النص المفهرس
صفحات 601-620
الجزء الثاني
٥٩٩
باب الأذان
لا لفاسدةٍ (ويُخيَّرُ فيه للباقي) لو في مجلسٍ، وفعلُهُ أَولِى،
٢٦١/١
[٣٤٣٩] (قولُهُ: لا الفاسدةٍ) أي: إذا أعيدتْ في الوقت، وإلاّ كانت فائتةً، "ط"(١). وفي
"المجتبى": ((قومٌ ذكروا فسادَ صلاةٍ صلوها في المسجد في الوقت قضَوها بجماعةٍ فيه، ولا يعيدون
الأذانَ والإقامة، وإِنْ قضَوها بعد الوقت قضَوها في غيرِ ذلك المسجدِ بأذانِ وإقامةٍ)) اهـ. لكنْ
سيأتي(٢) أنَّ الإقامة تعادُ لو طالَ الفصل.
[٣٤٤٠] (قولُهُ: فيه) أي: في الأذان.
[٣٤٤١] (قولُهُ: لو في مجلسٍ) أمَّا لو في مجالسَ فإنْ صلّى في مجلسٍ أكثرَ من واحدةٍ فكذلك،
وإلاَّ أَذَّنَ وأقامَ لها.
[٣٤٤٢] (قولُهُ: وفعلُهُ أَولى) لأَنَّه اختلفت الرِّواياتُ في قضائه ﴿ ما فاته يومَ الخندق، ففي بعضها:
((أَنَّه أمَرَ "بلالاً"، فأذَّنَ وأقامَ للكلِّ)(٣)، وفي بعضها: ((أَنَّه اقتصَرَ على الإقامة فيما بعدَ الأولى))(٤)،
(قولُهُ: ولا يُعيدون الأذان والإقامةَ) لأنَّ غاية ذلك أنَّهم أخَّرُوا الصلاةَ عنهما، وذلك لا يقتضي
إعادتهما كما لو اشتغَلَ بعملٍ آخر، أمَّا لو أخَّرَها عن الوقتِ فهي كسائرِ الفوائت فُؤَذِّنُ ويُقامُ لها،
ومَن صلَّى في مسجدٍ أو عُمرانٍ فائتةً لا يُسَنُّ الأذانُ والإقامة في حقّه)) اهـ "سندي".
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الأذان ١٨٧/١.
(٢) ص ٦٣٤ - "در".
(٣) أخرجه البزار في "مسنده" (٣٦٥)، والطبراني في "الأوسط"(١٣٠٧)، وأورده الهيثمي في "المجمع"٤/٢ وقال: رواه البزار،
والطبراني في "الأوسط" وفيه: عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف، وفي الباب عن عمر بن الخطاب رضيُله.
نقول: وليس في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق كما ذكر الهيثمي، وإنما فيه مؤمل بن إسماعيل وهو ضعيف.
(٤) أخرجه أحمد ٣٧٥/١ و٤٢٣، والترمذيّ (١٧٩) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهنَّ
يبدأ، وقال: ليس بإسناده بأسٌ إلا أنَّ أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، والنّسَائِيّ ١٨/٢ كتاب الأذان - باب الاجتزاء
لذلك كلِّه بأذان واحد والإقامة لكل واحدة منهما، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٠٣/١ وقال: إلا أنَّ أبا عبيدة لم
يدرك أباه وهو مرسل جيد، وأبو يَعْلَى (٥٣٥١) كلَّهم عن ابن مسعود نظُته وهو ضعيف لانقطاعه، وأخرجه أبو يَعْلَى =
قسم العبادات
٦٠٠
حاشية ابن عابدين
ويقيمُ للكلِّ (ولا يُسَنُّ) ذلك (فيما تصلِّيه النساء أداءً وقضاءً).
فالأخذُ بالزيادة أَولى خصوصاً في باب العبادات، وتمامُهُ في "الإمداد"(١).
(٣٤٤٣] (قولُهُ: ويقيمُ للكلِّ) أي: لا يُخَيَّرُ في الإقامة للباقي، بل يكرهُ تركُها كما في "نور
الإيضاح"(٢).
(تمَّةٌ)
يأتي في صلاتي الجمع بعرفةً بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، وبمز دلفةً بأذان وإقامةٍ، واختار
"الطحاويُّ": ((أَنَّه كعرفةَ))، ورجَّحَهُ "ابن الهمام"(٣) كما سيأتي في بابه(٤) إنْ شاء الله.
وبقِيَ: لو جمعَ [١ /ق٣٠١/أ] بين فائتةٍ ومؤدَّةٍ، لم أره، ويظهرُ لي أنْ يأتيَ بأذانين
وإقامتين، والفرقُ بينه وبين الجمع بمز دلفةً لا يخفى.
[٣٤٤٤] (قولُهُ: ولا يسنُّ ذلك) أي: الأذانُ والإقامةُ، وأفرَدَ الضميرَ على تأويلِ المذكور،
!! !(٥)
ح
.
(قولُهُ: يأتي في صلاتي الجمعِ بعرفةً بأذانٍ واحدٍ إلخ) سيأتي تعليلُ ذلك بأنَّ الصلاة الثانية تُؤَدَّى في
غيرِ وقتها، فتقعُ الحاجةُ إلى إقامةٍ أخرى للإعلامِ بالشُّروع، وأمّا الثانية في الثانية ففي وقتها، فَتَستغنِي عن
تجديدِ الإعلام كالوتر مع العشاء. اهـ "بدائع".
(قولُ "المصنّف": ولا يُسَنُّ فيما تصلّيه النساءُ) في "النهر ": ((قَّدَ بالنساء لأنَّ الواحدة تقيمُ ولا
تؤذّنُ، وظاهرُ ما في "السِّراج" أنَّها لا تقيمُ أيضاً، وسبقَ عن "الفتح" التصريحُ بذلك)) اهـ.
= من وجه آخر (٢٦٢٨) عن يحيى بن أبي أنيسة عن زبيد الأيامي، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن
مسعود ◌ّته، قال الهيثمي في "المجمع" ٤/٢ رواه أبو يَعْلَى وفيه يحيى بن أبي أنيسة وهو ضعيف عند أهل الحديث إلا
أنَّ ابن عدي قال: وهو مع ضعفه یکتب حديثه، وفي الباب عن أبي سعيد الخدري رضيُته.
(١) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الأذان ق٩٩/أ.
(٢) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب الأذان صـ ١٠١ -.
(٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٧/٢.
(٤) انظر المقولة [١٠١١٠] قوله: ((وصلى العشاءين إلخ)).
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق٤٢ /ب بتوضيح من ابن عابدين.
الجزء الثاني
٦٠١
باب الأذان
ولو جماعةً كجماعةٍ صبيان وعبيدٍ، ولا يُسَنَّان أيضاً لظهر يوم الجمعة في مصرِ (ولا
فيما يُقضَى من الفوائت في مسجدٍ) لأنَّ فيه تشوُّشاً وتغليطاً (ويكرهُ قضاؤها فيه)
وأراد بنفي السنَّةِ الكراهةَ في المواضعِ الثلاثةِ المذكورة كما يُعلَمُ من "الإمداد"(١).
[٣٤٤٥] (قولُهُ: ولو جماعةً) أخَذَهُ من قول "الفتح"(٢): ((لأنَّ "عائشة" أمَّتْهنَّ بغير أذان ولا
إقامةٍ حين كانت جماعتُهنَّ مشروعةً، وهذا يقتضي أنَّ المنفردة أيضاً كذلك؛ لأنَّ تركهما لَمَّا كان
هو السنّةَ حالَ شرعيَّة الجماعةِ كان حالَ الانفراد أَولى)) اهـ.
قلت: وهو ظاهرُ ما في "السِّراج)(٣) أيضاً، وكان الأولى لـ "الشارح" أنْ يقول: ولو منفردةً؛
لأَنَّ جماعتهنَّ الآنَ غيرُ مشروعةٍ، فتغطَّنْ.
[٣٤٤٦] (قولُهُ: كجماعةٍ صبيانٍ وعبيدٍ) لأَنَّها غيرُ مشروعةٍ، فلا يُشرعان فيها كنكبير
ء
التشريق عقبها، "بحر "(٤) عن "الزيلعيّ)) (٥).
(٣٤٤٧) (قولُهُ: في مصرٍ) شمل المعذورَ وغيره، "زيلعي"(٦). وفي القرى لا يكرهُ بكلِّ حال،
ء
"ظهيرِيَّة"(٧). أي: لا قبلَ أداءِ الجمعة في غيرها ولا بعده لقوله: ((وقيل: بعدَ أداء الجمعة لا يكرهُ
في المصر)).
[٣٤٤٨] (قولُهُ: لأنَّ فيه تشويشاً إلخ) إنما يظهرُ أنْ لو كان الأذانُ لجماعةٍ، أمَّا إذا كان
منفرداً، ويؤذِّثُ بقدْرِ ما يُسمِعُ نفسَهُ فلا، "ط (٨). وفي "الإِمداد"(٩): ((أَنْه إذا كان التفويتُ لأمرٍ
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٩٧/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢١٩/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ١٣٣/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٨٠/١ بتوضيح من ابن عابدين.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الأذان ٩٤/١.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الأذان ٩٢/١.
(٧) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الأول - الفصل الأول في الأذان ق ١٢/أ.
(٨) "ط": كتاب الصلاة - باب الأذان ١٨٧/١.
(٩) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٩٧/أ.
قسم العبادات
٦٠٢
حاشية ابن عابدين
لأنَّ التأخير معصيةٌ، فلا يُظهِرُها، "بزَّازِيَّةَ"(١).
(ويجوزُ) بلا كراهةٍ.
عامٌّ فالأذانُ في المسجد لا يكرهُ لانتفاء العلّة كفعله ﴿ ليلةَ التعريس))(٢) اهـ. لكنَّ ليلة التعريس
كانتْ في الصحراء لا في المسجد.
[٣٤٤٩] (قولُهُ: لأنَّ التأخير معصيةٌ) إنما يظهرُ أيضاً في الجماعة لا المنفرد، "ط (٣). أي: لأنَّ
المنفرد يُخافِتُ في أذانه كما قدَّمناه(٤) عن "القُهُستانيّ"، على أَنَّه إذا كان التفويتُ لأمرٍ عامٍ لا
يكرهُ ذلك للجماعة أيضاً؛ لأنَّ هذا التأخيرَ غيرُ معصيةٍ.
هذا، ويظهرُ من التعليل أنَّ المكروهَ قضاؤها مع الاطلاع عليها ولو في غير المسجدِ كما أفاده
في "المنح"(٥) في باب قضاء الفوائت.
[٣٤٥٠) (قولُهُ: بلا كراهةٍ) أي: تحريمِيَّةٍ؛ لأنَّ التنزيهِيَّة ثابتةٌ؛ لِما في "البحر"(٦) عن
"الخلاصة"(٧): ((أَنَّ غيرهم أَولى منهم)). اهـ "ح"(٨).
أقولُ: وقدَّمنا(٩) أوَّلَ كتاب [١/ق ٣٠١/ب] الطهارة الكلامَ في أنَّ خلاف الأولى مكروةٌ
أوْ لا، فراجعه.
(١) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل الفوائت ٦٩/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) أخرجه مالك ١٣/١ - ١٤ كتاب وقوت الصلاة، وأحمد ٤٢٨/٢ - ٤٢٩، ومسلم (٦٨٠) كتاب المساجد - باب قضاء
الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، وأبو داود (٤٣٥) كتاب الصلاة - باب فيمن نام عن الصلاة أو نسيها
والترمذيّ (٣١٦٣) كتاب التفسير - باب ومن سورة طه، والنّسَائيّ ٢٩٥/١ كتاب المواقيت - باب إعادة من نام عن
الصلاة لوقتها من الغد، وابن ماجه (٦٩٧) كتاب الصلاة - باب من نام عن الصلاة أو نسيها، من حديث أبي هريرة نظ ◌ُته.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الأذان ١٨٧/١ بتصرف.
(٤) المقولة [٣٤٣٨] قوله: ((لو بجماعة إلخ)).
(٥) "المنح": كتاب الصلاة ١/ق ٥٩/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٩/١.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الأول في الأذان ق١٧/ب.
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤٢/ب.
(٩) المقولة [٩٩٥] قوله: ((ويسمى مندوباً وأدباً)).
الجزء الثاني
٦٠٣
باب الأذان
301
(أذانُ صبيّ مراهقٍ وعبدٍ) ولا يحلُّ إلَّ بإذنِ كأجيرِ خاص.
(٣٤٥١) (قولُهُ: صبيٍّ مراهقٍ) المرادُ به العاقلُ وإنْ لم يراهقْ كما هو ظاهرُ "البحر"(١) وغيره،
وقيل: يكرهُ، لكنَّه خلافُ ظاهرِ الرِّواية كما في "الإمداد" (٢) وغيره، وعلى هذا يصحُّ تقريرُهُ في
وظيفة الأذان، "بحر"(٣).
[٣٤٥٢] (قولُهُ: وعبدٍ وأعمى إلخ) إنما لم يكرهْ أذاتُهم لأنَّ قولهم مقبولٌ في الأمور الدينيّة،
فيكون مُلزِماً، فيحصُلُ به الإعلامُ بخلاف الفاسق. اهـ "زيلعي"(٤).
قلت: يرِدُ عليه الصبيُّ، فإنَّ قوله غيرُ مقبولٍ في الأمور الدينيّة في الأصحِّ كما قدَّمناه(٥) قبل
الباب، ومقتضاه: أنْ لا يحصُلَ به الإِعلامُ كالفاسق، تأمَّلْ. ويأتي(٦) تمامُ الكلام في ذلك.
(٣٤٥٣] (قولُهُ: ولا يحلُّ إلَّ بإذنٍ) ذكَرَهُ في "البحر"(٧) بحثاً فقال: ((وينبغي أنَّ العبد إنْ أَذَّنَ
لنفسه لا يحتاجُ إلى إذْنِ سَيِّده، وإِنْ أراد أنْ يكون مؤذّنً للجماعة لم يَحُزْ إلَّ بإذن سيِّده؛ لأنَّ فيه
إضراراً بخدمته؛ لأَنَّه يحتاجُ إلى مراعاةِ الأوقات، ولم أره في كلامهم)) اهـ.
[٣٤٥٤] (قولُهُ: كأجيرٍ خاصٍ) هو بحثٌ لصاحب "النهر "(٨)، حيث قال: ((وينبغي أنْ يكون
الأجيرُ الخاصُّ كذلك، لا يحلُّ أذانُهُ إِلاَّ يإذنٍ مستأجره)) اهـ.
قلت: بل صرَّحُوا بأَنَّه ليس له أنْ يؤدِّيَ النوافلَ اتّفاقاً، واختلفوا في السُّنن كما سنذكره(٩)
في الإِجارات إنْ شاء الله تعالى، وهذا مؤيِّدٌ لبحث "البحر "(١٠) أيضاً، فإنَّ العبد مملوكُ المنافعِ
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٩/١.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الأذان ق٧٩/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٩/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الأذان ٩٤/١.
(٥) المقولة [٣٢٧٠] قوله: ((فيراعى الحكم الأول)).
(٦) المقولة [٣٤٧٣] قوله: ((قلت: وكافر وفاسق)).
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٩/١.
(٨) "النهر": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٣٨/أ.
(٩) المقولة [٢٩٩٧٧] قوله: ((وليس للخاص أن يعمل لغيره)).
(١٠) المارّ في المقولة السابقة.
قسم العبادات
٦٠٤
حاشية ابن عابدين
(وأعمى وولدِ زنى(١) وأعرابيٍّ) وإنما يستحقُّ ثوابَ المؤذِّنين إذا كان عالماً بالسنّة
والأوقات ولو غيرَ مُحتسِبٍ، "بحر" ..
والرَّقبةِ أيضاً بخلاف الأجير.
[٣٤٥٥] (قولُهُ: وأعمى) لا يرِدُ عليه أذانُ "ابن أمِّ مكتوم" الأعمى، فإنَّه كان معه مَنْ يحفظُ
عليه أوقاتَ الصلاة، ومتى كان ذلك يكون تأذينُهُ وتأذينُ البصير سواءً، ذكَرَهُ "شيخ الإسلام"،
"معراج". وهذا بناءٌ على ثبوتِ الكراهة فيه، وقد مرّ(٢) الكلامُ فيه، وإلاَّ فلا ورُودَ.
[٣٤٥٦] (قولُهُ: عالِماً بالسُّنةِ والأوقاتِ) أي: سُنةِ الأذان وأوقاتِهِ المطلوبةِ على ما مرَّ(٣) بيانُهُ.
مطلبٌ في المؤذِّن إذا كان غيرَ محتسِبٍ في أذانه
[٣٤٥٧] (قولُهُ: ولو غيرَ محتسِبٍ) ردٌّ على ما في "الفتح"(٤)، حيث قال: ((لو لم يكن عالِماً
بأوقات الصلاة لم يستحقَّ ثوابَ المؤذِّنين كما في "الخانَّة "(٥)، ففي أخذِ الأجرة أَولى))، وردَّهُ في
٢٦٢/١ "النهر " (٦) تبعاً لـ "البحر "(٧): ((بأنَّ في أذان الجاهل جهالةً مُوقِعَةً في الغَرَرِ بخلاف غيرِ المحتسِب،
على أنَّ عدم حلِّ [١/ق٣٠٢/أ] أخذِ الأجرة على الأذان والإمامة رأيُ المتقدِّمين، والمتأخّرون
يجوِّزون ذلك على ما سيأتي في الإجارات)) اهـ.
أقولُ: لا يلزمُ من حلِّ الأجرة المعلِّلِ بالضّرورة حصولُ الثواب، ولا سيَّما إذا كان لولا
الأجرةُ لا يؤذِّثُ، فإنَّه يكون عمله للدنيا، وهو رياءٌ؛ لأَنَّه لم يحتسِبْ عملَه لوجهِ الله تعالى، فهو
(١) في "د" زيادة: ((قوله: وولد زنا هو بالقصر لغة أهل الحجاز فيكتب بالياء، وبالمد لغة أهل نجد فيكتب بالألف كذا
في "النهر".
(٢) انظر المقولة [٣٤٥٠] قوله: ((بلا كراهة)).
(٣) انظر المقولة [٣٣٨٥] قوله: ((حتّى يُبْرَدُ به)).
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢١٦/١.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل الأذان ٧٨/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٣٧/ب.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٦٨/١.
الجزء الثاني
٦٠٥
باب الأذان
(ويكرهُ أذانُ جنبٍ وإقامتُهُ وإقامةُ محدثٍ لا أذانُهُ)
كـ "مُهاجِرِ أُمِّ قيسٍ"، وإذا كان الجاهلُ المحتسِبُ لا ينالُ ذلك الأجرَ فهذا بالأولى، كيف وقد
ورَدَ في عدَّةٍ أحاديثَ التقييدُ بالمحتسب، منها ما رواه "الطبرانيُّ" في "الكبير" - كما في "الفتح"(١) .:
«ثلاثةٌ على كُتْبَانِ المسكِ يوم القيامة، لا يهولُهم الفزعُ الأكبر، ولا يفزعون حين يفزعُ الناس:
رجُلٌ عُلِّمَ القرآنَ، فقام به يطلبُ وجهَ الله وما عنده، ورجلٌ ينادي في كلِّ يومٍ وليلةٍ خمسَ
صلواتٍ يطلبُ وجهَ الله وما عنده، ومملوكٌ لم يمنعْهُ رِقُّ الدنيا عن طاعة ربِّه)(٢)، نعمْ قد يقال: إنْ
كان قصده وجهَ الله تعالى، لكنَّه بمراعاته للأوقات والاشتغال به يقلُّ اكتسابه عمَّا يكفيه لنفسه
وعياله، فيأخذ الأجرةَ لئلاّ يمنعَهُ الاكتساب عن إقامة هذه الوظيفةِ الشريفة، ولولا ذلك لم يأخذْ
أجراً، فله الثوابُ المذكور، بل يكون جَمَعَ بين عبادتين، وهما الأذانُ والسَّعيُّ على العيال، وإنما
الأعمالُ بالنَّات.
[٣٤٥٨) (قولُهُ: ويكرهُ أذانُ جنبٍ) لأَنَّه يصير داعياً إلى ما لا يجيبُ إليه، وإقامتُهُ أَولى
بالكراهة، وصرَّحَ في "الخانَيَّة"(٣): ((بأَنَّه تحبُ الطهارة فيه عن أغلظِ الحدثين))، وظاهرُهُ أنَّ
الكراهة تحريميَّةٌ، "بحر "(٤).
(قولُ "المصنّف": ويكرهُ أذانُ جنبٍ إلخ) لأنَّ للأذان شَبَهاً بالصلاة حتَّى يُشترَطُ له دخولُ الوقت
وترتيبُ كلماته كما تُرتَّبُ أركانُ الصلاة، وليس بصلاةٍ حقيقةً، فاشتُرِطَ له الطهارةُ عن أغلظِ الحدثين
دون أخفّهما، وأمَّ الإقامةُ فلأنَّها لم تُشرَعْ إلاَّ مَتَّصلةً بصلاةٍ مَن يقيمُ. اهـ "بحر".
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢١٦/١.
(٢) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(١٣٥٨٤) وفي إسناده بحر بن كُنَيْزِ السَّقّاء وهو ضعيف، وأورده الهيثمي في
"مجمع الزوائد" ٣٢٧/١، وقال: ((قلت: رواه الترمذيّ بغير سياقه)).
وبنحوه أخرجه الترمذيّ (٢٥٦٦) كتاب صفة الجنة - باب (٢٥)، والطبراني في "الأوسط" (٩٢٨٠).
(٣) المسألة ليست في "الخانية" كما ذكر ابن عابدين رحمه الله، بل في "شرح قاضيخان على الجامع الصغير": كتاب
الصلاة - باب الأذان ١/ق١٤/أ. على أنَّ تنصيص ابن عابدين على لفظ "الخانية" تصرُّفٌ منه بعبارة "البحر"؛ إذ
عبارة "البحر" ٢٧٨/١: ((وصرّح قاضيخان))، فسبق إلى ظنّه أنَّها في "الخانية"، والله أعلم.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٧/١-٢٧٨.
قسم العبادات
٦٠٦
حاشية ابن عابدين
على المذهب (و) أذانُ (امرأةٍ)(١) وخنثى (وفاسقٍ) ولو عالماً، لكنَّه أَولِى بإمامةٍ
وأذانٍ من جاهلٍ تقىٍّ (وسكرانَ) ولو بمباحٍ كمعتوهٍ وصبحٍّ لا يعقلُ (وقاعدٍ إلاّ
إذا أذَّنَ لنفسه) وراكبٍ إلاَّ لمسافرِ.
(ويعادُ أذانُ جنبٍ) ندباً، وقيل: وجوباً (لا إقامتُهُ) لمشروعيَّةِ تكراره في الجمعة دون
تكرارها (وكذا) يعادُ (أذانُ امرأةٍ ومجنونٍ ومعتوهٍ وسكرانَ وصبيّ لا يعقلُ) لا إقامتهم
[٣٤٥٩] (قولُهُ: على المذهبِ) راجعٌ لقوله: ((وإقامةُ مُحدثٍ لا أذانُهُ))، وأمَّا الجنبُ فيكرهان
منه روايةً واحدةً كما في "البحر"(٢)، "ح"(٣).
[٣٤٦٠] (قولُهُ: بإمامةٍ وأذانٍ) الأَوَّلُ منصوصٌ عليه، والثاني ألحقَهُ به في "النهر "(٤) بحثاً.
[٣٤٦١] (قولُهُ: من جاهلٍ تقىٍّ) أي: حيث لم يوجدْ عالمٌ تقيٌّ .
[٣٤٦٢) (قولُهُ: ولو بمباحٍ) كشُرِهِ الخمرَ الإِساغةِ لقمةٍ، وأشار إلى أنّه لا يلزمُ من السُّكر
الفسقُ، فلا تكرارَ.
(٣٤٦٣] (قولُهُ: كمعتوهٍ) ومثلُهُ المجنون، "ح"(٥).
[٣٤٦٤] (قولُهُ: ويعادُ أذانُ جنبٍ إلخ) زاد "القُهُستانيُّ)(٦): ((والفاجرِ، والرَّاكب،
[١/ق٣٠٢/ب] والقاعد، والماشي، والمنحرفِ عن القبلة))، وعلَّلَ الوجوبَ في الكلِّ بأنّه غيرُ معتدٍ
به، والندبَ بأنَّه معتدٌّ به إلاَّ أنَّه ناقصٌ، قال: ((وهو الأصحُّ كما في "التمرتاشيٍّ")).
(١) في "د" زيادة: ((قال في "البحر": وفي صحة تقرير المرأة في الوظيفة [وظيفة الأذان] ترددٌ، لكن ذكر في "السراج
الوهاج": إذا لم يعيدوا أذان المرأة فكأنهم صلّوا بغير أذان، فلهذا كان عليهم الإعادة، وهو يقتضي عدم صحته.
انتھی)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٧/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤٢/ب بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٣٧/ب.
(٥)"ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤٢/ب.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الأذان ٧٨/١ بتصرف.
الجزء الثاني
٦٠٧
باب الأذان
لِما مرَّ، ويجبُ استقبالهما لموتِ مؤذِّن، وغُشْيه، وخرسه، وحَصَرِه ولا ملقِّنَ،
وذهابِهِ للوضوء لسبقِ حدثٍ، "خلاصة". لكنْ عَبَّرَ في "السِّراج"(١) بـ ((يندبُ))، ...
[٣٤٦٥] (قولُهُ: لِما مرَّ) (٢)أي: من قوله: ((لمشروعيَّةِ تكراره)).
[٣٤٦٦] (قولُهُ: لموتِ مؤذّنٍ) لم يقلْ: ومقيمٍ لأنَّ المؤذِّن هو المقيمُ شرعاً كما يأتي(٣)، فافهم.
[٣٤٦٧] (قولُهُ: وغُشْبِهِ) بضمِّ الغين وسكونَ الشين المعجمتين: تعطُّلُ القوى المحرِّكة والحاسَّةِ
لضعفِ القلب من الجوع وغيره كما قدَّمناه في الوضوء عن "القُهُستانيِّ"(٤)، "ح " (٥).
[٣٤٦٨] (قولُهُ: وحَصَرِهِ) مصدرٌ من باب فرِحَ: العيُّ في المنطق، "ح"(٦) عن "القاموس(٧).
[٣٤٦٩] (قولُهُ: ولا ملقِّنَ) الواوُ للحال، "ح"(1).
[٣٤٧٠] (قولُهُ: وذهابِهِ للوضوء) لكنَّ الأَولى أنْ يتمِّمَهما ثم يتوضأ؛ لأنَّ ابتداءهما مع الحدث
جائزٌ، فالبناءُ أَولى، "بدائع"(٩).
[٣٤٧١) (قولُهُ: "خلاصة") (١٠) ونحوُهُ في "الخانَيَّة"(١١)، قال في "الفتح"(١٢): ((فإِنْ حُمِلَ
(قولُهُ: لكن الأولى أنْ يُتْمِّمَهما ثمَّ يتوضَّأَ إلخ) يظهرُ على القول بعدمٍ كراهتهما مع الحدث لا على
(١) "السّراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ١٣١/ب.
(٢) صـ ٦٠٦ - "در".
(٣) المقولة [٣٤٨٧] قوله: ((كره إن لحقه وحشة)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الأذان ٧٨/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤٣/أ. و"في "د" زيادة: ((ولو وقف في خلال الأذان يعيده لو كانت بحيث تعد
فاصلة، ولو يسيرةً كالتنحنح والسعال فلا ، "تاتر خانية". ويكره التنحنح فيه بلا عذر، "سراج")).
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤٣/أ بتصرف.
(٧) "القاموس": مادة ((حصر)).
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤٣/أ.
(٩) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في سنن الأذان ١٤٩/١ بتصرف.
(١٠) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الأول في الأذان ق ١٧/ب بتصرف.
(١١) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل الأذان ٧٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٢١/١ بتصرف.
قسم العبادات
٦٠٨
حاشية ابن عابدين
وحزَمَ "المصنّف" بعدم صحَّةٍ أذانِ مجنونٍ ومعتوهٍ وصبيٍّ لا يعقل ..
الوجوبُ على ظاهره احتيجَ إلى الفرق بين نفسِ الأذان - فإنّه سنة - وبين استقباله بعد
الشُّروع فيه، وقد يقال فيه: إذا شرَعَ فيه، ثم قطَعَ تبادَرَ إلى ظنِّ السامعين أنَّ قطعه للخطأ،
فينتظرون الأذانَ الحقَّ، وقد تفوتُ بذلك الصلاةُ، إلاَّ أنَّ هذا يقتضي وجوبَ الإِعادة فيمن
مرَّ أَنَّه يعادُ أذانُهم إلاَّ الجنبَ، أي: لعدم الاعتماد على قولهم، ولو قال قائلٌ فيهم: إِنْ عِلِمَ
الناسُ حالهم وجبتْ، وإلاَّ اسْتُحَبَّتْ لِيقعَ فعلُ الأذان معتبراً وعلى وجهِ السنَّة لم يبعُدْ،
وعكسُهُ في الخمسة المذكورة في "الخلاصة")) اهـ.
أقول: يظهرُ لي أنَّ المراد بالوجوب اللزومُ في تحصيلٍ سنَّة الأذان، وأنَّ المراد أَنَّه إذا عرَضَ
للمؤذّنِ ما يمنعُهُ عن الإتمام، وأرادَ آخرُ أنْ يؤذِّنَ يلزمُهُ استقبالُ الأذان من أوَّلِهِ إنْ أراد إقامةَ سنَّةٍ
الأذان، فلو بنى على ما مضى من أذانِ الأوَّلِ لم يصحَّ، فلذا قال في "الخانيّة"(١): ((لو عجَزَ عن
الإِتمام استقبَلَ غيرُهُ)) اهــ أي: لئلاّ يكون آتياً ببعض الأذان.
(٣٤٧٢] (قولُهُ: وجزَمَ "المصنّف"(٢) إلخ) أي: حيث قال فيما مرَّ: ((قَّدنا بالمراهق لأنَّ أذانَ
الصبيِّ الذي لا يعقلُ غيرُ صحيحٍ [١/ق٣٠٣/أ] كالمجنون والمعتوهِ)) اهـ، فافهم.
وهذا ذكَرَهُ في "البحر"(٣) بحثاً، فترجَّحَ عند "المصنّف" فجزَمَ به، ويؤيِّدُهُ ما في "شرح
المنية(٤): ((من أَنَّه يجبُ إعادةُ أذان السَّكرانِ والمجنون والصبيِّ غيرِ العاقل لعدم حصولِ المقصود
لعدم الاعتمادِ على قولهم)) اهـ.
ما مشى عليه "المصنّف" كما يدلُّ عليه التعليلُ الذي ذكرَهُ، تأمَّل.
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل الأذان ٧٧/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٢) "المنح": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ٣٠/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٩/١.
(٤) "شرح المنية الكبير": سنن الصلاة - الأذان صـ ٣٧٥ -.
الجزء الثاني
٦٠٩
باب الأذان
قلت: وكافرٍ وفاسقٍ لعدم قبول قوله في الديانات. (وكُرِهَ تركُهما) معاً ..
(٣٤٧٣] (قولُهُ: قلت: وكافرٍ وفاسقٍ) ذكْرُ الفاسقِ هنا غيرُ مناسبٍ؛ لأنَّ صاحب
"البحر"(١) جعَلَ العقلَ والإِسلام شرطَ صحَّةٍ، والعدالةَ والذكورةَ والطهارةَ شرطَ كمالٍ،
وقال: ((فأذانُ الفاسق والمرأة والجنب صحيحٌ))، ثم قال: ((وينبغي أنْ لا يصحَّ أذانُ الفاسق
بالنسبة إلى قبولٍ خبره والاعتمادِ عليه، أي: لأَنَّه لا يُقبَلُ قولُهُ في الأمور الدينَّة، فلم يوجدِ
الإِعلامُ كما ذكره "الزيلعيُّ"(٢))).
وحاصلُهُ: أَنَّه يصحُّ أذانُ الفاسق وإنْ لم يحصلْ به الإِعلامُ، أي: الاعتمادُ على قبولِ قوله في
دخول الوقت بخلاف الكافر وغيرِ العاقل، فلا يصحُّ أصلاً، فتسويةُ "الشارح" بين الكافر والفاسق
غیرُ مناسبةٍ.
ثُمَّ اعلمْ أَنَّه ذكَرَ في "الحاوي القدسيّ(٣) من سنن المؤذِّن: ((كونَهُ رجلاً، عاقلاً، صالحاً،
عالماً بالسُّنن والأوقات، مواظباً عليه، محتسباً، ثقةً، متطهِّراً، مستقبلاً))، وذكَرَ نحوَه في "الإمداد"(٤).
(قولُهُ: ذِكْرُ الفاسقِ هنا غيرُ مناسبٍ إلخ) هو مناسبٌ بناءً على التوفيق الآتي له بقوله: (( والذي
يظهرُ لي في التوفيق هو أنَّ إلخ ))، تأمَّل. وقال "السنديُّ": ((ذِكْرُ الفاسقِ يناقضُ ما قدَّمَهُ من أنَّ
الفاسق العالِمَ أَولى من جاهلٍ تقيٍّ، وكذا ما يأتي من أنَّ بانيَ المسجد أحقُّ بالأذان مطلقاً، وصرَّحَ
"المصنّفُ" بأنَّه أحقُّ بالأذان والإقامة وإنْ كان فاسقاً، والفاسقُ يُقبَلُ قوله إذا وقَعَ في القلب صدقُهُ كما
صرَّحُوا به، وتقدَّمَ في عبارة "البحر": أنَّ المؤذِّنَ الفاسق يستحقُّ معلومَ وظيفةِ الأذان المقرَّرة في الوقف،
ويصحُّ تقريرُ الفاسق فيها، فتنبَّه )) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٨/١-٢٧٩.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الأذان ٩٤/١.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٣٦/أ.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٩٤/ب.
قسم العبادات
٦١٠
حاشية ابن عابدين
٢٦٣/١
ومقتضاه: أنَّ العقل غيرُ شرطٍ لصحَّةِ الأذانِ، فيصحُّ أذانُ غير العاقل كالمجنون والمعتوه
والسَّكران، كما يصحُّ أذانُ الفاسق والمرأةِ والجنب، ويدلُّ عليه ما في "البدائع"(١): ((من أَنَّه
يكرهُ أذانُ المجنون والسَّكران، وأنَّ الأحبَّ إعادتهُ في ظاهر الرواية، وأَنَّه يكرهُ أذانُ المرأة
والصبيِّ العاقل ويُجزي، حتى لا يعادُ لحصول المقصود، وهو الإعلامُ، ورُوِيَ عن "الإمام": أنَّه
تُستحَبُّ إعادةُ أذان المرأة)) اهـ.
وعلى هذه الروايةِ مشى "الزيلعيُّ)(٢)، وذكَرَ في "البدائع"(٣) أيضاً: ((أَنَّ أذان الصبيِّ الذي لا
يَعْقِلُ لا يُجزي ويعادُ؛ لأنَّ ما يصدُرُ لا عن عقلِ لا يعتدُّ به كصوتِ الطيور)) اهـ.
فحصلَتِ [١/ق٣٠٣/ب] المنافاةُ بين ما جزَمَ به "المصنّف" تبعاً لـ "البحر" - وكذا ما
قدَّمناه(٤) عن "شرح المنية" من عدم صحَّةٍ أذانٍ غير العاقل كالمجنون والمعتوهِ والسَّكران - وبين ما
في "الحاوي" و"البدائع" من صحَّةٍ أذانِ الكلِّ سوى صبيٍّ لا يعقلُ.
والذي يظهرُ لي في التوفيق هو أنَّ المقصود الأصليَّ من الأذان في الشرع الإعلامُ بدخول
أوقاتِ الصلاة، ثم صار من شعائر(٥) الإسلام في كلِّ بلدةٍ أو ناحيةٍ من البلاد الواسعةِ على ما
مرَّ(٦)، فمن حيث الإِعلامُ بدخول الوقت وقبولُ قولِهِ لا بدَّ من الإسلام والعقل والبلوغ والعدالة،
وقدَّمنا(٧) قبل هذا البابِ عن "معين الحكام" ما نصُّهُ: ((المؤذِّثُ يكفي إخبارُهُ بدخول الوقت إذا
كان بالغاً، عاقلاً، عالمً بالأوقات، مسلماً، ذَكَراً، ويعتمَدُ على قوله)) اهـ.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان سنن الأذان ١٥٠/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الأذان ٩٤/١.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان سنن الأذان ١٥٠/١.
(٤) انظر المقولة [٣٤٧٢] قوله: ((وجزم المصنف إلخ)).
(٥) في "ب" و"م": ((شعار)).
(٦) المقولة [٣٣٨١] قوله: ((هي كالواجب)).
(٧) المقولة [٣٢٧٠] قوله: ((فيراعى الحكم الأول)).
الجزء الثاني
٦١١
باب الأذان
(لمسافر)
والظاهرُ أنَّ قوله: ((ذكراً)) غيرُ قيدٍ لقبولِ خبر المرأة، فحينئذٍ يقال: إذا أَنَّصَفَ المؤذِّثُ بهذه
الصفاتِ يصحُّ أذانه، وإلاَّ فلا يصحُّ من حيث الاعتمادُ عليه في دخول الوقت، وقدَّمنا(١) أيضاً قبل
هذا البابِ أنَّه في الفاسق والمستورِ يُحكِّمُ رأيَهُ في صدقه وكذبه، ويعملُ به بخلاف الكافر والصبيِّ
والمعتوهِ، فإنّه لا يُقبَلُ أصلاً، وأمَّا من حيث إقامةُ الشعار النافيةُ للإثم عن أهل البلدة فيصحُّ أذانُ
الكلِّ سوى الصبيِّ الذي لا يعقلُ؛ لأنَّ مَنْ سمِعَهُ لا يعلمُ أَنَّه مؤذٌّ، بل يظنُّهُ يلعبُ بخلاف الصبيِّ
العاقل؛ لأَنَّه قريبٌ من الرِّجال، ولذا عَبَّرَ عنه "الشارح" بالمراهق، وكذا المرأةُ، فإنَّ بعض الرِّجال قد
يُشبهُ صوتُهُ صوتَ المراهق والمرأة، فإذا أذَّنَ المراهقُ أو المرأةُ، وسمعَهُ السامعُ يعتدُّ به، وكذا المجنونُ
أو المعتوهُ أو السكرانُ، فإِنَّه رجلٌ من الرِّجال، فإذا أذَّنَ على الكيفيَّةِ المشروعة قامتْ به الشعيرة؛
لأَنّه إذا سمعه غيرُ العالِم بحاله يعدُّهُ مؤذّناً، وكذا الكافرُ، فباعتبارِ هذه الحيثَّةِ صارت الشروطُ
المذكورة كلُّها شروطَ كمالٍ؛ لأنَّ المؤذِّنَ الكامل هو الذي تقامُ بأذانه الشعيرةُ، ويحصُلُ به
الإِعلامُ، فيعاد أذانُ الكلِّ ندباً على [١/ق ٣٠٤/ أ] الأصحِّ كما قدَّمناه(٢) عن "القُهُستانيِّ".
ثُمَّ الظاهرُ: أنَّ الإعادة إنما هي في المؤذِّنِ الراتب، أمَّا لو حضَرَ جماعةٌ عالمون بدخول الوقت،
وأذِّنَ لهم فاسقٌ أو صبيٌّ يعقلُ لا يكرهُ، ولا يعادُ أصلاً لحصولِ المقصود، تأمَّلْ.
(تنبيةٌ)
يؤخذُ مما قدَّمناه من أنّه لا يحصُّلُ الإِعلامُ من غير العدل ولا يقبلُ قولُهُ أَنَّه لا يجوزُ الاعتمادُ
على المبلّغِ الفاسق خلفَ الإِمام كما نَبَّهَ عليه بعضُ الشافعيَّة، فتنبّهْ لهذه الدقيقة، والله أعلم.
[٣٤٧٤] (قولُهُ: لمسافرٍ) أي: سفراً لغويّاً أو شرعيّاً كما في "أبي السُّعود"(٣)، "ط "(٤).
(١) المقولة [٣٢٧٠] قوله: ((فيراعى الحكم الأول)).
(٢) المقولة [٣٤٦٤] قوله: ((ويعاد أذان الجنب إلخ)).
(٣) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الأذان ١٥٤/١.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الأذان ١٨٧/١ بتصرف.
٦١٢
حاشية ابن عابدين
قسم العبادات
ولو منفرداً (وكذا تركُها) لا تركُهُ.
[٣٤٧٥] (قولُهُ: ولو منفردً) لأَنَّه ((إِنْ أَذَّنَ وأقامَ صلَّى خلفَهُ مِنْ جنودِ الله ما لا يُرى طرفاه))،
رواه "عبد الرزاق"(١). وبهذا ونحوِهِ عُرِفَ أنَّ المقصود من الأذان لم ينحصِرْ في الإعلام، بل كلٍّ
منه ومن الإعلان بهذا الذّكر نشراً لذكر الله ودينه في أرضه، وتذكيراً لعباده من الجنِّ والإِنس
الذين لا يُرى شخصُهُم في الفَلَوات، "فتح"(٢).
وفي تعبير "الشارح" بالمنفرد إشارةٌ إلى أنَّه لا يُعطَى له حكمُ الإِمام من كلِّ وجهٍ، ولذا قال
في "الناتر خانَّةً"(٣) عن "الفتاوى العَتَّابَّة": ((ولو أذَّنَ وأقامَ في الصحراءِ وهو منفردٌ فحكمُهُ حکمُ
المنفرد في أَنَّه يَجمعُ بين التسميع والتحميد، وكذا في الجهر والمخافتة)) اهـ.
[٣٤٧٦) (قولُهُ: لا تركُهُ) الظاهرُ أنَّ المراد نفيُ الكراهة الموجبةِ للإساءة، وإلاَّ فقد صرَّحَ في
"الكنز"(٤) بعد ذلك بندبِهِ للمسافر وللمصلِّي في بيته في المصرِ، قال في "البحر"(٥): ((ليكونَ الأداءُ
على هيئةِ الجماعة)) اهـ.
ولِما علمتَ من أَنَّه ليس المقصودُ منه الإعلامَ فقط.
(١) "في "المصنف" (١٩٥٥) كتاب الصلاة - باب الرجل يصلي بإقامة وحده، وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"
٢٤٨/١ كتاب الأذان والإقامة ــ باب في الرجل يكون وحده فيؤذن أو يقيم، والطبراني في "المعجم
الكبير" (٦١٢٠)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٠٥/١ -٤٠٦ كتاب الصلاة - باب سنة الأذان والإقامة للمكتوبة
في حالتي الانفراد والجماعة، والمنذري في "الترغيب والترهيب" ١٨٢/١ كتاب الصلاة - باب الترغيب في الأذان
وما جاء في فضله وقال: رواه عبد الرزاق في كتابه عن ابن التميمي عن أبيه عن أبي عثمان النهدي عنه. كلُّهم من
حديث سلمان الفارسي ظُته. قال الإمام البيهقيّ: ((هذا هو الصحيح موقوف، وقد روي مرفوعاً ولا يصحُّ رفعه)).
وقال العلامة التهانوي في "إعلاء السنن" ١١٦/٢ كتاب الصلاة - باب استحباب الأذان والإقامة للمسافر: ((قلت:
هذا سندٌ رجالُهُ رجالُ الجماعةِ)).
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٢٢/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني - الأذان ٥٢٥/١.
(٤) انظر "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - باب الأذان ٣٣/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٨٠/١.
الجزء الثاني
٦١٣
باب الأذان
لحضورِ الرِّفقة (بخلاف مصلٍّ) ولو بجماعةٍ (في بيتِهِ بمصرٍ) أو قريةٍ لها مسجدٌ، فلا
يكرهُ تركهما؛ إذ أذانُ الحِيِّ يكفيه (أو) مصلٍّ (في مسجدٍ بعد صلاةِ جماعةٍ فيه) بل
يكرهُ فعلُهما.
[٣٤٧٧] (قولُهُ: لحضورِ الرِّفقة) أي: إنْ كان ثَمَّ جماعةٌ، وإلاَّ فالأمرُ أظهرُ.
[٣٤٧٨] (قولُهُ: ولو بجماعةٍ) وعن "أبي حنيفة": لو اكتفَوا بأذانِ الناس أجزأهم وقد أساؤوا،
ففرَّقَ بين الواحدِ والجماعة في هذه الروايةِ، "بحر"(١).
[٣٤٧٩] (قولُهُ: في بيتِهِ) أي: فيما يتعلَّقُ بالبلد من الدَّار والكَرْم وغيرهما، "ُهُستاني)(٢). وفي
"التفاريق"(٣): ((وإنْ كان في كَرْمٍ أو ضيعةٍ يكتفي بأذانِ القرية أو البلدة إنْ كان قريباً، وإلاَّ فلا،
وحدُّ القربِ أنْ يبلغَ الأذانُ إليه منها)). اهـ "إسماعيل" (٤).
والظاهرُ: أَنّه لا [١/ق ٤ ٣٠/ب] يُشترَطُ سماعُهُ بالفعل، تأمَّلْ.
[٣٤٨٠] (قولُهُ: لها مسجدٌ) أي: فيه أذانٌ وإقامةٌ، وإلاَّ فحكمُهُ كالمسافر، "صدر الشريعة" (٥).
[٣٤٨١) (قولُهُ: إذ أذانُ الحِيِّ يكفيه) لأنَّ أذانَ المحلَّةِ وإقامتَها كأذانه وإقامته؛ لأنَّ المؤذِّنَ نائبُ
أهل المصرِ كلِّهم كما يشيرُ إليه "ابن مسعودٍ" حين صلَّى بـ "علقمةً" و"الأسود" بغير أذان ولا إقامةٍ
حيث قال: ((أذانُ الحِيِّ يكفينا(٦))،.
(قولُ "المصنف": بخلافِ مُصَلٍّ إلخ) أي: أداءً، ويكرهُ تركُهما في القضاء. اهـ "ط".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٨٠/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في سنن الأذان ٧٨/١.
(٣) هو "جمع التفاريق": للبقاليّ، وتقدمت ترجمته ٦٥٣/١.
(٤) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ٢٥٦/أ.
(٥) "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب الأذان ٣٩/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٦) لم نجده بهذا اللفظ لكن أخرجه بنحوه البيهقي في "السنن الكبرى" ٤٠٦/١ كتاب الصلاة - باب الاكتفاء
بأذان الجماعة وإقامتهم، بلفظ: ((يجزئنا أذان الحي وإقامتهم)) وأخرج ابن أبي شيبة ٢٤٩/١ =
قسم العبادات
٦١٤
حاشية ابن عابدين
و تكرارُ الجماعة،
وممن رواه سبطُ "ابن الجوزيِّ)) (١)، "فتح"(٢)، أي: فيكونُ قد صلَّى بهما حكماً بخلاف المسافر،
فإِنّه صلَّى بدونهما حقيقةً وحكماً؛ لأنَّ المكان الذي هو فيه لم يؤذَّنْ فيه أصلاً لتلك الصلاةِ، "كافي)(٣).
وظاهرُهُ: أَنَّه يكفيه أذانُ الحِيِّ وإقامتُه وإنْ كانت صلاتُهُ في آخرِ الوقت، تأمَّلْ.
٢٦٤/١
وقد علمتَ تصريح "الكنز" بندبِهِ للمسافر والمصلِّي في بيته في المصرِ، فالمقصودُ
من كفاية أذانِ الحِيِّ نفيُ الكراهة المؤثِّمةِ، قال في "البحر"(٤): ((ومفهومُهُ أَنَّه لو لم
يؤذّنوا في الحيِّ يكرهُ تركهما للمصلِّي في بيته، وبه صرَّحَ في "المجتبى"(٥)، وأنَّه لو أذَّنَ
بعضُ المسافرين سقَطَ عن الباقين كما لا يخفى)).
مطلبٌ في كراهةٍ تكرار الجماعة في المسجد
[٣٤٨٢] (قولُهُ: وتكرارُ الجماعةِ) لِمَا رَوَى "عبدُ الرحمن" بن "أبي بكرةً"(٦) عن أبيه: أنَّ رسول الله ◌َّ
((خَرَجَ من بيته ليُصلِحَ بين الأنصار، فرجَعَ وقد صُلِّيَ في المسجد بجماعةٍ، فدخَلَ رسولُ الله ◌ُّ في منزل
بعضِ أهله، فجمَعَ أهلَهُ، فصلَّى بهم جماعةً)، (٧) ولو لم يكرهْ تكرارُ الجماعة في المسجد لصلّى فيه،
= كتاب الأذان والإقامة - باب من كان يقول: يجزيه أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، والبيهقي في "السنن
الكبرى"٤٠٦/١ كتاب الصلاة - باب الاكتفاء بأذان الجماعة وإقامتهم عن علقمة والأسود قالا: أتينا عبد الله
في داره فقال: أصلى هؤلاء خلفكم ؟ قلنا: لا، قال: فقوموا فصلوا فلم يأمر بأذان ولا إقامة، وأحمد في "المسند"
٤٤٧/١ بدون القصة. ومن وجه آخر أخرج عبد الرزاق في "المصنف" ١٥٢/١ برقم (١٩٦١ و١٩٦٢) أنّ ابن
مسعود صلى بأصحابه في داره بغير أذان ولا إقامة، وقال: إقامة المصر تكفي.
(١) لم نجده فيما بين أيدينا من كتب سبط ابن الجوزي.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٢٢/١.
(٣) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ٢٣/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٩/١-٢٨٠.
(٥) "في هذه العبارة مقال لابن عابدين في حاشيته على "البحر". انظره ٢٨٠/١.
(٦) "وقع في النسخ: ((ابن أبي بكر عن أبيه)) وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه وأبو بكرة هو: نفيع بن الحارث.
(٧) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٦٠١)، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤٥/٢ قال: ((رواه الطبراني
في "الكبير" و"الأوسط" ورجالُهُ ثقاتٌ))، ولم نجده في "الكبير"، ولعله في الجزء المفقود: ((فيمن اسمه نفيع))، =
الجزء الثاني
٦١٥
باب الأذان
ورُويَ عن "أنسٍ": ((أنَّ أصحاب رسول الله وَّ كانوا إذا فاتْهم الجماعةُ في المسجد صلَّوا في
المسجد فُرادى))(١)، ولأنَّ التكرار يؤدِّي إلى تقليل الجماعة؛ لأنَّ الناس إذا علموا أنَّهم تفوتُهُم
الجماعةُ يتعجَّلون فتكثرُ، وإلاَّ تأخَّروا. اهـ "بدائع"(٢).
وحينئذٍ فلو دخَلَ جماعةٌ المسجدَ بعدما صلَّى أهلُهُ فيه فإنّهم يصلُّون وحداناً، وهو ظاهرٌ
الرواية، "ظهيريَّة"(٣). وفي آخر "شرح المنية "(٤): ((وعن "أبي حنيفة": لو كانت الجماعةُ أكثرَ من
ثلاثةٍ يكرهُ التكرار، وإلاَّ فلا، وعن "أبي يوسف": إذا لم تكنْ على الهيئةِ الأولى لا تكرهُ،
[١/ق ٣٠٥/أ] وإلَّ تكرهُ، وهو الصحيحُ، وبالعدول عن المحراب تختلفُ الهيئةُ، كذا في
"البزَّازِيَّةِ "(٥))) اهـ.
وفي "التاتر خانيَّة"(٦) عن "الولوالحيَّة"(٧): ((وبه نأخذُ))، وسيأتي(٨) في باب الإمامة
= وقد نَّه العلامة التهانوي في "إعلاء السنن" ٢٥٢/٤ على ما وقع من التصحيف في "رد المحتار" في اسم الصحابي
فقال: ((روى عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه)) إلخ. فيتوهم منه أنه من رواية أبي بكر الصديق، وليس كذلك بل
هو ((عبد الرحمن بن أبي بكرة)) فقول بعض الناس: ((لم أقف عليه، ولا أصل له)) مردود عليه. فإن حديث أبي
بكرة أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات، ولعله أراد لا أصل له عن أبي بكر، وإنَّما هو عن أبي بكرة، فلو أراد
ذلك كان عليه أن يقيد كلامه، ولا يطلق عليه ((لا أصل له)) من غير قيد، فافهم. اهـ
(١) أخرجه الشافعي في "الأم" ١٣٧/١ تعليقاً، وجزم به، وقال التهانوي في "إعلاء السنن" ٢٥١/٤: والمجتهد لا يحكي
عن السلف أمراً وهو جازم به إلاّ وله أصلٌ صحيح عنده.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان محل وجوب الأذان ١٥٣/١.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الأول - الفصل الأول في الأذان ق ١٢/أ.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في أحكام المسجد صـ ٦١٤-٦١٥ -.
(٥) "البزازية": كتاب الصلاة - باب الإمامة - فصل فيما يكره وما لا يكره ٥٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني - الأذان ٥٢٨/١.
(٧) لم نعثر عليها في "الولوالجية".
(٨) المقولة [٤٦٦٦] قوله: ((بأذان وإقامة إلخ)).
قسم العبادات
٦١٦
حاشية ابن عابدين
إلاّ في مسجدٍ على طريقٍ فلا بأسَ بذلك، "جوهرة".
(أقامَ غيرُ مَن أَذِّنَ بغيبته) أي: المؤذِّن (لا يكرهُ مطلقاً) وإنْ بحضوره كُرِهَ إِنْ لَحِقَهُ
و حشة
إنْ شاء الله تعالى لهذه المسألةِ زيادةُ كلامٍ.
[٣٤٨٣] (قولُهُ: إلاَّ في مسجدٍ على طريقٍ) هو ما ليس له إماٌ ومؤذِّنٌ راتبٌ، فلا يكرهُ التكرارُ
فيه بأذان وإقامةٍ، بل هو الأفضلُ، "خانَّةً"(١).
(٣٤٨٤] (قولُهُ: فلا بأسَ بذلك) الأَولى حذفُهُ لِما علمتَ أنَّه الأفضلُ، فافهم.
[٣٤٨٥] (قولُهُ: "جوهرة") لم أرَه فيها، وإنما ذكَرَهُ في "السِّراج)"(٢).
[٣٤٨٦] (قولُهُ: مطلقاً) أي: لَحِقَهُ وحشةٌ أَوْ لا.
[٣٤٨٧] (قولُهُ: كُرِهَ إِنْ لَحِقَهُ وحشةٌ) أي: بأنْ لم يرضَ به، وهذا اختيارُ "خواهر زاده"،
ومشى عليه في "الدرر"(٣) و"الخانيّة"(٤)، لكنْ في "الخلاصة" (٥): ((إنْ لم يرضَ به يكره، وجوابُ
الرواية أَنَّه لا بأسَ به مطلقاً)) اهـ.
قلت: وبه صرَّحَ الإِمام "الطحاويُّ" في "مجمع الآثار"(٦) معزيًّاً إلى "أئمَّتنا الثلاثة"، وقال في
"البحر"(٧): ((ويدلُّ عليه إطلاقُ قول "المجمع": ولا نكرهُها من غيره، فما في "شرحه"
لـ "بن ملكٍ": من أَنَّه لو حضَرَ ولم يرضَ يكرهُ اتفاقاً فيه نظرٌ)) اهـ.
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل المسجد ٦٨/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ١٣٤/ب.
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٥٧/١.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل الأذان ٧٩/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الأول في الأذان ق١٧/ب.
(٦) ليس للإمام الطحاوي كتاب بهذا الاسم، والمقصود - والله أعلم - "شرح معاني الآثار"، والمسألة فيه ١٤٣/١ كتاب
الطهارة - باب الرَّجُلين يؤذن أحدهما ويقيم الآخر. (وانظر "كشف الظنون" ١٧٢٨/٢، "الجواهر المضية"٢٧٦/١).
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٧٠/١.
الجزء الثاني
٦١٧
باب الأذان
کما کره مشيُهُ في إقامته.
(ويجيبُ) وجوباً،.
وكذا يدلُّ عليه إطلاقُ "الكافي"(١) معلّلاً: ((بأنَّ كلَّ واحدٍ ذِكْرٌ، فلا بأس بأنْ يأتيَ بكلِّ
واحدٍ رجلٌ آخرُ، ولكنَّ الأفضل أنْ يكون المؤذِّثُ هو المقيمَ)) اهـ. أي: لحديثٍ: (( مَنْ أَذَّنَ فهو
يقيمُ(٢) ))، وتمامُهُ في "حاشية نوح".
[٣٤٨٨] (قولُهُ: كما كُرِهَ إلخ) ذكَرَهُ في "روضة الناطفيِ)(٣)، واختلفوا عند إتمامها - أي: عند
(١) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ٢٣/أ.
(٢) أخرجه أحمد ١٦٩/٤، وأبو داود (٥١٤) كتاب الصلاة - باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر، والترمذيّ(١٩٩)
كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء أنَّ مَنْ أذن فهو يقيم، وابن ماجه (٧١٧) كتاب الأذان - باب السنة في الأذان،
والطّحاويّ في "شرح معاني الآثار" ١٤٢/١ كتاب الصلاة - باب الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم الآخر، والطبراني
في "المعجم الكبير" (٥٢٨٥ -٥٢٨٦)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٨١/١ كتاب الصلاة - باب السنة في الأذان
لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر، و٦/٧ كتاب قسم الصدقات - باب قسم الصدقات على قسم الله تعالى،
و٩٦/١٠ كتاب أدب القاضي - باب كراهية الإمارة وكراهية تولي أعمالها ... ، مختصراً وفي إسناده عبد الرحمن بن
زياد بن أنعم الإفريقي، قال الترمذيّ: حديث زياد إنما نعرفه من حديث الإفريقي، والإفريقي ضعيف عند أهل
الحديث، وضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي، ورأيت محمد بن إسماعيل
- يعني: البخاريّ - يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث، وفي الكلام على تضعيفه نظر، فقد قال الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله في تعليقه على "الجامع الصحيح" للترمذي الحديث رقم (٥٤) راداً على من ضعفه: ((وأما عبد
الرحمن بن زياد بن أنعم فإنه ثقة، ومن ضَعَّفه فلا حجة له، وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث
الإفريقي؟ قال: نعم، قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم، وقال أبو بكر بن أبي داود: تكلم الناس في الإفريقي وضعفوه
لأنه روى عن مسلم بن يسار، فقيل له: أين رأيته؟ فقال: بأفريقية، فقالوا له: ما دخل مسلم بن يسار إفريقية قط،
يعنون البصري، ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يقال له: أبو عثمان الطنبذي، وكان الإفريقي رجلاً صالحاً.
وقال سحنون حين سئل عن عبد الرحمن بن زياد: عبد الرحمن ثقة. وأهل بلد الرجل أعرف به وأعلم، ثم يقول
الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: والذي يظهر لي بالتتبع أن كثيراً من علماء الجرح والتعديل من أهل المشرق
كانوا يخطئون في أحوال الرواة والعلماء من أهل المغرب: مصر وما يليها إلى الغرب)). اهـ كلهم من حديث زياد
بن الحارث الصدائيّ، وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) "الروضة": لأبي العباس أحمد بن محمد بن عمر الناطفي (ت ٤٤٦ هـ). ("كشف الظنون" ٩٢١/١، "الجواهر المضية"
٢٩٨/١، "الفوائد البهية" صـ ٣٦-).
قسم العبادات
٦١٨
حاشية ابن عابدين
وقال "الحَلْوانيُّ) : (( ندباً، والواجبُ الإجابةُ بالقدم ))
قد قامت الصلاة - فقيل: يتمُّها ماشياً، وقيل: في مكانه إماماً كان المؤذِّثُ أو غيرَهُ، وهو الأصحُّ
كما في "البدائع"(١)، وقصَرَ في "السِّراج"(٢) الخلافَ على ما إذا كان إماماً، فلو غيرَهُ يتمُّها
في موضعِ البداءة بلا خلافٍ، "نهر "(٣).
[٣٤٨٩] (قولُهُ: وقال "الحَلْوانيُّ": ندباً إلخ) أي: قال "الحَلْوانيُّ": ((إنَّ الإجابة باللّسان
مندوبةٌ، والواجبةُ هي الإجابةُ بالقدم))، قال في "النهر "(٤): ((وقولُهُ بوجوبِ الإجابة بالقدم
مشكلٌ؛ لأَنَّه يلزمُ عليه وجوبُ الأداء في أوَّلِ الوقت وفي المسجد؛ إذ لا معنى لإيجابِ الذهاب دون
الصلاة، وما في شهادات "المجتبى": سمِعَ الأذانَ، وانتظَرَ الإقامة في بيته لا تُقبَلُ شهادته مخرَّجٌ على
قوله كما لا يخفى، [١/ق٣٠٥/ب] وقد سألتُ شيخَنا الأخَ" عن هذا، فلم يُبْدِ جواباً)) اهـ.
أقولُ - وبالله التوفيق - : ما قاله الإمام "الحَلْوانيُّ" مبنيٌّ على ما كان في زمنِ السَّلف
(قولُهُ: أقول وبالله التوفيقُ: ما قالَهُ الإِمام "الحَلْوانيُّ " إلخ) حاصلُ جواب المحشِّي أنَّ ما قالَهُ
"الحَلْوانِيُّ" مبنيٌّ على ما هو الصحيحُ من وجوب الجماعة، وعلى ما كان في زمنِ السَّلف من عدم
تكرارها، فوجوبُ الإِجابةِ بالقدم لِما يلزمُ على تركها من تفويتِ الجماعة أو تكرارها، وكلاهما منهيّ
عنه لا للأداءِ في أوَّلِ الوقت أو في المسجد، وعلى هذا يجبُ السَّعِيُ إليها في وقتِها كالسَّعىِ يوم الجمعة يجبُ
بالأذان لأجل الصلاة لا لذاته، وعلى هذا يحصلُ التوفيق بين القولين، وفي هذا الجواب تأمُّلٌ؛ إذ مقتضاه
أنَّ مَن سَمِعَ الأذانَ في منزله وانتظَرَ الإِقامةَ تُقبَلُ شهادته، ولا إثم عليه عنده لعدم تفويت الجماعة مع أنَّه
متحققٌ كما هو مقتضى عبارة "المجتبى" المحمولة على قوله، وقد يقال في جواب الإشكال: إنَّ "الحلوانيَّ
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان سنن الأذان ١٥١/١ بتصرف.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ١٣٢/ب.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب الأذان ق٣٦/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٣٧/أ.
* قوله: ((شيخنا الأخ)) المراد بشيخه أخوه زين بن نجيم صاحب "البحر" . اه منه