النص المفهرس
صفحات 381-400
الجزء الثاني
٣٧٩
باب الأنجاس
(وماءٌ) بالمدِّ (وَرَدَ) أي: جَرَى (على نجسٍ نجسٌ) إذا ورَدَ كُلُّه أو أكثرُه، ولو أقلُّه لا ...
عن "التمرتاشيٍّ"، وفي "الفتح"(١): ((وما ترشَّشَ على الغاسل من غُسالة الميت مما لا يمكنُهُ الامتناعُ
عنه ما دام في علاجهِ لا يُنجِّسُهُ لعموم البلوى بخلاف الغَسَلات الثلاث، إذا استُنقِعَتْ في موضعٍ،
فأصابَتْ شيئاً نَجَّسَنْهُ)) اهـ. أي: بناءً على ما عليه العامَّةُ من أنَّ نحاسة الميت نجاسةُ خبثٍ لا حدثٍ
كما حرَّرناه(٢) في أوَّلِ فصل البئر، واحترَزَ بالثلاث عن الغُسالة في المرَّةِ الرابعة، فإنّها ظاهرةٌ.
[٢٩٢٠] (قولُهُ: وماءٌ) مبتدأُ خبرُهُ قولُهُ: (نَجِسٌ)) بالكسر، و(َنَحَسٍ)) الأوَّلُ بالفتح، قال
"القُهُستانيُ) (٣): ((ويجوزُ فيه الكسر)).
٢١٦/١
[٢٩٢١] (قولُهُ: أي: حَرَى) فسَّرَ الوُرُودَ به ليتأتّى له التفصيلُ والخلافُ اللذان ذكَرَهما، وإلاّ
فالوُرُودُ أعمُّ؛ لأَنَّه يشملُ ما إذا جَرَى عليها وهي على أرضٍ أو سطحٍ، وما إذا صُبَّ فوقَها في آنيةٍ
بدونِ جَرَيانٍ، وأيضاً فإنَّ الجريانَ أبلغُ من الصبِّ المذكور، فصرَّحَ به مع علمٍ حكم الصبِّ منه
بالأَولى دفعاً لتوهُّمِ عدم إرادته، فافهم. نعم كان الأولى إبقاءً المتن على ظاهره؛ لأَنَّه إشارةٌ إلى
خلافِ "الشافعيِّ"، حيث حكَمَ بطهارة الوارد دون المورُودِ أيضاً، فإنَّ الجاريَ فيه تفصيلٌ،
وهو أنَّه إذا جَرَى على نجاسةٍ، فَأذهَبَها واستهلَكَها، ولم يَظهَرْ أثرُها فيه فإنَّه لا ينحُسُ كما
(قولُهُ: وأيضاً فإنَّ الجاريَ فيه تفصيلٌ وهو إلخ) التفصيلُ الذي ذكرَهُ في الجاري لا يصلُحُ دليلاً
لأولويَّةِ إبقاءِ المتن على ظاهره، فإنَّ مُفاده أَنَّه لو حُمِلَ على الجاري لا يصحُّ إطلاق القول بالنجاسة لهذا
التفصيلٍ، فيقال: لو أُبقِيَ على ظاهره من شموله الورودَ بقسميه لا يصحُّ الإطلاقُ بالنسبة لقسم
الجاري، إلاَّ أنْ يراد به ما قابَلَ الجاريَ، وعلى إرادة الجاري كما فعل "الشارح" لم تَقُتِ الإِشارةُ لخلاف
"الشافعيِّ"؛ إذ مسألةُ الخلاف تُعَلَمُ بالأولى كما ذكرَهُ المحشِّي، والتفصيلُ في الجاري قد نَّهَ عليه
"الشارح" مع حكاية الخلاف فيه، فما صنَعَهُ "الشارح" أَتَمُّ فائدةً من إبقاءِ المتن على ظاهره.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٣/١.
(٢) المقولة [١٨٥٦] قوله: ((والمسلم المغسول)).
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٦٤/١.
قسم العبادات
٣٨٠
حاشية ابن عابدين
قدَّمناه(١) في [١/ق٢٤٨/أ] طهارةِ الأرض المتنجِّسة، وتقدَّمَ(٢) ما يدلُّ عليه في باب المياه عند الكلام
على تعريفِ الماء الجاري، وتقدَّمَ(٢) هناك أنَّ الجاريّ لا ينجُسُ ما لم يَظهَرْ فيه أثرُ النجاسة، وأَنَّه
يُسمَّى جارياً وإنْ لم يكن له مَدَدٌ، وأَنَّه لو صُبَّ ماءٌ في ميزابٍ، فتوضَّأَ به حالَ جريانه لا ينحُسُ
على روايةٍ نجاسة المستعمل، وأنّه لو سالَ دمُ رِجْلِهِ مع العصير لا ينجُسُ خلافً لـ "محمَّدٍ"، وقدَّمنا (٢)
عن "الخزانة" و"الخلاصة": ((إناءانِ ماءُ أحدِهما طاهرٌ والآخرِ نجسرٌ، فصُّبًّا من مكانٍ عالٍ، فاختَلَطا
في الهواءِ، ثُمَّ نزلا طهُرَ كُّهُ، ولو أُجرِيَ ماءُ الإِناءِين في الأرضِ صارا بمنزلةٍ ماءٍ جارٍ)) اهـ.
وقال في "الضياء" من فصل الاستنجاء: ((ذكَرَ في "الواقعات الحساميَّة"(٣): لو أخَذَ الإِناءَ،
فصَبَّ الماءَ على يده للاستنجاء، فوصَلَتْ قطرةُ بولٍ إلى الماء النازل قبل أن يصلَ إلى يده قال بعضُ
المشايخ: لا ينجُسُ؛ لأَنَّه جارٍ، فلا يتأثَّرُ بذلك، قال "حسام الدين": هذا القولُ ليس بشيءٍ، وإلاّ
لَزِمَ أن تكون غُسالةُ الاستنجاءِ غيرَ نجسةٍ، قال في "المضمرات": وفيه نظرٌ، والفرقُ أنَّ الماء على
كفِّ المستنجي ليس بجارٍ، ولئن سُلِّمَ فأثرُ النجاسة يظهرُ فيه، والجاري إذا ظهَرَ فيه أثرُ النجاسة
صار نَجِساً، والماءُ النازلُ من الإِناء قبل وصوله إلى الكفِّ جارٍ، ولا يظهرُ فيه أثرُ القطرة، فالقياسُ
أنْ لا يصيرَ نجساً، وما قالَهُ "حسامُ الدين" احتياطٌ)) اهـ وَيُؤَيِّدُ عدمَ التنجُّسِ ما ذكرناه من
الفروع، والله أعلم.
وهذا بخلافِ مسألة الجيفة، فإنَّ الماءَ الجاريَ عليها لم يَذْهَبْ بالنجاسة ولم يَستهلِكْها، بل
هي باقيةٌ في محلّها، وعينُها قائمةٌ، على أنَّ فيها اختلافاً، ولهذا استدرَكَ "الشارحُ" بقوله: ((ولكنْ
(١) المقولة [٢٨١٥] قوله: ((بيبسها)).
(٢) المقولة [١٦٥٢] قوله: ((في الأصح)).
(٣) المسمى "بالأجناس": لأبي محمد عمر بن عبد العزيز، برهان الأئمة حسام الدين المعروف بالصدر الشهيد
(ت ٥٣٦هـ)، جَمَعَ فيه بين "النوازل" لأبي الليث السمرقندي و"الواقعات" لأبي العباس الناطفي، وأخذ من فتاوى
أبي بكر محمد بن الفضل وفتاوى أهل سمرقند. ("كشف الظنون" ١١/١، ١٩٩٨/٢، "الفوائد البهية" ص ١٤٩-).
الجزء الثاني
٣٨١
باب الأنجاس
كجيفةٍ في نهرٍ أو نجاسةٍ على سطحِ، لكنْ قدَّمنا أنَّ العبرة للأثرِ (كعكسِهِ) أي: إذا
ورَدَتِ النجاسةُ على الماء تنجَّسَ الماءُ إجماعاً، لكنْ لا يُحكَمُ بنجاسته إذا لاقَى
المتنجِّسَ ما لم يَنفصِلْ، فليحفظ (لا) يكون نجساً (رمادُ.
قدَّمنا أنَّ العبرة للأثرٍ))، فاغتنم تحريرَ هذه المسألة، فإنَّك لا تجدُهُ في غيرِ هذا الكتاب، والحمد لله
الملك الوهَّاب.
[٢٩٢٢] (قولُهُ: كجيفةٍ فِي نَهْرِ إلخ) أي: فإنَّها إذا ورَدَ عليها كلُّ الماء أو أكثرُهُ فهو نجسٌ،
ولو أقلُّهُ فطاهرٌ.
(٢٩٢٣] (قولُهُ: لكنْ قدَّمنا إلخ) أي: في بحثِ المياه، وقدَّمنا (١) الكلامَ في ذلك مستوفىٍّ،
فتذكَّرْهُ بالمراجعة.
[٢٩٢٤) (قولُهُ: أي: إذا ورَدَت النجاسةُ) سواء كانَتْ مجرَّدَةً أو مصحوبةً بثوبٍ، "ح"(٢).
[٢٩٢٥] (قولُهُ: على الماءِ) أي: القليلِ.
[٢٩٢٦] (قولُهُ: إجماعاً) أي: مِنَّا ومن "الشافعيِّ" بخلاف المسألةِ الأُولى كما يظهرُ قريباً(٣).
[٢٩٢٧] (قولُهُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على قوله: ((تنجَّسَ))، فإِنَّه يقتضي تنجُّسَ الماء بمحرَّدٍ
[١/ق٢٤٨ /ب] وضعِ الثوب مثلاً فيه كما يتنجَّسُ بمجرَّدٍ وقوع العَذِرة مثلاً، فاحترَزَ بالمتنجِّسِ
عن عينِ النجاسة كالعَذِرة، أفاده "ح"(٤).
[٢٩٢٨] (قولُهُ: ما لم يَنفصِلْ) أي: الماءُ أو الشيءُ المتنجِّس، قال في "البحر"(٥): ((اعلم أنَّ
القياس يقتضي تنجُّسَ الماءِ بأوَّلِ الملاقاة للنجاسة، لكنْ سقَطَ للضرورة، سواءٌ كان الثوبُ في إجَّانِةٍ
(١) المقولة [١٦٥] قوله: ((أي: يعلم)) وما بعدها.
(٢) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ.
(٣) المقولة [٢٩٢٨] قوله: ((مالم ينفصل)).
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - ٢٣٣/١ باختصار.
قسم العبادات
٣٨٢
حاشية ابن عابدين
قَذَرٍ) وإلاَّ لزِمَ نجاسةُ الخبز في سائر الأمصار (و) لا (ملحٌ.
وأُورِدَ الماءُ عليه أو بالعكس عندنا، فهو طاهرٌ في المحلِّ نجسٌ إذا انفصَلَ، سواءٌ تغيَّرَ أوْ لا، وهذا في
الماءين اتفاقاً، أمَّا الثالثُ فهو نجسٌ عنده - لأنَّ طهارتَهُ في المحلِّ ضرورةً تطهيرِهِ وقد زالَتْ - طاهرٌ
عندهما إذا انفصَلَ، والأَولى في غَسلِ الثوبِ النجسِ وضعُهُ في الإِخَّانِةِ من غيرِ ماءٍ ثُمَّ صَبُّ الماءِ
عليه، لا وضعُ الماء أوَّلاً خروجاً من خلاف الإِمام "الشافعيِّ"، فإِنّه يقولُ بنجاسةِ الماء)) اهـ. ولا
فرقَ على المعتمد بين الثوبِ المتنجِّس والعضو. اهـ "ط" (١).
[٢٩٢٩] (قولُهُ: قَذَرٍ) بفتحِ القاف والذالِ المعجمة، والمرادُ به العَذِرةُ والرَّوْتُ كما عبَّرَ في
"المنبة"(٢)
٢٩٣٠١] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: وإنْ لا نَقُلْ: إِنَّه لا يكونُ نَحساً، وظاهرُهُ أنَّ العلّة الضرورةُ،
وصريحُ "الدرر"(٣) وغيرها: ((أنَّ العَلَّة هي انقلابُ العين)) كما يأتي(٤)، لكنْ قدَّمنا (٥) عن
"المجتبى": ((أَنَّ العلّة هذه، وأنَّ الفتوى على هذا القولِ للبلوى))، فمُفادُه أنَّ عموم البلوى علَّةُ
اختيارِ القول بالطهارة المعلَّةِ بانقلابِ العين، فتدَّر.
(قولُهُ: أمَّا الثالثُ فهو نجسٌ عنده إلخ) أي: ويُحكَمُ على الثوبِ بالطهارة بمجرَّدٍ وضعه في الماء،
ولا يتنجَّسُ الثوبُ بمخالطته الماءَ النجسَ للضرورة، وفي "السنديّ": ((وأمَّا الماءُ الثالث فهو طاهرٌ
عندهما إذا انفصَلَ أيضاً؛ لأَنَّه كان طاهراً وانفصَلَ عن محلٍّ طاهرٍ، وعند "أبي حنيفة" نجسرّ؛ لأنَّ
طهارته في المحلِّ ضرورةً تطهيرِهِ وقد زالت، وإنما حُكِمَ شرعاً بطهارةِ المحلِّ عند انفصاله، ولا ضرورةً
في اعتبار الماء المنفصل طاهراً مع مخالطة النجس)) اهـ.
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦١/١ بتصرف.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٨ -.
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٢٤٧/١.
(٤) المقولة [٢٩٣٣] قوله: ((لانقلاب العين)).
(٥) المقولة [٢٨٥٣] قوله: ((ويطهر زيت إلخ)).
الجزء الثاني
٣٨٣
باب الأنجاس
كان حماراً) أو خنزيراً، ولا قَذَرٌ وَقَعَ في بئرِ فصارَ حَمْأةً لانقلابِ العين، به يُفتَى.
(وغَسلُ طرفِ ثوبٍ) أو بدنِ (أصابَتْ نجاسةٌ محلاً منه.
[٢٩٣١] (قولُهُ: كانَ حماراً أو خنزيراً) أفادَ أنَّ الحمار مثالٌ لا قيدٌ احترازيٌّ، وأشارَ
بإطلاقه إلى أَنَّه لا يلزمُ وقوعُهُ وهو حيٌّ، فإِنَّه لو وقَعَ فِي الَمْلَحةِ بعد موته فهو كذلك كما في
"شرح المنية"(١).
[٢٩٣٢] (قولُهُ: حَمْأةً) بفتحِ الحاء المهملة وسكونِ الميم وفتحِ الهمزة وبهاء التأنيث، قال في
"القاموس"(٢): ((الطينُ الأسودُ المُنِنُ))، "ح"(٣).
[٢٩٣٣] (قولُهُ: لانقلابِ العينِ) علَّةٌ للكلِّ، وهذا قولُ "محمَّدٍ"، وذَكَرَ معه في "الذخيرة"
و"المحيط" "أبا حنيفة"، "حلبة "(٤). قال في "الفتح"(٥): ((وكثيرٌ من المشايخ اختاروه، وهو المختارُ؛ لأنَّ
الشرع رتَّبَ وصفَ النجاسة على تلك الحقيقةٍ، وتنتفي الحقيقةُ بانتفاءِ بعض أجزاءِ مفهومِها، فكيف
٢١٧/١ بالكلِّ؟ فإنَّ الملحَ غيرُ العظم واللحم، فإذا صار مِلْحاً ترتَّبَ حكمُ الملح، ونظيرُهُ في الشرع: النَّطْفَةُ
نجسةٌ، وتصيرُ علقةً وهي نجسةٌ، وتصيرُ مضغةً فتطهُرُ، والعصيرُ طاهرٌ، فيصيرُ خمراً فينجُسُ، ويصيرُ
خلاً فيطهُرُ، فعَرَفْنا أنَّ استحالة العين تَستتبعُ زوالَ الوصفِ المرتَّبِ [١/ق٢٤٩/أ] عليها)) اهـ.
(تنبيةٌ)
يجوزُ أكلُ ذلك الملحِ، والصلاةُ على ذلك الرمادِ كما في "المنية" (٦) وغيرها، وما فيها: ((من
أَنَّه لو وقَعَ ذلك الرمادُ في الماءِ فالصحيحُ أَنَّه ينحُسُ)) فليس بصحيحٍ إلاَّ على قول "أبي يوسف"
كما ذكَرَهُ "الشارحان"(٧).
(١) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٨ -.
(٢) "القاموس": مادة ((حماً)).
(٣) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٤/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس ١٧٦/١.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٩ -.
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٩-، و"الحلبة": ١/ق ٣٣٤/أ - ب.
قسم العبادات
٣٨٤
حاشية ابن عابدين
ونُسِيَ) المحلُّ (مطهِّرٌ له وإنْ) وقَعَ الغَسلُ (بغيرِ تَحَرٍّ) هو المختارُ، ثُمَّ لو ظهَرَ أنّها في
طرفٍ آخرَ هل يعيدُ؟ في "الخلاصة": ((نعم))،.
(تنبيةٌ آخرُ)
مقتضى ما مرَّ(١) ثبوتُ انقلابِ الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب، وقيل: إنَّه غيرُ
ثابتٍ؛ لأنَّ قلب الحقائق مُحالٌ، والقدرةُ لا تتعلَّقُ بالمحالِ، والحقُّ الأوَّلُ، بمعنى أنَّه تعالى يُخُلُقُ بدلَ
النحاس ذهباً على ما هو رأيُ المحقّقين، أو بأنْ يَسْلُبَ عن أجزاءٍ النحاس الوصفَ الذي به صار
نحاساً، ويخلُقَ فيه الوصفَ الذي يصيرُ به ذهباً على ما هو رأيُ بعضِ المتكلّمين من تجانُسِ الجواهر
واستوائها في قبولِ الصفات، والمحالُ إنما هو انقلابُهُ ذهباً مع كونه تحاساً؛ لامتناعٍ كون الشيء في
الزمن الواحد نحاساً وذهباً، ويدلُّ على ثبوتِهِ بأحدِ هذين الاعتبارين كما أَفَقَ عليه أئمَّةُ التفسير قولُهُ
تعالى: ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه - ٢٠]، وإلَّ لَبِطَلَ الإعجازُ، ويبتني على هذا القولِ أنَّ علم
الكيمياء الموصِلَ إلى ذلك القلبِ يجوزُ لِمَن عَلِمَهُ عِلْماً يقينًاً أنْ يُعلِّمَهُ ويعمَلَ به، أمَّا على القول الثاني
فلا؛ لأَنَّه غِشْرٌّ، وتمامُهُ في "تحفة ابن حَجَرٍ(٢)، وقدَّمنا(٣) في صدر الكتاب زيادةً على ذلك.
[٢٩٣٤] (قولُهُ: ونُسِيَ المحلُّ) بالبناءِ للمجهول، ثمَّ إنَّ النسيان يقتضي سبقَ العِلْم، والظاهرُ أَنَّه
غيرُ قيدٍ، وأَنَّه لو عُلِمَ أَنَّه أصابَ الثوبَ نحاسَةٌ وجُهِلَ محلُّها فالحكمُ كذلك، ولذا عبَّرَ بعضُهم
بقوله: واشتبَهَ محلٌّها، تأمَّل.
[٢٩٣٥] (قولُهُ: هو المختارُ) كذا في "الخلاصة"(٤) و"الفيض"، وجزَمَ به في "النقاية" (٥)
(قولُهُ: أمَّ على القولِ الثاني) أي: القولِ بأنَّ قَلْبَ الحقائق غيرُ ثابتٍ.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة - باب النجاسة وإزالتها ٣٠٦/١.
(٣) المقولة [٣٠٧] قوله: ((علم الحرف)).
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السادس في غسل الثوب والدهن ونحوه ق ١٣/ب.
(٥) "شرح النقاية للقاري": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٠٢/١.
الجزء الثاني
٣٨٥
باب الأنجاس
وفي "الظهيريَّة": ((المختارُ أَنَّه لا يعيدُ إلَّ الصلاةَ التي هو فيها)) (كما لو بالَ.
و "الوقاية" و"الدرر"(١) و"الملتقى"(٢)، ومقابلُهُ القولُ بالتحرِّي، والقولُ بغَسل الكلِّ، وعليه مَشَى في
"الظهيريَّة"(٣) و"منية المفتي"، واختارَهُ في "البدائع"(٤) احتياطاً، قال: ((لأنَّ موضع النجاسة غيرُ
معلومٍ، وليس البعضُ أَولى من البعض)) اهـ.
ويؤيِّدُهُ ما نقَلَهُ "نوح أفندي" عن "المحيط" (٥): ((من أنَّ ما قالوه مخالفٌ لِما ذَكَرَهُ "هشام"
عن "محمَّدٍ" من أَنَّه لا يجوزُ التحرِّي في ثوبٍ واحدٍ)) اهـ.
وعلَّلوا القولَ المختارَ بوقوعِ الشكِّ بعد الغَسل في بقاءِ النجاسة، وقاسُوه على ما في "السِّيَرِ
الكبير"(٦): ((إذا فَتَحْنَا حِصْنً وفيهم ذمِّيٌّ لا يُعرَفُ لا يجوزُ قتُهم لقيام المانع بيقينٍ، فلو قُتِلَ البعضُ
أو أُخرِجَ حلَّ قتلُ الباقي [١/ق٢٤٩ /ب] للشكِّ في قيام المحرِّم، فكذا هنا))، واستشكَلَهُ في
"الفتح"(٧): ((بأنَّ الشكَّ الطارئَ لا يَرفَعُ حكمَ اليقين السابق))، وأطالَ في تحقيقه، وأجاب عنه في
" شرح المنية (٨)، وأطالَ في تحقيقه أيضاً، ويأتي (٩) ملخَّصُهُ قريباً.
[٢٩٣٦] (قولُهُ: وفي "الظهيريَّة" إلخ) هذا سهوٌ من "الشارح" تَبِعَ فيه "النهر "(١٠)، وعبارةُ
(قولُهُ: هذا سهوٌ من "الشارح" إلخ) القولُ بعدم وجوبِ الإعادةِ في الصورة المذكورة نقلَهُ في
"الخزانة" حيث قال: ((فلو صلَّى مع هذا الثوبِ صلواتٍ ثمَّ ظهَرَ أنَّ النجاسة في الطرفِ الآخر لا يجبُ
عليه إعادةُ الصلاة))، فلو نقَلَها "الشارح" لكان أسلَمَ اهـ "سندي".
(١) "الدرر": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٨/١.
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٥٢/١.
(٣) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الثاني - الفصل الثالث ق٦/ب.
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحلُّ نجساً ٨١/١.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب التحري ١/ق ٥٦٣/ب.
(٦) "السير الكبير": باب الأمان الذي يُشَكُّ فيه ٤١٣/٢ - ٤١٤ بتصرف (ضمن "شرح السير الكبير" للسرخسي).
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٦٨/١.
(٨) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ٢٠٤ -.
(٩) المقولة [٢٩٤١] قوله: ((لاحتمال إلخ)).
(١٠) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/أ.
قسم العبادات
٣٨٦
حاشية ابن عابدين
حُمُرٌ خصَّها لتغليظِ بولِها اتّفاقاً (على) نحو (حنطةٍ تدوسُها فقُسِمَ أو غُسِلَ
بعضُهُ) أو ذهَبَ بهبةٍ أو أكلٍ أو بَيْعِ كما مرَّ (حيث يطهُرُ الباقي) وكذا الذاهبُ؛
الاحتمالِ وقوع النجس في كلِّ طرفٍ كمسألة الثوب (وكذا يطهُرُ محلُّ نجاسةٍ) ....
"البحر"(١) هكذا: ((وفي "الظهيريَّة"(٢): إذا رأى على ثوبِهِ نجاسةً ولا يَدرِي متى أصابَتْهُ ففيه
تقاسيمُ واختلافاتٌ، والمختارُ عند "أبي حنيفة" أنّه لا يعيدُ إلَّ الصلاةَ التي هو فيها)) اهـ "ح"(٣).
[٢٩٣٧] (قولُهُ: حُمُرٌ (٤) بضمَّتِينَ: جمعُ حمارٍ.
[٢٩٣٨] (قولُهُ: خَصَّها إلخ) أي: فُيُعلَمُ الحكمُ في غيرها بالدّلالة، "ابن كمال".
[٢٩٣٩] (قولُهُ: فَقُسِمَ إلخ) الظاهرُ تقييدُهُ بما إذا كان الذاهبُ منه قدْرَ ما تنجَّسَ منه إنْ عُلِمَ
قَدْرُهُ كما قدَّمناه(٥).
[٢٩٤٠] (قولُهُ(٦): كما مرَّ(٧) أي: في الأبياتِ المتقدِّمة، حيث عبَّرَ بقوله: ((تصرُّفُهُ في
البعض))، وهو مطلقٌ، "ط"(٨).
[٢٩٤١] (قولُهُ: لاحتمالِ إلخ) أي: أَنَّه يَحتمِلُ كلُّ واحدٍ من القسمين - أعني: الباقيَ
والذاهبَ أو المغسولَ - أنْ تكون النجاسةُ فيه، فلم يُحكَمْ على أحدِهما بعينه ببقاء النجاسة فيه،
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٢/١.
(٢) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الثاني - الفصل الثالث ق٦/ب.
(٣) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ.
(٤) في "د" زيادة: ((أفاد أنّه لا يعفى عن بولها وبول البقر حال الدياسة، ومقتضى النظر العفوُ عنه إلحاقاً له بما نَصُّوا
عليه من العفو عن بعر الحلوبة في المحلب، إذا رمي به قبل أن يتفتّت ولم يكثر، وكذا ما يقع في البئر، ونظائرُ ذلك
مما فيه ضرورةٌ، ولا يخفى أنَّ الضرورة هنا موجودة، وصرَّح الشافعية بالعفو عنه. فتأمل ))
(٥) المقولة [٢٨٤٧] قوله: ((تصرفه في البعض)).
(٦) هذه المقولة مقدمة في "الأصل" و"آ" و"ب" على قوله: ((فقسم إلخ))، والصواب ما أثبتناه عن "م" لموافقته ما في "الدر".
(٧) صـ ٣٤٥ - ٣٤٦ - "در".
(٨) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٢/١ نقلاً عن الحلبيّ.
الجزء الثاني
٣٨٧
باب الأنجاس
أمَّا عينُها فلا تَقبَلُ الطهارةَ (مرئيَّةٍ) بعد جفافٍ كدَّمٍ.
وتحقيقُهُ: أنَّ الطهارة كانَتْ ثابتةً يقيناً لمحلٍّ معلومٍ، وهو جميعُ الثوب مثلاً، ثمَّ تَبَتَ ضدُّها، وهو
النجاسةُ يقيناً لمحلٍّ مجهولٍ، فإذا غُسِلَ بعضُهُ وقَعَ الشكُّ في بقاءِ ذلك المجهول وعدمِهِ لتساوي
احتمالَي البقاءِ وعدمِهِ، فوجَبَ العملُ بما كان ثابتاً يقيناً للمحلِّ المعلوم؛ لأنَّ اليقين في محلٍّ معلومٍ
لا يزولُ بالشكِّ، بخلاف اليقين لمحلٍّ مجهولٍ، وتمامُ تحقيقه في "شرح المنية الكبير"(١).
[٢٩٤٢] (قولُهُ: أمَّا عينُها) أشارَ به إلى فائدةِ قوله: ((محلٌّ))، حيث زادَهُ على عبارة
"الكنز)"(٢)، ولا يَرِدُ طهارةُ الخمر بانقلابها خلاًّ، والدمٍ بصيرورته مِسْكاً؛ لأنَّ عين الشيءٍ حقيقتُهُ،
وحقيقةُ الخمرِ والدمِ ذهَبَتْ وخَلَفَتْها حقيقةٌ أخرى، وإنما يَرِدُ ذلك لو قلنا ببقاءِ حقيقة الخمر والدم
مع الحكم بطهارتها، تأمَّل.
(٤٣ ٢٩] (قولُهُ: بعدَ جفافٍ) ظرفٌ لـ ((مرئيَّةٍ)) لا لـ ((يطهُرُ))، "ح)(٢). وقَّدَ به لأنَّ جميع
النجاساتِ تُرى قبلَهُ، وتقدَّمَ (٤) أنَّ ما له جِرْمٌ هو ما يُرى بعد الجفاف، فهو مُساوٍ للمرئيَّة، وقد عدَّ
منه في "الهداية"(٥) الدَّمَ، وعدَّهُ "قاضي خان"(٦) مما لا جِرْمَ له، وقدَّمنا(٧) عن "الحلبة" التوفيقَ بحمل
الأوَّلِ على ما إذا كان غليظاً، والثاني على ما إذا كان رقيقاً، وقال في "غاية البيان": ((المرئيَّةُ ما
يكون مرتّاً بعد الجفاف كالعَذِرة والدمٍ، وغيرُ المرئيَّةِ ما لا يكونُ مرئيًّ بعد [١/ق٢٥٠/ أ] الجفاف
كالبول ونحوه)) اهـ.
وفي "تتمَّةِ الفتاوى" وغيرها: ((المرئيَّةُ ما لَها جِرْمٌ، وغيرُها ما لا جِرْمَ لها كان لها لونٌّ
أم لا)) اهـ.
(١) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ٢٠٥ -.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٧/١.
(٣) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ.
(٤) صـ ٣٣٠ - "در".
(٥) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ٣٤/١.
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ١٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٧) المقولة [٢٨٦٢] قوله: ((له جرٌ)).
قسم العبادات
٣٨٨
حاشية ابن عابدين
(بقَلْعِها) أي: بزوالِ عينِها
وبه يظهرُ أنَّ مراد "غاية البيان" بالمرئيِّ ما يكونُ ذاتُهُ مُشاهَدةً بحسِّ البصر، وبغيره ما لا يكونُ
كذلك، فلا يُخالِفُ كلامَ غيره، ويُرشِدُ إليه أنَّ بعض الأبوال قد يُرى له لونٌ بعد الجفاف، أفادَهُ في
٢١٨/١ "الحلبة"(١)، ويوافقُهُ التوفيقُ المارُّ (٢)، لكنْ فيه نظرّ؛ لأَنَّه يلزمُ عليه أنَّ الدمَ الرقيق والبولَ الذي يُرى لونُهُ
من النجاسة الغيرِ المرئَّةِ، وأَنَّه يُكتَفَى فيها بالغَسلِ ثلاثاً بلا اشتراطِ زوالِ الأثر مع أنَّ المفهوم من
كلامهم أنَّ غير المرئَّة ما لا يُرى له أثرٌ أصلاً لاكتفائهم فيها بمجرَّدِ الغَسل، بخلاف المرئَّةِ المشروطِ
فيها زوالُ الأثر، فالمناسبُ ما في "غاية البيان"، وأنَّ مرادَهُ بالبول ما لا لونَ له، وإلاَّ كان من المرئيّة.
[٢٩٤٤] (قولُهُ: بقَلْعِها) فيه إيماءٌ إلى عدمِ اشتراط العصر، وهو الصحيحُ على ما يُعلَمُ من كلام
"الزيلعيِّ(٣)، حيث ذكَرَ بعد الإطلاق: ((أنَّ اشتراطَ العصر روايةٌ عن "محمَّدٍ"))، وعليه فما يَبقَى في
اليدِ من البَّةِ بعد زوال عينِ النجاسة طاهرٌ تبعاً لطهارةِ اليد في الاستنجاء بطهارةِ المحلِّ، وله نظائرُ
كعروةِ الإبريقِ، تطهُرُ بطهارةِ اليدين، وعلى هذا إذا أصابَ خُفِّيه في الاستنجاء من الماء المتنجِّسِ
فإِنّهما يَطْهُران بطهارةِ المحلِّ تبعاً حيث لم يكن بهما خَرْقٌ. اهـ "أبو السُّعود"(٤) عن "شيخه"(٥).
(قولُهُ: لكنْ فيه نظرّ؛ لأَنَّ يلزمُ عليه إلخ) لا نظرَ، فإنَّه على جعلِ الدَّم الرقيق ونحوه من النجاسةِ
الغير المرئيَّة يكونُ تطهيرُها بغلبةِ الظنِّ طهارةَ محلّها، وذا لا يكونُ إلَّ بعد زوالِ عينها، وعلى التقديرِ
بالثلاث لا بدَّ من زوالِ الأثر أيضاً في الدَّم المذكور ونحوه، فإنَّ من قدَّرَ بها إنما قدَّرَ بها اتباعاً للغالب،
وهذا من غيره كما يأتي له، تأمَّل.
(قولُهُ: تبعاً لطهارةِ اليد إلخ) عبارةُ "ط": ((كطهارةِ إلخ)).
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٢٣/أ - ب.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٧٥/١.
(٤) "فتح المعين": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٣٠/١.
(٥) قال أبو السعود في مقدمة كتابه "فتح المعين": ((واعلم أنّي إذا عزوت شيئاً من المسائل لشيخنا فالمراد به شيخنا
الوالد تغمَّده الله برحمته)).
الجزء الثاني
٣٨٩
باب الأنجاس
وأثرِها ولو بمرَّةٍ أو بما فوق ثلاثٍ في الأصحِّ، ولم يقل: بغَسلِها ليعُمَّ نحوَ دَلْكٍ وفركٍ.
(ولا يضرُّ بقاءُ أثرٍ)
[٢٩٤٥] (قولُهُ: وأثرِها) يأتي بيانُهُ قريبً(١).
[٢٩٤٦] (قولُهُ: ولو بِمَرَّةٍ) يعني: إِنْ زالَ عينُ النجاسة بمرَّةٍ واحدةٍ يطهُرُ(٢) سواءٌ كانت تلك
الغَسلةُ الواحدةُ في ماءٍ جارٍ، أو راكدٍ كثيرٍ، أو بالصبِّ، أو في إجَّانِةٍ، أمَّا الثلاثةُ الأُوَلُ فظاهرٌ، وأمَّا
الإِجَّانةُ فقد نصَّ عليها في "الدرر"(٣)، حيث قال: ((غَسَلَ المرئيَّةَ عن الثوب في إجَّانةٍ حَتَّى زالَتْ
طَهُرَ)) اهـ "ح(٤).
[٢٩٤٧] (قولُهُ: أو بما فوقَ ثلاثٍ) أي: إنْ لم تَزُلِ العينُ أو الأترُ(٥) بالثلاث يزيدُ عليها إلى أنْ
تزولَ ما لم يَشُقَّ زوالُ الأثر.
[٢٩٤٨] (قولُهُ: في الأصحِّ) قيدٌ لقوله: ((ولو بمرَّةٍ))، قال "القُهُستانيُّ"(٦): ((وهذا ظاهرٌ
الرواية، وقيل: يُغسَلُ بعد زوالِها مرَّةً، وقيل: مرَّتين، وقيل ثلاثاً كما في "الكافي"))(٧) إهـ.
[٢٩٤٩] (قولُهُ: ليعُمَّ نحوَ دَلْكٍ وفَرْكٍ) أي: دلكِ خُفٍّ وفركِ منىٍّ، وأرادَ بنحوه نظائرَ ذلك
مما يُزيلُ العينَ من المطهّرات بدونِ غَسلٍ [١ /ق ٢٥٠ /ب] كدبغِ جلدٍ ويُمْسِ أرضٍ ومسحٍ سيفٍ،
لكنْ يَرِدُ عليه ما لو جَفَّتْ على البدنِ أو الثوبِ وذهَبَ أثرُها فقد زالَتْ عينُها ومع ذلك لا تطهُرُ،
وأجيبَ بأنَّه قد أشار إلى اشتراطِ المطهِّرِ بقوله: ((يطهُرُ))، ففُهِمَ منه أنَّه لا بدَّ من مُطهِّرٍ، كذا في
"الجوهرة"(٨)، وفيه نظرٌ.
(١) المقولة [٢٩٥٠] قوله: ((كلون وريح)).
(٢) في"م": ((تطهر)).
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٨/١.
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ.
(٥) في"م": ((والأثر)).
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٥٩/١.
(٧) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٩/أ.
(٨) "الجوهرة النيرة": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٩/١.
قسم العبادات
٣٩٠
حاشية ابن عابدين
كلونٍ وريحٍ (لازمٍ) فلا يُكلِّفُ في إزالته إلى ماء حارٍّ أو صابونٍ ونحوِهِ، بل يطهُرُ
ما صُبِغَ أو خُضِبَ بنحسٍ بغسِهِ ثلاثً،.
[٢٩٥٠) (قولُهُ: كلونٍ وريحٍ) الكافُ استقصائيّةٌ؛ لأنَّ المراد بالأثرِ هو ما ذُكِرَ فقط كما فسَّرَهُ
به في "البحر"(١) و"الفتح"(٢) وغيرهما، وأمَّ الطَّعمُ فلا بدَّ من زوالِهِ؛ لأنَّ بقاءه يدلُّ على بقاء العين
كما نُقِلَ عن "البِرْجَنديّ"، واقتصَرَ "القُهُستَانِيُّ) (٣) على تفسيرِ الأثر بالريح فقط، وظاهرُهُ أَنَّه يُعَفَى
عن الرائحةِ بعد زوال العين وإنْ لم يَشُقَّ زوالُها، وفي "البحر "(٤): ((أَنّ ظاهرُ ما في "غاية البيان")).
أقولُ: وهو صريحُ ما نقَلَهُ "نوح أفندي" عن "المحيط" حيث قال: لو غُسِلَ الثوبُ عن
الخمر ثلاثاً ورائحتُها باقيةٌ طَهُرَ، وقيل: لا ما لم تَزُلِ الرائحة)).
(٢٩٥١] (قولُهُ: لازمٍ) أي: ثابتٍ، وهو نعتٌ لـ (أثرٍ)).
[٢٩٥٢] (قولُهُ: حارٌ) بالحاءِ المهملة، أي: مُسخّنٍ.
[٢٩٥٣] (قولُهُ: ونحوِهِ) أي: كحُرْضٍ وأُشنانٍ.
[٢٩٥٤] (قولُهُ: بل يطهُرُ إلخ) إضرابٌ انتقاليٌّ، "ط)" (٥).
[٢٩٥٥) (قولُهُ: بنجِسٍ) بكسر الجيم، أي: متنخِّسٍ؛ إذ لو كان بعينِ النجاسة كالدَّمِ وجَبَ
زوالُ عينِهِ وطعمِهِ وريحِهِ، ولا يضرُّ بقاءُ لونه كما هو ظاهرٌ من مسألةِ الميتة، أفاده "ح"(٦).
(قولُهُ: كما فسَّرَهُ به في "البحر" و"الفتح") وفسَّرَ الأثرَ في "المنبع" بالطَّعم، "سندي".
(قولُهُ: وظاهرُهُ إلخ) أي: المتنِ لا "القُهُستانيِّ"، فإنَّ فيه التصريحَ بقيد أنْ يَشُقَّ الزَّوالُ.
(قولُهُ: وجَبَ زوالُ عينِهِ وطعمه وريحه) إنما يظهرُ على القول الثاني المذكور في "المحيط" في مسألة
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٩/١.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٤/١.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - النجاسات ٥٨/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٩/١.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٦٢/١.
(٦) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ.
الجزء الثاني
٣٩١
باب الأنجاس
والأَولى غسلُهُ إلى أنْ يصفوَ الماءِ، ولا يضرُّ أثرُ دُهنٍ.
.
مطلبٌ في حكمِ الصَّغِ والاختضابِ بالصِّبغ أو الحنَّاءِ النّجسين، وفي حكمِ الوَشْم
[٢٩٥٦) (قولُهُ: والأَولِى غَسُهُ إلخ) اعلم أنَّه ذكَرَ في "المنية(١): ((أَنَّه لو أدخَلَ يدَهُ في الدُّهن
النجس، أو اختَضَبَت المرأةُ بالحِنَّاءِ النجس، أو صُبِغَ الثوبُ بالصِّغِ النحس، ثمَّ غُسِلَ كلٌّ ثلاثاً
طَهُرَ))، ثمَّ ذكَرَ عن "المحيط ) (٢): ((أَنَّه يطهُرُ إِنْ غُسِلَ الثوبُ حَتَّى يصفوَ الماءُ ويسيلَ أبيضَ)) اهـ.
وفي "الخانَّة"(٣): ((إذا وقَعَت النجاسةُ فِي صِبْغِ فَإِنَّ يُصبَعُ به الثوبُ، ثُمَّ يُعْسَلُ ثلاثاً فيطهُرُ
كالمرأة إذا اختَضَبَتْ بحناءٍ نحسٍ)) اهـ.
وذكَرَ مسألةَ الحَنَّاءِ في موضعٍ آخرَ مطلقةً أيضاً، ثمَّ قال(٤): ((وينبغي أنْ لا يَطهُرَ ما دام
يخرجُ الماءُ ملوَّناً بلونِ الحَنَّاءِ))، فعُلِمَ أنَّ اشتراط صفوِ الماء إمَّا قولٌ ثانٍ كما يُشعِرُ به كلامُ
"المحيط"، أو هو تقييدٌ لإطلاقِ القول الأوَّلِ وبيانٌ له كما يُشعِرُ به قولُ "الخانَيَّة" وينبغي، وعلى
كلِّ فَكلامُ "المحيط" و"الخانَيَّةِ " يُشعِرُ باختيارِ ذلك الشرطِ، ولذا اقتصَرَ على ذِكْرِهِ في "الفتح"(٥).
هذا، وقد ذكَرَ سيِّدي "عبدُ الغنيِّ)) (٦) كلاماً حسناً سبَقَهُ إليه صاحبُ "الحلبة"(٧)،
غسلِ الثوب عن الخمر، وإلاَّ فلا يظهرُ فرقٌ بين ريح الخمر والدَّم، تأمَّل. ثمَّ إنَّ مسألة وَدَكِ الميتة إنما
شُرِطَ فيها زوالُ الدُّسومة ولم يُشترَطْ زوالُ الرِّيحِ، فلا تصلُحُ مخصِّصةً لهذه المسألة إلاَّ بالنسبة للدُّسومة.
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في الأسار صـ ١٧٢ -١٧٣ - بتصرف يسير.
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارة - فصل في النجاسات ١/ق ٢٩/ب بتصرف.
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسات التي تصيب الثوب أو البدن ٢٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) أي: صاحب "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٢/١ (هامش" الفتاوى
الهندية").
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٤/١.
(٦) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٢٣ -٢٢٤ -.
(٧) "الحلبة": فصل في الأسآر ١/ق ٣١٠/أ، ٣١١/ب.
قسم العبادات
٣٩٢
حاشية ابن عابدين
وهو: ((أَنَّ مسألة الاختضابِ أو الصَّبْغِ بالحنَّاءِ أو الصِّبْغِ النَّحِسين، وغمسِ اليدِ فِي الدُّهنِ النجس
مبنيّةٌ في الأصل [١/ق ٢٥١/أ] على أحدٍ قولين: إمَّ على أنَّ الأثرَ الذي يَشُقُّ زوالُهُ لا يضرُّ بقاؤه،
وإمَّا على ما رُوِيَ عن "أبي يوسف" من أنَّ الدُّهنَ يَطهُرُ بالغسلِ ثلاثً، بأنْ يُجعَلَ في إناءٍ، فُيُصَبَّ
عليه الماءُ، ثُمَّ يُرفَعَ ويُراقَ الماءُ، وهكذا ثلاثَ مرَّاتٍ، فإِنَّه يطهُرُ، وعليه الفتوى خلافاً لـ "محمَّدٍ"
كما في "شرح المنية"(١)، فمَن بَنَى ذلك على الأوَّلِ اشترَطَ في هذه المسألةِ صفوَ الماء ليكونَ اللونُ
الباقي أثراً شَقَّ زولُهُ، فُيُعْفَى عنه وإنْ كان ربما نُقِضَ على ثوبٍ آخرَ، أو ظهَرَ في الماءِ عند غَسِهِ
في وقتٍ آخر، والقولُ باشتراطِ غَسِهِ ثلاثً بعد صفوِ الماءِ ضعيفٌ، ومَن بَنَى على الثاني اكَنَفَى
بالغَسل ثلاثً؛ لأنَّ الحَنَّاءَ والصِّغَ والدُّهن المتنجِّساتِ تصيرُ طاهرةً بالغَسل ثلاثاً، فلا يُشترَطُ بعدَ
ذلك خروجُ الماءِ صافياً)) اهـ.
وقد أطالَ في "الحلبة"(٢) في تحقيقِ ذلك كما هو دابُهُ، ثمَّ جَنَحَ إلى البناءِ على الأوَّلِ وقال:
((إِنَّه الأشبهُ، فليكن التعويلُ عليه في الفتوى)) اهـ.
ولا يخفى أنَّه ترجيحٌ لِما في "المحيطِ" و"الخانيَّةِ" و"الفتحِ"(٣)، فكان على "الشارح" الجزمُ به؛
٢١٩/١ إذ لم نَرَ مَن رجَّحَ خلافَهُ، فافهم. ثُمَّ قال سيِّدي "عبد الغنيّ" (٤): ((وهذا بخلافِ المصبوغ بالدمِ
كالثياب الحمرِ التي تُجَلَبُ في زماننا من ديارِ بكرٍ، فلا تطهُرُ أبداً ما لم يَخرُجِ الماءُ صافياً، ويُعَفَى
عن اللون، ومن هذا القبيلِ المصبوغُ بالدُّودةِ، فإِنَّها ميتةٌ يتحمَّدُ فيها الدمُ النحس ما لم تكنْ من
دودٍ يتولّدُ في الماءِ فتكونَ طاهرةً، لكنَّ بيعَها باطلٌ، ولا يَضمَنُ مُتْلِفُها، ولا يَمِلِكُ ثمنَها بالقبض؛
لأنَّ الميتة ليست بمالٍ)) اهـ ملخَّصاً.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الأسار صـ١٧٣ -.
(٢) "الحلبة": فصل في الأسار ١/ق ٣١١/ب.
(٣) تَقدَّمَتْ عباراتهم في هذه المقولة.
(٤) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٢٥ -٢٢٦ -.
الجزء الثاني
٣٩٣
باب الأنجاس
أقولُ: الذي يظهرُ أنَّ هذه الدودةَ إنْ كانت غيرَ مائيّةِ المولِدِ، وكان لها دمٌ سائلٌ فهي نجسةٌ،
وإلاَّ فطاهرةٌ، فلا يُحكَمُ بنجاستِها قبل العلمِ بحقيقتها، وأمَّا حكمُ بيعِها فينبغي جوازُهُ كما أجازوا
بيعَ السِّرِقِينِ للانتفاع به، وكذا بيعُ دودِ القزِّ وبيضِهِ؛ لأَنَّه مالٌ يُضَنُّ به، وهو المفتى به، وكذا بيعُ
الَّحلِ والعَلَقِ مع تصريحِهم بأَنَّه لا يجوزُ بيعُ الهوامِّ، وهذه الدودةُ عند أهل زماننا من أعزِّ الأموال
وَأَنْفَسِها، والضّنّةُ بها أكثرُ من دودِ القزِّ، وقد سمعتُ أنَّ الدودة نوعان: نوعٌ منها حيوانيٌّ يُخَنَقُ
بالخلِّ أو بالخمر، ونوعٌ منها نباتيٌّ، والأجودُ في الصَّبْغِ الأوَّلُ، والله أعلم.
مطلبٌ في حكمِ الوَشْم
(تنبيةٌ مهمّ)
يُستفادُ مما مرَّ(١) حكمُ الوَشْمِ [١ /ق ٢٥١/ب] في نحوِ اليد، وهو أنَّه كالاختضاب أو
الصَّبْغِ بالمتنجِّس؛ لأَنَّه إذا غُرْزَتِ اليدُ أو الشَّفَةُ مثلاً بابرةٍ، ثمَّ حُشِيَ ملُّها بكُحْلٍ أو نِيْلةٍ ليخضَرَّ
تنجَّسَ الكُحْلُ بالدم، فإذا حَمُدَ الدمُ والتَأَمَ الجرحُ بَقِيَ محلُّهُ أخضرَ، فإذا غُسِلَ طَهُرَ؛ لأَنَّهِ أثرٌ
يَشِقُّ زوالُهُ؛ لأَنَّه لا يزولُ إلَّ بسلخِ الجلد أو جَرحِهِ، فإذا كان لا يُكلَّفُ بإزالةِ الأثر الذي يزولُ
بماءٍ حارِّ أو صابونٍ فعدمُ التكليف هنا أَولى، وقد صرَّحَ به في "القنية" فقال: ((ولو أَتَّخَذَ في يده
وَشْماً لا يلزمُهُ السلخُ)) اهـ.
لكنْ في "الذَّخيرة": ((لو أعادَ سَنَّهُ ثانياً ونَبَتَ وَقَوِيَ فإِنْ أمكَنَ قلعُهُ بلا ضررٍ قَلَعَهُ، وإلاّ
فلا، وتنجَّسَ فمُهُ، ولا يُؤُمُّ أحداً من الناس)) اهـ. أي: بناءً على نجاسةِ السنِّ، وهو خلافُ ظاهر
المذهب، قال العلاَّمة "البيري": ((ومنه يُعلَمُ حكمُ الوَشْمةِ، ولا ريبَ في عدمِ جواز كونه إماماً
(قولُهُ: وأمَّا حكمُ بيعِها فينبغي جوازُهُ) فيه أنَّها إذا كانت غيرَ مائَّةِ المولد ولها دمٌّ سائلٌ فهي نجسةٌ لا
يجوزُ بيعها لعدم جواز الانتفاع بها بخلاف السِّرِقين وما بعده، فإنَّه يجوزُ الانتفاعُ به فيجوزُ بيعه.
(١) في هذه المقولة.
قسم العبادات
٣٩٤
حاشية ابن عابدين
بجامعِ النجاسة))، ثمَّ نقَلَ عن "شرح المشارق" للعلاّمة "الأكمل"(١): ((أَنَّه قيل: يصيرُ ذلك الموضعُ
نجساً، فإن لم يُمكِنْ إزالتُهُ إلاَّ بالجَرْحِ فإنْ خِيْفَ منه الهلاكُ أو فواتُ عضوٍ لم تَجِبْ، وإلاّ
وجَبَتْ، وبتأخيرِهِ يأْتُمُ، والرَّجُلُ والمرأةُ فيه سواءٌ)) اهـ.
أقولُ: وعليه لو أصابَ ماءً قليلاً أو مائعاً نَجَّسَهُ، لكنَّ تعبيرَ "الأكملِ" بـ ((قيل)) يفيدُ عدمَ
اعتماده، وهو مذهبُ الشافعيَّة، فالظاهرُ أَنَّه نقَلَهُ عنهم، والفرقُ بين الوَشْمةِ وبين السنِّ على القول
بنجاستها ظاهرٌ، فإنَّ السنَّ عينُ النجاسة، والوَشْمَةَ أَثْرٌ، فإنْ ادُّعِيَ أنَّ بقاء اللون دليلٌ على بقاء
العين رُدَّ بأنَّ الصَّبْغِ والاختضابَ كذلك، فيلزمُ عدمُ طهارته، وإِنْ فُرِّقَ بأنَّ الوشمة امتَرَجَتْ
باللحم والتَّأَمَتْ معه بخلاف الصَّبغ نقول: إنَّ ما تداخَلَ في اللحم لا يُؤمَرُ بغَسِلِهِ كما لو تشرََّت
النجاسةُ في يده مثلاً، وما على سطحِ الجلد مثلُ الحَّاءِ والصِّبغ، وقد صرَّحُوا بأَنَّه لو اكتحَلَ
يَكُحْلٍ نحسٍ لا يجبُ غَسْلُهُ، وَلَمَّا جُرِحَ ﴿ في أُحُدٍ جَاءَتْ "فاطمة" رضي الله عنها، فأحرَقَتْ
حصيراً وكمَّدَتْ به حَتَّى التصَقَ بالجرحِ، فاستمسَكَ الدُ (٢)، وفي مفسدات الصلاة من "خزانة
(قولُهُ: والفرقُ بين الوشمة وبين السنِّ إلخ) قال "السنديُّ": ((لقائل أن يقول: إنَّ الدم السائل لَمَّا
تحمَّدَ وانحبَسَ ثَمَّةَ فهو عينُ النجاسة أيضاً، وأمَّا عدمُ وجوب غَسلِ العين فيما لو اكتحَلَ بكحلٍ نحسٍ
فلأمرين: أحدُهما أنّه لم يكن عينَ النجاسة بل هو متنجِّسٌ، وثانيهما أنَّ غسل داخل العين وإخراجَ
الكحل منه لا يخلو عن ضرر)) اهـ. والظاهرُ أنَّ الحديث المذكور لا دلالةَ له على شيء في مسألتنا.
(١) أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين البابريّ (ت٧٨٦هـ) وسماه "تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار"
و"المشارق" هو "مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية" لأبي الفضائل حسن بن محمد، رضيّ الدين
الصَّغَانيّ أو الصّاغانيّ البغداديّ(ت ٦٥٠هـ). ("كشف الظنون" ١٦٨٨/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٩٥،٣٦-).
(٢) أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ٤٨/٢ باب من قُتِلَ من المسلمين يوم أحد، والبخاري(٢٩٠٣) كتاب
الجهاد باب المِحَنَّ ومن يَتَّرَسُ بْتُرس صاحبه، و(٢٩١١) باب لُبْسِ البَيْضَة، و(٥٧٢٢) كتاب الطب - باب حرق
الحصير ليُسَدَّ به الدَّمُ، و(٤٠٧٥) كتاب المغازي - باب ما أصاب النبيَّ ◌ُ *ثُ من الجراح يوم أحد،
ومسلم (١٧٩٠) (١٠١) كتاب الجهاد - باب غزوة أحد، وابن ماجه (٣٤٦٤) كتاب الطب - باب دواء الجراحة،
وأبو يعلى في "مسنده" (٧٥٣٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥٨٩٧)، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٢٥٩/٣ - =
الجزء الثاني
٣٩٥
باب الأنجاس
إِلَّ دُهنَ وَدَكِ ميتةٍ؛ لأَنَّه عينُ النجاسة، حتى لا يُدَبَغُ به جلدٌ)).
الفتاوى": ((كُسِرَ عظمُهُ، فَوُصِلَ بعظمِ الكلب ولا يُنزَعُ إِلاَّ بضررٍ جازت الصلاةُ))، ثمَّ قال:
((لو في يده تصاويرُ ويؤمُّ الناسَ لا تكرهُ إمامته)) اهـ.
وفي "الفتاوى الخيريَّة" من كتاب الصلاة(١): ((سُئِلَ في رجلٍ على [١/ق٢٥٢/أ] يدِهِ وشمٌ
هل تصحُّ صلاُهُ وإمامتُهُ معه أم لا؟ أجابَ: نعم تصحُّ صلاتُهُ وإمامته بلا شبهةٍ، والله أعلم)) اهـ.
[٢٩٥٧] (قولُهُ: إلَّ دُهنَ وَدَكِ ميتةٍ) الأَولى أنْ يقول: إلَّ وَدَكَ دُهنِ ميتةٍ؛ لأنَّ الوَدَكَ الدَّسَمُ
كما في "القاموس"(٢).
[٢٩٥٨] (قولُهُ: حَتّى لا يُدَغُ به جلدٌ) أي: لا يحلُّ ذلك وإنْ كان لو دُبِغَ ثُمَّ غُسِلَ طَهُرَ، قال
في "القنية"(٣): ((الكيمختُ(٤) المدبوغُ بدهن الخنزير إذا غُسِلَ يطهُرُ، ولا يضرُّ بقاءُ الأثر))، وفي
"الخلاصة"(٥): ((وإذا دُبِغَ الجلدُ بالدُّهنِ النجس يُغْسَلُ بالماء ويطهُرُ، والتشرُّبُ عفوٌ) اهـ.
= ٢٦٠ - ٢٦١، وابن حبان في "صحيحه" (٦٥٧٩) كتاب التاريخ - باب كتب النبي ◌َّ.
وبنحوه: أخرجه الحميدي (٩٢٩)، وأحمد في "مسنده" ٣٣٠/٥-٣٣٤، والبخاري(٢٤٣) كتاب الوضوء - باب غسل
المرأة أباها الدَّمَ عن وجهه، و(٣٠٣٧) كتاب الجهاد - باب دواء الجرح بإحراق الحصير، و(٥٢٤٨) كتاب النكاح -
باب ﴿وَلَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ﴾، ومسلم (١٧٩٠)(١٠٢)(١٠٣) كتاب الجهاد - باب غزوة أحد،
والترمذي (٢٠٨٦) كتاب الطب - باب التداوي بالرماد - وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن
ماجه (٣٤٦٥) كتاب الطب - باب دواء الجراحة، وأبو يعلى في "مسنده"(٧٥٣٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة"
٢٦١/٣، وابن حبان في "صحيحه" (٦٥٧٨) كتاب التاريخ - باب كتب النبي ◌ُ ◌ّ. كلّهم من حديث أبي مالك
سهل بن سعد الساعدي ريه، وفي الباب: عن أنس بن مالك، وأبي هريرة، وعبد الله بن مسعودڅ.
(١) "الفتاوى الخيرية": ١١/١.
(٢) "القاموس": مادة((ودك)).
(٣) "القنية": كتاب الطهارة - باب في تطهير النجاسة والدباغ ق٧/أ.
(٤) ذكر في "المغرب" أنّ الكواميخ جمع كَأْمَخ، تعريب ((كامَه))، وهو الرديء من المُرِّيّ. اهـ: والكامَخ كهَاجَر:
إدام. اهـ "قاموس" مادة" ((كمخ)).
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السادس في غسل الثوب والدهن ونحوه ق ١٤/ب.
قسم العبادات
٣٩٦
حاشية ابن عابدين
بل ◌ُستصبحُ به في غيرِ مسجدٍ.
(و) يطهُرُ محلُّ (غيرِها) أي: غيرِ مرئيَّةٍ(١) (بغلبةٍ ظنِّ غاسِلٍ) لو مكلّفاً، وإلاَّ فمُستعمِل
[٢٩٥٩] (قولُهُ: بل يُستصبَحُ بِه إلخ) ظاهرُ ما سيأتي(٢) في باب البيع الفاسد أَنَّه لا يحلُّ
الانتفاعُ به أصلاً، وإنما هذا في الدُّهن المتنجِّس فقط، يؤيِّدُهُ ما في "صحيح البخاريِ"(٣) عن "جابرٍ"
أَنَّهَ سَمِعَ رسول الله ﴿ِ عامَ الفتح يقولُ وهو بمكّةَ: ((إِنَّ اللّهَ حرَّمَ بيعَ الخمر والميتة والخنزير
والأصنام))، فقيل: يا رسول الله، أرأيتَ شحومَ الميتة؟ فإنّه يُطلَى بها السفنُ، ويُدهَنُ بها الجلودُ،
ويَستصبِحُ بها الناسُ، قال: ((لا، هو حرامٌ)) الحديثَ(٤).
[٢٩٦٠] (قولُهُ: وإلاَّ فمُستعمِلٍ) أي: وإنْ لم يكن الغاسلُ مكلَّفاً - بأنْ كان صغيراً أو مجنوناً ..
يُعتبرُ ظنُّ المستعمِلِ للثوب؛ لأَنّه هو المحتاجُ إليه، "زيلعي)"(٥).
(قولُ "الشارح": بل يُستصبَحُ به في غيرِ مسجدٍ) أي: بالدُّهن المتنجِّس لا بوَدَكِ الميتة اهـ سندي.
وبه يستقيمُ كلام "الشارح".
(١) في "د" زيادة: ((وهذا إذا لم يكن لها ريحٌ أيضاً، فإنْ كان وجبَتْ إزالتُهُ ما لم يشقَّ وهكذا الطعم، "شرح المنية")).
(٢) المقولة [٢٣٤٦١] قوله: ((بخلاف الودك)).
(٣) أخرجه البخاري تعليقًاً (٢٢٣٦) كتاب البيوع - باب بيع الميتة والأصنام، و(٤٢٩٦) كتاب المغازي - باب (٥١)،
و(٤٦٣٣) كتاب التفسير - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواحَتَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفٍُّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ
شُحُومَهُمَاً﴾ الآية، مختصراً، وأخرجه ابن الجارود في "المنتقى" (٥٧٨)، وأحمد في "مسنده" ٣٢٤/٣، ٣٢٦، ومسلم
(١٥٨١) (٧١) كتاب المساقاة - باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، وأبو داود (٣٤٨٦) كتاب البيوع - باب
في ثمن الخمر والميتة، والترمذي (١٢٩٧) كتاب البيوع - باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام، وقال: حديث جابر
حديث حسن صحيح، والنسائي ١٧٧/٧ كتاب الفرع - باب النهي عن الانتفاع بشحوم الميتة، و٣٠٩/٧، ٣١٠ كتاب
البيوع - باب بيع الخنزير، وابن ماجه (٢١٦٧) كتاب التجارات - باب ما لا يحلُّ بيعه، وأبو يعلى في "مسنده" (١٨٧٣)
و(٢٢٠٩)، والبغوي في "معالم التنزيل" ١٣٩/٢، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٥٤/٩، ٣٥٥ كتاب الضحايا - باب
من مَنَعَ الانتفاع به، وابن حبان في "صحيحه" (٤٩٣٧) كتاب البيوع - باب البيع المنهي عنه. كلهم من حديث جابر بن
عبد الله نظّنه. وفي الباب: عن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﴿ه.
(٤) من ((وإنما هذا)) إلى ((الحديث)) ساقط من "الأصل".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٧٦/١.
الجزء الثاني
٣٩٧
باب الأنجاس
(طهارةَ محلِّها) بلا عددٍ، به يُفتَى (وقُدِّرَ) ذلك.
[٢٩٦١) (قولُهُ: طهارةَ) بالنصبِ مفعولُ ((ظَنِّ)).
[٢٩٦٢) (قولُهُ: بلا عددٍ، به يُقْتَى) كذا في "المنية"(١)، وظاهرُهُ أَنَّه لو غَلَبَ على ظنّهِ زوالُها
بمرَّةٍ أجزَأَهُ، وبه صرَّحَ الإِمامُ "الكرخيُّ" في "مختصره "(٢)، واختارَهُ الإِمامُ "الإسبيجابيُّ"، وفي "غاية
البيان": ((أنَّ التقدير بالثلاث ظاهرُ الرواية))، وفي "السِّراج"(٣): ((اعتبارُ غلبةِ الظنِّ مختارُ العراقيِين،
والتقديرُ بالثلاث مختارُ البخارِّين، والظاهرُ الأوَّلُ إن لم يكن مُؤَسْوِساً، وإنْ كان مُوَسْوِساً
فالثاني)) اهـ "بحر "(٤).
قال في "النهر"(٥): ((وهو توفيقٌ حسنٌ)) اهـ. وعليه جَرَى صاحبُ "المختار" (٦)، فإنَّهِ اعْتَبَرَ
غلبة الظنِّ إلَّ في الموسوس، وهو ما مشى عليه "المصنّف"، واستحسَنَهُ في "الحلبة"(٧) وقال: ((وقد
٢٢٠/١ مشى الجمُّ الغفيرُ عليه في الاستنجاء)).
أقولُ: وهذا مبنيٌّ على تحقَّقِ الخلاف، وهو أنَّ القول بغلبة الظنِّ غيرُ القولِ بالثلاث، قال في
"الحلبة"(٨): ((وهو الحقُّ))، واستشهَدَ له بكلامِ "الحاوي القدسيِّ" (٩) و"المحيط".
أقولُ: وهو خلافُ ما في "الكافي" (١٠) مما يقتضي أنَّهما قولٌ واحدٌ، وعليه مشى في "شرح
(١) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٣ -.
(٢) "مختصر الكرخي": لأبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي(ت ٣٤٠ هـ). ("كشف الظنون" ١٦٣٤/٢، "الجواهر
المضية "٤٩٣/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٠٨-).
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١٧/ب بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأجاس ٢٤٩/١، ٢٥٠.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٣١/ب.
(٦) انظر "الاختيار": كتاب الطهارة - باب الأنجاس وتطهيرها ٣٦/١.
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٢٤/ب.
(٨) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٢٣/ب، ١/ ق ٣٢٤/ب.
(٩) "الحاوي القدسي": كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة ق٢٩/ب.
(١٠) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٩/أ.
قسم العبادات
٣٩٨
حاشية ابن عابدين
لموسوِسٍ (بغَسْلٍ وعَصْرِ ثلاثاً)
المنية"(١) فقال: ((فَعُلِمَ بهذا أنَّ المذهب اعتبارُ غلبةِ الظنِّ، وأَنَّها مقدَّرةٌ بالثلاث لحصولها بها في
الغالب وقطعاً للوسوسة، وأَنَّه من إقامةِ السبب الظاهر مُقَامَ المسبّبِ الذي في الاطلاع على حقيقته
عسرٌ كالسفر مُقَامَ المشقّة)) اهـ.
وهو مقتضى كلام "الهداية"(٢) وغيرها، واقتصَرَ عليه في "الإمداد"(٣)، وهو ظاهرُ المتون
حيث صرَّحُوا [١/ق٢٥٢/ب] بالثلاث، والله أعلم.
[٢٩٦٣) (قولُهُ: لموسوسٍ) قدَّرَهُ اختياراً لِما مشى عليه في "السِّراج"(٤) وغيرِهِ بناءً على
تحقَّقِ الخلاف، وإلاَّ فكلامُ "المصنّف" تبعاً لـ "الدرر"(٥) كعبارة "الكافي" و"الهداية"(٦) وغيرِهما
ظاهرٌ في خلافِهِ.
والموسوِسُ بكسرِ الواو؛ لأَنَّه مُحدِّثٌ بما في ضميره، ولا يقال بالفتح، ولكنْ مُوَسْوَسٌ له أو
إليه، أي: يُلقَى إليه الوسوسةُ، وهي حديثُ النفس كما في "المغرب"(٧).
[٢٩٦٤] (قولُهُ: ثلاثاً) قيدٌ للغَسلِ والعصر معاً على سبيل التنازع، أو للعصر فقط، ويُفهَمُ
منه تثليثُ الغَسل، فإنَّه إذا عُصِرَ مرَّةً بحيث لا يَبقَى التقاطُرُ لا يُعصَرُ مرَّةً أخرى إلاَّ بعدَ أن
يُغْسَلَ. اهـ "نوح".
ثُمَّ اشتراطُ العصرِ ثلاثاً هو ظاهرُ الرواية عن أصحابنا، وعن "محمَّدٍ" في غيرِ رواية الأصول:
يُكتَفَى به في المرَّةِ الأخيرة، وعن "أبي يوسف" أنَّه ليس بشرطٍ، "شرح المنية "(٨).
(١) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ١٨٣ -.
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ٣٧/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٧١/ب.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١٧/ب.
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٥/١.
(٦) تقدمت عبارتهما في المقولة السابقة.
(٧) "المغرب": مادة ((وسوس)).
(٨) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٣ -.