النص المفهرس
صفحات 21-40
الجزء الثاني
١٩
فصلٌ في البئر
وقيل: يُفتَى بمائتين إلى ثلثِمائةٍ، وهذا أيسرُ،.
[ ١٨٧٩) (قولُهُ: وقيل إلخ) جزَمَ به في "الكنز"(١) و"الملتقى"(٢)، وهو مرويٌّ عن "محمَّدٍ"،
وعليه الفتوى، "خلاصة"(٢) و"تاتر خانيَّةً"(٤) عن "النّصاب". وهو المختارُ، "معراج" عن "العَنَّايَّة".
وجعلَهُ في "العناية"(٥) روايةً عن "الإِمام"(٦)، وهو المختارُ والأيسرُ كما في "الاختيار"(٧)، وأفاد في
"النهر"(٨): (( أنَّ المائتين واجبتان، والمائةَ الثالثةَ مندوبةٌ ))، فقد اختلَفَ [١/ق١٦٢/ب] التصحيحُ
والفتوى، وضعَّفَ هذا القولَ في "الحلبة"(٩) _ وتبعَه في "البحر"(١٠) -: ((بأَنَّه إذا كان الحكمُ
الشرعيُّ نزحَ الجميع فالاقتصارُ على عددٍ مخصوص يَتوقَّفُ على دليلٍ سمعيٍّ يفيدُه، وأين ذلك؟
بل المأثورُ عن "ابن عباس" و"ابن الزبير" خلاقُه حين أفتيا بنزحِ الماءِ كلّه حين مات زنجيٌّ في بئر
زمزم))، وأسانيدُ ذلك الأثرِ مع دفعٍ ما أُورِدَ عليها مبسوطةٌ في "البحر"(١١) وغيره، قال في
"النهر"(١٢): (( وكأنَّ المشايخَ إنما اختاروا ما عن "محمَّدٍ" لانضِباطِهِ كالعشر تيسيراً كما مرَّ)) اهـ.
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب الطهارة - أحكام البئر والأسار ٢٨/١.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٤/ب.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ١٩٦/١.
(٥) لم ينقل في "العناية" هذا القول (نزح مائتين إلى ثلاثمائة) عن الإمام ولم يروه عنه، لكن في "البناية شرح الهداية"
للعيني ٤١٨/١: ((وفي "فتاوى الثعالبي" عن أبي حنيفة رحمه الله: إذا نزح مائتا دلو أو ثلاثمائة فقد غلبهم الماء،
وهو المختار)). وفي "الحلبة" ١/ق١٤٧/أ: ((وفي "البدائع": وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه ينزح
مائة دلو، وروي ثلاثمائة دلو)). اهـ
(٦) من ((معراج)) إلى ((عن الإمام)) ساقط من "الأصل".
(٧) "الاختيار": كتاب الطهارة - فصل في حكم وقوع النجاسة في البئر ١٨/١.
(٨) "النهر": كتاب الطهارة ق١٦/أ.
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١/ق ٢٩٢/ب.
(١٠) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٩/١.
(١١) "البحر": كتاب الطهارة ١١٧/١.
(١٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/أ.
قسم العبادات
٢٠
حاشية ابن عابدين
وذاك أحوطُ، ولو حَرَتْ طَهُرَتْ كما مرَّ وسيجيءُ(١) (فإِنْ أُخرِجَ الحيوانُ غيرَ منتفخٍ
ولا متفسِّخٍ) ولا متمعِّطٍ (فإنْ) كان (كآدميٍّ) وكذا سَقْطٌ وسَخْلَةٌ وجَدْيٌ واوَزّ
كبيرٌ (ُزِحَ كلُّه، وإنْ) كان (كحمامةٍ) وهرَّةٍ (نُزِحَ أربعون من الدِّلاء) وجوباً إلى
ستّين ندباً (وإنْ كعصفورٍ (٢) وفأرةٍ (فعشرون) إلى ثلاثين ..
قُلْتُ: لكنْ مرَّ ويأتي(٣) أنَّ مسائل الآبار مبنيّةٌ على اتّباع الآثار، على أنَّهم قالوا: إنَّ "محمَّدً"
أفتى بما شاهَدَ في آبارِ بغداد، فإِنَّها كثيرةُ الماءِ، وكذا ما رُوي عن "الإِمام" من نزحِ مائةٍ في مثل
آبارِ الكوفة لقلّة مائها، فُرجَعُ إلى القول الأوَّلِ؛ لأَنَّه تقديرٌ ثَمّن له بَصارةٌ وخِبرةٌ بالماء في تلك
النواحي، لا لكون ذلك لازماً في آبارِ كلِّ جهةٍ، والله أعلم.
١٤٣/١
[١٨٨٠] (قولُهُ: وذاك) أي: ما في المتن أحوطُ للخروجِ عن الخلافِ، ولموافَقَتِهِ للآثار.
(١٨٨١) (قولُهُ: طهُرتْ)(٤) أي: إذا لم يظهرْ أثرُ النجاسة.
[١٨٨٢] (قولُهُ: كما مرَّ)(٥) أي: في قوله: (( ويجوزُ بجارٍ وقعتْ فيه نجاسةٌ)).
(١٨٨٣] (قولُهُ: وسيجيءُ)(٦) أي: بعدَ أسطُرٍ.
[١٨٨٤] (قولُهُ: فإنْ أُخْرِجَ الحيوانُ) أي: الميتُ.
[١٨٨٥) (قولُهُ: كآدميّ) أي: ثَمّا عادَلَه في الجنَّةِ كالشَّاة والكلبِ كما في "البحر)"(٧).
[١٨٨٦] (قولُهُ: وكذا سِقْطٌ إلخ) أفادَ أنَّ ما ذكروا فيه نزحاً مقدَّراً لا فرقَ بين كبيرِهِ
(١) ((ولو جرت طهرت كما مرَّ وسيجيء )) ليست في "ب" و","
(٢) في "ب": ((وإن كان كعصفور)).
(٣) مَرَّ صـ٣ - قوله: ((فصل في البئر))، ويأتي صـ ٢٤ - "در".
(٤) قوله: ((قوله: طهرت)) وكذا قوله: ((كما مَرّ)) وقوله: ((وسيجيء)) ثلاثتها لا وجود لها فيما بيدي من
نسخ الشارح، فلیحرر. اهـ مصححه.
(٥) ٦٢٤/١ "در".
(٦) صـ ٢٧ - "در".
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٥/١.
الجزء الثاني
٢١
فصلٌ في البئر
وصغيرِهِ، لكنْ قال الشيخُ "إسماعيل" (١): ((وأمَّا وَلَدُ الشَّاة إذا كان صغيراً فكالسِّر كما تُشعِرُ
به عباراتُهم كما في "البِرْجَنديّ" )) اهـ.
وكذا قالَ ولدُهُ سَيِّدي "عبدُ الغنيِّ» (٢): (( الظاهرُ أنَّ الآدميَّ إذا خرَجَ من أمِّه صغيراً، أو
كان سِقطاً فهو كالسُّور؛ لأنَّ العِبرة بالمقدار في الجثّة لا في الاسم)) اهـ.
قُلْتُ: لكنْ قدَّمنا(٣) عن "الخانَيَّة": ((أنَّ السِّقْطَ إنِ استهَلَّ فحكمُهُ كالكبير: إنْ وقعَ في الماء
بعدَ ما غُسِّلَ لا يُفسِدُه، وإنْ لم يستهِلَّ أفسدَ وإِنْ غُسِّلَ))، وتقدَّمَ(٤) أيضاً أنَّ ذَنَبَ الفأرة لو
شُمِّعَ ففيه ما في الفأرة، ثمَّ رأيتُ في "القُهُستانيِّ (٥) قال: ((فلو وقَعَ فيها سِقْطٌ يُنزَحُ كلُّ الماء،
وعن "أبي حنيفة" أنَّ الجدْيَ كالشَّة، وعنه أَنَّه والسَّخلةَ كالدجاجة كما في "الزاهديّ")) اهـ.
فُعُلِمَ أنَّ في الجدْيِ روايتين، [١/ق١٦٣ / أ] والظَّاهرُ أنَّ مثلَه السَّخلةُ، وهي ولدُ الشّاة.
وإلحاقُ السِّقطِ بالكبير يؤيِّدُ الأُولى منهما، وتقييدُ "الشارح" الإوزَّ بالكبير تبعاً
لـ "الخلاصة"(٦) - وقال فيها: ((أمَّا الصغيرُ فكالحمامة)) - يؤِيِّدُ الثانيةَ، وفي "السِّراج"(٧):
(قولُهُ: لا في الاسمِ) نسخةُ الخطّ: ((لا بالاسمِ))، وهي الأولى.
(قولُهُ: قلت: لكنْ قدَّمنا عن "الخانيّة" إلخ) عبارةُ "الخالنَّة" لا تصلحُ للاستدراك، فإنَّ موضوعها إلحاقُ
الصَّغير بالكبير في إفسادِ الماء لا في نزحِ القدر الواجب، وكذلك إلحاقُ ذنب الفأرة المشمَّع بها غيرُ دالّ على
خلافٍ ما قالَهُ الشيخ "إسماعيل" وولدُهُ؛ لأَنّ لم يوجد مقدارٌ أدنى مما يجبُ فيها حَتَّى يصحَّ إلحاقُهُ به، تأمَّل.
(١) "الإِحكام": كتاب الطهارة - فصل في الآبار ١/ق ١٤٠/ب.
(٢) "نهاية المراد": الفصل الأول في بيان حكم ماء البئر صـ٣٠٦ -.
(٣) المقولة [١٨٥٨] قوله: ((كسقط)).
(٤) ص٤ - "در".
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٥/١ باختصار.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٤/ب.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ ق٤٧/أ بتصرف.
قسم العبادات
٢٢
حاشية ابن عابدين
13
كما مر،.
(( أنَّ الإِوزَّةَ عند "الإِمام" كالشَّاة في روايةٍ، وكالسِّنور في أخرى )) اهـ.
أقولُ: وهذا المقامُ يحتاجُ إلى تحريرٍ وتدُّرِ، فاعلمْ أنَّ المأثور - كما ذكرَهُ أئمَّتُنا- هو نزحُ الكلِّ
في الآدميِّ، والأربعين في الدَّجاجة، والعشرين في الفأرة، فلذا كانت المراتبُ ثلاثةً كما سنذكرُهُ(١)،
وعن هذا أَورَدَ في "المستصفى": (( أنَّ مسائل الآبارِ مبنيّةٌ على اتّباع الآثار، والنصُّ ورَدَ في الفأرة
والدجاجةِ والآدميِّ، فكيف يقاسُ ما عدَلَها بها؟ ))، ثمَّ أجاب: (( بأنَّه بعدَما استحكَمَ هذا
الأصلُ صارَ كالذي ثبَتَ على وَفْقِ القياس في حقِّ التفريع عليه ))، واعترضَهُ في "البحر"(٢): ((بأنّه
ظاهرٌ في أنَّ فيه للرأي مدخلاً، وليس كذلك))، وقال: ((فالأَولى أنْ يقالَ: إِنَّه إلحاقٌ بطريقِ الدِّلالة
لا بالقياس كما اختارَهُ في "المعراج")) اهـ.
إذا علمتَ ذلك ظهَرَ لك أنَّ ما ورَدَ بالنصِّ من الثلاثةِ المذكورة لم يُفرَّقْ بين صغيرِه وكبيرِه
في ظاهرِ الرواية وقوفاً مع النصرِّ، ولهذا لم يختلفوا في السِّقط بخلاف ما أُلحِقَ بذلك كالشَّاةِ
والإوزَّة، فإِنَّه قد يقالُ: إنَّ صغيرَهُ ككبيرِه أيضاً تبعاً للملحَقِ به، وقد يقالُ بالفرق اعتباراً للحثّة،
فلذا وقَعَ فيه الاختلافُ، هذا ما ظهَرَ لي من فيضِ الفتّاحِ العليم، فاغتِمْه.
[١٨٨٧] (قولُهُ: كما مرَّ(٣) أي: بأنْ يقالَ: العشرون للوجوب، والزَّائدُ للندب.
(تنبيةٌ)
ظاهرُ اقتصارِ "المصنّف" على ما ذكَرَهُ يفيدُ أنَّ المراتبَ ثلاثٌ؛ لأَنّها الواردةُ في النَّصِّ كما
قدَّمناه(٤)، ورَوَى "الحسنُ" عن "الإِمام": (( أنَّ في القُرادِ الكبير والفأرةِ الصغيرة عشرَ دلاءِ، وأنَّ في
الحمامةِ ثلاثين بخلاف الهرَّة ))، فالمراتبُ خمسٌ، لكنَّ الذي في المتون هو الأوَّلُ، وهو ظاهرُ الرواية
(١) في المقولة الآتية.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٥/١ بتصرف.
(٣) صـ ٢٠ - "در".
(٤) في المقولة السابقة.
الجزء الثاني
٢٣
فصلٌ في البئر
وهذا يُعُمُّ الَعِيْنَ وغيرَها بخلافِ نحوِ صِهْرِيجٍ وحُبَّ،.
...
كما في "البحر"(١) و"القُهُستانيّ"(٢).
[١٨٨٨) (قولُهُ: وهذا) أي: نزحُ الأربعين أو العشرين لتطهيرِ البئر.
[١٨٨٩) (قولُهُ: بخلاف نحوِ صِهِرِيجٍ وحُبٍّ إلخ) الصِّهريجُ: الحوضُ الكبيرُ يَجتمِعُ فيه الماءُ،
"قاموس "(١)
والحُبُّ- أي: بضمِّ الحاء المهملة -: الخابيةُ الكبيرةُ، "صحاح(٤). وأراد بذلك الرََّّ على مَن
أفتى بنزحِ عشرين في فأرةٍ وقعتْ في صِهِرِيحٍ كما نقلَهُ في [١/ق١٦٣ /ب] "النهر"(٥) عن بعضٍ
أهلِ عصره متمسِّكاً بما اقتضاه إطلاقُهم من عدم الفرق بين الَعِين وغيرِها، وردّهُ في "النهر"(٦) تبعاً
لـ "البحر"(٧) بما في "البدائع"(٨) و"الكافي"(٩) وغيرهما: (( من أنَّ الفأرة لو وقعتْ في الحُبِّ يُهراقُ
الماءُ كلُّه))، قال: (١٠) ((ووجهُهُ: أنَّ الاكتفاءَ بنزحِ البعض في الآبارِ على خلافِ القياس بالآثار،
فلا يُلحَقُ بها غيرُها ))، ثمَّ قال: (( وهذا الرَّدُّ إنما يتمُّ بناءً على أنَّ الصِّهريج ليس مِنْ مسمَّى البئرِ
في شيءٍ)) اهـ. أي: فإذا ادُّعيَ دخولُهُ في مسمَّى البئرِ لا يكونُ مخالفاً للآثار.
ويؤيِّدُه ما قدَّمناه(١١) من أنَّ البئر مشتقّةٌ من: بَأَرْتُ، أي: حفرتُ، والصِّهريجُ حفرةٌ
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٣/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٦/١.
(٣) "القاموس": مادة ((صهرج)).
(٤) "الصحاح": مادة ((حبب)).
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/أ.
(٦) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/أ.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٨/١.
(٨) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في المقدار الذي يصير به المحل نجسا٧٧/١ً بتصرف يسير.
(٩) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق ١٠/أ.
(١٠) أي: صاحب "النهر".
(١١) صـ٣ - في أول فصل البئر.
قسم العبادات
٢٤
حاشية ابن عابدين
حيث يُهراقُ الماءُ كلَّه لتخصيصِ الآبار بالآثار، "بحر" و"نهر". قال "المصنّف" في
"حواشيه" على "الكنز"(١): ((ونحوُهُ في "النّف"))،.
في الأرض لا تصلُ اليدُ إلى مائها بخلاف العَينِ والحُبِّ والحوض، وإليه مالَ العلاَّمةُ "المقدسيُّ"
فقال: (( ما استدَلَّ به في "البحر "(٢) لا يخفى بُعدُه، وأين الحبُّ من الصِّهريج؟! لاسيَّما الذي يسَعُ
أُوفاً من الدِّلاءِ)) اهـ. لكنَّه خلافُ ما في "النُتْفِ" (٣).
[١٨٩٠) (قولُهُ: يُهراقُ الماءُ كُلُّه) أقولُ: وهل يطهُرُ بمجرَّد ذلك، أم لا بدَّ من غَسلِهِ بعدَه
ثلاثً؟ والظاهرُ الثاني، ثُمَّ رأيْتُهُ في "التاتر خانيَّة"(٤) قال ما نصُّهُ: ((وفي "فتاوى الحجَّة": سُئل "عبدُ
الله ابن المبارك" عن الحُبِّ المركَّبِ في الأرض تنجَّسَ؟ قال: يُغسَلُ ثلاثاً، ويُخرَجُ الماءُ منه كلَّ مرَّةٍ
فيطهُرُ، ولا يُقَلَعُ الحُبُّ)) اهـ
[١٨٩١] (قولُهُ: ونحوُهُ في "النُّف") مَقُولُ القول، أي: نحوُ ما في "البحر"(٥) و"النهر"(٦)، قال
"ابنُ عبد الرزاق": (( ولم أرَهُ في كتابِ "النَّتْفِ"(٧)) اهـ.
أقولُ: رأيتُ في "النُّتْف(٨) ما نصُّهُ: ((وأمَّا البئرُ فهي التي لها موادُّ من أسفلِها)) اهـ. أي:
لها مياةٌ تُمِدُّها وتنبعُ من أسفلها، ولا يخفى أنَّه على هذا التعريفِ يخرُجُ الصِّهريجُ والُحُبُّ والآبارُ
التي تُملأُ من المطر أو من الأنهار، فهو مثلُ ما في "البحر" و"النهر".
(١) هي شرح المصنّف النُّمُرتاشي على "كنز الدقائق"، وصَلَ فيه إلى كتاب الأيمان. ذكره "المحبِّي" في "خلاصة الأثر" ١٩/٤.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٨/١.
(٣) لم نقف على هذا النقل في "النتف" للإمام السغدي.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - تطهير النجاسات ٣١١/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٨/١.
(٦) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/أ.
(٧) وهو غير موجود في نسختنا من "النتف" أيضاً.
(٨) "النتف": كتاب العبادات - الماء المطلق والمقيد ٩/١.
الجزء الثاني
٢٥
فصلٌ في البئر
ونقَلَ عن "القنية"(١): ((أنَّ حكمَ الرَّكِيَّةِ كالبئرٍ))، وعن "الفوائد": ((أنَّ الحُبَّ المطمورَ
أكثرُهُ في الأرض كالبئر، وعليه فالصِّهريجُ والزِّيْرُ الكبير يُنزَحُ منه كالبئر، فاغتنمْ هذا
التحريرَ)) ا.هـ (بدَلْوِ وسطٍ)
[١٨٩٢) (قولُهُ: ونقَلَ) أي: "المصنّفُ"، وهو تأييدٌ لِما أفتى به ذلك العصريُّ.
[١٨٩٣) (قولُهُ: أنَّ حكمَ الرَّكِيَّة إلخ) الرَّكِيَّةُ على وزنِ عَطِّةٍ، قال "ح"(٢): (( هي البثرُ
١٤٤/١ كما في "القاموس"(٣)، لكنْ في العُرْفٌ هي بئرٌ يجتمعُ ماؤها من المطر)) اهـ. أي: فهي
بمعنى الصِّهريج.
[١٨٩٤] (قولُهُ: وعليه) أي: وبناءً على ما نقلَهُ عن "القنية" و"الفوائد" (٤).
[١٨٩٥) (قولُهُ: والزِّيْرُ الكبيرُ) أي: الذي هو بمعنى الحُبِّ المذكورِ في "الفوائد"، قال في
[١/ق ١٦٤/أ] "القاموس"(٥): ((الزِّيْرُ بالكسر: الدَّنُّ، والدَّنُّ بالفتح: الرَّاقُودُ العظيم، أو أطولُ من
الحُبِّ أو أصغرُ، له عَسْعَسٌ - أي: ذنبٌ - لا يقعُدُ إلاَّ أنْ يُحفَرَ له )).
[١٨٩٦] (قولُهُ: يُنزَحُ منه كالبئرٍ) أي: فُيُقتصَرُ في الحمامةِ على أربعين، وفي الفأرة على
عشرین.
أقولُ: وهذا مسَلَّمٌ في الصِّهريج دون الزِّيرِ لخروجه عن مسمَّى البئر، وكونُ أكثرِهِ مطموراً -
أي: مدفوناً في الأرض - لا يُدخِلُه فيه لا عُرْفاً ولا لغةً كما قدَّمناه(٦)، وما في "الفوائد" مُعارَضٌ
(١) "القنية": كتاب الطهارة - باب في حكم ماء الحياض والآبار ق٣/ب.
(٢) "ح": كتاب الطهارة - باب المياه ق ١٤/أ.
(٣) "القاموس": مادة ((ركو)).
قوله: ((العرف)) وفي نسخة ((المغرب)). اهـ منه نقول: لكن لم نجدها في "المغرب" للمطرّزي، والله أعلم.
(٤) يُنسب لعلماء عِدّة، ولم يتبيّن لنا المراد منه هنا، انظر "كشف الظنون" ١٢٩٤/٢-١٣٠٣.
(٥) "القاموس": مادة((زیر)) و((دنن)).
(٦) المقولة: [١٨٨٩] قوله: ((بخلاف نحو صهريج وحُب إلخ))
قسم العبادات
٢٦
حاشية ابن عابدين
وهو دلوُ تلك البئر،
بإطلاق ما مرَّ(١) عن "البدائع" و"الكافي" وغيرهما، وفرقٌ ظاهرٌ بينه وبين الصِّهْريج كما قدَّمناه(٢)
عن "المقدسيِّ"، فافهم.
وقال "المصنّف" في منظومته "تحفةِ الأقران":
كالبئرِ فِي النَّرْحِ وهذا مَرْضِيْ
مطمُورةٌ أكثرُها في الأرضِ
وليسَ مَرَضِيَّاً لدى الكِيَارِ
قالَ به بعضُ أُولي الأبصارِ
في البئرٍ عندَ جمعِ جُلِّالعُلَما
فإنَّ نْحَ البعضِ مخصوصٌ بما
[١٨٩٧] (قولُهُ: وهو دلوُ تلك البئرِ) هذا هو ظاهرُ الرواية كما في "البحر "(٣)، وقَّدَهُ محشِّيه
"الرَّمليُّ": ((بما إذا لم يكنْ دلوُها المعتادُ كبيراً جدًّاً، فلا يجبُ العددُ المذكور))، قال: ((وهو الذي
يقتضِیہ نظرُ الفقیهِ )) اهـ.
ثُمَّ إِنَّ "الشارح" قد تبِعَ صاحبَ "البحر "(٤) في تفسيره الوسطَ بذلك، وفيه نظرٌ؛ لأَنَّه قولٌ
آخرُ، وبه يُشعِرُ كلامُ "الزيلعيِّ (٥) وغيره، وفي "البدائع"(٦): (( اختُلِفَ في الدَّوِ، فقيل: المعتبرُ دلوُ
كلِّ بثرٍ يُستَقَى به منها صغيراً كان أو كبيراً، ورُوِيَ عن "أبي حنيفة" أنَّه قَدْرُ صاعٍ، وقيل: المعتبرُ
(قولُهُ: بما إذا لم يكنْ دلوُها المعتادُ كبيراً جدًّاً) أي: ولا صغيراً جدًّاً، وحينئذٍ يستقيمُ تفسير
"الشارح" الدَّوَ الوسط بما ذكرَهُ تبعاً لـ "البحر"، ولا يكون قَوْلاً آخر مغايراً لِما في "المصنّف"، فإنَّ
المقابل له القولُ باعتبار دلوِ كلِّ بئرٍ كبيراً كان أو صغيراً، تأمّل.
(١) المقولة [١٨٨٩] قوله: ((بخلاف نحو صهريج وحُبّ إلخ)).
(٢) المقولة [١٨٨٩] قوله: ((بخلاف نحو صهريج وحُبّ إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٤/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٤/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٢٩/١.
(٦) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان ما يقع به التطهير ٨٦/١ بتصرف.
٣٠٠
الجزء الثاني
٢٧
فصلٌ في البئر
فإنْ لم يكنْ فما يسعُ صاعاً، وغيرُهُ يُحتسَبُ به، ويكفي مَلُ أكثرِ الدَّو، ونَزْحُ ما
وُجِدَ وإِنْ قَلَّ، وجَرَيانُ بعضِهِ».
هو المتوسّطُ بين الصغير والكبير )) اهـ.
وقولُهُ: (( صغيراً كان أو كبيراً )) ربما يخالِفُ ما بَحَتَهُ "الرمليُّ"، تأمَّل.
[١٨٩٨) (قولُهُ: فإنْ لم يكن إلخ) أي: هذا إنْ كان لها دلوٌ، فإنْ لم يكن فالمعتبرُ دلوٌ يسَعُ
صاعاً، وهذا التَّفصيلُ استظهَرَهُ في "البحر"(١)، وقال: ((هو ظاهرُ ما في "الخلاصة"(٢) و"شرح
الطَّحاويِّ" و "السِّراج)" (٣).
[١٨٩٩] (قولُهُ: وغيرُهُ) أي: غيرُ الدَّلوِ المذكور - بأنْ كان أصغر أو أكبرَ - يُحتسَبُ به، فلو
نُزِحَ القَدْرُ الواجبُ بدلوٍ واحدٍ كبيرٍ أجزَأَ، وهو ظاهرُ المذهب لحصول المقصود، "بحر "(٤).
(١٩٠٠] (قولُهُ: ويكفي ملءُ أكثرِ الدَّو) فلو كان منخرِقاً فإنْ كان يبقى أكثرُ ما فيه كفى،
وإلاّ لا، "بزَّازِيَّةً"(٥) و"قُهُستاني)" (٦).
[١٩٠١] (قولُهُ: ونزْحُ ما وُجِدَ) أي: ويكفي أيضاً نزْحُ ما وُجِدَ فيها [١/ق١٦٤/ب] وهو
دون القدْرِ الواجب، حتى لو زادَ بعد النزحِ لا يجبُ نزحُ شيءٍ كما قدَّمناه(٧) عن "البحر".
[١٩٠٢] (قولُهُ: وجريانُ بعضِهِ) أي: يكفي أيضاً، بأنْ حُفِرَ لها منفذٌ يخرجُ منه بعضُ الماءِ
كما في "الفتح"(٨).
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٤/١.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٤ /ب معزياً إلى "شرح الطحاوي".
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ ق ٤٨/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٤/١ بتصرف.
(٥) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل في البئر ٥/٤ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٦/١.
(٧) المقولة [١٨٦٢] قوله: ((الذي كان فيها وقت الوقوع)).
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في البئر ٩٣/١.
قسم العبادات
٢٨
حاشية ابن عابدين
وغَوَرَانُ قَدْرِ الواجبِ (وما بينَ حمامةٍ وفأرةٍ) في الجثّةِ (كفأرةٍ) في الحكم (كما أنَّ ما
بينَ دجاجةٍ وشاٍ كدجاجٍ) فأُلْحِقَ بطريقِ الدِّلالة بالأصغرِ، كما أُدخِلَ الأقلُّ في
الأكثرِ كفأرةٍ مع هرَّةٍ».
[١٩٠٣) (قولُهُ: وَغَوَرَانُ قدرِ الواجب)(١) وإذا عادَ لا يعودُ نجساً إنْ جفَّ أسفلُه في الأصحِّ،
وإلاَّ عادَ كما في "البحر "(٢) عن "السِّراج"(٢).
[١٩٠٤) (قولُهُ: بطريقِ الدِّلالة) أي: دلالةِ النَّصِّ، وهي دلالةٌ منطوقةٌ على ما سُكِتَ عنه
بالأَولى، أو بالمساواة كدلالة حُرمة التّأْفيف وأكلِ مالِ اليتيم على حرمة الضَّرب والإتلاف كما
أوضحناه في "حواشينا" على "شرح المنار" لـ "الشارح"(٤)، وأشارَ بذلك إلى الجواب عمَّا قدَّمناه(٥)
عن "المستصفى".
[١٩٠٥) (قولُهُ: كفأرةٍ مع هرَّةٍ) أي: فإنْ ماتَتَا نُزِحَ أربعون، وإلاَّ فلا نزْحَ، وإنْ ماتت الفأرةُ
(قولُهُ: وإنْ ماتت الفأرةُ فقط إلخ) عبارةُ "النهر": ((فعشرون)).
(١) في "د" زيادة: ((ولو غار الماءُ قبل النزح ثم عاد يعود نجساً؛ لأَنّه لم يوجد المطهّر، وإن صلَّى رجلٌ في قعرها وقد
جفَّت تجزيه، كذا في "التجنيس"، لكن اختار في "فتح القدير" أنَّه لا يعود نجساً، وصرَّح في باب الأنجاس بأنَّ فيه
روايتين كنظائره، والأصحُّ عدمُ العود؛ لأنّه بمنزلة النِّزْح، لكن إنَّما يكون الأصحُّ عدمَ العود فيما إذا جفَّ أسفلُهُ أَمَّا
إذا غارَ ولم يجفَّ أسفلُه فالأصحُّ العودُ كما أفاده "السراج الوهاج"، "بحر"، قال القهستاني: ولو غارَ الماءُ قبل النزح
بقدر عشرين يطهُرُ الباقي ولو غارَ ثم عاد فعن محمدٍ ينزح عشرين، وقال شداد: إنّه طَّهُر كما في الزاهدي، وهو
الصحيح كما في "الخزانة"، ولو نزح عشرين ثم عاد لم ينزح الباقي، ولو زاد قبل النزح قيل: ينزح كله، وقيل:
مقدار وقت الوقوع، واختلفوا في التوالي، والمختار أنَّه لا يشترط كما في "الرُّبْدة"، فلو نُزِحَ بعضُه ثم زاد في الغد
قيل: ينزح كله، وقيل: مقدار الباقي وهو الصحيح كما في "الخلاصة". انتهى)).
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٣/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٤٦/أ:
(٤) حاشية "نسمات الأسحار": مبحث دلالة النص صـ ١٠١ -.
(٥) المقولة [١٨٨٦] عند قوله: ((وكذا سقط إلخ)).
الجزء الثاني
٢٩
فصلٌ في البئر
ونحوُ الهرَّتين كشاةٍ اتّفاقاً، ونحوُ الفأرتين كفأرةٍ، والثلاثُ إلى الخمسِ كهرَّةٍ، والسِّتُّ
كشاةٍ على الظاهر.
(وَيُحكَمُ بنجاستِها) مغلَّظةً (من وقتِ الوقوعِ إِنْ عُلِمَ،.
فقط، أو جُرِحَتْ، أو بالَتْ فيه تُزِحَ الكلُّ، "سراج"(١). وبقيَ من الأقسام موتُ الهرَّة فقط، ولا
شكَّ أنَّ فيه أربعين، "نهر"(٢).
[١٩٠٦] (قولُهُ: ونحوُ الهرَّتين) أي: ما كان مقدارَهما في الجنَّة.
[١٩٠٧) (قولُهُ: ونحوُ الفأرتين) أي: ولو كانتا كهيئة الدَّجاجة، إلاَّ في روايةٍ عن "محمَّدٍ" أنَّ
فيهما حينئذٍ أربعين، "بحر "(٣).
[١٩٠٨) (قولُهُ: على الظَّاهرِ) أي: ظاهرِ الرواية كما في "البحر"(٤)، وهو قولُ "محمَّدٍ"، وعند
"أبي يوسف": الخمسُ إلى التّسعِ كهرَّةٍ، والعشرُ كشاةٍ، وجزَمَ في "المواهب" بقول "محمَّدٍ"، ونفَى
الثاني فأفادَ ضعفه.
[١٩٠٩) (قولُهُ: مغلظةً) بيانٌ لصفةِ النجاسة، وقد مرَّ(٥) أنَّ التخفيف لا يظهرُ أثرُه في الماء.
[١٩١٠] (قولُهُ: من وقتِ الوقوعِ) أي: وقوعٍ ما مات فيها.
[١٩١١) (قولُهُ: إنْ عُلِمَ) أي: الوقتُ، أو غَلَبَ على الظَّنِّ، "قُهُستاني" (٦). ومنه ما إذا شَهدَ
رَجُلان بوقوعِها يومَ كذا كما في "السِّراج"(٧).
(١) عبارة "السراج"في كتاب الطهارة ١/ق ٤٥ /ب: ((ولو أن هرة أخذت فأرة فوقعتا جميعاً في البئر إن كانت الهرة
حية والفأرة ميتة ينزح منها عشرون )) فظهر أنه إن ماتت الفأرة فقط ينزح عشرون دلواً لا الكل كما نقله
ابن عابدين رحمه الله عن "السراج".
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق١٥/ب.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٥/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٥/١ نقلاً عن "المبسوط".
(٥) المقولة [١٨٤٨] قوله: ((ولو مخففة)).
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٦/١.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٥٠/أ.
قسم العبادات
٣٠
حاشية ابن عابدين
وإلاَّ فمنذ يومٍ وليلةٍ إنْ لم يَنتَفِخْ ولم يتفسَّخْ) وهذا (في حقِّ الوضوء) والغُسل، وما
عُجِنَ به فُيُطعَمُ للكلاب، ..
[١٩١٢] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: بأنْ لم يُعلَمْ ولم يَغْلِبْ على الظَّنِّ، "نهر "(١).
(١٩١٣] (قولُهُ: وهذا) أي: الحكمُ بنجاسة البشر يوماً وليلةً، "ط" (٢).
[١٩١٤] (قولُهُ: في حقِّ الوضوءِ والغُسلِ) أي: من حيث إعادةُ الصلاةِ، يعني: المكتوبةَ
والمنذورةَ والواجبةَ وسِنَّةَ الفجر. اهـ "حلبة"(٣).
وسيأتي(٤) أنَّ سِنَّة الفجر إنما تُقضَى إذا فاتتْ مع الفرض في يومها قبلَ الزَّوال، فافهم.
[١٩١٥) (قولُهُ: وما عُجِنَ به) معطوفٌ على الوضوءِ.
[١٩١٦] (قولُهُ: فَيُطعَمُ للكلابِ) لأنَّ ما تنجَّسَ باختلاطِ النجاسة به والنجاسةُ مغلوبةٌ لا يُباحُ
أكُلُهُ، ويباحُ الانتفاعُ به فيما وراءَ الأكلِ كالدُّهن النحِسِ، يُستصبَحُ به إذا كان الطَّاهرُ
[١/ق ١٦٥/أ] غالباً، فكذا هذا، "حلبة"(٥) عن "البدائع"(٦).
(قولُ "الشارح": وما عُجِنَ به إلخ) قال "الرَّحمتيُّ": (( هذا ينافي ما سيأتي أَنَّه لو تطهَّرَ لا عن
حدثٍ أو غسَلَ لا عن خبثٍ لم يلزم شيءٌ إجماعاً، وهو المنصوصُ عليه في "البحر" وغيره، فلعلَّ إطعامَهُ
للكلاب تنزيه على سبيلِ النَّب أو روايةٌ ضعيفةٌ )) اهـ.
ومُفادُه جوازُ أكلِهِ للحنفيِّ أيضاً؛ لأنَّ العجن ليس هو تطهُّراً عن حدثٍ ولا خبثٍ، فإصابةُ الماء
للدَّقيق كإصابته للماء الطَّاهر. اهـ "سندي". لكنَّ كون إطعامِهِ للكلاب تنزيهاً على سبيل النَّدبِ أو
روايةً ضعيفةً خلافُ المفاد من عباراتهم.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/أ.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١١/١.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١/ق ٢٨٤/ب.
(٤) انظر المقولة [٥٩٨٧] قوله: ((ولا يقضيها إلا بطريق التبعية إلخ)).
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة فصل في البئر ١/ ق ٢٨٤/ب.
(٦) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٨/١.
الجزء الثاني
٣١
فصلٌ في البئر
وقيل: يباعُ من شافعيّ، أمَّا في حقِّ غيره كغَسلِ ثوبٍ فُيُحكَمُ بنجاسته في
الحال،.
ويُفهَمُ منه أنَّ العجينَ ليس بقيدٍ، فغيرُه من الطعام والشراب مثلُهُ، تأمَّل.
[١٩١٧) (قولُهُ: وقيل: يُباعُ من شافعيّ)(١) لأَنَّه يَرى أنَّ الماءَ لا ينجُسُ إذا بلغَ قُلُّتين، لكنْ في
"الذَّخيرة": (( وعن "أبي يوسف": لا يُطعَمُ بني آدم)) اهـ.
١٤٥/١
ولهذا عَبَّرَ عنه "الشارح" بـ: ((قيل))، وجزَمَ بالأوَّلِ كصاحب "البدائع"(٢)، ولعلَّ وجهَه:
أَنَّه في اعتقادِ الحنفيِّ نحسٌ، ولا يُنظَرُ إلى اعتقادٍ غيره، ولذا لو استفتاه عنه لا يُفتيه إلاَّ بما يَعتقدُه.
[١٩١٨) (قولُهُ: أمَّا في حقِّ غيره) أي: غيرِ ما ذُكِرَ من الوضوء والغُسل والعجين.
[١٩١٩] (قولُهُ: فَيُحكَمُ بنجاستِهِ) الأولى: بنجاستها، أي: البئرِ كما عبَّرَ في "البحر "(٢).
وقولُهُ: (( في الحالِ )) أي: حالِ وجودِ الفأرة مثلاً، لا مِن يومٍ وليلةٍ، ولا مِن وقت غَسلِ الثياب،
ولهذا قال "الزيلعيُّ))(٤): ((أي: مِن غيرِ إسنادٍ؛ لأَنَّه من بابِ وجودِ النجاسةِ في الثوب، حتى إذا
كانوا غسلوا الثيابَ بمائها لم يلزمْهم إلاَّ غسلُها في الصحيح )) اهـ.
وعزاه في "البحر "(٥) إلى "المحيط" أيضاً، واعترضَهُ بعضُ محشِّي "صدرِ الشريعة": ((بأنّه إذا
(قولُهُ: ولهذا عبَّرَ عنه "الشارح" بقيل، وجزَمَ إلخ) فيه أنَّ تعبير "الذَّخيرة" بقوله: ((وعن "أبي يوسف"
إلخ)) يفيدُ أنَّ عدم إطعامِهِ لبني آدم روايةٌ عنه، وأنَّ المذهب الحلُّ، فلا يصحُّ وجهاً لتعبيرِ "الشَّارح"
بـ ((قيل))، بل الوجهُ ما ذكرَهُ "ط" عن "البدائع" بصيغة: ((قال مشايخنا: يُطعَمُ للكلاب إلخ)).
(١) نقول: ليس المقصود من هذا الكلام غضاً أو انتقاصاً للشافعية، بل هو لبيان حكم الماء عندهم بأنّه لا ينجس إذا بلغ
قُلتين، فلا بأس ببيعه لهم، لكن الشافعية قيدوا طهارة الماء إذا بلغ قلتين بعدم تغير أحد أوصافه. ("نهاية المحتاج"
٧٤/١، ٧٥)، على أنَّ الماتن لو عبَّر بغير هذه الطريقة لكان أولى.
(٢) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٨/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٠/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٣٠/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٠/١.
قسم العبادات
٣٢
حاشية ابن عابدين
حُكِمَ بنجاسةِ البئر في الحال يلزمُ أنْ لا تتنجَّسَ الثيابُ التي غُسِلتْ بمائها قبله، فلا يلزمُ غَسلُها، فلا
معنى لقوله: لا يلزمُ إلاَّ غسلُها )) اهـ.
وكذا اعترضَهُ في "الحلبة"(١) بما حاصلُهُ: (( أَنَّه إذا لزِمَ غَسلُ الثياب لكونها غُسِلتْ بماءٍ هذا
البئرِ فكيف لم يُحكَمْ على الثياب بالنجاسة مستنداً إلى وقت غَسلها المتيقَّنِ حصولُه قبلَ وجودٍ
الفأرة؟! وإنما اقتصَرَ على وقت وجودها مع أنَّه لا يَتَّجِهُ على قول "الإِمام" لأَنّه يُوجِبُ مع الغَسل
الإعادةَ، ولا على قولهما؛ لأَنَّهما لا يُوجبان غسلَ الثوب أصلاً)) اهـ. وأقرَّه في "البحر " (٢)
و "النهر"(٣) وغيرِهما.
وأقولُ - وبالله تعالى التوفيقُ - : ما قاله "الزيلعيُّ" مخالِفٌ لإطلاق المتون قاطبةً، فإِنَّهم حكموا
بالنجاسة، ولم يفصِّلُوا بين الوضوء والثوب، وفي "الهداية"(٤) و"مختصر القدوريِّ"(*): ((أعادُوا
صلاةَ يومٍ وليلةٍ إذا كانوا توضَُّوا منها، وغسلوا كلَّ شيءٍ أصابَه ماؤُها )) اهـ.
وفي "شرح الجامعِ الصغير" لـ "قاضي خان" (٦): ((إنْ كانت منتفخةً أعادُوا صلاةَ ثلاثةٍ
أيامٍ ولياليها، وما أصابَ الثوبَ منه في [١/ق١٦٥/ب] الثلاثةِ أفسدَه، وإِنْ عُجِنَ منه لم
يؤكلْ خبزُهُ)) اهـ. ومثلُهُ في "المنية" و"شرحها)"(٧).
ثُمَّ رأيتُ بعضَ محشِّي "صدرِ الشريعة" نقَلَ ما نقلناه، وقال: ((إنَّه المذكورُ في أعلامِ
المعتبرات، والمشهورُ في الرواية عن "أبي حنيفة" )) اهـ.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١/ق ٢٨٥/أ.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٠/١.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٦/أ.
(٤) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في البئر ٢٢/١.
(٥) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الطهارة ٢٨/١.
(٦) "شرح الجامع الصغير": كتاب الطهارة - باب النجاسة تقع في الماء ١/ق ١١/ب.
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في البئر صـ ١٦٠ -.
الجزء الثاني
٣٣
فصلٌ في البئر
فقد ظهَرَ أَنَّ الصَّوابَ عدمُ الاقتصارِ على الحال، وبه يزولُ الإشكالُ، نعمْ أشارَ في
"الدُّرر"(١) إلى: (( أنَّ ما قاله "الزيلعيُّ" ملفَّقٌ من قول "الإِمام" وقولهما))، حيث قال بعدَ نقلِهِ
كلامَ "الزيلعيِّ": (( يؤيِّدُهُ ما قال في "معراج الدِّراية": إنَّ "الصَّّاغيَّ" كان يفتي بهذا )) انتهى.
أي: بهذا التفصيلٍ.
قال في "البحر"(٢): ((كان "الصبَّاغيُّ" يُفتي بقول "أبي ح" فيما يتعلَّقُ بالصلاة، وبقولهما
فيما سواه، كذا في "معراج الدِّراية" )) اهـ.
وأقولُ: لا يخفى أنَّ مقتضى ما أفتى به "الصبَّاغيُّ" أنْ تحبَ إعادةُ الصلاة، ولا يجبَ غَسلُ
الثياب، وهذا عكسُ ما قاله "الزيلعيُّ"، فأين التأييدُ؟! نعمْ يظهرُ هذا التأييدُ على ما قالَ بعضُهم: إنَّ
حرف الاستثناء في عبارة "الزيلعيِّ" زائدٌ.
أقولُ: وكذا وجدتُهُ ساقطاً في نسخةٍ قديمةٍ مصحَّحةٍ، وكذا وجدتُه في نسختِي
مضروباً عليه.
وقد ظهَرَ بما قرَّرناه أنَّ ما ذَكَرَهُ "الشارحُ" من التفصيل تابَعَ فيه "الزيلعيَّ"، وهو مخالفٌ لِما
في عامَّة المعتبرات مع ما فيه من الإشكالات، فلا يُعوَّلُ عليه وإنْ أقرَّه في "البحر"(٣) و"المنح"(٤)،
ولهذا لم يعرِّجْ عليه في "فتح القدير"، فاغتنمْ هذا التَّحريرَ الذي هو من مِنَحِ العليم الخبير.
(قولُهُ: فلا يُعوَّلُ عليه وإنْ أقرَّهُ في "البحر") لا يظهرُ إقرارُ "البحر" مع ما ذكرَهُ من نقلِهِ اعتراض
"الحلبة" عليه وإقرارَهُ له، تأمَّل.
(١) "الدرر": كتاب الطهارة - فصل: بئر دون عشر في عشر ٢٦/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٢/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٠/١.
(٤) "المنح": كتاب الطهارة ١/ق ١٤/ب.
قسم العبادات
٣٤
حاشية ابن عابدين
وهذا لو تطهَّرَ عن حدثٍ، أو غسَلَ عن خبثٍ، وإلاّ لم يلزمْ شيءٌ إجماعاً، "جوهرة"
(ومذ ثلاثةِ أَيَّامٍ) بلياليها (إنِ انتفَخَ أو تفسَّخَ) استحساناً، ....
[١٩٢٠] (قولُهُ: وهذا لو تطهَّرَ إلخ) الإشارةُ في عبارة "الجوهرةِ"(١) إلى عبارة "القدرويّ" التي
قدَّمناها (٢)، ثمَّ إنَّ ما ذكَرَهُ في "الجوهرة " عزاه إلى شيخه "مُوفَّقِ الدين(٢)، ثمَّ قال: (( والمعنى فيه أنَّ
الماء صار مشكوكاً في طهارته ونجاسته، فإنْ كانوا مُحدِثِين بيقينٍ لم يزُلْ حدَثُّهم بماءٍ مشكوكٍ فيه،
وإنْ كانوا متوضِّين لا تبطُلُ صلاتُهم بماءٍ مشكوكٍ في نجاسته؛ لأنَّ اليقين لا يرتفعُ بالشكِّ )) اهـ.
أقولُ: هذا أيضاً مخالفٌ لإطلاق عباراتِ المعتبرات من لزوم إعادةِ الصلاة وغَسلِ كلِّ شيءٍ
أصابه ماؤها في تلك المدَّةِ، فإِنَّه يشملُ الإعادةَ عن حدَثٍ وغيره، والغَسلَ لثوبٍ أو بدَنِ من حدثٍ
أو نجاسةٍ أو شُرْبٍ أو غيره، وأيضاً يُناقضُه مسألةُ العجين، [١/ق ١٦٦ /أ] فإنَّه يلزمُ عليه أنْ يكون
طاهراً حلالاً لكونه كانَ طاهرً، فلا تزولُ طهارتُه بماءٍ مشكوكٍ فيه مع أَنَّه مخالفٌ لِما صرَّحوا به
في عامَّة كتب المذهب، وأيضاً فقد رجَّحوا قول "الإِمام" بحكمه بالنجاسة من يومٍ أو ثلاثة أَيَّامٍ بأنّه
الاحتياطُ في أمر العبادة، ولا يخفى أنَّ هذا التفصيلَ خلافُ الاحتياط، فكان العملُ على ما في
كتب المذهب أولى.
مطلبٌ مهمٌّ في تعريف الاستحسان
[١٩٢١] (قولُهُ: استحساناً) الاستحسانُ - كما قال "الكرخيُّ" -: ((قطعُ المسألةِ عن نظائرِها
لِما هو أقوى، وذلك الأقوى هو دليلٌ يقابلُ القياسَ الجليَّ الذي تَسبِقُ إليه أفهامُ المجتهدين نصَّاً
كان أو إجماعاً أو قياساً خفيًّ))، وتمامُه في "فتاوى العلاَّمة قاسٍ"(٤).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الطهارة - مسائل الآبار ٢٠/١.
(٢) المقولة: [١٩١٩] قوله: ((فیحكم بنجاسته)).
(٣) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر.
(٤) "الفتاوى القاسمية": لأبي العَدْل قاسم بن قُطْلُوبُغا بن عبد الله، زين الدين السُّوْدُوني المصري (٨٧٩هـ). ("كشف
الظنون" ١٢٢٧/٢، "الضوء اللامع" ١٨٤/٦).
الجزء الثاني
٣٥
فصلٌ في البئر
وقالا: مِنْ وقتِ العلم، فلا يلزمُهم شيءٌ قبلَهُ، قيل: وبه يُفتَى.
(فرعٌ) وجَدَ في ثوبِهِ منّاً أو بولاً أو دماً ..
[١٩٢٢] (قولُهُ: وقالا إلخ) قولُهما هو القياسُ الجليُّ، وبيانُ وجهِ كلِّ في المطوَّلات.
[١٩٢٣) (قولُهُ: فلا يلزمُهم) أي: أصحابَ البئر شيءٌ من إعادة الصلاة أو غسلٍ ما أصابَهُ
ماؤها كما صرَّحَ به "الزيلعيُّ))(١) وصاحبُ "البحر"(٢) و"الفيض" و"شارحُ المنية"(٣)، فقولُ
"الدُّرر"(٤): ((بل غسَلَ ما أصابَه ماؤها )) قال في "الشرنبلالَيَّة"(٥): (( لعلَّ الصوابَ خلافُه)).
[١٩٢٤] (قولُهُ: قبلَهُ) أي: قبلَ العِلْم بالنجاسة.
[١٩٢٥] (قولُهُ: قيل: وبه يُفتَى) قائلُهُ صاحبُ "الجوهرة" (٦)، وقال العلاّمة "قاسمٌ" في
"تصحيح القدوريّ": (( قال في "فتاوى العَتَّابِيِّ))(٧): قولُهما هو المختارُ)).
قُلْتُ: لم يوافَقْ على ذلك، فقد اعتمَدَ قولَ "الإِمامِ" "البرهانيُّ(٨) و"النسفيُّ) (٩)
١٤٦/١ و"الموصليُّ) (١٠) و"صدرُ الشريعة"(١١)، ورُجِّحَ دليلُهُ في جميع المصنّفات، وصرَّح في "البدائع"(١٢):
((بأنَّ قولَهما قياسٌ وقولَهُ استحسانٌ، وهو الأحوطُ في العبادات)) اهـ
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٣٠/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٣١/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في البئر صـ ١٦٠ -.
(٤) "الدرر": كتاب الطهارة - فصل: بئر دون عشر في عشر ٢٦/١.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فصل: بئر دون عشر في عشر ٢٦/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٦) لم نقف على هذا القول لصاحب الجوهرة.
(٧) "فتاوى العَتّابي" المسماة بـ "جامع الفقه"، وسبقت ترجمتها ٤٧٠/١.
(٨) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارة - النوع الثاني: ما يفسد البئر ١/ق١٣/أ. وهو المراد عند إطلاق النقل عن البرهاني.
(٩) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - مسائل الآبار ١/ق ١٠/أ.
(١٠) أبو الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الملقب محدَ الدّين المَوْصِلِيّ (ت٦٨٣هـ). ("الجواهر المضية" ٣٤٩/٢،
"الفوائد البهية" صـ١٠٦-). ولم نعثر على اعتماده قولَ الإمام في كتابه "الاختيار".
(١١) لم يصرح في "شرح الوقاية"باعتماد قول الإمام وإنما أقر تقديم "صاحب الوقاية" قول الإمام، ولعلَّ ابن عابدين
رحمه الله عدَّ ذلك اعتماداً. انظر "شرح الوقاية": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٨/١ (هامش"كشف الحقائق").
(١٢) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٨/١.
قسم العبادات
٣٦
حاشية ابن عابدين
أعادَ من آخرِ احتلامٍ وبولٍ ورُعافٍ، ولو وجَدَ في جُبَّتِهِ فأرةً ميتةً فإنْ لا ثَقبَ فيها أعادَ
مذ وضعِ القطن، وإلا فثلاثةُ أَيَّامٍ.
[١٩٢٦] (قولُهُ: أعادَ من آخرِ احتلامٍ إلخ) لفٌّ ونشرٌ مرتَّبٌ، وفي بعض النسخ: (( من آخر
نومٍ ))، وهو المرادُ بالاحتلام؛ لأنَّ النوم سببُه كما نقَلَهُ في "البحر"(١).
[١٩٢٧) (قولُهُ: ورُعافٍ) هذا ظاهرٌ إذا وقعَ له رعافٌ، ولم يبسيِّوا حكمَ ما إذا لم يقعْ له، و
لأجْلِ هذا - والله تعالى أعلمُ - رَوَى "ابن رستم"(٢): (( أنَّ الدَّمَ لا يعيدُ فيه؛ لأنَّ دمَ غيره قد
يصيبُه، فالظاهرُ أنَّ الإصابة لم تتقدَّمْ زمانَ وجوده بخلاف المنيِّ، فإنَّ منيَّ غيره لا يصيبُ ثوبَه،
فالظاهرُ أَنَّه منُّه، فيتعيَّنُ وجودُه من وقت وجودِ سببِ خروجه، حتى لو كان الثوبُ مما يلبَسُه هو
وغيرُه يستوي فيه حكمُ المنيِّ والدَّمِ ))، واختار في "المحيط" ما رواه "ابنُ رستم"، ذَكَرَهُ في
"البحر"(٣). [١/ق١٦٦ /ب]
وقولُهُ: ((فالظاهرُ أنَّ الإصابة إلخ)) لا يظهرُ في الجافِّ، "ط))(٤). وفي "السِّراج)"(٥): ((لو
وجَدَ في ثوبه نجاسةً مغلَّظةً أكثرَ من قدرِ الدرهم، ولم يعلمْ بالإصابة لم يُعِدْ شيئاً بالإجماع، وهو
الأصحُّ )) اهـ.
(قولُ "الشارح": أعادَ من آخرِ احتلامٍ) هذا إنما يلزمُ إذا كان جافًّ، وأمَّا لو انتبَهَ من آخرِ نومٍ نامَها مثلاً
قبل الفجر، ثمَّ لم يجد المنيَّ إلاَّ بعد صلاة المغرب مثلاً، وكان ذلك المنيُّ رطباً يستحيلُ في العقل بقاؤه رطباً في
هذه المدَّةِ، خصوصاً مع بقاءِ الَّوب في الشَّمس أو بقائه فيها والأَيَّامُ صيفيَّةٌ فلا نحكمُ بتنجُسِهِ إلاّ في الحال،
ولا نستندُ إلى آخرِ نومةٍ، "سندي" عن "السِّراج". وقال في قوله: ((وبولِ)): ((إن احتملْهُ المدَّة فيما لو لم
يَحِفَّ كما قدَّمناه في المنيِّ )) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٢/١.
(٢) أبو بكر إبراهيم بن رستم المعروف بالمَرْوَزِيّ(ت ٢١١هـ). ("الجواهر المضية"٨٠/١،"الفوائد البهية "صـ٩-).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٣٢/١.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١١٩/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٤٩/ب.
الجزء الثاني
٣٧
فصلٌ في البئر
لو منتفخةً أو ناشفةً، وإلاَّ فيومٌ وليلةٌ.
(ولا نزحَ) في بولِ فأرةٍ في الأصحِّ، "فيض" ولا (بخُرِءِ حمامٍ وعصفورٍ) وكذا سباعُ طيرٍ
في الأصحّ.
قُلْتُ: وهذا يشملُ الدَّمَ، فيقتضي أنَّ الأصحَّ عدمُ الإعادة مطلقاً، تأمَّل.
[١٩٢٨] (قولُهُ: لومنتفخةً أو ناشِفةً إلخ) ذكَرَهُ في "النهر"(١) بحثاً، فقال بعد قولهم:
فثلاثةُ أيامٍ: (( وينبغي على قياسِ ما سبقَ تقييدُه بكونها منتفخةً أو ناشفةً، وإنْ لم يكنْ أعادَ
يوماً وليلةً )) اهـ.
[١٩٢٩] (قولُهُ: في بولِ فأرةٍ في الأصحِّ) وسيذكُرُ في الأنجاس(٢): (( أنَّ عليه الفتوى، وأنَّ
خرءَها لا يُفسِدُ ما لم يظهرْ أَثْرُه، وأنَّ بول السِّنَّور عفوٌ في غير أواني الماءِ، وعليه الفتوى )) اهـ.
أقولُ: وفي "الخانَّة"(٣): ((أنَّ بولَ الهرَّة والفأرة وخرَهما نجسٌ في أظهرِ الروايات، يُفسِدُ
الماءَ والثوبَ )) اهـ. ولعلَّهم رجَّحوا القولَ بالعفوِ للضَّرورة.
[١٩٣٠)] (قولُهُ: بُخُرْءٍ) بالفتحِ وبالضمِّ كما في "المغرب"(٤).
[١٩٣١) (قولَّهُ: حمامٍ وعصفورٍ) أي: ونحوِهما تَّا يؤكلُ لحمُه من الطُّيور سوى الدجاج
والإوزِّ.
:
[١٩٣٢) (قولُهُ: في الأصحِّ) راجعٌ إلى قولهِ: (( وكذا سباعُ طيرٍ))، أي: ثَّا لا يُؤْكَلُ لحمُه
من الطيور، وهذا ما صحَّحَهُ في "المبسوط" (٥)، وصحَّحَ "قاضي خان" في "جامعه"(٦) النجاسةَ،
"بحر"(٧).
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق١٦/ب.
(٢) صـ ٣٥٨ - "در".
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يقع في البئر ٩/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) "المغرب": مادة ((خرء)).
(٥) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٥٧/١.
(٦) أي: شرحه على "الجامع الصغير" للإمام محمد: كتاب الطهارة - باب النجاسة تصيب الثوب ١/ق ١٢/ب - ١٣/أ.
وسبقت ترجمته ٤٢٣/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٠/١ بتصرف.
قسم العبادات
٣٨
حاشية ابن عابدين
لتعذُّرِ صونِها عنه (و) لا (بتقاطُرِ بولِ
(١٩٣٣] (قولُهُ: لتعذّرِ صَونِها) أي: البئرِ عنه، أي: عن الخُرء المذكورِ، ومُفَادُ التعليل أَنَّه نجسرٌ
معفوٌّ عنه الضَّرورة، وفيه اختلافُ المشايخ، لكنَّ الذي اختاره في "الهداية"(١) وكثيرٍ من الكتب:
(( أَنَّه ليس بنجسٍ عندنا للإجماع العمَليِّ على اقتناء الحمامات في المسجدِ الحرامِ من غيرِ نكيرٍ مع
العِلْم بما يكونُ منها )) كما في "البحر"(٢)، قال: ((ولم يذكروا لهذا الخلافِ فائدةً مع اتّفاقهم
على سقوطِ حكم النجاسة )) اهـ.
قُلْتُ: يمكنُ أنْ تظهرَ في التَّعاليق، وكذا إذا رماه في الماء قصداً، فإنّه لا ضرورةَ في ذلك
لكونه بفعله، وما في "النهر"(٣): (( من أنَّها يمكنُ أنْ تظهرَ فيما لو وجدَها على ثوبٍ وعنده ما هو
خال عنها، لا تجوزُ الصَّلاةُ فيه على العفوِ لانتفاءِ الضَّرورة، وتجوزُ على الطَّهارة)) اهـ قال
٠
"ط "(٤): (( فيه نظرً؛ إذ مقتضاهُ عدمُ جوازِ التطهُّرِ بهذا الماءِ حيث وَجَدَ غيرَه )).
[١٩٣٤] (قولُ: ولا بتقاطُرِ بولٍ إلخ) تِعَ فيه صاحبَ "الدُّرر"(٥)، وأشار في "الفيض" إلى
ضعفِه، وذكَرَ "الْقُهُسْتَانِيُّ)(٦) في الأنجاس: (( أَنَّه إنْ وقعَ في الماءِ نَجْسَه في الأصحّ))، وكذا ذكَرَهُ
"الحدَّاديُ(٧) عن [١/ق ١٦٧ / أ] "الكفاية "(٨) معلّلاً: ((بأنَّ طهارةَ الماء أكدُ، وبأَنَّه لا حَرَجَ في
الماء ))، أي: بخلاف البدَنِ والثوب، وبه جزَمَ "الشارحُ" في الأنجاس أيضاً(٩)، فعُلِمَ أنَّ كلام
(١) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في البئر ٢١/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١١٩/١.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٥/أبتصرف.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١٢٠/١.
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة - فصل: بئر دون عشر في عشر ٢٥/١.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ١/ق ١١١/ب غير معزي "للكفاية"ولا لغيرها.
(٨) "الكفاية": كتاب الطهارات - باب الأنجاس ١٨٤/١ (هامش "فتح القدير").
(٩) صـ ٣٦٨ - "در".