النص المفهرس
صفحات 561-580
الجزء الثاني
٥٥٩
كتاب الصلاة
ومُغتسَلٍ، وحَمَّامٍ،.
وقيل: لأَنَّه تشبُّ باليهود، وعليه مشى في "الخانَيَّة"(١)، ولا بأس بالصلاة فيها إذا كان فيها موضعٌ
أُعِدَّ للصلاة، وليس فيه قبرٌ ولا نجاسةٌ كما في "الخانيَّة"، ولا قبلتُهُ إلى قبرِ، "حلبة"(٢).
[٣٣٥٠) (قولُهُ: ومُغتسَلٍ) أي: مَوضعِ الاغتسال في بيته، تأمَّلْ.
[٣٣٥١) (قولُهُ: وحَمّامٍ) لمعنيين: أحدُهما أنَّه مصبُّ الغُسالات، والثاني أَنَّه بيتُ الشياطين،
فعلى الأوَّلِ إذا غسَلَ منه موضعاً لا تكرهُ، وعلى الثاني تكرهُ، وهو الأَولى لإطلاق الحديث(٣)، إلّ
لخوفٍ فوتِ الوقت ونحوِهِ، "إمداد"(٤). لكنْ في "الفيض": ((أَنَّ المفتى به عدمُ الكراهة)).
وأمَّا الصلاةُ خارجَهُ - أي: في موضعٍ جلوس الحمَّاميِّ - ففي "الخالنَّةُ"(٥): ((فلا بأسَ بها))،
وفي "الحلبة"(٦): ((أَنَّه يتفرَّعُ على المعنى الثاني الكراهةُ خارجه أيضاً))، وفيها [١/ق ٢٩٢/ أ]
أيضاً(٦): ((لو هُجرَ الحمَّامُ قيل: يُحتمَلُ بقاءُ الكراهة استصحاباً لِما كان، ويحتملُ زوالُها؛ لأنَّ
الشيطان كان يأَفُهُ لِما فيه من كشفِ العورات ونحوِ ذلك، والأوَّلُ أشبهُ، ولو لم يُسَقْ إليه الماءُ
ولم يُستعمَل فالأشبهُ عدمُها؛ لأَنَّه مشتقٌّ من الحميم، وهو الماءُ الحارُّ، ولم يوجدْ فيه، وعليه لو
أَتَّخَذَ دارً للسَّكن كهيئة الحمَّام لم تكرهِ الصلاة أيضاً)) اهـ.
مطلبٌ: تكرهُ الصلاة في الكنيسة
(تنبيةٌ)
يؤخذُ من التعليل بأنَّه محلُّ الشَّيَاطِينِ كراهةُ الصلاة في معابدِ الكفار؛ لأَنَّها مأوى الشياطين
كما صرَّحَ به الشافعيَّة، ويؤخذُ مما ذكروه عندنا، ففي "البحر"(٧) من كتاب الدعوى عند قول
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٢/ب.
(٣) تقدم تخريجه ص٥٥٨ -.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في المكروهات ق ١٩٠/ب - ١٩١/أ بتصرف.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٦) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨٢/أ بتصرف.
(٧) "البحر": ٢١٤/٧.
قسم العبادات
٥٦٠
حاشية ابن عابدين
وبطنٍ وادٍ، ومَعَاطنِ إِبلٍ وغنمٍ.
"الكنز": ((ولا يحلفون في بيتِ عباداتهم)): ((في "التاتر خانَّة"(١): يكرهُ للمسلم الدخولُ في البيعة
والكنيسة، وإنما يكرهُ من حيث إنَّه مجمعُ الشياطين، لا من حيث إنَّه ليس له حقُّ الدخول)) اهـ.
قال في "البحر "(٢): ((والظاهرُ أَنَّها تحريميَّةٌ؛ لأَنَّها المرادةُ عند إطلاقهم، وقد أفتيتُ بتعزيرٍ
مسلمٍ لازَمَ الكنيسةَ مع اليهود)) اهـ.
فإذا حُرُّمَ الدخولُ فالصلاةُ أَولى، وبه ظهَرَ جهلُ مَنْ يدخلُها لأجلِ الصلاة فيها.
(٣٣٥٢] (قولُهُ: وبطنِ وادٍ) أي: ما الخفَضَ من الأرض، فإنَّ الغالب احتواؤه على نجاسةٍ يحملُها
إليه السيلُ، أو تُلقَى فِيه، "ط)"(٣).
(٣٣٥٣) (قولُهُ: ومعاطنٍ إبلٍ وغنهٍ) كذا في "الإحكام"(٤) للشيخ "إسماعيل" عن "الخزانة
السمر قنديَّة(٥)، ثم نقَلَ عن "الملتقط ": ((أَنَّها لا تكرهُ في مرابضِ الغنم إذا كان بعيداً من النجاسة))،
وفي "الحلبة"(٦): ((قال ◌َّ: «صلُّوا في مرابضِ الغنم، ولا تصلُّوا في أعطانِ الإبل)، رواه "الترمذيُّ(٧)
٢٥٤/١
(١) لعلّها في "الحظر والإباحة" وهو من القسم غير المطبوع.
(٢) "البحر": كتاب الدعوى ٢١٤/٧.
(٣) "ط": كتاب الصلاة ١٨٣/١.
(٤) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب ما يكره في الصلاة ١/ق ٤٠٢/أ.
(٥) أي: "خزانة الفقه" لأبي الليث السمر قنديّ: كتاب الطهارة - باب الصلاة - عشرة مواضع تكره فيها الصلاة ق ١٤/أ.
(٦) "الحلبة": كراهية الصلاة ٢/ق ١٨١/ب بتصرف.
(٧) أخرجه أحمد ٤٥١/٢-٤٩١، وابن أبي شيبة ٤٢١/١ كتاب الصلاة - باب الصلاة في أعطان الإبل، والترمذي
(٣٤٨) و(٣٤٩) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل، وقال: حديث أبي
هريرة ◌َّهِ حديثٌ حسن صحيح، وعليه العمل عند أصحابنا وبه يقول أحمد وإسحاق، وابن ماجه (٧٦٨) كتاب
المساجد - باب الصلاة في أعطان الإبل ومُرَاح الغنم، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣٨٤/١ كتاب الصلاة -
باب الصلاة في أعطان الإبل، وابن خزيمة (٧٩٥) و(٧٩٦) كتاب الصلاة - باب النهي عن الصلاة في معاطن الإبل،
وابن حبان(١٣٨٤) و(١٧٠٠) و(١٧٠١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤٤٩/٢ كتاب الصلاة - باب كراهية
الصلاة في أعطان الإبل دون مُرَاح الغنم، والبغوي في "شرح السنة" (٥٠٣)، كلّهم من حديث أبي هريرة ◌َل ◌ُه،
وفي الباب: عن أنس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن مغفل ضثه.
الجزء الثاني
٥٦١
كتاب الصلاة
وقال: حسنٌ صحيحٌ، وأخرَجَ "أبو داود"(١): سُئل رسولُ اللهِ وَّ عن الصلاة في مَبَاركِ الإِبل،
فقال: ((لا تصلُّوا في مَباركِ الإِبل، فإِنَّها من الشياطين)، وسُئل عن الصلاة في مرابضِ الغنم فقال:
(صلُوا فيها، فإِنَّها خُلِقَتْ من بركةٍ)، وأخرجه "مسلمٌ"(٢) مختصراً.
ومَعَاطِنُ الإِبل: وطنُها، ثم غلبَ على مَبركها حولَ الماءِ، والأَولى الإطلاقُ كما هو ظاهرُ
الحديث، ومرابض الغنم: مواضعُ مَبيتها)) اهـ.
والظاهرُ أنَّ معنى كونِ الإِبل من الشياطين أنَّها خُلِقَتْ على صفةٍ تشبهُهم من النُّفور
والإيذاء، فلا يأمنُ المصلِّي [١/ق٢٩٢/ب] من أنْ تنفِرَ وتقطعَ عليه صلاته كما قاله بعضُ
الشافعيّة، أي: فيبقى بالُهُ مشغولاً خصوصاً حالَ سجوده، وبهذا فارَقَتِ الغنمَ، ويظهرُ من التعليل
أنّه لا كراهةَ في معاطنِ الإِبل الطَّاهرة حالَ غيبتها.
(تنبيةٌ)
استشكَلَ بعضُهم التعليلَ بأَنَّها خُلِقَتْ من الشياطين بما ثبت أنَّ المصطفىِ وَ ﴿ كان يصلِّي النافلةَ
على بعيره (٣)، وفرَّقَ بعضُهم بين الواحد وكونها مجتمعةً بما طُبعَتْ عليه من الّفار المفضي إلى تشويشٍ
القلب بخلاف الصلاةِ على المركوب منها. اهـ "شَبْرامَلِسي"(٤) على "شرح المنهاج" لـ "الرمليّ".
(١) أخرجه أحمد ٢٨٨/٤، وأبو داود (٤٩٣) كتاب الصلاة - باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، و(١٨٤) كتاب
الطهارة - باب الوضوء من لحوم الإبل، عن البراء بن عازب نظرته مرفوعاً.
(٢) أخرجه مسلم (٣٦٠) كتاب الحيض - باب الوضوء من لحوم الإبل، وأخرجه أحمد ٩٣/٥، ٩٨، ١٠٢، ١٠٥،
١٠٦، من حديث جابر بن سمرة قڅته.
(٣) أخرجه أحمد ١٣٧/٢-١٣٨، والبخاري تعليقاً (١٠٩٨) كتاب تقصير الصلاة - باب ينزل للمكتوبة، ومسلم
(٧٠٠) كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، وأبو داود
(١٢٢٤) كتاب الصلاة - باب التطوع على الراحلة والوتر، والنسائي ٢٤٣/١ -٢٤٤ كتاب الصلاة - باب الحال
التي يجوز فيها استقبال غير القبلة، و٦١/٢ كتاب القبلة - باب الحال التي يجوز عليها استقبال غير القبلة، من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي الباب عن جابر وعامر بن ربيعة رضي الله عنهما.
(٤) "حاشية الشبراملسي": كتاب الصلاة ٦٤/٢ نقلاً عن المناوي (هامش "نهاية المحتاج"). وهي حاشية أبي الضياء علي بن
علي، نور الدين الشَّبْرامَلسي (ت١٠٨٧ هـ) على "نهاية المحتاج" لمحمد بن أحمد، شمس الدين الرملي =
قسم العبادات
٥٦٢
حاشية ابن عابدين
وبقرِ، زادَ في "الكافي": ((ومرابطِ دوابَّ، وإصطبلٍ، وطاحون، وكنيفٍ، وسُطوحِها،
.......
ومَسِيلٍ وادٍ، وأرضٍ مغصوبةٍ، أو للغيرِ لو مزروعةً أو مكروبةً، وصحراءَ ..
[٣٣٥٤] (قولُهُ: وبقرٍ) لم أرَ مَنْ ذكره عندنا، نعمْ ذكَرَ بعض الشافعيّة أنَّ نحو البقر كالغنم،
وخالَفَهُ بعضهم.
(٣٣٥٥] (قولُهُ: ومرابطِ دوابَّ إلخ) ذكَرَ هذه السبعةَ في "الحاوي القدسيِّ"(١).
[٣٣٥٦] (قولُهُ: وإصطبلٍ) موضعُ الخيل، وعطفُهُ على ما قبله من عطف الخاصِّ على العامِّ،
"ط" (٢).
[٣٣٥٧] (قولُهُ: وطاحونٍ) لعلَّ وجهَهُ شغلُ البالِ بصوتها، تأمَّلْ.
[٣٣٥٨] (قولُهُ: وسُطوحِها) يحتملُ عودُ الضمير على الأربعةِ المذكورة، أو على الكنيفِ
وحده، وأَنَتْهُ باعتبار البقعة المعدَّةِ لقضاء الحاجة، ولعل وجهَهُ أنَّ السُّطوح له حكمُ ما تحتَهُ من
بعض الجهات كسُطوح المسجد.
[٣٣٥٩] (قولُهُ: ومسيلٍ وادٍ) يغْني عنه قولُهُ: ((وبطنِ وادٍ))؛ لأنَّ المسيلَ يكون في بطنِ
الوادي غالباً، "ط ) (٣).
مطلبٌ في الصلاة في الأرضِ المغصوبة، ودخولِ البساتين، وبناءِ المسجد في أرضِ الغصب
[٣٣٦٠) (قولُهُ: وأرضِ مغصوبةٍ أو للغيرِ) لا حاجةً لقوله: ((أو للغير))؛ إذ الغصبُ يستلزمُهُ،
(قولُهُ: يُغني عنه قولُهُ: وبطنِ وادٍ إلخ) قال "السنديُّ": (( بَيْنَهُ - أي: المسيلِ - وبين بطنِ الوادي
عمومٌ وخصوصٌ، يجتمعان فيما إذا كان السَّيلُ يجري في بطن الوادي، ويفترقُ بطنُ الوادي فيما إذا لم
تكن مظنَّةً لمجيءِ السَّيل إليه، وينفردُ المسيل إذا كان مستقبلَ الوادي )) اهـ.
= (ت ١٠٠٤ هـ) شرح "منهاج الطالبين" للنووي. (خلاصة الأثر ٣٤٢،١٧٤/٣).
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات المكروهة ق٤٨/ب، وليس فيه ذكر الطاحون.
(٢) "ط": كتاب الصلاة ١٨٣/١ بتصرف.
(٣) "ط: كتاب الصلاة ١٨٣/١.
الجزء الثاني
٥٦٣
كتاب الصلاة
اللهمَّ إلاَّ أنْ يرادَ الصلاةُ بغير الإذن وإنْ كان غيرَ غاصبٍ، أفاده "أبو السُّعود"(١)، "ط"(٢). وعبارةُ
"الحاوي القدسيّ" (٣): ((والأرضِ المغصوبةِ، فإنِ اضطرَّ بين أرض مسلمٍ وكافٍ يصلِّي في أرض
المسلم إذا لم تكنْ مزروعةً، فلو مزروعةً أو لكافرٍ يصلّي في الطريق)) اهـ. أي: لأنَّ له في الطريق
حقّاً كما في "مختارات النوازل"(٤)، وفيها: ((تكرهُ في أرضِ الغير لو مزروعةً أو مكروبةً، إلاَّ إذا
كانت بينهما صداقةٌ، أو رأى صاحبَها لا يَكرهُهُ فلا بأسَ)) اهـ.
(تنبيةٌ)
نقَلَ سيِّدي "عبدُ الغنيِّ(٥) عن "الإِحكام"(٦) لوالده الشيخ "إسماعيل": ((أَنَّ النزول في
أرض الغيرِ إنْ كان لها حائطٌ أو حائلٌ يُمنَعُ منه، وإلاَّ فلا، والمعتبرُ فيه العُرفُ)) اهـ.
قال(٧): ((يعني: عرفَ الناس بالرِّضى [١/ق٢٩٣/أ] وعدمِهِ، فلا يجوزُ الدخولُ في أيام
الربيع إلى بساتينِ الوادي بدمشقَ إلاَّ بإذنِ أصحابها، فما يفعلُهُ العامَّةُ من هدمِ الجدران وخرقٍ
السِّياج فهو أمرٌ منكرٌ حرامٌ))، ثم قال: ((وفي "شرح المنية(٨) لـ "الحلبي": بنى مسجداً في أرضٍ
غصبٍ لا بأسَ بالصلاة فيه، وفي "الواقعات": بنى مسجداً على سورِ المدينة لا ينبغي أنْ يصلَّى فيه؛
لأَنَّه حقُّ العامَّةِ، فلم يَخُلُصْ لله تعالى كالمبنيِّ في أرضِ مغصوبٍ)) اهـ.
ثُمَّ قال: ((ومدرسةُ السُّلِيمانيَّة في دمشقَ مبنيٌّ في أرضِ المرجة التي وقَفَها السلطانُ "نورُ
(١) "فتح المعين": كتاب الصلاة ١٤٧/١.
(٢) "ط: كتاب الصلاة ١٨٣/١.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - فصل في الأوقات المكروهة ق٢٨/ب.
(٤) "مختارات النوازل": فصل فيما يكره في الصلاة وما لا يكره ق ٢٤/ب.
(٥) "نهاية المراد": مسائل شتى صـ٧٣٢ - بتصرف.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب ما يكره في الصلاة ١/ق ٤٠٤/ب.
(٧) أي: الشيخ عبد الغني النابلسي في "نهاية المراد": صـ٧٣٢ -.
(٨) "شرح المنية الكبير": أحكام المسجد صـ٦١٥ - نقلاً عن "الأجناس".
قسم العبادات
٥٦٤
حاشية ابن عابدين
بلا سترةٍ لمارٍّ))، ويكرهُ النوم قبل العشاء، والكلامُ المباح بعدها وبعد طلوع
الفجر إلى أدائه، ثم لا بأس بمشيهِ لحاجته، وقيل: يكرهُ إلى طلوع ذُكاءً، وقيل: إلى
ارتفاعِها، "فيض".
(ولا جمعَ بين فرضين في وقتٍ بعذرٍ) سفرٍ ومطرِ خلافاً لـ "الشافعيِّ"(١)، وما رواه
الدين الشهيد" على أبناء السبيل بشهادة عامَّةِ أهل دمشقَ، والوقفُ يثبُتُ بالشُّهرة، فتلك المدرسةُ
خُولِفَ في بنائها شرطُ واقفِ الأرضِ الذي هو كنصِّ الشارعِ، فالصلاةُ فيها مكروهةٌ تحريماً في
قول، وغيرُ صحيحةٍ في قولٍ آخرَ كما نقَلَهُ في "جامع الفتاوى" (٢)، وكذا ماؤها مأخوذٌ من نهرٍ
ملوكٍ، ومن هذا القَبِيل حجرةُ اليمانِّين(٣) في الجامع الأمويِّ، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله)) اهـ.
(٣٣٦١] (قولُهُ: بلا سُترةٍ لِمَارٍ) أي: ساترٍ يستُرُ المارَّ عن المصلِّي، وسيأتي الكلامُ عليها إنْ
شاء الله تعالى في باب ما يفسد الصلاةَ وما يكرهُ، "ح"(٤).
[٣٣٦٢] (قولُهُ: ويكرهُ النّومُ إلخ) قدَّمنا (٥) الكلامَ عليه.
(٣٣٦٣] (قولُهُ: إلى ارتفاعِها) أي: قَدْرَ رمحٍ أو رمحين.
[٣٣٦٤] (قولُهُ: وما رواه) أي: من الأحاديثِ الدالّةِ على التأخير كحديث "أنس": أَنَّه ◌َِّ
((كان إذا عجَّلَ السيرَ يؤخِّرُ الظهرَ إلى وقت العصر فيجمعُ بينهما، ويؤخِّرُ المغربَ حتى يجمعَ بينها
وبين العشاء)، وعن "ابن مسعودٍ" مثلَهُ(٦)، ومن الأحاديثِ الدَّةِ على التقديم، وليس فيها صريحٌ
(١) في "د" زيادة: ((قوله: خلافاً للشافعي، هو يقول: يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر السفر والمطر،
وفي "النوازل": يجوز للمسافر الجمع بين صلاتين بأن يؤخر الأولى ويعجل الثانية. انتهى مسكين)).
(٢) لم نعثر على المسألة في "جامع الفتاوى" لقرق أمير الحميدي.
(٣) في النسخ: ((اليمانين)) والصواب ما أثبتناه.
(٤) "ح": كتاب الصلاة ق ٤١/أ.
(٥) المقولة [٣٢٥٠] قوله: ((أما إليه فمباح)).
(٦) أخرجه مسلم (٧٠٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأبو داود
(١٢١٨-١٢١٩) كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين، والنسائي ٢٨٧/١ كتاب المواقيت - باب الوقت الذي =
الجزء الثاني
٥٦٥
كتاب الصلاة
محمولٌ على الجمع فعلاً لا وقتاً.
سوى حديثِ "أبي الطَّفيل" عن "معاذٍ": أَنَّه عليه السلامُ (( كان في غزوة تبوكَ إذا ارتحَلَ قبل زيغ
الشمس أخَّرَ الظهر إلى العصر، فيصلِّيهما جميعاً، وإذا ارتَحَلَ بعد زيغِ الشمس صلَّى الظهر والعصر،
ثم سار، وكان إذا ارتَحَلَ قبل المغرب أخَّرَ المغرب حتى يصلِيُها مع العشاء، وإذا ارتحَلَ بعد المغرب
عجَّلَ العشاءَ، فصلاَّها مع المغرب)(١).
[٣٣٦٥] (قولُهُ: محمولٌ إلخ) أي: ما رواه مما يدلُّ على التأخير محمولٌ على الجمعِ فعلاً لا
وقتاً، أي: فعلَ الأُولى في آخرِ وقتها، [١/ق٢٩٣/ب] والثانية في أوَّلِ وقتها، ويُحمَلُ تصریحُ
الرَّاوي بخروج وقتِ الأُولى على التجوُّزِ كقوله تعالى: ﴿فَإذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة - ٢٣٤]، أي:
= يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٦١/٣ كتاب الصلاة - باب الجمع بين
الصلاتين في السفر، وأخرجه أحمد ٢٤٧/٣، والبخاري (١١١١) كتاب تقصير الصلاة - باب يؤخر الظهر إلى
العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، و(١١١٢) باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب.
كلهم من حديث أنس بن مالك، وفي الباب عن ابن عباس، وسالم عن أبيه رضيه أجمعين.
وأما حديث ابن مسعود الذي مثله، فقد أخرجه أحمد ٤٢٦/١، ٤٣٤، والبخاري(١٦٨٢) كتاب الحج - باب متى
يصلي الفجر بجمع؟، ومسلم (١٢٨٩) كتاب الحج - باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر
بالمزدلفة، وأبو داود (١٩٣٤) كتاب المناسك - باب الصلاة بجمع، والنسائي ٢٩١/١ كتاب المواقيت - باب الجمع
بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، و٢٦٠/٥ كتاب مناسك الحج - باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، و٢٦٢/٥-٢٦٣
كتاب مناسك الحج - باب الوقت الذي يصلي فيه الصبح بمز دلفة، من حديث عبد الله بن مسعود بت ثته.
(١) أخرجه أحمد ٢٤١/٥ - ٢٤٢، ومسلم (٧٠٦) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر،
وأبو داود (١٢٢٠) كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين، والترمذي (٥٥٣) و(٥٥٤) كتاب أبواب الصلاة -
باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين، وقال: حديث معاذ حديث حسن غريب، والنسائي ٢٨٥/١ كتاب المواقيت -
باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر، وابن ماجه (١٠٧٠) كتاب إقامة الصلاة - باب الجمع بين
الصلاتين في السفر عن معاذ بن جبل رضُّته، وفي الباب عن علي وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو، وعائشة وابن
عباس وأسامة بن زيد وجابر بن عبد الله فيه، وقال أبو عيسى الترمذي: والصحيح عن أسامة، وعلق الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله على قول أبي عيسى فقال: وليس حديثُ أسامةَ أصحَّ من غيره، بل هو في الجمع في مزدلفة في
الحج وقد رواه البخاري ومسلم.
قسم العبادات
٥٦٦
حاشية ابن عابدين
٢٥٥/١
قاربْنَ بلوغَ الأجل، أو على أَنَّه ظنَّ ذلك.
ويدلُّ على هذا التأويلِ ما صحَّ عن "ابن عمرً": أَنَّه نزل في آخرِ الشفق فصلّى المغربَ، ثم
أقامَ العشاءَ وقد توارَى الشفقُ، ثم قال: ((إنَّ رسول الله ﴿ّ كان إذا عجَّلَ به السِّيرُ صنَعَ هكذا)،
وفي روايةٍ: (ثم انتظَرَ حتى غاب الشفقُ، وصلَّى العشاء)(١)، كيف وقد قال ◌َّ: (ليس في الَّوم
تفريطٌ، إنما التفريطُ في اليقظة، بأنْ تؤخِّرَ صلاةً إلى وقتِ الأخرى)) رواه "مسلمٌ)(٢)، وهذا قاله
وهو في السَّفر، وروى "مسلمٌ" أيضاً عن "ابن عباسٍ": (أَنَّه ◌ِ ﴿وَ جَمَعَ بين الظهر والعصر والمغرب
والعشاء بالمدينة في غيرِ خوفٍ ولا مطرِ لئلاَّ تُحرَجَ أمْتُهُ))، وفي روايةٍ: (ولا سفٍ)(٣)، و"الشافعيُّ"
لا يرى الجمعَ بلا عذرٍ، فما كان جوابَهُ عن هذا الحديثِ فهو جوابنا.
وأمَّا حديثُ "أبي الطفيل" الدالُّ على التقديم فقال "الترمذيُ))(٤) فيه: ((إنَّه غريبٌ))، وقال
(١) أخرجه النسائي ٢٨٨/١ كتاب المواقيت - باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء، والدار قطني ٣٩٣/١
كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين في السفر، والبيهقي ١٦٠/١ كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين في
السفر، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١٦٠/١ -١٦٣ كتاب الصلاة - باب الجمع بين صلاتين كيف هو؟. وأمَّا
رواية: ((ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء)) فقد أخرجها الدارقطني ٣٩٣/١ كتاب الصلاة - باب الجمع بين
الصلاتين في السفر برقم: (١٨)، وأبو داود (١٢١٢) كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين، والطحاوي في "شرح
معاني الآثار" ١٦٣/١ بنحوه كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين كيف هو؟.
(٢) تقدم تخريجه صـ ٤٨٦ -.
(٣) أخرجه مالك (٤) كتاب قصر الصلاة في السفر - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، وأحمد ٢٢٣/١،
ومسلم (٧٠٥) كتاب صلاة المسافرين باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأبو داود (١٢١١) كتاب الصلاة - باب
الجمع بين الصلاتين ، والترمذي (١٨٧) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر،
والنسائي ٢٩٠/١ كتاب المواقيت - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأما رواية ((ولاسفر)) فقد أخرجها
مسلم (٧٠٥) كتاب صلاة المسافرين باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأبو داود (١٢١٠) كتاب الصلاة - باب
الجمع بين الصلاتين، والنسائي ٢٩٠/١ كتاب المواقيت - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، كلُّهم من حديث
ابن عباس رضيله، وفي الباب عن أبي هريرة ◌ُّته.
(٤) في كتاب أبواب الصلاة (٥٥٣) و(٥٥٤). وقد تقدم تخريجه صـ٥٦٥ -.
الجزء الثاني
٥٦٧
كتاب الصلاة
"الحاكم"(١): ((إنّه موضوعٌ))، وقال "أبو داود"(٢): ((ليس في تقديمِ الوقت حديثٌ قائمٌ، وقد
أنكرَتْ "عائشةُ" على مَنْ يقول بالجمع في وقتٍ واحدٍ))، وفي "الصحيحين"(٣) عن "ابن مسعودٍ":
(والذي لا إلهَ غيرُهُ ما صلَّى رسول الله لَ﴿ّ صلاةً قطُّ إلاَّ لوقتها إلاَّ صلاتين، جَمَعَ بين الظهر
والعصر بعرفةً، وبين المغرب والعشاء بجمعٍ))* ويكفي في ذلك النصوصُ الواردةُ بتعيين الأوقات من
الآيات والأخبار، وتمامُ ذلك في المطوّلات كـ "الزيلعيّ"(٤) و"شرح المنية"(٥).
وقال سلطانُ العارفين سيِّدي "محبي الدين"- نفعنا الله به -: ((والذي أذهبُ إليه أنَّه لا يجوزُ
الجمعُ في غير عرفةَ ومزدلفةَ؛ لأنَّ أوقاتَ الصلاة قد ثبتتْ بلا خلافٍ، ولا يجوزُ إخراج صلاةٍ عن
وقتها إلاّ بنصٍّ غيرِ محتملٍ؛ إذ لا ينبغي أنْ يُخرَجَ عن أمرٍ ثابتٍ بأمرٍ محتملٍ، هذا لا يقول به مَنْ
شَمَّ رائحة العلم، وكلُّ حديثٍ ورَدَ في ذلك فمحتملٌ أَنَّه يُتكلّمُ فيه مع احتمال أنَّه صحيحٌ، لكنَّه
ليس بنصٍ)) اهـ. كذا نقلَهُ عنه سيِّدي [١/ق ٢٩٤/ أ] "عبد الوهاب الشعرانيُّ" في كتابه
"الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر" (٦).
(١) في "علوم الحديث" صـ١١٩-١٢١- وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وقد أسرف الحاكم أبو عبد الله، فزعم أنّه
حديثٌ موضوعٌ مع أنَّه اعترف بأنَّ رواته أئمة ثقات، وعلَّل ذلك بأنَّه شاذُّ الإسنادِ والمتن لا نعرف له علةً نعلّلُه
بها، وأطال القولَ في ذلك بما لا طائل تحته، والحديث صحيحٌ ليس له علة، وقد صحَّحه أيضاً ابنُ حبان، وليس
الشاذُّ ما انفرد به الثقة، إنَّما الشاذُّ أن يخالف الراوي غيرهُ ممن هو أحفظ منه أو أوثق. انظر "سنن الترمذي"
٤٤٠/٢-٤٤١ الحديث(٥٥٥).
(٢) لم نجد قول أبي داود في "السنن" وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وهذا الحديث اضطربت فيه أقوال العلماء لتفرد
قتيبة به عن الليث بن سعد، ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٤٩/٢ أنَّ أبا داود قال: هذا حديث منكر،
وليس في جمع التقديم حديث قائمٌ، ولم نجد هذا في "السنن" بل الذي فيها ٨/٢ ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده.
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٦٤-٥٦٥ -.
: قوله: ((بجمع)) اسم للمز دلفة. اهـ منه
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ٨٨/١.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ٥٤٧ ..
(٦) "الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر": ٦٥/١ بتصرف يسير (هامش "اليواقيت والجواهر"). وهو لأبي محمد =
قسم العبادات
٥٦٨
حاشية ابن عابدين
(فإِنْ جَمَعَ فسَدَ لو قدَّمَ) الفرضَ على وقته (وحرُمَ لو عكَسَ) أي: أخَّرَهُ عنه (وإنْ
صحَّ) بطريقِ القضاء (إلاَّ لحاجٍّ بعرفةً ومزدلفةَ) كما سيجيءُ(١)، ولا بأسَ بالتقليد
عند الضرورة، لكنْ بشرطِ أنْ يلتزمَ جميعَ ما يُوجِبُه ذلك الإمامُ؛ لِما قدَّمنا (٢) أنَّ
الحكم الملفّقَ باطلٌ بالإجماع، والله أعلم.
[٣٣٦٦] (قولُهُ: فإنْ جَمَعَ إلخ) تفصيلٌ لِما أجمله أوَّلاً بقوله: ((ولا جمْعَ)) الصادق بالفساد أو
الحرمةِ فقط، "ط" (٣).
[٣٣٦٧] (قولُهُ: إلاَّ لِحاجٍ) استثناءٌ من قوله: ((ولا جمعَ))، "ط " (٤).
[٣٣٦٨] (قولُهُ: بعرفةَ) بشرطِ الإحرام، والسُّلطانِ أو نائبهِ، والجماعةِ في الصَّلاتين، ولا
يشترطُ كلُّ ذلك في جمعِ المزدلفةِ، "ط"(٥).
قلتُ: إلاَّ الإحرامَ على أحدِ القولين فيه.
[٣٣٦٩] (قولُهُ: عند الضَّرورة) ظاهرُهُ أَنّه عند عدمها لا يجوزُ، وهو أحدُ قولين، والمختارُ
جوازه مطلقاً ولو بعد الوقوع كما قدَّمناه في الخطبة، "ط)(٦). وأيضاً عند الضَّرورة لا حاجةً إلى
التقليد كما قال بعضُهم مستنداً لِما في "المضمرات": ((المسافرُ إذا خاف اللصوصَ أو قُطَّاعَ
الطريق، ولا ينتظرُه الرِّفقةُ جاز له تأخيرُ الصلاة؛ لأَنَّه بعذرٍ، ولو صلَّى بهذا العذرِ بالإيماء وهو
يسيرُ جاز)) اهـ. لكنَّ الظاهر أنّه أرادَ بالضرورة ما فيه نوعُ مشقَّةٍ، تأمَّلْ.
[٣٣٧٠] (قولُهُ: لكنْ بشرطِ إلخ) فقد شرَطَ "الشافعيُّ" لجمعِ التقديم ثلاثة شروطٍ: تقديمَ
= عبد الوهّاب بن أحمد بن علي الشَّعْرانيّ الشافعيّ (ت٩٧٣هـ). ("كشف الظنون" ١٣٨٢/٢، "الكواكب السائرة"
١٧٦/٣، "الأعلام" ١٨٠/٤).
(١) انظر المقولة [١٠٠٥٩] قوله: ((وبعد الخطبة صلى بهم)) وما بعده، والمقولة [١٠١١٠] قوله: ((وصلى العشاءين إلخ)) وما بعده.
(٢) ٢٤٤/١ "در".
(٣) "ط": كتاب الصلاة ١٨٤/١.
(٤) "ط": كتاب الصلاة ١٨٤/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة ١٨٤/١.
(٦) "ط": كتاب الصلاة ١٨٤/١ بتصرف.
الجزء الثاني
٥٦٩
باب الأذان
﴿بابُ الأذان﴾
(هو) لغةً: الإِعلامُ، وشرعاً (إعلامٌ مخصوصٌ) لم يقل: بدخول الوقت .......
الأُولى، ونَّةَ الجمع قبل الفراغ منها، وعدمَ الفصل بينهما بما يُعَدُّ فاصلاً عُرفاً، ولم يَشترِطْ في جمع
التأخير سوى نيَّةِ الجمع قبل خروج الأولى، "نهر"(١). ويَشترِطُ أيضاً أنْ يقرأ الفاتحة في الصلاة ولو
مقتدياً، وأنْ يعيد الوضوءَ مِنْ مسِّ فرجِهِ أو أجنبيّةٍ وغيرَ ذلك من الشُّروط والأركان المتعلّقة بذلك
الفعلِ، والله تعالى أعلم.
* بابُ الأذان
لَمَّا كان الوقتُ سبباً كما مرَّ(٢) قدَّمَهُ، وذكَرَ الأَذانَ بعده؛ لأَنَّه إعلامٌ بدخوله.
(٣٣٧١] (قولُهُ: هو لغةً: الإِعلامُ) قال في "القاموس"(٣): ((آذَنَهُ الآمرَ وبه: أعلَمَهُ، وأَذَّنَ تأذيناً:
أكثَرَ الإِعلامَ)) اهـ. فالأذانُ اسمُ مصدرٍ؛ لأنَّ الماضيَ هنا: أذَّنَ المضاعفُ، ومصدرُهُ التأذين، "ح"(٤).
(٣٣٧٢] (قولُهُ: وشرعاً: إعلامٌ مخصوصٌ) أي: إعلامٌ بالصلاة، قال في "الدُّرر"(٥): ((ويطلقُ
﴿بابُ الأذان﴾
في "النهر": ((هو مصدرُ آذَنَ أي: أعلَمَ، وقيل: اسمُ مصدرٍ)) اهـ. وعلى أنَّه مصدرٌ له يكونُ قياسُهُ
الإِيذانَ؛ لأَنَّه ثلاثِيٌّ مهموزُ الألف، فزِيْدَ فيه الهمزةُ من الإفعال، أصلُهُ إئذاثٌ، قُلِبَت الهمرةُ الثانية ياءً
كما هو القاعدةُ في كلِّ همزتين سُكّنت الثانيةُ وتحرَّكت الأولى، فإنَّها تُقْلَبُ من جنسِ حركةٍ ما قبلها
اهـ "رحمتي". ولا يمتنعُ جعلُهُ اسمَ مصدرٍ للتفعيل أو الإفعال. اهـ "سندي".
(قولُهُ: أي: إعلامٌ بالصلاة) أي: بإرادةِ الصلاة جماعةً، فدخَلَ الأذانُ بين جماعةٍ حاضرين أرادُوها
عالمين بدخول الوقت.
(١) "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٥/ب.
(٢) المقولة [٣١٦٣] قوله: ((سببها ترادف النعم إلخ)).
(٣) "القاموس": مادة ((أذن)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤١/أ.
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٥٤/١.
قسم العبادات
٥٧٠
حاشية ابن عابدين
ليعمَّ الفائتة وبين يدي الخطيب (على وجهٍ مخصوصِ بألفاظٍ كذلك) أي: مخصوصةٍ.
(سببُهُ ابتداءً.
على الألفاظ المخصوصة)) اهـ. أي: التي يحصُلُ بها الإِعلامُ، من إطلاق اسم المسبَّبِ على السَّبب،
"إسماعيل"(١). وإنما لم يعرِّفْهُ بالألفاظ المخصوصة لأنَّ المراد الأذانُ للصلاة، ولو عرَّفَ بها لدخَلَ
الأذانُ للمولود ونحوِهِ على ما يأتي(٢). [١/ق ٢٩٤/ب]
(٣٣٧٣] (قولُهُ: ليعُمَّ الفائتةَ إلخ) أي: ليُعُمَّ الأذانُ أذانَ الفائتة، والأذانَ بين يدي الخطيب،
وليعُمَّ أيضاً الأذانَ في آخرِ ظهر الصيف، أفاده "ح"(٣)، أي: لأنَّ العلم بالوقت فيها سابقٌ عليه،
ولقائلٍ أنْ يقول: لو صرَّحَ كغيره بالوقت لم يَرِدْ ما ذكر؛ لأنَّ الأصل في مشروعيَّةِ الأذان الإعلامُ
بدخول الوقت كما يُعلَمُ مما يأتي(٤)، فيكونُ التعريفُ بناءً على ما هو الأصلُ فيه، وإلاّ لزِمَ أَنَّه لو
أَذَّنَ لنفسه، أو بين جماعةٍ مخصوصين أرادوا الصلاة عالِمين بدخول الوقت لا يسمَّى أذاناً شرعاً
لعدم الإعلام أصلاً مع أنَّه مشروعٌ، فتدبَّرْ.
[٣٣٧٤] (قولُهُ: على وجهٍ مخصوصٍ) أي: من الترسُّلِ، والاستدارةِ، والالتفاتِ، وعدمِ الترجيع
واللَّحنِ ونحوِ ذلك من أحكامه الآتية(٥).
[٣٣٧٥) (قولُهُ: بألفاظٍ كذلك) أشار إلى أنَّه لا يصحُّ بالفارسيَّة وإِنْ عُلِمَ أنَّه أذاتٌ، وهو
(قولُهُ: ولقائلٍ أنْ يقول: لو صرَّحَ كغيرِهِ بالوقت إلخ) لا يُسلَّمُ ذلك، فإنَّه إعلامٌ بالصلاة لا بالوقت، فإنَّ
المشهور أنَّ سبب مشروعيَّتِهِ - كما في "الإمداد" وغيره - أنَّه عليه السلامُ لَمَّا قَدِمَ المدينةَ كان يُؤْخِّرُ الصلاةَ
تارةً ويُعجِّلُها أخرى، وبعضُ الصحابة يفوتُهُ بعض مقاصدِهِ، وبعضُهم يَشغّلُهُ ذلك عن المبادرة، فشاوَرَ
الصحابةَ بأنْ يَنصُبُوا علامةً يَعرِفون بها وقتَ صلاة النبيِّ لئلاَّ تفوتَهم إلى آخرِ القصَّة، فَشُرِعَ لدفعِ الحرج، قال
"السنديُّ": ((ثمَّ في حقِّ المنفرد لينالَ ثواب الجماعة عند العذرِ المبيح)) اهـ.
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ٢٤٨/ب.
(٢) المقولة [٣٣٨٦] قوله: ((لا يسن لغيرها)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤١/أ.
(٤) المقولة [٣٤٧٣] قوله: ((قلت: وكافر وفاسق)).
(٥) صـ ٥٨٣- وما بعد "در".
الجزء الثاني
٥٧١
باب الأذان
أذانُ جبريل) ليلةَ الإِسراء، وإقامتُهُ حين إمامتِهِ عليه الصلاة والسلام،
الأظهرُ والأصحُّ كما في "السِّرَاجِ"(١).
(٣٣٧٦] (قولُهُ: أذانِ جبريلَ إلخ) في "حاشية الشَّبْرامَلْسيِّ"(٢) على "شرح المنهاج" لـ "الرمليِّ"
٢٥٦/١ عن "شرح البخاريِّ" لـ "ابن حجرٍ"(٣): ((أَنَّه وردتْ أحاديثُ تدلُّ على أنَّ الأذان شُرِعَ بمكةً قبل
الهجرة، منها لـ "الطبرانيّ"(٤): «أَنَّه لَمَّا أُسرِيَ بالنبِيلَّ أُوحَى الله إليه الأذانَ، فنزل به فعلَّمَهُ
"بلالاً)، ولـ "الدار قطنيٍّ" في "الأفراد"(٥) من حديث "أنس": ((أنَّ جبريل أمَرَ النبيَّ ◌َّ بالأذان
حين فُرِضَتْ الصلاة))، ولـ "البزَّار"(٦) وغيره من حديث "علىّ" قال: ((أَمَّ أراد الله أنْ يعلِّمَ رسوله
الأذانَ أتاه جبريلُ بدأَّةٍ يقال لها: البُراق، فركِبَها فقال: الله أكبر، الله أكبر)، وفي آخره: («ثم أخَذَ
الملكُ بيده، فأمَّ أهلَ السَّماء))، والحقُّ أَنَّه لا يصحُّ شيءٌ من هذه الأحاديثِ)) اهـ.
(قولُهُ: والحقُّ أنّه لا يصحُّ شيءٌ من هذه الأحاديثِ) كلُّ واحدٍ من هذه الأحاديث وإنْ لم يصحَّ إلاَّ أنَّه
يصحُّ الاستدلالُ بمجموعها على أنَّ بدء الأذانِ الحقيقيِّ كان قبل الهجرة؛ لأنَّ الحديث الضعيف إذا تعدَّدت
طرقُهُ يرتقي درجة الحسن، فيصحُّ الاستدلالُ به، ولا منافاةَ بين هذه الأسبابِ فُيُجعَلُ كلُّ ذلك كان، فلذا
مشى "الشارح" على ما ذكرَهُ، على أنَّ الأحاديث الدالّة على مشروعيَتِهِ قبل الهجرة ليس فيها ما يدلُّ إلاَّ
على أصلٍ مشروعيَّته لها، وقصَّةُ الرؤيا دالّةٌ على جعلِهِ علامةً على وقت صلاة النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ١٣٢/أ.
(٢) "حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج": كتاب الصلاة - فصل في بيان الأذان والإقامة ٤٠٠/١ بتصرف. (هامش
"نهاية المحتاج").
(٣) "فتح الباري": كتاب الأذان - باب بدء الأذان ٧٨/١ بتصرف. وتقدمت ترجمة "فتح الباري" ٣٠٠/١.
(٤) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٩٢٤٧) وأورده الهيثمي في "المجمع" ٣٢٩/١ وقال: وفيه طلحة بن زيد، ونسب
إلى الوضع، وفيه: فنزل به فعلمه جبريل العليا؟.
(٥) "الأفراد والغرائب من حديث رسول الله ﴿": لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطنيّ البغداديّ
الشافعيّ(ت٣٨٥هـ)، وقد رتبه على الأطراف أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ(ت٥٠٧هـ) وسماه: "أطراف
الغرائب والأفراد". ("تاريخ بغداد ٣٤/١٢، "سير أعلام النبلاء" ٤٤٩/١٦، "هدية العارفين" ٦٨٣/١).
(٦) البزار في "مسنده" ١٤٦/٢ عن علي بن أبي طالب رضي ◌ُته.
قسم العبادات
٥٧٢
حاشية ابن عابدين
ثم رُؤيا "عبد الله بن زيدٍ" أذانَ المَلَكِ النازل من السماء في السَّنة الأولى من
الهجرة، وهل هو جبريلُ؟ قيلَ وقيل.
وذكَرَ في "فتح القدير"(١) حديثَ "البزَّار"، ثم قال: ((وهو غريبٌ ومعارِضٌ للخبر الصحيح
أنَّ بَدْءَ الأذان كان بالمدينة على ما في "مسلمٍ"(٢): ((كان المسلمون حين قدِمُوا المدينةَ يجتمعون،
ويتحيّنُون الصلاة، وليس ينادي لها أحدٌ، فتكلَّموا في ذلك، فقال بعضهم: ننصُبُ رايةً)
[١/ق ٢٩٥/أ] الحديث)).
[٣٣٧٧) (قولُهُ: ثُمَّ رُؤيا "عبدِ الله بن زيدٍ" إلخ) ذكَرَ القصةَ بتمامها "ح"(٣) عن "السِّرَاجِ"(٤)،
وساقها في "الفتح"(٥) بأسانيدها، وفي هذه القصَّة: ((أنَّ "عمرَ" رضي الله عنه رأى تلك الليلةَ مثلَ
ما رأى "عبدُ الله بن زيد")).
واسْتُشكِلَ إثباتُهُ بِالرُّؤيا بأنَّ رُؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكمٌ شرعيٌّ، وأجيب باحتمالٍ
مقارنة الوحي لذلك، قال في "حاشية المنهاج"(٦) عن الحافظ "ابن حجرٍ"(٧): ((ويؤيِّدُهُ ما رواه
(قولُهُ: ويتحيُّنُون) في "القاموس": (( حَيَّنَهُ: جعَلَ له حِيْنً، والناقةَ جعَلَ لها في كلِّ يومٍ وليلةٍ وقتاً
يَحِلِبُها فيه كتَحَيَّنَها )) اهـ.
(١) "فتح القدير": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢١٠/١-٢١١.
(٢) أخرجه أحمد ١٤٨/٢، والبخاري (٦٠٤) في الأذان - باب بدء الأذان، ومسلم (٣٧٧) كتاب الصلاة - باب بدء الأذان،
والترمذي (١٩٠) كتاب أبواب الصلاة - باب بدء الأذان وقال: هذا حديث حسن صحيح، غريب من حديث ابن
عمر، والنسائي ٢/٢ كتاب الأذان - باب بدء الأذان، وليس فيه: ((ننصب راية)). عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤١/أ وما بعدها.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ ق ١٢٧/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢١١/١.
(٦) "حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج": كتاب الصلاة - فصل في بيان الأذان والإقامة ٣٩٩/١. (هامش "نهاية المحتاج").
(٧) "فتح الباري": كتاب الأذان - باب بدء الأذان ٨٢/١.
الجزء الثاني
٥٧٣
باب الأذان
(و) سببُهُ (بقاءً دخولُ الوقت).
(وهو سنة) للرجال
"عبد الرزاق"(١) و"أبو داود" في "المراسيل"(٢): أنَّ "عمر" لَمَّا رأى الأذانَ جاء ليخبر النبيَّ ◌ُّ،
فوجَدَ الوحيَ قد ورَدَ بذلك، فما راعَهُ إلَّ أذانُ "بلالِ"، فقال له النبيُّ ◌َ﴿ٌ: ((سبقَكَ بذلك
ء
الوحيٌ)) ))، ثمَّ قال: ((وعلى تقديرٍ صحَّةٍ حديثِ أنَّ جبريلَ حين أراد أنْ يعلِّمَهُ الأذانَ أتاه
بالبُراق إلخ فيمكنُ أَنَّ عَلَّمَهُ ليأتيَ به في ذلك الموطن، ولا يلزمُ مشروعيتُهُ لأَهلِ الأرض)) اهـ
وأجاب "ح"(٣): ((بأَنَّه ظنَّ أَنَّه من خصوصيَّاتِ تلك الصلاةِ))، وهو قريبٌ من الأوَّلِ.
[٣٣٧٨] (قولُهُ: وسببُهُ بقاءً) تمييزٌ محوَّلٌ عن المضاف إليه، أي: سببُ بقائه واستمراره،
"ط"(٤)، أي: الذي يتحدَّدُ طلبُ الأذان عند تجدُّدِهِ.
[٣٣٧٩] (قولُهُ: للرِّجال) أمَّا النساءُ فيكرهُ لهنَّ الأذان، وكذا الإقامةُ لِما رُوِيَ عن "أنسٍ"
و"ابن عمر"(٥) مِنْ كراهتهما لهنَّ، ولأنَّ مبنى حالهنَّ على السَّتْر، ورفعُ صوتهنَّ حرامٌ،
(قولَهُ: فما راعَهُ) في "القاموس": ((راعَ: أفزَعَ لازمٌ متعدٍّ، وفلاناً: أعجبَهُ )).
(قولُهُ: وكذا الإقامةُ) والواحدةُ في الإقامةِ قيل: كالنساء، وقيل: كالجماعة كما يأتي عند قوله:
((ولا يُسَنُّ فيما تصلِّيه النساءُ )).
(١) في "المصنف": (١٧٧٥) كتاب الصلاة - باب بدء الأذان.
(٢) رقم (٢٠) ص ٨١ -.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٤١/ب.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الأذان ١٨٤/١.
(٥) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٤٠٨/١ كتاب الصلاة - باب ليس على النساء أذان ولا إقامة، وقال البيهقي:
ورويناه في الأذان والإقامة عن أنس بن مالك موقوفاً ومرفوعاً، ورفعه ضعيف، وهو قول الحسن، وابن المسيب وابن
سيرين والنخعي. وفي "معرفة السنن والآثار" ٢٤٤/٢، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٢/١ كتاب الأذان والإقامة -
باب في النساء مَنْ قال: ليس عليهنَّ أذانٌ ولا إقامةٌ من قول الحسن، وابن المسيب، وابن سيرين، وعطاء، وإبراهيم
النخعي، والزهري، والضحاك. وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٢/١ كتاب الأذان والإقامة. وأورده
ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٧٩/١، وفي الباب عن علي
قسم العبادات
٥٧٤
حاشية ابن عابدين
في مكان عالٍ (مؤكّدةٌ) هي كالواجب في لُحُوقِ الإِثم.
,"(١).
ثُمَّ الظاهرُ: أَنَّه يُسَنُّ للصبي إذا أراد الصلاةَ كما يسنُّ للبالغ وإنْ كان في كراهةٍ أذانه لغيره
کلامٌ كما سيأتي(٢)، فافهم.
[٣٣٨٠] (قولُهُ: في مكانٍ عالٍ) في "القنية"(٣): ((ويسنُّ الأذانُ في موضعٍ عالٍ، والإقامةُ على
الأرض، وفي أذان المغرب اختلافُ المشايخ)).
والظاهرُ: أَنَّه يسنُّ المكانُ العالي في المغرب أيضاً كما سيأتي، وفي "السِّرَاجِ"(٤): ((وينبغي للمؤذِّنِ
أنْ يؤذّنَ في موضعٍ يكون أسمَعَ للجيران، ويرفع صوتَهُ، ولا يُجهِدُ نفسه؛ لأَنَّه يتضرَّرُ)). اهـ "البحر "(٥).
قلت: والظاهرُ أنَّ هذا في مؤذّنِ الحِيِّ، أمَّا مَنْ أَذَّنَ لنفسه أو لجماعةٍ حاضرين فالظاهرُ أَنَّه لا
يسنُّ له المكانُ العالي لعدم الحاجة، تأمَّلْ.
[٣٣٨١] (قولُهُ: هي [١/ق٢٩٥/ب] كالواجبٍ) بل أطلَقَ بعضهم اسمَ الواجب عليه لقول
"محمَّدٍ": ((لو اجتمَعَ أهلُ بلدةٍ على تركه قاتلُهم عليه، ولو ترَكَهُ واحدٌ ضربتُهُ وحبستُه))، وعامَّةُ
المشايخ على الأوَّلِ، والقتالُ عليه لِما أَنَّه من أعلام الدِّين، وفي تركه استخفافٌ ظاهرٌ به، قال في
"المعراج" وغيره: ((والقولان متقاربان؛ لأنَّ المؤكَّدة في حكم الواجب في لُحُوق الإِثم بالترك))،
(قولُهُ: والظاهرُ أَنَّه لا يُسَنُّ له المكانُ العالي) قد يقال: يُسَنُّ له أيضاً لكثرةِ الشَّهادة له مما يَسمَعُ
صوتَهُ، تأمَّل. ويكونُ من سننِ الأذان كالالتفاتِ يميناً ويساراً بالصلاة والفلاح ولو وحدَهُ.
(قولُهُ: قال في "المعراج" وغيره إلخ) المذكورُ في "الولوالجَيَّة" عن "محمَّدٍ": ((أنَّ سائر السنن
كذلك))، أي: إذا ترَكَها أهلُ بلدةٍ قُوتِلُوا، وعند "أبي يوسف" لا يُقاتَلون ولكن يُضرَّبُون ويُحَبَسُون،
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٩١/ب.
(٢) المقولة [٣٤٥١] قوله: ((صبي مراهق)).
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب الأذان ق٩/ب.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الأذان ١/ق ١٣١/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٦٨/١.
الجزء الثاني
٥٧٥
باب الأذان
(للفرائض) الخمس (في وقتها.
يعني: وإنْ كان مقولاً بالتَّشكيك، "نهر"(١). واستدَلَّ في "الفتح"(٢) على الوجوب: ((بأنَّ عدم
الترك مرَّةً دليلُ الوجوب))، قال: ((ولا يظهرُ كونُهُ على الكفاية، وإلاَّ لم يأثم أهلُ بلدةٍ بالاجتماع
على تركه إذا قام به غيرُهم))، أي: من أهلِ بلدةٍ أخرى، واستظهَرَ في "البحر"(٣) كونه سنّةً على
الكفاية بالنسبة إلى كلِّ أهل بلدٍ، بمعنى أنَّه إذا فُعِلَ في بلدةٍ سقطت المقاتلةُ عن أهلها، قال: ((ولو
لم يكن على الكفاية بهذا المعنى لكان سنةً في حقِّ كلِّ أحدٍ، وليس كذلك؛ إذ أذانُ الحيِّ يكفينا
كما سيأتي)) اهـ.
قال في "النهر "(٤): ((ولم أرَ حكمَ البلدة الواحدة إذا اتَّسعتْ أطرافُها كمصرَ(٥)، والظاهرُ أنَّ
أهل كلِّ محلّةٍ سمعوا الأذان - ولو من محلٍَّ أخرى - يسقُطُ عنهم، لا إنْ لم يسمعوا)) اهـ.
(٣٣٨٢] (قولُهُ: للفرائضِ الخمسِ إلخ) دخلت الجمعةُ، "بحر"(٦). وشمل حالةَ السفر والحضرِ
والانفرادِ والجماعة، قال في "مواهب الرحمن" و"نور الإيضاح(٧): ((ولو منفرداً، أداءً أو قضاءً،
سفراً أو حضراً)) اهـ.
قال في "الفتح": ((ولا تنافيَ بين الكلامين بوجهٍ، فإنَّ المقاتلة إنما تكونُ عند الامتناع وعدم القهر، والضربُ
والحبسُ إنما يكونُ عند قهرهم، فجاز أنْ يُقاتِلُوا عند الكلِّ، فإذا ظهَرَ عليهم صُرِبُوا وحُبِسُوا، وفي كون
المواظبة تفيدُ الوجوب كلامٌ تقدَّمَ في الطهارة )) اهـ "نهر". أي: من أنَّ محلَّ كون المواظبة تفيدُ الوجوب
إذا اقْتَرَنَتْ بالإِنكار على مَن لم يفعل، وهنا لم تقترن به، فتكونُ دليلَ السنَّةِ لا الوجوب.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٣٥/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٠٩/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٦٩/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٣٥/ب.
(٥) في "النهر": ((كالمصر)).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٢٦٩/١.
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب الأذان صـ ٩٨ -.
قسم العبادات
٥٧٦
حاشية ابن عابدين
ولو قضاءً) لأنَّه سنّةٌ للصلاة.
لكنْ لا يكرهُ تركُهُ لمصلٍّ في بيته في المصر؛ لأنَّ أذان الحيِّ يكفيه كما سيأتي(١)، وفي
"الإمداد"(٢): ((أَنَّه يأتي به ندباً))، وسيأتي(٣) تمامُهُ، فافهم. ويستثنى ظهرُ يوم الجمعة في المصر
لمعذورِ، وما يُقضَى من الفوائت في مسجدٍ كما سيذكره(٤).
(٣٣٨٣] (قولُهُ: ولو قضاءً) قال في "الدرر"(٥): ((لأَنَّه وقتُ القضاء وإنْ فات وقتُ الأداء
لقوله ﴿: ((فليصلّها إذا ذكَرَها، فإنَّ ذلك وقُها)(٦)، أي: وقتُ قضائها)) اهـ. وهذا إذا لم يقضِها
في المسجد على ما سيأتي(٧).
[٣٣٨٤) (قولُهُ: لأَنَّه إلخ) تعليلٌ لشمول القضاء، ويظهرُ منه أنَّ المراد من وقتها وقتُ فعلها،
(قولُهُ: ويظهرُ منه أنَّ المراد من وقتِها إلخ) أي: أنَّ المراد بالوقت في عبارة "المصنّف" وقتُ الفعل
الشاملُ للقضاء، وتفيدُ الموالاةَ، وما في "التتارخانيّة" عدمُها، فلذا استدرَكَ بها عليها، وحَمَلَ المحشِّي ما
فيها على أوَّلِ الوقت المستحبِّ، ولو حمَلَ الوقتَ في كلام "المصنّف" على أوَّلِ الوقت المستحبِّ أيضاً
لاندَفَعَت المخالفة بين ما في "المصنّف" و"التتار خانَّةً"، تأمَّل.
(١) صـ٦١٣ - "در".
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الأذان ق ٩١/ب.
(٣) المقولة [٣٤٨١] قوله: ((إذ أذان الحيّ يكفيه)).
(٤) صـ ٦٠١ - "در".
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الأذان ٥٥/١.
(٦) أخرجه أحمد ١٠٠/٣، ٢٤٣، ٢٦٩، والبخاريّ (٥٩٧) كتاب المواقيت - باب من نسي صلاةً فليصلّها إذا ذكرها،
ومسلم (٦٨٤) كتاب المساجد - باب قضاء الصلاة الفائتة، وأبو داود (٤٤٢) كتاب الصلاة - باب مَن نام عن
الصلاة أو نسيها، والترمذيّ (١٧٨) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة، وقال: حديث
أنس ◌َّه حديث حسن صحيح، والنِّسَائيّ ٢٩٣/١ كتاب المواقيت - باب فيمن نسي صلاة، وابن ماجه (٦٩٦)
كتاب الصلاة - باب من نام عن الصلاة أو نسيها، كلُّهم من حديث أنس بن مالك تَّه دون لفظ: ((فإنّ ذلك
وَقْتّها))، وفي الباب عن سَمُرَةً، وأبي قتادة رضي الله عنهما.
(٧) صـ ٦٠١ - "در".
الجزء الثاني
٥٧٧
باب الأذان
- حتَّى يُبرَدُ به - لا للوقت
وبه صرَّحَ "القُهُستانيُ) (١)، لكنْ في "التاتر خانَّةٍ (٢): ((ينبغي أنْ يؤذِّنَ في أوَّلِ الوقت،
[١/ق٢٩٦/أ] ويقيمَ في وسطه حتى يفرغَ المتوضِّئُ من وضوئه، والمصلّي من صلاته، والمعتصرُ من
قضاء حاجته)) اهـ.
والظاهرُ أَنَّه أراد أوَّلَ الوقت المستحبِّ لِما يأتي(٣) قريباً.
٢٥٧/١
(٣٣٨٥] (قولُهُ: حتى يُبرَدُ بهِ) بالبناء للمجهول، وأشملُ منه قولُهُ المارُ(٤) في الأوقات: ((وحكمُ
الأذان كالصلاة تعجيلاً وتأخيراً))، قال "نوح أفندي": ((وفي "المجتبى" عن "المحرَّد": قال "أبو
حنيفة": يؤذَّنُ للفجر بعد طلوعه، وفي الظهر في الشتاء حين تزولُ الشمس، وفي الصيف يُبرَدُ، وفي
العصر يؤخَّرُ ما لم يُخَفْ تَغُّرُ الشمس، وفي العشاء يؤخَّرُ قليلاً بعد ذهاب البياض)) اهـ.
قال "القُهُستانيُ))(٥) بعده: ((ولعلَّ المراد بيانُ الاستحباب، وإلاَّ فوقتُ الجواز جميعُ
الوقت)) اهـ.
وحاصلُهُ: أَنَّه لا يلزمُ الموالاةُ بين الأذان والصلاة، بل هي الأفضلُ، فلو أذَّنَ أوَّلَهُ، وصلَّى
آخرَهُ أتى بالسنَّةِ، تأمَّلْ.
(قولُهُ: ولعلَّ المرادَ بيانُ الاستحباب) لا يظهرُ في جميع ما ذكرَهُ من الأوقات؛ إذ وقتُ الاستحباب
في الفجر للصلاة الإسفارُ فكذا للأذان، وفي العشاء التأخيرُ إلى ثلث الليل، ولعلَّ ما في "المجتبى" بيانٌ
للوقت المستحبِّ، إلاَّ أنَّ فيه تخصيصاً لقولهم: حكمُ الأذان كالصلاة، أي: في غيرِ الفجر والعشاء أو ما
فيه طريقةٌ أخرى غيرُ ما تقدَّمَ في الأوقات، تأمَّل.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب الأذان ٧٥/١.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني: الأذان ٥١٥/١ نقلاً عن "الحجّة".
(٣) في المقولة التالية.
(٤) صـ ٥٢٦ - "در".
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب الأذان ٧٥/١.
قسم العبادات
٥٧٨
حاشية ابن عابدين
(لا) يُسَنُّ (لغيرِها)
مطلبٌ في المواضع التي يُندَبُ لها الأذانُ في غير الصلاة
[٣٣٨٦] (قولُهُ: لا يسنُّ لغيرها)ٌ أي: من الصلوات، وإلاَّ فيندبُ للمولود، وفي "حاشية
البحر" لـ "الخير الرمليِّ": ((رأيتُ في كتب الشافعيَّةِ أَنَّه قد يسنُّ الأذانُ لغير الصلاة كما في أذن
المولود، والمهموم، والمصروع، والغضبان، ومَنْ ساءَ خُلقه من إنسان أو بهيمةٍ، وعند مزدحَمٍ
الجيش، وعند الحريق، قيل: وعند إنزالِ الميت القبرَ قياساً على أوَّلِ خروجه للدنيا، لكنْ ردَّهُ "ابن
حجرٍ" في "شرح العباب"، وعند تغوُّلِ الغيلان، أي: عند تمرُّدِ الجنِّ لخبرٍ(١) صحيحٍ فيه، أقول: ولا
بُعدَ فيه عندنا)) اهـ أي: لأنَّ ما صحَّ فيه الخبرُ بلا معارِضٍ فهو مذهبٌ للمجتهد وإنْ لم يُنُصَّ
عليه؛ لِما قدَّمناه(٢) في الخطبة عن الحافظ "ابن عبد البَرِّ" والعارف "الشعرانيِّ" عن كلٍّ من "الأئمَّة
· ولبعضهم:
فِي نَظْمِ شِعْرٍ فَمَنْ يَحْفَظْهُمُ انْتَفَعَا
سُنَّ الْأَذَادُ لِسِتِّ قَدِ نَظَمْتُهُمُ
وَقْتِ الْحَرِيقِ ولِلحَرْبِ الْذِي وَقَعَا
فَرْضُ الصَّلاةِ وفِي أُذْنِ الصَّغِيْر وفِي
فَاحفَظْ لِسُنَّةِ مَن لِلدِّينِ قَدْ شَرَعَا
خَلْفَ الْمُسَافِرِ وَالِغِيْلَانِ إِنْ ظَهَرَتْ
قلت: ويزاد أربعة نظمتها بقولي:
وزِيْدَ أربَعَةٌ ذو هَمِّ او غَضَبٍ
مُسَافِرٍ ضَلَّ في قَفْرِ ومَن صُرِعَا
. اهـ منه
(١) أخرجه أحمد ٣٠٥/٣ و٣٨٢)، وابن أبي شيبة ١٢٠/٧ كتاب الدعاء: باب الغيلان إذا رؤيت ما يقول الرجل؟، وابن
خزيمة (٢٥٤٩) كتاب المناسك: باب ذكر الدليل على أنَّ النبيِ وَ طَّ إنما أباح أن لا يقتصر عن حاجة إذا ركب
الدواب وذكره النووي في "الأذكار" ص١٩٣ باب ما يقول المسافر إذا تغوّلت الغيلان، كلُّهم من حديث جابر
مرفوعاً. وفي الباب عن أبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص مرفوعاً وموقوفاً، وعن الحسن مرسلاً.
والغيلان جنس من الجن والشياطين وهم سحرتهم، ومعنى تغولت: تلوّنت في صور والمراد: ادفعوا شرها بالأذان،
فإنَّ الشيطان إذا سمع الأذان أدبر اهـ "الأذكار "صـ ١٩٣ -.
(٢) المقولة [٤٦٠] قوله: ((فكان كلٌّ يأخذ برواية عنه)).