النص المفهرس

صفحات 421-440

٤١٩
فصل في الاستنجاء
الجزء الثاني
بل مستحٌّ.
(والغَسلُ) بالماء.
قلت: بل صرَّحَ في "الغزنويَّة": ((بأَنَّها تفعلُ كما يفعلُ الرجل إلاَّ في الاستبراء، فإنّها لا
استبراءَ عليها، بل كما فرَغَتْ من البول والغائط تصبِرُ ساعةً لطيفةً، ثم تمسحُ قُبُلَها ودُّبْرَها
بالأحجار، ثم تستنجي بالماء)) اهـ.
[٣٠٠٨) (قولُهُ: بل مستحبٌّ) أشارَ إلى أنَّ المراد نفيُ السُّنة المؤكَّدة لا أصلِها؛ لِما ورَدَ من
الأمرِ بالاستنجاء بثلاثةِ أحجارٍ، ولم نقُلْ: إنَّ الأمر للوجوب كما قال الإِمام "الشافعيُّ"؛ لأنَّ
قوله عليه الصلاة والسلام: (مَنِ استحمَرَ فلْيُوتِرْ، فمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، ومَنْ لا فلا حرجَ)(١) دليلٌ
على عدمِ الوجوب، فحُمِلَ الأمرُ على الاستحباب توفيقاً، وتمامُ الكلام في "الحلبة"(٢) و"شرحِ
الهداية" لـ "العينيِّ" (٣).
[٣٠٠٩] (قولُهُ: والغَسلُ بالماء)(٤) أي: المطلَقِ، وإِنْ صَحَّ عندنا بما في معناه من كلِّ مائعٍ ظاهرٍ
مزيلٍ فإنَّه يكرهُ لِما فيه من إضاعةِ المال بلا ضرورةٍ كما في "الحلبة "(٥).
(١) أخرجه أحمد ٣٧١/٢، وأبو داود (٣٥) كتاب الطهارة - باب الاستتار في الخلاء، وابن ماجه (٣٤٩٨) كتاب
الطب - باب من اكتحل وتراً، و(٣٣٧) كتاب الطهارة وسننها - باب الارتياد للغائط والبول، والطحاوي في "شرح
معاني الآثار" ١٢٢/١ كتاب الطهارة - باب الاستجمار، والدارمي١٦٩/١ -١٧٠، وابن حبان في "صحيحه"
(١٤١٠) كتاب الطهارة - باب الاستطابة، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار"٣٤٨/١ وقال: فهذا وإن كان قد
أخرجه أبو داود في "كتابه" فليس بالقوي.
(٢) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥٥/أ - ب.
(٣) انظر "البناية": كتاب الطهارات - فصل في الاستنجاء ٧٦٦/١ وما بعدها.
(٤) في "د" زيادة: ((وفي حواشي خير الدين الرملي رحمه الله تعالى على "البحر "قال: وأمَّا الاستنجاء بالماء فلم أرَ مِنْ علمائنا مَنْ
صرَّح بكيفية أخذه وصبِّه، ورأيت في كتب الشافعية: ويُسَنُّ أن لا يستعين بيمينه في شيء من الاستنجاء بغير عذر، فيأخذ
الحجر بيساره، بخلاف الماء فإنّه يصبُّه بيمينه ويغسل بيساره ولا مانع منه عندنا، فالظاهر أنَّ مذهبنا كذلك، هذا هو
المعهود للناس فلعلّهم إنما تركوه لظهوره والله تعالى أعلم. ثم رأيت في "الضياء المعنوي" شرح "مقدمة الغزنوي"، ويُفِيْضُ
الماء بيده اليمنى على فرجه، ويعلي الإناء ويغسل فرجه بيده اليسرى إذا لم يكن عذر، فإن كان بيده اليسرى عذرٌ يمنع من
الاستنجاء جاز الاستنجاء باليمنى من غير كراهية. انتهى. فهو بحمد الله كما بحثته)).
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥١/ب.

قسم العبادات
٤٢٠
حاشية ابن عابدين
إلى أنْ يقعَ في قلبه أنَّه طهُرَ ما لم يكن موسوساً فيُقدَّرُ بثلاثٍ كما مرَّ (بعدَهُ) أي:
الحَجَرِ (بلا كشفِ عورةٍ) عند أحدٍ، أمَّا معه فيتركُهُ.
[٣٠١٠] (قولُهُ: إلى أنْ يقَعَ إلخ) هذا هو الصَّحِيحُ، وقيل: يُشترطُ الصَّبُّ ثلاثاً، [١/ق٢٥٧/ب]
وقيل: سبعاً، وقيل: عشراً، وقيل: في الإحليل ثلاثاً، وفي المقعدة خمساً، "خلاصة"(١).
[٣٠١١] (قولُهُ: فُيُقدَّرُ بثلاثٍ) وقيل: بسبعٍ للحديث الوارِدِ في وُلوغ الكلب(٢)، "معراج" عن
"المبسوط"(٣).
[٣٠١٢) (قولُهُ: كما مرَّ)(٤) أي: في تطهيرِ النجاسة الغيرِ المرئَّةٍ، قال في "المعراج": ((لأنَّ
البول غيرُ مرئيٍّ، والغائطُ وإنْ كان مرئيّاً فالمستنجي لا يراه، فكان بمنزلته)) اهـ.
(٣٠١٣) (قولُهُ: عند أحدٍ) أي: ممن يحرُمُ عليه جماعُهُ ولو أمتَهُ المجوسيَّةَ أو التي زوَّجَها للغير،
أفاده "ح"(٥).
[٣٠١٤] (قولُهُ: أمَّا معه) أي: مع الكشفِ المذكور، أو مع الأحدِ.
[٣٠١٥] (قولُهُ: فيتركُهُ)(٦) أي: الاستنجاءَ بالماء، وإنْ تجاوَزَتِ المخرجَ، وزادَتْ على قدْرِ
الدِّرهم، ولم يجدْ ساتراً، أو لم يكُفُّوا بصرَهم عنه بعد طلبهِ منهم فحينئذٍ يقلّلها بنحوِ حجرٍ
(قولُهُ: أو لم يكُفُّوا بصرَهم) ((أو)) بمعنى الواو، فإنَّ ترك الاستنجاء إنما هو فيما إذا لم يَجِدْ ساتراً
مع عدم كفِّ بصرهم، تأمَّل.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق٨/ب بتصرف.
(٢) أخرجه أحمد ٢٤٥/٢، ومسلم (٢٧٩) كتاب الطهارة - باب حكم ولوغ الكلب، وأبو داود (٧٤) كتاب الطهارة
باب الوضوء بسؤر الكلب، والنسائي ٥٣/١ كتاب الطهارة - باب الأمر بإراقة ما في الإِناء إذا ولغ فيه الكلب،
و(٣٣٤) كتاب المياه - باب سؤر الكلب، وابن ماجه (٣٦٣) كتاب الطهارة وسننها - باب غسل الإناء من ولوغ
الكلب، وابن خزيمة (٩٨) كتاب الوضوء - باب الأمر بإهراق الماء الذي ولغ فيه الكلب، والدار قطني ٦٤/١-٦٥،
والبيهقي في "السنن الكبرى"١٨/١-٢٣٩-٢٤٠ -٢٤١ كتاب الطهارة - باب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع
مرات، عن أبي هريرة رضيُه مرفوعاً.
(٣) لم نجدها في "مبسوط السرخسي"، ولعلها في "مبسوط شيخ الإسلام" خواهر زاده. والله أعلم.
(٤) صـ ٣٩٧ -٣٩٨ - "در".
(٥) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣١/ب.
(٦) في "د" زيادة: ((قال في "الأشباه": ومن لم يجد سترة ترك الاستنجاء ولو على شط النهر لأن النهي راجحٌ على =

الجزء الثاني
٤٢١
فصل في الاستنجاء
کما مرَّ، فلو کشف له صار فاسقاً،
ء
ويصلّي، وهل عليه الإعادةُ؟ الأشبهُ نعم كما إذا مُنِعَ عن الاغتسالِ بصنعٍ عبدٍ، فتيمَّمَ وصلَّى كما
مرَّ، أفاده في "الحلبة"(١). وذكرْنا خلافَهُ في بحث الغُسل(٢)، فراجِعْه.
[٣٠١٦] (قولُهُ: كما مرَّ(٣) أي: قبيل سُننِ الغُسل، حيث قال: ((وأمَّا الاستنجاءُ فيتركُهُ
مطلقاً)) اهـ. أي: سواءٌ كان ذكراً أو أنثى أو خنثى، بين رجالٍ أو نساءٍ أو خَنَاثَى، أو رجالٍ
ونساء، أو رجالٍ وخَائَى، أو نساءٍ وخَنَاثَى، أو رجالٍ ونساءٍ وخَنَاثَى، فهي إحدى وعشرون
صورةً. اهـ "ح(٤).
"خ
[٣٠١٧] (قولُهُ: فلو كشَفَ له إلخ) أي: للاستنجاء بالماء، قال "نوح أفندي": ((لأنَّ كشفَ
العورة حرامٌ، ومرتكبُ الحرام فاسقٌ، سواءٌ تجاوَزَ النجَسُ المخرجَ أوْ لا، وسواءٌ كان المحاوِزُ أكثرَ
من الدرهم أو أقلَّ))، ومَنْ فهِمَ غيرَ هذا فقد سها؛ لِما في "شرح المنية"(٥) عن "البزَّازِيَّة"(٦):
= الأمر، حتى استوعب النهيُ الأزمان ولم يقتضِ الأمر التكرار، كذا في "فتاوى البزازي"، والمرأة إذا وجب عليها
الغسل ولم تجد سترة بين الرجال فإنّها تؤخره بخلاف الرجل إذا لم يجد سترة بين الرجال لا يؤخره ويغتسل، وفي
الاستنجاء إذا لم يجد سترة يتركه، والفرق أن النجاسة الحكمية أقوى، والدليل على ذلك أنَّ الصلاة لا تجوز مع
وجود الحدث بحال، وتجوز مع وجود النجاسة الحقيقية إذا كانت مقدار الدرهم في المغلظة، ودون ربع ثوب في
المخففة، وذلك لأنَّ قليل النجس معفوٌ عنه دون قليل الحدث كذا قالوا، وفيه: أنَّ الجبيرة يجوز ترك المسح عليها
مطلقاً، من المسح أولاً عند الإمام مع أن تحتها حدثاً، كذا أفاده بعض الفضلاء. تنبيه: المرأة بين النساء كالرجل بين
الرجال كذا في "شرح النقاية". بقي لو كان الرجل بين النساء وقياسه أن يؤخره كالمرأة بين الرجال فإنَّ نظر الجنس
إلى الجنس أخفُّ من نظر غير الجنس إلى الجنس كما في "المبسوط")).
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - منهيات الوضوء ١/ ق ٨٠/أ.
(٢) المقولة [١٢٩٤] قوله: ((وينبغي لها)).
(٣) ٥١٧/١ - ٥١٨ "در".
(٤) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣١/ب.
(٥) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - مناهي الوضوء ص٣٩ -.
(٦) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل في كيفية الاستنجاء ١٤/٤ (هامش"الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٤٢٢
حاشية ابن عابدين
لا لو كشَفَ لاغتسال أو تغوُّطٍ كما بحثَهُ "ابن الشِّحنة" (١) (سنّةٌ) مطلقاً، به يُفتَى،
!! (٢)
"سراج
((أَنَّ النهىَ راجحٌ على الأمر)).
[٣٠١٨] (قولُهُ: لا لو كشَفَ إلخ) أمَّ التغوُّطُ فظاهرٌ؛ لأَنَّه أمرٌ طبيعيٌّ ضروريٌّ لا انفكاكَ
عنه، وأمَّا الاغتسالُ فقد ذكَرَهُ قبيل سُنن الغُسل، وبَيَّنا هناك(٣) أنَّ الصُّور إحدى وعشرون لا
يغتسِلُ فيها إلاَّ في صورتين، وهما: رجُلٌ بين رجالٍ، وامرأةٌ بين نساءٍ، فيجبُ حملُ كلامه عليهما
فقط. اهـ "ح"(٤). أي: لأنَّ نظر الجنس إلى الجنس أخفُّ، وقد نقَلَ في "البحر "(٥) لزومَ الاغتسال
في الصُّورتين المذكورتين عن "شرح النقاية"، وقدَّمنا هناك(٦) نقلَهُ عن "القنية"، وأنَّ "شارح المنية"
قال: ((إِنَّه غيرُ مسلَّمٍ؛ لأنَّ ترك المنهيِّ مقدٌَّ على فعل المأمور، وللغُسل خلَفٌ، وهو التيمُّمُ))، وقد
مرَّ تمامُهُ(٦)، فراجعْه. [١/ق٢٥٨/أ]
[٣٠١٩] (قولُهُ: سنَّةٌ مطلقاً) أي: في زماننا وزمان الصحابة لقوله تعالى:
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَظَهَرُواْ وَ اللهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾ [التوبة -١٠٨]، قيل: لَمَّا نزلَتْ قال
رسولُ اللهِ ﴿: (يا أهلَ قبا، إنَّ الله أثنى عليكم، فماذا تصنعون عند الغائط؟))، قالوا: نُشْبِعُ الغائطَ
الأحجارَ، ثم نُتْبِعُ الأحجارَ الماءَ(٧). فكان الجمعُ سنَّةً على الإطلاق في كلِّ زمانٍ، وهو الصحيحُ،
وعليه الفتوى، وقيل: ذلك في زماننا؛ لأنّهم كانوا يُبعرون. اهـ "إمداد"(٨).
٢٢٥/١
(١) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
(٢) "السّراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١٩/أ.
(٣) المقولة [١٢٩٣] قوله: ((كما بسطه ابن الشحنة)).
(٤) "ح": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٣١/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣١/١.
(٦) المقولة [١٢٩١] قوله: ((لا يدعه وإن رأوه)).
(٧) أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢١٢/١، وقال: رواه البزار وفيه: محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، ضعَّفه
البخاري والنسائي وغيرهما.
(٨) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٢٠/أ.

الجزء الثاني
٤٢٣
فصل في الاستنجاء
(ويجبُ) أي: يُفرَضُ غسلُهُ (إِنْ جاوَزَ المخرجَ نَحَسٌ) مانعٌ،
ثُمَّ اعلمْ أنَّ الجمع بين الماءِ والحجَرِ أفضلُ، ويليه في الفضل الاقتصارُ على الماءِ، ويليه
الاقتصارُ على الحجر، وتحصُلُ السُّنةُ بالكلِّ وإنْ تفاوَتَ الفضلُ كما أفاده في "الإِمداد"(١) وغيره.
[٣٠٢٠) (قولُهُ: ويجبُ، أي: يُفرَضُ غَسْلُهُ) أعادَ الضميرَ على الغَسل دون الاستنجاء لأنَّ
غَسل ما عدا المخرجَ لا يُسمَّى استنجاءً، وفسَّرَ الوجوبَ بذلك لأنَّ المراد بالمجاوِزِ ما زادَ على(٢)
الدِّرهم بقرينة ما بعده، ولقوله في "المجتبى": ((لا يجبُ الغَسلُ بالماء إلاَّ إذا تجاوَزَ ما على نفسٍ
المخرج وما حولَهُ مِنْ موضعِ الشَّرج، وكان المجاوِزُ أكثرَ مِنْ قَدْرِ الدرهم)) اهـ. ولذا قَّدَ
"الشارحُ" النحسَ بقوله: ((مانِعٌ)).
والشَّرج بالشين المعجمة والجيم: بجمَعُ حَلْقةِ الدُّبُر الذي ينطبقُ كما في "المصباح(٣).
[٣٠٢١] (قولُهُ: إنْ جاوَزَ المخرجَ) يشملُ الإحليلَ، ففي "التاتر خانَّةُ"(٤): ((وإذا أصابَ طرفَ
الإحليل من البول أكثرُ من الدِّرهم يجبُ غَسْلُهُ، هو الصحيحُ(٥)، ولو مسَحَهُ بالمدَرِ قيل: يُجزئُه
قياساً على المقعدة، وقيل: لا، وهو الصحيحُ)) اهـ.
أقولُ: والظاهرُ أَنَّه لو أصابَ قُلْفَةَ الأقلفِ القدرُ المانع فحكمُهُ كذلك.
(تنبيةٌ)
مقتضى اقتصارِهم على المخرج - أي: وما حولَهُ من موضعِ الشَّرج كما قدَّمناه آنفاً (٦) عن
"المجتبى" - أَنَّه يجبُ غَسلُ المجاوِزِ لذلك وإنْ لم يجاوزِ الغائطُ الصَّفْحة - وهي ما ينضَمُّ من الأليتين
عند القيام - والبولُ الحشفةَ خلافاً للشافعيَّة، حيث اكتفَوا بالحجَرِ إنْ لم يجاوِزْ ذلك.
(١) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٢٠/أ.
(٢) في"م": ((من)) وهو خطأ.
(٣) "المصباح": مادة((شرج)).
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأول في الوضوء ١٠٥/١.
(٥) قوله: ((هو الصحيح)) نقله في "التاتر خانية" عن "النصاب".
(٦) في المقولة السابقة.

قسم العبادات
٤٢٤
حاشية ابن عابدين
ويُعتَبَرُ القدْرُ المانعُ.
[٣٠٢٢] (قولُهُ: ويُعتبرُ إلخ) أي: خلافاً لـ "محمَّدٍ".
والحاصلُ: أنَّ ما جاوَزَ المخرجَ إِنْ زادَ على الدِّرهم في نفسه يفترضُ غَسلُهُ اتفاقاً، وإن زادَ
بضَمِّ ما على المخرج إليه لا يُفرَضُ عندهما بناءً على أنَّ ما على المخرَجِ في حكم الباطن عندهما،
فيسقُطُ اعتبارُهُ مطلقاً، [١/ق٢٥٨/ب] حتى لا يُضَمُّ إلى ما على بدَّنِه من النجس، وعند "محمَّدٍ":
يُفْرَضُ غَسْلُهُ بناءً على أنَّ ما على المخرج في حكم الظاهر عنده، فلا يسقُطُ اعتبارُهُ ويُضَمُّ؛ لأنَّ
العفو عنه لا يستلزِمُ كونَهُ في حكم الباطن بدليل وجوبِ غَسِهِ في الجنابةِ والحيضِ، وفيما لو أصابَهُ
نجسٌ من غيره على الصحيح. اهـ "نوح" عن "البرهان"، والصَّحيحُ قولُهما، "قاسم".
قلت: وعليه "الكنزُ"(١) و"المصنّفُ"، واستوجَهَ في "الحلبة"(٢) قولَ "محمَّدٍ"، وأَيَّدَهُ بكلام
"الفتح"(٣) حيث بحَثَ في دليلهما، وبقول "الغزنويِّ" في "مقدِّمته": ((قال أصحابنا: مَنِ استجمَرَ
بالأحجار، وأصابته نجاسةٌ يسيرةٌ لم تَجُرْ صلاُهُ؛ لأَنَّه إذا جُمِعَ زادَ على الدرهم)) اهـ.
وقدَّمنا (٤) عن "الاختيار": ((أَنَّه الأحوط))، وعليه فالواجبُ ليس غَسْلَ المتحاوِزِ بعينه ولا
الجميعِ، بل المتجاوزِ أو ما على المخرج كما حرَّرَهُ في "الحلبة "(٥)، أي: لأَنَّه لو تُرِكَ أحدُهما وهو
درهمٌ أو أقلُّ كان عفواً، ثم قال(٦): ((إنَّ قولهم بوجوب غَسلِ قَدْرِ الدرهم لقُرِبِهِ من الفرض -
وهو الزَّائدُ على قدْرِ الدرهم - الظَّاهرُ أَنَّه من تصرُّفاتِ بعضِ المشايخ، وأَنَّه غيرُ مأثورٍ عن أصحاب
المذهب؛ لأنَّ الحكم الشرعيَّ لا يثُبُتُ بمجرَّدِ الرَّأي)) اهـ. وقدَّمنا(٧) عنه في الأنجاس نحوَ ذلك.
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٧/١.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥٨/ب وما بعدها.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الاستنجاء ١٩٠/١.
(٤) المقولة [٢٩٩٦] قوله: ((وما قيل إلخ)).
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥٧/أ.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥٧/ب بتصرف.
(٧) المقولة [٢٨٥٧] قوله: ((وعفا الشارع)).

الجزء الثاني
٤٢٥
فصل في الاستنجاء
لصلاةٍ (فيما وراءَ موضع الاستنجاء) لأنَّ ما على المخرج ساقطٌ شرعاً وإنْ كثُرَ،
ولهذا لا تكرهُ الصلاة معه.
(وكُرِهَ) تحريماً (بعظمٍ وطعامٍ ورَوْثٍ)
(٣٠٢٣] (قولُهُ: لصلاةٍ) متعلّقٌ بالمانعِ.
(٣٠٢٤] (قولُهُ: ولهذا إلخ) استدلالٌ على سقوطِ اعتبارِ ما على المخرج، وفيه أنَّ تركَ غَسلِ
ما على المخرج إنما لا يكرهُ بعد الاستجمار كما عرفَتَهُ لا مطلقاً، فالدليلُ أخصُّ من المدَّعى، وتمامُهُ
في "الحلبة"(١).
[٣٠٢٥) (قولُهُ: وكُرِهَ تحريماً إلخ) كذا استظهَرَهُ في "البحر"(٢) للّهي الوارِدِ في ذلك، أي: فيما
ذكَرَهُ في "الكنز" بقوله: ((لا بعظمٍ ورَوَثٍ وطعامٍ ويمينٍ)).
أقولُ: أمَّا العظمُ والرَّوثُ فالَّهيُ ورَدَ فيهما صريحاً في "صحيح مسلمٍ"(٣) لَمَّا سألَهُ الجنُّ
الزادَ، فقال: ((لكم كلُّ عظمٍ ذُكِرَ اسمُ الله عليه يقعُ في أيديكم أوفَرَ ما كان لحماً، وكلُّ بعرةٍ
عَلَفٌ لدوابّكم))، فقال النبيُّ ◌َ﴿ّ: ((فلا تستنجُوا بهما، فإنَّهما طعامُ إخوانكم)).
(قولُهُ: استدلالٌ على سقوطِ اعتبارِ ما على المخرج إلخ) لا يخفى أنَّ مدخول لامِ التعليل هو
الدليلُ، فيكونُ الكلام مَسُوقاً للاستدلال على عدم كراهة الصلاة معه بسقوط اعتبار ما على المخرج،
ففي كلامِهِ قلبٌ، ويقال: سقوطُ ما على المخرج يدلُّ على عدمِ الكراهة ولو بدونِ استحمارٍ مع أنَّه إنما
هو فيما إذا حصَلَ الاستجمار.
(١) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥٨/أ - ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٥٥/١.
(٣) أخرجه أحمد ٤٣٦/١، ومسلم (٤٥٠) (١٥٠) كتاب الصلاة - باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن،
وأبو داود(٨٥) مختصراً، والترمذي(٣٢٥٨) كتاب تفسير القرآن باب (٤٧) من سورة الأحقاف، وقال: هذا
حسن صحيح. وابن خزيمة في "صحيحه" (٨٢) كتاب الطهارة - باب ذكر العلة التي من أجلها زُجرَ عن
الاستنجاء بالعظام والروث، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١٢٤/١ كتاب الطهارة - باب الاستجمار
بالعظام. عن عبد الله بن مسعودڅله مرفوعاً.

قسم العبادات
٤٢٦
حاشية ابن عابدين
وعَلَّلَ في "الهداية"(١) للرَّث بالنجاسة، وإليه يشيرُ قولُهُ ﴿ في حديثٍ آخرَ: «إِنَّها
رِكْسٌ)(٢)، لكنَّ الظاهر أنَّ هذا لا يفيدُ التحريم، ومثلُهُ يقالُ في الاستنجاء بحجَرِ استُنجِيَ به، إلاَّ
أنْ يكون فيه نهيٌّ أيضاً.
قال في "الحلبة"(٣): ((وإذا ثبَتَ [١/ق ٢٥٩ /أ] النَّهيُ في مطعومِ الجنِّ وعَلَفِ دوابِّهم ففي
مطعومِ الإنس وعَلَفِ دوابّهم بالأَولى، وأمَّا اليمينُ فهو في "الصحيحين"(٤) أيضاً: ((إذا بالَ أحدُكم
فلا يأخذنَّ ذكرَهُ بيمينه، ولا يستنجي بيمينه)))).
وأمَّا الآجُرُّ والخَرَفُ فعَلَّهُ في "البحر "(٥): ((بأَنَّه يضرُّ المقعدةَ))، فإنْ تُيُقِنَ الضَّررُ فظاهرٌ، وإلاّ
فالظاهرُ عدمُ الكراهة التحريميَّة، وقد قال في "الحلبة"(٦): ((لم أقفْ على نصٍّ يفيدُ النهيَ عن
الاستنجاء بهما)).
(١) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في الاستنجاء ٣٨/١.
(٢) أخرجه أحمد ٤١٨/١-٤٢٧-٤٥٠، والبخاري (١٥٦) كتاب الوضوء - باب لا يُستنجى بروث، والترمذي(١٧)
كتاب أبواب الطهارة - باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين، وقال: هذا حديث فيه اضطراب، وابن ماجه (٣١٤)
كتاب الطهارة وسننها - باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروثة والرمة، والدارقطني ٥٥/١ كتاب الطهارة -
باب الاستنجاء، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار"٣٤٧/١.
وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على "مسند أحمد" ١٤٦/٦: إسناده صحيح.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٨١/أ.
(٤) أخرجه أحمد ٣٠٠/٥، والبخاري (١٥٤) كتاب الوضوء - باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال، ومسلم (٢٦٧) كتاب
الطهارة - باب النهي عن الاستنجاء باليمين، وأبو داود (٣١) كتاب الطهارة - باب كراهة مسِّ الذكر باليمين في
الاستبراء، والترمذي(١٥) كتاب أبواب الطهارة - باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين، وقال: حديث حسن
صحيح، والنسائي ٢٥/١، ٤٣، وابن ماجه (٣١٠) كتاب الطهارة وسننها - باب كراهة مسِّ الذكر باليمين
والاستنجاء باليمين، والدارمي ١٨٢/١ كتاب الطهارة - باب النهي عن الاستنجاء باليمين عن قتادة تزيته مرفوعاً.
وفي الباب عن عائشة وسلمان وأبي هريرة وسهل بن حنيفڅ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٥٥/١.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٨٢/أ - ب.

الجزء الثاني
٤٢٧
فصل في الاستنجاء
...
وأمَّ الشيءُ المحترم فِلِما ثبَتَ في "الصحيحين"(١) من النهي عن إضاعة المال.
وأمَّا حقُّ الغير - ولو جدارَ مسجدٍ أو مِلْكَ آدميٍّ - فلِما فيه من التعدِّي المحرَّمِ.
وأمَّا الفحمُ فعلَّلهُ في "البحر"(٢): ((بأنّه يضُرُّ المقعدةَ)) كالزُّجاج والخزَف، وفيه ما
علمتَهُ، نعمْ في "الحلبة"(٣): ((رَوَى "أبو داودَ"(٤) عن "ابن مسعودٍ" رضي الله تعالى عنهما
٢٢٦/١ قال: ((قدِمَ وفدُ الجِنِّ على النبيِّ ◌َ﴿، فقالوا: يا محمَّدُ، إِنْهَ أُمََّك أنْ يستنجوا بعظمٍ أو رَوثةٍ
أو حُمَمَةٍ، فإنَّ الله سبحانه وتعالى جعَلَ لنا فيها رزقاً، قال: فنهَى النبيُّ﴿ عن ذلك))، قال
"أبو عبيدٍ"(٥): والحُمَمُّ: الفحم)) اهـ.
(١) أخرجه البخاري (١٤٧٧) كتاب الزكاة - باب قول الله تعالى ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافَأْ﴾ من حديث
المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما، ومسلم (١٧١٥) كتاب الأقضية - باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة،
من حديث أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله وَ﴾: ((إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن
تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال،
وإضاعة المال)). وحديث المغيرة بنحوه. وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٤٢) عن أبي هريرة تض ◌ُله مرفوعاً.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٥٥/١.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٨١/أ.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٩) كتاب الطهارة - باب ما ينهى عنه أن يُسْتَنجَى به، والدراقطني ٥٥/١، ٥٦ كتاب الطهارة -
باب الاستنجاء، وقال: ((إسناده شامي ليس بثابت))، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ١٠٩/١ وقال: ((إسناده
شامي غير قوي، والله أعلم)) وقال ابن التركماني: ((ينبغي أن يكون هذا الإسناد صحيحاً فإنَّ عبد الله بن فيروز
الديلمي وثّقه ابن معين والعجلي، وروى له صاحب "المستدرك" وأصحاب السنن الأربعة، ويحيى بن أبي عمرو
الشيباني وثقه يعقوب بن أبي سفيان والحاكم والعجلي، وقال ابن حنبل: ثقة ثقة، وروى له صاحب "المستدرك"
وأصحاب السنن الأربعة وهو حمصي. وقال أحمد بن حنبل: ((ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيحة))،
وحَيْوَة الحمصي أخرج عنه البخاري وأبو داود، وروى عنه أيضاً أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي.
انظر "سنن البيهقي" ١١٠/١.
(٥) "غريب الحديث": ١٩٤/١.

١
قسم العبادات
٤٢٨
حاشية ابن عابدين
يابسٍ كَعَذِرَةٍ يابسةٍ، وحَجَرِ استُنجِيَ به إلاَّ بَحَرْفٍ آخرَ (وآجُرِّ وخَزَفٍ وزجاجٍ و)
شيءٍ محترمٍ (كخرقةٍ ديباجٍ، ويمينٍ) ولا عذرَ بُيُسراه، فلو مشلولةً ولم يجد ماءً جارياً ..
(تنبيةٌ)
اسْتُفِيدَ من حديثِ "مسلمٍ)" السَّابِقِ(١) أنَّه لو كان عظمَ ميتةٍ لا يكرهُ الاستنجاءُ به، تأمَّلْ.
[٣٠٢٦] (قولُهُ: يابسٍ) قَّدَ به لأَنَّه لَمَّا كان لا ينفصِلُ منه شيءٌ صحَّ الاستنجاءُ به؛ لأَنَّه
يجفِّفُ ما على البدن من النجاسة الرَّطبة، "بحر "(٢). أي: بخلاف الرَّطب، فإِنَّه لا يجفّفُ، فلا
يصحُّ به أصلاً.
[٣٠٢٧] (قولُهُ: استُنجِيَ به) بالبناء للمجهول.
[٣٠٢٨] (قولُهُ: إلاَّ بحرفٍ آخرَ) أي: لم تُصِبْهُ النجاسةُ.
[٣٠٢٩] (قولُهُ: وآجُرِّ) بالمدِّ: الطُّوْبُ المشويُّ.
٣٠٣٠٦] (قولُهُ: وخَرَفٍ) بفتح الخاء المعجمة والزَّائِ بعدها فاءّ، في "القاموس"(٣): ((هو ما يُعمَلُ
من طينٍ يُشوَى بالنار حتى يكونَ فخَّاراً))، "حلبة"(٤). وفسَّرَهُ في "الإمداد"(٥) بصغار الحصا.
والظاهرُ: أَنَّه أرادَ الخذْفَ بالذال المعجمة السَّاكنة؛ لأَنَّه - كما في "القاموس" (٦) - ((الرميُّ
بحصاةٍ أَو نَواةٍ أو نحوِهما بالسّابِتين))، فيكونُ أطلَقَ المصدرَ على اسمِ المفعول، تأمَّلْ.
(٣٠٣١) (قولُهُ: وشيءٍ محترمٍ) أي: ما لَه احترامٌ واعتبارٌ شرعاً(٧)، فيدخُلُ فيه كلُّ متقوِّمٍ إلَّ
الماءَ كما قدَّمناه (٨).
(١) في هذه المقولة.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٥٥/١.
(٣) "القاموس": مادة ((خزف)).
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٨٢ /ب بتصرف يسير.
(٥) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٢١/ب.
(٦) "القاموس": مادة ((خذف)).
(٧) من ((أطلق)) إلى ((شرعاً)) ساقط من "آ".
(٨) المقولة [٣٠٠٣] قوله: ((لا قيمة لها)).

الجزء الثاني
٤٢٩
فصل في الاستنجاء
والظاهرُ: أَنَّه يصدُقُ بما يساوي فَلْساً لكراهةِ إتلافه كما مرَّ(١)، ويدخُلُ فيه جزءُ الآدميِّ ولو
كافراً أو ميتاً، ولذا [١/ق٢٥٩/ب] لا يجوزُ كسرُ عظمِهِ، وصرَّحَ بعضُ الشافعيّة: بأنَّ من المحترم
جزءً حيوانٍ منّصلٍ به (٢) ولو فأرةً بخلاف المنفصِلِ عن حيوانٍ غيرِ آدمىٍّ اهـ.
وينبغي أنْ يدخلَ فيه كُناسةُ مسجدٍ، ولذا لا تُلقَى في محلٍ مُمْتَهَنٍ، ودخَلَ أيضاً ماء زمزم
كما قدَّمناه (٣) أوَّلَ فصل المياه، ويدخُلُ أيضاً الورَقُ(٤)، قال في "السِّراج"(٥): ((قيل:
إنّه ورَقُ الكتابة، وقيل: وَرَقُ الشجر، وأَيّهما كان فإنَّه مكروهٌ)) اهـ. وأقرَّه في "البحر"(٦) وغيره.
وانظرْ ما العلّةُ فِي وَرَقِ الشجر؟ ولعلَّها كونُهُ عَلَفاً للدوابِّ أو نعومتُهُ، فيكونُ ملوّناً غيرَ
مزيلٍ، وكذا ورَقُ الكتابة لصَقالته وتقوُّمِهِ، وله احتراٌ أيضاً لكونه آلةً لكتابةِ العِلْم، ولذا علَّلهُ في
"التاتر خانَّةً"(٧): ((بأنَّ تعظيمه من أدبِ الدين))، وفي كتب الشافعيّة: ((لا يجوزُ بما كُتِبَ عليه
شيءٌ من العلم المحترم كالحديثِ والفقهِ وما كان آلةً لذلك، أمَّا غيرُ المحترم كفلسفةٍ وتوراقٍ
وإنجيلٍ عُلِمَ تبدّلُهما وخلوُّهُما عن اسمٍ معظَّمٍ فيجوزُ الاستنجاءُ به)) اهـ.
ونقَلَ "القُهُستانيُ))(٨) الجوازَ بكتبِ الحكمِيَّات عن "الإِسنويِّ(٩) من الشافعيَّة، وأقرَّهُ.
(١) المقولة [٢٠٨٣] قوله: ((وإن نقص إلى قوله يتمم))، لكن التقدير هناك بدرهم، فليراجع.
(٢) قوله: ((متصل به)) هكذا بخطه، ولعلَّ الأصوب ((متصلاً)) بالنصب صفة ((جزء)) الواقع اسم أنَّ، اللهمَّ إلا أن يجعل
اسمها ضميرَ الشأن أو أنَّه رسم على لغة ربيعة، تأمل. اهـ مصححه.
(٣) المقولة [١٥٧٣] قوله: ((بلا كراهة)).
(٤) في "د" زيادة: ((فائدة: ذكر السبكي من الشافعية كراهة الاستنجاء بالورق الأبيض؛ لأنَّه خُلِقَ لأَن يُكْتَبَ فيه القرآنُ
ونحوُه من العلوم الشرعية. واعترضه ابن حجر بأنّه لو سُلِّمَ خلقُهُ لذلك فلا كراهة، بل يجوز إن كان خشناً مزیلاً
كما صرح به جماعة من المتأخرين، وإن كان فيه نشا فهو مستهلك . اهـ ملخصاً)).
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٢٠/أ.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٥٥/١.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأول في الوضوء ١٠٣/١.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في النجاسات ٦٦/١.
(٩) في كتابه "المهمات" على روضة الطالبين" للنووي، كما في القهستاني، والإسنوي هو: أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن
ابن علي، جمال الدين المصريّ الشافعيّ(ت ٧٧٢هـ). ("كشف الظنون" ٩٢٩/١-١٩١٤/٢،٩٣٠، "الدرر الكامنة" =

قسم العبادات
٤٣٠
حاشية ابن عابدين
ولا صابّاً ترَكَ الماء، ولو شُلَّتا سقَطَ أصلاً كمريض ومريضةٍ لم يجدا مَن يحلُّ
ے
جِماعُهُ (وفحمٍ وعَلَفِ حيوانٍ).
قلت: لكنْ نقلوا عندنا أنَّ للحروفِ حرمةً ولو مُقَطَّعةً، وذكَرَ بعضُ القرَّاءِ أنَّ حروفَ
الهجاء قرآنٌ أُنزِلَتْ على هودٍ عليه السلام، ومُفَادُه الحرمةُ بالمكتوب مطلقاً، وإذا كانت العلَّةُ في
الأبيضِ كونَهُ آلةً للكتابة كما ذكرناه(١) يؤخَذُ منها عدمُ الكراهة فيما لا يصلُحُ لها إذا كان قاِعاً
للنحاسة غيرَ متقوِّم كما قدَّمناه(٢) من جوازه بالخِرَقِ البوالي، وهل إذا كان متقوِّماً، ثمَّ قُطِعَ منه قطعةٌ
لا قيمة لها بعد القطع يكرهُ الاستنجاءُ بها أم لا؟ الظاهرُ الثاني؛ لأَنَّه لم يُستنجَ بمتقوِّمٍ، نعمْ قطعُهُ
لذلك الظَّاهِرُ كراهتُهُ لو بلا عذرٍ - بأنْ وَجَدَ غيرَه - لأنَّ نفس القطع إتلافٌ، والله تعالى أعلمُ.
(تنبيةٌ)
ينبغي تقييدُ الكراهة فيما له قيمةٌ بما إذا أدَّى إلى إتلافِهِ، أمَّا لو استنجى به مِنْ بولٍ أو منيٍّ"
مثلاً، وكان يُغسَلُ بعده فلا كراهةَ، إلاّ إذا كان شيئاً ثميناً تنقُصُ قيمتُهُ بغَسله كما يُفعَلُ في زماننا
بخرقةِ المنيِّ ليلة العرس، تأمَّلْ.
[٣٠٣٢] (قولُهُ: ولا صابَّ) أمَّا لو وَجَدَ صَبَّا كخادمٍ وزوجةٍ [١/ق ٢٦٠/أ] لا يتركُهُ كما في
"الإمداد"(٣)، وتقدَّمَ(٤) في التيمُّمِ الكلامُ على القادر بقدرةِ الغير، فراجعْه.
(٣٠٣٣] (قولُهُ: سَقَطَ أصلاً) أي: بالماءِ والحجَرِ.
[٣٠٣٤] (قولُهُ: كمريضٍ إلخ) في "التاتر خانَّةً "(٥): ((الرجلُ المريضُ إذا لم تكنْ له امرأةٌ ولا
أمَّةٌ، وله ابنٌ أو أخٌّ، وهو لا يقدِرُ على الوضوء قال: يوضِّئه ابنُهُ أو أخوه غيرَ الاستنجاء، فإنَّه
= ٣٥٤/٢ "البدر الطالع" ٣٥٢/١).
(١) في هذه المقولة.
(٢) المقولة [٣٠٠٢] قوله: ((مما هو عين طاهرة)).
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٢١/ب.
(٤) المقولة [٢٠٥٢] قوله: ((كما في "البحر")).
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأول في الوضوء ١٠٤/١ نقلاً عن "المحيط".

الجزء الثاني
٤٣١
فصل في الاستنجاء
وحقِّ غيرٍ وكلِّ ما يُنتفَعُ به (فلو فعَلَ أجزأَهُ) مع الكراهةِ لحصولِ الإِنقاء، وفيه
نظرٌ؛ لِما مرَّ(١) أَنَّه سنّةٌ لا غيرُ، فينبغي أنْ لا يكون مقيماً لها بالمنهيِّ عنه ..
.....
لا يمسُّ فرجَهُ، ويسقُطُ عنه، والمرأةُ المريضةُ إذا لم يكنْ لها زوجٌ، وهي لا تقدِرُ على الوضوء، ولها
بنتٌ أو أختٌ توضِّئُها، ويسقُطُ عنها الاستنجاءُ)) اهـ.
ولا يخفى أنَّ هذا التفصيل يجري فيمَنْ شَلَّتْ يداه؛ لأَنَّه في حكمِ المريض.
[٣٠٣٥] (قولُهُ: وحقِّ غيرٍ) أي: كحجَرِهِ ومائه المحرَزِ لو بلا إذنه - ومنه المسبَلُ للشرب
فقط - وجدارِ ولو لمسجدٍ أو دارٍ وَقْفٍ لم يمِلِكْ منافعَها كما مرَّ(٢).
[٣٠٣٦] (قولُهُ: وكلِّ ما يُنتَفَعُ به) أي: لِإِنْسِيٍّ أو جنّىٍّ أو دواِّهما، وظاهرُهُ: ولو مما لا
يُتْلَفُ، بأنْ كان يمكِنُ غَسُهُ.
[٣٠٣٧) (قولُهُ: مع الكراهةِ) أي: التحريميَّةِ في المنهيِّ عنه، والتنزيهيَّةِ في غيره كما عُلِمَ مما
قرَّرناه أوَّلاً(٣)، وما ذكَرَهُ "الزاهديُّ" عن "النظم": ((من أَنَّه يستنجي بثلاثةِ أمدارٍ، فإنْ لم يجدْ
فَبِالأَحجارٍ، فإنْ لم يجدْ فبثلاثةٍ أَكُفٍّ من ترابٍ لا بما سواها من الخرقةِ والقطنِ ونحوهما؛ لأنّه
رُوِيَ في الحديث: ((أَنّ يُورِثُ الفقرَ))(٤)) اهـ. قال في "الحلبة"(٥): ((إِنَّه غيرُ ظاهرِ الوجهِ مع
مخالفته لعامَّةِ الكتب، وكذا قولُهُ: لا بما سواها إلخ، فإنَّ المكروهَ المتقوِّمُ لا مطلقاً، وما ذكَرَهُ من
الحديث اللَّهُ أعلمُ به)) اهـ ملخّصاً.
[٣٠٣٨] (قولُهُ: وفيه نظرٌ إلخ) كذا في "البحر" (٦)، وأجابَ في "النهر" (٧): ((بأنَّ المسنون إنما
(١) صـ ٤٢٢ - "در".
(٢) المقولة [٣٠٠٤] قوله: ((كمدر)).
(٣) المقولة [٣٠٢٥] قوله: ((وكره تحريماً إلخ)).
(٤) لم نجده في المصادر الحديثية التي بين أيدينا، وقد ذكر في كتب الفقه.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ٥٢/أ.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٥٥/١.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٢/أ.

قسم العبادات
٤٣٢
حاشية ابن عابدين
(كما كُرهَ) تحريماً (استقبالُ قِبلةٍ واستدبارُها لٍ) أجلِ (بولِ أو غائطٍ) فلو للاستنجاء ...
هو الإزالةُ، ونحوُ الحجَرِ لم يُقصَدْ بذاته، بل لأَنَّه مزيلٌ، غايةُ الأمر أنَّ الإزالة بهذا الخاصِّ
منهيٌّ، وذا لا ينفي كونَهُ مُزيلاً، ونظيرُهُ: لو صلَّى السنَّةَ في أرضٍ مغصوبةٍ كان آتياً بها مع
ارتكابِ المنهيِّ عنه)) اهـ.
قلت: وأصلُ الجواب مصرٌَّ به في "كافي النسفيِّ))(١)، حيث قال: ((لأنَّ النهي في غيره، فلا
٢٢٧/١ ينفِى مشروعيَّتَه كما لو توضَّأ بماءٍ مغصوبٍ، أو استنجَى بحجَرِ مغصوبٍ)).
قلت: والظاهرُ أَنَّ أرادَ بالمشروعيَّةِ الصحَّةَ، لكنْ يقالُ عليه: إنَّ المقصود من السُّنة الثوابُ،
وهو منافٍ للنهى بخلاف الفرض، فإنَّه مع النهي يحصُلُ به سقوطُ المطالبة كمَنْ توضَّأ بماء
مغصوبٍ، فإنَّه يسقُطُ به الفرضُ وإِنْ أَثِمَ بخلاف ما إذا جدَّدَ به [١/ق ٢٦٠/ب] الوضوءَ، فالظاهرُ
أَنَّه - وإنْ صحَّ - لم يكنْ له ثوابٌ.
[٣٠٣٩] (قولُهُ: استقبالُ قبلةٍ) أي: جهتِها كما في الصلاة فيما يظهرُ، ونصَّ الشافعيَّةُ على أنّه لو
استقبَّلَها بصدْرِهِ، وحوَّلَ ذَكَرَه عنها، وبالَ لم يكرهْ بخلاف عكسِهِ اهـ. أي: فالمعتبرُ الاستقبالُ
بالفَرْجِ، وهو ظاهرُ قول "محمَّدٍ" في "الجامع الصغير "(٢): ((يكرهُ أنْ يستقبلَ القبلةَ بالفرج في الخلاء))،
(قولُ "المصنّف": كما كُرِهَ استقبالُ القبلة) قال في "الهداية": ((ويكره استقبال القبلة بالفرجِ في
بيت الخلاء؛ لأَنَّه عليه السلام نَهَى عن ذلك، والاستدبارُ يكره في روايةٍ لِما فيه من تركِ التعظيم، ولا
يكرهُ في روايةٍ؛ لأنَّ المستدبر فرجُهُ غيرُ مُوازٍ للقبلة، وما يَنحَطُّ منه إلى الأرض بخلاف المستقبل؛ لأنَّ
فرجه مُوازٍ لها، وما يَنحَطُّ منه يَنحَطُّ إليها)) اهـ قال في "العناية": ((يُعارِضُ هذا ما جاءَ في حديث
"ابن عمر" أنَّه عليه السلام قال: ((لا تستقبلوا القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ ولا تستدبروها، ولكنْ شرِّقُوا أو
غرِّبُوا))، أجيب بأنَّه محمولٌ على أنَّ المراد به أهلُ المدينة؛ لأنّهم إذا استدبروها صاروا متوجِّهين إلى بيت
المقدس فكان مكروهاً)) اهـ. فعلى هذا الجوابِ يكرهُ استقبال الحرم المدنيِّ أيضاً وإنْ لم يكن متوجِّهاً
نحو القبلة، وكذا على ما علّلَ به للرِّواية الأخرى من تركِ التعظيم.
(١) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - الاستنجاء ١/ق ١٩/ب وعبارته: ((لأنَّ النهي لمعنى في غيره)).
(٢) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب في صلاة المرأة - وربع ساقها مكشوف صـ٨٢ -.

الجزء الثاني
٤٣٣
فصل في الاستنجاء
لم يكره (ولو في بنيانٍ) لإطلاقِ النهي (فإِنْ جلَسَ مُستقبلاً لها) غافلاً (ثمَّ ذكَرَهُ
انحرَفَ) ندباً؛ لحديث "الطبريِّ"(١): ((مَن جَلَسَ يبولُ.
وهل يلزمُهُ التحرِّي لو اشتبهتْ عليه كما في الصلاة؟ الظاهرُ نعم. ولو هَبَّتْ رِيحٌ عن يمينِ القبلة
ويسارِها، وغَلَبَ على ظنّه عَوْدُ النجاسة عليه فالظاهرُ أَنَّه يتعَّنُ عليه استدبارُ القبلة حيث أمكنَ؛
لأنَّ الاستقبال أفحشُ، والله أعلمُ.
[٣٠٤٠] (قولُهُ: واستدبارُها) هو الصحيحُ، وُرِوَي عن "أبي حنيفة": أَنَّه يَحِلُّ الاستدبارُ.
[٣٠٤١) (قولُهُ: لم يكرهْ) أي: تحريماً لِما في "المنية(٢): ((أنَّ تركه أدبٌ))، ولما مرَّ(٣) في
الغُسل أنَّ من آدابه أنْ لا يستقبلَ القبلة؛ لأَنَّه يكون غالباً مع كشفِ العورة، حتى لو كانتْ
مستورةً لا بأس به، ولقولهم: يكرهُ مدُّ الرِّجْلين إلى القبلة في النوم وغيرِهِ عمداً، وكذا في حالٍ
مواقعةِ أهله.
[٣٠٤٢] (قولُهُ: لإطلاقِ النهى) وهو قوله :﴿ّ: ((إذا أتيتُمُ الغائطَ فلا تستقبلوا القبلةَ ولا
تستدبِرُوها، ولكنْ شرِّقوا أو غرِّبوا)) رواه "السنَّةُ(٤)، وفيه ردٌّ لروايةٍ حلِّ الاستدبار، ولقول
"الشافعيِّ" بعدم الكراهةِ في البُنْيانِ أخذاً من قول "ابن عمر" رضي الله تعالى عنهما: ((رَقِيتُ
يوماً على بيتِ "حفصةً"، فرأيتُ رسول اللهِوَّ يقضي حاجَتَهُ مستقبلَ الشَّامِ مستدِرَ الكعبةِ))
رواه "الشيخان"(٥).
(١) أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" كما في "نصب الراية" ١٠٣/٢. وله شاهد عند الدارقطني ٥٧/١ كتاب
الطهارة - باب الاستنجاء عن طاووس مرسلاً.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - مناهي الوضوء صـ٣٨- والعبارة لشارح "المنية".
(٣) ٥١٩/١ "در".
(٤) أخرجه مالك ١٩٣/١، وأحمد ٤١٤/٥، ٤١٥، ٤١٦، ٤١٧، والبخاري (٣٩٤) كتاب الصلاة - باب قبلة أهل
المدينة وأهل الشام والمشرق، ومسلم (٢٦٤) كتاب الطهارة - باب الاستطابة، وأبو داود (٩) كتاب الطهارة - باب
كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، والترمذي (٨) كتاب أبواب الطهارة - باب في النهي عن استقبال القبلة
بغائط أو بول، والنسائي ٢٢/١، ٢٣ كتاب الطهارة - باب الأمر باستقبال الشرق أو الغرب عند الحاجة، وابن
ماجه (٣١٨) كتاب الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة، كلُّهم من حديث أبي أيوب الأنصاري ظ ◌ُله مرفوعاً.
(٥) أخرجه مالك في "الموطأ"١٩٣/١، ١٩٤ كتاب القبلة - باب الرخصة لاستقبال القبلة لبول أو غائط، وأحمد ٤١/٢، ٩٩، =

قسم العبادات
٤٣٤
حاشية ابن عابدين
قُبالةَ القبلة فذكَرَها فانحرَفَ عنها إجلالاً لها لم يَقُمْ من مجلسه حتى يُغفرَ له)) (إِنْ
أمكَّنَهُ وإِلاَّ فلا) بأسَ.
(وكذا يكرهُ) هذه تعمُّ التحريميَّةَ والتنزيهَّةَ.
مطلبٌ: القولُ مرجَّحٌ على الفعل
ورُجِّحَ الأَوَّلُ بأَنَّه قولٌ، وهذا فعلٌ، والقولُ أَولى؛ لأنَّ الفعل يحتمِلُ الخصوصيَّةَ والعُذْرَ وغيرَ
ذلك، وبأنّه محرّمٌ، وهذا مبيحٌ، والمحرِّمُ مقدَّمٌ، وتمامُهُ في "شرح المنية"(١).
(٣٠٤٣] (قولُهُ: قُبالةَ) بضمِّ القاف بمعنى تِجاهَ، "قاموس"(٢). اهـ "ط"(٣).
[٣٠٤٤] (قولُهُ: فانحرَفَ عنها) أي: بُجُمْلِتِهِ أو بقُبُله حتى خرجَ عن جهتِها، والكلامُ مع
الإِمكان، فليس في الحديث دلالةٌ على أنَّ المنهيَّ استقبالُ العين كما لا يخفى، فافهم.
[٣٠٤٥) (قولُهُ: حتى يُغْفَرَ له) أي: تقصيرُهُ في عدمٍ تُّتِهِ حتى غفَلَ واستقبَلَها، أو المرادُ غُفرانُ
ما شاء الله تعالى من ذنوبه الصغائرِ، ﴿إِنَّالْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ ﴾[ هود - ١١٤].
[٣٠٤٦] (قولُهُ: وإلاَّ فلا بأسَ) أي: وإنْ لم يمكنْهُ فلا بأسَ، والمرادُ نفيُ الكراهة أصلاً،
ويحتملُ أنَّ [١/ق ٢٦١/أ] المعنى: وإنْ لم ينحرِفْ مع الإمكان فلا بأسَ كما في "النهاية"،
وحينئذٍ فالمرادُ به خلافُ الأولى كما هو الشَّائعُ في استعماله، وإلى ذلك أشارَ "الشارحُ" أوَّلاً
بقوله: ((ندباً)).
[٣٠٤٧] (قولُهُ: هذه إلخ) الإشارةُ إلى الكراهة المذكورة في الأشياء الآتية، أي: بخلاف كراهةٍ
= والبخاري (١٤٨) و(١٤٩) كتاب الوضوء - باب التبرز في البيوت، ومسلم (٢٦٦) كتاب الطهارة - باب
الاستطابة، وأبو داود (١٢) كتاب الطهارة - باب الرخصة في ذلك، والترمذي (١١) كتاب أبواب الطهارة - باب
ما جاء من الرخصة في ذلك، والنسائي ٢٣/١-٢٤ كتاب الطهارة - باب الرخصة في ذلك في البيوت، وابن ماجه
(٣٢٢) كتاب الطهارة - باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحارى.
(١) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - مناهي الوضوء صـ ٣٨ -.
(٢) "القاموس": مادة ((قبل)).
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٦/١.

الجزء الثاني
٤٣٥
فصل في الاستنجاء
(للمرأةِ إمساكُ صغيرِ لبولِ أو غائطٍ نحوَ القِبلةِ) وكذا مدُّ رجلِهِ إليها (واستقبالُ شمسٍ
وقمرِ لهما) أي: لأجلِ بولٍ أو غائطٍ (وبولٌ وغائطٌ.
الاستقبال والاستدبار، فإنَّها تحريميّةٌ كما نَصَّ عليه أوَّلاً، وأرادَ دفعَ ما قد يُتوهّمُ أنَّ كلَّ هذه
الأشياء الآتية مثلُها بمقتضى ظاهرِ التشبيهِ.
[٣٠٤٨] (قولُهُ: إمساكُ صغيرٍ) هذه الكراهةُ تحريميَّةٌ؛ لأَنَّه قد وُجدَ الفعلُ من المرأة، "ط) (١).
[٣٠٤٩] (قولُهُ: وكذا مدُّ رِجْلِهِ) هي كراهةٌ تنزيهيَّةٌ، "ط)(٢). لكنْ قال "الرحمتيُّ": ((سيأتي
في كتاب الشهادات أنّه بمدِّ الرِّجْلِ إليها تُرَدُّ شهادتُه، وهذا يقتضي التحريمَ، فلُحرَّرْ)) اهـ.
[٣٠٥٠] (قولُهُ: واستقبالُ شمسٍ وقمرٍ) لأنَّهما من آياتِ الله الباهرة، وقيل: لأجْلِ الملائكة
الذين معهما، "سراج"(٣). ونقل سيِّدي "عبدُ الغنيّ"(٤) عن "المفتاح "(٥): ((ولا يقعُدُ مستقبلاً
للشَّمس والقمرِ، ولا مُستدبراً لهما للتَّعظيم)) اهـ.
أقولُ: والظاهرُ أنَّ الكراهة هنا تنزيهيَّةٌ ما لم يَرِدْ نهيّ، وهل الكراهةُ هنا في الصَّحراءِ والْبُنيانِ
كما في القبلة، أم في الصَّحراءِ فقط؟ وهل استقبالُ القمر نهاراً كذلك؟ لم أره، والذي يظهرُ أنَّ
المراد استقبالُ عينهما مطلقاً لا جهتِهما ولا ضوئِهما، وأَنَّ لو كان ساترٌ يمنعُ عن العين ولو سحاباً
فلا كراهةَ، وأنَّ الكراهة إذا لم يكونا في كبدِ السماء، وإلاَّ فلا استقبالَ للعين، ولم أره أيضاً،
مطلبٌ: إدامةُ مدِّ الرِّجل جهةَ القبلة تُرَدُّ به الشهادةُ
(قولُهُ: وهذا يقتضي التحريمَ، فليحرَّر) ما سيأتي محمولٌ على ما إذا اعتادَ مَدَّ الرِّجلِ إليها، فلا تُقبَلُ
شهادتُهُ؛ لأنَّ الصغيرة تكونُ كبيرةً بالمداومة، فلا ينافي ما هنا من كراهة التنزيه.
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٦/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٦/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٢١/أ.
(٤) "نهاية المراد": مستحبات الوضوء صـ١٢٧ -.
(٥) هو "مفتاح السعادة" لكمال الدين بن آسايش الشِّرْواني (توفي قبل ٩٩٢هـ)، وتقدّمت ترجمته ٦٩٨/١.

قسم العبادات
٤٣٦
حاشية ابن عابدين
في ماءٍ ولو جارياً) في الأصحِّ، وفي "البحر": ((أَنّها في الرَّاكدِ تحريميَّةٌ، وفي الجاري تنزيهيَّةٌ))
فليحرَّرْ نقلاً، ثمَّ رأيتُ في "نور الإيضاح"(١) قال: ((واستقبالُ عينِ الشمس والقمر)).
(٣٠٥١] (قولُهُ: في ماءٍ ولو جارياً إلخ) لِمَا رَوَى "جابر بن عبد الله" عن النبيَِّ لَ: ((أَنَّه نَهَى
أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ)، رواه "مسلمٌ" و"النسائيُّ" و"ابن ماجه"(٢)، وعنه قال: (نَهَى
رسولُ اللهِوَّ أنْ يبالَ في الماء الجاري)، رواه "الطبرانيُّ" في "الأوسط "(٢) بسندٍ جَيِّدٍ، والمعنى فيه:
أَنَّه يُقْذّرُهُ، وربما أدَّى إلى تنجيسه، وأمَّ الرَّاكدُ القليلُ فيحرُمُ البولُ فيه؛ لأَنّ ينِّسُهُ، ويُتْلِفُ ماليّتَه،
ويغُرُّ غيرَه باستعماله، والتغوُّطُ في الماء أقبحُ من البول، وكذا إذا بالَ في إناءٍ، ثم صبَّهُ في الماء، أو
بالَ بقربِ النَّهر فجَرَى إليه، فكلُّهُ مذمومٌ قبيحٌ منهيٌّ عنه، قال "النوويُّ) في "شرح مسلمٍ"(٤).
(وأمَّا [١/ق ٢٦١/ب] انغماسُ المستنجي بحجَرٍ في ماءٍ قليلٍ فهو حرامٌ لتنجيسِ الماء وتلطّخِهِ
بالنجاسة، وإنْ كان جارياً فلا بأسَ به، وإنْ كان راكداً فلا تظهرُ كراهتُهُ؛ لأَنَّه ليس في معنى
البول، ولا يُقارِبُهُ، لكنَّ اجتنابه أحسنُ)) اهـ. كذا في "الضياء المعنويِّ شرحٍ مقدِّمة الغزنويّ".
[٣٠٥٢) (قولُهُ: وفي "البحر "(٥) إلخ) ذكَرَه في بحث المياهِ توفيقاً بصيغةِ ((ينبغي)).
(تنبية)
ينبغي أنْ يُستثنى من ذلك ما إذا كان في سفينةٍ في البحر، فلا يكرهُ له البولُ والتغوُّطُ فيه
٢٢٨/١
(١) "نور الإيضاح": كتاب الطهارة - فصل في تمام أحكام الاستنجاء صـ ٤٣ -.
(٢) أخرجه الإمام أحمد ٣٤١/٣-٣٥٠، وأخرجه مسلم (٢٨١) كتاب الطهارة - باب النهي عن البول في الماء الراكد،
والنسائي ١٩٧/١ كتاب الطهارة - باب ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، وابن ماجه (٣٤٣) كتاب
الطهارة - باب النهي عن البول في الماء الراكد، وابن حبان في "صحيحه" (١٢٥٠) كتاب الطهارة - باب المياه، وفي
الباب عن أبي هريرة تظلُّه.
(٣) أخرجه الطبراني في "الأوسط" ٢٤١/٢، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢٠٤/١ وقال: ((رواه الطبراني في
"الأوسط" ورجاله ثقات)). اهـ
(٤) "شرح صحيح مسلم": كتاب الطهارة - باب النهي عن البول في الماء الراكد ١٨٨/٣.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - ٩٢/١.

الجزء الثاني
٤٣٧
فصل في الاستنجاء
(وعلى طَرَفِ نهرٍ أو بئرٍ أو حوضٍ أو عينٍ، أو تحتَ شجرةٍ مثمرةٍ، أو في زَرْعٍ، أو في ظلِّ)
للضَّرورة، ومثلُهُ بيوتُ الخلاء في دمشقَ ونحوِها، فإنَّ ماءِها يجري دائماً، ولم يَبلُغْنا عن أحدٍ من
السَّلف منعُ قضاء الحاجة بها، ولعلَّ وجهه: أنَّ الماء الجاريَ بها بعد نزوله من الجُرْنِ إلى الأسفلِ لم
تبقَ له حرمةُ الماءِ الجاري لقربِ اتّصاله بالنجاسة، فلا تظهرُ فيه العلَّةُ المارَّةُ للكراهة؛ لأَنَّه لم يبقَ
مُعَدًَّ للانتفاع به، نعمْ ذكَرَ سيِّدي "عبدُ الغنيِّ" في "شرح الطريقة المحمديَّة"(١): ((أَنَّه يظهرُ المنعُ
من اتّخاذٍ بيوت الخلاء فوقَ الأنهار الطَّاهرة))، وكذا إجراءُ مياهِ الكُنُفِ إليها بخلاف إجرائها إلى
النَّهر الذي هو مَجمَعُ المياهِ النجسة، وهو المسمَّى بالمالح، والله تعالى أعلمُ.
(٣٠٥٣] (قولُهُ: وعلى طرَفِ نهرٍ إلخ) أي: وإنْ لم تصِلِ النجاسةُ إلى الماء لعمومٍ نهيٍ
النبي ◌َ ◌ّ عن البِراز في الموارِدِ، ولِما فيه من إيذاء المارِّين بالماء وخوفٍ وصولها إليه، كذا في
"الضياء" عن "النوويّ)(٢).
[٣٠٥٤] (قولُهُ: أو تحتَ شجرةٍ مثمرةٍ) أي: لإتلافِ الثمر وتنجيسِهِ، "إمداد"(٣). والمتبادِرُ أنَّ
المراد وقتُ الثمرة، ويلحقُ به ما قبله بحيث لا يأمنُ زوالَ النجاسة بمطرٍ أو نحوه كجفافِ أرضٍ من
بول، ويدخلُ فيه الثمرُ المأكولُ وغيره ولو مشموماً لاحترامِ الكلِّ والانتفاعِ به، ولذا قال في
"الغزنويَّة": ((ولا على خُضرة ينتفِعُ الناسُ بها)).
[٣٠٥٥] (قولُهُ: أو في ظلِّ) لقوله ◌َ ◌ّ: «اتقوا الملاعِنَ الثلاثةَ: البرازَ في المواردِ، وقارعةِ الطريق،
والظلِّ)، رواه "أبو داودَ" و"ابن ماجه"(٤).
(١) "الحديقة الندية": لعبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسيّ(ت١١٤٣ هـ) شرح "الطريقة المحمدية" للمولى
محمد بن بيرعلي، تقيّ الدين - وقيل: محيي الدين - البِرْكِوِيّ أو البِرْكِلِيّ الرّوميّ (ت ٩٨١هـ). ("كشف الظنون"
١١١١/٢ - ١١١٢، "سلك الدرر" ٣٠/٣، "هدية العارفين" ٢٥٢/٢، "الأعلام" ٦١/٦).
(٢) "شرح صحيح مسلم": كتاب الطهارة - باب النهي عن البول في الماء الراكد ١٧٨/٣.
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في الاستنجاء ق ٢٢/ب.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦) كتاب الطهارة - باب المواضع التي نهى النبيمح ◌ّ عن البول فيها، وابن ماجه (٣٢٨) كتاب
الطهارة - باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، عن معاذالله مرفوعاً، قال البوصيري في "الزوائد": إسناده =
1

قسم العبادات
٤٣٨
حاشية ابن عابدين
يُنْتَفَعُ بالجلوسِ فيه (وبِجَنْبِ مسجدٍ ومصلَّى عيدٍ، وفي مقابرَ وبين دوابَّ، وفي
طريقٍ) الناسِ (و) في (مَهَبِّ ريحٍ وجُحْرِ فأرةٍ أو حيَّةٍ أو نملةٍ.
[٣٠٥٦] (قولُهُ: يُنتَفَعُ بالجلوس فيه) ينبغي تقييدُهُ بما إذا لم يكنْ محلاً للاجتماع على محرَّمٍ أو
مكروهٍ، وإلاّ فقد يقال: يُطلَبُ ذلك لدفعِهِم عنه، ويُلحَقُ بالظلِّ في الصيف محلُّ الاجتماع في
الشَّمس في الشتاء.
[٣٠٥٧) (قولُهُ: وفي مقابرَ) لأنَّ الميت يتأذَّى بما يتأذَّى به الحميُّ.
والظاهرُ: أَنَّها تحريميَّةٌ؛ لأَنْهم [١ /ق٢٦٢ /أ] نصُّوا على أنَّ المرور في سكَّةٍ حادثةٍ فيها حرامٌ،
فهذا أَولى، "ط"(١).
[٣٠٥٨] (قولُهُ: وبين دوابَّ) لخشيةِ حصولِ أذِنَّةٍ منها ولو بتنجُّسٍ بنحوِ مشيِها.
[٣٠٥٩] (قولُهُ: وفي مهبِّ ريحٍ) لئلاَّ يرجعَ الرَّشاشُ عليه.
(٣٠٦٠] (قولُهُ: وجُحْرٍ) بتقديم الجيم على المهملة، وهو ما يحتفِرُهُ الهوامُّ والسِّباعُ لأنفسها،
"قاموس"(٢). لقول "قتادةَ"(٢) رَّهُ: (نَّهَى رسولُ اللهِ﴿ أَنْ يُيالَ في الْجُحر)، قالوا لـ "قتادة": ما يكرهُ
من البول في الجُحر؟ قال: ((يقال: إنَّه مساكنُ الجنّ))، رواه "أحمدُ" و"أبو داود" و"النسائيُّ"(٤)، وقد
يُخْرُجُ عليه من الجُحر ما يلسَعُهُ، أو يُرُدُّ عليه بولَهُ، وَنُقِلَ ((أنَّ "سعد بن عبادة" الخزرجيَّ ﴾ قتلْهُ
الجنُّ لأَنّ بالَ في جُحرِ بأرضِ حورانَ))(٥)، وتمامُهُ في "الضياء".
= ضعيف، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ١٦٧/١ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٦/١.
(٢) "القاموس": مادة ((جحر)).
(٣) أبو الخطاب قتادة بن دِعَامة السَّدُوسيّ البصريّ (ت١١٨ هـ). ("سير أعلام النبلاء"٢٦٩/٥).
(٤) أخرجه أحمد ٨٢/٥، وأبو داود (٢٩) كتاب الطهارة - باب النهي عن البول في الجحر، والنسائي ٣٣/١ كتاب
الطهارة - باب كراهية البول في الجحر من حديث عبد الله بن سرجس يته، والحاكم في "المستدرك" ١٨٦/١ وقال:
هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بجميع رواته.
(٥) أخرجه الطبراني في "الكبير" ٥٣٥٨/٦، ٥٣٥٩، ٥٣٦٠، والحاكم في "المستدرك" ٢٥٣/٣ كتاب "معرفة
الصحابة"، وانظر "الاستيعاب" لابن عبد البر ٤٠/٢ (هامش "الإصابة") و"المعارف" لابن قتيبة صـ ٢٥٩ -.