشهوةٍ أعظمُ إثماً؛ لأنَّ خشيةً
الفتنة به أعظمُ منها، ولأَنَّ لا يحلُّ بحالٍ بخلافٍ المرأة كما قالوا في الزِّنا واللّواطة، ولذا بالَغَ السلفُ
في التنفير منهم، وسمَّوهم الأنتانَ لاستقدارهم شرعاً، قال بعضهم: قال "ابن القطَّان"(٢): أجمعوا
على أنَّه يحرُمُ النظرُ إلى غير الملتحي بقصدِ التلذُّذِ بالنظر وتمتُّعِ البصر بمحاسنه، وأجمعوا على جوازه
بغيرِ قصدِ الذَّة والناظرُ مع [١/ق٣١٥/ أ] ذلك آمِنٌ الفتنةً.
[٣٥٩٩] (قولُهُ: فَإِنَّه يحرُمُ إلخ) أتى بالفاء لأَنَّه دليلٌ على المتن؛ لأَنَّه إذا حرُمَ مع الشكِّ في
وجودها ففي وجودها بالفعل أولى، "ح"(٣).
[٣٦٠٠) (قولُهُ: كما اعتمَدَهُ "الكمال")(٤) أي: بناءً على ما يظهرُ من عبارته المنقولةِ عقِبَ
هذا بقوله: ((قال إلخ))، وكان المناسبُ أنْ يقول: حيث قال.
[٣٦٠١] (قولُهُ: لا عورةَ للصغير جداً) وكذا الصغيرةُ كما في "السِّراج "(٥)، فيباحُ النظرُ والمسُّ
(١) "السّراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ١٣٨/ب.
(٢) هو - والله أعلم - أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك المعروف بابن القَطّان الفاسيّ (ت٦٢٨هـ)، فقيه أصولي محدث
له كتاب "النظر في أحكام النظر". ( "إيضاح المكنون" ٦٥٧/٢، "شذرات الذهب" ٢٢٥/٧، "الأعلام" ٣٣١/٤).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٥/أ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٢٦/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ١٤٠/أ.
الجزء الثالث
٢٥
باب شروط الصلاة
ثمَّ تغلُظُ إلى عشر سنين، ثم كبالِغٍ )).
وفي "الأشباه"(١): ((يدخلُ على النساء.
٠٠
كما في "المعراج"، قال" ح"(٢): ((وفسَّرَهُ "شيخنا" بابنِ أربعٍ فما دونها، ولم أدرِ لمن عزاه)) اهـ.
أقولُ: وقد يؤخذُ مما في جنائزِ "الشرنبلالَّة "(٣)، ونصُّهُ: ((وإذا لم يبلغ الصغيرُ والصغيرةُ حدَّ
الشهوة يغسِّلُهما الرجالُ والنساء، وقدَّرَهُ في "الأصل"(٤) بأن يكون قبلَ أنْ يتكلَّمَ)) اهـ
[٣٦٠٢) (قولُهُ: ثمَّ تغلُظُ) قيل: المرادُ أَنَّه يعتبرُ الدُّبُرُ وما حوله من الأليتين، والقُبلُ وما حوله،
يعني: أَنَّه يعتبرُ في عورته ما غُلُظَ من الكبير، ويحتمل أنَّهما قبل ذلك من المخفَّفِ، فالنظرُ إليهما
عند عدمِ الاشتهاء أخفُّ إليهما من النظر بعدُ، وليحرَّرْ، "ط" (٥).
(٣٦٠٣) (قولُهُ: ثمَّ كبالغٍ) أي: عورتُهُ تكون بعد العشرةِ كعورةِ البالغين، وفي "النهر "(1).
((كان ينبغي اعتبارُ السَّبْع لأمرهما بالصلاة إذا بلغا هذا السِّنَّ)). اهـ "ط"(٧).
(قولُهُ: أقولُ: قد يُؤْخَذُ مما في جنائزِ "الشرنبلاليّة" إلخ) أي: حيث نقَلَ عن "الأصل" تقديرَهُ بما
قبل التكلُّمِ، وهو لا يكونُ إلاَّ بعد أربع سنين. ثُمَّ إِنَّ ما في "الأصل" مقابلٌ لِما قبله من اعتبارٍ عدم
بلوغ حدِّ الشَّهوة كما هو ظاهرٌ، ويدلُّ عليه ما ذكرَهُ "الشارح" في الجنائز بقوله: ((ويُيَمِّمُ الخنثى
المشكلُ لو مراهقاً، وإلاَّ فكغيره، فيُغسِّلُهُ الرجالُ والنساء)) اهـ. والمرادُ بالمراهقِ هنا مَن بَلَغَ حدَّ
الشَّهوة كما يأتي للمحشِّي.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - أحكام الصبيان صـ٣٦٦-٣٦٧ -.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٥/أ.
(٣) "الشرنيلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦١/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٤) "الأصل": كتاب الطهارة والصلاة - باب غسل الميت من الرجال والنساء ٣٩٢/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩١/١.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٨/ب.
. (٧) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩١/١ نقلاً عن أبي السعود.
قسم العبادات .
٢٦
حاشية ابن عابدين
إلى خمسةَ عشرَ سنةً حَسْبُ(١))).
(وَيَمْنَعُ)
أقولُ: سيأتي(٢) في الحظر أنَّ الأَمَةَ إذا بلغتْ حدَّ الشهوة لا تُعرَضُ على البيع في إزارٍ واحدٍ
يسترُ ما بين السُّرَّة والركبة؛ لأنَّ ظهرها وبطنها عورةٌ)) اهـ.
فقد أعطَوها حكمَ البالغة من حين بلوغٍ حدِّ الشَّهوة، واختلفوا في تقديرٍ حدِّ الشَّهوة، فقيل:
سبعٌ، وقيل: تسعٌ، وسيأتي(٣) في باب الإمامة تصحيحُ عدمِ اعتباره بالسنِّ، بل المعتبرُ أنْ تصلُحَ
للجماع، بأنْ تكون عبلةً ضخمةً، وهذا هو المناسبُ اعتبارُهُ هنا، فتدبّرْ.
[٣٦٠٤] (قولُهُ: إلى خمسةَ عشرَ) صوابُهُ: خمس عشرة؛ لأنَّ المعدود مؤنَّثٌ مذكورٌ. اهـ
"ح"(٤).
ولا يخفى أنَّ الغاية غيرُ داخلةٍ، وإلاَّ فهو بالغٌ بالسنِّ، فلا يحلُّ له النظرُ والدخولُ؛ لأَنّه
مكلّفٌ كما لو بلَغَ بالاحتلام ولو فيما قبلَ ذلك.
( تتمَّةٌ )
سيأتي(٥) في الحظر أنَّ الذمِّية كالرجل الأجنبيِّ في الأصحِّ، فلا تنظرُ إلى بدن المسلمة، وأنَّ
كلَّ عضوٍ لا يجوزُ النظرُ إليه قبل الانفصال لا يجوزُ بعدَه كشعرِ عانته، وشعرِ رأسها، وعظمِ ذراعِ
حرَّةٍ ميتةٍ، وساقِها، وقُلامةِ ظفرِ رِجْلِها [١/ق٣١٥/ب] دونَ يدها، وأنَّ النظر إلى ملاءة الأجنبيّةِ
بشهوةٍ حرامٌ، وسيأتي تمامُ الفوائدِ المتعلّقة بذلك هناك(٦).
[٣٦٠٥] (قولُهُ: ويَمنعُ إلخ) هذا تفصيلُ ما أجمَلَهُ بقوله: ((وسترُ عورته))، "ح(٧).
(١) ((حسب)) ليست في "د".
(٢) المقولة [٣٣٠٣٦] قوله: ((وأمة بلغت حدَّ الشهوة)).
(٣) المقولة [٤٨١٨] قوله: ((كبنت تسع مطلقاً)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٥/أ.
(٥) المقولة [٣٣٠٥٥] قوله: ((والذمية)).
(٦) المقولة [٣٣٠٦٠] قوله: ((النظر إلى ملاءة الأجنبيَّة بشهوةٍ حرام)).
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٥/أ.
الجزء الثالث
٢٧
باب شروط الصلاة
حتّى انعقادَها (كشفُ ربعٍ عضوٍ) قدْرَ أداءِ ركنٍ بلا صنعِهِ (من) عورةٍ (غليظةٍ أو
خفيفةٍ).
[٣٦٠٦] (قولُهُ: حتّى انعقادَها) منصوبٌ عطفاً على محذوفٍ، أي: ويَمنعُ صحَّةً الصلاة حتى انعقادَها.
والحاصلُ: أَنَّه يمنعُ الصلاةَ في الابتداء، ويرفعُها في البقاء، "ح(١).
[٣٦٠٧] (قولُهُ: قدرَ أداءِ ركنٍ) أي: بسنِتِهِ، "منية". قال "شارحها"(٢): ((وذلك قدرَ ثلاثٍ
تسبيحاتٍ)) اهـ.
وكأنّه قَّدَ بذلك حملاً للرُّكن على القصيرِ منه للاحتياط، وإلاَّ فالقعودُ الأخيرُ والقيامُ
المشتمِلُ على القراءة المسنونةِ أكثرُ من ذلك.
ثُمَّ ما ذكَرَهُ "الشارح" قولُ "أبي يوسف"، واعتبرَ "محمَّدٌ" أداءَ الركن حقيقةً، والأوَّلُ المختارُ
للاحتياط كما في "شرح المنية"(٣)، واحترَزَ عمَّا إذا انكشَفَ ربعُ عضوٍ أقلّ من قدرِ أداءِ ركنٍ فلا
يُفسِدُ اتفاقاً؛ لأنَّ الانكشاف الكثير في الزَّمانِ القليلِ عفوٌ كالانكشاف القليل في الزمنِ الكثير،
وعمَّا إذا أدَّى مع الانكشاف ركناً فإِنَّها تفسُدُ اتفاقاً، قال "ح(٤): ((واعلمْ أنَّ هذا التفصيلَ في
الانكشاف الحادثِ في أثناءِ الصلاة، أمَّا المقارِنُ لابتدائها فإِنَّه يَمنعُ انعقادَها مطلقاً اتّفاقاً بعد أنْ
يكون المكشوفُ ربعَ العضو، وكلامُ "الشارح" يوهمُ أنَّ قوله: قدرَ أداءِ ركنٍ قيدٌ في منعِ الانعقاد
أيضاً)) اهـ
[٣٦٠٨] (قولُهُ: بلا صُنعهِ) فلو به فسدتْ في الحال عندهم، "قنية"(٥). قال "ح"(٦): ((أي:
وإنْ كان أقلّ من أداءِ ركنٍ)) اهـ.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٥/أ.
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ٢١٥ -.
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ٢١٥ -.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٥/أ.
(٥) "القنية": كتاب الصلاة - باب في ستر العورة ق ١٠/ب.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٥/أ.
قسم العبادات
٢٨
حاشية ابن عابدين
على المعتمد.
٢٧٣
وفي "الخانَّة"(١): ((إذا طُرِحَ المقتدي في الزَّحمة أمامَ الإمام، أو في صفِّ النساء، أو مكان
نجسٍ، أو حوُلُوه عن القبلة، أو طرحوا إزارَهُ، أو سقَطَ عنه ثوبُهُ، أو انكشفتْ عورتُهُ ففيما إذا
تعمَّدَ ذلك فسدتْ صلاته وإِنْ قلَّ، فإنْ أدَّى ركناً فكذلك، وإلاّ فإنْ مكَثَ بعذرِ لا تفسدُ في
قولهم، وإلاَّ ففي "ظاهر الرواية" عن "محمَّدٍ": تفسدُ)) اهـ.
لكنْ في "الخانّة"(٢) أيضاً ما يدُلُّ على عدمِ اشتراط قولِهِ بلا صنعٍ، فإنَّه قال: ((لو تحوَّلَ إلى
مكان نجسٍ إِنْ لم يمكثْ على النجاسة قدرَ أدنى ركنٍ جازتْ صلاتُهُ، وإلاّ فلا))، وكذا في "منية
المصلِّي(٣)، قال: ((وكذا إنْ رفَعَ نعليه وعليهما قذرٌ مانعٌ إِنْ أدَّى معهما ركناً فسدتْ))،
[١/ق٣١٦/أ] وذكَرَ نحوَ ذلك في "الحلبة"(٤) عن "الذخيرة" و"البدائع"(٥) وغيرهما، ثم قال:
((والأشبهُ الفسادُ مع التعمُّدِ إلَّ لحاجةٍ كرفعِ نعله لخوفِ الضَّياعِ ما لم يؤدِّ ركناً كما في
"الخلاصة"))(٦)، وتمامُّهُ فيما علَّقناه على "البحر "(٧).
[٣٦٠٩] (قولُهُ: على المعتمدِ) ردٌّ على "الكرخيِّ"، حيث قال: ((المانعُ في الغليظة ما زادَ
(قولُهُ: وإلاَّ ففي ظاهرِ الرِّواية عن "محمَّدٍ" تفسُدُ إلخ) وعلى هذه الرِّواية يكونُ مكنُهُ بلا عذرٍ بمنزلة
تعمُّدِهِ الفعلَ ابتداءً، ثُمَّ إذا حُمِلَ ما في "الخانيّة" ثانياً على ما إذا تحوَّلَ بلا صنعٍ منه بدليلٍ ما ذكرَهُ فيها
أوَّلاً تندفعُ المخالفة بين عبارتيها وبين ما ذكرَهُ في الشَّرح من التقييدِ بعدم الصنع، ويُقيَّدُ ذلك بعدمِ
الحاجة بدليلٍ مسألة "المنية"، تأمَّل.
(قولُهُ: ردٌّ على "الكرخيِّ" حيث قال: المانعُ في الغليظة إلخ) وقال "قاضيخان" في "شرح الزِّيادات":
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل فيما يفسد الصلاة ١٣١/١ بتصرف يسير (هامش"الفتاوى الهندية").
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٣/١ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ٢٠١ -.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٥٧/ب - ق ٣٥٨/أ.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٨٢/١.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السابع في طهارة الثوب والمكان ق ٢٤/ب.
(٧) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٧/١.
الجزء الثالث
٢٩
باب شروط الصلاة
(والغليظةُ قبلٌ ودبرٌ وما حولَهما، والخفيفةُ ما عدا ذلك) من الرَّجُل والمرأةِ،
وتُحمَعُ.
على الدِّرهم قياساً على النجاسةِ المغلّطة))، كذا في "البحر"(١)، "ح"(٧).
[٣٦١٠) (قولُهُ: والغليظةُ إلخ) لا يظهرُ فرقٌ بينها وبين الخفيفة إلاَّ من حيث إنَّ حرمةَ النظر
إليها أشدُّ، وفي "الظهيريَّةَ"(٣): ((حكمُ العورة في الرُّكبة أخفُّ منه في الفخذ، فلو رأى غيرَهُ
مكشوفَ الرُّكبة ينكِرُ عليه برِفْقٍ، ولا ينازعُهُ إِنْ لَجَّ، وفي الفخذِ بعنفٍ ولا يضربُهُ إِنْ لَجَّ، وفي .
السوءةِ يؤدِّبه على ذلك إِنْ لَجَّ)) اهـ.
قال في "البحر"(٤): ((وهو يفيدُ أنَّ لكلِّ مسلمٍ التعزيرَ بالضرب، فإنَّه لم يقيِّدْه بالقاضي)).
[٣٦١١] (قولُهُ: ما عدا ذلك) أفرَدَ اسمَ الإِشارة وإِنْ تعدَّدَ المشارُ إليه بتأويلِ المذكور.
( تتمَّةٌ )
أعضاءُ عورة الرجل ثمانية:
الأوَّلُ: الذَّكَرُ وِما حوله.
الثاني: الأُنثيان وما حولهما.
الثالثُ: الدُّبر وما حوله.
((هذا - أي: ما قالَهُ "الكرخيُّ" - غلطٌ؛ لأَنَّه يؤدِّي إلى أنَّ انكشافَ جميع العورة الغليظة أو أكثرِها لا يمنعُ،
وانكشافَ بعض الخفيفة يمنعُ)) اهـ. وقال في "معراج الدراية": ((وأجيب بأنَّ هذا لا يلزمُ على اعتبار أنَّ الدُّبر
مع الأَلْيتين عضوٌ واحدٌ، وهو قولُ بعض أصحابنا، فلا يمنعُ انكشافُ الدُّبر وحدَهُ، نعم الأصحُّ أنَّ كلّ من
القبل والخصيتين والدُّبر والأَلْيتين على حدةٍ، والأذنُ عضوٌ على حدةٍ)) اهـ "سندي".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٥/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٥/ب.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الثاني - الفصل الثاني في ستر العورة ونية الصلاة وافتتاحها ق ١٦/أ دون
.
قوله: ((وفي السوءة إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٤/١.
قسم العبادات
٣٠
حاشية ابن عابدين
بالأجزاء لو في عضوٍ واحدٍ، ..
الرابعُ والخامسُ: الأليتان.
السادسُ والسابعُ: الفخذان مع الركبتين.
الثامنُ: ما بين السُّرَّة إلى العانة مع ما يحاذي ذلك من الجنبين والظهرِ والبطنِ.
وفي الأمَةِ ثمانيةٌ أيضاً: الفخذانِ مع الرُّكبتين، والأليتان، والقُبُلُ مع ما حوله، والدُّبر كذلك،
والبطنُ، والظهرُ مع ما يليهما من الجنبين.
وفي الحرَّةِ هذه الثمانيةُ، ويزادُ فيها ستةَ عشرَ: السَّاقان مع الكعبين، والنَّديان المنكسِران،
والأذنان، والعضُدان مع المرفقين، والذّراعان مع الرُّسُغين، والصَّدرُ، والرأسُ، والشَّعرُ، والعنقُ،
وظَهْرا الكفَّين.
وينبغي أنْ يزادَ فيها أيضاً الكتفان، ولا يُجعلان مع الظَّهْر عضواً واحداً بدليل أنَّهم جعلُوا
ظهرَ الأَمَةِ عورةً دون كتفيها، وكذلك بطنا القدمين عورةٌ في روايةٍ، أي: وهي الأصحُّ كما
قدَّمناه(١) عن "إعانة الحقير" لـ "المصنّف"، فتصيرُ ثمانيةً وعشرين، كذا حرَّرَهُ "ح"(٢).
قلت: وقدَّمنا (٣) عن "التاتر خانَّة": ((أَنَّ صدر الأمَةِ وتديبها عورةٌ))، وقدَّمنا (٤) أيضاً عن
"القنية": ((أَنَّ جنبيها عورةٌ مستقلّةٌ على أحدٍ قولين))، وعليهِ فتزادُ الأمَةُ خمسةً على الثمانيةِ
[١/ق٣١٦/ب] المارَّةِ، فتصيرُ أعضاؤها ثلاثةَ عشرَ، والله تعالى أعلم.
[٣٦١٢] (قولُهُ: بالأجزاءِ) المرادُ بها الكسورُ المصطلَحُ عليها في الحساب، وهي النصفُ والربعُ
والثلث إلخ، مثاله: انكشَفَ ثمنُ فخذه من موضعٍ، وثمنُ ذلك الفخذِ من موضعٍ آخرَ، یجمعُ
الثمنُ إلى الثمن حساباً فيكون ربعاً فيمنعُ، ولو انكشَفَ ثمنٌ من موضعٍ من فخذه، ونصفُ ثمنٍ
(١) المقولة [٣٥٨٦] قوله: ((على المعتمد)).
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٥/ب.
(٣) المقولة [٣٥٧٣] قوله: ((مع ظهرها وبطنها)).
(٤) المقولة [٣٥٧٥] قوله: ((فتبع لهما)).
الجزء الثالث
٣١
باب شروط الصلاة
وإلاّ فبالقَدْرِ، فإِنْ بَلَغَ ربعَ أدناها كأذنٍ منَعَ (والشرطُ سترُها ..
ذلك الفخذِ من موضعٍ آخرَ لا يمنعُ، "ح"(١).
[٣٦١٣] (قولُهُ: وإلاَّ فبالقدْرِ) أي: المساحةِ، فإنْ بَلَغَ المجموعُ بالمساحة ربعَ أدناها، أي: أدنى
الأعضاءِ المنكشِفِ بعضُها، كما لو انكشَفَ نصفُ ثمنِ الفخذ ونصفُ ثمنِ الأذُنِ من المرأة، فإنَّ
مجموعهما بالمساحة أكثرُ من ربعِ الأذن التي هي أدنى العضوين المنكشفين، وهذا التفصيلُ ذكَرَهُ
"ابن ملكٍ" في "شرح المجمع" موافقاً لِما في "الزيادات"، وقولُهُ في "البحر"(٢): ((إِنَّه تفصيلٌ لا
دليلَ عليه)) ممنوعٌ كما حقَّقَهُ في "النهر"(٣)، "ح"(٤).
قلت: وعلى هذا التفصيلِ - أعني: اعتبارَ ربعٍ أدنى الأعضاءِ المنكشفة لا ربعٍ مجموعها -
مشى في "القنية"(٥) و"الحلية"(٦) و"شرح الوهبانيّة"(٧) و"الإمداد"(٨) و"شرح زاد الفقير"
لـ "المصنّف" خلافاً لـ "الزيلعيِّ" (٩) وإنْ تِبِعَهُ في "الفتح"(١٠) و"البحر"(١١)، فتدبّرْ، وقد أوضحنا ذلك
فيما علَّقناه على "البحر)"(١٢).
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٥/ب. وفي "د" زيادة: ((فرع: كلُّ عضوِ هو عورةٌ إذا انفصل، ففي
حال النظر إليه وجهان: أصحُّهما لا يجوز، وكذا الذكر المقطوع وشعر العانة إذا حلق، "تاتر خانية")).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٧/١.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٩/أ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٤٥/ب.
(٥) "القنية": كتاب الصلاة - باب في ستر العورة ق ١٠/أ.
(٦) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٦٩/أ.
(٧) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصلاة ق ٢٦/أ.
(٨) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق١٢٨/ب.
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٩٧/١.
(١٠) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٢٨/١.
(١١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٦/١.
(١٢) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٦/١.
قسم العبادات
٣٢
حاشية ابن عابدين
عن غيرِهِ) ولو حكماً كمكان مظلمٍ (لا) سترُها (عن نفسه) به يُفتَى، فلو رآها من
زِيقِهِ لم تفسُدْ وإِنْ كُرِهَ.
(وعادمُ ساترٍ).
[٣٦١٤) (قولُهُ: عن غيره) أي: عن رؤية غيره من الجوانبِ لا من الأسفلِ.
وقولُهُ: ((ولو حكماً)) أي: ولو كانت الرؤيةُ حكميَّةً كما في المكانِ المظلمِ أو المكانِ
الخالي، فإنَّ العورة فيها مرئيَّةٌ حكماً، فيشترطُ سترُها فيه، ولا يصحُّ كونُ المعنى: ولو كان السترُ
حكماً؛ لأنّه يصيرُ المعنى: يُشترَطُ سترُ العورة ولو كان ذلك السَّترُ المشروطُ حكماً، وإذا سَتَّرَ
العورةَ في الظلمة بثوبٍ كان ذلك ستراً حقيقةً وحكماً، لا في حكم الشرع فقط، فافهم.
[٣٦١٥] (قولُهُ: به يُفْتَى) لأَنَّ رُوِيَ عنِ "أبي حنيفة" و"أبي يوسف" نصًّاً أنَّه لا تفسُدُ صلاته
كما في "المنية"(١) وغيرها.
[٣٦١٦] (قولُهُ: فلو رآها من زِيقه) أي: ولو حكماً، بأنْ كان بحيث لو نظَرَ رآها كما في
"البحر"(٢)، وزِيقُ القميص بالكسر: ما أحاطَ بالعنق منه، "قاموس"(٣).
[٣٦١٧] (قولُهُ: وإِنْ كُرِهَ) لقوله في "السِّراج"(٤): ((فعليهِ أنْ يزُرَّهُ؛ لِما رُوِيَ عن "سلمةَ
(قولُهُ: ولا يصحُّ كون المعنى: ولو كان السََّرُ حكماً إلخ) يقال: المنفردُ مستورٌ عن الغيرِ حقيقةً
غيرُ مستورٍ حكماً، فإنَّ الشَّرع أو جَبَ عليه السَّتَرَ، كذا في "السنديّ"، وعليه يصحُّ إرجاعُهُ للسَّتر،
تأمَّل. لكنْ عليه يلزمُ صحَّةُ الاكتفاءِ بالسَّتْرِ الحقيقيِّ الشامل للظلمة مع أنَّه غيرُ كافٍ فيها، إلاّ أنْ يُرادَ
بالحقيقيِّ ما كان حكميًَّ أيضاً، ولا يُسلَّمُ أَنَّه إذا ستَرَها في الظلمةِ بثوبٍ كان ساتراً به حقيقةً وحكماً؛
إذ الحقيقيُّ - أي: الحسُِّّ - حاصلٌ بالظلمة، وإنما تحقَّقَ به الحكميُّ فقط لأَنَّه غيرُ مستورٍ بها في حكم
الشَّرع وإنْ كان مستوراً بها حقيقةً، أي: حِسَّاً، تأمَّل.
(١) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ٢٠٩ -.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٣/١.
(٣) "القاموس": مادة ((زيق)).
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ١٣٧/أ.
الجزء الثالث
٣٣
باب شروط الصلاة
لا يصفُ ما تحته، ولا يضرُّ التصاقُهُ وتشكِّلُه.
ابن الأكوعِ" قال: قلت: يا رسول الله، أصلِّي في قميصٍ واحدٍ؟ فقال: ((زُرَّهُ عليك ولو
بشوكةٍ))))(١)، "بحر"(٢).
ومُفَادُه الوجوبُ المستلزِمُ تركُه للكراهة، ولا ينافيه ما مرَّ(٣) من نصِّهما على أنّها
[١/ق٣١٧/أ] لا تفسُدُ، فكان هذا هو المختارَ كما في "شرح المنية"(٤)، وتمامُهُ فيما علَّقناه على
"البحر"(٥).
[٣٦١٨] (قولُهُ: لا يَصِفُ ما تحته) بأنْ لا يُرى منه لونُ البشرة احترازاً عن الرَّقيق ونحوِ
الزجاج.
[٣٦١٩] (قولُهُ: ولا يضرُّ التصاقُهُ) أي: بالألية مثلاً، وقولُهُ: ((وتشَكُّله)) من عطفِ المسبَّبِ
على السبب، وعبارةُ "شرح المنية"(٦): ((أمَّا لو كان غليظاً لا يُرى منه لونُ البشرة، إلاَّ أَنَّه التصَقَ
بالعضوِ وتشكّلَ بشكلِهِ، فصار شكلُ العضو مرتّاً فينبغي أنْ لا يمنعَ جوازَ الصلاة لحصولِ الستر)) اهـ.
٢٧٤/١
(١) أخرجه البخاريّ تعليقاً ٤٦٥/١ كتاب الصلاة - باب وجوب الصلاة في الثياب، وقال: في إسناده نظر، وأحمد
٤٩/٤-٥٤، وأبو داود (٦٣٢) كتاب الصلاة - باب الرجل يصلي في قميص واحد، والنِّسَائِيّ ٧٠/٢ كتاب القبلة -
باب الصلاة في الثوب الواحد، والشافعي في "مسنده" ٦٣/١-٦٤ كتاب الصلاة - الباب الثالث في شروط الصلاة،
والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٣٨٠/١ كتاب الصلاة - باب الصلاة في الثوب الواحد، وابن خزيمة (٧٧٧)
(٧٧٨) كتاب الصلاة - باب الأمر بِزَرِّ القميص والجبة إذا صلَّى المصلي في أحدهما لا ثوب عليه غيره، وابن حبان
في "صحيحه" (٢٢٩٤)، والحاكم في "المستدرك" ٢٥٠/١ كتاب الصلاة، وقال: هذا حديث مديني صحيح،
ووافقه الذهبي، والبغوي في "شرح السنة" (٥١٧) كلُّهم من حديث سلمة بن الأكوع ◌َل ◌ُّه.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٣/١.
(٣) المقولة [٣٦١٥] قوله: ((به يفتى)).
(٤) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ ٢١٠ -.
(٥) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٣/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثالث: ستر العورة صـ ٢١٤ -.
قسم العبادات
٣٤
حاشية ابن عابدين
ولو حريراً، أو طيناً يبقى إلى تمام صلاته، أو ماءٍ كدراً لا صافياً إنْ وُجدَ غيره، ....
قال "ط"(١): ((وانظرْ هل يحرُمُ النظرُ إلى ذلك المتشكّلِ مطلقاً، أوحيث وُجِدت
الشهوةُ؟)) اهـ.
قلت: سنتكلَّمُ على ذلك في كتابِ الحظر(٢)، والذي يظهرُ من كلامهم هناك هو الأوَّلُ.
[٣٦٢٠] (قولُهُ: ولو حريراً)(٣) تعميمٌ للساتر، قال في "الإِمداد"(٤): ((لأنَّ فرض السَّتر أقوى
من منعٍ لبس الحرير في هذه الحالةِ)).
[٣٦٢١] (قولُهُ: أو ماءً كَدِراً) أي: بحيث لا تُرى منه العورةُ.
[٣٦٢٢] (قولُهُ: إِنْ وُجِدَ غيرُهُ) قيدٌ في عدمٍ إجزاء السَّتْرِ بالصَّافي، ومفهومه: أَنَّه إنْ لم يجدْ
غيرَهُ وجَبَ السترُ به، وكأنَّه لأنَّ فيه تقليلَ الانكشاف. اهـ "ح"(٥).
قلت: ومفهومُهُ أيضاً - كما اقتضاه سياقُ الكلام في عادِمِ السَّاتر - أنّه لا يجوزُ في الماء الكدِرِ
إذا وجَدَ ساتراً، مع أنَّ كلام "السِّراج" و "البحر" يفيدُ الجواز مطلقاً، ثم رأيتُ صاحب "النهر"(٦)
(قولُهُ: والذي يظهرُ من كلامهم إلخ) سيأتي في كتاب الحظر ما يدلُّ على خلافه فانظره.
(قولُهُ: ومفهومُهُ أيضاً كما اقتضاه سياقُ الكلام في عادِمِ السَّاترِ أَنَّه لا يجوزُ في الماء الكَدِرِ) غيرُ
مسلّمٍ، فإنَّ غاية ما يفيدُهُ كلامُهُ تعميمُ السَّاترِ للماءِ الكدر، تأمَّل. فإنَّ سياق كلامه في عادِمِ السَّاتر
الشاملِ للماء الكدر ونحوه.
(قولُهُ: مع أنَّ كلام "السِّراج" و"البحر" يفيدُ الجوازَ مطلقاً) عبارة "البحر" عند قول "الكنز": وسترُ
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٢/١.
(٢) المقولة [٣٣٠٠١] قوله: ((وهي غير بادية)). والمقولة [٣٣٠٦٠] قوله: ((النظر إلى ملاءة الأجنبية بشهوة حرام)).
(٣) في "د" زيادة: ((قال في "القنية": عُرْيان معه ثوبُ ديباجٍ وثوبُ كرباسٍ فيه أكثرُ من قدر الدرهم دمٌ يفترض عليه أن
يصلي في ثوب الديباج انتهى. يعني لأنَّ الصلاة في الحرير مكروهةٌ للرجال بخلاف الصلاة في الثوب النِّحِس فإنَّها
غير صحيحة، لكن الظاهر أنَّ الكراهة هنا ترتفع لكونه مضطراً إلى الصلاة فيه، حموي)).
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في متعلقات الشروط ق ١٢٥/أ.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق ٤٦/أ.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٨/ب.
الجزء الثالث
٣٥
باب شروط الصلاة
صرَّحَ بذلك حيث قال: ((إِنَّ الفرق بين الصافي وغيره يُؤْذِنُ بأنَّ له ثوباً؛ إذ العادِمُ له يستوي في
حقّه الصافي وغيرُه)) اهـ.
لكنَّ قوله: ((يستوي فيه الصافي وغيرُهُ)) فيه نظرٌ؛ لأَنَّه إذا جازَ السََّرُ بالماء الكلِرِ مع القدرة
على ساترٍ غيرِهِ صار ساتراً حقيقةً، فيتعيّنُ عند العجز عن ساترٍ غيرِهِ؛ لأنَّ الماء الصافيَ غيرُ ساترٍ،
وإلاَّ لجاز عند عدمِ العجز.
هذا، وذكَرَ في "البحر"(١): ((أَنّه لا يصحُّ تصويرُ الصلاة في الماء إلاَّ في صلاة الجنازة))،
وعلَّلهُ في "النهر"(٢): ((بأَنَّه إذا كان له ثوبٌ وصلَّى في الماء الكدرِ لا يجوزُ له الإيماءُ للفرض))، أي:
لقدرتِهِ على أنْ يصلِّيَ خارجَ الماء بالثوب بركوعٍ وسجودٍ، لكنْ قال الشيخ "إسماعيل(٣): ((ولي
في الكلامين نظرٌ؛ لإمكانِ تصويرِ ركوعه وسجوده في الماءِ الكِرِ، بحيث لا يظهرُ من بدنه
شيءٌ إذا سدَّ مَنافذَهُ، بل ما يفعلُهُ الغطَّاس في استخراجِ الغريق أبلغُ [١/ق٣١٧/ب] من
ذلك)) اهـ.
أقولُ: إِنْ فُرِضَ إمكانُ ذلك فقد يقال: لا يبقى ذلك ساتراً؛ لأنّه حين سجوده وارتفاعِ الماء
العورة: ((ولو صلَّى في الماءِ عُرياناً إنْ كان كَدِراً صحَّتْ صلاته، وإن كان صافياً يمكنُ رؤية عورته منه
لا تصحُّ، كذا في "السِّراج"، وصورةُ الصلاة في الماء الصلاةُ في الجنازة، وإلاَّ فلا يصحُّ التصوير)) اهـ.
وقال في "النهر": ((أقول: وإنما لم يصحَّ في غيرها لأنَّ الفرق بين الصافي وغيره يُؤْذِنُ بأنَّ له ثوباً؛ إذ
العادمُ له يستوي في حقّهِ الصافي وغيرُهُ، وحينئذٍ فلا يجوزُ له الإيماءُ بالفرض)) اهـ، وبهذا تصحُّ عبارته.
(قولُهُ: ولي في الكلامين نظرٌ) أي: في كلامٍ "البحر" وتعليلِ "النهر" له.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٣/١.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ق٣٨/ب.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٢٦٢/ب.
قسم العبادات
٣٦
حاشية ابن عابدين
وهل تكفيه الظُّلمُ؟.
فوقَهُ لا يصيرُ مستوراً، ويصيرُ كما لو صلَّى عُرياناً تحتَ خيمةٍ مستورةِ الجوانبِ كلِّها، أو في
مكانٍ مظلمٍ، أو كما لو دخَلَ في كيسٍ مثلاً وصلَّى فيه فإنَّ الظاهر أنّه لا تصحُّ صلاته، بخلاف ما
لو أخرَجَ رأسَهُ من الكيسِ وصلَّى؛ لأَنّ يصيرُ مستوراً كما لو وقَفَ في الماءِ الكدر ورأسُهُ خارجٌ
وصلَّى على الجنازة، ثم رأيتُ في "الحاوي الزاهديِّ"(١) من كتاب الكراهية والاستحسان ما نصُّهُ:
((والمريضُ إذا لم يُخرِجْ رأسَهُ من اللّحاف لا تجوزُ صلاته؛ لأَنَّه كالعاري)) اهـ. أي: إذا صلَّى
تحت اللّحاف وهو مكشوفُ العورة بالإيماء لا تصحُّ؛ لأَنّه غيرُ مستورِ العورةِ، وهذا يؤيِّدُ ما بحثناه
في مسألةِ الكيس، ولله الحمد.
والحاصلُ: أنَّ الشرط هو سترُ عورةٍ المصلِّي لا سترُ ذاتِ المصلِّي، فمَن اختفى في خلوةٍ أو
ظلمةٍ أو خيمةٍ وهو عُريانٌ فذاتُهُ مستورٌ، وعورتُهُ مكشوفةٌ، وذلك لا يسمَّى ساتراً، ومتُلُهُ لو
غطَسَ في ماءٍ كدرٍ، فتأمَّلْ.
[٣٦٢٣] (قولُهُ: وهل تكفيه الظُّلمةُ إلخ) لا يظهرُ لهذا الكلامِ ثمرةٌ؛ لأَنَّه حيث فَقَدَ السَّاترَ
صلَّى كيف كان، أي: في ظلمةٍ أو في ضوءٍ، ولعلَّ مراده ما ذكَرَهُ في "البحر"(٢)، وعبارتُهُ:
((والأفضلُ(٣) أنْ يصلِّيَ قاعدً بيتٍ أو صحراءَ في ليلٍ أو نهارٍ))، قال: ((ومن المشايخِ مَنْ خصَّهُ
بالنهار، أمَّا باللَيل فيصلِّي قائماً؛ لأنَّ ظلمة اللَّيل تسترُ عورته، ورُدَّ بأنَّه لا عبرةَ بها، ورُوَّ(٤)
بالفرق بين حالةِ الاختيار والاضطرار)). اهـ "ط"(٥).
(١) "الحاوي": لأبي الرجاء مختار بن محمود بن محمد، نجم الدين الزاهديّ الغَزْمينيّ الخوارزميّ (ت ٦٥٨هـ). ("كشف
الظنون" ٦٢٨/١، "الفوائد البهية" صـ ٢١٢ -، "هدية العارفين"٤٢٣/٢).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٨٩/١ بتصرف.
(٣) عبارة "البحر": ((هو الصحيح)) بدل ((والأفضل)).
(٤) الرد الأول لـ "الذخيرة"، والرد الثاني لصاحب "شرح المنية"، كما في "البحر".
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١٩٢/١.