النص المفهرس

صفحات 461-480

الجزء الثاني
٤٥٩
باب الأنجاس - فروع
ثيابُ الفسقة وأهل الذمَّة طاهرةٌ. ديباجُ أهلِ فارسَ نجسٌ لجعلهم فيه البولَ لَبَرِيقِهِ.
رأى في ثوبٍ غيره نجساً مانعاً إنْ غَلَبَ على ظنّه أَنَّه لو أخبَرَهُ أزالَها وجَبَ، وإلاّ
لا، فالأمرُ بالمعروف على هذا. حَمْلُ السجَّادةِ في زماننا أَولى احتياطاً؛.
أي: على وزن كِتابٍ، وهو المفاخَرَةُ بالجماع وإفشاءُ الرَّجُل ما يجري بينه وبين زوجته(١)، فذاك
ليس من هذا القَبِيلِ، بل النَّهيُ يقتضي التحريمَ)) اهـ.
٢٣٣/١
[٣١٠٨] (قولُهُ: ثيابُ الفَسَقةِ إلخ) قال في "الفتح"(٢): ((وقال بعضُ المشايخ: تكرهُ الصلاةُ
في ثياب الفسقة؛ لأَنَّهم لا يَتَّقُون الخمورَ، قال "المصنّفُ" - يعني صاحبَ "الهداية" -:
[١/ق٢٦٧/ب] الأصحُّ أَنَّه لا يكرهُ؛ لأَنَّه لم يكرهْ من ثياب أهل الذمَّة إلَّ السراويلُ مع
استحلالهم الخمرَ، فهذا أولى)) اهـ.
[٣١٠٩] (قولُهُ: لجعلِهِم فيه البولَ) إنْ كان كذلك لا شكَّ أنَّه نجسرٌ، "تاتر خانيَّةً"(٣).
[٣١١٠] (قولُهُ: إنْ غَلَبَ على ظنّهِ) عبارةُ "الخانَيَّةِ"(٤): ((إنْ كان في قلبه)).
مطلبٌ في الأمرِ بالمعروف
[٣١١١] (قولُهُ: فالأمرُ بالمعروفِ على هذا) كذا في "الخانَيَّة"(٥)، وفي "فصول العلاّميّ":
(١) فقد أخرج أحمد ٢٩/٢ -٢٤٥/٤، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٩٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٩٤/٧ كتاب النكاح
باب ما يكره من ذكر الرجل إصابته أهله، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٢٩٥/٤ كتاب النكاح - باب كتمان ما يكون
بين الرجل وأهله، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه درَّاج وثّقه ابنُ معين، وضعَّفه جماعةٌ، من حديث أبي سعيد
الخدري رضيه. وقال ابن الأثير في "النهاية"٥٢٠/٢ مادة ((شيع)): كذا رواه بعضهم، وفسَّره بالمفاخرة بكثرة الجماع،
وقال أبو عمرو: إنَّه تصحيف، وهو بالسين المهملة والباء الموحدة، وإن كان محفوظاً فلعله من تسمية الزوجة شاعة.
وأما إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين زوجته فلما روى أحمد ٦٩/٣، ومسلم (١٤٣٧) كتاب النكاح - باب تحريم
إفشاء سرِّ المرأة، وأبو داود (٤٨٧٠) كتاب الأدب - باب في نقل الحديث.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٦/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في معرفة النجاسات وتطهيرها ٢٩٤/١.
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٣١/١.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٣١/١ بتصرف.

قسم العبادات
٤٦٠
حاشية ابن عابدين
لِما ورَدَ: ((أَوَّلُ ما يُسأَلُ عنه في القبر الطهارةُ، وفي الموقِفِ الصلاةُ))، والله تعالى أعلم.
((وإنْ عَلِمَ أَنَّه لا يَتَّعِظُ ولا يَنزِجِرُ بالقول ولا بالفعل ولو بإعلامٍ سلطانٍ أو زوجٍ أو والدٍ له قدرةٌ
على المنع لا يلزمُهُ، ولا يأْتُمُ بتركه، لكنَّ الأمرَ والنهيَ أفضلُ وإِنْ غَبَ على ظنّه أَنَّه يضرِبُهُ أو يقتلُه؛
لأَنَّه يكون شهيداً، قال تعالى: ﴿أَقِ الشَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُكَرِوَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ ﴾ أي: مِن
ذلِّ أو هوانٍ إذا أمرْتَ ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِالْأُمُورِ﴾ [لقمان - ١٧]، أي: من حقِّ الأمور، ويقال: من
واجبِ الأمور)) اهـ. وتمامُهُ فيه.
مطلبٌ في أوَّلِ ما يُحاسَبُ به العبدُ
[٣١١٢] (قولُهُ: لِمَا وَرَدَ إلخ) أي: في قوله ◌َ ﴿ه: «أَّقُوا البولَ، فإنَّه أوَّلُ ما يحاسَبُ به العبدُ في
القبر)، رواه "الطبرانيُّ)(١) بإسنادٍ حسنٍ، وفي قوله ◌َّ: ((أوَّلُ ما يحاسَبُ به العبدُ يوم القيامة مِنْ
عمله صلاُهُ)(٢)، قال "العراقيُّ" في "شرح الترمذيّ)(٢): ((ولا يُعارِضُه حديثُ الصحيح: ((إِنَّ أَوَّلَ
ما يُقضَى بين الناس يوم القيامة في الدِّماء))(٤)؛ لَحَمْلِ الأوَّلِ على حقِّ الله تعالى على العبد، والثاني
على حقوقِ الآدمِّينَ فيما بينهم)).
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧٦٠٥) و(٧٦٠٧) وفي "مسند الشاميين" (٣٤٣١) و(٣٤٣٤) من حديث أبي أمامة،
وأورده الهيثمي في "المجمع" ٢٠٩/١، كتاب الطهارة - باب الاستنزاه من البول والاحتراز منه لما فيه من العذاب،
وقال: رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله موثقون.
(٢) أخرجه أحمد ٢٠٩/٢، وأبو داود (٨٦٤) و(٨٦٥) كتاب الصلاة - باب قول النبيلح ﴾ ((كلُّ صلاةٍ لا يتمُّها صاحبُها
تتمُّ من تطوعه))، والترمذي (٤١٣) كتاب الصلاة - باب ما جاء أنَّ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة، والنسائي
٢٣٢/١ كتاب الصلاة - باب المحاسبة على الصلاة، وابن ماجه (١٤٢٥) كتاب الإقامة - باب ما جاء في أول ما
يحاسب به العبد الصلاة، عن أبي هريرة رضيُّه، وفي الباب عن عبد الله بن قرط، وتميم الداري رضي الله عنهما.
(٣) "شرح صحيح الترمذي": لأبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين، زين الدين العراقيّ (ت٨٠٦هـ) أكمل به "شرح ابن
سيّد الناس"، فكتب منه تسع مجلدات ولم يكمل أيضاً. ("كشف الظنون" ٥٥٩/١، "الضوء اللامع" ١٧١/٤).
(٤) أخرجه أحمد ٤٤٠/١، ٤٤١، ٤٤٢، والبخاري (٦٨٦٤) كتاب الديات - باب قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُمُجَهَنَّمُ﴾ [النساء -٩٣]، ومسلم (١٦٧٨) كتاب القسامة - باب المجازاة بالدماء في الآخرة،
والترمذي(١٣٩٦) كتاب الديات - باب الحكم في الدماء، والنسائي ٨٣/٧ كتاب تحريم الدم - باب تعظيم الدم،
وابن ماجه (٢٦١٥) كتاب الديات - باب التغليظ في قتل مسلمٍ ظلماً، كلُّهم من حديث ابن مسعود نظُه.

الجزء الثاني
٤٦١
باب الأنجاس - فروع
فإنْ قيل: أَيُّهما يُقدَّمُ؟ فالجواب: أنَّ هذا أمرٌ توقيفيٌّ، وظواهرُ الأحاديث دلَّةٌ على أنَّ
الذي يقعُ أوَّلاً المحاسبةُ على حقوق الله تعالى قبلَ حقوق العباد، كذا في "شرح العلقميِّ"
على "الجامع الصغير"، ولا يخفى ما في ذِكْرِ "الشارح" لهذه الجملةِ قبيل كتاب الصلاة من
رِعايةِ التّاسُبِ وحُسْنِ الختام.

قسم العبادات
٤٦٢
حاشية ابن عابدين
﴿كتابُ الصلاة﴾
شروعٌ في المقصود بعد بيانِ الوسيلة، ولم تَخْلُ عنها شريعةُ مُرسَلٍ، وَلَمَّا صارت
ے
قربةً بواسطةِ الكعبة كانت.
﴿بسم الله الرَّحمن الرَّحيم وبه نستعين﴾(١)
﴿كتابُ الصَّلاة﴾
(٣١١٣] (قولُهُ: شروعٌ إلخ) بيانٌ لوجهِ تأخيرها عن الطَّهارة، وتقدَّمَ (٢) في الطهارة وجهُ
تقديمها على غيرها.
[٣١١٤] (قولُهُ: ولم تَخْلُ عنها شريعةُ مُرسَلٍ) أي: عن أصلِ الصلاة، قيل: الصُّبحُ صلاةُ آدمَ،
والظهرُ لداودَ، والعصرُ لسليمانَ، والمغربُ ليعقوبَ، والعشاءُ ليونُسَ عليهم السلام، وجُمِعَتْ في
هذه الأمَّة، وقيل غير ذلك.
[٣١١٥] (قولُهُ: بواسطةِ الكعبة)* أي: بواسطةِ استقبالها، وانظُرْ لماذا خصَّصَ هذا الشرطَ مع
أَنَّها لم تصِرْ قربةً إلاَّ باجتماعِ سائر شرائطها ؟ "ط)" (٣).
وقد يقال: [١/ق٢٦٨/أ] المرادُ أنَّها صارتْ قربةً بواسطة تعظيم الكعبة، فإنّه سبحانه أمَرَ
﴿كتابُ الصَّلاة﴾
(قولُهُ: وقد يقال: المرادُ أنَّها صارت قربةً بواسطةٍ إلخ) وقال "السنديُّ": ((لَمَّا كان شأنُ الخادم
استقبالَ مخدومه عند مباشرةِ الخدمة، وكان الحقُّ جلَّ شأنه مُنزَّهً عن الجهةِ والمكانِ جَعَلَ استقبالَ البيت
الشريف قبلةً للمصلِّين امتحاناً لعبادِهِ ليظهَرَ المطيعُ من العاصي، كما أنَّه جعَلَ زيارةَ البيت زيارةً لربِّ
البيت، فمعنى كونِها شُرِعَتْ بواسطة الكعبة أَنَّه أمَرَ بعبادةِ الله تعالى بهذه العبادة بواسطةِ استقبالِها )).
(١) ((وبه نستعين)) ليست في "ب"و"م".
(٢) ٢٦٠/١ "در".
* قوله: ((بواسطة الكعبة)) يعني أنَّ العبد أُمِرَ بالتوجُّه بجسمه إلى الكعبة. اهـ منه.
(٣) "ط": كتاب الصلاة ١٦٩/١.

الجزء الثاني
٤٦٣
كتاب الصلاة
دون الإِيمان، لا منه بل من فروعه، وهي لغةً: الدعاءُ، فنُقِلَتْ شرعاً إلى الأفعال المعلومة،
باستقبالها تعظيماً لها، وفي ذلك تعظيمٌ له سبحانه بواسطةٍ تعظيمها، أفاده "شيخنا" حفظه الله تعالى.
[٣١١٦) (قولُهُ: دونَ الإِيمان) لأَنَّه قربةٌ بلا واسطةٍ.
[٣١١٧] (قولُهُ: لا منه بل من فروعِهِ) أي: باعتبار الفعل، وأمَّا بالنظر لحكمها - وهو الافتراضُ
- فهي منه؛ لأنّه من متعلَّقِ التصديق بما جاء به رسولُ اللهِلُ لَ، "ط"(١). وأشار "الشارح" إلى
خلافٍ مَنْ يقول: إنَّ الأعمال من الإِيمان كـ "البخاريّ)(٢) وغيره.
[٣١١٨) (قولُهُ: وهي لغةً الدُّعاءُ) أي: حقيقتُها ذلك، وهو ما عليه الجمهورُ، وجزَمَ به
"الجوهريُّ"(٣) وغيره؛ لأَنَّه الشائعُ في كلامهم قبل وُرُودِ الشَّرع بالأركان المخصوصة، وقيل: إنَّها
حقيقةٌ في تحرُّكِ الصِّلْوين - بالسكون: العظمانِ الناتئان في أعالي الفخذين اللذان عليهما الأليتان
- مجازٌ لُغوِيٌّ في الأركان المخصوصة - لأنَّ المصلِّيَ يحرِّكُهما في ركوعه وسجوده - استعارةً
تصريحيَّةٌ في المرتبة الثانية في الدُّعاء تشبيهاً للدَّاعي في تخشُّعِهِ بالراكع والساجد، وتمامُهُ في "النهر "(٤).
[٣١١٩] (قولُهُ: فُقِلَتْ إلخ) اختَلَفَ الأصوليُّون في الألفاظِ الدَلَّةِ على معانٍ شرعيَّةٍ كالصلاة
والصوم: أهيَ منقولةٌ عن معانيها اللُّغويَّةِ إلى حقائقَ شرعيّةٍ - أي: بأنْ لم يَبْقَ المعنى الأصليُّ مرعباً -
أم مغيَّرَةٌ، أي: بأنْ يبقى ويُزادَ عليه قيودٌ شرعيَّةٌ ؟ قيلَ بالأوَّلِ، واستظهَرَه في "الغاية" معلِّلاً: ((بأَنَّها
تُوجَدُ بدون الدُّعاء في الأَمِّيِّ))، وقيلَ بالثاني، وأَنَّه إنما زِيْدَ على الدُّعاء باقي الأركانِ المخصوصةِ،
(قولُهُ: فهي منه؛ لأَنَّه من متعلَّقِ التصديق) فيه أنَّه حيث كان من متعلَّقِ التصديق لم يكن منه بل
من متعلَّقه.
(١) "ط": كتاب الصلاة ١٦٩/١.
(٢) حيث بوَّب في "صحيحه" بقوله: ((باب: من قال: إنَّ الإِيمان هو العمل)) كتاب الإِيمان - الباب /١٨/.
(٣) "الصحاح": مادة ((صلو)).
(٤) انظر "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٢/أ.

قسم العبادات
٤٦٤
حاشية ابن عابدين
وهو الظاهرُ؛ لوجودها بدون الدعاءِ في الأمِّيِّ والأخرسِ.
(هي فرضُ عينٍ على كلِّ مكلّفٍ) بالإجماع، فُرِضَتْ في الإسراء ليلةَ السبت، سابعَ
عشر رمضانَ، قبل الهجرة بسنةٍ ونصفٍ، وكانت قبله صلاتين: قبلَ طلوع
الشمس وقبل غروبها، "شمني" ..
وأُطلِقَ الجزءُ على الكلِّ كما في "النهر"(١).
[٣١٢٠] (قولُهُ: وهو الظاهرُ) الضَّمِيرُ للَّقل المفهومِ من: (نُقِلَتْ))، وقولُهُ: ((لوجودها)) علَّةُ
الظُّهور. اهـ "ح"(٢).
وعلَّهُ في "البحر"(٣): ((بأنَّ الدُّعاء ليس مِنْ حقيقتها شرعاً، أي: بناءً على أنَّه خلافُ
القراءة))، قال في "النهر"(٤): ((وهو ممنوعٌ)).
١
قلت: فيه نظرٌ؛ لأنَّ الذي مِنْ حقيقتِها قراءةُ آيةٍ وإنْ لم تكنْ دعاءً، تأمَّلْ.
(٣١٢١] (قولُهُ: هي) أي: الصَّلاةُ الكاملةُ، وهي الخمسُ المكتوبةُ.
[٣١٢٢] (قولُهُ: على كلِّ مكلَّفٍ) أي: بعينه، ولذا سُمِّيَ فرضَ عينٍ بخلاف فرضِ الكفاية،
فإِنَّه يجبُ على جملةِ المكلّفين كفايةً، بمعنى أنَّه لو قامَ به بعضُهم كفى عن الباقين، وإلاّ أتموا كلُّهم.
ثُمَّ المكلَّفُ: هو المسلمُ البالغُ العاقلُ ولو أنثى [١/ق٢٦٨ /ب] أو عبدً.
(٣١٢٣] (قولُهُ: بالإجماع) أي: وبالكتابِ والسّنّة.
(٣١٢٤] (قولُهُ: فُرِضَتْ في الإسراء إلخ)(٥) نقَلَهُ أيضاً الشيخُ "إسماعيلُ" في "الإحكام شرحٍ
(١) "النهر": كتاب الصلاة ق٣٢/ب بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - ق٣٣/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - ٢٥٦/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة ق ٣٢/ب.
(٥) في "د" زيادة ((أقول: قال بعضهم: فَرْضُ الصلاةِ نزل بمكة قبل الهجرة، بعد اثنتي عشرة سنة من النبوة، ومن قبلُ
كانوا يسبِّحون ويُهلِّلون، وفرضُ الصومِ نزل في شعبان في السنة الثانية من الهجرة قبل ليلتين خلتا منه، بعد النبوة
بخمس عشرة سنةً فصام النبيُّ: ﴿ ثمان رمضانات، خمسةٌ منها تسعةٌ وعشرون والباقي ثلاثون يوماً، وذكر النّوَويُّ =

الجزء الثاني
٤٦٥
كتاب الصلاة
٢٣٤/١ دُرَرِ الحكام"(١)، ثم قال: ((وحاصلُ ما ذكَرَه الشيخُ "محمَّدُ البكريُّ"(٢) - نفَعَنا الله تعالى
ببر كاته - في "الروضة الزهراء": أَنَّهم اختلَفُوا في أيِّ سَنَةٍ كان الإسراءُ؟ بعد اتّفاقهم على أنَّه
كان بعد البعثة، فحَزَمَ جمعٌ بأنَّه كان قبل الهجرة بسَنَةٍ، ونقَلَ "ابنُ حَزْمِ"(٣) الإجماعَ عليه،
وقيل: بخمسٍ سنين، ثم اختلَفُوا في أيِّ الشُّهور كان؟ فحَزَمَ "ابنُ الأثير" و"النوويُّ" في
"فتاويه"(٤): ((بأَنَّه كان في ربيعِ الأَوَّلِ))، قال "النوويُّ": ((ليلةَ سبعةٍ وعشرين))، وقيل: في
ربيعِ الآخِرِ، وقيل: في رجب، وحزَمَ به "النوويُّ" في "الروضة"(٥) تبعاً لـ "الرافعيِّ"، وقيل:
في شوَّال، وجزَمَ الحافظُ "عبدُ الغنيِّ المقدسيُّ" في "سيرته"(٦): ((بأنّه ليلة السابع والعشرين
من رجب، وعليه عملُ أهل الأمصار)) اهـ.
= أنّه صام تسع سنين، وأنَّ فرضيته نزلت في شعبان سنة اثنين من الهجرة، وفي هذا الشهر فُرِضَ استقبالُ الكعبة،
وفَرْضُ الحجِّ، نزل في سنة ستٍّ من الهجرة، وأَخِرَهُن ◌َا مِنْ غير مانع، فإنّه خرج إلى مكة سنة سبعٍ بقضاء العمرة
ولم يَحُجَّ، وفَتَحَ مكّة سنة ثمانٍ، وبعث أبا بكر تَّه عنه أميراً على الحجاج سنة تسعٍ، وحجَّ النّبِيُّ:﴿ سنة عشرٍ،
وعاش بعدها ثمانين يوماً بعد حَجَّة الوداعِ﴿. خير الدين الرملي. على "البحر")).
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة ١/ق ٢٣٢/ب.
(٢) هو محمد بن مصطفى بن كمال الدين بن علي البكريّ الصدِّيقي الغزي الحنفي (١٠٩٦ هـ). ("سلك الدرر" ١٤/٤).
(٣) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد المعروف بابن حزم الظاهري الفارسيّ الأصل، ثم الأندلسيّ القرطبيّ(ت٤٥٦هـ).
("وفيات الأعيان" ٣٢٥/٣، "سير أعلام النبلاء" ١٨٤/١٨).
(٤) المسماة بـ"المسائل المنثورة" أو "عون المسائل المهمة": كتاب الصلاة - المسألة الأولى صـ٣٦-، لأبي زكريا يحيى بن
شرف، محيي الدين النووي (ت٦٧٦هـ). ("كشف الظنون" ١٢٣٠/٢، "طبقات السبكي" ٣٩٥/٨، "هدية
العارفين" ٥٢٥/٢).
(٥) "روضة الطالبين": كتاب السير ٢٠٦/١٠. اختصره الإمام النووي من كتاب "فتح العزيز" الرافعي (ت٦٢٣هـ) على
"الوجيز" للغزالي (ت ٥٠٥هـ). ("كشف الظنون" ٢٠٠٢/٢-٢٠٠٣).
(٦) أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور، تقي الدين المقدسي أو القدسي الجَمَّاعيلي الحنبلي (ت ٦٠٠هـ) له
"الدرة المضية في السيرة النبوية". ("سير أعلام النبلاء" ٤٤٣/٢١، "شذرات الذهب" ٥٦١/٦).
٠٠

قسم العبادات
٤٦٦
حاشية ابن عابدين
(وإنْ وجَبَ ضربُ ابنِ عشرِ عليها بيدٍ لا بخشبةٍ) لحديث: ((مُرُوا أولادكم بالصلاة
وهم أبناءُ سبعٍ، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشرٍ)).
[٣١٢٥] (قولُهُ: وإنْ وجَبَ إلخ) هذا مبالغةٌ على مفهومٍ قوله: ((كلِّ مكلَّفٍ))، كأنّه قال: ولا
يُفترَضُ على غيرِ المكلّفِ وإِنْ وجَبَ - أي: على الوليِّ - ضربُ ابنِ عشرٍ، وذلك لَيَتَخَلَّقَ بفعلها
ويعتادَهُ، لا لافتراضِها، أفاده "ح"(١). وظاهرُ الحديث: أنَّ الأمر لابنِ سبعٍ واجبٌ كالضرب.
والظَّاهرُ أيضاً: أنَّ الوجوب بالمعنى المصطّلَحِ عليه لا بمعنى الافتراضِ؛ لأنَّ الحديث
ظنِيٌّ، فافهم.
[٣١٢٦) (قولُهُ: بِيَدٍ) أي: ولا يجاوِزُ الثلاثَ، وكذلك المعلِّمُ ليس له أنْ يجاوزَها، قال عليه
الصلاة والسلام لـ "مرداس المعلّم": (إيّاكِ أنْ تضربَ فوق الثلاثِ، فإِنَّك إذا ضربْتَ فوق الثلاثِ
اقتصَّ الله منك)(٢). اهـ "إسماعيل"(٣) عن "أحكام الصِّغار" لـ "الأستروشنيّ(٤).
وظاهرُهُ أَنَّه لا يضربُ بالعصا في غيرِ الصلاة أيضاً.
[٣١٢٧] (قولُهُ: لا بخشبةٍ) أي: عصاً، ومقتضى قوله: ((بيدٍ)) أنْ يُرادَ بالخشبة ما هو الأَعَمُّ
منها ومن السَّوطِ، أفاده "ط " (٥).
[٣١٢٨) (قولُهُ: لحديثِ إلخ) استدلالٌ على الضَّربِ المطلَقِ، وأمَّا كونُهُ لا بخشبٍ فلأنَّ الضربَ
بها ورَدَ في جناية المكلّفِ. اهـ "ح"(٦). وتمامُ الحديث: ((وفَرِّقوا بينهم في المضاجع)، رواه "أبو
داود" و "الترمذيُّ"، ولفظُهُ: ((علِّموا الصبيَّ الصلاةَ ابنَ سبعٍ، واضرِبوه عليها ابنَ عشرٍ))، وقال:
(١) "ح": كتاب الصلاة - ق ٣٣/أ.
(٢) لم نجد هذا الحديث في المصادر الحديثية التي بين أيدينا.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - ١/ق ٢٣٤/أ.
(٤) "جامع أحكام الصغار": مسائل الصلاة ٣٦/١، لأبي الفتح محمد بن محمود بن حسين، مجد الدين الأُسْرُوْشَنِيّ وقيل:
الأُسْتْرُوشَنِيّ، (ت٦٣٢هـ). ("كشف الظنون"١٩/١، "الجواهر المضية "١٣٤/٤،٣٦٦/٣، "الفوائد البهية" صـ ٢٠٠-).
(٥) "ط": كتاب الصلاة ١٧٠/١.
(٦) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٣/أ.

الجزء الثاني
٤٦٧
كتاب الصلاة
قلت: والصومُ كالصلاة على الصحيح كما في صوم "القُهُستانيِّ"(١) معزيَّاً
لـ "الزاهديِّ"، وفي حظر "الاختيار"(٢): ((أَنَّه يُؤمَرُ بالصوم والصلاة، ويُنهَى عن
شرب الخمر ليأَلَفَ الخيرَ ويترك الشرَّ)).
(ويُكَفَرُ جاحدُها) لثبوتها بدليلٍ قطعیٍّ (وتاركُها عمداً مَجَانةً)
((حسَنٌ صحيحٌ))، وصحَّحَهُ "ابنُ خزيمة" و"الحاكمُ" و "البيهقيُّ)(٣). اهـ "إسماعيل" (٤).
والظَّاهرُ: أنَّ الوجوب بعد استكمالِ السَّبْعِ والعشرِ، بأنْ يكون في أوَّلِ الثامنةِ والحاديةَ عشرةَ
كما قالوا في مُدَّةِ الحضانة.
[٣١٢٩] (قولُهُ: قلتُ إلخ) مرادُهُ من هذين النَّقْلَين [١/ق٩ ٢٦/أ] بيانُ أنَّ الصبي ينبغي أنْ
يُؤْمَرَ بجميعِ المأمورات، ويُنْهَى عن جميعِ المنهِيَّات. اهـ "ح"(٥).
أقولُ: وقد صرَّحَ في "أحكام الصِّغار " (٦): ((بأَنَّه يُؤمَرُ بالغُسل إذا جامَعَ، وبإعادةِ ما صلاّه
بلا وضوءٍ، لا لو أفسَدَ الصومَ لمشقَّتِهِ عليه)).
[٣١٣٠] (قولُهُ: مَجَانَةً) بالتخفيف، قال في "المغرب"(٧): ((الماجِنُ: الذي لا يُالي ما صنَعَ وما
قيلَ له، ومصدرُهُ: المجون، والمجانةُ: اسمٌ منه، والفعلُ من باب طَلَبَ)) اهـ.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٧/١.
(٢) "الاختيار": فصل: ويحِلُّ للنساء لبس الحرير ١٥٩/٤.
(٣) أخرجه أحمد ٤٠٤/٣، وأبو داود (٤٩٤) كتاب الصلاة - باب متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ والترمذي (٤٠٧) كتاب
الصلاة - باب متى يؤمر الصبي بالصلاة؟ وقال: حسن صحيح، وابن خزيمة (١٠٠٢) كتاب الصلاة - باب أمر
الصبيان بالصلاة، والحاكم في "المستدرك" ٢٥٨/١ وصحَّحه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في "السنن الكبرى"
٨٣/٣، ٨٤ كتاب الصلاة - باب ما على الآباء والأمهات عن سبرة بن معبد رتُته، وإسناده حسن، وله شاهد من
حديث عبد الله بن عمروة
(٤) "الإحكام": كتاب الصلاة ١/ق ٢٣٣/ب.
(٥) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٣/أ.
(٦) "جامع أحكام الصغار": مسألةُ ((أمره بالغسل إذا جامع)) مذكورةٌ في مسائل الطهارة ٣٠/١ برقم (٥)، ومسألةٌ
((إعادة الصلوات لا الصيام)) مذكورةٌ في مسائل الصوم برقم ٥٩/١ برقم (٧٤).
(٧) "المغرب": مادة ((مجن)).

قسم العبادات
٤٦٨
حاشية ابن عابدين
أي: تكاسلاً فاسقٌ (ُيُحبَسُ حتى يصلّيَ) لأَنَّه يُحبَسُ لحقِّ العبد، فحقُّ الحقِّ أحقُّ، وقيل:
يُضْرَبُ حتى يسيلَ منه الدم، وعند "الشافعيّ": يُقْتَلُ بصلاةٍ واحدةٍ حدًّاً، وقيل: كفراً.
(ويُحكَمُ بإسلامٍ فاعلها).
[٣١٣١] (قولُهُ: أي: تكاسلاً) تفسيرٌ مُرادٌ. اهـ "ح"(١).
[٣١٣٢) (قولُهُ: فحقُّ الحقِّ أحَقُّ) لا يقال: إنَّ حقَّهُ تعالى مبنيٌّ على المسامحة؛ لأَنَّه لا تسامُحَ
في شيءٍ من أركان الإسلام. اهـ "إسماعيل"(٢).
(٣١٣٣) (قولُهُ: وقيل: يُضرَبُ)(٣) قائله الإمامُ "المحبوبيُّ"، "ح "(٤) عن "المنح"(٥). وظاهرُ
"الحلبة"(٦): ((أَنَّ المذهبُ))، فإنَّه قال: ((وقال أصحابنا في جماعةٍ منهم "الزهريُّ": لا يُقْتَلُ، بل
يُعَزَّرُ وَيُحَبَسُ حتى يموتَ أو يتوبَ)).
[٣١٣٤] (قولُهُ: وعند "الشافعيِّ" يُقْتَلُ) وكذا عند "مالكٍ" و"أحمد"، وفي روايةٍ عن "أحمد" -
وهي المختارةُ عند جمهور أصحابه - أنَّه يُقْتَلُ كفراً، وبسَطَ ذلك في "الحلبة)(٧).
[٣١٣٥] (قولُهُ: ويُحكَمُ بإسلامٍ فاعلِها إلخ) يعني: أنَّ الكافر إذا صلِّی بجماعةٍ يُحكَمُ بإسلامه
عندنا خلافاً لـ "الشافعيّ"؛ لأَنّها مخصوصةٌ بهذه الأمَّة، بخلاف الصلاةِ منفرداً لوجودها في سائرٍ
(١) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٣/أ.
(٢) "الإحكام": كتاب الصلاة ١/ق ٢٣٤/أ.
(٣) في "د" زيادة: ((قال الشرنبلالي في "إمداد الفتاح": وكذا تارك صوم رمضان كسلاً يضرب ويحبس حتى يصوم، ولا
يقتل بمجرد الترك مع الإقرار بفرضية الصلاة والصوم إلا إذا جحد افتراض الصوم والصلاة فيقتل لإنكاره ما كان
معلوماً من الدين بالضرورة أو إلا إذا استخفَّ بأحدهما كما لو أظهر الإفطار في رمضان بلا عذر تهاوناً فيكون
حكمه حكم المرتد انتهى. وفي العمادية: مَنْ قال: المكتوبة لا أصليها إن أراد بذلك رداً على الله تعالى كفر وإن
أراد حكاية لا يكفر. انتهى)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة ق٣٣/أ.
(٥) "المنح": كتاب الصلاة ١/ق ٢٧/أ.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة ١/ق ٢٠/أ.
(٧) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة ١/ق١٩/أ وما بعدها.

الجزء الثاني
٤٦٩
كتاب الصلاة
بشروطٍ أربعةٍ: أنْ يصلِّيَ في الوقت (مع جماعةٍ) مؤتَمَّاً ..
الأمم، قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ صَّى صلاَتَنا، واستقبَلَ قِبلتنا فهو مِنَّا)(١)، قالوا: المرادُ:
صلاَنَا بالجماعةِ على الهيئة المخصوصة. اهـ "درر" (٢).
وهو طرفٌ من حديثٍ طويلٍ أخرجَهُ "البخاريُّ" وغيرُهُ، إلاَّ أَنَّه قال: (فهو المُسلِمُ)،
"إسماعيل" (٣).
[٣١٣٦] (قولُهُ: بشروطٍ أربعةٍ) قَدَ الإِمامُ "الطرسوسيُّ" في "أنفعِ الوسائل"(٤) كونَ الصلاة في
مسجدٍ، وعليه فالشُّروطُ خمسةٌ، لكنْ قال في "شرح درر البحار"(٥): ((في مسجدٍ أو غيرِه)).
[٣١٣٧] (قولُهُ: في الوقتِ) لأنّها صلاةُ المؤمنين الكاملةُ.
وظاهره (٦): أَنَّه لو أدرَكَ منها ركعةً لا يكفي لعدمٍ كونها في الوقت وإنْ كانت أداءً، فهي
غيرُ كاملةٍ، فليس المرادُ من قوله: ((في الوقت)) الأداءَ بل الأخصَّ منه، فافهم.
[٣١٣٨] (قولُهُ: مؤتَمَّاً) تقييدٌ لقوله: ((مع جماعةٍ)) احترازاً عمَّا لو كان إماماً، قال "ط)(٧).
(١) أخرجه البخاري (٣٩١) و(٣٩٢) و(٣٩٣) كتاب الصلاة - باب فضل استقبال القبلة، وأبو داود (٢٦٤١) كتاب
الجهاد - باب على ما يقاتل المشركون، والترمذي (٢٦٠٨) كتاب الإيمان - باب ما جاء في قول النبيح طلّ: ((أمرت
أن أقاتل))، والنسائي ١٠٥/٨ كتاب الأيمان - باب صفة المسلم عن أنس ظلّه مرفوعاً، وفي الباب عن البراءدةضُه.
(٢) "الدرر": كتاب الصلاة ٥٠/١ بتصرف يسير.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة ١/ق ٢٣٥/أ بتصرف يسير.
(٤) "أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل": للقاضي أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد، نجم الدين - وقيل: برهان الدين-
الطَّرَسوسي الدمشقي (ت٧٥٨هـ). ("كشف الظنون" ١٨٣/١، "الدرر الكامنة" ٤٣/١، "الطبقات
السنية "٢١٣/١، "الفوائد البهية" صـ ١٠-، وفي "الجواهر المضية" ٢١٣/١ أَنَّه أحمد بن علي، وصحح التميميّ
واللكنويّ الأول).
(٥) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - الكلام على تارك الصلاة ق٢٧/أ.
(٦) في "د" زيادة: ((قوله: مع الجماعة، وفي "البزازية" عن محمد شهد الشهود على ذميِّ أنّه صلَّى بالجماعة فجعله
مسلماً فإن رجع عن الإسلام بعد ذلك ضربنا عنقه، فأمَّا إذا قالوا صلَّى وحده، فإنْ قالوا صلَّى صلاتنا واستقبل
قبلتنا فكذلك وإلاَّ لا انتهى)).
(٧) "ط": كتاب الصلاة ١٧٠/١.

قسم العبادات
٤٧٠
حاشية ابن عابدين
متمِّماً، وكذا لو أذَّنَ في الوقت،.
((لأنَّ الائتمامَ يدلُّ على اتّباعٍ سبيل المؤمنين بخلاف ما لو كان إماماً، فإنَّه يُحتمَلُ نَيَّةُ الانفراد، فلا
جماعةَ)) اهـ.
أقولُ: الاحتمالُ المذكورُ موجودٌ في المؤتمِّ أيضاً، فالأولى أنْ يقال: الإِمامُ متبوعٌ غيرُ تابعٍ،
والمؤتمُّ تابعٌ لإمامه ملتزِمٌ [١/ق٢٦٩/ب] لأحكامه، وما قَّدَ به "الشارح" مأخوذٌ من النظم
الآتي (١) تبعاً لـ "المجمع" و"درر البحار"(٢)، وصرَّحَ بمفهومه في "عقد الفرائد"(٣) فقال: ((صلَّى
إماماً لا يُحكَمُ بإسلامه))، نقَلَه الشيخُ "إسماعيل(٤).
[٣١٣٩] (قولُهُ: مَتَمِّماً) فلو صلَّى خلفَ إمامٍ، وكبَّرَ ثم أفسَدَ لم يكنْ إسلاماً، "شرح
الوهبائيّة"(٥) عن "المنتقى".
مطلبٌ فيما يصيرُ الكافرُ به مسلماً من الأفعال
[٣١٤٠] (قولُهُ: وكذا لو أذَّنَ في الوقت) لَمَّا ذكَرَ مسألةَ الصلاة أرادَ تتميمَ الأفعال التي يصيرُ
بها الكافرُ مسلماً، فذكَرَ أنَّ منها الأذانَ في الوقت؛ لأَنَّه من خصائصِ ديننا وشِعَارِ شرعنا، ولذا
٢٣٥/١ قَيَّدَه في "المنح"(٦) تبعاً لـ "البحر "(٧) بكونِ الأذان في المسجد، فليس الحكمُ عليه بالإِسلام لإتیانِهِ
بالشهادتين في ضمنِ الأذان ليكونَ من الإِسلام بالقول؛ لأَنَّه لا فرقَ حينئذٍ بين أنْ يكونَ في الوقت
أو خارجَه، بل هو من الإسلام بالفعل، ولذا صرَّحَ "ابن الشِّحنة (٨): ((بأنَّه يُحكَمُ بإسلامه بالأذان
(١) ص ٤٧٤- وما بعدها "در".
(٢) انظر "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - الكلام على تارك الصلاة ق ٢٧/أ
(٣) كذا في النسخ جميعها، وفي "الإحكام": ((عقد القلائد)) وهو شرح ابن وهبان على "منظومته"، المسمّى "عقد
القلائد في حلِّ قيد الشّرائد". وتقدمت ترجمته ٥١٦/١.
(٤) "الإحكام": كتاب الصلاة ١/ق ٢٣٤/ب.
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق ١٣٧/ب.
(٦) "المنح": كتاب الصلاة ١/ق٢٧/أ.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٠/١.
(٨) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق١٣٦/ب.

الجزء الثاني
٤٧١
كتاب الصلاة
في الوقت وإنْ كان عيسويًّا(١) يخصِّصُ رسالةَ نبِّنا﴿ّ إلى العرب؛ لأنَّ ما يصيرُ به الكافرُ مسلماً
قسمان: قولٌ وفعلٌ.
فالقولُ مثلُ كلمتيِ الشَّهادتين، فصَّلَ فيه أتمَّتُنا لكونه محلَّ اشتباهٍ واحتمالٍ بين العِيسويِّ
وغيره، فقالوا: لا بدَّ مع الشَّهادتين في العِيسويِّ من أنْ يتبرَّأ من دينه؛ لأَنَّه يعتقدُ أَنَّه ◌ُّ رسولُ الله
ء
إلى العرب، فُيُحْتمَلُ أَنَّه أرادَ ذلك بخلاف غيره، فلا يحتاجُ إلى التبرِّي.
وأمَّا الفعلُ فكلامُهُم يدلُّ على أَنَّه لا فرقَ فيه بين العِيسويِّ وغيره كما حقَّقَهُ الإِمامُ
"الطرسوسيُّ" أيضاً خلافاً لِما فهِمَه "ابنُ وهبان"))(٢)، ثمَّ قال "ابنُ الشحنة"(٣) أيضاً: ((وأمَّا الأذانُ
خارجَ الوقت فلا يكونُ إسلاماً من العِيسويِّ؛ لأَنَّه يكون من الأقوال، فلا بدَّ فيه حينئذٍ من التبرِّي
من دینہ)) اهـ.
قلت: وكذا لا يكونُ إسلاماً من غيرِ العِيسويِّ أيضاً لِما نقَلَه قبله(٤) عن "الغاية" وغيرها:
((من أنَّ الكافر لو أذَّنَ في غيرِ الوقت لا يصيرُ به مسلماً؛ لأَنَّه يكون مستهزئاً)).
فتحصَّلَ من هذا أنَّ الأذانَ في الوقت من الإِسلام بالفعل، فلا فرقَ فيه بين كافرٍ و كافرٍ،
والأذانَ خارجَه من الإِسلام بالقول، لكنّه لَمَّ احَتَمَلَ الاستهزاءَ لم يصِرْ به الكافرُ مسلماً، مع أنه
لو كان عِيسوّاً يزيدُ أَنَّهِ فُقِدَ شرطُهُ، وهو التبرِّي، فافهمْ واغتِمْ هذا التّحريرَ.
(قولُهُ: وإنْ كان عِيْسويًّاً) منسوبٌ إلى عيسى الأصفهانيِّ اليهوديِّ.
(١) العيسوية: طائفة من اليهود، نسبوا إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب اليهودي الأصبهاني، وهم من بُهْت اليهود،
يقولون بخصوصية رسالة نبينا ◌ّ إلى العرب فقط، ويلزمهم على ذلك الإيمان به، لموافقتهم على عصمته. اهـ من
"تفصيل عقد الفرائد" ق١٣٦/أ. وانظر ("الفصل في المِلَل والأهواء والنّحَل" لابن حزم ١٧٩/١).
(٢) "الوهبانية": فصل من كتاب السير صـ٣٨ -.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق١٣٦/ب بتصرف.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": ق ١٣٦/أ نقلاً عن ابن وهبان.

قسم العبادات
٤٧٢
حاشية ابن عابدين
أو سجَدَ للتلاوة، أو زَكَّى السائمةَ صار مسلماً، لا لو صلَّى في غير الوقت، أو منفردً،
بقيَ: هل يشترطُ في الأذان في الوقت المداومةُ، أم يكفي مرَّةً؟ يأتي(١) الكلامُ فيه.
[٣١٤١] (قولُهُ: أو سجَدَ للّلاوة) أي: عند سماعٍ آيةٍ سجدةٍ، "بزَّازِيَّة"(٢). [١/ق ٢٧٠/أ]
أي: لأَنَّها من خصائصِنا، فإنّه سبحانه وتعالى أخبَرَ عن الكفّار بأنّهم إذا قُرِئ عليهم القرآنُ لا
يسجدون.
[٣١٤٢] (قولُهُ: أو زكَّى السَّائمةَ) قَيَّدَهُ "الطرسوسيُّ" في "نظم الفوائد"(٣) بزكاةِ الإبل،
واعترضَهُ "ابن وهبان"(٤): ((بأَنَّه لا خُصوصيَّةَ لذلك، وبأَنَّه قال في "الخانيَّة "(٥): وإنْ صامَ الكافرُ،
أو حجَّ، أو أدَّى الزَّكاةَ لا يحكمُ بإسلامه في ظاهر الرواية)) اهـ. وأقرَّه "ابنُ الشِّحنة"(٦) وصاحبُ
"النهر"(٧).
فَعُلِمَ أنَّ ما ذكره "الشارحُ" خلافُ ظاهرِ الرواية أيضاً.
(٣١٤٣] (قولُهُ: لا لو صلَّى إلخ) محترزُ القيودِ السَّابقة في الصَّلاة على طريقِ اللَّفِّ والنَّشرِ
المرتّب.
[٣١٤٤] (قولُهُ: أو منفرداً) لأنّه لا يختصُّ بشريعتنا، "ابن الشِّحنة(٨) عن "المنتقى". وفي
"الذخيرة": ((أنَّ هذا قولُ "أبي حنيفة"، ومِنْ مشايخنا مَنْ نَفَى الخلافَ بحملٍ قوله على ما إذا صلَّى
وحدَه بلا أذان ولا إقامةٍ، فلا يُحكَمُ بإسلامه اتّفاقاً، وحملٍ قولهما على ما إذا صلَّى وحدَه وأتى
بهما، فُيُحكَمُ بإسلامه اتّفاقاً؛ لأَنَّه مختصٌّ بشريعتنا)) اهـ.
(١) المقولة [٣١٥٠] قوله: ((معلناً)).
(٢) "البزازية": كتاب الصلاة - فصل في التلاوة ٦٧/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) هو "الفوائد المنظومة": للقاضي أبي إسحاق الطَّرَسُوْسي (ت٧٥٨هـ). وتقدمت ترجمته صـ٤٦٩ -.
(٤) نقله عنه ابن الشحنة في "تفصيل عقد الفرائد": ق١٣٧/أ.
(٥) "الخانية": كتاب السير - باب ما يكون إسلاماً من الكافر وما لا يكون ٥٧٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق ١٣٧/أ.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٧٣/ب.
(٨) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق ١٣٨/أ.

الجزء الثاني
٤٧٣
كتاب الصلاة
أو إماماً، أو أفسَدَها، أو فعَلَ بقيَّة العبادات؛ لأنَّها لا تختصُّ بشريعتنا، ..
قلت: لكنْ في هذا التوفيقِ نظرٌ لِما نقَلَه "ابنُ الشِّحنة"(١) عن صاحب "الكافي"(٢): ((من أنّه
لا بدَّ من وجودِ العبادة على أكملِ الوجوهِ ليظهرَ الاختصاصُ بهذه الشريعة)) اهـ. ومعلومٌ أنَّ
الانفراد نقصانٌ.
[٣١٤٥] (قولُهُ: أو إماماً) قدَّمنا(٣) وجهَهُ.
[٣١٤٦] (قولُهُ: أو فعَلَ بقيَّةَ العباداتِ) قال في "البحر "(٤) في باب التيمُّم: ((الأَصلُ أنَّ الكافر
متى فعَلَ عبادةٌ فإنْ كانت موجودةً في سائر الأديان لا يكونُ به مسلماً كالصلاة منفرداً والصَّومِ
والحجِّ الذي ليس بكاملٍ والصَّدقةِ، ومتى فعَلَ ما اختَصَّ بشرعنا فلو مِنَ الوسائل كالتيمُّمِ فكذلك،
وإِنْ مِنَ المقاصد أو من الشَّعائرِ كالصلاة بجماعةٍ والحجِّ الكاملِ والأذانِ في المسجد وقراءةِ القرآن
يكونُ به مسلماً، إليه أشارَ في "المحيط" وغيره)) اهـ.
أقولُ: ذكَرَ في "الخانَيَّةُ "(٥): ((أَنّ بالحجِّ لا يُحكَمُ بإسلامه في ظاهرِ الرواية)) كما مرَّ(٦)، ثمَّ
ذكَرَ: ((أَنَّه رُوي أَنَّه إنْ حجَّ على الوجهِ الذي يفعلُهُ المسلمون يكونُ مسلماً، وإنْ لَّى ولم يشهدِ
المناسكَ، أو شهِدَ المناسكَ ولم يُلَبِّ لم يكنْ مسلماً)) اهـ.
فَعُلِمَ أنَّ هذه الرِّوايةَ غيرُ ظاهر الرِّواية، وأشارَ في "الوهبائَّة(٧) إلى ضعفها، وإليه يشيرُ
إطلاقُ النظم الآتي(٨)، وكأنَّ وجهه أنَّ الحجَّ موجودٌ في غير شريعتنا، حتى إنَّ الجاهلية كانوا
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق١٣٨/أ - ب نقلاً عن الكاساني في كتابه الذي صنفه في ألفاظ
الكفر لا نقلاً عن صاحب "الكافي".
(٢) لم نعثر على النقل في "كافي النسفي".
(٣) المقولة [٣١٣٨] قوله: ((مؤتماً)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٦٠/١.
(٥) "الخانية": كتاب السير - باب ما يكون إسلاماً من الكافر وما لا يكون ٥٧٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٣١٤٢] قوله: ((أو زكى السائمة)).
(٧) "الوهبانية": فصل من كتاب السير صـ٣٨ -.
(٨) ص ٤٧٤- وما بعدها "در".

قسم العبادات
٤٧٤
حاشية ابن عابدين
ونظَمَها صاحبُ "النهر" فقال:
متمِّماً صلاتَهُ لا مُفسِدا
وكافرٌ في الوقتِ صلَّى باقتِدا
أو أَذِّنَ ايضاً ..
...
..
يحجُّون، لكنْ قد [١/ق٢٧٠ /ب] يقالُ: إنَّ الحجَّ على هذه الكيفيَّةِ الخاصَّةِ لم يوجدْ في غير
شريعتنا، فصار مثلَ الصلاة إذا وُجدَتْ فيها الشروطُ الأربعةُ السابقةُ؛ لأَنَّها من خواصِّ شريعتنا
على وجهِ الكمال، فكذا الحجُّ الكاملُ (١)، وإلاَّ فما الفرقُ بينهما؟!
والظاهرُ أَنَّه لا تنافِيَ بين ظاهرِ الرواية وبين الرواية الثانية إذا جُعِلَتِ الثانيةُ مفسِّرةً لبيان المراد
من ظاهرِ الرواية، وهو الحجُّالغيرُ الكاملِ، فتأمَّلْ. وفي "فتاوى الشيخ قاسم" عن "خلاصة النوازل"
لـ "أبي الليث"(٢) قال: ((وكذا لو رآهُ يتعلَّمُ القرآن أو يقرؤُهُ لم يكنْ بذلك مسلماً)) اهـ.
قلت: وهذا أظهرُ ثَمّا ذكَرَهُ في "البحر"(٣) لِما قالوا: لا يُمنَعُ الكافرُ من تعلُّمِ القرآنِ لعلَّه
یهتدي، فافهم.
[٣١٤٧] (قولُهُ: ونظَمَها صاحبُ "النهر " (٤) إلخ) أي: قُبيلَ باب قضاء الفوائت.
[٣١٤٨] (قولُهُ: صلَّى باقتدا) أي: يجماعةٍ مقتدياً.
[٣١٤٩] (قولُهُ: أو أذَّنَ ايضاً) بإسقاطِ همزةِ ((أيضاً)) للضَّرورة، "ح"(٥).
ثُمَّ إِنَّ الذي رأيتُهُ في "النهر" غيرُ هذا البيت، ونصُّهُ:
أو قد سَجَدْ عندَ سماعٍ ما أتى
أو بالأذانِ مُعِلِناً فِيهِ أتى
اهـ.
(١) ((فكذا الحج الكامل)) ساقط من "آ".
(٢) لم نعثر على ترجمة لـ "خلاصة النوازل" منسوبة لأبي الليث السمرقنديّ أو لغيره فيما بين أيدينا من المصادر، لكن لأبي الليث
كتاب "النوازل"، وله "النوادر" اختصره أبو سعد مطهر بن الحسن - وقيل: الحسين - اليزديّ(ت ٥٩١هـ) وسماه "الخلاصة"
فليتأمل. (كشف الظنون" ٧٢٠/١، ١٩٨٠/٢ - ١٩٨١، "الجواهر المضية" ٤٨٥/٣، "الفوائد البهية" صـ٢٢٠،٢١٥-).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٠/١ .
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق ٧٣/ب.
(٥) "ح": كتاب الصلاة ق٣٣/ب.

٠٠.
الجزء الثاني
٤٧٥
كتاب الصلاة
مُعِلِناً أو زكَّى
سَوَائماً.
ومعنى ((أتى)) الثاني: ورَدَ عن الله تعالى، وهذا البيتُ أحسنُ لِما فيه من اشتراطِ كون
٢٣٦/١ الأذان في الوقت؛ لأنَّ ضميرَ ((فيه)) عائدٌ على الوقتِ المذكور في البيت الأوَّلِ، ومن أنَّ المراد
سجودُ التلاوة، ومن إسقاطِ مسألة الزَّكاة لِما علمتَ من أنَّها خلافُ ظاهرِ الرواية، وأنَّ صاحب
"النهر"(١) اعترَضَ على "الطرسوسيّ" في ذكرها، وقال: ((لم أرَها لغيره، بل المذكورُ في
"الخانَّة"(٢): أَنَّه لا يُحكَمُ بإسلامه بالزكاة في ظاهرِ الرواية)).
[٣١٥٠) (قولُهُ: مُعلِناً) المرادُ به أنْ يسمعَهُ مَنْ تصحُّ شهادتُه عليه بالإِسلام، لا أنْ يؤذِّنَ على
صومعةٍ أو سطحٍ يسمعُهُ خلقٌ كثيرٌ، ولذا لو كان في السَّر صحَّ كما في سِيَرِ "البِزَّازِيَّة"(٣)، حيث
قال: ((وإنْ شهدوا على الذِّمي أَنَّه كان يؤذِّنُ ويقيمُ كان مسلماً، سواءٌ كان في السَّفْر أو الحضَرِ،
وإنْ قالوا: سمعناه يؤذِّنُ في المسجد فلا حتى يقولوا: هو مؤذّدٌ؛ لأَنَّه يكون ذلك عادةً له، فيكونُ
مسلماً)) اهـ. وعزاه في "شرح الوهبانيَّةُ"(٤) إلى "محمَّدٍ".
ثُمَّ ظاهرُ هذا يفيدُ أَنَّه لا بدَّ أنْ يكون عادةً له، لكنْ قال في أذان "البحر"(٥): ((ينبغي أنْ
يكون ذلك في العِيسويَّةِ، أمَّا غيرُهم فينبغي أنْ يكون (٦) مسلماً بنفسِ الأذان)) اهـ.
قلت: لكنْ قد علمتَ أنَّ الإِسلام بالأفعال لا فرقَ فيه بين كافرٍ وكافٍ خلافاً لِما فهمَهُ
"ابنُ وهبان"(٧)، فإمَّا أنْ يُجعَلَ ذلك تقييداً لكونِ الأذان في الوقت إسلاماً، أو يكونَ [١/ق ٢٧١/أ]
ذلك روايةَ "محمَّدٍ" فقط، تأمَّلْ وراجِعْ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق٧٣/ب.
(٢) "الخانية": كتاب السير - باب ما يكون إسلاماً من الكافر وما لا يكون ٥٧٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البزازية": فصل في المرتد وما يصير الكافر به مسلماً ٣١٤/٦ بتصرف يسير.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق١٣٦/ب نقلاً عن ابن وهبان معزياً إلى "التتمة".
(٥) "البحر": كتاب الصلاة ٢٧٩/١ باختصار.
(٦) من ((عادة)) إلى ((فينبغي أن يكون)) ساقط من "الأصل".
(٧) "الوهبانية": فصل من كتاب السير صـ٣٨ -.

قسم العبادات
٤٧٦
حاشية ابن عابدين
فمسلمٌ لا بالصلاةِ مُنفردْ
. كأنْ سَجَدْ تزكَّى
.. ..
ولا الزكاةِ والصيامِ الحجَّ زِدْ
[٣١٥١] (قولُهُ: كأنْ سَجَدْ) بسكون الدَّال للضَّرورة أو للوصلِ بنَّةِ الوقف، وأنْ مصدريَّةٌ،
أي: كسجوده، والمرادُ سجودُ التلاوة، "ح"(١).
[٣١٥٢) (قولُهُ: تَزَكَّى) تكملةٌ للوزن، وهو حالٌ من ضميرِ ((سَجَدْ))، أي: كسجوده
للتلاوة حال كونه متطهِّراً عن أرجاسِ الكفر، "ح(٢).
(٣١٥٣] (قولُهُ: فمسلمٌ) خبرُ ((كافرٌ))، "ح"(٣). وزيدتِ الفاءُ لوقوع المبتدأ نكرةً موصوفةً
بفعلٍ أُريدَ بها العمومُ؛ لأنَّ المراد أيُّ كافرٍ كان عِيسوياً أو غيرَه كما قدَّمنا (٤) تقريرَه، وهذا من
المواضع التي يجوزُ فيها زيادةُ الغاء في الخبر كقولك: رجُلٌ يسألُني فله درهمٌ، فافهم.
[٣١٥٤] (قولُهُ: منفرِدْ) بالسكون على لغة ربيعةً، "ح"(٥). وسكَتَ عن بقيَّةِ محترزات قيودِ
الصلاة.
[٣١٥٥] (قولُهُ: والزكاةٍ) (٦) أي: زكاةٍ غيرِ السَّوائم، وعلى إنشادِ البيت الثاني على الوجهِ
الذي نقلناه(٧) عن "النهر" فالمرادُ بالزكاة جميعُ أنواعها كما هو مقتضى إطلاقٍ "الخانَيَّة"(٨) عن
ظاهر الرِّواية.
[٣١٥٦] (قولُهُ: الحجَّ) بالنصب مفعولٌ مقدَّمٌ لقوله: ((زِدْ))، وتقدَّمَ(٩) بيانُهُ.
(١) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٣/ب.
(٢) "ح": كتاب الصلاة ق٣٣/ب.
(٣) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٣/ب.
(٤) المقولة [٣١٤٠] قوله: ((وكذا لو أذِّن في الوقت)).
(٥) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٣/ب.
(٦) قوله: ((والزكاة)) هكذا بخطه، والذي في نسخ الشارح:((ولا الزكاة)). اهـ مصححه.
(٧) المقولة [٣١٤٩] قوله: ((أو أذن ايضاً)).
(٨) "الخانية": كتاب السير - باب ما يكون إسلاماً من الكافر وما لا يكون ٥٧٠/٣. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) المقولة [٣١٤٦] قوله: ((أو فعل بقية العبادات)).

الجزء الثاني
٤٧٧
كتاب الصلاة
(وهي عبادةٌ بدنيّةٌ محضةٌ، فلا نيابةَ فيها أصلاً) أي: لا بالنَّفْس كما صحَّتْ في
الحجِّ، ولا بالمالِ كما صحَّتْ في الصوم بالفدية للفاني؛ لأنّها إنما تجوزُ بإذنِ الشرع
ولم يوجد.
[٣١٥٧) (قولُهُ: بدنيَّةٌ محضةٌ) أي: بخلاف الزكاة، فإِنَّها ماليّةٌ محضةٌ، وبخلاف الحجِّ، فإنَّه
مركَّبٌ منهما لِما فيه من العمل بالبدن وإنفاق المال.
[٣١٥٨] (قولُهُ: فلا نيابةَ فيها أصلاً) لأنَّ المقصود من العبادة البدنَّةِ إتعابُ البدن وقهرُ النفس
الأمّارةِ بالسُّوء، ولا يحصُلُ بفعل النائب بخلاف الماليّة، فتحري فيها النيابةُ مطلقاً، أي: حالةَ
الاختيار والاضطرار لحصول المقصود من إغناءِ الفقير وتنقيصِ المال بفعل النائب، وبخلاف المركَبةِ،
فتجري فيها النيابةُ حالةَ العجز نظراً إلى معنى المشقَّةِ بتنقيصِ المال لا حالةَ الاختيار نظراً إلى إتعابِ
البدن كما قرَّروه في باب الحجّ عن الغير.
[٣١٥٩] (قولُهُ: أي: لا بالنَّفس إلخ) بيانٌ لتعميم النفيِ المستفادِ من قوله: ((أصلاً)).
[٣١٦٠) (قولُهُ: في الحجِّ) متعلّقٌ بقوله: ((صحَّتْ))، وكذا قولُهُ: ((في الصوم)).
[٣١٦١) (قولُهُ: بالفديةِ) متعلّقٌ بالضمير المستترِ في ((صحَّتْ)) لرجوعِهِ إلى النيابة التي هي
مصدرٌ، أي: كما صحَّتِ النيابةُ بالفدية، ويدلُّ عليه تعلُّقُ قوله: ((بالنفس)) بقوله: ((نيابةَ))
المذكورِ في المتن.
واعلمْ أنَّ صحَّة الفدية في الصوم للفاني مشروطةٌ باستمرارِ عجْزِه إلى الموت، فلو قدَرَ قبله
قضى كما سيأتي في كتاب الصوم. اهـ "ح" (١).
[٣١٦٢] (قولُهُ: لأَنَّها) أي: الفديةَ، وقولُهُ: ((ولم يوجدْ)) أي: إذنُ الشَّرع بالفدية في الصلاة،
"ح"(٢). وهذا [١/ق ٢٧١ /ب] تعليلٌ لعدم جَرَيانِ النيابة في الصلاة بالمال، وفيه إشارةٌ إلى الفرق
بين الصلاة والصوم، فإنَّ كلاً منهما عبادةٌ بدنيّةٌ محضةٌ، وقد صحَّتِ النيابةُ في الصوم بالفدية للشيخ
الفاني دون الصلاة.
(١) "ح": كتاب الصلاة ق ٣٣/ب.
(٢) "ح": كتاب الصلاة ق٣٣/ب.

قسم العبادات
٤٧٨
حاشية ابن عابدين
(سببُها) ترادُفُ النّعَم، ثم الخطابُ، ثم الوقت، ..
ووجهُ الفرق: أنَّ الفدية في الصوم إنما أثبتناها على خلاف القياس اتّباعاً للنص، ولذا سمَّاها
الأصولُون قضاءً يمثلٍ غيرِ معقولٍ؛ لأنَّ المعقول قضاءُ الشيء بمثله، ولم نُثبّتْها في الصلاة لعدم النصِّ.
فإنْ قلتَ: قد أوجبتم الفديةَ في الصلاة عند الإيصاء بها من العاجز عنها، فقد أجريتُم فيها
النيابةَ بالمال مع عدمِ النصرِّ، ولا يمكنُ أنْ يكون ذلك بالقياس على الصوم؛ لأنَّ ما خالَفَ القياسَ
فعليه غیرُهُ لا یقاس.
قلتُ: ثبوتُ الفدية في الصوم يحتملُ أنْ يكون معلَّلاً بالعجز، وأنْ لا يكون، فباعتبار تعليله
به يصحُّ قياسُ الصلاة عليه لوجود العلَّةِ فيهما، وباعتبارِ عدمه لا يصحُّ، فلمَّا حصَلَ الشكُّ في العلّة
قلنا بوجوب الفدية في الصلاة احتياطاً؛ لأنّها إنْ لم تُجزِهِ تكونُ حسنةً ماحيةً لسيّئةٍ، فالقولُ
بالوجوب أحوطُ، ولذا قال "محمَّدٌ": ((تُجزِيه إنْ شاء الله تعالى))، ولو كان بطريقِ القياس لَما
علَّقَه بالمشيئة كما في سائرِ الأحكام الثابتة بالقياس، هذا خلاصةً ما أوضحناه في "حواشينا" على
"شرح المنار"(١) لـ "الشارح".
[٣١٦٣] (قولُهُ: سبُها ترادُفُ النّعَمِ إلخ) يعني: أنَّ سبب الصلاة الحقيقيَّ هو ترادُفُ النعم
على العبد؛ لأنَّ شكر المنعِمِ واجبٌ شرعاً وعقلاً، ولَمَّا كانت النعمُ واقعةً في الوقت جُعِلَ الوقتُ
٢٣٧/١ سبباً يجعل الله تعالى وخطابهِ حيث جعَلَهُ سبباً للوجوب كقوله تعالى: ﴿أَقِ
الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء-٧٨]، فكان الوقتُ هو السببَ المتأخَّرَ، وتمامُ تحقيقِ هذه المسألةِ
في المطوَّلات الأصوليّة(٢).
(١) "حاشية نسمات الأسحار": مبحث: القضاء أنواع صـ٢٩ - ٣٠.
(٢) في "د" زيادة: ((قال في "البحر": وسببها أوقاتها عند الفقهاء، وعند الأصوليين هي علامة وليست بأسباب.
والفرق بينهما أنَّ السبب هو المفضي إلى الحكم بلا تأثير ، والعلامة هي الدال على الحكم من غير توقف ولا إفضاء
ولا تأثير فهو علامة على الوجوب، والعلة في الحقيقة: النعم المترادفة في الوقت ، وهي شرطُ صحة متعلّقةٌ
بالضرورة كما يفيده كونه ظرفاً، والله أعلم)).