النص المفهرس

صفحات 121-140

الجزء الثاني
١١٩
باب التيمم
بخلافٍ صلاةٍ جنازةٍ أو سجدةٍ تلاوةٍ، "فتاوى شيخِنا خيرِ الدين الرمليِّ" قلتُ :....
وإنْ كان من جنبٍ، وكان كلمةً كلمةً فلفَقْدِ الثاني أيضاً، وعارضُ التعليم لا يُخرِجُه عن كونه
قراءةً، ولا يرادُ الجنبُ هنا إذا لم يكن التعليمُ كلمةً كلمةً لِما مرَّ(١).
وأمَّا زيارةُ القبور، وعيادةُ المريض، ودفنُ الميت، والسَّلامُ وردُّه فلفَقْدِ الثاني.
وأمَّا الأذانُ بالنسبة إلى الجنب فلفَقْدِ الأوَّلِ، وللمحدِثِ(٢) فلفَقْدِ الأمرين. [١ /ق ١٨٦/أ]
وأمَّا الإقامةُ مطلقاً فلفَقْدِ الأوَّلِ.
وأمَّا الإِسلامُ فجرى فيه على مذهب "أبي يوسف" القائلِ بصحَّتِه في ذاته. اهـ "ح"(٣).
أقولُ: لا يصحُّ عدُّ الإسلامِ هنا؛ لأَنَّه يُوهِمُ صحَّةَ تيمُّمِه له، لكنْ لا تجوزُ الصلاةُ به،
وليس ذلك قولاً لأحدٍ من علمائنا الثلاثة؛ لأَنَّه عند "أبي يوسف" يصحُّ في ذاته، وتجوزُ الصلاةُ
به عنده كما صرَّحَ به في "البحر "(٤)، وأمَّا عندهما فلا يصحُّ أصلاً، وهو الأصحُّ كما في
"الإمداد"(٥) وغيره، فافهم.
[٢١٦٨] (قولُهُ: بخلافِ صلاةِ جنازةٍ) أي: فإنَّ تيمُّمَها تجوزُ به سائرُ الصلوات، لكنْ عند فقدِ
الماء، وأمَّا عند وجوده إذا خاف فَوْتَها فإنما تجوزُ به الصلاةُ على جنازةٍ أخرى إذا لم يكنْ بينهما
١٦٣/١ فاصلٌ كما مرَّ(٦)، ولا يجوزُ به غيرُها من الصلوات، أفاده "ح"(٧).
[٢١٦٩] (قولُهُ: أو سجدةِ تلاوةٍ) أي: فتصحُّ الصلاةُ بالتيمُّمِ لها عند عدم الماء، أمَّا عند
وجوده فلا يصحُّ التّيمُمُ لها لِما علمتَ من أَنَّها تفوتُ إلى بدَلِ، "ط)(٨).
(١) ٥٧٦/١ "در".
(٢) ((فلفقد الأول، وللمحدث)) ساقط من نسخة "ح" التي بين أيدينا.
(٣) "ح": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٦/ب - ١٧/أ.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٩/١.
(٥) "الإمداد": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٤٩/أ - ب.
(٦) صـ ٨ ١٠ - "در".
(٧) "ح": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٧/أ.
(٨) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٣٠/١.

قسم العبادات
١٢٠
حاشية ابن عابدين
وظاهرُهُ أَنَّه يجوزُ له(١) فعلُ ذلك، فتأمَّلْ.
(لا) يتيمَّمُ (لفَوْتِ جمعةٍ ووقتٍ) ولو وِتْراً (٢) لفواتِها إلى بدل،.
[٢١٧٠] (قولُهُ: وظاهرُهُ إلخ) أي: ظاهرُ قوله: (( لم تُجُزِ الصلاةُ به )) أنَّ التيمُّمَ لهذه
المذكورات الثلاثَ عشرةَ التي لا تُشترطُ لها الطهارةُ صحيحٌ في نفسه يجوزُ فعلُه.
ووجهُ ظهورِ ذلك: أنَّه لو لم يكنْ صحيحاً في نفسه لكان المناسبُ أنْ يقال: لم يصحّ
التيمُّمُ لها، أو لم يجزْ؛ لأَنَّه أعمُّ.
وأقولُ: إنْ كان مرادُه الجوازَ عند فَقْدِ الماء فهو مسلَّمٌ، وإلاَّ فلا.
والظاهرُ أنَّ مرادَه الثاني موافقاً لِما قدَّمَهُ(٣) عن "البحر"، ولقوله(٤): ((فظاهرُ
"البزَّازيَّةُ" جوازُه لتسعِ مع وجود الماء إلخ ))، وقدَّمنا (٥) أنَّه غيرُ ظاهرٍ، وأَنَّه لا بدَّ له من
نقلٍ يدلُّ عليه ولم يوجدْ، وأنَّ استدلال "البحر" بما في "المبتغى" لا يفيدُ، نعمْ ما يُخافُ فوتُه
بلا بدل من هذه المذكورات يجوزُ مع وجود الماء نظيرَ الجنازة؛ لأَنَّه فاقدٌ للماء حكماً،
فيشملُهُ النصُّ بخلاف ما لا يُخافُ فوتُه منها، فلا يجوزُ أصلاً؛ لأنَّ النصَّ ورَدَ بمشروعيّة
التيمُّمِ عند فَقْدِ الماءِ، فلا يُشرَعُ عند وجوده حقيقةً وحكماً، ولعلَّه لهذا أمَرَ بالتأمُّل، فافهمْ.
[٢١٧١] (قولُهُ: لفواتِها) أي: هذه المذكوراتِ إلى بدلِ، فبدلُ الوقتّات والوترِ القضاءُ،
وبدلُ الجمعة الظهرُ، فهو بَدُلُها صورةً عند الفوات وإنْ كان في ظاهرِ المذهب هو الأصلَ،
والجمعةُ خلَفٌ عنه خلافاً لـ "زفرَ" كما في "البحر" (٦).
(١) ((له)) ليست في "ب".
(٢) في "و": ((ولو وَقْتَ وِتْرٍ)).
(٣) صـ ١١٦ - "در".
(٤) ص ١١٧ - "در".
(٥) المقولة [٢١٥٣] قوله: ((قلت إلخ))، والمقولة [٢١٥٩] قوله: ((فظاهر "البزازية" إلخ)).
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٧/١.

الجزء الثاني
١٢١
باب التيمم
وقيل: يتيمَّمُ لفواتِ الوقت، قال "الحلبيُّ) : ((فالأحوطُ أنْ يتيمَّمَ ويصلَّيَ، ثم يعيدَ )) ..
[٢١٧٢] (قولُهُ: وقيل: يتيمَّمُ إلخ) هو قولُ [١/ق ١٨٦/ب] "زفرَ"، وفي "القنية"(١):
((أَنّه روايةٌ عن مشايخنا ))، "بحر"(٢). وقدَّمنا(٣) ثمرةَ الخلاف.
[٢١٧٣) (قولُهُ: قال "الحلبيُّ") أي: البرهانُ "إبراهيمُ الحلبيُّ" في "شرحه" على
"المنية"(٤)، وذكَرَ مثلَهُ العلاَّمةُ "ابن أمير حاج" الحلبيُّ في "الحلبة(٥) شرحِ المنية"، حيث
ذكَرَ فروعاً عن المشايخ، ثمَّ قال ما حاصلُهُ: (( ولعلَّ هذا من هؤلاء المشايخ اختيارٌ لقول
"زفرَ" لقوَّةِ دليله، وهو أنَّ التيمُّمَ إنما شُرِعَ للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، فيتيمَّمُ عند
خوفٍ فوتِه، قال شيخُنا "ابن الهمام"(٦): ولم يَتَّحِهْ لهم عليه* سوى أنَّ التقصير جاء من
قِبَلِه، فلا يُوجِبُ الترخيصَ عليه، وهو إنما يتِمُّ إذا أخَّرَ لا لعذرِ اهـ. وأقولُ: إذا أخَّرَ لا
لعذرٍ فهو عاصٍ، والمذهبُ عندنا أنَّه كالمطيع في الرُّخَص، نعمْ تَأَخيرُه إلى هذا الحدِّ عذرٌ
جاءَ من قِبَلٍ غيرِ صاحب الحق، فينبغي أنْ يقال: يتيمَّمُ ويصلِّي، ثم يعيدُ بالوضوء، كمَنْ
عجَزَ بعذرٍ من قِبَلِ العباد، وقد نقَلَ "الزاهديُّ" في "شرحه" هذا الحكمَ عن "اللَّيث بن
سعدٍ"، وقَد ذكَرَ "ابن خلِّكان"(٧) أنَّه كان حنفيَّ المذهب، وكذا ذكَرَه في "الجواهر
المضيّة(٨) في طبقات الحنفيَّة")). اهـ ما في "الحلبة".
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيمن يبتلى بأمرين أيَّهما يختار ق ٢٦/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٧/١.
(٣) المقولة [٢٠٤١] قوله: ((لبعده)).
(٤) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ٨٣- باختصار.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٤١ /أ - ب.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب التيمم ١٢٣/١ -١٢٤.
قوله: ((ولم يتجه لهم عليه إلخ)) أي: إنَّ الفقهاء ردُّوا على زفر، ولم يتوجَّهْ لهم في الردِّ عليه سوى أنَّهم قالوا: إنَّ
منْ أخْرِ الصلاة إلى آخر الوقت كان مقصِّراً، وتقصيُرُه جاء مِنْ قِبَلِهِ، فلا يستحقُّ الترخيصَ له بجواز التيمم، ولكن
هذا الردُّ على زفر إنَّما يتم لو أَخَّر لا لعذر، فيلزمهم أنْ يُرَخّصُوا له التيمم لو أخَّر لعذر، على أنَّه لو أخِّر بلا عذر
لا يَتَّجِهُ أيضاً؛ لأنَّ غايَتَهُ أَنَّه عاصٍ بالتأخير، والعاصي عندنا كالمطيع في ثبوت الترخص له . اهـ منه.
(٧) "وفيات الأعيان": ١٢٧/٤.
(٨) "الجواهر المضية": ٧٢٠/٢ لأبي محمد عبد القادر بن محمد، محيي الدين القرشيّ المصريّ(ت٧٧٥هـ). ("كشف
الظنون" ١٠٩٧/٢، "الدرر الكامنة" ٣٩٢/٣، "الفوائد البهية" ص ٩٩-).

قسم العبادات
١٢٢
حاشية ابن عابدين
(ويجبُ) أي: يُفترَضُ (طلبُهُ) ولو برسولِهِ (قَدْرَ غَلْوةٍ)
قلت: وهذا قولٌ متوسِّطٌ بين القولين، وفيه الخروجُ عن العُهْدة بيقينٍ، فلذا أقرَّهُ
"الشارح"، ثُمَّ رأيتُهُ منقولاً في "التاتر خانيَّة"(١) عن "أبي نصر بن سلام)"(٢)، وهو من كبار
الأئمّة الحنفيَّة قطعاً، فينبغي العملُ به احتياطاً، ولا سيَّما وكلامُ "ابن الهمام" يميلُ إلى ترجيحِ
قولِ "زفرَ" كما علمتَه، بل قد علمتَ من كلام "القنية"(٣) أَنَّه روايةٌ عن مشايخنا الثلاثة،
ونظيرُ هذا مسألةُ الضَّيف الذي خافَ رِيبً، فإنَّهم قالوا: يصلّي ثم يعيدُ، والله تعالى أعلمُ.
[٢١٧٤] (قولُهُ: ويجبُ) أي: على المسافر؛ لأنَّ طلب الماء في العُمرانات أو في قربِها
واجبٌ مطلقاً، "بحر "(٤).
[٢١٧٥) (قولُهُ: طلبُهُ) أي: الماءِ.
[٢١٧٦] (قولُهُ: ولو برسوله) وكذا لو أخبَرَه مِنْ غيرِ أنْ يُرسِلَه، "بحر "(٥) عن "المنية"(٦).
(قولُهُ: فينبغي العملُ به احتياطاً إلخ) لكنْ قد يقال: إنَّ الاحتياطَ هو العملُ بأقوى الدَّليلين،
وأقواهما العملُ بالقول الصَّحيح بالنّسبة إلى المقلّد، وبصلاته بالتيمُمِ لذلك يكونُ مصلّياً بدونِ طهارةٍ
على القول الصحيح، وهو وإنْ لم يُكفَرْ بذلك لكونه مصلّياً بطهارةٍ في الجملة - فقد قيل بصحَّتها - لكنَّه
أمرٌ قبيحٌ، فلم يكن أخذاً بأقوى الدّليلين، ولأَنَّه إذا تعارَضَ جلبُ المصلحة ودفعُ المفسدة فدفعُ المفسدة
أَولى، وصلاتُهُ بالتيمُّمِ جلبُ مصلحةٍ إقامةِ الصلاة في وقتها، وتركُهُ دفعُ مفسدةِ الصلاةِ بدون طهارةٍ،
فيكونُ أَولى، "سندي" عن "الرَّحمتيّ".
(١) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الخامس في التيمم ٢٣٣/١.
(٢) أبو نصر بن سَلّم البَلْخيّ(ت٣٠٥هـ)، تارة يذكر بكنيته وتارة باسمه وتارة بهما معاً. كذا في "الجواهر المضية"
٩٢/٤، و"الفوائد البهية" صـ ١٦٨ -.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب فيمن يبتلى بأمرين أيّهما يختار ق٢٦/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٩/١ بتصرف، وعبارته: ((واجب اتفاقاً مطلقاً )) بزيادة ((اتفاقاً )).
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٩/١.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ ٦٤ -.

الجزء الثاني
١٢٣
باب التيمم
تُلثمائةِ ذراعٍ من كلِّ جانبٍ، ذكَرَهُ "الحلبيُّ).
[٢١٧٧] (قولُهُ: ثلثَمائةِ ذراعٍ) أي: إلى أربعمائةٍ، "درر"(١) و"كافي"(٢) و"سراج"(٢) و"مبتغى".
مطلبٌ في تقديرِ الغَلْوة
[٢١٧٨) (قولُهُ: ذكَرَهُ "الحلبيُّ) أي: البرهانُ "إبراهيم"، وعبارتُهُ في "شرحيه" على "المنية"
"الكبيرِ" و "الصغيرِ"(٤): (( فيطلُبُ يميناً ويساراً قدْرَ غَلْوةٍ من كلِّ جانبٍ، وهي تُلْتُمائةِ خطوةٍ إلى
أربعِمائةٍ، وقيل: قدرَ رميةِ [١/ق١٨٧ /أ] سهمٍ)) اهـ.
وفيه مخالفةٌ لِما عزاه إليه "الشارح" من وجهين:
الأوَّلُ: تفسيرُ الغَلْوة بالخُطا لا بالأذرُع.
والثاني: الاكتفاءُ بالطلب يميناً ويساراً، وهو الموافقُ لقول "الخانيّة "(٥): (( يُفرَضُ الطلبُ يميناً
ويساراً قدْرَ غلوةٍ )).
وظاهرُه - كما في الشيخ "إسماعيلَ"(٦) عن "البِرْ جَنديّ" - : (( أَنَّه لا يجبُ في جانب الخَلْفِ
(قولُهُ: وفيه مخالفةٌ لِما عزاه إليه "الشَّارح" من وجهين إلخ) تندفعُ المخالفةُ في الوجهِ الأوَّلِ بأنَّ المراد
بالذّراع ما كان فيه أصبعٌ قائمةٌ عند كلٍّ قبضةٍ، وهو عينُ الخطوة كما تقدَّمَ له نظيرُهُ في أوَّلِ الباب، وفي
الوجهِ الثاني بأنَّ المراد يمينُ الطريق ويسارُه لا يمينُ فاقدِ الماء ويسارُه، فهو مساوٍ لقولِهِ: ((من كلِّ
جانبٍ)) ولِما في "الحقائق"، وحينئذٍ لا يستقيمُ ما ذكرَهُ الشيخ "إسماعيلُ" عن "البِرْجَنديّ"، ولا وجهَ
لعدم وجوبِ طلبه أمامَهُ أو خلفه إذا ظَنَّ قربَهُ فيه، والمقصودُ طلبُهُ غلوةً من كلِّ جانبٍ ظَنَّ قربَهُ فيه، لا
أنَّه يجبُ طلبُهُ من كلِّ الجهات إذا ظَنَّ القربَ في جهةٍ، تأمَّل.
(١) "الدرر": كتاب الطهارة - باب التيمم ٣١/١.
(٢) لم نعثر عليها في "كافي النسفي".
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ٦٨/ب.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ ٦٤-، و"الصغير": ص ٣٤ -.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يجوز له التيمم ٥٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) لم نعثر على هذا النقل في مخطوطة "الإحكام" التي بين أيدينا.

قسم العبادات
١٢٤
حاشية ابن عابدين
وفي "البدائع": ((الأصحُّ طلبُهُ قَدْرَ ما لا يضُرُّ بنفسِهِ ورفقتِهِ بالانتظارِ )) (إِنْ ظَنَّ).
والقُدَّامِ ))، نعمْ في "الحقائق"(١): ((ينظُرُ يمينَه وشمالَه وأمامَه ووراءه غلوةً ))، قال في "البحر"(٢):
(( وظاهرُهُ أَنَّه لا يلزمُه المشْيُ، بل يكفيه النظرُ في هذه الجهات وهو في مكانِه إذا كان حوالَيْه لا
يَسْتِرُ عنه ))، وقال في "النهر"(٣): ((بل معناه أنَّه يُقْسِّمُ الغلوةَ على هذه الجهات، فيمشي من كلِّ
جانبٍ مائةَ ذراعٍ؛ إذ الطلبُ لا يتمُّ بمجرَّدٍ النظر)) اهـ.
وفي "الشرنبلاليَّةُ"(٤) عن "البرهان": ((أنَّ قدرَ الطلب بغَلْوةٍ من جانبِ ظنّهِ )) اهـ.
قلت: لكنَّ هذا ظاهرٌ إِنْ ظَنَّهُ في جانبٍ خاصٍّ، أمَّا لو ظنَّ أنَّ هناك ماءً دون ميْلٍ، ولم
يترجَّحْ عنده أحدُ الجوانب يطُبُه فيها كلِّها حتى جهةٍ خَلْفِهِ، إلاَّ إذا عِلِمَ أنّه لا ماءَ فيه حين مرورِهِ
عليه، ولكنْ هل يُقْسِّمُ الغلوةَ على الجهات، أو لكلِّ جهةٍ غلوةٌ؟ محلُّ تردُّدٍ، والأقربُ الأوَّلُ كما
مرَّ عن "النهر"، وصريحُ ما مرَّ(٥) عن "شرح المنية " خلاقُهُ، ولكنَّ الظاهرَ أَنَّه لا يلزمُهُ المشيُّ إلاّ إذا
لم يمكِّنْهِ كشفُ الحال بمجرَّدِ النظر، فتدبَّرْ.
[٢١٧٩] (قولُهُ: وفي "البدائع"(٦) إلخ) اعتمَدَهُ في "البحر "(٧).
[٢١٨٠] (قولُهُ: وَرِفْقَتِه) الأَولى: أو رفقتِه؛ لأنَّ ضررَ أحدِهما كافٍ كما هو غيرُ خافٍ،
!! !! (٨)
ح "(٨).
(١) "حقائق المنظومة": باب فتاوى الشافعيّ ق٢٧٩/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٩/١ نقلاً عن "التوشيح".
(٣) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٢١/ب.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - باب التيمم ٣١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) في هذه المقولة.
(٦) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في شرائط ركن التيمم ٤٧/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٩/١.
(٨) "ح": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٧/ب.

الجزء الثاني
١٢٥
باب التيمم
ظنّاً قويّاً (قربَهُ) دونَ مِيْلِ بأمارةٍ أو إخبارٍ عَدْلِ (وإلاَّ) يَغْلِبْ على ظنّهِ قَرِبُهُ (لا)
يجبُ، بل يُندَبُ إِنْ رَجَا، وإلَّ لا، ولو صلَّى بتيمُّمٍ وثَمَّةَ مَنْ يسألُهُ، ثم أخبرَهُ بالماء
أعادَ، وإلاَّ لا.
(وشُرِطَ له) أي: للتيمُمِ ..
مطلبٌ في الفرق بين الظنِّ وغالبِ الظنّ
(٢١٨١) (قولُهُ: ظنّاً قويّاً) أي: غالباً، قال في "البحر"(١) عن "أصول اللامِشيِّ": ((إنَّ أحدَ
الطَّرَفين إذا قوِيَ وترجَّحَ على الآخرِ، ولم يأخذِ القلبُ ما ترجّحَ به، ولم يَطْرَحِ الآخرَ فهو الظَّنُّ،
وإذا عقَدَ القلبُ على أحدِهما وتركَ الآخرَ فهو أكبرُ الظنِّ وغالبُ الرأيِ )) اهـ.
[٢١٨٢] (قولُهُ: دونَ مِيْلٍ) ظرفٌ لقوله: ((قربَه))، وقَّدَ به لأنَّ الميلَ وما فوقَه بعيدٌ لا
يُوجِبُ الطلبَ.
١٦٤/١
[٢١٨٣] (قولُهُ: بأمارةٍ) أي: علامةٍ كرؤيةٍ خُضْرةٍ أو طيرٍ.
[٢١٨٤] (قولُهُ: أو إخبارِ عَدْلِ) قال في "شرح المنية"(٢): (( ويُشترطُ في الْمُخبِر أنْ يكون
مكلَّفاً عدْلاً، وإلاَّ فلا بدَّ معه من غلبة الظنِّ حتى يلزمَ الطلبُ؛ لأَنَّه من الدِّيانات )).
[٢١٨٥] (قولُهُ: وإلاَّ يغلِبْ على ظنّه) [١/ق ١٨٧ /ب] بأنْ شكَّ، أو ظنَّ ظنّاً غيرَ
قويٍّ، "نهر "(٣).
[٢١٨٦] (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: إنْ لم يَرْجُ الماءَ لا يطلبُه لعدم الفائدة، "بحر "(٤) عن
"المبسوط" (٥).
[٢١٨٧] (قولُهُ: أعادَ، وإلاَّ لا) أي: وإنْ لم يُخبِرْه بعدَما سأَلَّه لا يعيدُ الصلاة، "زيلعي" (٦)
(١) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٧٠/١.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ ٦٤ -.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٢١/ب بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٧٠/١.
(٥) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب التيمم ١١٥/١ بتصرف.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب التيمم ٤٤/١.

قسم العبادات
١٢٦
حاشية ابن عابدين
في حقِّ جوازِ الصلاةِ به (نَّةُ عبادةٍ)
و "بدائع"(١). لكنْ في "البحر"(٢) عن "السِّراج"(٣): ((ولو تيمَّمَ من غيرِ طلبٍ، وكان الطلبُ
واجباً، وصلَّى، ثم طلَبَهُ فلم يجدْه وحَبَتْ عليه الإعادةُ عندهما خلافاً لـ "أبي يوسف")) اهـ.
ومُفادُه: أَنَّه تجبُ الإعادةُ هنا وإنْ لم يُخْبِرِّه.
[٢١٨٨] (قولُهُ: في حقِّ جوازِ الصلاةِ) أمَّا في حقِّ صحَّتِه في نفسه فيكفي فيه نَيَّةُ ما قصَدَه
لأجْلِه من أيِّ عبادةٍ كانت عند فَقْدِ الماء، وعند وجودِهِ يصحُّ لعبادةٍ تفوتُ لا إلى خلَفٍ كما
قدَّمناه(٤).
[٢١٨٩] (قولُهُ: نَيَّةُ عبادةٍ) قدَّمنا(٥) في الوضوء تعريفَ النَّة وشروطَها، وفي "البحر" (٦):
((وشرطُها: أنْ ينويَ عبادةً مقصودةً إلخ، أو الطهارةَ، أو استباحةَ الصلاة، أو رفعَ الحدَثِ أو
الجنابةِ، فلا تكفي نيَّةُ التيمُّمِ على المذهب، ولا تُشترطُ نَيَّةُ التَّمييز بين الحدَثِ والجنابة خلافاً
لـ "الجصَّاص"(٧))) اهـ. ويأتي تمامُ الكلام عليه قريباً(٨).
(قولُهُ: لكنْ في "البحر" عن "السِّراج": ولو تيمَّمَ من غيرِ طلبٍ وكان الطلبُ واجباً إلخ) بحملٍ ما
في الشَّرح على ما إذا لم يَجِب الطلب، بأنْ غَلَبَ على ظنّهِ المنعُ وعدمُ الإخبار ترتفعُ المخالفة بين ما في
الشَّرح وبين ما في "السِّراج".
(١) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في شرائط ركن التيمم ٤٧/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٩/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ٦٩/أ.
(٤) المقولة [٢١٤٩] قوله: ((ولنوم إلخ)).
(٥) المقولة [٨٤٦] قوله: ((بالنية)).
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٧/١، ١٥٩ بتصرف.
(٧) هو أبو بكر أحمد بن علي المعروف بالحَصَّاص الرازيّ(ت٣٧٠هـ). ("الجواهر المضية"٢٢٠/١، "الفوائد البهية" صـ٢٧-).
(٨) المقولة [٢١٩٧] قوله: ((بنية الوضوء)).

الجزء الثاني
١٢٧
باب التيمم
ولو صلاةَ جنازةٍ، أو سحدةَ تلاوةٍ لا شكرٍ في الأصحِّ.
قلت: وتقدَّمَ (١) في الوضوء أنَّه تكفي نيَّةُ الوضوء، فما الفرقُ بينه وبين نَّةِ التيمُّمِ؟! تأمَّلْ.
ولعلَّ وجهَ الفرْقِ أَنَّه لَمَّا كان بدلاً عن الوضوء أو عن آلته على ما مرَّ(٢) من الخلاف، ولم يكنْ
مطهّراً في نفسه إلاَّ بطريقِ البدَليَّة لم يصحّ أنْ يُحعَلَ مقصوداً بخلاف الوضوء، فإنّه طهارةٌ أصليّةٌ،
والأقربُ أنْ يقال: إنَّ كلَّ وضوءٍ تُستباحُ به الصلاةُ بخلاف التيمُّم، فإنَّ منه ما لا تُستَباحُ به، فلا
يكفي للصلاة التيمُّمُ المطلق، ويكفي الوضوءُ المطلق، هذا ما ظهَرَ لي، والله أعلم.
[٢١٩٠] (قولُهُ: ولو صلاةَ جنازةٍ) قال في "البحر"(٣): (( لا يخفى أنَّ قولهم بجوازِ الصلاة
بالتيمُّمِ لصلاةِ الجنازة محمولٌ على ما إذا لم يكنْ واجداً للماء كما قَّدَه في "الخلاصة"(٤) بالمسافر،
أمَّا إذا تيمَّمَ لها مع وجوده لخوفِ الفوت فإنَّ تيمُّمَه يبطُلُ بفراغه منها)) اهـ.
لكنْ في إطلاق بُطلاِه نظرٌ بدليل أَنَّه لو حضَرَه جنازةٌ أخرى قبلَ إمكان إعادةِ التيمُّم له
أنْ يصلّيَ عليها به، فالأَولى أنْ يقول: فإنَّ تيمُّمَه لم يصحَّ إلاَّ لِما نواه، وهو صلاةُ الجنازة
فقط، بدليل أنَّه لا يجوزُ له أنْ يصلِّيَ به، ولا أنْ يَمَسَّ المصحف، ولا يقرأ القرآنَ لو جنباً، كذا
قرَّرَه "شيخُنا" حفظه الله تعالى (٥).
(٢١٩١) (قولُهُ: في الأصحِّ) هذا بناءٌ على قول "الإِمام": إنَّها مكروهةٌ، أمَّا على قولهما المفتى به
(قولُهُ: والأقربُ أنْ يقال: إنَّ كلَّ وضوءٍ إلخ) لكنْ على هذا الجوابِ يحتاجُ للفرق بين نيّةِ الطهارة
ونَّةِ التيمُّمِ، حيث صحَّ التيمُمُ بِنَّةِ الطهارة لا بنَّةِ التيمُم مع أنَّ مِن الطهارة ما لا تستباحُ به الصَّلاة،
كما لو تيمَّمَ لخوفِ فوت جنازةٍ أو عيدٍ فإنَّه لا شكَّ في تحقَّقِها مع عدمِ استباحةِ الصلاة بها.
(١) المقولة [٨٤٩] قوله: ((كوضوء إلخ)).
(٢) المقولة [٢١٣٦] قوله: ((لأنه بدل إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٨/١.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الخامس في التيمم ق ١٣/ب.
(٥) من ((لكن في إطلاق)) إلى ((حفظه الله تعالى)) ساقط من الأصل و"آ".

قسم العبادات
١٢٨
حاشية ابن عابدين
(مقصودةٍ) خرَجَ دخولُ مسجدٍ ومسُّ مصحفٍ (لا تصحُّ) أي: لا تحلُّ ليعُمَّ قراءةً
القرآن للجُنبِ (بدونِ طهارةٍ)
١
به: أنَّها مستحبَّةٌ فينبغي صحَّتُه وصحَّةُ الصلاة به، أفاده "ح)(١).
[٢١٩٢] (قولُهُ: مقصودةٍ) [١/ق١٨٨ /أ] المرادُ بها ما لا تجبُ في ضِمْنِ شيءٍ آخرَ بطريق
الَّبعَيَّة، ولا ينافي هذا ما في كتب الأصول من أنَّ سجدة التلاوة غيرُ مقصودةٍ؛ لأنَّ المراد هنا أنّها
شُرِعَت ابتداءً تقرُّباً إلى الله تعالى لا تبعاً لغيرها بخلاف دخول المسجد ومسِّ المصحف، والمرادُ بما
في الأصول: أنَّ هيئةَ السُّجود ليستْ مقصودةً لذاتِها عند التلاوة، بل لاشتمالها على التّواضُع،
وتمامُهُ في "البحر"(٢).
(٢١٩٣) (قولُهُ: خرَجَ دخولُ مسجدٍ إلخ) أي: ولو لجُنُبٍ، بأنْ كان الماءُ في المسجد، وتيمَّمَ
لدخوله للغُسل، فلا يصلِّي به كما مرَّ(٣)، وخرجَ أيضاً الأذانُ والإقامةُ، ولا يقال: دخولُ المسجد
عبادةٌ للاعتكاف؛ لأنَّ العبادةَ هي الاعتكافُ، والدخولُ تَبَعّ له، فكان عبادةً غيرَ مقصودةٍ كما في
"البحر "(٤).
[٢١٩٤] (قولُهُ: ليُعُمَّ قراءةَ القرآن للجُنُبِ) قَّدَ بالجنب لأنَّ قراءة المحدِثِ تحلُّ بدون الطهارة،
فلا يجوزُ أنْ يصلِّيَ بذلك التيمُّمِ بخلاف الجنب، وهذا التفصيلُ جعَلَهُ في "البحر"(٥) هو الحقَّ خلافاً
لِمَنْ أطلَقَ الجوازَ ولِمَنْ أَطَلَقَ المنعَ.
وأشارَ "الشارح" إلى أنَّ القراءةَ عبادةٌ مقصودةٌ، وجعَلَها في "البحر "(٦) جزءَ العبادة، فزادَ في
الضابط بعد قوله: مقصودةٍ : (( أو جزءَها )) لإدخالِها، واعترضَهُ في "النهر"(٧): ((بأَنَّه لا حاجةً
(١) "ح": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٧/أ.
(٢) انظر "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٧/١.
(٣) المقولة [٢١٥٢] قوله: ((لكن في "النهر" إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٨/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٨/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٨/١.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ١٩/ب بتصرف يسير.

الجزء الثاني
١٢٩
باب التيمم
خَرَجَ السَّلامُ ورَدُّهُ (فَلَغَا تيمُّمُ كافرٍ لا وضوءُهُ) لأَنّه ليس بأهلِ للنّيَّةِ، فما يَفتقِرُ إليها
لا يصحُّ منه، وصَحَّ تيهُّمُ جُنُبٍ بنيّةِ الوضوء،.
إليه؛ لأنَّ وقوعَ القراءة جزءً عبادةٍ من وجهٍ لا يُنافي وقوعَها عبادةً مقصودةً من وجهٍ آخرَ، ألا ترى
أنّهم أدخلوا سجود التلاوة في المقصودة مع أنّه جزءٌ من العبادة التي هي الصلاةُ؟ )) اهـ.
[٢١٩٥] (قولُهُ: خَرَجَ السَّلامُ وردُّهُ) أي: فلا يصلّي بالتيمُّمِ لهما ولو عند فَقْدِ الماء، وكذا
قراءةُ المحدِثِ وزيارةُ القبور، وأمَّا الإِسلام فلا يصحُّ ذكرُه هنا؛ لأَنَّه عند "أبي يوسف" يصلِّي به،
وعندهما لا يصحُّ أصلاً كما نَبَّهنا عليه سابقاً(١)، فمَنْ عدَّه هنا لم يُصِبْ.
[٢١٩٦) (قولُهُ: فَلَغَا إلخ) تفريعٌ على اشتراط النّةِ، أي: لَمَّا شرطناها فيه - ومِنْ شرائطٍ
صحَّتِها الإِسلامُ - لَغَا تيمُّمُ الكافر، سواءٌ نوى عبادةً مقصودةً لا تصحُّ إلَّ بالطهارة أوْ لا، وصَحَّ
وضوءُه لعدمِ اشتراط النَّةِ فيه، ولَمَّا لم يشترطْها "زفرٌ" سوَّى بينهما، "نهر "(٢).
[٢١٩٧] (قولُهُ: بنيَّةِ الوضوءِ) يريدُ به طهارةَ الوضوء لِما علمتَ من اشتراط [١/ق١٨٨ /ب]
نَّةِ التطهير، "بحر"(٣). وأشار إلى أنَّه لا تُشترطُ نَيَّةُ التمييز بين الحدَثّين خلافاً لـ "الجصَّاص" كما
مرَّ(٤)، فيصحُّ التيمُّمُ عن الجنابة بنَّةِ رفعِ الحدثِ الأصغرِ كما في العكس، تأمَّلْ. لكنْ رأيتُ في
"شرح المصنّف" على "زاد الفقير" ما نصُّه: ((وقال في "الوقاية": إذا كان به حدّثان كالجنابة
وحدَثٍ يوجبُ الوضوءَ ينبغي أنْ ينويَ عنهما، فإنْ نوى عن أحدِهما لا يقعُ عن الآخرِ، لكنْ
يكفي تيمُّمٌ واحدٌ عنهما اهـ. فقولُهُ: لكنْ يكفي يعني: لو تيمَّمَ الجنبُ عن الوضوء كفى، وجازتْ
صلاتُه، ولا يحتاجُ أنْ يتيمَّمَ للجنابة، وكذا عكسُه، لكنْ لا يقعُ تيمُّمُه للوضوء عن الجنابة، ولهذا
١٦٥/١ قال "الرازي"(٥): وإِنْ وجَدَ ماءً يكفي لغَسلِ أعضائه مرَّةً بطَلَ في المختار؛ لأنَّ تيمُّمَه للوضوء
(١) المقولة [٢١٦٠] قوله: ((وإن لم تجز الصلاة به)).
(٢) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٢٠/أ.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٩/١.
(٤) المقولة [٢١٨٩] قوله: ((نية عبادة)).
(٥) هو الرازي المعروف بالجصاص، المتقدمة ترجمته صـ١٢٦-، وهو المراد عند إطلاق إحدى التسميتين.

قسم العبادات
١٣٠
حاشية ابن عابدين
به يُفتَی.
(ونُدِبَ لراجيهِ) رجاءً قوّاً (آخرُ الوقتِ) المستحبِّ، ولو لم يؤخِّرْ، وتيمَّمَ وصلَّى جازَ
لو (١) بينَهُ وبينَ الماءِ مِيْلٌ، وإلاّ لا. (صلَّى)
وقعَ له لا للجنابة وإِنْ كفى عنهما، فتأمَّلْ )). اهـ ما في "شرح الزَّاد".
[٢١٩٨] (قولُهُ: به يُفْتَى) كذا في "الحلبة)(٢) عن "النّصاب".
[٢١٩٩] (قولُهُ: رجاءً قويًّ) المرادُ به غلَبةُ الظنِّ، ومثلُهُ التيقُنُ كما في "الخلاصة" (٣)، وإلاَّ فلا
يؤخّرُ؛ لأنَّ فائدةَ الانتظار أداءُ الصلاة بأكملِ الطهارتين، "بحر " (٤).
[٢٢٠٠] (قولُهُ: آخِرُ الوقتِ) برفعِ ((آخِر )) على أَنَّه نائبُ فاعلِ ((نُدِبَ ))، وأصلُهُ النصبُ
على الظرفَّة، ولا يصحُّ نصبُه على أنْ يكون في ((نُدِبَ )) ضميرٌ يعودُ على الصلاة هو نائبُ
الفاعل؛ لأَنَّه كان يجبُ تأنيثُ الضمير، نعمْ هو جائزٌ في الشِّعر، فافهم. ولا على أنَّ ضميرَه عائدٌ
على التيمُّم؛ لأنَّ آخِرَ الوقت محلُّ الوضوء لا التيمُّمِ؛ لأَنَّ فرضُ المسألة.
[٢٢٠١] (قولُهُ: المستحبِّ) هذا هو الأصحُّ، وقيل: وقتُ الجواز، وقيل: إنْ كان على ثقةٍ من
الماء فإلى آخِرِ وقتِ الجواز، وإنْ على طمَعٍ فإلى آخرِ وقتِ الاستحباب، "سراج)"(٥).
وفي "البدائع"(٦): (( يؤخّرُ إلى مقدارِ ما لو لم يجدِ الماءَ لأمكَنَهُ أنْ يتيمَّمَ ويصلِّيَ في الوقت ))،
وفي "التاتر خانَّة"(٧) عن "المحيط "(٨): (( ولا يُفرِّطُ في التأخير حتى لا تقعَ الصلاةُ في وقتٍ مكروهٍ،
واختلفوا في تأخيرِ المغرب، فقيل: لا يؤخِّرُ، وقيل: يؤخّرُ)) اهـ
(١) في "ب":((إن کان)) بدل ((لو)).
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٣٣/ب.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الخامس في التيمم ق ١١/أ.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٣/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ٦٥/ب بتصرف يسير.
(٦) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان وقت التيمم ٥٤/١ بتصرف.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الخامس في التيمم ٢٣٨/١ بتصرف.
(٨) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارات - الفصل الرابع في التيمم ١/ ق ٢٠/أ.

الجزء الثاني
١٣١
باب التيمم
والحاصلُ: أَنَّه إذا رَجا الماءَ يؤخِّرُ إلى آخِرِ الوقت المستحبِّ بحيث لا يقعُ في كراهةٍ، وإِنْ
كان لا يرجو الماءَ يصلّي في الوقت المستحبِّ كوقتِ الإِسفار [١/ق١٨٩/ أ] في الفجر
والإِبرادِ فِي ظُهر الصيف ونحوِ ذلك على ما بُيِّنَ في محلّه(١)، لكنْ ذكَرَ شُرَّاحُ "الهداية"(٢)
وبعضُ شرَّحِ "المبسوط": (( أَنَّه إنْ كان لا يرجو الماءَ يصلِّي في أوَّلِ الوقت؛ لأنَّ أداءَ الصلاة
فيه أفضلُ، إلاَّ إذا تضمَّنَ التأخيرُ فضيلةً لا تحصُّلُ بدونه كتكثير الجماعة، ولا يتأتّى هذا في
حقِّ مَنْ في المفازة، فكان التعجيلُ أَولى كما في حقِّ النساء؛ لأَنَّهُنَّ لا يصلِّينَ بجماعةٍ ))،
وتعقّبُهم "الإتقانيُّ" في "غاية البيان": ((بأنَّ سهوٌ منهم لتصريحِ أئمَّتنا باستحباب تأخيرِ بعضِ
الصلوات بلا اشتراطِ جماعةٍ ))، وأجاب في "السِّراج"(٢): ((بأنَّ تصريحَهم محمولٌ على ما إذا
تضَمَّنَ التأخيرُ فضيلةً، وإلاَّ لم يكنْ له فائدةٌ، فلا يكونُ مستحبّاً))، وانتصَرَ في "البحر "(٤)
لـ"الإتقانيِّ" بما فيه نظرٌ كما أوضحناه فيما علَّقناه عليه(٥).
والذي يؤيِّدُ كلامَ الشُّرَّاحِ أنَّ ما ذكَرَه أثمَّتنا من استحبابِ الإِسفار بالفجر والإِبراد بظُهر
الصيف معلَّلٌ بأنَّ فيه تكثيرَ الجماعة، وتأخيرُ العصر لاَّساعٍ وقتِ النوافل، وتأخيرُ العشاءِ لِما فيه
من قطعِ السَّمَرِ المنهيِّ عنه(٦)، وكلُّ هذه العللِ مفقودةٌ في حقِّ المسافر؛ لأَنَّه في الغالب يصلِّي
(قولُهُ: محمولٌ على ما إذا تضمَّنَ التأخيرُ فضيلةً، وإلاّ إلخ) عبارةُ "البحر": ((فضيلةً كتكثيرِ الجماعة؛
لأَنّه إذا لم يتضمَّنُ ذلك لم يكن للتأخيرِ فائدةٌ إلخ ))، فقولُهُ: (( وإلاَّ إلخ)) أي: بأنْ لم يتضمَّن إلخ.
(١) المقولة [٣٢٣٥] قوله: ((وتأخير ظهر الصيف)).
(٢) انظر "العناية والكفاية": كتاب الطهارات - باب التيمم ١٢٠/١، و"البناية": ٥٣٠/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ٦٦/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٣/١.
(٥) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": ١٦٣/١.
(٦) أخرجه أبو داود الطيالسي٧٣/١ّ، وعبد الرزاق (٢١٣٠) كتاب الصلاة - باب النوم قبلها والسهر بعدها، والبيهقيّ
في "السنن الكبرى"٤٥٢/١ كتاب الصلاة - باب كراهية النوم قبل العشاء حتى يتأخر عن وقتها، وأبو نعيم =

قسم العبادات
١٣٢
حاشية ابن عابدين
مَنْ ليس في العمران بالتيمُّمِ.
منفرداً، ولا يتنفَّل بعدَ العصر، ويباحُ له السَّمَرُ بعد العشاء كما سيأتي(١)، فكان التعجيلُ في حقّه
أفضلَ، وقولُهم: كتكثيرِ الجماعة مثالٌ للفضيلة لا حصرٌ فيها.
(تنبيةٌ)
في "المعراج" عن "المجتبى": (( يَتخالَجُ في قلبي فيما إذا كان يَعلَمُ أَنَّهِ إِنْ أَخَّرَ الصلاةَ إلى
آخِرِ الوقت يقرُبُ من الماء بمسافةٍ أقلَّ من مِيلٍ، لكنْ لا يتمكَّنُ من الصلاة بالوضوء في الوقت
الأَولى أنْ يصلّيَ في أوَّلِ الوقت مراعاةً لحقِّ الوقتِ وتحنُباً عن الخلاف)) اهـ. واستحسَنَهُ في
"الحلبة"(٢).
[٢٢٠٢] (قولُهُ: مَنْ ليس في العُمرانِ) أي: سواءٌ كان مسافراً أو مقيماً، "منح"(٣) و"نوح
أفندي" عن "شرح الجامع" لـ "فخر الإسلام"، أمَّا مَنْ في العُمْران فتجبُ عليه الإعادةُ؛ لأنَّ العُمْران
يغلِبُ فيه وجودُ الماء، فكان عليه طلبُه فيه، وكذا فيما قرُبَ منه كما قدَّمناه(٤).
والظاهرُ أنَّ الأخْبِيةَ بمنزلة العُمران؛ لأنَّ إقامةَ الأعراب فيها لا تتأَتَّى بدون الماء، فوجودُه
(قولُهُ: وتحتُّباً عن الخلافِ) أي: خلافِ "زفر".
= في "الحلية" ١٢١/٤-١٩٨، والطبرانيّ في "الكبير" (١٠٥١٩)، وفي "الأوسط" (٥٧٢١) من طرق عن ابن مسعود،
قال: قال رسول الله: ((لا سمر بعد الصلاة إلا لمصل أو مسافر)). وأخرجه أحمد ٣٧٩/١- ٤١٢ - ٤٤٤ - ٤٦٣ -
وفي إسناده رجل لم يُسَمَّ، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: إسناده ضعيف لجهالة راويه عن ابن مسعود، وأبو
يعلى في "مسنده" (٥٣٧٨)، وأورده الهيثميُّ في "مجمع الزوائد"٣١٤/١ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبرانيّ في
"الكبير" و"الأوسط"، فأما أحمد وأبو يعلى فقالا: عن خيثمة عن رجل عن ابن مسعود، وقال الطبرانيّ: عن خيثمة عن
زياد بن حدير، ورجال الجميع ثقات. وعند أحمد في رواية: عن خيثمة عن عبد الله بإسقاط الرجل.
(١) المقولة [٣٢٥٠] قوله: ((أما إليه فمباح)) وما بعدها.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ ق ١٥١/ب.
(٣) "المنح": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ١٨/أ.
(٤) المقولة [٢١٧٤] قوله: ((ويجب)).

الجزء الثاني
١٣٣
باب التيمم
(ونسِيَ الماءَ فِي رَحْلِهِ) وهو مما يُنسَى عادةً ..
غالبٌ فيها أيضاً، وعليه فُيُشكِلُ قولُهم: سواءٌ كان مسافراً أو مقيماً، فليتأمَّلْ.
(٢٢٠٣] (قولُ: ونسِيَ الماءَ) [١ /ق١٨٩ /ب] أو شكَّ كما في "السِّراج"(١)، "نهر "(٢).
أقولُ: هو سبْقُ قلمٍ؛ لأنَّ عبارة "السِّراج" هكذا: ((قَّدَ بالنّسيان احترازاً عمَّا إذا شكَّ، أو
ظنَّ أنَّ ماءَه قد فَنِيَ، فصلَّى ثم وحدَه فإِنَّه يعيدُ إجماعاً )).
[٢٢٠٤] (قولُهُ: فِي رَحْلِهِ) الرَّحْلُ للبعير كالسَّرْج للدَّابَّة، ويقالُ لمنزِلِ الإنسان ومأواهُ رحلٌ
أيضاً، ومنه: نسِيَ الماءَ فِي رَحْلِهِ، "مُغرب"(٣). لكنَّ قولهم: لو كان الماءُ في مؤخّرة الرَّحْلِ يفيدُ أنَّ
المراد بالرَّحْلِ الأَوَّلُ، "بحر "(٤).
وأقولُ: الظاهرُ أنَّ المراد به ما يوضَعُ فيه الماءُ عادةً؛ لأَنَّه مفردٌ مضافٌ، فيعُمُّ كلَّ رَحْلٍ،
سواءٌ كان مَنزِلاً أو رَحْلَ بعيرٍ، وتخصيصُهُ بأحدِهما ثَمّا لا برهانَ عليه، "نهر "(٥).
[٢٢٠٥] (قولُهُ: وهو ثَمَا يُنسَى عادةً) الجملةُ حالِيَّةٌ، ومحترزُه قولُه: ((كما لو نسِيَه في عُنُقِه
إلخ)).
(قولُهُ: وعليه فُيُشكِلُ قولُهم: سواءٌ كان مسافراً أو مقيماً) وجهُ الإشكال أنَّ مَن في العُمران صار -
على ما قرَّرَهُ - كنايةً عمَّن كان في بيوتِ المدر أو الأخبيةِ ومَن كان بقرب العُمران، فيكونُ مَن ليس فيه
منحصراً في المسافرِ، وحينئذٍ يُشكِلُ التعميمُ السَّابق، وأنت خبيرٌ بأنّ ما زال شاملاً للمقيم، فإنَّ مَن خرَجَ
من مصرٍ لأقلَّ من مسافةِ القصر مع عدم القرب منه يصدُقُ عليه أنَّه ليس في العُمران ولا في الأخبيةِ ولا
في قريةٍ، وأنَّه مقيمٌ.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ٦٨/أ.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٢١/أ.
(٣) "المغرب": مادة ((رحل )).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٧/١ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة - باب التيمم ق ٢١/أ.

قسم العبادات
١٣٤
حاشية ابن عابدين
(لا إعادةَ عليه) ولو ظَنَّ فَناءَ الماءِ أعادَ اتّفاقاً، كما لو نسِيَهُ في عنقِهِ، أو في ظهرِهِ، أو
في مقدَّمِهِ راكبً، أو مؤخَّرِهِ سائقاً، أو نسِيَ ثوبَهُ وصلَّى عُرياناً، أو في ثوبٍ نحسٍ، أو
مع نجسٍ ومعه ما يُزيلُهُ، أو توضَّأَ بماءٍ نجسٍ، أو صلَّى مُحدِثً.
[٢٢٠٦] (قولُهُ: لا إعادةَ عليه) أي: إذا تذكَّرَه بعدَما فرَغَ من صلاته، فلو تذكَّرَ فيها يقطعُ
ويعيدُ إجماعاً، "سراج"(١).
وأطلَقَ فشمِلَ ما لو تذكَّرَ في الوقت أو بعده كما في "الهداية(٢) وغيرها خلافاً لِما توهَّمَه
في "المنية"(٣)، وما لو كان الواضعُ للماء في الرَّحْل هو أو غيرَه بعِلْمِه، بأمرِه أو بغيرِ أمرِه خلافاً
لـ "أبي يوسف"، أمَّا لو كان غيرَه بلا عِلْمِه فلا إعادةَ اتِّفاقاً، "حلبة" (٤).
[٢٢٠٧] (قولُهُ: أعادَ اتّفاقاً) لأَنَّه كان عالِماً به، وظهَرَ خطأُ الظنِّ، "حلبة"(٥). وكذا لو شكَّ
كما قدَّمناه (٦) عن "السِّراج"، وهو مفهومٌ بالأولى.
[٢٢٠٨] (قولُهُ: في عُنُقِهِ) أي: عنقِ نفسِهِ.
[٢٢٠٩] (قولُهُ: أو في مقدَّمِهِ إلخ) أي: مقدَّمِ رَحْلِهِ، واحترَزَ به عمَّا لو نسِيَه في مؤخِّه راكباً
أو مقدَّمِه سائقاً، فإنَّه على الاختلاف، وكذا إذا كان قائداً مطلقاً، "بحر"(٧).
[٢٢١٠] (قولُهُ: أو مع نَحَسٍ) بفتح الجيم، أي: بأنْ كان حاملاً له، أو في بدنه وكان أكثرَ
(قولُهُ: لأَنَّه كان عالمً به، وظهَرَ خطأ الظنِّ) أي: والعلمُ لا يَبطُلُ بالظنِّ بخلاف النّسيان؛ لأنّه من
أضدادِ العلم.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ٦٨/أ.
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - باب التيمم ٢٧/١.
(٣) انظر"شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ٦٨ -.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٤٢/أ.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٤٢/ب.
(٦) المقولة [٢٢٠٣] قوله: ((ونسي الماء)).
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٦٨/١ بتصرف.

الجزء الثاني
١٣٥
باب التيمم
ثم ذكَرَ أعادَ إجماعاً.
(ويطلبُهُ) وجوباً على الظاهرِ.
من الدرهم، وهو معطوفٌ على قوله: ((أو نسِيَ))، والظرفُ متعلِّقٌ بـ ((صلَّى)) محذوفاً لعِلْمِه
من المقام، ولا يصحُّ عطفُه على ((عرياناً )) ليتعلَّقَ بـ ((صلَّى)) المذكورِ المقَّدِ بقوله: (( نسِيَ
ثوبَه )) لأنَّ نسيانَ الثوب هنا لا دَخْلَ له.
(٢٢١١] (قولُهُ: ثُمَّ ذَكَرَ) أي: بعدَمَا فَعَلَ جمِيعَ ما ذُكِرَ ناسياً.
[٢٢١٢) (قولُهُ: أعادَ إجماعاً) راجعٌ إلى الكلِّ، لكنْ في "الزيلعيِّ"(١): ((أنَّ مسألة الصلاة في
ثوبٍ نجسٍ أو عرياناً على الاختلاف، وهو الأصحُّ )) اهـ.
١٦٦/١
[٢٢١٣] (قولُهُ: ويطلبُهُ وجوباً على الظاهر) أي: ظاهرِ الروايةِ عن أصحابنا الثلاثةِ كما
سيذكرُهُ(٢) مع تعليله، وكونُه ظاهرَ الرواية عنهم أخَذَهُ [١/ق ١٩٠/أ) في "البحر"(٣) من قول
"المبسوط "(٤): ((عليه أنْ يسألَه، إلاَّ على قول "الحسنِ بن زياد": إنَّ في سؤاله مذلَّةً))، وردَّ به(٥)
ما في "الهداية"(٦) وغيرها: (( من أنَّه يلزمُهُ عندهما لا عنده))، ووقّقَ في "شرح المنية الكبير "(٧):
(قولُهُ: ووفَّقَ في "شرح المنية الكبير" بأنَّ "الحسن" إلخ) على هذا التوفيقِ يندفعُ التنافي بين
(١) نقول: عبارة الزيلعيّ في "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب التيمم ٤٣/١: ((فَأَمَّا الصلاة في ثوبٍ نحسٍ أو
عرياناً فقد ذكر الكرخيُّ أنّها على الخلاف وهو الأصح، ولو كانت على الاتفاق فالفرق بين تلك المسألة وأمثالها
وبين مسألة الكتاب أنّ فرض الستر وإزالة النجاسة فات لا إلى خلف، وهنا فرضُ الوضوء فات إلى بدل، وهو
التيمم بعذر، والفائت ببدلٍ كَلا فائت )). اهـ فليتأمل
(٢) صـ ١٣٩ - ١٤٠ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٧٠/١.
(٤) "المبسوط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١١٥/١.
(٥) أي: صاحب "البحر".
(٦) "الهداية": كتاب الطهارات - باب التيمم ٢٨/١.
(٧) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ ٦٩ -.

قسم العبادات
١٣٦
حاشية ابن عابدين
(( بأنَّ "الحسن" رواهُ عن "أبي حنيفة" في غيرِ ظاهرِ الرواية، وأخَذَ هو به، فاعتمَدَ في "المبسوط"
ظاهرَ الرواية، واعتمَدَ في "الهداية" روايةَ "الحسن" لكونها أنسبَ بمذهب "أبي حنيفة" من عدم
اعتبار القدرة بالغير )).
أقولُ: وبقولِ "الإِمام" جزَمَ في "المجمع"(١) و"الملتقى" (٢) و"الوقاية" و"ابن الكمال" أيضاً،
وقال: (( هذا على وَفْقِ ما في "الهداية" و"الإيضاح" و"التقريب"(٣) وغيرها، وفي "التجريد"(٤) ذكَرَ
"محمدًا" مع "أبي حنيفة"، وفي "الذخيرة" عن "الجصَّاص": أَنَّه لا خلافَ، فإنَّ قولَه فيما إذا غَلَبَ
على ظنّه منعُهُ إِيَّه، وقولَهما عند غلَبةِ الظنِّ بعدمِ المنع )) اهـ.
ما في "المبسوط" من نسبةٍ عدم الجواز لـ "الحسن" وما في "الهداية" من نسبتِهِ لـ "الإمام".
ثُمَّ إِنَّ التوفيق الذي ذكرَهُ "الجصَّاص" لا يتأَّى في عبارة "الهداية" و"المبسوط"، فإنَّهما صريحتان في الخلافِ
خصوصاً مع تعليل "المبسوط" لـ "الحسن": ((بأنَّ في سؤاله مذلّةً))، وفي "القُهُستانيِّ" عن "المحيط": ((إِنْ ظَنَّهُ
- أي: الإِعطاءَ - وجَبَ الطلبُ، وإلاَّ فلا، وقال "الحسن": لا يطلُبُ في الحالتين)) اهـ. فلا يتأتّى التوفيقُ المذكور
بين رواية "الحسن" القائلةِ بعدم الوجوب مطلقاً وبين رواية الوجوب، تأمَّل.
(١) "مجمع البحرين وملتقى النّرين": لأحمد بن علي بن تغلب، مُظَفِّر الدين المعروف بابن الساعاتيّ البَعْلَبَكّيّ الأصل
البغداديّ(ت ٦٩٤هـ) جمع فيه بين "مختصر القدرويّ" و"منظومة النسفيّ" مع زيادات عليهما. ("كشف الظنون"
١٥٩٩/٢، "الفوائد البهية" صـ٢٦-، "فهرس مخطوطات الظاهرية - الفقه الحنفي ١٤٠/٢). ووقع في بعض
المصادر ((ابن ثعلب)) وهو خطأ، انظر "الجواهر المضية" ٢٠٨/١، و"الطبقات السنية" ٤٠٠/١.
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ٣٢/١.
(٣) "التقريب": اسم لكتابين للإمام أبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد القُدُوريّ(ت ٤٢٨ هـ) أحدهما: في المسائل
الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه، مجرداً عن الدلائل، والثاني: ذكر فيه المسائل بأدلتها. ("كشف الظنون" ٤٦٦/١،
"الجواهر المضية"٢٤٧/١، "الفوائد البهية" صـ ٣٠-).
(٤) "التجريد": للإمام القدوريّ(ت٤٢٨ هـ)، يشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعيّ مجرداً عن "الدلائل".
("كشف الظنون" ٣٤٦/١، "الجواهر المضية" ٢٤٨/١، "الفوائد البهية" صـ ٣٠-).

الجزء الثاني
١٣٧
باب التيمم
مِنْ رفیقِهِ.
أقولُ: وقد مشى على هذا التفصيلِ في "الزيادات" و"الكافي"(١)، وهو قريبٌ من قول
"الصفَّار": ((إنَّ يجبُ في موضعٍ لا يعِزُّ فيه الماء؛ إذ لا يخفى أنَّه حينئذٍ لا يغلِبُ على الظنِّ المنعُ))،
وقال في "شرح المنية"(٢): (( إِنَّه المختارُ))، وفي "الحلبة"(٣): (( أَنَّه الأوجهُ؛ لأنَّ الماء غيرُ مبذول
غالباً في السفر خصوصاً في موضعٍ عزَّتِهِ، فالعجزُ متحقّقٌ ما لم يظُنَّ الدفعَ )) اهـ.
وحيثُ نصَّ الإِمامُ "الجصَّاص" على التوفيق بما ذُكِرَ ارتفَعَ الخلافُ، ولا يبعُدُ حملُ ما في
"المبسوط" عليه كما سنشيرُ إليه (٤)، والله الموفّق.
[٢٢١٤] (قولُهُ: من رفيقِهِ) الأَولى حذفُهُ وإبقاءُ المتن على عمومه، "ط((٥). ولذا قال
"نوح أفندي" وغيرُه: (( ذِكْرُ الرَّفيق حَرَى مَجرى العادة، وإلاَّ فكلُّ مَنْ حضَرَ وقتَ الصلاة
فحُكمُه كذلك، رفيقاً كان أو غيرَه )) اهـ.
وقد يقالُ: أرادَ بالرَّفيق مَنْ معه من أهل القافِلة، وهو مفردٌ مضافٌ فيعُمُّ، ثمَّ خصَّصَهُ بقوله:
(( مَّنْ هو معه )).
والظاهرُ أنَّه لو كانت القافلةُ كبيرةً يكفيه النداءُ فيها؛ إذ يعسُرُ الطلبُ من كلِّ فردٍ، وطلبُ
رسولِهِ كطلبه نظيرَ ما مرَّ(٦).
(قولُهُ: وقد يقال: أراد بالرَّفيقِ مَن معه من أهلِ القافلةِ إلخ) لو حذَفَ قولَهُ: (( من أهلِ القافلةِ))
لَمَّ الجوابُ، وبدونه لا یندفعُ الإِیراد.
(١) "كافي النسفيّ": كتاب الطهارة - باب التيمم ١/ق ١٣/ب.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في التيمم صـ٧٠ -.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٤٤/أ ملخصاً.
(٤) صـ ١٤٠ - "در".
(٥) "ط": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٣٢/١.
(٦) صـ ١٢٢ - "در".

قسم العبادات
١٣٨
حاشية ابن عابدين
( مَّنْ هو معه، فإِنْ منَعَهُ ) ولو دلالةً، بأنْ استهلَكَهُ (نيمَّمَ) لتحقَّقِ عجزِهِ (وإنْ لم يعطِهِ
إلاّ بثمنٍ مثلِهِ) أو بغُبْنِ يسيرِ (وله ذلك) فاضلاً عن حاجته (لا يتيمَّمُ، ولو أعطاهُ بأكثر)
يعني: بِغُبْنِ فاحشٍ، وهو ضِعْفُ قِيمِهِ.
[٢٢١٥] (قولُهُ: مِمَّن هو) أي: الماءُ الكافي للَّطهير.
[٢٢١٦] (قولُهُ: بثمَنِ مِثْلِهِ) أي: في ذلك الموضعِ، "بدائع"(١). وفي "الخانَيَّةُ"(٢): (( في أقربِ
المواضع من الموضعِ الذي يعِزُّ فيه [١/ق ١٩٠/ب] الماءُ))، قال في "الحلبة"(٣): ((والظاهرُ الأوَّلُ،
إلاّ أنْ لا يكونَ للماء في ذلك الموضعِ قيمةٌ معلومةٌ كما قالوا في تقويمِ الصَّيد )).
[٢٢١٧) (قولُهُ: وله ذلك) أي: وفي مِلْكِهِ ذلك الثمنُ، وقدَّمنا(٤) أَنَّه لو له مالٌ غائبٌ، وأمكّنَه
الشراءُ نَسِيئَةً وجبَ، بخلاف ما لو وَجَد مَنْ يُقْرِضُه؛ لأنَّ الأجَلَ لازِمٌ، ولا مطالَبةَ قبل حُلوله
بخلاف القَرْضِ، "بحر "(٥).
[٢٢١٨] (قولُهُ: فاضلاً عن حاجته) أي: مِنْ زادٍ ونحوِه من الحوائج اللازمة، "حلبة"(٦).
قلت: ومنها قضاءُ دَينِه، تأمَّلْ.
[٢٢١٩] (قولُهُ: لا يتيمَّمُ) لأنَّ القدرةَ على البدَلِ قدرةٌ على الماءِ، "بحر "(٧).
[٢٢٢٠] (قولُ: وهو ضِعْفُ قِيمِ) هذا ما في "النوادر"، وعليه اقتصَرَ في "البدائع"(٨) و"النهاية"،
فكان هو الأَولى، "بحر"(٩). لكنَّه خاصٌّ بهذا البابِ لِما يأتي في شراء الوصِيِّ أنَّ الغُبْنَ الفاحِشَ
(١) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في شرائط ركن التيمم ٤٩/١.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يجوز له التيمم ٥٥/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١٠/ق ١٤٤/ب - ١٤٥/أ.
(٤) ص ٨٤ - "در".
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٧١/١ بتصرف.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في التيمم ١/ق ١٤٤/ب.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٧١/١.
(٨) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في شرائط ركن التيمم ٤٩/١.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٧١/١.