النص المفهرس

صفحات 441-460

الجزء الثاني
٤٣٩
فصل في الاستنجاء
وثَقْبٍ) زادَ "العينيُّ": ((وفي موضعٍ يعبُرُ عليه أحدٌ، أو يُقعَدُ عليه، وبَجَنْبِ طريقٍ أو
قافلةٍ أو خيمةٍ، وفي أسفلِ الأرض إلى أعلاها والتكلُّمُ عليهما))
(٣٠٦١] (قولُهُ: وَتَقْبٍ ) الخَرقُ النافذُ، "قاموس"(١). وهو بالفتح واحدُ التَّقوب، وبالضمِّ جمعُ
نُقْبة كالثّقَبِ بفتح القاف. اهـ "مختار "(٢).
ثمَّ هذا يُغني عنه ما قبله، وهذا في غيرِ المعَدِّ لذلك كبالُوعةٍ فيما يظهرُ.
(٣٠٦٢] (قولُهُ: زادَ "العينيُّ) (٣) إلخ) أقولُ: ينبغي أنْ يُزادَ أيضاً البولُ على ما مُنِعَ من
الاستنجاء به لاحترامه كالعظم ونحوه كما صرَّحَ به الشافعيّةُ.
[٣٠٦٣] (قولُهُ: يعبرُ عليه أحدٌ) هذا أعمُّ من طريقِ الناس.
[٣٠٦٤] (قولُهُ: وبحنْبِ طريقٍ أو قافلةٍ) قَّدَ ذلك في "الغزنويَّة" بقوله: ((والهواءُ يُهُبُّ من
صَوْبِه إليها))، قال في "الضياء": ((أي: إلى الطريقِ أو القافلةِ، والواوُ للحال)) اهـ.
[٣٠٦٥] (قولُهُ: وفي أسفلِ الأرضِ إلخ) أي: بأنْ يقعُدَ في أسفلِها، ويبولَ إلى أعلاها، فيعودَ
الرَّشاشُ عليه.
[٣٠٦٦] (قولُهُ: والتكلُّمُ عليهما) أي: على البولِ والغائط، قال ◌َ﴿هُ: (لا يخرجِ الرَّجُلان
يضربان الغائطَ كاشِفَين عن عورتهما يتحدَّثَان، فإنَّ الله تعالى يمقُتُ على ذلك))، رواه "أبو داود"
و "الحاكم"(٤)، وصحَّحَهُ.
(قولُهُ: ثمَّ هذا يُغني عنه ما قبلَهُ) يظهرُ أنَّه لا إغناءَ؛ لأنّه في الثُّقبِ المطلق، وما قبله في المضاف إلى
الفأرة ونحوها، ولا يلزمُ من الكراهة في الأوَّلِ الكراهةُ في الثاني.
(قولُهُ: فَّدَ ذلك في "الغزنويَّة" بقوله: والهواءُ يُهُبُّ إلخ) مقتضى تعليلِ "السنديِّ" عدمُ التقييد،
ونصُّهُ: ((خشيةَ تلوُّثِ بعض المارَّة ومَن في الخيمة ولو برائحةِ النجاسة)).
(١) "القاموس": مادة ((ثقب)).
(٢) "مختار الصحاح": مادة ((ثقب)).
(٣) لم نعثر على النقل في "البناية" و"شرح الكنز".
(٤) أخرجه أحمد ٣٦/٣، وأبو داود (١٥) كتاب الطهارة - باب كراهية الكلام عند الحاجة، وإسناده ضعيف، والحاكم =

قسم العبادات
٤٤٠
حاشية ابن عابدين
(وأنْ يبولَ قائماً.
ويضربان الغائطَ أي: يأتيانِهِ، والمقتُ ــ وهو البغضُ - وإنْ كان على المجموعِ - أي: مجموعٍ
كشفِ العورة والتحدُّثِ - فبعضُ مُوجباتِ المقتِ مكروهٌ، "إمداد"(١).
(تنبيةٌ)
عبارةُ "الغزنويَّة": ((ولا يتكلّمُ فيه، أي: في الخلاء))، وفي "الضياء" عن "بستان أبي
اللَّيث"(٢): ((يكرهُ الكلامُ في الخلاء)).
وظاهرُهُ أَنَّه لا يختصُّ بحالٍ قضاء الحاجة، وذكَرَ بعضُ الشافعيّةِ أَنَّه المعتمدُ عندهم، وزاد في
"الإمداد"(٣): ((ولا يتنحنحُ، أي: إلاَّ بعذرِ كما إذا خافَ دخول أحدٍ عليه)) اهـ. ومثلُهُ بالأَولى ما
لو خشِيَ وقوعَ محذورٍ بغيره، ولو توضَّأ في الخلاء لعذرِ هل يأتي [١/ق ٢٦٢/ب] بالبسملة
ونحوِها من أدعيتِهِ مُراعاةً لسُنَّةِ الوضوء، أو يتركُها مراعاةً للمحلِّ؟ والذي يظهرُ الثاني لتصريحهم
بتقديمِ النهى على الأمر، تأمَّلْ.
[٣٠٦٧] (قولُهُ: وأنْ يبولَ قائماً) لِما ورَدَ من النهي عنه(٤)، ولقول "عائشة" رضي الله عنها:
((مَنْ حدَّثَّكم أنَّ النبيِنَّ كان يبولُ قائماً فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلاَّ قاعداً)، رواه "أحمدُ "
= ١٥٧/١ كتاب الطهارة - وصحَّحه، ووافقه الذهبي. وابن ماجه (٣٤٢) كتاب الطهارة وسننها - باب النهي عن
الاجتماع على الخلاء والحديث عنده، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٠٠/١ كتاب الطهارة - باب كراهية الكلام
عند الخلاء ، وابن خزيمة في "صحيحه" (٧١) كتاب الطهارة - باب النهي عن المحادثة على الغائط، كلُّهم من
حديث أبي سعيد الخدري ◌َّه مرفوعاً.
(١) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٢٢/أ.
(٢) "بستان العارفين": الباب الحادي والخمسون في آداب الوضوء والصلاة صـ٣٢- (ذيل "تنبيه الغافلين").
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٢٢/ب.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٣٠٨) كتاب الطهارة - باب في البول قاعداً، وابن حبان (١٤٢٣) كتاب الطهارة - باب الاستطابة،
والحاكم في "المستدرك" ١٨٥/١ كتاب الطهارة، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٠٢/١ من طريق ابن جريج عن
عبد الكريم بن أبي أمية عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، بلفظ: ((لا تبل قائماً)) فإسناد هذا الحديث ضعيفٌ
لتدليس ابن جريج، وعبدُ الكريم متفقٌ على تضعيفه، وفي الباب عن جابر بن عبد الله بنُته.

الجزء الثاني
٤٤١
فصل في الاستنجاء
أو مضطجعاً أو مجرَّدًاً من ثوبه بلا عذرٍ، أو) يبولَ (في موضعٍ يتوضَّأُ) هو (أو
يغتسلُ فيه).
و "الترمذيُّ" و "النسائيُّ)(١)، وإسنادُهُ جيدٌ، قال "النوويُّ" في "شرح مسلمٍ"(٢): ((وقد رُوِيَ في
النهي أحاديثُ لا تثبُتُ، ولكنَّ حديث "عائشةَ" ثابتٌ، فلذا قال العلماء: يكرهُ إلَّ لعذرٍ، وهي
كراهةُ تنزيهِ لا تحريمٍ، وأمَّا بولُهُ*°﴿ فِي السُّباطة التي بِقُرْبِ الدُّور فقد ذكَرَ "عياضِ)(٣): أَنَّه لعَلَّه
طالَ عليه مجلسٌ حتى حقَزَه البولُ، فلم يمكنْهُ التباعدُ)) اهـ.
أو لِمَا رُوِيَّ أَنَّه ◌َ﴿ّ: ((بالَ قائماً لخُرحٍ بِمَأْبِضِهِ - بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الميمِ وباءٍ موحَّدةٍ، وهو
باطنُ الرُّكبة - أو لوجَعٍ كان بصُلْبِهِ)(٤)، والعربُ كانتْ تستشفي به، أو لكونه لم يجدْ مكاناً
٢٢٩/١ للقعود، أو فعَلَهُ بياناً للجواز، وتمامُهُ في "الضياء".
[٣٠٦٨] (قولُهُ: أو مضطجعاً أو محرَّداً) لأَنّهما من عملِ اليهود والنَّصارى، "غزنويَّةً".
[٣٠٦٩) (قولُهُ: بلا عذرٍ) يرجعُ إلى جميعِ ما قبله، "ط " (٥).
[٣٠٧٠] (قولُهُ: ويتوضَّأَ هو) قدَّرَ ((هو)) ليوافقَ الحديثَ، ويُثبتَ حكمَ غيره بطريق الدلالة،
أفاده "ح"(٦).
(١) أخرجه أحمد ١٩٢/٦-٢١٣، والترمذي (١٢) كتاب أبواب الطهارة - باب ما جاء في النهي عن البول قائماً، وقال:
حديثُ عائشةَ أحسنُ شيءٍ في الباب وأصحّ، والنسائي ٢٦/١ كتاب الطهارة - باب البول في البيت جالساً، وابن
ماجه (٣٠٧) كتاب الطهارة - باب في البول قاعداً، عن عائشة رضي الله عنها.
(٢) "شرح صحيح مسلم": كتاب الطهارة - باب جواز البول قائماً ١٦٦/٣.
قوله: ((وأما بوله إلخ)) هو ما رواه الشيخان عن حذيفة بناته ((أَنَّهِ﴿ أتى سباطة قوم فبال قائماً)) والسباطة هي ملقى
التراب والقمامة تكون بفناء الدور، وإضافتها إلى القوم ليست بإضافة ملك، بل كانت مواتاً مباحة في محلتهم،
"ضياء". اه منه.
(٣) "إكمال المعلم بفوائد مسلم": ٨٣/٢ كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين، للقاضي أبي الفضل عياض بن
موسی الیحْصُبيّ (ت ٥٤٤هـ).
(٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ١٠٠/١، وفي "معرفة السنن والآثار"٣٤١/١ (٨٤٢) عن أبي هريرة تَّته.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٧/١.
(٦) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣١/ب.

قسم العبادات
٤٤٢
حاشية ابن عابدين
لحديثِ: ((لا يبولَنَّ أحدُكم في مُستحَمِّه، فإنَّ عامَّة الوسواس منه)).
(فروعٌ) يجبُ الاستبراءُ بمشىٍ.
[٣٠٧١] (قولُهُ: لحديثِ إلخ) لفظُهُ - كما في "البرهان" - : ((عن "أبي داود"(١): ((لا يبولَنَّ
أحدُكم في مستحَمِّه، ثمَّ يغتسِلْ أو يتوضَّأ فيه، فإنَّ عامَّة الوَسواس منه))))، والمعنى: موضعُهُ
الذي يغتسِلُ فيه بالحميم، وهو في الأصل الماءُ الحارُّ، ثم قيل للاغتسالِ بأيِّ مكانٍ: استحمامٌ،
وإنما نَهَى عن ذلك إذا لم يكنْ له مَسَلَكٌ يذهبُ فيه البولُ، أو كان المكانُ صُلْباً، فيوهم المغتسل
أَنَّه أصابَه منه شيءٌ، فيحصُلُ به الوسواسُ كما في "نهاية ابن الأثير"(٢). اهـ "مدني"(٣).
مطلبٌ في الفرق بين الاستبراء والاستنقاء والاستنجاء
[٣٠٧٢] (قولُهُ: يجبُ الاستبراءُ إلخ) هو طلبُ البراءة من الخارجِ بشيءٍ مما ذكَرَه "الشارح"
حتّى يستيقِنَ بزوالِ الأثر، وأمَّا الاستنقاءُ فهو طلبُ النقاوة، وهو أنْ يدلِكَ المقعدةَ بالأحجار أو
بالأصابع حالةَ الاستنجاء بالماء، وأمَّا الاستنجاءُ فهو استعمالُ الأحجار أو الماءِ، هذا هو الأصحُّ في
تفسير هذه الثلاثةِ كما في "الغزنويَّة"، [١/ق٢٦٣/أ] وفيها: ((أنَّ المرأةَ كالرجل إلاَّ في الاستبراء،
(قولُهُ: لفظُهُ - كما في "البرهان" - عن "أبي داود" إلخ) أفاد "السنديُّ" أنَّ ما ذكرَهُ "الشارح"
أخرجَهُ "الترمذيُّ" و"النسائيُّ"، وأنَّ "أبا داود" زادَ بعد مستحمِّهِ: ((ثمَّ يغتسل فيه))، وفي روايةٍ: ((ثمَّ
يتوضَّأ فيه)) الحديثَ اهـ.
(١) أخرجه أبو داود (٢٧) كتاب الطهارة - باب في البول في المستحم، والترمذي (٢١) كتاب أبواب الطهارة - باب
كراهية البول في المغتسل، وقال: حديث غريب، والنسائي ٣٤/١ كتاب الطهارة - باب كراهية البول في المغتسل،
وابن ماجه (٣٠٤) كتاب الطهارة - باب كراهية البول في المغتسل، عن عبد الله بن مغفل رَظ ◌ُله مرفوعاً.
(٢) "النهاية في غريب الحديث": مادة ((حمم)).
(٣) أي: في حاشيته المسماة "نخبة الأفكار على الدر المختار": كتاب الطهارة - فصل الاستنجاء ١/ق ٢٩٦/أ، لمحمد
ابن عبد القادر بن أحمد بن محمد زاده الأنصاري المدنيّ (كان حياً سـ١٩٤ ١سنة هـ). ("فهرس مخطوطات الظاهرية"
- الفقه الحنفي ٢٤٢/٢). وقد وهم صاحب "هدية العارفين" ٢٩٥/٢ وتابعه كحالة في "معجم المؤلفين" ٣٥٤/٣
في عزو الحاشية المذكورة إلى جد المؤلف محمد صالح عبد الله، قاضي زاده المدنيّ (ت١٠٨٧ هـ). وانظر "ابن
عابدين وأثره في الفقه" ٨٠٣/٢.

الجزء الثاني
٤٤٣
باب الأنجاس - فروع
أو تنحنحِ أو نومٍ على شقّه الأيسرِ، ويختلفُ بطباعِ الناس.
فإنّه لا استبراءَ عليها، بل كما فرَغَتْ تصِرُ ساعةً لطيفةً، ثُمَّ تستنجي))، ومثلُهُ في "الإمداد"(١).
وعَّرَ بالوجوب تبعاً لـ "الدُّرر)"(٢) وغيرها، وبعضُهم عبَّرَ بأَنَّه فرضٌ، وبعضُهم بلفظِ: ينبغي،
وعليه فهو مندوبٌ كما صرَّحَ به بعضُ الشافعيّة، ومحلُّهُ إذا أمِنَ خروجَ شيءٍ بعده، فيُندَبُ ذلك
مبالغةً في الاستبراء، أو المرادُ الاستبراءُ بخصوص هذه الأشياءِ من نحوِ المشيِ والتنحنُحِ، أمَّا نفسُ
الاستبراءِ حتى يطمئنَّ قلبُهُ بزوالِ الرشح فهو فرضٌ، وهو المرادُ بـالوجوب، ولذا قال
"الشرنبلاليُ) (٣): ((يلزمُ الرجلَ الاستبراءُ حتى يزولَ أَثْرُ البول، ويطمئنَّ قلْبُهُ))، وقال: ((عبَّرْتُ
بالُّزوم لكونه أقوى من الواجب؛ لأنَّ هذا يفوتُ الجوازُ بفَوْتِهِ، فلا يصحُّ له الشروعُ في الوضوء
حتی یطمئنَّ بزوالِ الرشح)) اهـ.
(٣٠٧٣] (قولُهُ: أو تنحنُحِ) لأنَّ العُروق ممتدَّةٌ من الحلق إلى الذَّكَر، وبالتنحنُحِ تتحرَّكُ وتقذِفُ
ما في مجرى البول. اهـ "ضياء".
[٣٠٧٤) (قولُهُ: ويَختِلِفُ إلخ) هذا هو الصحيحُ، فمَنْ وقَعَ في قلبه أنَّه صار طاهراً جازَ له أنْ
يستنجيَ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ أعلمُ بحاله، "ضياء".
قلت: ومَنْ كان بطيءَ الاستبراء فلْيَقْتِلْ نحوَ ورقةٍ مثلَ الشعيرة، ويحتشِي بها في الإحليلِ، فإنّها
تتشرَّبُ ما بقيَ من أثرِ الرُّطوبة التي يخافُ خروجها، وينبغي أنْ يغَيِّبَها في المحلِّ لئلاً تظهرَ (٤)
(قولُهُ: وعليه فهو مندوبٌ إلخ) فيه أنَّ ((ينبغي)) عند الإطلاق للوجوب غالباً، فهي موافقةٌ لِما قبلها.
(قولُهُ: وينبغي أنْ يُغَِّها في المحلِّ إلخ) هذا إنما يظهرُ فيما إذا احتَشَى بعد الوضوء دفعاً لرِيبةِ الشيطان،
ومذهبُ "الشافعيّ" موافقٌ للمذهب في انتقاضِ الطهارة بظهور الرُّطوبة على الطرف الخارج، ويقولُ
"الشافعيُّ" بعدم صحَّةٍ صلاةٍ حامل ما اتَّصَلَ طرفُهُ الداخل بنجاسةٍ بدونِ اتّصالٍ طرفه الخارج بها.
(١) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ١٩/ب.
(٢) "الدرر": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ٤٩/١.
(٣) "مراقي الفلاح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ٨٦/١ بتصرف.
(٤) في "م": ((تذهب)).

قسم العبادات
٤٤٤
حاشية ابن عابدين
ومع طهارةِ المغسول تطهُرُ اليدُ، ويُشترَطُ إزالةُ الرائحة عنها وعن المخرج إلاّ إذا
B
عجَزَ، والناسُ عنه غافلون. استنجَى المتوضِّئُ إنْ على وجهِ السنّةِ - بأنْ أرخى -
انتقَضَ، وإلاَّ لا
الرطوبة إلى طرفها الخارج، وللخروج من خلاف الشافعيّة (١)، وقد جُرِّبَ ذلك، فوُجدَ أنفعَ من
ربطِ المحلِّ، لكنَّ الربط أَولى إنْ كان صائماً لئلاّ يفسُدَ صومُهُ على قول الإمام "الشافعيّ".
[٣٠٧٥)] (قولُهُ: ومع طهارةِ المغسولِ تطهُرُ اليدُ) هذا مختارُ الفقيهِ "أبي جعفر"، وقيل: يجبُ
غسلُها؛ لأَنَّها تتنجَّسُ بالاستنجاء، وقيل: يُسَنُّ، وهذا هو الصحيحُ كما مرَّ في سنن الوضوء،
"نوح". ونقَلَ في "القنية"(٢): ((أَنَّه لو استنجى بالماء وبيده خيطٌ مشدودٌ لا يطهُرُ بطهارةِ اليدِ ما لم
يُمِرَّ اليدَ بالخيط إمراراً بليغاً)).
[٣٠٧٦] (قولُهُ: ويُشترطُ إلخ) قال في "السِّراج)"(٣): ((وهل يشترطُ فيه ذهابُ الرائحة؟ قال
بعضهم: نعم، فعلى هذا لا يُقدَّرُ بالمرَّات، بل يَستعمِلُ الماءَ حتى تذهبَ العينُ والرائحةُ، وقال
بعضهم: لا يشترط، بل يَستعمِلُ حتى يغلبَ على ظنّهِ أَنَّه قد طهُرَ، وقدَّرُوه بالثلاث)) اهـ.
والظاهرُ أنَّ الفرق بين القولين أنَّه على الأوَّلِ يلزمُهُ شمُّ يده [١ /ق ٢٦٣/ب] حتى يعلمَ
زوالَ الرائحة، وعلى الثاني لا يلزمُهُ، بل يكفي غلَبَةُ الظنِّ، تأمَّلْ.
[٣٠٧٧) (قولُهُ: بأنْ أرخى إلخ) لعلَّ وجهَهُ: أَنَّه يخرُجُ بارخائه نفسَهُ الشَّرَجُ الداخلُ،
(قولُ "الشارح": ويُشترَطُ إزالةُ الرَّائحة عنها) قال "ابن الشِّحنة": ((الذي يظهرُ أنَّ هذا فيما زاد
على الدرهم، وأمَّا فيه فلا يُشترَطُ زوالُ العين فضلاً عن الرائحة))، ثمَّ قال: ((لقائلِ أنْ يمنعَهُ بأنَّ هذا
في حقِّ المحلِّ إذا لم تتّسع النجاسةُ بالماء، لكنَّه لَمَّا غسَلَ ودَلَكَ تجاوزت الموضعَ، فزادت على درهمٍ،
وبقي أثرُها وهو الريح، فلا بدَّ من زوالِهِ لتحقُّقِ الطهارة)) اهـ. انتهى "سندي".
(١) في "ب" و"م": ((الشافعي)).
(٢) "القنية": كتاب الطهارة - باب في تطهير النجاسة والدباغ ق ٧/أ.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١٩/أ.

الجزء الثاني
٤٤٥
باب الأنجاس - فروع
وهو لا يخلو عن رطوبةِ النجاسة، ثم رأيتُهُ منقولاً عن خطّ "البزَّزيّ" في هامش نسختي "البزَّازِيَّة"
مع التصريح: ((بأنَّ المراد بوجهِ السُّنة ما ذكره "الشارح" من الإرخاء))، وبه اندفَعَ ما فهِمَهُ في
"الحلبة"(١) من بناءِ القول بالنقض على أنَّ المرادَ بوجهِ السُّنة هو إدخالُ الإصبعِ فِي الدُّبُرِ، فرَدَّ ذلك:
((بأَنَّه قد نَصَّ غيرُ واحدٍ من أعيانِ المشايخ الكبارِ على أنَّه لا يُدخِلُ الإصبعَ في الاستنجاء)).
(تتمَّةٌ)
إذا أراد أنْ يدخل الخلاءَ ينبغي أنْ يقومَ قبل أنْ يغلِبَهُ الخارجُ، ولا يصحَبُهُ شيءٌ عليه اسمٌ
معظّمٌ، ولا حاسِرَ الرأسِ، ولا مع القلنْسُوة بلا شيءٍ عليها.
فإذا وصَلَ إلى الباب يبدأُ بالتسمية قبل الدعاء، هو الصحيح، فيقول: بسم الله، اللهمَّ إنِّي أعوذُ
بك من الحُبْث والخبائث، ثمَّ يدخُلُ باليسرى، ولا يكشفُ قبل أنْ يدنوَ إلى القعود، ثمَّ يُوسِّعُ بين
رِجْليه، ويميلُ على رِجْله اليسرى، ولا يفكِّرُ في أمورٍ (٢) الآخرة كالفقهِ والعلم، فقد قيل: إنَّه يَمنعُ
منه شيءٌ أعظمُ منه، ولا يُرُدُّ سلاماً، ولا يجيبُ مؤذّناً، فإنْ عطَسَ حمِدَ الله تعالى بقلبه، ولا ينظرُ
إلى عورته ولا إلى ما يخرُجُ منه، ولا يبزُقُ في البول، ولا يطيلُ القعود، فإنّه يُولِّدُ الباسورَ، ولا
يمتخِطُ، ولا يتنحنحُ، ولا يُكثِرُ الالتفاتَ، ولا يعبثُ ببدنه، ولا يرفعُ بصره إلى السماء، وينكْسُ
رأسه حياءً مما ابْتُلِيَ به، ويدفِنُ الخارجَ، ويجتهدُ في الاستفراغ منه.
فإذا فرَغَ يعصِرُ ذَكَره من أسفله إلى الحشفةِ، ثم يمسحُ بثلاثة أحجارِ، ثم يسترُ عورته قبل أنْ
يستويَ قائماً، ثم يخرجُ برِجْلِه اليمنى ويقول: غُفرانَكَ، الحمدُ لله الذي أذهَبَ عني ما يؤذيني،
وأمسَكَ عليَّ ما ينفعُني، ثم يستبري.
فإذا استيقَنَ بانقطاعٍ أثرِ البول يقعدُ للاستنجاء بالماء موضعاً آخرَ، ويبدأُ بغَسلٍ يديه ثلاثاً،
ويقول قبل كشف العورة: بسم الله العظيم وبحمده، والحمدُ لله على دينِ الإِسلام، اللهمَّ اجعلْني
٢٣٠/١
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥٣/أ.
(٢) في "ب"و"م": ((أمر)).

قسم العبادات
٤٤٦
حاشية ابن عابدين
نامَ أو مَشَى على نجاسةٍ إِنْ ظهَرَ عينُها ..
من التوَّابين، واجعلني من المتطهِّرِين الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، ثم يُفِيضُ الماءَ باليمنى
على فرجه، [١/ق ٢٦٤/أ] ويُعلِي الإِناءَ، ويغسلُ فرجه باليسرى، ويبدأُ بالقُبُلِ ثم الدُّبُرِ، ويُرخي
مقعدتَهُ ثلاثً، ويدلُكُ كلَّ مرةٍ، ويُالِغُ فيه ما لم يكنْ صائماً، فينشِّفُ بخرقةٍ قبل أنْ يجمعه كيلا
يصلَ الماء إلى جوفه فيُفطِرَ، ثم يدلُكُ يدَه على حائطٍ أو أرضٍ طاهرةٍ، ثم يغسِلُها ثلاثاً، ثم يقومُ
وينشِّفُ فرجَهُ بخرقةٍ نظيفةٍ، فإنْ لم تكنْ معه يمسحُ بيده مراراً حتى لا تبقى إلاَّ بَلَّةٌ يسيرةٌ، ويلبسُ
سراويله، ويرشُّ فيه الماءَ، أو يحشو بقطنةٍ إنْ كان يَرِيبُهُ الشيطان، ويقول: الحمدُ لله الذي جعَلَ الماءَ
طهوراً، والإِسلامَ نوراً وقائداً ودليلاً إلى الله وإلى جَّاتِ النعيم، اللهمَّ حصِّنْ فرجي، وطهِّرْ قلبي،
ومحِّصْ ذنوبي. اهـ ملخَّصاً من "الغزنويَّة" و"الضياء".
[٣٠٧٨] (قولُهُ: نامَ) أي: فعَرِقَ، وقولُهُ: ((أو مشَى)) أي: وقدَمُهُ مبتلة.
[٣٠٧٩) (قولُهُ: على نجاسةٍ) أي: يابسةٍ لِما في متن "الملتقى)"(١): ((لو وضَعَ ثوباً رطباً على ما
طَيِّنَ بطينٍ نجسٍ جافٌٍ لا ينجُسُ))، قال "الشارح"(٢): ((لأنَّ بالجفاف تنحذِبُ رطوبةُ الثوب من
غيرِ عكسٍ، بخلاف ما إذا كان الطينُ رطباً)) اهـ.
[٣٠٨٠] (قولُهُ: إِنْ ظهَرَ عِينُها) المرادُ بالعين ما يشملُ الأَثْرَ؛ لأَنَّه دليلٌ على وجودها، ولو عبَّرَ
به - كما في "نور الإيضاح"(٣) - لَكان أَولى.
(قولُهُ: ولو عَّرَ به كما في "نور الإيضاح" لكان أولى) قال "السنديُّ": ((ما في "نور الإيضاح":
لعمومِهِ الرِّيحَ والطعمَ، ويمكنُ أن يقال بأنَّ ظهور الأثرِ يدلُّ على وجودِ العين فينجُسُ به ما أصابَهُ، وقد
أشار "الشارحُ" إليه بالمسألة التي تليها، فاستغنى هنا بذكر العين عن ذكر الأثر، وفي الثانية بعكسه ليفيد
لزومَ أحدهما الآخرَ، وهذا في صناعة البديع يُسمَّى احتباكاً)) اهـ.
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٥٢/١ بتصرف.
(٢) أي: الحصكفي في "الدر المنتقى": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٦٤/١ (هامش مجمع الأنهر).
(٣) "نور الإيضاح": كتاب الطهارة - فصل في الأنجاس والطهارة عنها صـ٨٦ -.

الجزء الثاني
٤٤٧
باب الأنجاس۔ فروع
تنجَّسَ، وإلاَّ لا، ولو وقَعَتْ في نهرٍ فأصابَ ثوبَهُ إِنْ ظهَرَ أثرُها تنجَّسَ، وإلاَّ لا ....
(٣٠٨١] (قولُهُ: تنجَّسَ) أي: فُيُعتبرُ فيه القدرُ المانع كما مرَّ(١) في محلّه.
[٣٠٨٢) (قولُهُ: ولو وقعتْ) أي: النجاسةُ ((في نهرٍ)) أي: ماءِ جارٍ، بأنْ بالَ فيه حمارٌ،
فأصابَ الرَّشائُ ثوبَ إنسانٍ اعتُبرَ الأَثْرُ، بخلاف ما إذا بالَ في ماءٍ راكدٍ، فإنَّه إذا أصابه من
الرَّشاش أكثرُ من الدرهم منَعَ كما في "الخانَيَّةَ"(٢)، لكنْ ذَكَرَ فيها: ((أَنَّه لو أُلْقِيَتْ عَذِرَةٌ في
الماء (٣)، فأصابه منه اعتُبرَ الأثرُ))، فأطلَقَ ولم يفصِّلْ بين الجاري وغيره، ولعلَّ إطلاقه محمولٌ على
ما ذكَرَه من التفصيل، ويؤيِّدُهُ أَنَّه المتبادِرُ من كلام صاحب "الهداية" في "مختارات النوازل")، اللهمَّ
إلاَّ أنْ يفرَّقَ بين البول والعَذِرة بأَنَّه إذا أصاب البولُ الماءَ الراكد يترجَّحُ الظنُّ بأنَّ الرَّشاش من البول
الصدْمِهِ الماءَ بخلاف ما إذا كان جارياً، فإنَّ كلاً منهما يصدِعُ الآخرَ، فيحتملُ أنَّه من الماء، فلذا
اعتُبرَ الأثرُ، وأمَّا في العَذِرة فالرَّشاشُ المتطايرُ إنما هو من الماء قطعاً، سواءٌ كان [١/ق ٢٦٤/ب]
راكداً أو جارياً، ولكنَّه يحتملُ أنْ يكون من الماء الذي أصابَ العذرةَ أو من غيره تطايَرَ بقوَّةٍ
وَقْعِها، فيعتبرُ فيه الأثرُ؛ لأنَّ الأصل الطهارةُ، هذا ما ظهَرَ لي، والله تعالى أعلمُ.
هذا، وقد ذكَرَ في "المنية"(٤) وغيرها عن "ابن الفضل" ((التنجيسَ في الجاري وغيره، وأنَّ
اختيار "أبي الليث" عدمُهُ))، قال في "شرح المنية"(٥): ((أي: في الجاري وغيرِه، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ
اليقين لا يزولُ بالشكِّ، ولأنَّ الغالب أنَّ الرَّشاش المتصاعدَ إنما هو من أجزاء الماء لا من أجزاءِ الشيءٍ
الصادم، فُحكَمُ بالغالب ما لم يظهرْ خلاقُهُ)) اهـ، فتأمَّلْ، فإنَّ كون ذلك هو الغالبَ محلٌّ نظرٍ.
(١) صـ ٣٤٩ - "در".
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢١/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "الخانية": ((في نهر)) فلا إطلاق إذن في عبارته.
** قوله: ((في "مختارات النوازل")) أقول: ونص عبارة "مختارات النوازل" هكذا: ((الحمار إذا بال في الماء الجاري فأصاب
رشاشُهُ الثوبَ لا يفسد ما لم يتيقِّن أنّه بول، وكذا لو رمى نجاسةً في الماء فانتضح منه فأصاب الثوب، وإن كان
الماء راكداً يفسده)). اهـ منه.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٩ -١٩٠ -.
(٥) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ١٨٩ -١٩٠- بتصرف.

قسم العبادات
٤٤٨
حاشية ابن عابدين
لُفَّ طاهرٌ في نجسٍ مبتلٍّ بماءٍ.
بقي شيءٌ، وهو أنّه هل المرادُ بالراكد القليلُ أو الكثير؟ لم أره صريحاً، وقال "ح"(١):
((الظاهرُ الأوَّلُ، وإلاَّ لَما كان معنىً لتفصيلِ "قاضي خان" (٢)، ويُفهَمُ من تعليل "شرح المنية"
للأصحِّ أنَّ الماء القليل لا يتنجَّسُ في آنٍ وقوعِ النجاسة، حتى لو أخَذَ ماءً من الجانب الآخرِ
عقِبَ الوقوع بلا فاصلٍ يكونُ طاهراً؛ لأنَّهم لم يحكموا بسَرَيانِ النجاسة إلى الرَّشاش لعدم
زمانٍ تَسرِي فيه مع قربه من النجاسة، فعدمُ نجاسةِ الطرف المقابلِ لطرف وقوعِ النجاسة في
آنِ الوقوع أولى، تأمَّلْ تظفَرْ)) اهـ.
قلت: وعلى ما ذكرناه من الفَرْقِ يظهرُ لتفصيل "الخانَيَّة" معنىٍّ، فلا يدلُّ على أنَّ المراد
بالراكد القليلُ، فتأمَّلْ.
(٣٠٨٣] (قولُهُ: لُفَّ طاهرٌ إلخ) اعلمْ أنَّه إذا لُفَّ طاهرٌ جافٌّ في نجسٍ مبتلٍّ، واكتسَبَ
الطاهرُ منه اختَلَفَ فيه المشايخُ، فقيل: يتنجَّسُ الطاهرُ، واختار "الحَلْوانِيُّ": ((أَنَّه لا يتنجَّسُ إنْ كان
الطاهرُ بحيث لا يسيلُ منه شيءٌ، ولا يتقاطَرُ لو عُصِرَ))، وهو الأصحُّ كما في "الخلاصة"(٣)
وغيرها، وهو المذكورُ في عامَّةِ كتب المذهب متوناً وشروحاً وفتاوى، في بعضِها بلا ذكرِ خلافٍ،
وفي بعضها بلفظ الأصح، وقَّدَه في "شرح المنية "(٤): ((بما إذا كان النجسُ مبلولاً بالماء لا بنحوٍ
البول، وبما إذا لم يظهرْ في الثوب الطَّاهرِ أثرُ النجاسة))، وقَّدَه في "الفتح"(٥) أيضاً بما إذا لم ينُبُعْ
من الطَّاهرِ شيءٌ عند عصره ليكونَ ما اكتسَبَهُ مجرَّدَ ندوةٍ؛ لأَنَّه قد يحصُلُ بِلَيِّ الثوب وعصرِهِ نبعُ
رؤوسٍ صغارٍ ليس لها قوَّةُ السَّيلانِ، ثمَّ تَرجِعُ إذا حُلَّ الثوبُ، ويبعُدُ في مثله الحكمُ بالطهارة مع
وجودِ المخالِطِ حقيقةً.
(١) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣٢/أ بتصرف.
(٢) المار في هذه المقولة.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في النجاسة التي تصيب الثوب وغيره ق ١٦/ب.
(٤) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسار صـ ١٧٤ - باختصار.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٠/١ بتصرف.

الجزء الثاني
٤٤٩
باب الأنجاس - فروع
إِنْ بحيث لو عُصِرَ قطَرَ تنجَّسَ، وإلاَّ لا،
قال في "البرهان" بعد نقلِهِ ما في "الفتح": ((ولا يخفى [١/ق٢٦٥/أ] منه أنّه لا يُتِيقَّنُ بأنّه
مجرَّدُ ندوةٍ إلَّ إذا كان النجسُ الرطبُ هو الذي لا يتقاطَرُ بعصره؛ إذ يمكنُ أنْ يصيبَ الثوبَ
الجافَّ قدرٌ كثيرٌ من النجاسة، ولا ينبُعُ منه شيءٌ بعصره كما هو مشاهَدٌ عند البداية بغَسله، فيتعيّنُ
أنْ يفتَى بخلاف ما صحَّحَهُ "الحَلْوانِيُّ)) اهـ. وأقرَّهُ "الشرنبلاليُّ"(١)، ووجهُهُ ظاهرٌ.
والحاصلُ: أَنَّه على ما صحَّحَهُ "الحَلْوانِيُّ" العبرةُ للطَّاهر المكتسِبِ، إنْ كان بحيث لو انعصَرَ
٢٣١/١ قطَرَ تنجَّسَ، وإلاَّ لا سواء كان النحسُ المبتلُّ يقطُرُ بالعصر أوْ لا، وعلى ما في "البرهان" العبرةُ
للنجس المبتلِّ، إنْ كان بحيث لو عُصِرَ قطَرَ تنجَّسَ الطاهرُ سواءٌ كان الطاهرُ بهذه الحالةِ أوْ لا، وإنْ
كان بحيث لم يقطُرْ لم يتنجَّسِ الطاهرُ، وهذا هو المفهومُ* من كلام "الزيلعيِّ(٢) في مسائلَ شتَّى
آخرَ الكتاب مع أنَّ المتبادِرَ من عبارة "المصنّف" هناك(٣) كـ "الكنز" وغيره خلافُهُ، بل كلامُ
"الخلاصة"(٤) و"الخانيّة "(٥) و"البزَّازِيَّة"(٦) وغيرِها صريحٌ بخلافه، وسيأتي(٧) تمامُ الكلام هناك إنْ شاء
الله تعالى.
[٣٠٨٤] (قولُهُ: إنْ بحيث لو عُصِرَ إلخ) المتبادِرُ منه عَوْدُ الضمائرِ الثلاثِ إلى الطاهر، فيوافقُ ما
صحّحَهُ "الحَلْوانِيُّ"، ويحتملُ عَوْدُ الضمير في ((عُصِرَ)) و ((قَطَرَ)) إلى النجسِ، والضميرِ
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ١٩٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
٥٠ قوله: ((وهذا هو المفهوم إلخ)) وذلك حيث علِّل لعدم التنجس بقوله: ((لأنّه إذا لم يتقاطر منه بالعصر لا ينفصل منه
شيء، وإنما يبتلُّ ما يجاوره بالنِّداوة، وبذلك لا يتنجس به)) اهـ فإنَّ الضمائر البارزة كلُّها عائدةٌ على النحس،
فیفهم منه أنّه المعتبر في التقاطر وعدمه دون الطاهر. اهـ منه.
(٢) "تبيين الحقائق": ٢١٩/٦.
(٣) انظر المقولة [٣٦٨٩٧] قوله: ((لا يتنجس)).
(٤) المار قبل قليل في هذه المقولة.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٣١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل فيما يصيب الثوب ٢٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) انظر المقولة [٣٦٨٩٦] قوله: ((لف ثوب نجس رطب)) وما بعده.

قسم العبادات
٤٥٠
حاشية ابن عابدين
ولو لُفَّ في مبتلٍّ بنحوِ بولٍ إِنْ ظهَرَ نداوتُهُ أو أثرُه تنجَّسَ، وإلاَّ لا. فأرةٌ وُجدَتْ
في خمرٍ فُرُمِيَتْ فتخلَّلَ إنْ متفسِّخةً تنجَّسَ، وإلاَّ لا
في ((تنجَّسَ)) إلى الطاهر، فيوافقُ ما في "البرهان" و"الشرنبلاليّة" و"الزيلعيِّ"(١)، فافهم.
[٣٠٨٥] (قولُهُ: ولو لُفَّ إلخ) محترزُ قوله: ((مبتلٍّ بماءٍ))، وهذا مأخوذٌ من "شرح المنية"(٢)،
وقال: ((لأنَّ النداوة حينئذٍ (٣) عينُ النجاسة وإنْ لم يقطُرْ بالعصر)).
أقولُ: أنت خبيرٌ بأنَّ الماء المجاوٍرَ للنجاسة حكمُهُ حكمُها من تغليظٍ أو تخفيفٍ، فلا يظهرُ
الفرقُ بين المبتلِّ ببولٍ أو بماءٍ أصابه بولٌ، تأمَّلْ.
[٣٠٨٦] (قولُهُ: إنْ متفسِّخةً تنجَّسَ) لأَنّه ينفصِلُ منها أجزاءٌ بسببِ الانتفاخ، وانقلابُ الخمر
خلاً لا يوجبُ انقلابَ الأجزاء النجسةِ طاهرةً. اهـ "ح"(٤).
قال في "الخانَّة(٥): ((وكذا الكلبُ إذا وقَعَ(٦) في عصيرِ، ثم تخمَّرَ، ثم تخلَّلَ لا يحِلُّ أَكُلُهُ؛
لأنَّ لُعابَ الكلب أقامَ فيه، وأَنَّه لا يصيرُ خلاً)).
[٣٠٨٧) (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: لا يتنجَّسُ الخُلُّ لعدم بقاءِ شيءٍ بعد التخُلُّلِ، والفأرةُ وإنْ كانتْ
نجسةً قبل التخلُّلِ مثلَ الخمر لكنَّ النحِسَ لا يؤثّرُ فِي مثله، فإذا أُقْيَتْ تلك الفترةُ(٧)، ثم تخلَّلَ الخمرُ
طهُرَ بانقلابِ العين بخلاف ما إذا وقعَتْ في بئرٍ، فإنَّها تنجِّسُهُ لملاقاتِها الماءَ الطاهرَ، فتؤْثِّرُ فيه،
ويجبُ الَّرْحُ وإِنْ لم تتفسَّخْ، ولا يرِدُ ما إذا تفسَّخَتْ في الخمر؛ لِما علمتَ [١/ق٢٦٥/ب] من
أنَّ ذلك الأثرَ بعد التخُّلِ لا ينقلِبُ خلاً، فيؤثّرُ في طهارةِ الخلِّ، فافهم.
(١) انظر المقولة السابقة.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الأسار صـ١٧٤ -.
(٣) ((حينئذ)) ساقطة من "آ".
(٤) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣٢/ب.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٨/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) عبارة "الخانية": ((الكلب إذا ولغ)).
(٧) قوله: ((تلك الفأرة)) ليس في "ب"و"م".

الجزء الثاني
-
٤٥١
باب النجاس - فروع
وقَعَ خمرٌ في خلِّ إنْ قطرةً لم يحلَّ إلَّ بعد ساعةٍ، وإنْ كوزاً حلَّ في الحال إنْ(١) لم
يظهر أثرُه. فأرةٌ وُجدَتْ فِي قُمْقُمةٍ ولم يُدْرَ: هل ماتَتْ فيها أو في جرَّةٍ أو في بئرِ
يُحمَلُ على القُمْقُمة. ثلاثُ قُرَبٍ من سمنٍ وعسلٍ ودِبسٍ أُخِذَ من كلِّ حصَّةٌ
وخُلِطَ فوُجِدَ فيه فأرةٌ نضعُها في الشمس،.
[٣٠٨٨] (قولُهُ: وَقَعَ خمرٌ في خلِّ إلخ) وجهُهُ - كما في "الخانَّة"(٢) -: ((أَنَّه في الكوز لَمَّا
زالتِ الرائحةُ عُرِفَ التِغُّرُ، وعُرِفَ أَنَّه صار خلاًّ، وأمَّا في القطرة فإِنَّها لا رائحةَ لها، فلا يُعرَفُ
التغيُّرُ، ويحتملُ أَنَّها باقيةٌ في الحال، فلا يُحكَمُ بحلِهِ))، قال "القاضي الإِمام"(٣): ((يُحكِّمُ ظَنّهُ، إِنْ
كان غالبُ ظنّهِ أَنَّه صار خلاً طهُرَ، وإلاَّ فلا)) اهـ.
[٣٠٨٩] (قولُهُ: فأرةٌ وُجِدَتْ إلخ) صورتُهُ: ملأ جرَّةً من بثٍ، ثمَّ ملأ قُمْقُمَةً من تلك الجرَّةِ،
ثم وجَدَ في القُمْقُمَةِ فأرةً، وفي "نهاية الحديث"(٤): ((القُمْقُمةُ: مَا يسخِّنُ فيه الماءُ من نحاسٍ وغيره،
ويكون ضيِّقَ الرأس)) اهـ.
[٣٠٩٠] (قولُهُ: يُحمَلُ على القُمْقُمةِ) هذا من باب الحوادثِ تضافُ إلى أقربِ
الأوقات. اهـ "ح"(٥).
وفي "الفتح"(٦): ((أَخَذَ من حُبِّ، ثم من حُبِّ آخرَ ماءً، وجُعِلَ في إناءٍ، ثم وجَدَ في
الإناء فأرةً، فإنْ غابَ ساعةً فالنجاسةُ للإناءِ، وإلاَّ فإنْ تحرَّى ووقَعَ تحرِّيهِ على أحَدِ الحُبَّين عمِلَ
به، وإنْ لم يقعْ على شيءٍ فللحُبِّ الأخير، وهذا إذا كانا لواحدٍ، فلو لاثنين كلٌّ منهما يقولُ:
ما كانتْ في حُبِي فكلاهما طاهرٌ)).
(١) في "و": ((وإن))، وهو خطأ.
(٢) لم نعثر على المسألة في مظانها من "الخانية".
(٣) هو أبو علي الحسين بن الخَضر بن محمد بن يوسف الفَشِيْدَيْرَجيّ - بالراء، وقيل: بالزاي - النسفيّ المعروف بالقاضي
الإمام، أستاذ شمس الأئمة الحلوانيّ، والله أعلم. ("اللباب"٤٣٣/٢،"الجواهر المضية" ١٠٩/٢، ٣٦/٤، "الطبقات
السنية" ١٣١/٣"الفوائد البهية"صـ ٦٦-).
(٤) "النهاية في غريب الحديث": مادة ((قمقم)).
(٥) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣٢/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٧/١ بتصرف.

قسم العبادات
٤٥٢
حاشية ابن عابدين
فإِنْ خَرَجَ منها الدُّهنُ فسمنٌ، وإلاّ فإنْ بقِيَ بحالِ الجمْدِ فالعسلُ، أو متلطِّخاً فالدِّبسُ.
يُعْمَلُ بخبرِ الحرمة في الذبيحة، وبخبرِ الحلِّ في ماءٍ وطعامٍ. يُتحرَّى في ثيابٍ أَقُلُّها طاهرٌ،
وَأَوَانِ(١) أكثرُها طاهرٌ.
(٣٠٩١] (قولُهُ: فإنْ خَرَجَ منها الدُّهنُ) أي: من جوفها، أو المرادُ مما يلاقِي جلدَها.
[٣٠٩٢] (قولُهُ: فَقِرْبْتُهُ)(٢) أي: هي النجسةُ، وكذا يُقدَّرُ فيما بعده.
(٣٠٩٣] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: وإنْ لم يخرُجْ منها الدُّهنُ فإنْ بِقِيَ ما عليها بحالِ الْجَمَد - بفتح
الجيم والميم، أي: جامداً - فهو دليلُ أَنَّه عسلٌ؛ لأنَّ العسل إذا أصابتْهُ الشمس تلاحَمَتْ أجزاؤه،
وتماسَكَ بعضُها ببعضِ بخلاف الدِّبس، فإنّه ينقطِعُ بعضُهُ عن بعضٍ بحرارة الشمس، أفاده "ح"(٣).
بقيَ ما إذا لم يظهرِ الحالُ بذلك، وينبغي أنْ يُفضَّلَ فيه كما قدَّمناه(٤) آنفاً عن "الفتح".
(٣٠٩٤) (قولُهُ: يُعمَلُ بَخَبَرِ الحرمةِ إلخ) أي: إذا أخبَرَه عدْلٌ بأنَّ هذا اللَّحمَ ذبيحةُ مجوسيٍّ أو
ميتةٌ، وعدْلٌ آخرُ أَنَّه ذبيحةُ مسلمٍ لا يحِلُّ؛ لأَنَّه لَمَّ تهاتَرَ الخبرانِ بِقِيَ على الحرمةِ الأَصلَّةِ لا يحِلُّ
إلاَّ بالذَّكاة، ولو أخبرا عن ماءٍ وتهاتَرًا بقِيَ على الطهارةِ الأصليّةِ. اهـ "إمداد"(٥).
وظاهرُهُ: أَنَّه بعدَ الَّهاتُرِ فِي الصُّورتين لا يُعتَبَرُ التحرِّي، وسنذكرُّ(٦) ما يخالفُهُ في الحظر
والإباحة قبلَ فصل اللُّس عن شُرَّاحِ "الهداية" وغيرِهم، فراجعْهُ هناك.
[٣٠٩٥] (قولُهُ: أقلُّها طاهرٌ) [١/ق ٢٦٦/أ] كما لو اختَلَطَ ثوبٌ طاهرٌ مع ثوبين نجسين،
وكذا بالعكس بالأولى.
(١) في "ب" : ((وفي أوان)).
(٢) قوله: ((فقربته)) هكذا بخطه، ولعلها نسخته، وإلا فنسخ الشارح التي بيدي ((فسمن إلخ))، وليحرّر. اهـ مصححه.
(٣) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣٢/ب.
(٤) المقولة [٣٠٩٠] قوله: ((يحمل على القمقمة)).
(٥) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في التحري ق ١٦/أ بتصرف.
(٦) المقولة [٣٢٨٦٣] قوله: ((ولو أخبر عدلٌ بطهارته إلخ)).

الجزء الثاني
٤٥٣
باب الأنجاس ۔ فروع
لا أقلُّها، بل يُحكَمُ بالأغلبِ إلَّ لضرورةِ شربٍ ..
[٣٠٩٦] (قولُهُ: لا أَقُلُّها) مثلُهُ التّساوي، فإنَّه لا يتحرَّى فيه أيضاً كما سيذكُرُهُ "الشارح"(١)
في الحظر والإِباحة، وذكَرَ هناك: ((أَنَّ اختلاطَ الذبيحة الذكيّةِ والميتةِ كحكم الأواني)).
ثم الفرْقُ بين الثياب والأواني - كما في "الإمداد"(٢) - : ((أَنَّ الثوب لا خَلَفَ له في سَتْرِ
العورة بخلاف الماء في الوضوء والغُسل، فإِنَّه يخلُفُه التيمُّمُ))، وأمَّا في حقِّ الشُّرب فيتحرَّى مطلقاً؛
لأَنَّه لا خَلَفَ له، ولهذا قال: ((إلاَّ لضرورةٍ شربٍ)).
ثُمَّ اعلمْ أنَّ ما ذَكَرَه "الشارح" هنا في مسألتي الثياب والأواني موافقٌ لِما في "نور
الإيضاح(٣) و "مواهب الرحمن"، ويخالفُهُ ما في "الذخيرة" وغيرها مما حاصلُهُ: ((أَنَّه إنْ غَلَبَ
الطاهرُ في الأواني أو الثيابِ أو الذبائحِ تحرَّى في حالتي الاختيارِ والاضطرار اعتباراً للغالب، وإلاّ
ففي الاختيارِ لا يتحرَّى في الكلِّ، وفي الاضطرار يتحرَّى في الكلِّ إلاَّ في الأواني لغيرِ الوضوء
والغُسل))، وسيأتي(٤) بسطُهُ في الحظر والإباحة إنْ شاء الله تعالى، وهذا بخلاف ما إذا طلَّقَ من
نسائه امرأةً، أو أعتَقَ من إمائه أمَةً، فإِنَّه لا يجوزُ له أنْ يتحرَّى لوطءٍ ولا بيعٍ وإنْ كانت الغلبةُ
للحلال، وتمامُهُ في "الولوالحيَّة"(٥) وغيرها من كتاب التحرِّي، فراجِعْه.
(قولُهُ: ويخالفُهُ ما في "الدَّخيرة" وغيرها مما حاصلُهُ أَنَّه إنْ غَلَبَ إلخ) يظهرُ عدمُ المخالفة، ويُحمَلُ
كلامُهُ على تفصيلِ "الذَّخيرة"، ويدلُّ على ذلك ما ذكر للفرق بين الأواني والثياب، إلاَّ أنَّ في كلامه
غايةَ الإِيجاز، تأمَّل.
(قولُهُ: إلاّ في الأواني لغيرِ الوضوء والغُسل إلخ) عبارتُهُ في الحظر والإباحة: ((إِلاَّ في الأواني
للوضوء؛ إذ له خَلَفٌ - وهو التيمُّمُ - بخلاف ستر العورة)) اهـ، تأمَّل.
(١) انظر المقولة [٣٢٨٦٤] قوله: ((وتعتبر الغلبة إلخ)).
(٢) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في التحري ق١٥/ب نقلا عن "مجمع الروايات".
(٣) "نور الإيضاح": كتاب الطهارة - فصل في التحري في الأواني والثياب صـ ٣٤-٣٥ -.
(٤) المقولة [٣٢٨٦٤] قوله: ((وتعتبر الغلبة إلخ)).
(٥) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الثاني في الأواني والثياب ق ١٢٣/ب.

قسم العبادات
٤٥٤
حاشية ابن عابدين
يحرُمُ أكلُ لحمٍ أنْتَنَ، لا نحوِ سمنٍ ولبنٍ. شعيرٌ في بعرِ أو روثٍ صُلبٌ يُؤْكَلُ بعد
غسله، وفي خِثْىٍ لا
٢٣٢/١
[٣٠٩٧] (قولُهُ: يحرُمُ أكلُ لحمِ أنتَنَ) عزاه في "التاتر خانَّة"(١) إلى "مُشكِلِ الآثار"
لـ "الطحاويّ"(٢)، قال "ح"(٣): ((أي: لأَنَّه يضُرُّ، لا لأَنّه نجسٌ، وأمَّا نحوُ اللََّنِ المنتنِ فلا يضُرُّ،
ذكَرَهُ "الشرنبلاليُّ" في "شرح كراهية الوهبانيَّة")) اهـ.
قلت: ونقَلَ في "التاتر خانَّةً"(٤) عن صلاة "الجلاَّبي"(٥): ((أَنَّه إذا اشْتَدَّ تغيُّرُه تنجَّسَ))، ثم
نقَلَ التوفيق بحمل الأوَّلِ على ما إذا لم يشتَدَّ، ومثلُهُ في "القنية"(٦)، لكنْ في "الحمويِّ" عن
"النهاية": ((أَنَّ الاستحالة إلى فسادٍ لا توجِبُ النجاسةَ لا محالةَ)) اهـ.
وفي "التاتر خانَّةُ"(٧): ((دُودُ لحمٍ وَقَعَ فِي مَرَقَةٍ لا يُنجِّسُ، ولا تؤكَلُ المرَقَةُ إِنْ تفسَّخَ الدُّدُ
فيها)) اهــ أي: لأَنَّه ميتةٌ وإنْ كان طاهراً.
قلت: وبه يُعلَمُ حكمُ الدُّودِ في الفواكهِ والثمار.
[٣٠٩٨] (قولُهُ: شعيرٌ إلخ) في "التاتر خانَّةً"(٨): ((إذا وُجِدَ الشعيرُ في بعرِ الإِبل والغنم يُغسَلُ،
ويجفَّفُ ثلاثً ويؤكلُ، وفي أخثاء البقر لا يؤكلُ))، قال في "الفتح"(٩): ((لأَنَّه [١/ق ٢٦٦/ب]
(١) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في معرفة النجاسات وأحكامها ٣٠٢/١.
(٢) انظر "شرح مشكل الآثار": باب بيان ما روي عن رسول الله ₪ في حكم اللحم الذكي إذا أنتن ١٩٥/١٠-١٩٦.
وهو لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي(ت ٣٢١ هـ). ("الجواهر المضية" ٢٧٦/١، "الأعلام" ٢٠٦/١).
(٣) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣٢/ب.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في معرفة النجاسات وأحكامها ٣٠٢/١.
(٥) الذي في مطبوعة "التاتر خانية" التي بين أيدينا "صلاة الحلواني"، ولعله تحريف؛ إذ لم نعثر على نسبة هذا الكتاب إلى
شمس الأئمة الحلواني. والمراد من "صلاة الجلابيّ" كتاب الصلاة له. انظر (كشف الظنون"١٤٣٣،١٠٨١/٢،"الجواهر
المضية "١٧٥/٤).
(٦) "القنية": كتاب الطهارة - باب في الأعيان النجسة ق ٥/ب.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في معرفة النجاسات وأحكامها ٣٠٢/١.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في معرفة النجاسات وأحكامها ٣٠٢/١.
(٩) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٦/١.

الجزء الثاني
٤٥٥
باب الأنجاس - فروع
مرارةُ كلِّ حيوانٍ كبولِهِ، وجِرَّتُهُ كزِئْله
لا صلابةَ فيهِ))، ثمَّ نقَلَ في "التاتر خانَّة"(١) عن "الكبرى"(٢): ((أنَّ الصحيح التفصيلُ بالانتفاخ
وعدمِهِ، ويستوي فيه البعرُ والخثِيُ)) اهـ. أي: إنِ انتفَخَ لا يؤكلُ فيهما، وإلاَّ أُكِلَ فيهما، وبِحَثَ
نحوَه في "شرح المنية"(٣).
وبما ذكرنا عُلِمَ أنَّ قوله: ((صُلبٌ)) مرفوعٌ صفةٌ ثانيةٌ لـ ((شعيرٌ))، فافهم.
[٣٠٩٩] (قولُهُ: مَرارةُ كلِّ حيوانٍ كَبَولِهِ) أي: فإنْ كان بولُهُ نجساً مغلَّظاً أو مخفّفاً فهي كذلك
خلافاً ووِفاقً، ومن فروعِهِ ما ذَكَروا: لو أدخَلَ في إصبعِهِ مرارةَ مأكولِ اللَّحم يكرهُ عنده؛ لأَنّه لا
يبيحُ التداويَ ببوله، لا عند "أبي يوسف"؛ لأَنَّه يبيحُهُ، وفي "الذخيرة" و"الخانيّة"(٤): ((أَنَّ الفقيه
"أبا الليث" أخَذَ بالثاني للحاجة))، وفي "الخلاصة"(٥): ((وعليه الفتوى)).
قلت: وقياسُ قولِ "محمَّدٍ" لا يكرهُ مطلقاً لطهارةِ بوله عنده. اهـ "حلبة"(٦).
[٣١٠٠] (قولُهُ: وجِرَّتُهُ كزِيلِهِ) أي: كسِرْقِهِ، وهي بكسر الجيم، وقد تُفتَحُ: ما يُجِرُّه - أي:
يُخرِجُه - البعيرُ من جوفه إلى فمِهِ، فيأكلُهُ ثانياً كما في "المغرب)"(٧) و "القاموس"(٨)، وعَلَّهُ في
"التجنيس": ((بأنَّه واراهُ جوفُهُ، ألا ترى إلى ما يواري جوفُ الإنسان، بأنْ كان ماءً ثم قاءَه،
(قولُهُ: ولو أدخَلَ في أصبعه مرارةً مأكولِ اللَّحم يكرهُ عنده) وجهُ الكراهة استعمالُ النجاسة؛ لأنَّ
الجلدة نجسةٌ بمجاورةٍ ما فيها من النجاسة، فلو غسَلَها وكانت من ذكِيَّةٍ فلا كراهةَ فيما يظهر.
(١) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في تطهير النجاسات ٣٢٢/١ بتصرف.
(٢) هي "الفتاوى الكبرى"، للإمام حسام الدين الصدر الشهيد وتقدمت ترجمتها صـ٤١٥ -.
(٣) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ٢٠٦ -.
(٤) "الخانية": كتاب الحظر والإباحة ٤٠٣/٣ بتصرف.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السابع فيما يكون نجساً وفيما لا يكون نجساً ق ١٦/أ.
(٦) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٧/ب بتصرف.
(٧) "المغرب": مادة((جرر)).
(٨) "القاموس": مادة ((زبل)) و ((جرر)) بتصرف.

قسم العبادات
٤٥٦
حاشية ابن عابدين
حكمُ العصير حكمُ الماءِ. رطوبةُ الفرج طاهرةٌ خلافاً لهما.
فحکمُهُ حکمُ بوله)) اهـ.
وهو يقتضي أنّه كذلك وإنْ قاء مِنْ ساعته، لكنْ قال بعده في الصبيِّ: ((ارتضَعَ ثم قاءً،
فأصابَ ثيابَ الأُمِّ إنْ زادَ على الدرهم منَعَ، ورَوَى "الحسنُ" عن "أبي حنيفة": أَنَّه لا يمنعُ ما لم
يفحُشْ؛ لأَنَّه لم يتغيُّ من كلِّ وجهٍ، فكان نجاستُهُ دون نجاسة البول؛ لأَنَّها (١) متغيِرةٌ من كلِّ وجهٍ،
وهو الصحيحُ)) اهـ. كذا في "فتح القدير"(٢).
وظاهرُهُ الميلُ إلى إعطاء الجِرَّةِ حكمَ هذا القيءٍ أخذاً من التعليل.
(٣١٠١] (قولُهُ: حكمُ العصير حكمُ الماءِ) أي: في أَنَّه تُزالُ به النجاسةُ الحقيقيّةُ، وأَنَّه إذا كان
عشراً في عشرٍ لا ينجُسُ بوقوع النجاسةِ فيه كما في الماء. اهـ "ح"(٣). وفي أَنَّه لو ◌ُصِرَ العنبُ
وهو يسيلُ، فأدمى رِجْلَه ولم يظهرْ أَثْرُ الدم لا ينجُسُ عند "أبي حنيفة" و "أبي يوسف" كما في
"المنية"(٤) عن "المحيط " (٥).
[٣١٠٢] (قولُهُ: رطوبةُ الفرج طاهرٌ) ولذا نقَلَ في "التاتر خانَّة"(٦): ((أنَّ رطوبة الولدِ عند
(قولُهُ: لا ينجُسُ عند "أبي حنيفة" و"أبي يوسف") وأمَّا عند "محمَّدٍ" فينجُسُ؛ لأنَّ الماء الجاري لا
ينحُسُ؛ لأنَّ بعضَهُ يُطهِّرُ بعضًاً، وهذا لا يكونُ إلاَّ للماء عنده؛ لأنَّ المائع كما لا يُطهِّرُ النجاسةَ عن
البدن لا يُطهِّرُ بعضُهُ بعضاً. اهـ "سندي".
(قولُهُ: ولذا نقَلَ في "التتار خانَّة" أنَّ رطوبة الولد عند الولادة طاهرةٌ) عبارة "السنديّ": ((وكذلك
(١) عبارة "الفتح": ((فكان نجاسته دون نجاسة البول بخلاف المرارة؛ لأنَّها متغيرةٌ من كل وجه ... )) فالضمير في ((لأَنَّها))
يعود إلى المرارة - على ما في "الفتح" - لا إلا نجاسة البول، كما يفهم من نقل ابن عابدين رحمه الله.
(٢) عبارة "الفتح": ((لأنَّها متغيرةٌ من كلٍّ وجه، كذا في "غريب الرواية" عن أبي حنيفة، وهو الصحيح)). انظر
"الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٩/١ -١٨٠.
(٣) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣٢/ب.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ص ١٩٤ -١٩٥ -.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارات - فصل في النجاسات وأحكامها ١/ق ٣١/ب.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في معرفة النجاسات وأحكامها ٣٠٠/١ بتصرف.

الجزء الثاني
٤٥٧
باب الأنجاس - فروع
العبرةُ للطاهرِ من ترابٍ أو ماءِ اختَلَطا، به يُفتَى.
الولادة طاهرةٌ(١)، وكذا السَّخلةُ إذا خرجَتْ من أمِّها، وكذا البيضةُ، فلا يتنجَّسُ بها الثوبُ ولا
الماءُ إذا وقعتْ فيه (٢)، لكنْ يكرهُ التوضِّي به للاختلاف(٣)، وكذا الإِنفَحَةُ(٤)، هو المختار(٥)،
وعندهما يتنجَّسُ، وهو الاحتياطُ)) اهـ.
قلت: [١/ق٢٦٧/أ] وهذا إذا لم يكنْ معه دمٌ، ولم يخالِطْ رطوبةَ الفرج مذيٌ أو منيٌّ من
الرَّجُل أو المرأة.
[٠٣ ٣١] (قولُهُ: العبرةُ للطَّاهر إلخ) هذا ما عليه الأكثرُ، "فتح"(٦). وهو قول "محمَّدٍ"، والفتوى
عليه، "بزَّازِيَّة"(٧). وقيل: العبرةُ للماء، إنْ كان نجساً فالطّينُ نجسٌ، وإلاَّ فطاهرٌ، وقيل: العبرةُ
للتراب، وقيل: للغالبِ، وقيل: أَيُّهما كان نجساً فالطينُ نجِسرٌ، واختاره "أبو الليث"، وصحَّحَهُ في
"الخانَّة"(٨) وغيرها، وقوَّاه في "شرح المنية"(٩)، وحكَمَ بفسادِ بقيَّةِ الأقوال، تأمَّلْ.
رطوبةُ الولد عند الولادة إلخ))، ولعلَّها أَولِى، فإنَّ التعليل الذي ذكرَهُ غيرُ ظاهرٍ، تأمَّل.
(قولُهُ: وهو قولُ "محمَّدٍ"، والفتوى عليه) للضرورةِ كما إذا اختلَطَ السِّرقينُ بالطين، والله سبحانه
وتعالى أعلم.
(١) نقلاً عن "الحجة"، كما في "التاتر خانية".
(٢) نقلاً عن "الملتقط"، كما في "التاتر خانية".
(٣) نقلاً عن "الحجة"، كما في "التاتر خانية".
(٤) نقلاً عن "الخانية"، كما في "التاتر خانية".
(٥) نقلاً عن "الفتاوى العتابية"، كما في "التاتر خانية".
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٦/١ بتصرف.
(٧) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل فيما يصيب الثوب ٢٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٨ -.

قسم العبادات
٤٥٨
حاشية ابن عابدين
مَشَى فِي حَمَّامٍ ونحوِهِ لا ينجُسُ ما لم يَعلَمْ أَنَّه غُسالةُ نحسٍ. لا ينبغي أخذُ الماء من
الأنبوبة؛ لأَنَّه يصيرُ الماءُ راكداً. التبكيرُ إلى الحمَّام ليس من المروءة؛ لأنَّ فيه إظهارَ
مقلوبِ الكناية.
وصحَّحَهُ في "المحيط" أيضاً، وعلَّلهُ: ((بأنَّ النجاسة لا تزولُ عن أحدهما بالاختلاط بخلاف
السِّرقين، إذا جُعِلَ في الطين للتطيين لا ينجُسُ؛ لأنَّ فيه ضرورةً إلى إسقاطِ نجاسته؛ لأَنَّه لا يتهيّأُ إلاَّ
به))، "حلبة" (١).
[٣١٠٤] (قولُهُ: مَشَى في حَمَّامٍ ونحوِهِ) أي: كما لو مَشَى على ألواحٍ مشرعةٍ بعد مَشْىٍ مَنْ
بِرِجْلِه قذَرٌ لا يُحكَمُ بنجاسةِ رِجْلِه ما لم يُعلَمْ أَنَّه وضَعَ رِجْلَه على موضعه للضَّرورة، "فتح"(٢).
وفيه عن "التجنيس": ((مَشَى في طينٍ، أو أصابَهُ ولم يغسِلْهُ وصلَّى تُجزِيه ما لم يكنْ فيه أثرُ
النجاسة؛ لأَنَّه المائعُ، إلاَّ أنْ يحتاطَ، أمَّا في الحكم فلا يجبُ)).
(٣١٠٥] (قولُهُ: لأَنَّه يصيرُ الماءُ راكداً) أي: لأَنَّه بأخذِهِ له من الأنبوبة يَمنَعُ نزولَهُ إلى
الحوض، فيصيرُ راكدً، وربما على يدِهِ نجاسةٌ أو على يدِ غيره، فأدخَلَها في الحوض في هذه الحالةِ
فيتنجَّسُ، فينبغي إذا أرادَ الأخذَ أنْ يأخذ من الحوض؛ لأنَّ الماء إذا كان نازلاً والغَرْفُ متداركٌ
فهو في حكمٍ الجاري.
[٣١٠٦] (قولُهُ: التبكيرُ إلى الحمَّامِ) أي: الدخولُ إليه أوَّلَ الغَداة بلا ضرورةٍ.
[٣١٠٧] (قولُهُ: لأنَّ فيه إظهارَ مقلوبِ الكنايةِ) أرادَ به النَّيْكَ، أي: الجماعَ، ولم يقل: مقلوبِ
الكَّيْنِ مع أَنَّه قَلْبٌ حقيقيّ لزيادةِ التباعُدِ عن التَّصريح به؛ لأَنَّه مما يُطلَبُ كتمانُهُ، ولذا كان من
أسمائه السُِّّ كما في "القاموس"(٣)، وعبارةُ "الفيض": ((إذ فيه إبداءُ ما يجبُ إخفاؤه)).
والظاهرُ أَنَّه: يُحَبُّ بالحاء، ولذا قال العلاَّمة "الرمليُّ": ((وأمَّا مَا نَهَى عنهعَ لَّفهو السِّاعُ،
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٣/ب بتصرف يسير.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٦/١ بتصرف يسير.
(٣) "القاموس": مادة((سرر)).