النص المفهرس
صفحات 501-520
الجزء الثاني
٤٩٩
كتاب الصلاة
لأنّهما فرضان عند "الإِمام" (وفاقدُ وقتِهما) كبلغارَ، فإنَّ فيها يطلُعُ الفجرُ قبل
غروب الشفق.
[٣٢١١] (قولُهُ: لأَنَّهما فرضان عند "الإِمام") لكنَّ العشاء قطعيٌّ والوترَ عمليٌّ، وهذا تعليلٌ
٢٤١/١ للحكمين المذكورين في المتن:
الأوَّلُ: كونُ ما بين غيبوبةِ الشفق والفجر وقتاً لهما معاً.
الثاني: لو صلَّه قبلها فإنْ ناسياً سقَطَ الترتيبُ، وإنْ عامداً فهو باطلٌ موقوفٌ على ما سيأتي
تفصيلُهُ في قضاء [١/ق٢٧٦/ب] الفوائت، "ح"(١).
مطلبٌ في فاقدِ وقت العشاء كأهلٍ بُلْغار
[٣٢١٢] (قولُهُ: كبلْغار) بضمِّ الباء الموحَّدة فسكونِ اللام وألفٍ بين الغين المعجمة والرَّاء،
لكنْ ضِبَطَهُ في "القاموس"(٢) بلا ألفٍ، وقال: ((والعامَّةُ تقول: بلغار، وهي مدينةُ الصَّالِية(٣)،
ضاربةٌ في الشمال، شديدةُ البرد)) اهـ.
[٣٢١٣] (قولُهُ: فإنَّ فيها يطلُعُ الفجرُ قبل غروب الشفق) مقتضاه: أَنَّه فُقِدَ وقتُ العشاء والوتر
فقط، وليس كذلك، بل فُقِدَ وقتُ الفجر أيضاً؛ لأنَّ ابتداء وقتِ الصبح طلوعُ الفجر، وطلوعُ
الفجر يستدعي سبقَ الظلام، ولا ظلامَ مع بقاءِ الشفق، أفاده "ح "(٤).
أقول: الخلافُ المنقولُ بين مشايخ المذهب إنما هو في وجوبِ العشاء والوتر فقط، ولم نرَ
أحداً منهم تعرَّضَ لقضاء الفجر في هذه الصورة، وإنما الواقعُ في كلامهم تسميتُهُ فجراً؛ لأنَّ الفجر
عندهم اسمٌ للبياض المنتشرِ في الأفق موافقاً للحديث الصحيح كما مرَّ(٥) بلا تقييدٍ بسبقِ ظلامٍ،
على أَنَّا لا نسلِّمُ عدمَ الظَّلام هنا، ثم رأيتُ "ط("(٦) ذكَرَ نحوه.
(١) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٥/أ.
(٢) "القاموس": مادة ((بلغر)).
(٣) انظر "معجم البلدان": ٥٧٦/١، والصقالبة: بلاد بين بُلْغَار وقسطنطينية. اهـ "معجم البلدان" ٤٧٢/٣.
(٤) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٥/أ.
(٥) المقولة [٣١٧٩] قوله: ((لأنه لا خلاف في طرفيه)).
(٦) "ط": كتاب الصلاة ١٧٥/١.
قسم العبادات
٥٠٠
حاشية ابن عابدين
في أربعينَّة الشتاء (مكلّفٌ بهما فيُقدِّرُ لهما)
[٣٢١٤) (قولُهُ: في أربعينَّةِ الشتاء) صوابُهُ: في أربعينَّةِ الصيف كما في "الباقانيِّ"، وعبارةُ
"البحر"(١) وغيره: ((في أقصرِ ليالي السَّنَة)) وتمامُهُ في "ح(٢)، وقولُ "النهر "(٣): ((في أقصرِ أيام
السَّنَةِ)) سبقُ قلمٍ، وهو الذي أوقَعَ "الشارحَ".
[٣٢١٥] (قولُهُ: فيقدِّرُ لهما) هذا موجودٌ في نسخ المتن المجرّدةِ ساقطٌ من "المنح"، ولم أرَ مَنْ
سبقَهُ إليه سوى صاحبِ "الفيض"، حيث قال: ((ولو كانوا في بلدةٍ يطُلُعُ فيها الفجرُ قبل غيبوبةٍ
الشفق لا يجبُ عليهم صلاةُ العشاء لعدم السبب، وقيل: يجبُ ويقدَّرُ الوقتُ)) اهـ.
بقيَ الكلامُ في معنى التقدير، والذي يظهرُ من عبارة "الفيض" أنَّ المراد أَنَّه يجبُ قضاءُ
العشاء، بأنْ يقدَّرَ أنَّ الوقت - أعني: سببَ الوجوب - قد وُجِدَ كما يقدَّرُ وجودُهُ في أيام الدجَّال
على ما يأتي(٤)؛ لأَنَّه لا يجبُ بدون السبب، فيكونُ قوله: ((ويقدَّرُ الوقتُ)) جواباً عن قوله في
الأوَّلِ لعدم السبب.
وحاصلُهُ: أَنَّا لا نسلِّمُ لزومَ وجود السببِ حقيقةً، بل يكفي تقديرُهُ كما في أيام الدجَّال،
ويُحتمَلُ أنَّ المراد بالتقدير المذكورِ هو ما قاله الشافعيَّةُ من أَنَّه يكون وقتُ العشاء في حقِّهم بقدْرِ
ما يغيبُ [١/ق ٢٧٧/أ] فيه الشفق في أقربِ البلاد إليهم، والمعنى الأوَّلُ أظهرُ كما يظهرُ لك من
كلام "الفتح" الآتي(٥)، حيث ألَحَقَ هذه المسألةَ بمسألة أيام الدجَّل، ولأنَّ هذه المسألة نقلُوا فيها
الاختلاف بين ثلاثةٍ من مشايخنا، وهم "البقَّاليُّ" و"الحَلْوانيُّ" و "البرهان الكبير"(٦)، فأفتى
(١) "البحر": كتاب الصلاة ٢٥٩/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة ق٣٥/ب.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٣/ب.
(٤) المقولة [٣٢١٩] قوله: ((ومنعًا ما ذكره الكمال)).
(٥) المقولة [٣٢١٩] قوله: ((ومنعًا ما ذكره الكمال)).
(٦) هو أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن مازه، برهان الأئمة، وبرهان الدين الكبير المعروف بالصدر الماضي والصدر
الكبير. ("الجواهر المضية" ٤٣٧/٢، "الفوائد البهية" صـ ٩٨-).
الجزء الثاني
٥٠١
كتاب الصلاة
"البقَّاليُّ" بعدم الوجوب، وكان "الحَلْوانِيُّ " يُفتي بوجوب القضاء، ثم وافَقَ "البقَّالِيَّ" لَمَّا أرسَلَ إليه
"الحَلْوانِيُّ" مَنْ يسأله عمَّن أسقَطَ صلاةً من الخمس، أيكفرُ؟ فأجابَ السائلَ بقوله: مَنْ قُطِعتْ يداه
أو رِجْلاه كم فروضُ وضوئه؟ فقال له: ثلاثٌ لفواتِ المحلِّ، قال: فكذلك الصلاةُ، فَبلَغَ
"الحلوانيّ" ذلك فاستحسنه، ورجَعَ إلى قول "البقّليّ" بعدمِ الوجوب، وأمَّا "البرهانُ الكبير" فقال
بالوجوب، لكنْ قال في "الظهيريَّة"(١) وغيرها: ((لا ينوي القضاءَ في الصحيح لفَقْدِ وقتِ الأداء))،
واعترضه "الزيلعيُّ)(٢): ((بأنَّ الوجوب بدون السبب لا يُعقَلُ، وبأنَّه إذا لم ينوِ القضاءَ يكون أداءً
ضرورةً، وهو - أي: الأداءُ - فرضُ الوقت، ولم يقلْ به أحدٌ؛ إذ لا يبقى وقتُ العشاء بعد طلوع
الفجر إجماعاً)) اهـ.
وأيضاً فإنَّ من جملة بلادهم ما يطلُعُ فيها الفجرُ كما غربت الشمسُ كما في "الزيلعيِّ)"(٣)
وغيره، فلم يوجدْ وقتٌ قبل الفجر يمكنُ فيه الأداءُ.
إذا علمت ذلك ظهَرَ لك أنَّ مَنْ قال بالوجوب يقولُ به على سبيل القضاء لا الأداء، ولو
كان الاعتبارُ بأقربِ البلاد إليهم لزِمَ أنْ يكون الوقتُ الذي اعتبرناه لهم وقتاً للعشاء حقيقةً، بحيث
تكون العشاءُ فيه أداءً، مع أنَّ القائلين عندنا بالوجوب صرَّحُوا بأَنَّها قضاءٌ وبفَقْدِ وقتِ الأداء،
وأيضاً لو فُرِضَ أنَّ فجرهم يطلُعُ بقدْرِ ما يغيبُ الشَّفَقُ في أقربِ البلاد إليهم لزمَ اتّحادُ وقتيِ العشاءِ
والصُبح في حقّهم، أو أنَّ الصبح لا يدخُلُ بطلوع الفجر إنْ قلنا: إنَّ الوقت للعشاء فقط، ولزِمَ أنْ
تكون العشاءُ نهاريَّةً لا يدخُلُ وقُتُها إلاّ بعد طلوع الفجر، وقد يؤدِّي أيضاً إلى أنَّ الصبح إنما
يدخُلُ وقته بعد طلوع شمسهم، [١/ق٢٧٧ /ب] وكلُّ ذلك لا يُعقَلُ، فتعيَّنَ ما قلنا في معنى
التقدير ما لم (٤) يوجدْ نقلٌ صريحٌ بخلافه. وأمَّا مذهبُ الشافعيَّة فلا يقضي على مذهبنا، ثم رأيتُ
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الأول - الفصل الثاني في مواقيت الصلاة والسنن ق ١٢/ب.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ٨١/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ٨١/١.
(٤) في "م": ((لو)) وهو خطأ.
قسم العبادات
٥٠٢
حاشية ابن عابدين
ولا ينوي القضاءَ لفَقْدِ وقت الأداء، به أفتى "البرهانُ الكبير"، واختارَهُ "الكمال"،
وتبِعَهُ "ابن الشِّحنة" (١) في "ألغازه" فصحَّحَهُ، فزعَمَ "المصنّف" أنَّه المذهبُ (وقيل:
لا) يُكلَّفُ بهما لعدم سببهما، وبه جزَمَ في "الكنز"(٢) و"الدرر"(٣) و"الملتقى"(٤)،
وبه أفتى "البقَّاليُّ"، ووافَقَهُ "الحَلْوانيُّ" و"المرغينانيُّ"، ورجَّحَهُ "الشرنبلاليُّ"(٥)
و"الحلبيُّ"،.
في "الحلبة"(٦) ذكَرَ ما ذكَرَه الشافعيَّةُ، ثم اعترضه: ((بأنَّ ظاهر حديث الدجّال يفيدُ التقدير في
خصوصِ ذلك البلدِ؛ لأنَّ الوقت يختلفُ باختلافِ كثيرٍ من الأقطار))، وهذا مؤيِّدٌ لِما قلنا
ولله الحمدُ، فافهم.
[٣٢١٦] (قولُهُ: ولا ينوي القضاءَ إلخ) قد علمتَ ما أورده "الزيلعيُّ" عليه: ((من أَنَّه يلزمُ من
عدم نَّةِ القضاء أنْ يكون أداءً ضرورةً إلخ))، فيتعَيَّنُ أنْ يُحمَلَ كلامُ "البرهان الكبير" على وجوبِ
القضاء كما كان يقولُ به "الحَلْوانيُّ"، وقد يقال: لا مانعَ من كونها لا أداءً ولا قضاءً كما سمَّى
بعضُهم ما وقَعَ بعضُها في الوقت أداءً وقضاءً، لكنَّ المنقول عن "المحيط" وغيره: ((أنَّ الصلاة
الواقعَ بعضُها في الوقت، وبعضُها خارجَهُ يسمَّى ما وقَعَ منها في الوقت أداءً، وما وقع خارجَهُ
٢٤٢/١ يسمَّى قضاءً اعتباراً لكلِّ جزءٍ بزمانه، فافهم.
[٣٢١٧] (قولُهُ: فزعَمَ "المصنّف" إلخ) أي: حيث جزَمَ به، وعَبَّرَ عن مقابله بـ ((قيل))، ولذا
نسَبَهُ في "الإِمداد"(٧) إلى الوهم.
(١) "الذخائر الأشرفية": كتاب الصلاة صـ٤٥ -.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة ٢٨/١.
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة ٥٢/١.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة صـ ٥٦ -.
(٥) انظر"مراقي الفلاح": كتاب الصلاة ٢٠٥/١، و"الشرنبلالية": كتاب الصلاة ٥٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "الحلبة": المقدمة ١/ق ١٥/ب - ١٦/أ.
(٧) "الإمداد": كتاب الصلاة ق ٨٠/أ - ب.
الجزء الثاني
٥٠٣
كتاب الصلاة
وأوسعا المقالَ، ومنَعَا ما ذكرَهُ "الكمال"
[٣٢١٨] (قولُهُ: وأوسَعَا المقالَ) أي: كلٌّ من "الشرنبلاليّ" (١) و"البرهان الحلبيِّ)(٢)، لكنَّ
"الشرنبلاليَّ" نقَلَ كلام "البرهان الحلبيِّ" بُرُمَّته، فلذا نسَبَ إليه الإيساعَ.
[٣٢١٩] (قولُهُ: ومنَعَا ما ذكَرَه "الكمالُ") أمَّ الذي ذكَرَه "الكمالُ(٣) فهو قوله: ((ومن لا
يوجدُ عندهم وقتُ العشاء أفتى "البقَّاليُّ" بعدم الوجوبِ عليهم لعدمِ السبب كما يسقُطُ غَسلُ
اليدين من الوضوء عن مقطوعهما من المرفقين، ولا يَرتابُ متأمِّلٌ في ثبوتِ الفَرْق بين عدمٍ محلٌّ
الفرض وبين عدمٍ سببه الجَعليِّ الذي جُعِلَ علامةً على الوجوب الخفيِّ الثابتِ في نفس الأمر
وجوازٍ(٤) تعدُّدِ المعرِّفات للشيء، فانتفاءُ الوقت انتفاءُ المعرِّف، وانتفاءُ الدليل على الشيء لا يستلزِمُ
انتفاءَهُ لجوازِ دليلٍ آخرَ، وقد وُجِدَ، وهو ما تواطأتْ عليه أخبارُ الإِسراء مِنْ فرضِ الله تعالى
الصلواتِ خمساً بعدما أمَرَ أوَّلاً بخمسين، ثمَّ استقرَّ الأمرُ على الخمسِ شرعاً عامًّاً لأهلِ الآفاق، لا
تفصيلَ بين قُطْرٍ وقطرٍ، وما رُوِيَ أَنَّهِ وَلَّ ذِكَرَ الدجَّال، قلنا: ما لُبْئه في الأرض؟ [١/ق٢٧٨/أ]
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة ٥٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٣٠-٢٣١ -.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب المواقيت ١٩٧/١، ١٩٨ بتصرف.
(٤) قوله: ((وجواز)) بالجر عطفاً على ((ثبوت)) المجرور بـ ((في)).
وقوله: ((وانتفاء الدليل)) مبتدأ.
وقوله: ((على الشئ)) متعلق بالدليل.
وقوله: ((لا يستلزم)) خبر المبتدأ، والضمير المستتر عائد عليه.
وقوله: ((انتفاءه)) مفعول يستلزم، وضميره المنصوب عائد على الشيء.
وقوله: ((لجواز)) علةٌ لقوله: ((لا يستلزم)).
وقوله: ((وهو)) عائد على قوله: ((دليل آخر)).
وقوله: ((وما روي)) معطوف على قوله: ((ما تواطأت)).
وقوله: ((وكذا قال﴿)) معطوف عليه أيضاً. اهـ منه
وقوله: ((وضمیرہ المنصوب)) هكذا بخطه، وصوابه: ((وضميره المجرور)) کما لا يخفى. اهـ مصححه.
قسم العبادات
٥٠٤
حاشية ابن عابدين
قال: ((أربعون يوماً، يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسائرُ أيامه كأيامكم))، قلنا:
يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ أتكفينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: ((لا، اقدُرُوا له)) رواه
"مسلمٌ"(١)، فقد أوجَبَ أكثرَ من ثلاثمائةِ عصرٍ قبل صيرورة الظّلِّ مثلاً أو مثلين، وقِسْ عليه،
فاستفدنا أنَّ الواجب في نفسِ الأمر خمسٌ على العموم، غيرَ أنَّ توزيعها على تلك الأوقاتِ
عند وجودها، ولا يسقُطُ بعدمها الوجوبُ، وكذا قال رَ﴾: «خمسُ صلواتٍ كَتَبَهُنَّ الله على
العباد)) (٢) )) اهـ.
وأمَّا الذي ذكَرَه "البرهان الحلبيُّ" في "شرح المنية"(٣) فهو قوله: ((والجوابُ أنْ يقال: كما
استقرَّ الأمرُ على أنَّ الصلواتِ خمسٌ فكذا استقرَّ الأمرُ على أنَّ للوجوب أسباباً وشروطً لا يوجدُ
بدونها، وقولك: شرعاً عاماً إلخ إن أردتَ أنَّه عامّ على كلِّ مَنْ وُجِدَ في حقّه شروطُ الوجوب
وأسبابُهُ سلِّمناه، ولا يفيدُكَ لعدمِ بعضِ ذلك في حقِّ مَنْ ذُكِرَ، وإن أردتَ أنّه عامٌّ لكلِّ فردٍ من
أفرادِ المكلّفين في كلِّ فردٍ من أفراد الأيامِ مطلقاً فهو ظاهرُ البطلان، فإِنَّ الحائض لو طهُرَتْ بعد
طلوع الشمس لم يكنِ الواجبُ عليها في ذلك اليومٍ إلَّ أربعَ صلواتٍ، وبعد خروجٍ وقت الظُّهرِ
(١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) كتاب الفتن - باب ذكر الدجال وصفته وما معه، وأبو داود (٤٣٢١) كتاب الملاحم - باب
خروج الدجال، والترمذي (٢٢٤٠) كتاب الفتن - باب ما جاء في فتنة الدجال، وقال: ((هذا حديث حسن
صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر))، وابن ماجه (٤٠٧٥) كتاب الفتن ــ باب
فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم الكلية وخروج يأجوج ومأجوج، من حديث النواس بن سمعان رصد ته.
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" ٣١٥/٥-٣١٩، وأبو داود (١٤٢٠) كتاب الصلاة - باب فيمن لم يوتر، والنسائي ٢٣٠/١
كتاب الصلاة - باب المحافظة على الصلوات الخمس، وابن ماجه (١٤٠١) كتاب الصلاة - باب ما جاء في فرض
الصلوات الخمس والمحافظة عليها، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٦١/١ كتاب الصلاة - باب فرائض الخمس، و٨/٢
كتاب الصلاة - باب ما في صلاة الوتر على الراحلة، و٤٦٧/٢ كتاب الصلاة - باب ذكر البيان أن لا فرض في اليوم
والليلة من الصلوات أكثر من خمس، و٢١٧/١٠ كتاب الشهادات - باب من كره كلّ ما لعب الناس به من الحزّة، وابن
حبان (١٧٣٢) كتاب الصلاة - فصل الصلوات الخمس. كلُّهم من حديث عبادة بن الصامت رقُّّته.
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ ٢٣١-٢٣٢ -.
الجزء الثاني
٥٠٥
كتاب الصلاة
لم يجبْ عليها في ذلك اليومٍ إلَّ ثلاثُ صلواتٍ، وهكذا، ولم يقلْ أحدٌ: إنَّه إذا طهرتْ في بعض
اليوم أو في أكثره مثلاً يجبُ عليها تمامُ صلواتِ اليوم والليلة؛ لأجلِ أنَّ الصلواتِ فُرِضَتْ خمساً على
كلِّ مكلَّفٍ.
فإِنْ قلت: تخلَّفَ الوجوبُ في حقّها لفَقْدِ شرطه، وهو الطهارةُ من الحيض قلنا لك: كذلك
تخلّفَ الوجوبُ في حقِّ هؤلاء لفَقْدِ شرطه وسببه، وهو الوقتُ، وأظهرُ من ذلك الكافرُ إذا أسلَمَ
بعد فوتِ وقتٍ أو أكثرَ من اليوم، مع أنَّ عدم الشرط - وهو الإسلامُ في حقّه - مضافٌ إليه
لتقصيره بخلاف هؤلاء، ولم يقلْ أحدٌ: يجب عليه تمامُ صلواتِ ذلك اليومِ لافتراض الصلواتِ خمساً
على كلِّ مكلَّفٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، والقياسُ على ما في حديث الدجَّال [١/ق٢٧٨/ب] غيرُ
صحيحٍ؛ لأَنَّه لا مدخلَ للقياس في وضعِ الأسباب، ولئن سُلِّمَ فإنما هو فيما لا يكونُ على خلاف
القياس، والحديثُ ورَدَ على خلافِ القياس، فقد نقَلَ الشيخ "أكملُ الدين" في "شرح المشارق"
عن القاضي "عياضٍ" أنَّه قال: هذا حكمٌ مخصوصٌ بذلك الزمانِ، شرَعَهُ لنا صاحبُ الشرع، ولو
وُكِلْنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاةُ فيه عند الأوقات المعروفةِ، واكتفينا بالصلواتِ الخمسِ اهـ.
ولئن سُلَّمَ القياسُ فلا بدَّ من المساواةِ، ولا مساواةً، فإنَّ ما نحن فيه لم يوجدْ زمانٌ يقدَّرُ
للعشاء فيه وقتٌ خاصٌّ، والمفادُ من الحديث أنَّ يقدَّرُ لكلِّ صلاةٍ وقتٌ خاصٌّ بها ليس هو وقتاً
الصلاةٍ أخرى، بل لا يدخُلُ وقتُ ما بعدها قبل مضيٍّ وقتها المقدَّرِ لها، وإذا مضى صارتْ قضاءً
كما في سائر الأيام، فكأنَّ الزَّوال وصيرورةَ الظلِّ مثلاً أو مثلين وغروبَ الشمس وغيبوبةَ الشفق
وطلوعَ الفجر موجودةٌ في أجزاء ذلك الزمانِ تقديراً بحكمٍ الشرع، ولا كذلك هنا؛ إذ الزمانُ
الموجودُ إمَّا وقتٌ للمغرب في حقِّهم، أو وقتٌ للفجر بالإجماع، فكيف يصحُّ القياسُ؟!
وعُلِمَ بما ذكرنا عدمُ الفرق بين مَنْ قُطِعَتْ يداه أو رِجْلاه من المرفقين والكعبين وبين هذه
(قولُهُ: لفَقْدِ شرطِهِ وسبِهِ وهو الوقتُ) إذ الوقتُ كما هو شرطٌ لأداءِ الصلاة سببٌ لوجوبها.
قسم العبادات
٥٠٦
حاشية ابن عابدين
المسألةِ كما ذكَرَه "البقَّاليُّ)، ولذا سلَّمه الإمام "الحَلْوانيُّ"، ورجَعَ إليه مع أنَّه الخصمُ فيه إنصافاً
منه، وذلك لأنَّ الغَسل سقَطَ ثَمَّ لعدمٍ شرطه؛ لأنَّ المحالَّ شروطٌ، فكذا هنا سقطتِ الصلاةُ لعدم
شرطها، بل وسبِها أيضاً، وكما لم يَقُمْ هناك دليلٌ يَجعلُ ما وراءَ المرفق إلى الإبط، وما فوق
الكعب بمقدارِ القدم خَلَفاً عنه في وجوب الغَسل كذلك لم يرِدْ دليلٌ يجعلُ جزءاً من وقت المغرب
أو من وقت الفجر أو منهما خَلَفاً عن وقتِ العشاء، وكما أنَّ الصلواتِ خمسٌ بالإجماع على
المكلَّفين كذا فرائضُ الوضوء على المكلّفين لا تنقُصُ عن أربعِ بالإجماع، لكنْ لا بدَّ من وجود
جميعِ أسباب الوجوبِ وشرائطه في جميع ذلك، فليَتأمَّلِ المنصفُ، والله سبحانه وتعالى الموقّق)). اهـ
كلامُ "البرهان الحلبي". [١/ق٢٧٩/أ]
٢٤٣/١
وقد كَرَّ عليه الفاضلُ "المحشِّي" بالنقض، وانتصَرَلـ "المحقّق" بما يطولُ، فمِنْ جملةِ ذلك أنَّه
قال: ((إنَّ ما فعلناه ليس من بابِ القياس، بل من باب الإِلحاق دلالةً، وقولُ "البرهان الحلبيِّ": إنَّ
ما نحن فيه لم يوجدْ زمانٌ يقدَّرُ للعشاء فيه وقتٌ خاصٌّ ممنوعٌ، وذلك لأنَّ مَنْ يقدِّرُ يجعلُ لكلِّ
صلاةٍ وقتاً يختصُّ بها، لا يشاركُها فيه غيرُها)) اهـ.
أقولُ: لا يخفى أنَّ القائلين بالوجوب عندنا لم يجعلُوا لتلك الصلاةِ وقتاً خاصًّاً بها، بحيث
يكون فعلُها فيه أداءً وخارجها (١) قضاءً كما هو في أيام الدجَّال؛ لأن "الحَلْوانيّ" قال بوجوبها
قضاءً، و"البرهان الكبير"(٢) قال: ((لا ينوي القضاءَ لعدم وقتِ الأداء))، وبه صرَّحَ في "الفتح"(٣)
أيضاً، فأين الإِلحاقُ دلالةٌ مع عدمِ المساواة؟! فلو كان بطريقِ الإلحاق أو القياسِ لجعلوا لها وقتاً
خاصًّاً بها تكون فيه أداءً، وإنما قدَّرُوه موجوداً لإيجابِ فعلها بعد الفجر، وليس معنى التقدير ما
قاله الشافعيّةُ كما علمتَ، وإلاَّ لزِمَ كونُها فيه أداءً، وقد علمتَ قولَ "الزيلعيِّ": ((إِنَّه لم يقلْ به
أحدٌ))، أي: بكونها أداءً؛ لأَنَّه لا يبقى وقتُ العشاء بعد الفجر.
(١) قوله: ((وخارجها)) هكذا بخطه، ولعل الأصوب ((وخارجه)) أي: الوقت، تأمل. اهـ مصححه.
(٢) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٣١ -.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب المواقيت ١٩٨/١.
الجزء الثاني
٥٠٧
كتاب الصلاة
قلت: ولا يساعدُهُ حديث الدجّال؛
والأحسنُ في الجواب عن المحقّق "الكمال بن الهمام" أَنَّه لم يذكرْ حديثَ الدجَّال ليقيسَ عليه
مسألتنا، أو يُلحقَها به دلالةً، وإنما ذكَرَهُ دليلاً على افتراض الصلوات الخمس وإنْ لم يوجدِ السببُ
افتراضاً عامًّا؛ لأنَّ قوله: ((وما رُوِيَ)) معطوفٌ على قوله: ((ما تواطأتْ عليه أخبارُ الإسراء))،
وما أورده عليه من عدمِ الافتراض على الحائضِ والكافر يجابُ عنه بما قاله "المحشِّي"(١) من ورود
النصّ بإخراجهما من العموم.
هذا، وقد أقرَّ ما ذكَرَهُ "المحقّقُ" تلميذاه العلاَّمتان المحقّقان "ابنُ أمير حاج"(٢) والشيخ
"قاسم".
والحاصلُ: أَنَّهما قولان مصحَّحان، ويتأَيَّدُ القولُ بالوجوب بأنَّه قال به إمامٌ مجتهدٌ، وهو
الإِمام "الشافعيُّ" كما نقَلَهُ في "الحلبة"(٣) عن "المتولّي (٤) عنه.
[٣٢٢٠] (قولُهُ: ولا يساعدُهُ) الضميرُ راجعٌ إلى ما ذكَرَه "الكمالُ"، "ح "(٥).
[٣٢٢١] (قولُهُ: حديثُ الدجّال) هو ما قدَّمناه(٦) في كلام "الكمال"، قال
"الإِسنويُّ": ((فُيُستثنَى هذا اليومُ مما ذُكِرَ في المواقيت، ويقاسُ اليومان [١ /ق٢٧٩ /ب]
التاليان له))، قال "الرمليُّ" في "شرح المنهاج"(٧): ((ويجري ذلك فيما لو مكثتِ الشمسُ
عند قومٍ مدَّةً)). اهـ "ح"(٨).
(١) "ح": كتاب الطهارة ق٣٧/أ.
(٢) "الحلبة": المقدمة ١/ق ١٥/ب.
(٣) "الحلبة": المقدمة ١/ق ١٥/ب.
(٤) أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون بن عليّ المعروف بالمتولي الشافعيّ النيسابوريّ(ت٤٧٨هـ). ("وفيات الأعيان"
١٣٣/٣، "طبقات السبكيّ" ١٠٦/٥).
(٥) "ح": كتاب الصلاة ق٣٨/أ.
(٦) المقولة [٣٢١٩] قوله: ((ومنعا ما ذكره الكمال)).
(٧) "نهاية المحتاج": كتاب الصلاة ٣٦٢/١.
(٨) "ح": كتاب الصلاة ق٣٨/أ.
قسم العبادات
٥٠٨
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه - وإنْ وجَبَ أكثرُ من ثلثمائة ظهر.
قال في "إمداد الفتاح"(١): ((قلت: وكذلك يقدَّرُ لجميعِ الآجالِ كالصوم والزكاة والحجِّ
والعدَّة وآجالِ البيع والسَّلَم والإِجارة، ويُنظَرُ ابتداءُ اليوم، فيقدَّرُ كلُّ فصلٍ من الفصول الأربعةِ
بحسب ما يكون كلَّ يومٍ من الزيادة والنقص، كذا في كتب الأئمّة الشافعيَّة، ونحن نقول مثله؛ إذ
أصلُ التقدير مقولٌ به إجماعاً في الصلوات)) اهـ.
مطلبٌ في طلوع الشمس من مغربها
(تنبيةٌ)
ورَدَ في حديثٍ مرفوعٍ: ((أنَّ الشمس إذا طلعَتْ من مغربها تسيرُ إلى وسط السماء، ثمَّ
ترجعُ، ثم بعد ذلك تطلُعُ من المشرق كعادتها)(٢)، قال "الرمليُّ" الشافعيُّ في "شرح المنهاج"(٣):
((وبه يُعلَمُ أَنَّه يدخلُ وقت الظهر برجوعها؛ لأَنَّه بمنزلة زوالها، ووقتُ العصر إذا صار ظلُّ كلِّ
شيءٍ مثلَهُ، والمغربِ بغروبها، وفي هذا الحديثِ: ((أنَّ ليلة طلوعها من مغربها تطولُ بقدْرٍ ثلاثٍ
ليالٍ))، لكنَّ ذلك لا يُعرَفُ إلاّ بعد مضيِّها لأنْبِهامِها على الناس، فحينئذٍ قياسُ ما مرَّ أنَّه يلزمُ قضاءُ
الخمس؛ لأنَّ الزائد ليلتان، فيقدَّران عن يومٍ وليلةٍ، وواجبُهما الخمسُ) اهـ.
[٣٢٢٢] (قولُهُ: لأَنَّه وإِنْ وجَبَ) علٌَّ لعدمِ المساعدة، "ح"(٤).
(٣٢٢٣) (قولُهُ: أكثرُ من ثلاثمائةِ ظُهرِ إلخ) فيه أنَّ الوارد أنَّ اليوم کسنةٍ، فما قبل الزَّوال نحوُ
نصفِ سنةٍ، ولا يتكرَّرُ فيه الظهرُ هذا العددَ، فالمناسبُ تعبيرُ "الكمال" بما مرَّ(٥) من قوله: ((فقد
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة ٨٠/ب.
(٢) أخرجه أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" كما في "النهاية" لابن كثير ٢٠٠/١-٢٠١، وأخرجه عبد بن حميد كما في
"الدر المنثور" ٣٩٢/٣، وفي إسناده ضرار بن صرد، وهو متروك، انظر "تهذيب الكمال" ٣٠٣/١٣ -٣٠٦.
(٣) "نهاية المحتاج": كتاب الصلاة ٣٦٧/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٨/أ.
(٥) المقولة [٣٢١٩] قوله: ((ومنعا ما ذكره الكمال)).
الجزء الثاني
٥٠٩
كتاب الصلاة
مثلاً قبل الزوال - ليس كمسألتنا؛ لأنَّ المفقود فيه العلامةُ لا الزمانُ، وأمَّا فيها فقد
فُقِدَ الأمران.
(والمستحبُّ)
وجَبَ أكثرُ من ثلاثمائةِ عصرٍ قبل صيرورةِ الظلِّ مثلاً أو مثلين))، لكنَّه ظاهرٌ في المثلين؛ لأنَّه
قريبٌ من خمسةِ أسداس النهار بخلاف المثل، والأظهرُ قوله في "الشرنبلاليّة"(١): ((وإنْ وجَبَ أكثرُ
من ثلاثمائةٍ عشاءٍ مثلاً قبل طلوع الفجر)).
(٣٢٢٤] (قولُهُ: مثلاً) أي: أنَّ الصبح والعصر والمغرب والعشاء والوتر كذلك، "ح"(٢).
[٣٢٢٥) (قولُهُ: فيه) أي: في حديثِ الدجّال.
[٣٢٢٦] (قولُهُ: وأمَّا فيها) أي: في مسألتنا، وفي بعض النسخ: ((فيهما))، أي: العشاءِ والوترِ.
[٣٢٢٧) (قولُهُ: فقد فُقِدَ الأمران) أي: العلامةُ - وهي غيبوبةُ الشفق قبل الفجر - والزمانُ
المعلّم، وهو ما تقعُ الصلاةُ فيه أداءً ضرورةَ أنَّ [١/ق ٢٨٠/ أ] الزمان الموجود قبل الفجر هو زمانُ
المغرب، وبعده هو زمانُ الصبح، فلم يوجدِ الزمانُ الخاصُّ بالعشاء، وليس المرادُ فَقْدَ أصلِ الزمان
كما لا يخفى، نعم إذا قلنا بالتقدير هنا يكون الزمان موجوداً تقديراً كما في يوم الدخَّال، فلا يرِدُ
على "المحقّق"، والله تعالى أعلم.
(تتمَّةٌ)
لم أرَ مَنْ تعرَّضَ عندنا لحكم صومهم فيما إذا كان يطلُعُ الفجرُ عندهم كما تغيبُ الشمس،
أو بعده بزمانٍ لا يقدِرُ فيه الصائمُ على أكلِ ما يقيمُ بُنيتَهُ، ولا يمكن أنْ يقالَ بوجوب موالاةٍ
الصوم عليهم؛ لأَنَّ يؤدِّي إلى الهلاك، فإنْ قلنا بوجوبِ الصوم يلزمُ القولُ بالتقدير، وهل يقدَّرُ
ليُهم بأقربِ البلاد إليهم كما قاله الشافعيّة هنا أيضاً، أم يقدَّرُ لهم بما يسَعُ الأكل والشرب، أم
يجبُ عليهم القضاءُ فقط دون الأداء؟ كلٌّ محتمَلٌ، فليتأمَّلْ.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة ٥٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٨/أ.
قسم العبادات
٥١٠
حاشية ابن عابدين
للرَّجُل (الابتداءُ) في الفجر (بإسفارِ والخَتمُ به) هو المختارُ؛ بحيث يُرتّلُ.
ولا يمكنُ القولُ هنا بعدم الوجوب أصلاً كالعشاء عند القائل به فيها؛ لأنَّ علَّةَ عدم
الوجوب فيها عند القائل به عدُ السبب، وفي الصوم قد وُجِدَ السببُ، وهو شهودُ جزءٍ من
الشهر، وطلوعُ فجرِ كلِّ يومٍ، هذا ما ظهَرَ لي، والله تعالى أعلم.
٢٤٤/١
[٣٢٢٨] (قولُهُ: للرَّجُلِ) يأتي(١) محترزُهُ.
[٣٢٢٩] (قولُهُ: في الفجر) أي: صلاةِ الفرض، وفي صلاة السنّة قولان كما يأتي لـ "الشارح"،
"ط" (٢).
[٣٢٣٠] (قولُهُ: بإسفارٍ) أي: في وقتِ ظهورِ النُّور وانكشافِ الظلمة، سُمَِّ به لأَنّه
يُسفِرُ - أي: يكشفُ - عن الأشياء خلافاً لـ الأئمَّة الثلاثة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((أَسْفِرُوا بالفجر، فإنَّه أعظمُ للأجر)) رواه "الترمذيُّ"(٣) وحسَّنَهُ، وروى "الطحاويُّ"(٤)
بإسنادٍ صحيحٍ: «ما اجتمَعَ أصحابُ رسول اللـه ◌ُّ على شيءٍ ما اجتمعوا على التنويرِ
بالفجر))، وتمامُهُ في "شرح المنية"(٥) وغيرها (٦).
(١) صـ ٥١١ - "در".
(٢) "ط": كتاب الصلاة ١٧٧/١.
(٣) أخرجه أحمد ١٤٢/٤ - والترمذي (١٥٤) كتاب الصلاة - باب ما جاء في الإسفار بالفجر، وقال: حديث رافع بن
خديج حديث حسن صحيح، وأبو داود (٤٢٤) كتاب الصلاة - باب في وقت الصبح، والنسائي ٢٧٢/١ كتاب
المواقيت - باب الإسفار، وابن ماجه (٦٧٢) كتاب الصلاة - باب وقت صلاة الفجر، وأخرجه الطحاوي في "شرح
معاني الآثار" ١٧٩/١ كتاب الصلاة - باب الوقت الذي يصلى فيه الفجر أيُّ وقت هو؟ والبيهقي في "السنن
الكبرى" ٤٥٧/١ كتاب الصلاة - باب الإسفار بالفجر حتى يتبين طلوع الفجر الآخر معترضاً، وابن حبان
(١٤٩٠) كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة، والطبراني في "الكبير" (٤٢٨٥) و(٤٢٨٦) و(٤٢٨٧)
و(٤٢٩٠) و(٤٢٩١) و(٤٢٩٢) و(٤٢٩٣). كلهم عن رافع بن خديج ر ◌ُه، وفي الباب عن بلال وأنس
وقتادة بن النعمان وابن مسعود وأبي هريرة وحواء الأنصارية ومحمود بن لبيدُه. وانظر أحاديث هذا الباب مفصلة
في "نصب الراية" للزيلعي ٣٣٣/١ وما بعدها.
(٤) "شرح معاني الآثار": كتاب الصلاة - باب الوقت الذي يستحب أن يصلي صلاة الظهر فيه ١٨٤/١.
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الخامس: الوقت صـ٢٣٢ -.
(٦) في "د" زيادة: ((قوله: والختم به. قال في "البحر": خلافاً للطحاوي فإنّه نقل عن الأصحاب استحباب البداءة
بالغَلَس والختم بالإِسفار، والأول ظاهر الرواية كما في "العناية". انتهى)).
الجزء الثاني
٥١١
كتاب الصلاة
أربعين آيةً ثم يعيدُه بطهارةٍ لو فسَدَ، وقيل: يؤخِّرُ الفجرَ(١) جدًّا؛ لأنَّ الفساد
موهوٌ (إلاَّ لحاجّ بمز دلفةَ) فالتغليسُ أفضلُ كمرأةٍ مطلقاً، وفي غيرِ الفجر الأفضلُ
لها انتظارُ فراغ الجماعة (وتأخيرُ ظهرِ الصيف).
[٣٢٣١] (قولُهُ: أربعين آيَةً) أي: إلى ستين.
[٣٢٣٢] (قولُهُ: ثمَّ يعيدُهُ بطهارةٍ) أي: يعيدُ الفجرَ - أي: صلاَهُ - مع ترتيلِ القراءة المذكورة،
ويعيدُ الطهارة لو فسَدَ بفسادها، أو ظهَرَ فسادُهُ بعدمها ناسياً.
والحاصلُ: أنَّ حدَّ الإِسفار أنْ يمكنه إعادةُ الطهارة ولو من حدثٍ أكبرَ كما في "النهر"(٢) و
"الْقُهُستانيِ)(٣)، وإعادةُ الصلاة على الحالةِ الأولى قبل الشمس.
[٣٢٣٣] (قولُهُ: وقيل: يؤخّرُ حداً) قال في "البحر"(٤): ((وهو ظاهرُ إطلاق "الكتاب"
[١ /ق ٢٨٠ / ب] - أي: "الكنزِ" - لكنْ لا يؤخّرها بحيث يقعُ الشكُّ في طلوع الشمس)) اهـ. لكنْ
في "القُهُستانيِّ" (٥): ((الأصحُّ الأوَّلُ))، "ح"(٦).
[٣٢٣٤] (قولُهُ: مطلقاً) أي: ولو في غيرِ مزدلفةَ لبناءِ حالِهِنَّ على السَّتْرِ، وهو في الظلام أَّمُّ.
[٣٢٣٥] (قولُهُ: وتأخيرُ ظُهرِ الصيف) سيذكُرُ(٧) أنَّه يلحقُ به الخريف، وسنذكر (٨) ما يخالفُهُ.
(١) ((الفجر)) ليست في "ب" و"و".
(٢) "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٣/ب.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة ٧١/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦/١ بتوضيح من ابن عابدين.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة ٧١/١.
(٦) "ح": كتاب الصلاة ق٣٨/أ. وفي "د" زيادة: قوله: إلا لحاج بمزدلفة، يَرِدُ عليه ما في "الشرنبلالية" من كتاب الحج
عن "المعراج" أنَّ الحاجَّ يصلي الفجر يوم عرفة بِغَلَس، قال: وهذا واردٌ على ما قدَّمناه أنَّه لا يصلي الفجر بغلس إلا
يوم النحر فيزاد، ويومُ عرفةَ على هذا. انتهى. ثمَّ بَّنَ أنَّ الوقت المسنون في الذهاب إلى عرفة هو بعد طلوع
الشمس كما في الخروج من مكة إلى منى وعزاه "للفتح"، قال: ولا يخفى أنّه يفيد عدم التغليس بصلاة الفجر إلا أن
يقال يفعلُهُ ليهيئ أمره للخروج. انتهى، كذا في "النهر")).
(٧) صـ ٥٢٢ - "در".
(٨) المقولة [٣٢٦٣] قوله: ((ويلحق به الربيع)).
قسم العبادات
٥١٢
حاشية ابن عابدين
بحيث يمشي في الظلِّ (مطلقاً) كذا في "المجمع" وغيره، أي: بلا اشتراطِ شدَّةٍ حرِّ
وحرارةٍ بلدٍ وقصدِ جماعةٍ، ..
[٣٢٣٦] (قولُهُ: بحيث يمشي في الظلِّ) عبارةُ "البحر"(١) و"النهر"(٢) وغيرهما: ((وحدُّهُ: أنْ
يصلَِّ قبل المثل، وهي أَولى لِما أنَّ مثل حيطانِ مصرَ يحدُثُ الظلُّ فيها سريعاً لعلوِّها))، "ح"(٣).
وقد يقال: إنَّ اعتبار المشي في الظلِّ بيانٌ لأَوَّلِ ذلك الوقت المستحبِّ، وما في "البحر" وغيره بيانٌ
لمنتهاه، وفي "ط" (٤) عن "الحمويِّ" عن "الخزانة": ((الوقتُ المكروهُ في الظُّهر أنْ يدخلَ في حدِّ
الاختلاف، وإذا أخَّرَه حتى صار ظلُّ كلّ شيءٍ مثلَهُ فقد دخَلَ في حدِّ الاختلاف)).
[٣٢٣٧] (قولُهُ: أي: بلا اشتراطِ إلخ) تفسيرٌ للإطلاق، وعبارة "ابنِ ملكٍ" في "شرح
المجمع": ((أي: سواءٌ كان يصلّي الظهرَ وحدَهُ أو بجماعةٍ)) اهـ. أي: لرواية "البخاريِّ)"(٥): ((كان
﴿ إذا اشتدَّ البردُ بِكَّرَ بالصلاة، وإذا اشتدَّ الحرُّ أَبَرَدَ بالصلاة)) - والمرادُ الظهرُ - وقولِهِن ◌َّ: ((إنَّ
شدة الحرِّ من فَيحِ جهنمَّ، فإذا اشتدَّ فأبرِدُوا بالصلاة)) متفقٌ عليه(٦)، وليس فيه تفصيلٌ،
(١) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٠/١.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٣/ب.
(٣) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٨/أ.
(٤) "ط": كتاب الصلاة ١٧٧/١.
(٥) أخرجه البخاري (٩٠٦) كتاب الجمعة - باب إذا اشتدَّ الحرُّ يوم الجمعة، والنسائي ٢٤٨/١ كتاب المواقيت - باب
تعجيل الظهر في البرد، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"١٨٨/١ كتاب الصلاة - باب الوقت الذي يستحبُّ أن
يصلي صلاة الظهر فيه عن أنس قالُّه مرفوعاً.
(٦) أخرجه مالك ١٦/١ كتاب وقوت الصلاة - باب النهي عن الصلاة بالهاجرة، وأحمد ٢٦٦/٢، والبخاري (٥٣٦)
كتاب مواقيت الصلاة - باب وقت الظهر عند الزوال، ومسلم (٦١٥) كتاب المساجد - باب استحباب الإبراد
بالظهر في شدة الحرِّ لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحرِّ في طريقه، وأبو داود (٤٠٢) كتاب الصلاة - باب في وقت
صلاة الظهر، والترمذي (١٥٧) كتاب الصلاة - باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحرّ، وقال: حديث حسن
صحيح، والنسائي ٢٤٩/١ كتاب المواقيت - باب الإبراد بالظهر إذا اشتدَّ الحرُّ، وابن ماجه (٦٧٧) كتاب الصلاة -
باب الإبراد بالظهر في شدَّة الحرِّ، كلهم عن أبي هريرة ظُه مرفوعاً، وفي الباب عن المغيرة بن شعبة وأبي موسى
الأشعري، وأبي سعيد الخدري، وأبي ذرً، وابن عمر، وابن عباس، وأنس ◌ُّه.
الجزء الثاني
٥١٣
كتاب الصلاة
وما في "الجوهرة" وغيرها من اشتراطِ ذلك منظور فيه (وجمعة كظهر ...........
وتمامُهُ في "الزيلعيّ"(١) وغيره.
[٣٢٣٨] (قولُهُ: وما في "الجوهرة"(٢) وغيرها) كـ "السِّراج"(٣)، حيث قال فيهما: ((وإنما
يستحبُّ الإبرادُ بثلاثةِ شرائطَ: أنْ يصلِّيَ بجماعةٍ في مسجدِ جماعةٍ، وأنْ يكون في البلاد
الحارَّةِ، وأنْ يكون في شدَّةِ الحرِّ، وقال "الشافعيُّ": إنْ صلَّى في بيته قدَّمَها، وإنْ في المسجد
بجماعةٍ أَخَّرَها)) اهـ.
[٣٢٣٩] (قولُهُ: منظورٌ فيه) تبعَ في التنظير فيه صاحبَ "البحر"(٤) اعتماداً على الإطلاق،
وأورَدَ "المحشِّي"(٥) عليه: ((ما لو كان في موضعٍ تقامُ الجماعةُ فيه في أوَّلِ الوقت فقط، فإنَّه لو
قلنا: يستحبُّ له التأخيرُ يلزمُ تركُ الجماعة التي يُعاقَبُ على تركها على المشهور لأجلِ المستحبِّ،
والقواعدُ تأباه، ويدلُّ له كراهتُهُم تأخيرَ العشاء إلى ما زادَ على النّصف، وعلَّلوه بتقليلِ الجماعة،
ففي مسألتنا ينبغي أنْ يكون التأخيرُ حراماً، حيث [١/ق ٢٨١/ أ] تحقَّقَ فوتُ الجماعة)) اهـ.
ونقَلَ بعضُهم مثلَهُ عن "شرح نظم الكنز" للشيخ "موسى الطرابلسيّ"(٦)، وقال: ((على أَنَّه
صرَّحَ صاحبُ "البحر "(٧) فيما تقدَّمَ: أَنَّه لو شرَعَ في الصلاة مع نجاسةِ قدرِ الدرهم، وخشِيَ فوتَ
الجماعة يمضي على صلاته)) اهـ. أي: مع أنَّ إزالتها مسنونةٌ أو واجبةٌ، ولم تُتَرَك الجماعةُ لأجلها.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ٨٣/١.
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة ٥٠/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة ١/ق ١٢٤/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٠/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة ق٣٨/أ - ب باختصار.
(٦) "نَظْم الكنز" المسمى "مستحسن الطرائق": لأبي طالب أحمد بن علي، فخر الدين الهمدانيّ (ت٧٥٥هـ). (كشف
الظنون" ١٥١٦/٢، "الفوائد البهية" صـ٢٦-) ولم نعثر على نسبة شرح نظم الكنز لموسى الطرابلسي كما أننا لم نعثر على
ترجمة لموسى نفسه أيضاً.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٠/١.
قسم العبادات
٥١٤
حاشية ابن عابدين
أصلاً.
أقولُ: قد يجابُ بأنَّ قول "البحر"(١): ((لا فرقَ بين أنْ يصلِّيَ بجماعةٍ أوْ لا)) معناه: أَنَّه
يندبُ له التأخيرُ سواءٌ أراد أنْ يصلّيَ بجماعةٍ أو منفرداً، بأنْ كان لا تتيسَّرُ له الجماعةُ، وليس فيه ما
يقتضي أنَّه يؤخّرُ وإِنْ لزِمَ فوتُ الجماعة كما لا يخفى، فالتنظيرُ في كلام "الجوهرة" و "السِّراج" في
محلّه؛ لأنَّ ما ذكَرَهُ من الشروط الثلاثة هي مذهبُ الشافعيَّة، صرَّحُوا بها في كتبهم، نعم ذكَرَ
شرَّاحُ "الهداية"(٢) وغيرهم في باب التيمُّم: ((أنَّ أداء الصلاة في أوَّلِ الوقت أفضلُ، إلاّ إذا تضمَّنَ
التأخيرُ فضيلةً لا تحصُّلُ بدونه كتكثير الجماعة، ولهذا كان أولى للنساء أنْ يصلِّينَ في أوَّلِ الوقت؛
لأنهنَّ لا يخرجْنَ إلى الجماعة، كذا في مبسوطي "شمس الأئمَّةُ"(٣) و"فخر الإسلام"(٤)) اهـ.
والمتبادِرُ منه أَنَّه إذا لم يقصد الصلاةَ بالجماعة لا يستحبُّ له التأخيرُ هنا؛ إذ ليس فيه فضيلةٌ،
لكن اعترضَهُم هناك صاحبُ "غاية البيان": ((بأنَّ أثمَّتنا صرَّحُوا باستحباب(٥) تأخير بعضِ
الصلوات بلا اشتراطِ جماعةٍ، وأنَّ ما ذكروه في التيمُّمِ مفهوٌ، والصريحُ مقدَّمٌ عليه))، وقدَّمنا(٦)
الكلامَ علیه ثمَّ، فراجعه.
[٣٢٤٠] (قولُهُ: أصلاً) أي: من جهةِ أصلٍ وقت الجواز، وما وقَعَ في آخره من الخلاف.
(قولُهُ: أقول: قد يجابُ بأنَّ قول "البحر" إلخ) اعتراضُ "الحلبيِّ" إنما هو من حيث عمومُ كلام
"البحر" للصُّورة المذكورة وإنْ كانت غيرَ مرادةٍ له، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٠/١.
(٢) انظر "العناية": كتاب الطهارة ١٢٠/١ (هامش "فتح القدير") ونقله عنه العيني في "البناية" ٥٣٠/١.
(٣) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة ١٤٦/١.
(٤) "المبسوط": لأبي الحسن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، فخر الإسلام المعروف بأبي العسر البزدوي
(ت ٤٨٢ هـ). ("كشف الظنون" ١٥٨١/٢،١١٢/١، "الجواهر المضية" ٥٩٤/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٢٤-١٢٥-).
(٥) من ((له التأخير)) إلى ((باستحباب)) ساقط من "الأصل".
(٦) المقولة [٢٢٠١] قوله: ((المستحب)).
الجزء الثاني
٥١٥
كتاب الصلاة
واستحباباً) في الزمانين؛ لأنَّها خلَفُهُ (و) تأخيرُ (عصرٍ) صيفاً وشتاءً توسِعةً للنوافل
(ما لم يتغيَّرْ ذُكاءُ) بأنْ لا تحارَ العينُ فيها.
[٣٢٤١] (قولُهُ: واستحباباً في الزمانين) أي: الشتاء والصيف، "ح"(١). لكنْ جزَمَ في
"الأشباه"(٢) من فنِّ الأحكام: ((أَنْه لا يُسنُّ لها الإبرادُ))، وفي "جامع الفتاوى" لـ "قارئ
الهداية"(٣): ((قيل: إنَّه مشروعٌ؛ لأنّها تؤدَّى في وقتِ الظهر، وتقومُ مَقامَهُ، وقال الجمهور: ليس
بمشروعٍ؛ لأنّها تقامُ بجمعٍ عظيمٍ، فتأخيرُها مُفْضٍ إلى الحرجِ، ولا كذلك الظهرُ، وموافقةُ الخَلَفِ
لأصله من كلِّ وجهٍ ليس بشرطٍ)) اهـ.
(٣٢٤٢) (قولُهُ: لأَنّها خلَفُهُ) علمتَ جوابه، على أنَّ القول الثانيَ - وهو المشهورُ -: إنّها فرضٌ
٢٤٥/١ مستقلٌّ آكدُ من الظهر.
(٣٢٤٣] (قولُهُ: توسِعةً للنوافل) أي: لكراهتها بعد صلاةِ العصر، وقال الإِمام "الطحاويُّ"(٤)
بعد ذكرِهِ ما رُوِيَ [١/ق ٢٨١/ب] في التأخير والتعجيل: ((لم نجدْ في هذه الآثارِ مما صُحِّحَتْ إِلاَّ
ما يدلُّ على تأخير العصر، ولم نجدْ ما يدلُّ منها على التعجيل إلاَّ ما عارضه غيرُهُ، فاستحيبنا
التأخير، ولو خُلِينا و(٥) النظرَ لكان تعجيلُ الصلوات كلّها أفضلَ، ولكنَّ أَّباع ما رُوِيَ عن
رسول الله وَّ مما تواترتْ به الأخبارُ أَولى، وقد رُوِيَ عن أصحابه ما يدلُّ عليه))، ثم ساقَ ذلك،
وتمامُهُ في "الحلبة" (٦).
(١) "ح": كتاب الصلاة ق٣٨/ب.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الرابعة: المشقة تجلب التيسير صـ ٨٧ -.
(٣) المسألة في "جامع الفتاوى" لقرق أمير الحَمِيْديّ(ت ٨٨٠هـ) كتاب الصلاة - فصل في الأوقات والأماكن ق٨ /ب،
وليس لقارئ "الهداية" كتابٌ مسّمىٍّ بـ"جامع الفتاوى"، وله: "فتاوى" جمعها تلميذه الكمال بن الهمام وليست
المسألة فيها، والله أعلم.
(٤) "شرح معاني الآثار": كتاب الصلاة - باب صلاة العصر هل تعجّل أو تؤخّر؟ ١٩٣/١.
(٥) الواو ليست في"م".
(٦) انظر "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢١/أ.
قسم العبادات
٥١٦
حاشية ابن عابدين
في الأصحِّ (و) تأخيرُ (عشاءِ إلى ثلثِ الليل)
[٣٢٤٤] (قولُهُ: في الأصحِّ) صحَّحَهُ في "الهداية"(١) وغيرها، وفي "الظهيريَّة"(٢): ((إنْ أمكنَهُ
إطالةُ النظر فقد تغََّتْ، وعليه الفتوى))، وفي "النّصاب" وغيره: ((وبه نأخذُ، وهو قولُ أَثْمَّتَنا
الثلاثة ومشايخٍ بلخ وغيرهم))، كذا في "الفتاوى الصوفيّة"، وفيها: ((وينبغي أنْ لا يؤخَّرَ تأخيراً لا
يمكن المسبوقَ قضاءُ ما فاتَهُ)) اهـ.
وقيل: حدُّ التغُّرِ أنْ يبقى للغروب أقلُّ من رمحٍ، وقيل: أنْ يتغَّرَ الشعاعُ على الحيطان كما
في "الجوهرة"(٣)، "ابن عبد الرزاق".
[٣٢٤٥] (قولُهُ: وتأخيرُ عشاءٍ) أطلَقَهُ، وظاهرُ ما في "الهداية"(٤) التقييدُ بعدمِ فوتِ الجماعة،
ويؤخَذُ من كلام "المصنّف" في مسألة يومِ الغيم، "شرنبلالَيَّة(٥).
[٣٢٤٦] (قولُهُ: إلى ثلثِ الليل) كذا في "الكنز"(٦) و"المختار)"(٧) و"الخلاصة"(٨) وغيرها،
وعبارة "القدوريِ"(٩): ((إلى ما قبلَ ثلثِ الليل))، وهما روايتان - كما في "الشر نبلالَّة"(١٠) - عن
"البرهان"، فلا حاجةً إلى التوفيق بما في "البحر"(١١) ولا بما في "الدُّرر"(١٢).
(١) "الهداية": كتاب الصلاة - باب المواقيت ٣٩/١.
(٢) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الأول - الفصل الثاني في مواقيت الصلاة والسنن ق١٢/أ. وفيها ((إحاطة)) بدل
((إطالة)) وهو تحريف.
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة ٥٠/١.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب المواقيت ٣٩/١.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة ٥٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة ٣٠/١.
(٧) انظر "الاختيار": كتاب الصلاة ٤٠/١ وعبارته: ((إلى ما قبل ثلث الليل)). و"المختار" هو متن "الاختيار"،
وتقدَّمت ترجمته ٤٢٢/١.
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الرابع: في المواقيت ق ٢٢/أ.
(٩) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الصلاة ٥٨/١.
(١٠) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة ٥٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(١١) "البحر": كتاب الصلاة ٢٦٠/١ نقلاً عن "شرح المجمع" لابن ملك.
(١٢) "الدرر": كتاب الصلاة ٥٢/١.
الجزء الثاني
٥١٧
كتاب الصلاة
قَّدَهُ في "الخانَيَّة" وغيرها بالشتاء، أمَّا الصيفُ فيُندَبُ تعجيلُها (فإِنْ أُخْرَها إلى ما
زادَ على النّصف) كره لتقليل الجماعة، أمَّا إليه فمباحٌ (و).
[٣٢٤٧) (قولُهُ: قَّدَهُ في "الخانَّةِ"(١) إلخ) وفي "الهداية"(٢): ((وقيل: في الصيف يعجِّلُ كيلا تتقلَّلَ
الجماعةُ)).
[٣٢٤٨] (قولُهُ: كُرِهَ) أي: تحريماً كما يأتي (٣) تقييدُهُ في المتن، أو تنزيهاً، وهو الأظهرُ كما
نذكرُهُ(٤) عن "الحلبة".
[٣٢٤٩] (قولُهُ: لتقليلِ الجماعة)(٥) يفيدُ أنَّ المصلِّيَ في بيته يؤخّرُها لعدم الجماعة في حقِّهِ،
تأمَّلْ، "رملي". أي: لو أخَّرَها لا يكرهُ.
[٣٢٥٠) (قولُهُ: أمَّا إليه فمباحٌ) أي: أمَّا تأخيرُها إلى النصف فمباحٌ لتعارُضِ دليلِ الندب -
وهو قطعُ السَّمَر المنهيِّ - ودليلِ الكراهة، وهو تقليلُ الجماعة، فثبتتِ الإِباحةُ كما أفاده في
"الهداية"(٦) وغيرها.
قلت: لكنْ نقَلَ في "الحلبة"(٧) عن "خزانة الأكمل" استحبابَ التأخير إلى النصف، وقال: ((إِنَّه
الأوجهُ دليلاً للأحاديثِ الصحيحة))(٨)، وساقَها وقال: ((اختاره أكثرُ أهل العلم من أصحابِ
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في معرفة مواقيت الصلاة ٧٤/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب المواقيت ٣٩/١.
(٣) المقولة [٣٢٥٥٨] قوله: ((تحريماً)).
(٤) المقولة [٣٢٥٥٨] قوله: ((تحريماً)).
(٥) في "د" زيادة: ((أقول: ولفظ "المبسوط": وتعجل العشاء لدفع الحرج عن الناس فإنهم يتضررون بالمطر يأخذهم قبل
الرجوع إلى بيوتهم وعند الغيم ينتظرون المطر ساعة فساعة فتعجل العشاء لينصرفوا إلى منازلهم قبل أن يمطروا . انتهى))
(٦) "الهداية": كتاب الصلاة - باب المواقيت ٣٩/١.
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٢٣/أ - ب بتصرف.
(٨) ومنه ما رواه أحمد ٢٥٠/٢-٤٣٣، والترمذي (١٦٧) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء
الآخرة، وابن ماجه (٦٩١) كتاب الصلاة - باب وقت صلاة العشاء عن أبي هريرة قال رسول الله ح ل: ((لولا أن أشق
على أمتي لأمرتهم أن يؤخّروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه))، وقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة ◌َُّه حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ، وفي الباب عن جابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وأبي برزة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، =
قسم العبادات
٥١٨
حاشية ابن عابدين
النبي ◌ُّ والتابعين وغيرهم كما ذكره "الترمذيُّ"(١))) اهـ.
(تنبيةٌ)
[١/ق٢٨٢/ أ] أشَرْنا إلى أنَّ علَّةَ استحبابِ التأخير في العشاء هي قطعُ السَّمَرَ المنهيِّ عنه،
وهو الكلامُ بعدها، قال في "البرهان": ((ويكرهُ النومُ قبلها والحديثُ بعدها لنهي النبيِ نَّ عنهما
إلاَّ حديثاً في خيرِ لقوله {ُ ﴾: ((لا سمرَ بعد الصلاة - يعني: العشاءَ الأخيرةَ - إلاَّ لأحدٍ رَجُلين:
مصلٍّ أو مسافٍ))(٢)، وفي روايةٍ: (أو عرسٍ)))) اهـ.
وقال "الطحاويُّ": ((إنما كُرِهَ النومُ قبلها لمن خُشيَ عليه فوتُ وقتها أو فوتُ الجماعة فيها،
وأمَّا مَنْ وكَلَ نفسَه إلى مَنْ يوقظُهُ فيباحُ له النومُ)) اهـ.
وقال "الزيلعيُّ) (٣): ((وإنما كُرِهَ الحديثُ بعدها لأَنّه ربما يؤدِّي إلى اللَّغو، أو إلى تفويتِ
الصبح أو قيامِ الليل لمن له عادةٌ به، وإذا كان لحاجةٍ مهمَّةٍ فلا بأسَ، وكذا قراءةُ القرآن والذكرُ
وحكاياتُ الصالحين والفقهُ والحديثُ مع الضيف)) اهـ.
والمعنى فيه أنْ يكون اختتامُ الصحيفة بالعبادة كما جُعِلَ ابتداؤها بها لُيُمحَى ما بينهما من
الزَّت، ولذا كُرِهَ الكلامُ قبل صلاة الفجر، وتمامُهُ في "الإِمداد"(٤).
ويؤخذُ من كلام "الزيلعيّ" أَنَّه لو كان لحاجةٍ لا يكرهُ وإنْ خُشيَ فوتُ الصبح؛ لأَنَّه ليس
في النوم تفريطٌ، وإنما التفريطُ على مَنْ أخرَجَ الصلاةَ عن وقتها كما في حديث "مسلم)"(٥)، نعمْ
= وزيد بن خالد، وابن عمر مـ
(١) في كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء الآخرة، الحديث (١٦٧).
(٢) تقدم تخريجه صـ ١٣١ -.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ٨٤/١ بتصرف.
(٤) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة ق ٨٥/أ.
(٥) في كتاب المساجد - باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها الحديث (٦٨١) عن أبي قتادة رؤيته. وأخرجه أحمد
٢٩٨/٥، وأبو داود (٤٣٧) كتاب الصلاة - باب فيمن نام عن الصلاة - والترمذي (١٧٧) كتاب أبواب الصلاة - =