النص المفهرس
صفحات 341-360
الجزء الثاني
٣٣٩
باب الأنجاس
التلوّثْه بالنجس)) انتهى. أي: برطوبةِ الفرج، فيكونُ مفرَّعاً على قولهما بنجاستها،
أمَّا عنده فهي طاهرةٌ كسائر رطوباتِ البدن، "جوهرة"(١) (وإلاَّ) يكنْ يابساً ......
وهكذا رَوَى "الحسنُ" عن أصحابنا، وقيل: إنْ لم ينتشرِ البولُ على رأسِ الذكر، ولم يجاوزِ
الثقبَ يطهُرُ به، وكذا إن انتشَرَ ولكنْ خَرَجَ المنيُّ دفقاً؛ لأَنَّه لم يوجدْ مرورُهُ على البول الخارجِ،
ولا أثرَ لمروره عليه في الداخل لعدم الحكم بنجاسته)) اهـ.
وحاصلُهُ - كما قال "نوح أفندي" - : ((إِمَّا أنْ ينتشرَ كلٌّ من البول والمنيٍّ أوْ لا ولا، أو
البولُ فقط، أو المنيُّ فقط، ففي الأوَّلِ لا يطهُرُ بالفرك، وفي الثلاثة الأخيرة يطهُرُ)).
[٢٨٣٠] (قولُهُ: لتلوُِّ بالنحس) قد يقال بناءً على القولِ المارِّ آنفاً(٢): إنَّه إذا خرَجَ المنيُّ، ولم
ينتشرْ على رأس الذكر لا تلوُّثَ فيه، أفاده "ط)" (٣).
[٢٨٣١] (قولُهُ: برطوبةِ الفرجِ) [١/ق٢٣٨/أ] أي: الداخلِ بدليل قوله: ((أولَجَ))، وأمَّا
رطوبةُ الفرجِ الخارج فطاهرةٌ اتفاقاً. اهـ "ح"(٤).
وفي "منهاج الإمام النوويّ": ((رطوبةُ الفرج ليستْ بنجسةٍ في الأصحِّ، قال "ابن حجرٍ" في
"شرحه"(٥): وهي ماءٌ أبيضُ متردّدٌ بين المذيِ والعرقِ، يخرُجُ من باطنِ الفرج الذي لا يجبُ غسلُهُ،
بخلاف ما يُخرُجُ مما يجبُ غَسِلُهُ فَإِنَّه طاهرٌ قطعاً، ومن وراء باطنِ الفرج فإِنَّه نجسٌ قطعاً ككلِّ
خارجٍ من الباطن كالماءِ الخارج مع الولد أو قبيلَهُ)) اهـ.
وسنذكُرُ(٦) في آخرِ باب الاستنجاء أنَّ رطوبة الولد طاهرةٌ، وكذا السَّخلةُ والبيضةُ.
[٢٨٣٢] (قولُهُ: أمَّا عنده) أي: عند "الإِمام"، وظاهرُ كلامه في آخرِ الفصل الآتي(٧) أنَّه المعتمدُ.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٤٤/١.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٥٨/١.
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/ب.
(٥) انظر "تحفة المحتاج شرح المنهاج": كتاب الطهارة - باب النجاسة وإزالتها ٣٠٠/١.
(٦) المقولة [٣١٠٢] قوله: ((رطوبة الفرج طاهرة)).
(٧) المقولة [٣١٠٢] قوله: ((رطوبة الفرج طاهرة)).
قسم العبادات
٣٤٠
حاشية ابن عابدين
أوْ لا رأسُها طاهراً (فُيُغسَلُ) كسائرِ النجاسات ولو دماً عَبِيطاً على المشهور (بلا
فرق بين منِّهِ) ولو رقيقاً لمرضٍ به (ومنّيِّها) ولا بين منيٌّ آدمىٍّ وغيره ..
. . .......
(٢٨٣٣] (قولُهُ: أوْ لا رأسُها طاهراً) ((أو)) مانعةُ الخلوِّ محوِّزةُ الجمع، فيصدُقُ بما إذا كان
يابساً ورأسُها غيرَ طاهٍ، أو رطباً ورأسُها طاهرً، أو لم يكنْ يابساً ولا رأسُها طاهراً.
وفي بعض النسخ بالواو بدلَ ((أو))، وهو سهوٌ من الناسخ. اهـ "ح"(١).
أقولُ: لا سهوَ، بل غايةُ ما يلزمُهُ أَنّ تصريحٌ ببعض الصُّور، وهو صورةُ الجمعِ دون صورتَّي
الانفراد، فافهم.
[٢٨٣٤] (قولُهُ: ولو دَمَاً عَبيطً) بالعين المهملة، أي: طريّاً، "مغرب"(٢) و"قاموس"(٣). أي: ولو
كانتِ النجاسةُ دماً عبيطاً فإنَّها لا تطهُرُ إلاَّ بالغَسل على المشهور؛ لتصريحهم بأنَّ طهارة الثوب
بالفركِ إنما هو في المنيِّ لا في غيره، "بحر"(٤). فما في "المجتبى": ((لو أصابَ الثّوبَ دٌ عبيطٌ، فيبسَ
فحَّه طهُرَ كالمنِيِّ)) فشاذٌ، "نهر " (٥). وكذا ما في "القُهُستانيِ)(٦) عن "النوازل": ((أَنَّ الثوب يطهُرُ عن
العَذِرة الغليظة بالفرك قياساً على المني)) اهـ. نعم لو خرَجَ المنيُّ دَمَاً عَبِيطً فالظاهرُ طهارتُهُ بالفرك.
[٢٨٣٥] (قولُهُ: بلا فرقٍ) أي: في فركِهِ يابساً وغَسِهِ طريّاً.
[٢٨٣٦] (قولُهُ: ومنيِّها) أي: المرأةِ كما صحَّحَهُ في "الخانيّة)(٧)، وهو ظاهرُ الرواية عندنا كما
في "مختارات النوازل"(٨)، وجزَمَ في "السِّراج)"(٩) وغيره بخلافه، ورجَّحَهُ في "الحلبة"(١٠) بما حاصلُهُ:
(١) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/ب.
(٢) "المغرب": مادة ((عبط)).
(٣) "القاموس": مادة ((عبط)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٦/١.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٩/ب.
(٦)"جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في الأنجاس ٦٠/١.
(٧) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢٥/١ نقلاً عن أبي علي النسفي (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٨) "مختارات النوازل": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ق٨/أ.
(٩) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ ق ١٠٧/ب.
(١٠) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ ق ٣٢١/ب.
الجزء الثاني
٣٤١
باب الأنجاس
كما بحثَهُ "الباقانيُّ" (ولا بين ثوبٍ) ولو جديداً أو مبطَّناً في الأصحِّ (وَبَدَنِ على الظاهر)
من المذهب، ثم هل يعودُ نجساً ببلِّهِ بعد فركه؟ المعتمدُ لا، وكذا كلُّ ما حُكِمَ بطهارته ..
((أنَّ كلامهم متظافرٌ على أنَّ الاكتفاء بالفركِ في المنيِّ استحسانٌ بالأثر على خلافِ القياس،
فلا يُلحَقُ به إلاَّ ما في معناه من كلٍّ وجهٍ، والنصُّ ورَدَ في منيِّ الرجل، ومنيُّ المرأة ليس مثلَهُ
لِقْتِه وغِلَظِ منيِّ الرجل، والفركُ إنما يؤثّرُ زوالَ المفروك أو تقليلَهُ، وذلك فيما له حِرٌْ،
والرقيقُ المائعُ لا يحصُلُ من فركه هذا الغرضُ، فيدخلُ منيُّ المرأة إذا كان غليظاً، ويخرجُ منيُّ
الرجل إذا كان رقيقاً لعارِضٍ)) اهـ.
أقولُ: وقد يؤيَّدُ ما صحَّحَهُ في [١/ق٢٣٨/ب] "الخانيّة" بما صحَّ عن "عائشة" رضي الله عنها:
(( كنتُ أَحُكُّ المنيَّ من تُوبِ رسول الله ﴿ه وهو يصلّي))(١)، ولا خفاءَ أَنَّه كان من جماعٍ؛ لأنَّ الأنبياء
لا تحتلمُ، فيلزمُ اختلاطُ منيِّ المرأة به، فيدُلُّ على طهارة منّيِّها بالفرك بالأثر لا بالإِلحاق، فتدبّرْ.
[٢٨٣٧] (قولُهُ: كما بحَنَّهُ "الباقانِيُّ) لعلَّه في "شرحه" على "النقاية"(٢)، وأمَّا في "شرحه" على
"الملتقى"(٣) فلم أجده فيه، وسبَقَهُ إلى ذلك "القُهُستانيُّ) (٤) فقال: ((والمنيُّ شاملٌ لكلِّ حيوانٍ،
فينبغي أنْ يطهُرَ به)) اهـ. أي: بالفركِ.
(١) أخرجه أحمد ١٢٥/٦-١٣٢، ومسلم (٢٨٨)(١٠٥) كتاب الطهارة - باب حكم المني، وأبو داود (٣٧٢) في الطهارة - باب
المنيّ يصيب الثوب، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤١٦/٢، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ٥٠/١-٥١ كتاب الطهارة -
باب حكم المنيّ هل هو طاهر أم نجس ؟، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٨٩) كتاب الطهارة - باب ذكر الدليل على أنَّ المنيّ
ليس بنجس، وابن حبان في "صحيحه" (١٣٨٠)، وأخرجه النسائيّ ١٥٦/١ كتاب الطهارة - باب فرك المنيّ من الثوب،
وابن ماجه (٥٣٧) كتاب الطهارة وسننها - باب في فرك المني من الثوب لكن ليس فيها: (( وهو يصلي )).
(٢) شرح محمود بن بركات بن محمد، نورالدين الباقانيّ الدمشقيّ(ت١٠٠٣ هـ) على "النقاية مختصر الوقاية" لعبيد الله بن مسعود،
صدر الشريعة المحبوبيّ الأصغر(ت ٧٤٧هـ). (خلاصة الأثر ٣١٧/٤، "الفوائد البهية" ص ١٠٩-، "هدية العارفين" ٤١٤/٢).
(٣) المسمى "مجرى الأنهر شرح ملتقى الأبحر". ("كشف الظنون" ١٨١٤/٢).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في الأنجاس ٦٠/١.
قسم العبادات
٣٤٢
حاشية ابن عابدين
وفي "حاشية أبي السُّعود"(١): ((لا فرقَ بين منيِّ الآدميِّ وغيره كما في "الفيض"
و "الْقُهُستانيِ) (٢) أيضاً خلافاً لِما نقَلَهُ "الحمويُّ" عن "السمر قنديّ"(٣) من تقييده بمنيِّ الآدميِّ)) اهـ.
أقولُ: المنقولُ في "البحر "(٤) و"التاتر خانيّة"(٥): ((أنَّ منيَّ كلِّ حيوانٍ نجسٌ))، وأمَّا عدمُ
الفرق في التطهير فمحتاجٌ إلى نقلٍ، وما مرَّ عن "السمرقنديّ" مَنَّحِةٌ، ولذا قال "ح" (٦): ((إنَّ
الرُّخصة وردَتْ في منيٌّ الآدميِّ على خلاف القياس، فلا يقاسُ عليه غيرُهُ، فإنْ أُلحِقَ دلالةً يحتاجُ
إلى بيانِ أنَّ منيَّ غيرِ الآدميِّ - خصوصاً منيَّ الخنزير والكلب والفيل الداخلَ في عموم كلامه - في
معنى منيِّ الآدميِّ، ودونَهُ خَرْطُ القَتَادِ)) اهـ.
ورأيتُ في بعض الهوامش عن "شرح النقاية" لـ "البِرْ جَنديّ"(٧) أَنَّه قال: ((قد ذكروا أنَّ
الحكمة في تطهيرِ الثوب من المنيِّ بالفرك عمومُ البلوى وعدمُ تداخُلِهِ الثوبَ، فبالنظرِ إلى الأوَّلِ لا
يكونُ حكمُ غيره من سائر الحيوانات كذلك)) اهـ.
(تنبية)
نجاسةُ المنيِّ عندنا مغلّظّةٌ، "سراج"(٨). والعَلَقَةُ والمضغةُ نحسان كالمنيِّ، "نهاية" و"زيلعي"(٩).
١/ ٢٠٨ وكذا الولدُ إذا لم يستهلَّ لِما في "الخانَّة"(١٠): ((لو سقَطَ في الماء أفسَدَهُ وإن غُسِّلَ، وكذا
(١) "فتح المعين": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٢٥/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - فصل في الأنجاس ٦٠/١.
(٣) لعلّه أبو اللّيث السّمرقنديّ، والله تعالى أعلم.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٦/١ نقلاً عن المسعودي.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في النجاسات وأحكامها ٢٨٧/١ نقلاً عن "تجنيس مختصر خواهر زاده".
(٦) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/ب.
(٧) تقدمت ترجمته ٣٥٤/١.
(٨) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١٠٧/ب.
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٧١/١ بتصرف.
(١٠) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يقع في البئر ١١/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
الجزء الثاني
٣٤٣
باب الأنجاس
بغيرِ مائعٍ.
وقد أنهيتُ في "الخزائن" المطهِّرات إلى نَّيِّفٍ وثلاثين،
لو حَمَلَهُ المصلِّي لا تصحُّ صلاته))، "بحر "(١). وأمَّا ما نقَلَهُ في "البحر"(٢) بعد ذلك عن "الفتح"(٣):
((من أنَّ العَلَقةَ إذا صارت مضغةً تطهُرُ)) فمشكلٌ، إلاَّ أنْ يُجابَ بحمله على ما إذا نُفِخَتْ فيها
الرُّوحُ واستمرَّت الحياةُ إلى الولادة، تأمَّلْ.
[٢٨٣٨] (قولُهُ: بغيرِ مائعٍ) أي: كالدَّلك في الخفِّ، والجفافِ في الأرض، والدِّباغةِ الحكمِيَّة في
الجلد، وغَوَرانِ الماء في البئر، والمسحِ في الصقيل، قال في "البحر"(٤) بعد سَوْقِ عباراتهم فيها:
((فالحاصلُ أنَّ التصحيح والاختيار قد اختلَفَ في كلِّ مسألةٍ منها كما ترى، فالأَولى
[١/ق٢٣٩/أ] اعتبارُ الطهارة في الكلِّ كما يفيدُهُ أصحابُ المتون، حيث صرَّحُوا بالطهارة في
كلٍّ، واختارَهُ في "الفتح"(٥)، ولا يَرِدُ المستنجي بالحَجَرِ إذا دخَلَ الماءَ فإِنَّه ينجِّسُهُ؛ لأنَّ غير المائع
لم يُعتبَرْ مطهّراً في البدن إلاَّ في المنيِّ)) اهـ. أي: فالحَجَرُ لا يطهِّرُ محلَّ الاستنجاءِ من البدن، وإنما
هو مقلّلٌ، فلذا نَجَّسَ الماء بخلاف الدَّك ونحوِهِ، فإنّه مطهّرٌ.
ومقتضاه: أنَّ الخفَّ لو وقَعَ في ماءٍ قليلٍ لا ينجِّسُهُ، ثمَّ رأيتُ في "التجنيس" قال: ((ولو أُلْقِيَ
ترابُ هذه الأرضِ بعدَما جفَّ في الماء هل يَنجُسُ؟ هو على هاتين الروايتين)) اهـ.
أي: فعلى روايةِ الطهارة لا يَنجُسُ، وقدَّمنا (٦) أنَّ الآجُرَّة إذا تنجَّستْ فحقَّتْ ثُمَّقُلِعَتْ
فالمختارُ عدمُ العَوْد.
[٢٨٣٩] (قولُهُ: وقد أنهيتُ في "الخزائن)(٧) إلخ) ونصُّها: ((ذكروا أنَّ التطهير يكونُ بِغَسلٍ،
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٦/١ باختصار.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٩/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٦/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٨/١ باختصار.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٧/١.
(٦) المقولة [٢٨٢٠] قوله: ((مفروش)).
(٧) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٦١/أ.
قسم العبادات
٣٤٤
حاشية ابن عابدين
وجري الماء على نحوٍ بساطٍ، ودخولِهِ من جانبٍ وخروجهِ من آخر بحيث يُعَدُّ جارياً، وغَسلِ
طرفِ ثوبٍ نُسِيَ محلُّ نجاسته، ومسحٍ صقيلٍ، ومسحٍ نِطْعٍ وموضعٍ مِحِجَمةٍ، وفصدٍ بثلاثِ
خِرَقٍ، وجفافِ أرضٍ، ودَلْكِ حُفٍّ، وفركِ منىٍ، واستنجاءٍ بنحوٍ حَجَرٍ، ونحتِ ملحٍ
وخشبةٍ، وتقوُّرِ نحوِ سمنٍ جامدٍ بأنْ لا يستويَ من ساعته، وذكاةٍ، ودبغٍ، ونارٍ، وندفِ قطنٍ
تنجَّسَ أَقُّهُ، وقسمةِ مِثْلِيٍّ، وغَسلٍ، وبيعٍ، وهبةٍ، وأكلٍ لبعضهٌ، وانقلابِ عينٍ، وقلبها بجعل
أعلى الأرضِ أسفلَ، ونزحٍ بثٍ، وَغَوَرانِها، وغَوَرانِ قدر الواجب، وجريانِها، وتخُلُّلِ حمرٍ،
وكذا تخليلُها عندنا، وغلى اللحمِ عند "الثاني"، ونضحِ بولٍ صغيرٍ عند "الشافعيّ"، فهذه نّيِّفٌ
وثلاثون، وفي بعضها مُسامحٌ)) اهـ.
ووجهُ المسامحة ما أوضَحَهُ في "النهر "(١): ((من أنّه لا ينبغي عدُّ التقوُّرِ؛ لأنَّ السمن الجامد لم
يتنجَّسْ كلُّه، بل ما أُلُقِيَ منه فقط، ولا قلبِ الأرضِ لبقاء النجاسة في الأسفل، وكذا القسمةُ
والأربعةُ بعدَها، وإنما يجوزُ الانتفاعُ لوقوع الشكِّ في بقاء النجاسة في الموجود، وكذا الندفُ، ومَن
عدَّ شَرَطَ كونَ النجسِ مقداراً قليلاً يَذهَبُ بالندف، وإلاَّ فلا يطهُرُ كما في "البزَّازِيَّةُ"(٢)) اهـ.
أقولُ: ومثلُ التقوُّرِ النحتُ، على أنَّ في كثيرٍ من هذه المسائلِ تداخلاً، ولا ينبغي ذكرُ نضحِ
بول الصبيِّ الصغير بالماء؛ لأَنَّه ليس مذهبنا.
هذا، وقد زادَ بعضُهم [١/ق٢٣٩/ب] نفخَ الرُّوحِ بناءً على ما قدَّمناه(٣) آنفاً عن "الفتح"،
وزاد بعضُهم التمويهَ كالسكّين إذا مُوَِّ، أي: سُقِيَ بماءٍ نجسٍ يُموَّهُ بماءٍ ظاهرٍ ثلاثاً فيطهُرُ، وكذا
لَحْسُ اليد ونحوِها.
** قوله: ((لبعضه)) تنازَعَ فيه كلُّ من((غسل)) و((بيع)) و((هبة)) و((أكل)). اهـ منه
(١) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/أ بتصرف.
(٢) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل في إزالة النجاسة ٢٠/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٢٨٣٧] قوله: ((كما بحثه الباقانيّ)).
الجزء الثاني
٣٤٥
باب الأنجاس
وغَيَّرْتُ نظمَ "ابن وهبانَ" فقلت: [ طويل ]
ونَحْتٌ وقلبُ العَيْنِ والحفرُ يُذكَرُ
وغَسْلٌ ومسحٌ والجفافُ مطهِّرٌ
ودّبْغٌ وتخليلٌ.
[٢٨٤٠] (قولُهُ: وغيِّرْتُ نظمَ "ابن وهبانَ") (١) حيث قال في فصل المعاياةِ مُلِغِزاً:
ف والنَّحْتِ(٣) قلبِ العين والغَسل يطهُرُ
وَآخَرُ دونَ الفَرْكِ وَالدَّلكِ(٢) والجفا
ولا المسح والنزح الدُّخول التغوُّر *
ولا دبغ تخليل ذَكاةٍ تخلُّل
وزادَ "شارحُها "(٤) بيتاً فقال:
وأكل وقَسْمُ غَسل بعض ونَحْلِهِ؟.
وندفٍ (٥) وغَلْي بيع بعض تقوُّر
اهـ.
وأراد بقوله: ((وآخَرُ)) الحفرَ، أي: ما شيءٌ آخرُ من المطهِّرات غيرُ هذه المذكورات؟
[٢٨٤١] (قولُهُ: وقلبُ العين) كانقلابِ الخنزير ملحاً كما سيأتي (٦) متناً.
[٢٨٤٢] (قولُهُ: الحفرُ) أي: قلبُ الأرض بجعلِ الأعلى أسفلَ.
[٢٨٤٣] (قولُهُ: وتخليلٌ) أي: تخليلُ الخمر بإلقاءِ شيءٍ فيها، وهو كالتخلَّلِ بنفسها، وهما
داخلان في انقلابِ العين كما يُعلَمُ من "البحر"(٧)، قال في "الفتح "(٨): ((ولو صُبَّ ماءٌ في خمرٍ
(١) "الوهبانية": صـ ١١٤- (هامش "المنظومة المحبية").
(٢) الذي في النسخ: ((الندف)) وما أثبتناه هو الصواب - كما في "منظومة ابن وهبان" - لئلا يلزم تكرار ((الندف))
فيما زاده شارحها.
(٣) في "الوهبانية": ((والحت)) بدل ((النحت)).
* قوله: ((التغوُّر)) بالغين المعجمة، بمعنى غوران البئر. وقول شارح الوهبانية الآتي ((تقوّر)) هو بالقاف بمعنى تقوير
السمن الجامد. اهـ منه
(٤) أي: ابن الشحنة، في "تفصيل عقد الفرائد" ق ٣٥٣/أ.
قوله: ((ونحله)) أي: هبته، من نحل الشيء وهبه. اهـ منه
(٥) في "تفصيل عقد الفرائد": ((وقذف)) بدل ((وندف)) وهو تحريف.
(٦) صـ ٣٨٣ - "در".
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٩/١.
(٨) "الفتح": كتاب الطهارة - آخر باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٧/١ بتصرف.
قسم العبادات
٣٤٦
حاشية ابن عابدين
ذكاءٌ تخلُّلٌ
وفَرْكٌ ودَّلْكٌ والدخولُ التغوُّرُ
أو بالعكس، ثمَّ صار خَلاَّ طَهُرَ في الصحيح، بخلاف ما لو وقَعَتْ فيها فأرةٌ، ثُمَّ أُخرِجَتْ بعدَما
تخلّلتْ في الصحيح؛ لأَنَّها تنجَّسَتْ بعد التخُلُّلِ، بخلاف ما لو أُخرِجَتْ قبله)) اهـ.
وكذا لو وقَعَتْ في العصير، أو وَلَغَ فيه كلبٌ، ثمَّ تخمَّرَ ثُمَّ تخلَّلَ لا يطهُرُ، هو المختارُ،
"بحر "(١) عن "الخلاصة"(٢). وفي "الخانّة"(٣): ((خمرٌ صُبَّ في قِدْرِ الطعام، ثمَّ صُبَّ فيه الخلُّ وصار
حامضاً بحيث لا يمكنُ أكله لحموضته، وحموضتُهُ حموضةُ الخلِّ لا بأس بأكله، وعلى هذا كلُّ ما
صُبَّ فيه الخلُّ وصار خلاً، وكذا لو وقَعَتْ فأرةٌ في خمرٍ واستُخرِجَتْ قبل التفسُّخ ثُمَّ صارت
خلاًّ، فلو بعدَهُ لا يحلُّ، والخلُّ النحسُ إذا صُبَّ في خمرٍ فصارَ خلاً يكون نجساً؛ لأنَّ النجس لم
يتغيَّرْ، وإذا أُلُقِيَ في الخمر رغيفٌ أو بصلٌ ثمَّ صار الخمرُ خلاً فالصحيحُ أَنَّه طاهرٌ)) اهـ.
وسيأتي(٤) شيءٌ من ذلك في الفروعِ آخرَ الفصل الآتي.
(٢٨٤٤] (قولُهُ: ذكاةٌ) أي: ذبحُ حيوانٍ، فإِنَّه يُطهِّرُ الجلدَ، وكذا اللحمُ ولو مِن غير مأكول
على أحدِ التصحيحين كما مرَّ(٥) في محلّه.
[٢٨٤٥] (قولُهُ: والدخولُ) أي: دخولُ الماءِ الطاهرِ في الحوضِ الصغيرِ النجسِ مع خروجه من
جانبٍ آخرَ وإنْ قلَّ في الصحيح كما مرَّ(٦).
[٢٨٤٦] (قولُهُ: التغوُّرُ) أي: غورانُ ماء البئر قدْرَ ما يجبُ نزحه منها مطهِّرٌ لها كالنزح كما
تقدَّمَ(٧).
٢٠٩/١
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٩/١.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السادس في غسل الثوب والدهن ونحوه ق ١٥/أ معزياً إلى "الفتاوى".
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ٢٨/١ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) صـ ٤٥٠- وما بعدها "در".
(٥) ٦٨٠/١ وما بعدها "در".
(٦) المقولة [١٦٦٧] قوله: ((مطلقاً)) وما بعده.
(٧) المقولة [١٩٠٣] قوله: ((وغوران قدر الواجب)).
الجزء الثاني
٣٤٧
باب الأنجاس
تصرُّفُه في البعض نَدْفٌ ونزحُها ونارٌ وَغَلْيٌ غَسْلُ بعض تقوُّرُ
[٢٨٤٧] (قولُهُ: تصرُّفُهُ في البعضِ) أي: من نحوٍ حنطةٍ تنجَّسَ بعضُها، والتصرُّفُ يُعُمُّ
الأكلَ والبيعَ والهبة والصدقة، [١/ق ٢٤٠/ أ] أفاده "ح"(١)، وهذه المسألةُ ستأتي(٢) متناً،
وينبغي تقييدُ التصرُّفِ بأنْ يكونَ بمقدارِ ما تنجَّسَ منها أو أكثرَ لا أقلَّ كما يفيدُهُ ما قدَّ مناه(٣)
في الندف عن "النهر".
[٢٨٤٨] (قولُهُ: ونزحُها) أي: نزحُ البئر.
[٢٨٤٩] (قولُهُ: ونارٌ) كما لو أُحرِقَ موضعُ الدَّمِ من رأس الشاة، "بحز "(٤). وله نظائرُ
تأتي (٥) قريباً، ولا تَظُنَّ أنَّ كلَّ ما دخلَتْهُ النارُ يطهُرُ كما بلَغَني عن بعضِ الناس أَنَّه توهَّمَ
ذلك، بل المرادُ أنَّ ما استحالَتْ به النجاسةُ بالنار، أو زالَ أثرُها بها يطهُرُ، ولذا قَّدَ ذلك في
"المنية"(٦) بقوله: ((في مواضعَ)).
[٢٨٥٠] (قولُهُ: وغَلِّيٌّ) أي: بالنارِ كغليِ الدُّهن أو اللحم ثلاثاً على ما سيأتي(٧) بيانه.
(٢٨٥١] (قولُهُ: غسلُ بعضٍ) أي: بعضِ نحوِ ثوبٍ تنجَّسَ شيءٌ منه كما سيأتي(٨)
الکلامُ علیه.
[٢٨٥٢] (قولُهُ: تقوُّرُ) أي: تقويرُ نحوِ سمنٍ جامدٍ من جوانبِ النجاسة، فهو من استعمال
مصدر اللازم في المتعدِّي كالطهارة بمعنى التطهير كما أفادَهُ "الحمويُّ" (٩)، وخرَجَ بالجامد المائعُ،
(١) "ح": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٢٨/ب.
(٢) صـ٣٨٥ - ٣٨٦ - "در".
(٣) المقولة [٢٨٣٩] قوله: ((وقد أنهيت في "الخزائن")).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٩/١.
(٥) صـ ٣٤٩ - "در".
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٧٧ -.
(٧) المقولة [٢٩٨٢] قوله: ((ويطهر لبن وعسل إلخ)).
(٨) صـ ٣٨٣ - "در".
(٩) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني - كتاب الطهارة ١٠/٢.
قسم العبادات
٣٤٨
حاشية ابن عابدين
(و) يطهُرُ (زيتٌ) تنجَّسَ (بجعِلِهِ صابوناً) به يُفتَى للبلوى، كتنُورٍ ..
وهو ما يَنضَمُّ بعضُهُ إلى بعضٍ، فإنَّه ينجُسُ كُلُّهُ ما لم يبلغ القَدْرَ الكثيرَ على ما مرَّ. اهـ "فتح"(١).
أي: بأنْ كان عَشْراً في عَشْرٍ، وسيأتي(٢) كيفيَّةُ تطهيره إذا تنجَّسَ.
[٢٨٥٣] (قولُهُ: ويطهُرُ زيتٌ إلخ) قد ذكَرَ هذه المسألةَ العلاَّمة "قاسمٌ" في "فتاواه"، وكذا ما
سيأتي(٣) متناً وشرحاً من مسائلِ التطهير بانقلابِ العين، وذكَرَ الأدلَّةَ على ذلك بما لا مزيدَ عليه،
وحقَّقَ ودَقَّقَ كما هو دأبُهُ رحمه الله تعالى، فليراجع.
ثمَّ هذه المسألةُ قد فرَّعُوها على قولِ "محمَّدٍ" بالطهارة بانقلابِ العين الذي عليه الفتوى،
واختارَهُ أكثرُ المشايخ خلافاً لـ "أبي يوسف" كما في "شرح المنية(٤) و"الفتح"(٥) وغيرهما، وعبارةُ
"المجتبى": ((جعَلَ الدُّهنَ النجسَ في صابونٍ يُفْتَى بطهارته؛ لأَنَّه تعُّرٌ، والتغُّرُ يُطهّرُ عند "محمَّدٍ"،
ويُفتَى به للبلوى)) اهـ.
وظاهرُهُ: أنَّ دُهنَ الميتة كذلك لتعبيره بالنجس دون المتنجِّس، إلاَّ أن يقال: هو خاصٌّ
بالنجسِ؛ لأنَّ العادة في الصابون وضعُ الزيت دون بقيَّةِ الأدهانِ، تأمَّل. ثم رأيتُ في "شرح
المنية(٦) ما يُؤَيِّدُ الأَوَّلَ حيث قال: ((وعليه يتفرَّعُ ما لو وقَعَ إنسانٌ أو كلبٌ فِي قِدْرِ الصابون
فصار صابونً يكونُ طاهراً لتبدُّلِ الحقيقة )) اهـ.
ثُمَّ اعلم أنَّ العَلَّة عند "محمَّدٍ" هي التغيّرُ وانقلابُ الحقيقة، وأَنَّه يُفَتَى به للبلوى كما عُلِمَ مما
مرَّ(٧)، ومقتضاه عدمُ اختصاص ذلك الحكمِ بالصابون، فيدخلُ فيه كلُّ ما كان فيه تغُّرٌ وانقلابُ
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٨٧/١.
(٢) المقولة [٢٩٨٢] قوله: ((ويطهر لبن وعسل إلخ)).
(٣) صـ ٣٨٣ - "در".
(٤) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٨ -١٨٩ -.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٦/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٩ -.
(٧) في هذه المقولة.
الجزء الثاني
٣٤٩
باب الأنجاس
رُشَّ بماءٍ نجسٍ لا بأسَ بالخَبز فيه (كطينِ تنجَّسَ فجُعِلَ منه كوزٌ بعد جعلِهِ على
ے
النار) يطهُرُ إنْ لم يَظهَرْ فيه أثرُ التنجُّس بعد الطبخ، ذكرَهُ "الحلبيُّ".
(وعَفَا) الشارعُ (عن قَدْرِ درهمٍ).
[١/ق ٢٤٠/ب] حقيقةٍ، وكان فيه بلوى عامَّةٌ، فيقال كذلك في الدِّبسِ المطبوخِ إذا كان زيُهُ
متنجِّساً، ولا سيَّما أنَّ الفأر يدخلُهُ فيبولُ ويَبْعَرُ فيه، وقد يموتُ فيه، وقد بحَثَ كذلك بعضُ شيوخ
مشايخنا فقال: وعلى هذا إذا تنجَّسَ السمسمُ، ثمَّ صار طحينةً يطهُرُ، خصوصاً وقد عمَّتْ به
البلوى، وقاسَهُ على ما إذا وقَعَ عصفورٌ في بترٍ حَتَّى صار طِيناً لا يلزمُ إخراجه لاستحالته.
قلت: لكنْ قد يقال: إنَّ الدِّبسَ ليس فيه انقلابُ حقيقةٍ؛ لأَنَّه عصيرٌ جَمُدَ بالطبخ، وكذا
السمسمُ إذا دُرِسَ واختلَطَ دُهُنُهُ بأجزائه ففيه تعُّرُ وصفٍ فقط كلَبَنٍ صار جِيناً، ويُرِّ صار طحيناً،
وطحينٍ صار خُبزاً، بخلاف نحوٍ حمرٍ صار خلاً، وحمارٍ وقَعَ فِي مَمْلَحةٍ فصار مِلْحاً، وكذا
دُرْدِيُّ(١) خمرٍ صار طِرْطِيراً، وعَذِرَةٌ صارت رمادًا أو حَمْأَةً، فإنَّ ذلك كلَّهُ انقلابُ حقيقةٍ إلى
حقيقةٍ أخرى، لا مجرَّدُ انقلابِ وصفٍ كما سيأتي(٢)، والله أعلم.
[٢٨٥٤] (قولُهُ: رُشَّ بماءٍ نجسٍ) أي: أو بالَ فيه صبِيٌّ، أو مُسِحَ بخرقةٍ مِبْتَّةٍ نحسيةٍ، "حلبةٍ(٣).
[٢٨٥٥] (قولُهُ: لا بأسَ بالخَبْزِ فيه) أي: بعدَ ذهاب البَّةِ النجسة بالنار، وإلاَّ تنجَّسَ كما في
"الخانيَّة" (٤).
[٢٨٥٦] (قولُهُ: ذكَرَهُ "الحلبيُّ")(٥) وعلَّلهُ بقوله: ((لاضمحلالِ النجاسةِ بالنار وزوال أثرها)).
[٢٨٥٧] (قولُهُ: وعَفَا الشارعُ) فيه تغييرٌ للفظِ المتن؛ لأَنَّه كان مبنيًّاً للمجهول، لكنَّه قَصَدَ
(١) الدُّرْدِيّ: هو ما رسب من العصارات لا ما تَرَشَّحَ منها كما ظنّ؛ إذ المترشّح صافي الشيء، والدُّرْدِيّ حَدِرُه،
وأكثرُها منفعةً درديّ الخمر، ويعرف بالطّرطير إذا حُفّف. اهـ "تذكرة أولي الألباب" للأنطاكي ١٥٢/١، وانظر
لسان العرب مادة((درد)).
(٢) صـ ٣٨٣ - "در".
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٤/أ.
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٤/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٥) "شرح المنية الكبير": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس صـ ١٨٨ -.
قسم العبادات
٣٥٠
حاشية ابن عابدين
وإنْ كُرُهَ تحريماً فيجبُ غَسُهُ، وما دونه تنزيهاً فُيُسَنُّ، وفوقَهُ مبطلٌ فَيُفرَضُ، .......
التنبيهَ على أنَّ ذلك مرويٌّ لا محضُ قياسٍ فقط، قال في "شرح المنية"(١): ((ولنا أنَّ القليل عفوٌ
إجماعً؛ إذ الاستنجاءُ بالحَجَرِ كافٍ بالإجماع، وهو لا يَستأصِلُ النجاسةَ، والتقديرُ بالدرهم مرويٌّ
عن "عمر" و"علىِّ" و"ابنِ مسعودٍ"(٢)، وهو مما لا يُعرَفُ بالرأي، فُيُحمَلُ على السماع)) اهـ.
وفي "الحلبة"(٣): ((التقديرُ بالدرهم وقَعَ على سبيلِ الكناية عن موضعٍ خروجِ الحدث من
الدُّبُر كما أفادَهُ "إبراهيم النخعيُّ)(٤) بقوله: إِنَّهم استكرهوا ذكرَ المقاعد في مجالسهم فكنّوا عنه
بالدرهم، ويعضُدُهُ ما ذكَرَهُ المشايخُ عن "عمرَ": أَنَّ سُئِلَ عن القليل من النجاسة في الثوب فقال:
(إذا كان مثلَ ظُفري هذا لا يمنعُ جوازَ الصلاة)، قالواٌ: وظُفِرُهُ كان قريباً من كفّنا)).
[٢٨٥٨] (قولُهُ: وإنْ كُرِهَ تحريماً) أشارَ إلى أنَّ العفو عنه بالنسبة إلى صحَّةِ الصلاة به، فلا يُنافي
الإِثْمَ [١/ق ٢٤١/أ] كما استنَبَطَّهُ في "البحر"(٥) من عبارة "السِّراج"(٦)، ونحوُهُ في "شرح المنية"(٧)،
فإِنَّه ذكَرَ ما ذكَرَهُ "الشارحُ" من التفصيل، وقد نقَلَهُ أيضاً في "الحلبة (٨) عن "الينابيع"، لكنَّه قال
بعده: ((والأقربُ أنَّ غَسلَ الدرهم وما دونه مُستحَبٌّ مع العلمِ به والقدرةِ على غَسله، فتركُهُ
(قولُهُ: لكنَّه قال بعده: والأقربُ إلخ) الأحسنُ الرُّجوعُ لِما في "شرح المنية" و"الينابيع"، فإنّه صريحٌ
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الأسار صـ ١٧١ - باختصار.
(٢) لم نجده في المصادر الحديثية، وذكره العينيّ في "البناية في شرح الهداية" ٧٣٦/١، وعزاه إلى "الأسرار" للدبوسي.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٣٠٦/أ بتصرف يسير.
(٤) أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النّخعيّ الكُوفِيّ (ت٩٦هـ) وهو من أكابر التابعين. ("حلية الأولياء"
٢١٩/٤، "الأعلام" ٨٠/١) وتقدمت ترجمته من المؤلف في المقولة [٣٣٤] قوله: ((وحصده)).
* قوله: ((قالوا إلخ )) يقرِّبُهُ ما قالوا في علم الثوب: إنَّه يحل إذا كان عرض أربع أصابع، فقيل: المراد من أصابع السلف
كأصابع عمر ◌َّهِ، فإنّها قَدْرُ شبرنا . اهـ منه
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٠/١.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١١/ب.
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في الأسار صـ ١٧١ -.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسآر ١/ق ٣٠٧/أ.
الجزء الثاني
٣٥١
باب الأنجاس
حينئذٍ خلافُ الأَولى، نعم الدرهمُ غَسُهُ آكدُ مما دونه، فتركُهُ أشدُّ كراهةً كما يُستفاد من غيرِ ما
كتابٍ من مشاهيرِ كتبِ المذهب، ففي "المحيط": يكرهُ أنْ يُصلِّيَ ومعه قدْرُ درهمٍ أو دونه من
٢١٠/١ النجاسة عالِماً به لاختلافِ الناس فيه، زاد في "مختارات النوازل"(١): قادراً على إزالته، وحديثُ:
(ُعادُ الصلاة من قدْرِ الدرهم من الدم) لم يَتْبُتْ(٢)، ولو ثبَتَ(٣) حُمِلَ على استحبابِ الإعادة
توفيقاً بينه وبين ما دلَّ عليه الإجماعُ على سقوط غَسلِ المخرج بعد الاستجمار من سقوطِ قدْرِ
الدرهم من النجاسة مطلقاً)) اهـ ملخّصاً.
أقولُ: وَيُؤَيِّدُهُ قوله في "الفتح"(٤): ((والصلاةُ مكروهٌ مع ما لا يَمنَعُ حَتَّى قيل: لو عَلِمَ قليلَ
فيما قاله "الشارح" من التفصيل، وما استدلَّ به في "الحلبة" من عباراتِ مشاهيرِ الكتب لإثبات الكراهة
التنزيهَّة يمكنُ إرجاعُهُ لِما قاله "الشارح".
(١) "مختارات النوازل": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة ق ٥/ب.
(٢) أخرجه الدار قطنيّ في "السنن" ٤٠١/١ كتاب الطهارة - باب قدر النجاسة التي تبطل الصلاة، والبيهقيّ في "السنن
الكبرى"٤٠٤/٢ كتاب الصلاة - باب ما يجب غسله من الدَّم، وابن عديّ في "الكامل في الضعفاء" ١٣٨/٣، وفي
إسناد هذا الحديث روح بن غطيف، قال البخاريّ: حديث باطل، وروح هذا منكر، وقال الدارقطنيّ: لم يروه عن
الزهريّ، غير روح بن غطيف وهو متروك الحديث، قال ابن حبان: هذا حديث موضوع لا شك فيه لم يقله
رسول الله ®، ولكن اخترعه أهل الكوفة، وكان روح بن غطيف يروي الموضوعات عن الثقات، وقال البزار:
أجمع أهل العلم على نُكْرة هذا الحديث، ذكره ابن الجوزيّ في "الموضوعات" ٧٦/٢، وقال ابن حجر في "تلخيص
الحبير" ٢٧٨/١: وقد أخرجه ابن عديّ في الكامل" ١٣٨/٣ من طريق أخرى عن الزهري، لكن فيها أيضاً أبو
عصمة وقد اتهم بالكذب، قال التهانويّ في "إعلاء السنن" ٢٨٨/١: أبو عصمة ليس ممن أجمع على تركه فقد روى
عن شعبة كما في "التهذيب"، وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما عرف، وقال فيه ابن عديّ: وهو مع ضعفه
يُكْتَبُ حديثه، وحديث مثل هذا لا يحكم عليه بالوضع، بل غاية ما يقال فيه: إنه ضعيف، وانظر "نصب الراية"
٢١٣/١، و"إعلاء السنن" ٢٨٨/١.
(٣) ((لو ثبت)) ساقطة من"آ".
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٨/١.
قسم العبادات
٣٥٢
حاشية ابن عابدين
والعبرةُ لوقتِ الصلاة لا الإصابةِ على الأكثر، "نهر"(١)
النجاسة عليه في الصلاة يرفُضُها ما لم يَحَفْ فوتَ الوقت أو الجماعة)) اهـــ ومثلُهُ في "النهاية"
و"المحيط" كما في "البحر "(٢).
فقد سَوَّى بين الدرهم وما دونه في الكراهة ورفضِ الصلاةٍ، ومعلومٌ أنَّ ما دونه لا يكرهُ
تحريماً؛ إذ لا قائلَ به، فالتسويةُ في أصل الكراهة التنزيهيَّةِ وإنْ تفاوَتَتْ فيهما، ويؤيِّدُهُ تعليلُ
"المحيط" للكراهة باختلافِ الناس فيه؛ إذ لا يَستلزِمُ التحريمَ، وفي "النتف"(٣) ما نصُّهُ:
((فالواجبةُ إذا كانت النجاسةُ أكثرَ من قدْرِ الدرهم، والنافلةُ إذا كانت مقدارَ الدرهم وما دونه))،
وما في "الخلاصة"(٤) من قوله: ((وقدْرُ الدرهم لا يَمْنَعُ ويكون مُسيئاً، وإنْ أقلَّ(٥) فالأفضلُ أنْ
يَغْسِلَها، ولا يكونُ مُسيئاً)) اهـ لا يدلُّ على كراهة التحريم في الدرهم؛ لقول الأصولِّين: إنَّ
الإساءةَ دون الكراهة، نعم يدلُّ على تأكُّدٍ إزالته على ما دونه، فُيُوافِقُ ما مرَّ(٦) عن "الحلبة"، ولا
يُخالِفُ ما في "الفتح"(٧) كما لا يخفى، ويؤيِّدُهُ إطلاقُ أصحاب المتون قولَهم: وعُفِيَ قَدْرُ الدرهم،
فإِنَّه شاملٌ لعدمِ الإِثْم، فتُقدَّمُ هذه النقولُ على ما مرَّ(٨) عن "الينابيع"، والله تعالى أعلم.
[٢٨٥٩] (قولُهُ: والعبرةُ لوقتِ الصلاة) أي: لو أصابَ ثوبَهُ دُهنٌ نجسٌ أقلُّ من قَدْرِ
الدرهم، ثُمَّ انبسَطَ وقتَ الصلاة، فزادَ على [١/ق٢٤١/ب] الدرهم قيل: يَمنَعُ، وبه
أَخَذَ الأكثرون كما في "البحر"(٩) عن "السِّراج"(١٠)، وفي "المنية": ((وبه يُؤْخَذُ))،
(١) "النهر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق ٣٠/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٠/١.
(٣) "النتف": كتاب الطهارة - أوجه الاستنجاء ٢٥/١.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثامن في النجاسة التي تصيب الثوب وغيره ق ١٦/أ معزياً إلى "الأصل".
(٥) في "م": ((قل)).
(٦) في هذه المقولة.
(٧) في هذه المقولة.
(٨) في هذه المقولة.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٣٩/١.
(١٠) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١٣/أ باختصار.
الجزء الثاني
٣٥٣
باب الأنجاس
وقال "شارحها"(١): ((وتحقيقُهُ: أنَّ المعتبر في المقدار من النجاسةِ الرقيقةِ ليس جوهرَ النجاسة، بل
جوهرَ المتنجِّسِ عكسَ الكثيفة، فليتأمَّل)) اهـ.
وقيل: لا يَمنَعُ اعتباراً لوقت الإصابة، قال "القُهُستانيُ)(٢): ((وهو المختارُ، وبه يُفتَى))،
وظاهرُ "الفتح"(٣) اختيارُهُ أيضاً، وفي "الحلبة (٤): ((وهو الأشبهُ عندي))، وإليه مالَ سيِّدي "عبدُ
الغنيِّ(٥) وقال: فلو كانت أَزْيَدَ من الدرهم وقتَ الإصابة، ثمَّ حفَّتْ فخفَّتْ فصارت أقلَّ منَعَتْ.
هذا، وفي "البحر"(٦) وغيره: ((ولا يُعتبَرُ نفوذُ المقدار إلى الوجهِ الآخر لو الثوبُ واحداً
بخلاف ما إذا كان ذا طاقين كدرهمٍ متنجِّسِ الوجهين)) اهـ.
وما في "الخانَيَّة"(٧): ((من أنَّ الصحيح عدمُ المنع في الدرهم؛ لأنّه واحدٌ))، وفي
"الخلاصة"(٨): ((أَنَّه المختارُ)) قال في "الحلبة"(٩): ((الحقُّ أنَّ الذي يظهرُ خلافُهُ؛ لأنَّ نفسَ ما في
أحدِ الوجهين لا ينفُذُ إلى الآخرِ، فلم تكن النجاسةُ متَّحدةً بل متعدِّدةً، وهو المناطُ))(١٠) اهـ.
([تمَّةٌ)
قال في "الفتح"(١١) وغيره: ((ثُمَّ إنَّما يُعتَبَرُ المانعُ مضافاً إلى المصلِّي، فلو جلَسَ الصبيُّ
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الأسار صـ ١٧٢ -.
(٢) "جامع الرموز": فصل: يطهر الشيء ٦٣/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٨/١.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٣٠٩/ب.
(٥) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ ٢١٢ -.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٠/١.
(٧) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٤/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السابع في طهارة الثوب والمكان ق ٢٤/ب.
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٣١٢/أ نقلاً عن "الملتقط".
(١٠) أي: ((في اعتبار الجمع)) كما في "الحلبة".
(١١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٨/١ بتصرف.
قسم العبادات
٣٥٤
حاشية ابن عابدين
(وهو مثقالٌ) عشرون قيراطاً (في) نجسٍ (كثيفٍ)
أو الحمامُ المتنجِّسُ في حِجْرِه جازت صلاتُهُ لو الصبيُّ مُستمسِكاً بنفسه؛ لأَنَّه هو الحاملُ لها بخلاف
غيرِ المستمسك كالرضيع الصغير، حيث يصيرُ مضافاً إليه))، وبَحَثَ فيه في "الحلبة"(١): ((بأنّه لا
أثّرَ فيما يظهرُ للاستمساك؛ لأنَّ المصلِّيَ في المعنى حاملٌ للنجاسة، ومَن ادَّعاه فعليه البيانُ)).
أقولُ: وهو قويٌّ، لكنَّ المنقول خلافُهُ، ورُوِيَ بإسنادٍ حسنٍ عن "أنسٍ" رضي الله تعالى عنه
قال: ((رأيتُ رسول الله وَ لَّ يصلِّي و"الحسنُ" على ظهره، فإذا سجَدَ نَحَّاه))(٢)، ولا يخفى أنَّ
الصغير لا يخلو عن النجاسةِ عادةً، فهو مؤيِّدٌ للمنقول.
[٢٨٦٠] (قولُهُ: وهو مثقالٌ) هذا هو الصحيحُ، وقيل(٣): يُعتبرُ في كلِّ زمانٍ درهمُهُ، "بحر "(٤).
وأفادَ أنَّ الدرهم هنا غيرُهُ في باب الزكاة، فإنَّه هناك ما كان كلُّ عشرةٍ منه وزنَ سبعةٍ مثاقيل.
(٢٨٦١] (قولُهُ: في نجسِ كثيفٍ) لَمَّ اختلَفَ تفسيرُ "محمَّدٍ" للدرهم - فتارةً فسَّرَهُ بِعَرْضِ
الكفِّ، وتارةً بالمتقال - اختلَفَ المشايخُ فيه، ووَفَّقَ "الهندوانيُّ" بينهما بما ذكَرَهُ "المصنّف"، واختارَهُ
كثيرٌ منهم، وصحَّحَهُ "الزيلعيُّ" (٥) و "الزاهديُّ"، وأقرَّهُ في "الفتح"(٦)؛ لأنَّ إعمال الروايتين إذا
أمكَنَ أَولى، وتمامُهُ في "البحر "(٧) و"الحلبة (٨)، ومقتضاه أنَّ قدر الدرهم من الكثيفة [١/ق٢٤٢/أ]
لو كان مُنبسِطاً في الثوب أكثرَ من عَرْضِ الكفِّ لا يَمنَعُ كما ذكَرَهُ سيِّدي "عبدُ الغنيّ" (٩).
(١) "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٤٤/ب.
(٢) لم نعثر على هذا الحديث بهذه الرواية فيما بين أيدينا من المصادر، وله شاهد عند أبي داود برقم (٩١٩) من حديث أبي قتادة
الأنصاري يقول: ((رأيت رسول الله ﴿ يصلي بالناس وأُمامةُ بنتُ أبي العاص على عُنُقه، فإذا سجد وضعها )).
(٣) هذا القول مروي عن شمس الأئمة كما في "البحر" عن "السراج".
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٠/١ نقلاً عن "السراج الوهاج".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٧٣/١.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٨/١.
(٧) انظر "البحر": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٤٠/١.
(٨) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسآر ١/ق ٣٠٩/أ.
(٩) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢١٢ -.
الجزء الثاني
٣٥٥
باب الأنجاس
له جرْمٌ (وعرْضُ مقعَّرِ الكفِّ) وهو داخلُ مفاصلِ أصابعِ اليدِ (في رقيقٍ من مغلّظةٍ
[٢٨٦٢] (قولُهُ: له جِرٌْ) تفسيرٌ للكثيف، وعَدَّ منه في "الهداية"(١) الدَّمَ، وعدَّهُ "قاضي
خان"(٢) مما ليس له جِرْمٌ، ووفَّقَ في "الحلبة"(٣) بحملِ الأَوَّلِ على ما إذا كان غليظاً، والثاني على ما
إذا كان رقيقاً، قال: ((وينبغي أن يكون المنيُّ كذلك)) اهـ. فالمرادُ بذي الجِرْم ما تُشاهَدُ بالبصر
ذَتُهُ لا أَثْرُهُ كما مرَّ(٤) ويأتي(٥).
[٢٨٦٣] (قولُهُ: وهو داخلُ مَفاصلٍ أصابع اليد) قال "ملاَّ مسكين"(٦): ((وطريقُ معرفته أنْ
تَغْرِفَ الماءَ باليد ثمَّ تَبْسُطَ، فما بَقِيَ من الماء فهو مقدارُ الكفِّ)).
[٢٨٦٤] (قولُهُ: مِن مغلّظةٍ) متعلّقٌ بقوله: ((عُفِيَ))، "ط)(٧). أو بمحذوفٍ صفةٍ لـ ((كثيفٍ))
و((رقيقٍ))، أي: كائنين من نجاسةٍ مغلّظةٍ، وقال في "الدرر"(٨): ((متعلّقٌ بقدْرِ الدرهم)).
ثُمَّ اعلم أنَّ المغلّظ من النجاسة عند "الإِمام" ما ورَدَ فيه نصٌّ لم يُعارَضْ بنصٍ آخرَ، فإنْ
عُورِضَ بنصٍ آخرَ فمخفّفٌ كبولِ ما يُؤكَلُ لحمه، فإنَّ حديث: (استنزهوا البولَ)(٩) يدلُّ على
نجاسته، وحديثُ العُرَنِين(١٠) يدلُّ على طهارته، وعندهما ما اختلَفَ الأئمَّةُ في نجاسته فهو مخَّفٌ،
فالرَّوْثُ مغلَّظٌ عنده؛ لأَنّ عليه الصلاة والسلام سَمَّاه رِكْسً(١١)، ولم يُعارِضْهُ نصٌّ آخرُ، وعندهما
(١) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ٣٤/١.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ١٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ١/ق ٣٠٩/أ.
(٤) المقولة [٢٨٠٤] قوله: ((كخمر وبول)).
(٥) المقولة [٢٩٤٣] قوله: ((بعد جفاف)).
(٦) "شرح ملا مسكين على الكنز": كتاب الطهارة - باب الأنجاس صـ١٩ -.
(٧) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٥٩/١.
(٨) "الدرر": كتاب الطهارة - باب تطهير الأنجاس ٤٧/١.
(٩) قوله: ((استنزهوا البول)) هكذا بخطه، والمعروف في الحديث ((استنزهوا من البول)) وليحرّر. اهـ مصححه.
نقول: وقد تقدّم تخريجه ٧٠٠/١.
(١٠) تقدم تخريجه ٧٠٠/١.
(١١) سيأتي تخريجه صـ٤٢٦ -.
قسم العبادات
٣٥٦
حاشية ابن عابدين
كعَذِرَةٍ) آدميّ، وكذا كلُّ ما خرَجَ منه موجباً لوضوءٍ أو غُسلِ.
مخفَّفٌ لقول "مالك" بطهارته لعموم البلوى، وتمامُ تحقيقه في المطوّلات.
٢١١/١
[٢٨٦٥] (قولُهُ: كعَذِرَةٍ) تمثيلٌ للمغَلَّظة.
[٢٨٦٦] (قولُهُ: وكذا إلخ) يَرِدُ عليه الريحُ، فَإِنَّه طاهرٌ، "ط))(١). أي: على الصحيح، وقد
يقالُ: إنَّ الكلام في الكثيف والرقيق، والريحُ ليس منهما، فليتأمَّل، أو يقالُ: ما في ((كلُّ ما)) واقعةٌ
على النجس؛ لأنَّ المراد بيانُ التغليظ.
(تنبيةٌ)
صحَّحَ بعضُ أئمَّةِ الشافعيّة طهارةَ بوله ﴿ وسائرٍ فَضَلاته، وبه قال "أبو حنيفة" كما نقَلَهُ في
"المواهب اللدنَّة"(٢) عن "شرح البخاريّ" لـ "العينيّ (٣)، وصرَّحَ به "البيري" في "شرح الأشباه"،
وقال الحافظ "ابنُ حجرٍ"(٤): ((تظافرت الأدلّةُ على ذلك، وعَدَّ الأئمّةُ ذلك من خصائصه ◌ِّ))،
ونقَلَ بعضُهم عن "شرح المشكاة" لـ "منلا عليٍّ القاري"(٥) أَنَّه قال: اختارَهُ كثيرٌ من أصحابنا،
وأطالَ في تحقيقه في "شرحه" على "الشمائل"(٦) في باب ما جاءَ في تعطِّهِ عليه الصلاة والسلام.
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٥٩/١.
(٢) "المواهب اللدنية": المقصد الثالث - الفصل الأول ٣١٨/٢.
(٣) المسمّى "عمدة القاري": كتاب الوضوء - باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ٣٥/٣، وهو لأبي محمد
وأبي الثناء محمود بن أحمد، بدر الدين الحلبيّ العَيْنِيّ ثم القاهريّ(ت٨٥٥هـ). ("كشف الظنون" ٥٤٨/١، "الضوء
اللامع" ١٣١/١٠، "الفوائد البهية" ص ٢٠٧-).
(٤) "فتح الباري": كتاب الوضوء - باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ٢٧٢/١.
(٥) المسمى "مرقاة المفاتيح لمشكاة المصابيح": للملا علي بن سلطان محمد، نور الدين القاري الهرويّ (ت١٠١٤ هـ)
شرح "مشكاة المصابيح" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله، وليّ الدين الخطيب العمريّ التّبْرِيزيّ(ت ٧٤١هـ) كَمَّلَ
به "مصابيحَ السنة" لأبي محمد حسين بن مسعود بن محمد الفَرّاء الْبَغَوِيّ (ت ٥١٦هـ وقيل: ٥١٠). ("كشف الظنون"
١٦٩٩/٢ - ١٧٠٠، "وفيات الأعيان"١٣٦/٢، "خلاصة الأثر" ١٨٥/٣، "الأعلام" ٢٥٩/٢، ٢٣٤/٦).
(٦) المسمى "جمع الوسائل": ٢/٢ -٣ للقاري (ت١٠١٤هـ)، شرح به "الشمائل النبوية والخصائل المصطفوية"
لأبي عيسى محمد بن سُوْرَة التّرْمِذيّ (ت٢٧٩هـ). ("كشف الظنون" ١٠٥٩/٢ -١٠٦٠، "سير أعلام النبلاء"
٢٧٠/١٣، "خلاصة الأثر" ١٨٦/٣).
الجزء الثاني
٣٥٧
باب الأنجاس
مغلّظٌ (وبولِ غيرِ مأكولٍ ولو من صغيرٍ لم يَطعَمْ) إلّ بولَ الخُفَّاش وخُرِءَه فطاهرٌ،
[٢٨٦٧] (قولُهُ: مغلَّظٌ) لا حاجةَ إليه مع قوله: ((كذا))، "ط"(١).
[٢٨٦٨] (قولُهُ: لم يَطعَمْ) بفتح الياء، أي: لم يأكل، فلا بدَّ من غَسله، واكتَفَى الإِمام
"الشافعيُّ" بالنضحِ في بول الصبيِّ، "ط)"(٢). والجوابُ عمَّا استدَلَّ [١/ق٢٤٢/ب] به في
المطوَّلات.
[٢٨٦٩] (قولُهُ: إلاَّ بولَ الْحُفَّاشِ) بوزنِ رُمَّانٍ، وهو الوَطواطُ، سُمِّيَ به لصِغَرِ عينه وضعفٍ
بصره، "قاموس(٣). وفي "البدائع"(٤) وغيره: ((بولُ الخفافيش وخرؤُها ليس بنجسٍ لتعذُّرِ صيانة
الثوب والأواني عنها؛ لأنَّها تبولُ من الهواء، وهي فأرةٌ طَّارةٌ، فلهذا تبولٌ)) اهـ.
ومقتضاه أنَّ سقوط النجاسة للضرورة، وهو متَّحةٌ على القول بأنّه لا يُؤكَلُ كما عزاه في
"الذخيرة" إلى بعض المواضع معلّلاً: ((بأنَّ له ناباً))، ومَشَى عليه في "الخانيّة "(٥)، لكنْ نَظَرَ فيه في
"غاية البيان": ((بأنَّ ذا الَّابِ إنما يُنْهَى عنه إذا كان يَصطاد بنابه))، أي: وهذا ليس كذلك، وفي
"المبتغى": ((قيل: يُؤْكَلُ، وقيل: لا))، ونقَلَ "العبّادِيُّ "(٦) من الشافعيّة عن "محمَّدٍ": ((أَنَّه حلالٌ))،
وعليه فلا إشكالَ في طهارة بوله وخرئه، وتمامُهُ في "الحلبة"(٧).
(قولُهُ: لصِغَرِ عِينِهِ وضعفِ بصره، "قاموس") أي: والخَفَشُ صِغَرُ العين وضعفُ البصر كما فيه أيضاً.
(قولُهُ: وهو متَّجِةٌ على القولِ بأَنَّه لا يُؤْكَلُ) وكذا على مقابله، تأمَّل.
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٥٩/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١٥٩/١.
(٣) "القاموس": مادة ((خفش)).
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة الحقيقية ٦٢/١.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يقع في البئر ٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٦) أحمد بن قاسم شهاب الدين الصّاغ العبّاديّ القاهريّ الشافعيّ(ت٩٩٤هـ). ("الكواكب السائرة"١٢٤/٣ "شذرات
الذهب"٦٣٦/١٠)، ولم نعثر على هذا النقل في حاشيته على "تحفة المحتاج".
(٧) انظر "الحلبة": شروط الصلاة - الثاني: الطهارة من الأنجاس ١/ق ٣٣٦/ب.
قسم العبادات
٣٥٨
حاشية ابن عابدين
وكذا بولُ الفأرة لتعذّر التحرُّز عنه، وعليه الفتوى كما في "التتارخانيَّة"، وسيجيءُ
آخرَ الكتاب(١): أنَّ خُرءها لا يُفسِدُ ما لم يظهر أثرُهُ، وفي "الأشباه"(٢): ((بولُ السِّنْور
في غيرِ أواني الماءِ عفوٌ))، وعليه الفتوى (ودمٍ) مسفوحٍ من سائر الحيوانات، .........
أقولُ: وعليه يَتَمشَّى قولُ "الشارح": ((فطاهرٌ))، وإلاَّ كان الأَولى أنْ يقول: فمعفوٌّ
عنه، فافهم.
[٢٨٧٠] (قولُهُ: وكذا بولُ الفأرة إلخ) اعلم أنَّ ذكَرَ في "الخانَّة"(٣): ((أَنَّ بول الهرَّة والفأرة
وحُرْءَهما(٤) نحسٌ في أظهرِ الروايات، يُفسِدُ الماءَ والثوبَ، ولو طُحِنَ بعرُ الفأرة مع الحنطةِ ولم
يَظْهَرْ أَثْرُهُ يُعْفَى عنه للضرورة))، وفي "الخلاصة"(٥): ((إذا بالَت الهرَّةُ في الإناء أو على الثوب
تنجَّسَ، وكذا بولُ الفأرة، وقال الفقيهُ "أبو جعفرٍ": يَنجُسُ الإِناءُ دون الثوب)) اهـ.
قال في "الفتح"(٦): ((وهو حسنٌ لعادةٍ تخمير الأواني، وبولُ الفأرة في روايةٍ لا بأس به،
والمشايخُ على أَنَّه نجسٌ لخفَّةِ الضرورة بخلاف خرئها، فإنَّ فيه ضرورةً في الحنطة)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ ظاهر الرواية نجاسةُ الكلِّ، لكنَّ الضرورة متحقّقَةٌ في بولِ الهرَّةِ في غير
المائعات كالثياب، وكذا في خُرْءِ الفأرة في نحوِ الحنطة دون الثياب والمائعات، وأمَّا بولُ الفأرة
فالضرورةُ فيه غيرُ متحقّقَةٍ إلاَّ على تلك الروايةِ المارَّةِ(٢) التي ذكَرَ "الشارحُ": ((أَنَّ عليها الفتوى))،
لكنَّ عبارة "التاتر خانَّة"(٨): ((بولُ الفارة وخرؤها نجسٌ (٩)، وقيل: بولُها معفوٌّ عنه، وعليه الفتوى،
وفي "الحجَّة": الصحيحُ أَنَّ نجسٌ)) اهـ.
(١) انظر المقولة [٣٦٨٩٠] قوله: ((ولا يفسد إلخ)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول: القاعدة الرابعة: المشقّة تجلب التيسير صـ٨٥ -.
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يقع في البئر ٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) في "ب" و"م": ((خرءها)).
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق٣/أ.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس ١٨٣/١.
(٧) في هذه المقولة نقلاً عن "الفتح".
(٨) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في النجاسات وتطهيرها ٢٨٩/١.
(٩) نقله في "التاتر خانية"عن "الخلاصة".