النص المفهرس
صفحات 221-240
قسم المعاملات
٢١٥
كتابُ الْمُضارَبة
﴿ كتابُ المُضاربة﴾
(هي(١)) لغةً: مُفاعَةٌ مِن الضَّرَبِ في الأرضِ، وهو السَّيرُ فيها. وشرعاً: (عَقدُ
شِرَكةٍ في الرِّيحِ بمالٍ مِن جانبٍ) ربِّ المالِ (وعَمَلٍ مِن جانبٍ) المُضارِبِ. (وركنُها:
الإِيجابُ والقَبُولُ. وحُكمُها) أنواعٌ؛ لأنّها (إيداعٌ ابتداءً)،
﴿كتابُ الْمُضارَبة﴾
[٢٨٦١٤] (قولُهُ: مِن جانبِ المُضارِبِ) قَيَّدَ به لأَنَّه لو اشترَطَ ربُّ المالِ أنْ يعمَلَ مع
المُضارِبِ فسَدَتْ، كما سيُصرِّحُ به "المصنِّفُ"(٢) في بابِ المُضارِبُ يُضارِبُ، وكذا تفسُدُ لو أُخَذَ
المالَ مِن المُضارِبِ بلا أمرٍ وباعَ واشترى به إلاّ إذا صار المالُ عُرُوضاً، فلا تفسُدُ لو أخَذَهُ مِن
المُضارِبِ كما سيأتي في فصل المتفرقاتِ(٣).
[٢٨٦١٥] (قولُهُ: إيداعٌ ابتداءً) قال "الخير الرَّمليُّ": ((سيأتي أنَّ المُضارِبَ يَلِكُ الإيداعَ
في المطلّقةِ مع ما تقرَّرَ أنَّ المُودَعَ لا يُودِعُ، فالمرادُ: في حكم عدمِ الضَّمانِ بالهلاكِ، وفي
أحكامٍ تَخصوصةٍ، لا في كلِّ حكمٍ، فتأمَّلْ)).
﴿كتابُ المُضارَبةِ﴾
(قولُ "المصنّفِ": إيداعٌ ابتداءً) أي: فقط، فلا يُاني أنَّا كذلك بقاءً، والمرادُ بالإيداعِ: الأمانةُ،
ويدلُّ عليه قولُ "الكنز": ((والمُضارِبُ أمينٌ، وبالتَّصُّفِ إلخ))، لا حقيقةُ الإيداعِ. وقال "عبد الحليم":
((عدُّ الأنواعِ المذكورة أحكامَها بناءٌ على أنَّ حكمَ الشَّيءٍ: ما يثبُتُ به ويَبتني عليه، ولا خَفاءَ في أَنَّه
يُراعَى ذلك في كلِّ حكمٍ مِنها في وقتِهِ، فلا يَرِدُ عليه أنَّ معنى الإجارةِ والغَصبِ مُناقِضٌ لعَقْدِ المُضارَبةِ
مُنافٍ لصحّتِها، فكيف يُجِعَلُ حكماً مِن أحكامِها؟)) اهـ.
(١) ((هي)) من الشرح في "و".
(٢) صـ٦ ٢٤. "در".
(٣) ص ٢٥٧. "در".
حاشية ابن عابدين
٢١٦
الجزء الثامن عشر
ومِن حِيَلِ الضَّمانِ أنْ يُقرِضَهُ المالَ إلّ درهماً،
[٢٨٦١٦] (قولُهُ: ومِن(١) حِيَّلِ إِلخ) ولو أرادَ ربُّ المالِ أنْ يُضمِّنَ المُضارِبَ بالهلاكِ
يُقرِضُ المالَ مِنه ثمَّ يأْخُذُهُ مِنه مُضارَبَةً، ثمَّ يُضِعُ المُضارِبَ كما في "الواقعات"،
"قهستانيّ"(٢). وذكَّرَ هذه الحيلةَ "الزَّيلعُّ"(٣) أيضاً، وذكَرَ قبلَها(٤) ما ذَكَرَهُ "الشّارِعُ"، وفيه
نظَرّ؛ لأنَّما تكونُ شِرَكةَ عِنانٍ شُرِطَ فيها العملُ على الأكثرِ مالاً، وهو لا يجوزُ، بخلافٍ
العكسِ، فإنَّه يجوزُ كما ذكَرَهُ في "الظَّهيريّة"(٥) في كتاب الشّركةِ عن "الأصلِ" للإمام "محمّدٍ"،
تأمَّلْ. وكذا في شِرَكةِ "البزّازيّة"(٦) حيثُ قال: ((وإنْ لأحدِهما ألفٌ ولآخرَ ألفان واشتركا واشترطا
(قولُهُ: ثمَّ يُضِعُ المُضارِبَ) أرادَ به الاستعانةَ، فيكونُ ما اشتراهُ وما باعَهُ للمُضارَبةِ، لا ما هو المُتعارَفُ
کما يأتي.
(قولُهُ: وفيه نظَرّ؛ لأَّما تكونُ شِرَكَةَ عِنانٍ شُرِطَ فيها العملُ إلخ) فيه: أنَّه ليس في عبارةٍ "الزَّيلعيِّ" ما
يفيدُ اشتراطَ العملِ على أكثرِهِما مالاً حتَّى تَرِدَ عليه هذا التَّنظيرُ، وعبارتُهُ: ((وإذا أرادَ أنْ يجِعَلَهُ عليه مضموناً
أَقْرَضَهُ رأسَ المالِ كلَّهُ، ويُشهِدُ عليه، ويُسلِّمُهُ إليه، ثمَّ يأخُذُهُ مِنه مُضارَبةً، ثُمَّ يَدفَعُهُ إلى المُستقرِضِ يستعينُ
به في العملِ، فإذا ربحَ وعمِلَ كان الرِّيحُ بينَهما على الشَّرطِ، وأَخَذَ رأْسَ المالِ على أنَّه بَدَلُ القَرضِ، وإنْ لم
يَرَبَحْ أَخَذَ رأسَ المالِ بالقَّرْضِ، وإنْ هَلَكَ هلَكَ على المُستقرِضِ وهو العاملُ، أو أقْرَضَهُ كلَّهُ إلاّ درهماً مِنه
وسلَّمَهُ إليه وعقّدا شِرَكةَ العِنانِ، ثُمَّ يدفَعُ إليه الدِّرهمَ، ويعملُ فيه المُستقرِضُ، فإنْ رِبحَ كان الرِّيحُ بينَهما على
ما شرَطا، وإِنْ هَلَكَ هلَكَ عليه)) اهـ. فأنت تراهُ لم يشترِطِ العملَ على أكثرِهما مالاً الذي هو المُستقرِضُ،
والذي لا يجوزُ إنَّما هو اشتراطُ العملِ على الأكثرِ مالاً والرِّيحُ مُناصَفةٌ، وانظرْ ما قدَّمَهُ في الشّركةِ.
(١) ((من)) ساقطة من "ر"، وفي "آ": ((ومن حيل الضمان إلخ)).
(٢) "جامع الرموز": كتاب المضاربة ١٤٠/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب المضاربة ٥٣/٥.
(٤) بل ذكره بعد هذه الحيلة لا قبلها، انظر "تبيين الحقائق": كتاب المضاربة ٥٣/٥.
(٥) "الظهيرية": الفصل الثاني في شركة العنان ق٢٣٦/ب.
(٦) "البزازية": كتاب الشركة. الفصل الأول في صحتها وفسادها ٢٢٦/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم المعاملات
٢١٧
كتابُ المضارَبة
ثُمَّ يعقِدَ شِرَكَةَ عِنانٍ بالدِّرهمِ وبما أقرَضَهُ على أنْ يعمَلا والرِّيحُ بينَهما، ثمَّ یعمَلَ
المستقرِضُ فقط، فإِنْ هَلَكَ فالقَرضُ عليه، (وتوكيلٌّ مع العَمَلِ)؛ لتصرُّفِ بأمرِهِ،
(وشِرَكَةٌ إِنْ رِبِحَ، وَغَصْبٌ (١).
العملَ على صاحبِ الألفِ والرِّيحَ أنصافاً جاز، وكذا لو شرَطا الرِّيحَ والوَضيعةَ على قَدْرٍ
المالِ، والعملَ مِن أحدِهما بعينِهِ جازَ، ولو شرَطا العملَ على صاحبِ الألفين والرِّيحَ نصفين لم
يَجْزِ الشَّرطُ، والرِّحُ بينَهما أثلاثاً؛ لأنَّ ذا الألفِ شَرَطَ لنفسِهِ بعضَ رِبْحِ مالِ الآخرِ بغيرٍ عملٍ
ولا مالٍ، والرِّيحُ إنَّما يُستحَقُّ بالمالِ أو بالعمل أو بالضَّمان)) اهـ ملتَّصاً، لكنْ في مسألةٍ
"الشّارِحِ" شرْطُ العملِ على كلٌّ مِنهما لا على صاحبٍ الأكثر فقط.
والحاصلُ: أنَّ المفهومَ مِن كلامِهم أنَّ الأصلَ في الرِّيحِ أنْ يكونَ على قَدْرِ المالِ، إلاّ
٤٨٣/٤ إذا كان لأحدٍهما عملٌ فيصحُّ أنْ يكونَ أكثرَ (٢) رِفِحاً بِمُقَابَلةِ عملِهِ، وكذا لو كان العملُ مِنهما
يصحُ التَّفاؤُتُ أيضاً، تأمَّلْ.
[٢٨٦١٧] (قولُهُ: وتوكيلٌّ مع العَمَلِ) فَيَرجِعُ بما لحِقَّهُ مِن العُهْدِ على ربِّ المالِ،
"درر"(٣). ق٤٨١ /ب
(قولُ "المصنِّفِ": وتوكيلٌ مع العَمَلِ) فيه: أنَّ التَّوكيلَ متحقِّقٌ قبلَ العملِ أيضاً.
(١) في هامش "م": ((قولُ "المصنّف": (وغَصْبٌ إلخ) استشكّلَ قاضي زاده عَدَّ الغصبِ والإجارة من أحكامها؛ لأنَّ معنى
الإجارةِ إنَّما يظهرُ إذا فسدت المضاربةُ، ومعنى الغصبِ إِنَّا يتحقَّقُ إذا خالَفَ المُضارِبُ، وكلا الأمرين ناقضٌ لعقدٍ
المُضارَبةِ مُنافٍ لصحَّتِها، فكيفَ يصحُ أنْ يُجُعَلا من أحكامها؟! وحكمُ الشَّيءِ ما يَتْبُتُ به، والذي يَتْبُتُ بمنافيه
لا يَتْبُتُ به قطعاً.
فإنْ قلت: قد صَلَحا أنْ يكونَ حكماً للفاسدة!
قلنا: الأركانُ والشُّروطُ المذكورةُ هنا للصَّحيحةِ، فكذا الأحكامُ، على أنَّ الغصب لا يَصلُحُ حُكماً للفاسدة؛ لأنَّ
حكمَها أنْ يكونَ للعاملِ أَجْرُ عمِلِهِ، ولا أجرَ للغاصب. اهـ "ط" مختصراً)).
(٢) ((أكثر)) ليست في "ب" و"م".
(٣) "الدرر والغرر": كتاب المضاربة ٣١٠/٢.
حاشية ابن عابدين
٢١٨
الجزء الثامن عشر
إِنْ خالَفَ وإِنْ أجازَ) ربُّ المالِ(١) (بعدَه)؛ لصيرورتِهِ غاصباً بالمُخالَفةِ، (وإجارةٌ
فاسدةٌ إِنْ فسدَتْ، فلا رِبْعَ) للمُضارِبِ (حينَئذٍ، بل له أجْرُ) مثلِ (عَمَلِهِ مُطلَقاً) ربحَ
أو لا، (بلا زيادةٍ(٢)
[٢٨٦١٨] (قولُهُ: بالمُخالَفةِ) فالرِّيحُ للْمُضارِبِ، لكنَّه غيرُ طَيِّبٍ عندَ الطَّرْفَيْنِ، "درّ
منتقى"(٣).
[٢٨٦١٩] (قولُهُ: مُطلَقاً) هو ظاهرُ الرّوايةِ، "قهستانيّ"(٤).
[٢٨٦٢٠] (قولُهُ: ربحَ أوْ لا) وعن "أبي يوسف": إذا لم يربَحْ لا أجرَ له، وهو الصَّحيحُ؛
لئلاّ تَربُوَ الفاسدةُ على الصَّحيحةِ، "سائحانيّ". ومثلُهُ في "حاشية ط"(٥)، ونُقِلَ(٦) عن
"العینيّ"(٧).
(قولُ "المصنِّف": وغَصْبٌ إِنْ خالَفَ وإِنْ أجازَ بعدَه) صوَّرَهُ في "الدُّر" بـ: ((ما إذا اشترى ما تُِيَ
عنه ثمَّ باعَهُ وتصرَّفَ فيه، ثمَّ أجازَ ربُّ المالِ لم يَجُزْ)) اهـ وعدمُ صحّةِ الإِجازةِ ظاهرٌ في هذه الصُّورةِ،
لا في صورةٍ ما إذا أمَرَهُ بالبَيعِ نْداً فباعَ نسيئةً فأجازَ ربُّ المالِ؛ لأنَّ البَيعَ تلحَقُّهُ الإجازةُ، لا الشِّراءَ؛
لؤُجودِ النَّاذِ على المُباشِرِ قبلَها، تأمَّلْ. ثمَّ رأيتُ ذلك في "التَّكملة" عند قولِ "المصنِّفِ" فيما يأتي:
((فإِنْ فَعَلَ ضمِنَ بالمُخالَفةِ))، ونصُّهُ: ((لو باعَ مالَ المُضارَبةِ عُخالِفاً لربِّ المالِ كان بَيَعُهُ موقوفاً على
إجازتهِ كما هو حكمُ عَقدِ الفُضوليّ)) اهـ.
(١) ((ربُّ المال)) من المتن في "و".
(٢) في "و": ((لا يزاد)) بدل ((بلا زيادة)).
(٣) "الدر المنتقى": كتاب المضاربة ٣٢٢/٢ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "جامع الرموز": كتاب المضاربة ١٣٩/٢.
(٥) "ط": كتاب المضاربة ٣٦٢/٣، نقلاً عن أبي السعود عن ابن [أبي] العزّ على "الهداية".
(٦) ((ونقل)) ليست في "ب" و"م".
(٧) انظر "رمز الحقائق": كتاب المضاربة ١٧١/٢ بتصرف، وفيه: ((أنَّ ذلك عندهما خلافاً لمحمد)).
قسم المعاملات
٢١٩
كتابُ المضارَبة
على المشروطِ) خلافاً ("محمَّدٍ".
[٢٨٦٢١] (قولُهُ: على المشروطِ) قال في "الملتقى"(١): ((ولا يُزادُ على ما شَرَطَ له)).
كذا في الهامش، أي: فيما إذا ربحَ، وإلاّ فلا تتحقَّقُ الزِّيادةُ، ما لم(٢) يكنِ الفَسادُ بسببٍ
تسميةِ دراهمَ معيَّنةٍ للعاملِ، تأمَّلْ.
[٢٨٦٢٢] (قولُهُ: خلافاً لـ "مُحمَّدٍ") فيه إشعارٌ بأنَّ الخلافَ فيما إذا ربحَ، وأَمّا إذا لم يُربَخْ
فأجرُ المثلِ بالغاً ما بلَّغَ؛ لأَنَّه لا يُمكِنُ تقديرٌ بنصفِ الرَّحِ المَعدوم كما في "القُصّولين"(٣)،
لكن في "الواقعات": ((ما قالَه "أبو يوسف" مخصوصٌ بما إذا ربحَ، وما قالَه "محمّدٌ": أنَّ له أجرَ
المثلِ بالغاً ما بَلَغَ فيما هو أعمُّ))، "قهستانيّ(٤).
(قولُهُ: فلم يكنِ الفَسادُ بسببِ إلخ) نسخةُ الخطِّ: ((ما لم يكنِ الفَسادُ إلخ))، وهي واضحةٌ، قال
"المقدسيُّ" . ونقَلَهُ عنه "الحمَويُّ" عند قولِ "الكنز": ((فإِنْ شُرِطَ لأحدِهما زيادةُ عشَرةٍ فلهِ أجرُ مِثْلِهِ
لا يُجَاوِزُ القَدْرَ المشروطَ)) .: ((أي: الذي شرَطَهُ له؛ لِضاهُ به. أقول: هذا ظاهرٌ إذا كان المُسمَّى
معلوماً، أمّا في مثلِ هذه المسألةِ فهو مجهولٌ لو لم يُوجَدْ رِبْحٌ، ولا يقال: إنَّه رضِيَ بالخمسةِ الزّائدةِ؛ لأنَّه
لم يَرْضَ بها إلاّ مع نصفِ الرِّيحِ، وهو معدومٌ، فالمُسمَّى غيرُ معلوم، فيجبُ أجرُ الْمُثُلِّ بألغاً ماً بَلَغَ. وقد
يُجابُ بأنَّ هذا العَقدَ لَمَا كان فاسداً كان ما نُمِّيَ فيه محظوراً، فقُطِعَ النَّظَرُ عمّا هو مُونَتُ المُضارَّةِ،
وعُوِّلَ على ما عُيِّنَ معه على أنَّه أجرُ مثلٍ في إجارةٍ لا مُوجَبُ مُضارَبةٍ، ولهذا قالوا: هذه إجارةٌ في صورةٍ
مُضارَبةٍ)) اهـ.
(قولُهُ: لكن في "الواقعات": ما قالَه "أبو يوسف" إلخ) ما بعدَ الاستدراكِ مُوافِقٌ لِما قبلَه، فلا وجه
له، تأمَّلْ. ثمَّ رأيتُهُ في "السِّنديّ" نقلاً عن شرح "نظم الكنز".
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب المضاربة ١٣٦/٢، وذكر أنَّ ذلك قول أبي يوسف خلافاً لمحمد رحمهما الله تعالى.
(٢) في "ب" و"م": ((فلم)) بدل ((ما لم))، ونبَّه عليه الرافعي رحمه الله.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الثلاثون في التصرفات الفاسدة وأحكامها وفيما يكون مضموناً بالقبض إلخ ٤٥/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب المضاربة ١٣٩/٢ -١٤٠ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٢٢٠
الجزء الثامن عشر
و"الثَّلاثةِ". (إلّ في وصيٍّ أَخَذَ مالَ يتيمٍ مُضارَبةٌ فاسدةً) كشَرطِهِ لنَفسِهِ عشرةَ
دراهمَ، (فلا شيءَ له) في مالِ اليتيمِ ..
[٢٨٦٢٣] (قولُهُ: و"الثَّلاثةِ") فعندَه له أجرُ مثلٍ عملِهِ بالغاً ما بلَغَ إذا ربحَ، "درّ
منتقى"(١). كذا في الهامش.
(سئل) فيما إذا دفَعَ زيدٌ لعمرٍو بضاعةً على سبيلِ المُضارَبةِ، وقال لعمرٍو: بِعْها ومهما
ربِجْتَ يكونُ بِينَنا مُثالثةً، فباعَها وخسِرَ [٣/ق١/٣١٩] فيها؟
فالمُضارَبةُ غيرُ صحيحةٍ، ولعمرو أجرُ مثلِهِ بلا زيادةٍ على المشروطِ، "حامديّة"(٢).
رجلٌ دفَعَ لآخرَ أمتعةً وقال: بِعْها واشتَرِها وما ربِحْتَ فبيتنا نصفَينٍ، فخِرَ فلا خُسرانَ
على العاملِ، وإذا طالَبَةُ(٣) صاحبُ الأمتعةِ بذلك فتصالَخًا على أنْ يُعطِيَهُ العاملُ إيّاه لا يلزَمُهُ،
ولو كفلَهُ(٤) إنسانٌ بَبَدَلِ الصُّلحِ لا يصحُّ، ولو عمِلَ هذا العاملُ في هذا المالِ فهو بينَهما على
الشَّرِطِ؛ لأنَّ ابتداءَ هذا ليس بمُضارَبةٍ، بل هو توكيلٌ ببيعِ الأمتعةِ، ثُمَّ إذا صارَ الثَّمَنُ مِن النُّقودِ
فهو دَفْعّ مُضارَبةً بعد ذلك فلم يضمَنْ أوّلاً؛ لأنَّه أمينٌ بحقِّ الوكالةِ، ثمَّ صار مُضارِباً فاستحقَّ
المشروطَ، "جواهر الفتاوى".
[٢٨٦٢٤] (قولُهُ: وصيِّ إلخ) ظاهرُهُ أنَّ للوصيِّ أنْ يُضارِبَ في مالِ اليتيمِ بجزءٍ مِن الرِّيحِ،
وكلامُ "الزَّيلعيَّ"(٥) فيه أظهَرُ، وأفادَ "الزَّيلعيُّ " أيضاً(*): ((أَنَّ للوصيِّ دَفْعَ المالِ إلى مَن يعمَلُ
فيه مُضارَبةً بطريقِ النِّابةِ عن اليتيم كأبيهِ))، "أبو السُّعود"(٦).
(١) "الدر المنتقى": كتاب المضاربة ٣٢٢/٢ (هامش "مجمع الأنخر").
(٢) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب المضاربة ٦٦/٢.
(٣) في "الأصل" و"ر": ((طلب)).
(٤) في "الأصل" و"ر": ((كفل)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب المضاربة ٥٧/٥.
(٦) "فتح المعين": كتاب المضاربة ١٨٩/٣.
٢٢١
كتابُ المضاربة
قسم المعاملات
(إذا عمِلَ)، "أشباه"(١). فهو استثناءٌ مِن أخْرٍ عَمَلِهِ. (و) الفاسدةُ (لا ضمانَ فيها)
أيضاً (كصحيحةٍ)؛ لأنَّ أمينٌ، (ودَفْعُ المالِ إلى آخَرَ مع شَرطِ الرِّيحِ) كلِّهِ (للمالكِ
بضاعةٌ) فيكونُ وكيلاً متبرعاً، (ومع شَرطِهِ للعاملِ قَرْضٌ(٢)؛ لِقِلَّةٍ ضَرَرِهِ. (وشَرطُها) أمورٌ
سبعةٌ: (كُونُ رأسِ المالِ مِن الأثمانِ) كما مرَّ في الشِّرَّكَةِ(٣)، (وهو معلومٌ) للعاقدَينِ ....
[٢٨٦٢٥] (قولُهُ: إذا عمِلَ) لأنَّ حاصلَ هذا أنَّ الوصيّ يُؤْجِرُ نفسَهُ لليتيمِ، وأنَّه لا يجوزُ.
[٢٨٦٢٦] (قولُهُ: لِقِلَّةٍ ضَرَرِهِ) أي: ضَرَرِ القَرْضِ بالنّسبةِ إلى الهبةِ، فجُعِلَ قَرْضاً ولم يُجعَلْ
هبةً، ذكَرَهُ "الزَّيلعيّ "(٤).
[٢٨٦٢٧] (قولُهُ: مِن الأثمانِ) أي: الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، فلو مِن العُرُوضِ فباعَها فصارتْ
نُقوداً انقلَبَتْ مُضارَبةً، واستحَقَّ المشروطَ كما في "الجواهر".
[٢٨٦٢٨]: (قولُهُ: وهو معلومٌ للعاقدَينِ) ولو مشاعاً(٥)؛ لِما في "الّاترخانيّة": ((وإذا دفَعَ
(قولُهُ: فلو مِن العُرُوضِ فباعَها إلخ) أي: بأنْ دفَعَ إليه عَرْضاً وأمَرَهُ ببيعِهِ، وعَمَلِ مُضارَبةٍ في تَمَنِهِ فَقَبِلَ
صحَّ؛ لأَنَّه لم يُضِفِ المُضارَبَ إلى العَرْضِ، بل إلى ثَمَنَّهِ كما في "الدُّرر"، بخلافٍ ما إذا دفَعَ عَرْضاً على أنَّ
قيمتَهُ ألفّ مثلاً ويكونُ ذلك رأسَ المالِ، فهو باطلٌ كما في "الشُّرنبلاليّة".
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد. كتاب المضاربة صـ ٣١٢، وعزاه إلى "أحكام الصغار".
(٢) في هامش "(": ((قولُ "المصنّف": (للعاملِ قَرْضٌ) قال في "التَبيين": (وإنَّما صار المُضارِبُ مُستَقْرِضاً باشتراطِ كلِّ الرِّيحِ
له؛ لأنَّه لا يَستَحِقُّ الرَّحَ كلَّه إلاّ إذا صار رأسُ المال مِلْكاً له؛ لأنَّ الرِّيحَ فرِعُ المالِ كالثَّمرِ والشَّجرِ والولدِ للحيوان،
فإذا شرَّطَ أنْ يكونَ جميعُ الرِّيحِ له فقد مَلَّكَهُ جميعَ رأسٍ المال مقتضِى، وقضيَُّهُ: أنْ لا يَرُدَّ رأس المال؛ لأنَّ الثَّعليكَ
لا يقتضي الرَّدَّ كالهبةٍ، لكنَّ لفظَ المُضارَبةِ يقتضي رَدَّ رأسِ المال، فجعلناه قَرْضاً؛ لاشتمالِهِ على المعنيين عملاً بهما،
ولأنَّ القَرْضَ أدنى الثَّرُحين؛ لأنَّه يَقطَعُ الحقَّ عن العينِ دونَ البدلِ، والهبةُ تَقطَعُهُ عنهما، فكان أولى؛ لكونِهِ أقلّ ضرراً)
أهـ "ط")).
(٣) ٢٩١/١٣ وما بعدها "در".
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب المضاربة ٥٣/٥.
(٥) في "ب" و"م": ((متاعاً)).
حاشية ابن عابدين
٢٢٢
الجزء الثامن عشر
ألفَ درهٍ إلى رجلٍ وقال: نصفُها عليك قرضٌ، و(١) نصفُها معَكَ مُضارَبَةٌ بالنِّصفِ صحَّ،
وهذه المسألةُ نصٌّ على أنَّ قَرْضَ المُشاعِ جائزٌ، ولا يُوجَدُ لهذا روايةٌ إلاّ ههنا، وإذا جازَ هذا
العَقدُ كان لكلِّ نصفٍ حكمُ نفسِهِ، وإِنْ قال: على أنَّ نصفَها قَرْضٌ، وعلى أنْ تعمَّلَ
بالنِّصفِ الآخَرِ مُضارَبةً على أنَّ الرِّيحَ كلَّهُ لي جازَ ويُكرَهُ؛ لأَنَّه قَرْضٌ جَّ منفعةً، وإنْ قال:
على أنَّ نصفَها قَرْضٌ عليكَ ونصفَها مُضارَبةٌ بالنِّصفِ فهو جائزٌ، ولم يذكُرِ الكراهيةَ هنا، فمِن
المشايخِ(٢) مَن قال: سكوتُ "محمّد" عنها هنا دليلُ أنَّا(٣) تنزيهيّةٌ. وفي "الخانيّةِ"(٤). قال:
على أنْ تعمَلَ بالنّصفِ الآخَرِ على أنَّ الرِّيحَ لي جازَ ولا يُكرَهُ، فإنْ رِيحَ كان بينَهما على
السَّواءِ، والوَضيعةُ عليهما؛ لأنَّ النّصفَ مِلْكُهُ بالقَرْضِ، والآخَرُ بضاعةٌ في يدِهِ. وفي "التَّجريد":
يُكرَهُ ذلك، وفي "المحيط"(٥): ولو قال على أنَّ نصفَها مُضارَبةٌ بالنِّصفِ ونصفَها هبةٌ لك
وقبَضَها غيرَ مقسومةٍ فالهبةُ فاسدةٌ، والمُضارَبةُ جائزةٌ، فإنْ هلَكَ المالُ قبلَ العملِ أو بعدَه
ضمِنَ النِّصفَ حصّةَ الهبةِ فقط، وهذه المسألةُ نصٌّ على أنَّ (٦) المقبوضَ بحكم الهبةِ الفاسدةِ
مضمونٌ على الموهوبِ له)) اهـ ملتَّصاً، وتمامُهُ فيه، فليُحفَظْ، فإنَّه مهمٌّ، وهذه الأخيرةُ ستأتي
قُبَيلَ كتابٍ الإيداعِ قريباً(٧).
(١) ((نصفُها عليك قرضٌ، و)) ليست في "ر" و"آ" و"ب" و"م"، وأثبتناها من "الأصل"؛ إذ هي الموافقة لما سيأتي في
المقولة [٢٨٧٤٥]، وقد أحال ابن عابدين رحمه الله تعالى المسألة هناك على هذا الموضع.
(٢) في "ر": ((المشاع))، وهو تحريف.
(٣) في "ب" و"مّ: ((دليلٌ على أنما)) بزيادة ((على)).
(٤) "الخانية": كتاب المضاربة ١٦٣/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب المضاربة . الفصل السابع في الرجل يدفع المال بعضه مضاربة وبعضه لا ١٥١/١٨، وفيه:
((غير مضمونة)) بدل ((غير مقسومة)).
(٦) ((أَنَّ)) ليست في "الأصل" و"ر" و"آ".
(٧) صـ٢٧٧٠٢٧٦. "در".
قسم المعاملات
٢٢٣
كتابُ المُضارَبة
(وَكَفَتْ فيه الإشارةُ)، والقولُ في قَدْرِهِ وصِفَتِهِ للمُضارِبِ بيمينِهِ، والبيِّنَةُ للمالكِ، وأمّا
المُضارَبةُ بدَينٍ: فإنْ على المُضارِبِ لم يَجُزْ، وإنْ على ثالثٍ جازَ وكُرِةٍ. ولو قال:
اشتَرِ لي عبداً نَسيئةً ثمَّ بِعْهُ.
[٢٨٦٢٩] (قولُهُ: وَكَفَتْ فيه) أي: في الإعلامِ، "منح"(١).
[٢٨٦٣٠] (قولُهُ: لم يَجُزْ) وما اشتراهُ له، والدَّينُ في ذمّتِهِ، "بحر "(٢).
[٢٨٦٣١] (قولُهُ: وإنْ على ثالثٍ) بأنْ قال: اقبِضْ ما لي على فلانٍ، ثُمَّ اعمَلْ به مُضارَبةً،
ولو عَمِلَ قبلَ أنْ يقبِضَ كُلَّهُ(٣) ضمِنَ، ولو قال: فاعمَلْ به لا يضمَنُ، وكذا بالواو؛ لأنَّ ((
للتَرتيبِ، فلا يكونُ مأذوناً بالعملِ إلاّ بعد قَبضِ الكلِّ، بخلافِ الفاء والواو. ولو قال: اقِضْ
دَيني لتعمَلَ به مُضارَبةً لا يصيرُ مأذوناً ما لم يقبِضِ الكلّ، "بحر "(٤).
قال في الهامش: ((قال في "الدُّرر"(٥): فلو قال: اعمَلْ بالدَّينِ الذي في ذمّتِكَ مُضارَبَةٌ
بالنّصفِ لم يَجُزْ، بخلافٍ ما لو كان لهِ دَينٌ على ثالثٍ فقال: اقبِضْ ما لي على فلانٍ واعمَلْ به
مُضارَبةٌ، حتِّ لا يبقى لربِّ المالِ فيه يدٌ)) اهـ.
[٢٨٦٣٢] (قولُهُ: وَكُرِهِ) لأَنَّ اشترَطَ لنفسِهِ منفعةٌ قبلَ العَقْدِ، "منح"(٦).
[٢٨٦٣٣] (قولُهُ: اشتَرِ لي عبدأ) هذا يُفهِمُ أنَّه لو دفَعَ عَرْضاً وقال له: بِعْهُ واعمَلْ بِثَمَنِهِ
مُضارَبةً أنَّه يجوزُ بالأَولى، وقد أوضَحَهُ "الشّارعُ"، وهذه حيلةٌ لجوازِ المُضارَيةِ في العُرُوضِ، وحيلةٌ
(ثم))، واعترضَ ما نقَّلَهُ أنَّا كالواو، فانظُرْهُ.
(قولُهُ: بخلافِ الفاء والواو) جعَلَ في "المنح" الفاءَ كـ (
(١) "المنح": كتاب المضاربة ٢/ق١١٦/أ.
(٢) "البحر": كتاب المضاربة ٢٦٣/٧.
(٣) في "ب" و"م"ّ: ((الكل)).
(٤) "البحر": كتاب المضاربة ٢٦٣/٧ -٢٦٤ بتصرف.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب المضاربة ٣١١/٢ باختصار.
(٦) "المنح": كتاب المضاربة ٢/ق١١٦/أ نقلاً عن "المبسوط".
حاشية ابن عابدين
٢٢٤
الجزء الثامن عشر
وضارِبْ بِثَمَنِهِ ففعَلَ جازَ، كقولِهِ لغاصبٍ، أو مستودَعِ، أو مستبضِعٍ: اعمَلْ بما في
يدِكَ مُضارَبَةً بالنِّصفِ جازَ، "مُجْتَبَى". (وَكُونُ رأسِ المالِ عَيناً لا دَيناً) كما بسَطَهُ (١)
في "الدُّرَرِ"(٢)، (وَكُونُ(٣) مسلَّماً إلى المُضارِبِ)؛ ليُمكِنَهُ النَّصُّفُ (بخلافِ الشِّرَّكَةِ)؛
لأَنَّ العَمَلَ فيها مِن الجانبَينِ. (وَكُونُ الرِّيحِ بينَهما شائعاً)، فلو عيَّنَ قَدْراً ..
أُخرى ذكَرَها "الخصّافُ "(٤): ((أَنْ يبيعَ المَتَاعَ مِن رجلٍ يَثْقُ به، ويقِضَ المالَ، فيدفَعَهُ إلى
المُضارِبِ مُضارَبةً، ثمَّ يشتريَ هذا المُضارِبُ هذا المَتَاعَ [٣١٩٥/٣/ب] مِن الرَّجلِ الذي ابتاعَهُ
مِن صاحبِهِ))، "ط"(٥).
[٢٨٦٣٤] (قولُهُ: عَيناً) أي: مُعيَّناً، وليس المرادُ بالعينِ العَرْضَ، "ط "(٥).
٤٨٤/٤
[٢٨٦٣٥] (قولُهُ: لا دَيناً) مُكرَّرٌ مع ما تقدَّمَ(٦).
[٢٨٦٣٦] (قولُهُ: مسلَّماً) فلو شَرَطَ ربُّ المالِ أنْ يعمَلَ معَ المُضارِبِ لا تجوزُ
المُضارَبةُ، سواءٌ كان المالكُ عاقلاً أو لا، كالأب والوصيّ إذا دفَعَ مالَ الصَّغيرِ مُضارَبةً وشرَطَ
عَمَلَ شريكِهِ مع المُضارِبِ لا تصحُّ المُضارَبةُ، وفي "السِّغناقِيّ"(٧): ((وشرْطُ عملِ الصَّغِيرِ
(قولُ "الشّارِحِ": كقولِهِ لغاصبٍ إلخ) أي: إذا كان ما في يدِ هؤلاءِ يِمًا تَجِرِي فيه المُضارَبةُ.
(قولُ "المصنّفِ": عَيناً لا دَيناً) أي: على المُضارِبِ، لا على ثالثٍ، وانظرِ الفرقَ بينهما في "التَّبيين".
(قولُهُ: مُكرّرٌ مع ما تقدَّمَ) فيه: أنَّ ما تقدَّمَ مذكورٌ شرحاً، وما هنا ذكَرَهُ "المصنِّفُ".
(١) في "د" و"و": ((بسطٍ)).
(٢) انظر "الدرر والغرر": كتاب المضاربة ٣١١/٢.
(٣) ((وکونه)) ليست في "و".
(٤) "الحيل": باب الرجل يموت وعليه دين صـ٢٨. بتصرف، وفيه: ((يستوفيه المضارب)) بدل ((يشتري هذا المضارب)).
(٥) "ط": كتاب المضاربة ٣٦٣/٣.
(٦) في الصحيفة السابقة "در".
(٧) في "ب" و"م": ((السفناقي)) بالفاء، وهو خطأ طباعيّ، والسَّغناقيّ هو الحسين بن عليّ بن حجّاج (ت٧١١هـ) على
الراجح، صاحب "النهاية"، وهي أوّلُ شرحٍ لـ "الهداية"، وتقدمت ترجمته ٢٦٣/١.
قسم المعاملات
٢٢٥
كتابُ المضارَية
فسَدَتْ. (وَكُونُ نصيبٍ كلٌّ مِنهما معلوماً) عندَ العَقدِ، ومِن شُروطِها كُونُ نصيبٍ
المُضاربِ مِن الرِّيحِ، حتّى لو شُرِطَ له مِن رأسِ المالِ أو مِنه ومِن الرِّيحِ فَسَدَتْ.
و(١) في "الجلاليَّة": ((كلُّ شَرطٍ يوجِبُ جَهالةٌ
لا يجوزُ، وكذا أحدُ المُتفاوِضَينِ أو شريكي (٢) العِنانِ إذا دفَعَ المالَ مُضارَبةً وشرَطَ عملَ
صاحبِهِ فَسَدَ(٣) العَقْدُ))، "تاترخانيّة"(٤)، وسيأتي في الباب الآتي متناً(٥) بعضُ هذا.
[٢٨٦٣٧] (قولُهُ: كلُّ شَرطِ إِلخْ) قال "الأكمل": ((شرطُ العملِ على ربِّ المالِ
لا (٦) يُفسِدُها))، وليس بواحدٍ مِمّا ذُكِرَ، والجوابُ: أنَّ الكلامَ في شروطٍ فاسدةٍ بعدَ كونِ
(قولُ "الشّارِحِ": كلُّ شَرطٍ يوجِبُ جَهالةً إلخ) قال في "الهداية": ((كلُّ شرطٍ يُوجِبُ جَهالةً في
الرِّيحِ يُفسِدُهُ؛ لاختلالِ مقصودِهِ، وغيرُ ذلك مِن الشُّروطِ الفاسدةِ لا يُفسِدُها ويَبطُلُ)) اهـ. وقال في
"العناية": ((قيل: شَرْطُ العملِ على ربِّ المالِ لا يُوجِبُ جَهالةً في الرِّيحِ ولا يبطُلُ في نفسِهِ، بل يُفسِدُ
المُضارَبةَ كما سيجيءُ، فلم تكنِ القاعدةُ مُطَّردةً، والجواب: أنَّه قال: وغيرُ ذلك مِن الشُّروط الفاسدةِ
لا يُفسِدُها، وإذا شرَطَ العملَ على ربِّ المالِ فليس بمُضارَيةٍ، وسَلْبُ الشَّيءٍ عن المعدومِ صحيحٌ، يجوزُ
أن يقال: زيدٌّ المعدومُ ليس ببصيرٍ، وقولُهُ بعدَ هذا بخطوطٍ: وشرطُ العملِ على ربِّ المالِ مُفسِدٌ للعَقدِ
معناه: مانعٌ مِن تحفُقِهِ)) اهـ. وقال "سعدي": ((قولُهُ: والجواب: أنَّه قال: وغيرُ ذلك مِن الشُّروط الفاسدةِ
لا يناسبُ هذا المَقامَ وإنْ كان صحيحاً في نفسِهِ)) اهـ؛ وذلك لأنَّ معنى القسمِ الثّاني مِن الأصل هو أنَّ
غيرَ ذلك مِن الشُّروطِ لا يُفسِدُ المُضارَبةَ، بل تبقَى صحيحةٌ.
(قولُهُ: قال "الأكمل": شرطُ العملِ على ربِّ المالِ لا يُفسِدُها) عبارتُهُ: ((لا يُوجِبُ جَهالةً
في الرِّيحِ، ولا يبطُلُ في نفسِهِ، بل يُفسِدُها إلخ)).
(١) الواو ليست في "د" و"و".
(٢) في "ب" و"م": ((وشريكي)).
(٣) في "الأصل" و"ر" و"آ" و"ب": ((نفذ))، وما أثبتناه من "م" هو الصواب، وعبارة "التاترخانية": ((يفسد))، وانظر
"التكملة" - المقولة [٤٥٤٢] قوله: ((وَكونُهُ مسلَّماً إلى المضارِبِ)).
(٤) التاترخانية: كتاب المضاربة - فصل شرائط المضاربة ٣٩٤/١٥.
(٥) صـ٦ ٢٤. "در".
(٦) ((لا)) ليست في "م"، وانظر المنقول عن هامش "م" في التعليق (٣) صـ٢٢٦-، وانظر تقريرات الرافعي هنا.
:. حاشية ابن عابدين
٢٢٦
الجزء الثامن عشر
في الرِّيحِ أو يقطَعُ الشِّرَّكَةَ فيه يُفسِدُها، وإلّ بطَلَ الشَّرطُ وصحَّ العَقْدُ اعتباراً
بالوكالةِ.
(ولو اذَّعَى المُضاربُ فسادَها فالقولُ لربِّ المالِ، وبعكسِهِ فللمُضاربِ)،
الأصلُ: أنَّ القولَ لمدَّعي الصِّحَّةِ في العُقودِ، إلاّ إذا قال ربُّ المالِ: شرَطْتُ لكَ ثُلُثَ
الرِّيحِ إلّ عشرةً، وقال المُضاربُ: الثُّلثَ، فالقولُ لربِّ المالِ ولو فيه فسادُها؛ لأنَّه
يُكِرُ زيادةً يدَّعيها المُضاربُ، "خانيَّة"(١)،.
العَقدِ مُضارَبَةً، وما أُورِدَ لم يكنِ العَقدُ فيه عَقدَ مُضارَبةٍ.
فإن قلتَ: فما معنى قولِهِ: لا(٢) يُفسِدُها؛ إذِ النَّفيُ(٣) يقتضي الثُّبُوتَ؟
قلتُ: سَلْبُ الشَّيءِ عن المعدوم صحيحٌ ك: زيدٌ المعدومُ ليس بِبَصِيرٍ، وسيأتي في
"المتن"(٤): ((أَنَّ مُفسِدٌ))، قال "الشّارِعُ": ((لأَنَّه يَنَعُ النَّخليةَ، فَيَمنَعُ الصِّحَّةَ))، فالأَولَى الجوابُ
بالمَنْعِ، فيقال: لا نُسلِّمُ أنَّه غيرُ مُفسِدٍ، "سائحانيّ"(٥).
[٢٨٦٣٨] (قولُهُ: في الرِّيحِ) كما إذا شرَطَ له نصفَ الرِّيحِ أو ثُّلْتَّهُ بـ ((أو)) التَّرديديّةِ،
س".
[٢٨٦٣٩] (قولُهُ: فيه) كما لو شُرِطَ لأحدِهما دراهمُ مُسمّاةٌ، "س".
[٢٨٦٤٠] (قولُهُ: بطَلَ الشَّرطُ) كشرطِ الخُسرانِ على المُضارِبِ، "س". ق١/٤٨٢
(١) "الخانية": كتاب المضاربة ١٦٤/٣ باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) ((لا)) ليست في "م"، وانظر المنقول عن هامش "م" في التعليق الآتي.
(٣) في "م": ((إذا النفي))، وفي هامشها: ((قولُهُ: (النفي إلخ) المرادُ نفيُ الصِّحَّةِ الذي هو معنى لفظِ (فَسَدَ)، وليس المرادُ
به حرفَ النَّفي كما قد يُتَوَّّمُ فَيُستصوَبَ بقاءُ (لا) في "المحشِّي"، فإنَّ عبارة "الأكمل" ليس فيها حرفُ نفيٍ أصلاً
قبل (يفسد)، وحينئذٍ فلا معنى لقولِ "المحشِّي": (وسيأتي إلخ)، وكذا قولُهُ: فالأولى الجوابُ بالمنع)) اهـ.
(٤) صـ ٦ ٢٤. "در".
(٥) في "٢": (("تاترخانية")) بدل ((سائحاني)).
قسم المعاملات
٢٢٧
كتابُ المضاربة
وما في "الأشباه" فيه اشتباهٌ، فافهَمْ. (ويملِكُ المُضاربُ في المُطلَقةِ) التي لم تُقْيَّدْ
بمكانٍ، أو زمانٍ، أو نوعٍ (البَيعَ) ولو فاسداً (بنَقْدٍ ونَسيئةٍ مُتعارَفةٍ، والشِّراءَ،
[٢٨٦٤١] (قولُهُ: وما في "الأشباه"(١)) مِن قولِهِ: ((القولُ قولُ مُدَّعي الصِّحّةِ إلاّ إذا قال
ربُّ المالِ: شرَطْتُ لكَ الُّلثَ وزيادةَ عشَرةٍ، وقال المُضارِبُ: الثُّلثَ، فالقولُ للمُضارِبِ
كما في "الذَّخيرة"(٢)) اهـ.
[٢٨٦٤٢] (قولُهُ: فيه اشتباهٌ) أي: اشتبَهَ عليه مسألةٌ بأخرى، وهي المذكورةُ هنا؛ لأنَّ التي
ذكَّرَها داخلةٌ تحتَ الأصلِ المذكورِ؛ لأنَّ مَن له القولُ فيها مُدَّعٍ للصِّحَّةِ، فلا يصحُّ استثناؤها،
بخلافِ التى هنا.
[٤٣ ٢٨٦] (قولُهُ: أو نوعٍ) أي: أو شخصٍ كما سيذكُ(٣).
[٢٨٦٤٤] (قولُهُ: ولو فاسداً) يعني: لا يكونُ به مُخالِفاً، فلا يكونُ المالُ خارجاً عن كونِهِ
في يدِهِ أمانةً وإنْ كانت مُباشَرتُهُ العَقْدَ الفاسدَ غيرَ جائزةٍ، وخرَجَ الباطلُ كما في "الأشباه"(٤).
[٢٨٦٤٥] (قولُهُ: بنَقْدٍ ونَسيئةٍ) ولو اختلَفا فيهما فالقولُ للمُضارِبِ في المُضارَيةِ،
وللمُؤكِّلِ في الوكالةِ كما مرَّ متناً في الوكالة(٥).
[٢٨٦٤٦] (قولُهُ: والشّراءَ) الإطلاقُ مُشعِرٌ بجوازٍ تجارتِهِ مع كلِّ أحدٍ، لكنْ في "النّظم"(٦): ((أَنَّه
لا يَتَِّرُ مع امرأتِهِ، وولدِهِ الكبيرِ العاقلِ، ووالدَيهِ عندَه، خلافاً لهما، ولا يشتري مِن عبدِهِ المأذونِ،
وقيل: مِن مُكاتَبِهِ بالاتِّفَاقِ))، "قُّهِستانيّ"(٧).
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد. كتاب المضاربة صـ ٣١٢ ..
(٢) "الذخيرة": كتاب البيوع. الفصل العاشر في الاختلاف الذي يقع بين البائع والمشتري ٢/ق٣٢٥.
(٣) ص٢٣٥. "در".
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد. كتاب المضاربة صـ٣١٢ ..
(٥) ٣٤٤/١٧ "در".
(٦) أي: "نظم الزندويستي" وتقدَّم الكلام عليه ٥٥٤/١.
(٧) "جامع الرموز": كتاب المضاربة ١٤٠/٢ -١٤١، وفيه: ((خلافاً للصاحبين وابن زياد وزفر)).
حاشية ابن عابدين
٢٢٨
الجزء الثامن عشر
(فروعٌ مهمّةٌ)
و(١)له أنْ يَرْهَنَ ويَرَمِنَ لها.
ولو أخَذَ نَخْلاً أو شجَراً مُعامَلةً على أنْ يُفِقَ في تلقيحِها وتأبيرِها (٢) مِن المالِ لم يَزْ عليها.
وإن قال له: اعمَلْ برأيِكَ: فإِنْ رهَنَ شيئاً مِن المُضارَبةِ ضمِنَهُ(٣)، ولو أخَّرَ الثَّمَنَ جازَ على
ربِّ المالِ ولا يضمَنُ، بخلافِ الوكيلِ الخاصِّ، ولو حطَّ بعضَ الثَّمَنِ: إِنْ لعيبٍ (٤) طعَنَ فيه
المشتري وما حَطَّ حصّتَهُ أو أكثرَ يسيراً جازَ، وإنْ كان لا يَتَغابَنُ النّاسُ في الزِّيادةِ يصحُّ ويضمَنُ
ذلك مِن مالِهِ لربِّ المالِ، وكان رأسُ المالِ ما بقِيَ على المشتري.
ويَحْرُ عليهِ وَطْءُ الجاريةِ ولو بإذْنِ ربِّ المالِ، ولو تزوَّجَها بتزويجِ ربِّ المالِ جازَ إنْ لم يكنْ في
المالِ رِئٌّ، وخرَجَتِ الجاريةُ عن المُضارَيةِ، وإنْ كان فيه رِئْحٌ لا يجوزُ.
وليس له أنْ يعمَلَ ما(٥) فيه ضَرَرٌ، ولا ما لا يعمَلُهُ الثَّجَّارُ.
وليس لأحدِ المُضارِبَينِ أَنْ يبيعَ أو يَشتِيَ بغيرِ إذْنِ صاحبِهِ.
ولو اشترى بما لا يَغابَنُ النّاسُ في مثلِهِ يكونُ مُخالِفاً وإنْ قيل له: اعمَلْ برأيِكَ، ولو باعَ بهذه
الصِّفةِ جازَ، خلافاً لهما، كالوكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ، وإذا اشترى بأكثرَ مِن المالِ كانتِ الزَّادُ له.
ولا يضمَنُ بهذا الخَلْطِ الحكميِّ.
(قولُهُ: فإنْ رهَنَ شيئاً مِن المُضارَبةِ) في دَينٍ عليه لا للمُضارَبةِ.
(قولُهُ: ولو حطَّ بعضَ الثَّمَنِ: إِنْ لعَيبٍ) أي: وقد تحقَّقَ بالثُّبُوتِ.
(١) الواو ليست في "ب" و"م".
(٢) في "البحر": ((أو تأبيرها)) بدل ((وتأبيرها)).
(٣) في هامش "": ((قولُهُ: (ضَمِنَهُ) أي: إذا رَهَنَّهُ فيما عليه خاصَّةٌ، وليس المرادُ أنَّه يضمنُهُ إذا رَهَنَهُ فيما على المُضارَيةِ؛
لئلاً ينافيَ صدرَ العبارةِ، ولأنَّه مِن صنيع النُّحَارِ. اهـ "شيخنا". فهو مُؤيِّدٌ لقولِهِم: للمُضارِبِ أَنْ يَرْهَنَ)) اهـ.
(٤) في "ب" و"م": ((إن العيب)).
(٥) في "ب" و"م": ((بما))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ر" و"آ" موافق لعبارة "البحر".
قسم المعاملات
٢٢٩
كتابُ المضارَبة
والتَّوكيلَ بهما، والسَّفَرَ براً وبحراً) ولو دفَعَ له المالَ في بلدِهِ على الظّاهرِ، (والإبضاعَ)
أي: دَفْعَ المالِ بِضاعةٌ (ولو لربِّ المالِ، ولا تفسُدُ به) المُضارَبةُ كما يجيءُ(١)، (و)
يملِكُ(٢) (الإيداعَ، والرّهنَ والارتهانَ، والإِجارةَ والاستئجارَ) فلو استأجَرَ أرضاً بيضاءَ
ليزرَعَها أو يغرِسَها جازَ، "ظهيرِيَّةً"(٣). (والاحتيالَ) أي: قَبُولَ الحوالةِ (بالثَّمَنِ مُطلَقاً)
على الأيسرِ والأعسرٍ؛ لأنَّ كلَّ ذلك مِن صَنيعِ التُّجّارِ. (لا) يمِلِكُ (المُضارَبةَ)،
والشِّرَكَةَ، والخُلْطَ.
ولو كان المالُ دراهمَ فاشترَى بغيرِ الأثمانِ كان لنفسِهِ، وبالدَّنانيرِ للمُضارَبةِ؛ لأنَّمما جنسٌ
هنا، الكلُّ مِن "البحر "(٤).
[٢٨٦٤٧] (قولُهُ: ولا تفسُدُ) لأنَّ حقَّ النَّصرُّفِ للمُضارِبِ.
[٢٨٦٤٨] (قولُهُ: والاستئجارَ) أي: استئجارَ العُمّالِ للأعمالِ، والمَنازِلِ لحفظِ الأموالِ،
والسُّفْنِ والدَّوابِّ.
[٢٨٦٤٩] (قولُهُ: والخَلْطَ بمالِ نَفسِهِ) أي: أو غيرِهِ كما في "البحر"(٥)، إلاّ أنْ تكونَ مُعامَلةُ
التُّجّارِ في تلك البلادِ أنَّ المُضارِبِينَ يَخْلِطُونَ ولا يَهَوَهم، [١٣٣٠٥/٣] فإنْ غَلَبَ التَّعَارُفُ بينَهم
في مثلِهِ وجَبَ أنْ لا يضمَنَ كما في "التّاترخانيّة". وفيها قبلَه: ((والأصلُ أنَّ التَّصِرُّفاتِ
في المُضارَبةِ ثلاثةُ أقسامٍ:
(قولُ "الشَّارِحِ": فلو استأجرَ أرضاً بيضاءَ ليزرَعَها إلخ) قال "الرَّحِمِيُّ": ((كأنَّ هذا في عُزْفِهم
أنَّه صَنِيعُ التُّجّارِ، وَفِي عُرْفِنا ليس مِنه، فينبغي أنْ لا يَلِكَهُ)) اهـ.
(قولُهُ: لِأَنَّ حقَّ الَّصرُّفِ للمُضارِبِ) فصلَحَ ربُّ المالِ أنْ يكونَ وكيلاً عنه فيه.
(١) صـ ٦ ٢٥- "در".
(٢) ((يملك)) من المتن في "و".
(٣) "الظهيرية": كتاب المضاربة . الفصل الثاني ثيما يملكه المضارب من التصرفات ق ٢٤١/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب المضاربة ٢٦٤/٧. ٢٦٥ باختصار.
(٥) "البحر": كتاب المضاربة ٢٦٤/٧.
حاشية ابن عابدين
٢٣٠
الجزء الثامن عشر
بمالٍ نَفسِهِ
قسمٌ هو مِن بابِ المُضارَبةِ وتوابعِها، فيملِكُهُ مِن غيرِ أنْ يقول له: اعمَلْ ما بدا لكَ،
كالتَّوكيلِ بِالْبَيعِ والشّراءِ والرَّهْنِ والارتهانِ والاستئجارِ والإيداعِ والإبضاعِ والمُسافَرَةِ.
وقسمٌ لا يُلَكُ بِمُطلَقِ العَقْدِ، بل إذا قيل: اعمَلْ برأيِكَ، كدَفْعِ المالِ إلى غيرِهِ مُضارَبةً
أو شِرَكةً، أو خَلْطِ مالها بمالِهِ، أو بمالٍ غيرِهِ.
وقسمٌ لا يُلَكُ بِمُطلَقِ العَقدِ، ولا بقولِهِ: اعمَلِ برأيِكَ إلاّ أنْ يَنُصَّ عليه، وهو ما ليس
بُضارَبَةٍ ولا يَحتمِلُ أنْ يُلحَقَ بها كالاستدانةِ عليها)) أهـ ملتَّصاً.
[٢٨٦٥٠] (قولُهُ: بمالِ نَفْسِهِ) وكذا بمالٍ غيرِهِ كما في "البحر"(١). وهذا إذا لم يغلِبِ التَّعَارُفُ
بين التُّحَّارِ في مثلِهِ كما في "التّاترخانيّة". وفيها مِن الثّامنَ عشَرَ: ((دفَعَ إلى رجلٍ ألفاً بالنِّصفِ
ثُمَّ ألفاً أُخرى كذلك، فخلَطَ المُضارِبُ المالَينِ فهو على ثلاثةِ أَوْجٍُ: إمّا أنْ يقول(٢) المالكُ في كلّ
مِن المُضاربتَينِ: اعمَلْ برأيِكَ، أو لم يقل فيهما، أو قال في إحداهما فقط، وعلى كلِّ فإمّا أنْ يكونَ
قبلَ الرِّيحِ في المالَينِ، أو بعدَه فيهما، أو في أحدِهما.
ففي الوجهِ الأَوَّلِ لا يضمَنُ مُطلَقاً، وفي الثّاني إنْ خَلَطَ قبلَ الرِّيحِ فيهما فلا ضمانَ أيضاً،
وإنْ بعدَه فيهما ضمِنَ المالَينِ وحصّةَ ربِّ المالِ مِن الرِّيحِ قبلَ الخَلْطِ، وإنْ بعدَ الرِّيحِ
في أحدِهما فقط ضمِنَ الذي لا رِئْحَ فيه، وفي الثّالث إمّا أنْ يكونَ قولُهُ: اعمَلْ برأيكَ في الأُولى،
٤٨٥/٤
(قولُهُ: وفي الثّالثِ إمّا أنْ يكونَ إلخ) في هذه العبارة سَقطٌ لم يُعلَمْ، ثُمَّ رَأيُهُ في "الهنديّة" أوضَحَ هذه
المسألةَ، ونصُّهُ: ((فإِنْ قال له: اعمَلْ برأيِكَ في المُضارَبةِ الأُولى ولم يقل له ذلك في الثّانيةِ، فخلَطَ مالَ المُضارَيَّةِ
الأُولى بالثّانيةِ فالمسألةُ لا تَخُلُو عن أربعةِ أوجهٍ: إمّا أنْ خَلَطَ أحدَ المالَينِ بالآخَرِ قبلَ أنْ يُربَحَ في أحدِ المالَينِ،
أو بعدَما ربحَ في المالَينِ، أو بعدَما ربحَ في مالِ الأُولى ولم يَرَحْ في مالِ الثّانيةِ، أو بعدَما ربحَ في مالِ الثّانيةِ
ولم يَح في مالِ الأُولى.
(١) "البحر": كتاب المضاربة ٢٦٤/٧.
(٢) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((إن قال)).
قسم المعاملات
٢٣١
كتابُ المُضارَبةِ
(إلّ بإذْنٍ، أو: اعمَلْ برأيِكَ)؛ إذِ الشَّيءُ.
أو يكونَ في الثّانيةِ، وكلٌّ على أربعةٍ أوجهٍ: إمّا أنْ يَخْلِطَهما قبلَ الرِّيحِ فيهما، أو بعدَه في الأُولى
فقط، أو بعدَه في الثّانيةِ(١) فقط، أو بعدَه فيهما قبلَ الرِّيحِ فيهما، أو بعده(٢) في الثّانيةِ، فإنْ
قال في الأُولى لا يضمَنُ الأَوَّلَ ولا الثّانيَ فيما لو خلَطَ قبلَ الرِّيحِ فيهما)) اهـ.
[٢٨٦٥١] (قولُهُ: إذِ الشَّيءٌ) علّةٌ لكونِهِ لا يَلِكُ المُضارَبةَ، ويلزَمُ مِنها نفيُ الأخيرَيَنِ؛
لأَنَّ الشِّرَكَةَ والخَلْطَ أعلى مِن المُضارَبةِ؛ لأَنَّما شِرَكةٌ في أصلِ المالِ.
وفي وجهَينِ مِنها يضمَنُ مالَ الثّانيةِ الذي لم يقل له ربُّ المالِ: اعمَلْ فيه برأيِكَ:
أحدُهما: إذا خلَطَ أحدَ المالَينِ بالآخَرِ بعدَما ربحَ في المالَينِ. والوجهُ الثّاني: إذا خلَطَ أُحدَهما
بالآخَرِ وقد ربحَ في مالِ الأُولى الذي قال له فيها: اعمَلْ فيه برأيكَ لا يضمّنُ مالَ الأُولى، ويضمَنُ مالَ
الثّانيةِ.
وفي وجهَينِ مِنها لا يضمَنُ لا مالَ الأُولى ولا مالَ الثّانيةِ:
أحدُهما: إذا خلَطَ أحدَ المالَينِ بالآخَرِ قبل أنْ يربَحَ في واحدٍ مِنهما. وكذلك إِنْ ربحَ في مالِ الثّانيةِ
الذي لم يقلّ له فيها: اعمَلْ فيهِ برأيِكَ ولم يربَحْ في مالِ الأُولى الذي قال له فيها: اعمَلْ فيه برأيِكَ، وهو
الوجهُ الثّاني.
فإِنْ قال له في المُضارَيةِ الثّانيةِ: اعمَلْ برأيِكَ ولم يقل ذلك في الأُولى فالمسألةُ لا تَخْلُو عن أربعة أوجهٍ
أيضاً على ما بَّا، وفي الوجهَينِ مِنها - وهما إذا خلَطَ أحدَ المالَينِ بالآخَرِ بعدَ ما ربحَ في المالَينِ، أو في مالٍ
الثّانيةِ الذي قال له فيه: اعمَلْ برأيِكَ ولم يربَحْ في مالِ الأُولى الذي لم يقل له فيه: اعمَلْ برأيِكَ. يضمَنُ مالَ
الأُولى ولا يضمَنُ مالَ الثّانيةِ، وفي الوجهَينِ مِنها - وهما إذا خلَطَ أحدَ المالَينِ بالآخَرِ قبلَ أنْ يُربَحَ في
المالَيْنِ، أو ربحَ في مالِ الأُولى ولم يربَحْ في مالٍ، الثّانيةِ. فإنّه لا يضمَنُ شيئاً لا مالَ الأُولى، ولا مالَ الثّانيةِ،
كذا في "المحيط")).
(١) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((الثاني)).
(٢) في "الأصل" و"ر": ((وبعده)).
حاشية ابن عابدين
٢٣٢
الجزء الثامن عشر
لا يتضمَّنُ مثلَهُ، (و) لا (الإقراضَ، والاستدانةَ وإنْ قيلَ له ذلك) أي: اعمَلْ برأيِكَ؛
لأنَّما ليسا مِن صَنيعِ التّحّارِ، فلم يدخُلا في التَّعميمِ (ما لم يَنُصَّ) المالكُ (عليهما)
قیملِگھما،
[٢٨٦٥٢] (قولُهُ: لا يتضمَّنُ مثلَهُ) لا يَرِدُ على هذا المُستعيرُ والمُكاتَبُ، فإنَّ(١) له
الإعارةَ والكتابةَ؛ لأنَّ الكلامَ في النَّصُّفِ نيابةً، وهما يتصرَّفانِ بحكمِ المالِكِيَّةِ لا النِّابةِ؛ إذِ
المُستعيرُ ملَكَ المنفعةَ، والمُكاتَبُ صارَ حرّاً يداً، والمُضارِبُ يعمَلُ بطريقِ النِّابةِ، فلا بدَّ مِن
التَّنصيصِ عليه، أو النَّفويضِ المُطلَقِ إليه كما في "الكفاية"(٢).
[٢٨٦٥٣] (قولُهُ: ولا الإقراضَ) ولا أنْ يأخُذَ سُفْتَجةً، "بحر "(٣). أي: لأنَّه استدانةٌ،
وكذلك لا يُعطي سُفْتَجةً؛ لأنَّه قَرْضٌ، "ط "(٤) عن "الشِّلِيِّ"(٥).
[٢٨٦٥٤] (قولُهُ: والاستدانةَ) كما إذا اشترى سِلْعةً بَثَمَنٍ دَينٍ وليس عندَه مِن مالٍ
المُضارَبةِ شيءٌ مِن جنسٍ ذلك الثَّمَنِ، فلو كان عندَه مِن جنسِه كان شراءً على المُضارَيةِ،
ولم يكن مِن الاستدانةِ في شيءٍ كما في "شرح الطَّحاويّ"، "قهستانيّ"(٦). والظّاهرُ أنَّ ما
عندَه إذا لم يُوَفِّ فما زادَ عليه استدانةٌ، وقدَّمنا(٧) عن "البحر": ((إذا اشترى بأكثرَ مِن
المالِ كانتِ الزّيادةُ له، ولا يضمَنُ بهذا الخَلْطِ الحكميِّ))، وفي "البدائع"(٨): ((كما لا تجوزُ (٩)
(١) في "ر": ((فإنه)).
(٢) "الكفاية": كتاب المضاربة ٤٢٢/٧ (ذيل "تكملة فتح القدير").
(٣) "البحر": كتاب المضاربة ٢٦٥/٧، نقلاً عن "الظهيرية".
(٤) "ط": كتاب المضاربة ٣٦٥/٣ بتصرف.
(٥) "حاشية الشلبي على التبيين": كتاب المضاربة ٥٨/٥ (هامش "تبيين الحقائق").
(٦) "جامع الرموز": كتاب المضاربة ١٤١/٢.
(٧) المقولة [٢٨٦٤٦] قوله: ((والشِّراءَ)).
(٨) "البدائع": كتاب المضاربة . فصلّ: وأما بيان حكم المضاربة ٩١/٦ باختصار.
(٩) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((لا يجوز)) بالمثناة التحتية.
قسم المعاملات
٢٣٣
كتابُ المضارَبة
وإن (١) استدانَ كانتْ شِركَةَ وُجوهٍ، وحينَئذٍ (فلو اشترى بمالِ المُضارَبةِ ثَوباً وقصّرَ
بالماءِ، أو حَمَلَ) متاعَ المُضارَبةِ (بمالِهِ و(٢)) قد (قيل له.
الاستدانةُ على مالِ المُضارَبةِ لا تجوزُ على إصلاحِهِ، فلو اشترى بجميع مالها ثياباً ثُمَّ استأجَرَ على
حَمْلِها أو قَصْرِها أو فَتْلِها كان مُتطوِّعاً عاقداً لنفسِهِ))، "ط" (٣) عن "الشِّلِيِّ"(٤)، وهذا ما ذَكَرَهُ
"المصنِّفُ " بقولِهِ: ((فلو شرَى بمالِ المُضارَبةِ ثَوباً إلخ))، فأشارَ بالتَّفريعِ إلى الحكميِّ(٥).
[٢٨٦٥٥] (قولُهُ: وإن (٦) استدانَ) أي: بالإِذْنِ، وما اشترى بينَهما نصفانٍ، وكذا الدَّينُ
عليهما، ولا يتغيَّرُ مُوجَبُ المُضارَبةِ، فرِبْحُ ماِها (٧) على ما شُرِطَ، "قهستانيّ"(٨).
وقال "السّائحانيّ": ((أقول: شِرَكةُ الوُجوهِ هي: أنْ يتَّفِقا على الشِّراءِ نسيئةً والمشترى
عليهما أثلاثاً أو أنصافاً، والرِّيحُ(٩) يَتَبَعُ هذا الشَّرطَ، ولو جعَلَاهُ مُخالِفاً ولم يُوجَدْ ما ذُكِرَ فيظهَرُ
لي أنْ يكونَ المشترى بالدَّينِ للآمرِ لو المشترى مُعيَّناً، أو مجهولاً جَهالةَ نوعٍ وَسَّى ثَنَّهُ،
أو جَهالةً جنسٍ وقد قيل له: اشتَرِ ما تَّخْتارُهُ، وإلاّ فللمشتري كما تقدَّمَ(١٠) في الوكالةِ، لكنَّ
ظاهرَ المتون: أنَّه لربِّ المالِ، ورِبْحُهُ على حسَبِ الشَّرطِ، وَيُغتَفَرُ في الضِّمْنِيِّ ما لا يُغْتَفَرُ
في الصَّرِيحِ)) اهـ.
[٢٨٦٥٦] (قولُهُ: بمالِهِ) متعلّقٌ بكلٌّ مِن ((قصَرَ)) و((حمَلَ)).
(١) في "د": ((وإذا)).
(٢) الواو من الشرح في "و".
(٣) "ط": كتاب المضاربة ٣٦٥/٣ باختصار.
(٤) "حاشية الشلبي على التبيين": كتاب المضاربة . باب المضارب يضارب ٧٢/٥ (هامش "تبيين الحقائق").
(٥) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((الحكمين))، وهو تحريف.
(٦) في "ر" و"آ": ((وإذا))، وهي موافقة لنسخة "د" من "الدر".
(٧) في النسخ جميعها: ((مالهِما))، وما أثبتناه من القهستاني، ومرجع الضمير في ((مالها)) المضاربة.
(٨) "جامع الرموز": كتاب المضاربة ١٤١/٢، وفيه: ((على ما شرطا)).
(٩) في "ب" و"م": ((قال: والربح)) بزيادة ((قال)).
(١٠) ٣٢١/١٧ "در".
· حاشية ابن عابدين
٢٣٤
الجزء الثامن عشر
ذلك فهو متطوٌِّ)؛ لأنَّه لا يملِكُ الاستدانةَ بهذه المقالةِ، وإنَّما قال: بالماءِ لأَنَّه لو
قصَرَ(١) بالنَّشاءِ فحُكمُهُ كَصَبْغٍ، (وإِنْ صِبَغَهُ أحمرَ فشريكٌ بما زادَ) الصِّبغُ، ودخَلَ في:
اعمَلْ برأيِكَ كالخلطِ، (و) كان (له(٢) حِصَّةُ) قيمةِ (صِبغِهِ إِنْ بِيعَ، وحِصَّةُ الثَّبِ)
أبيضَ (في مالها)، ولو لم يقُلْ: اعمَلْ برأيِكَ لم يكُنْ شريكاً بل غاصباً. وإنَّما قال:
((أحمرَ)) لِما مَّ(٣) أنَّ السَّوادَ نقصٌّ عندَ "الإمام"، فلا يدخُلُ في: اعمَلْ برأيِكَ،
"بحر "(٤) ..
[٢٨٦٥٧] (قولُهُ: ذلك) أي: اعمَلْ برأيِكَ.
[٢٨٦٥٨] (قولُهُ: بهذه المقالةِ) وهي: اعمَلْ برأيِكَ. قلتُ: والمرادُ بـ ((الاستدانة)) نحوُ
ما قدَّمناهُ(٥) عن "القهستانيّ"، فهذا يملِكُهُ إذا نصَّ، أمّا لو استدانَ نُقُوداً فالظّاهرُ أنَّه لا يصحُّ؛
لأَنَّ توكيلٌ بالاستقراضِ، وهو باطلٌ كما مرَّ(٦) في الوكالة.
وفي "الخانيّة"(٧) مِن فصلِ شِرَكةِ العِنانِ: ((ولا يَلِكُ الاستدانةَ على صاحبِهِ، ويَرجِعُ
المُقرِضُ عليه، لا على صاحبِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ بالاستدانةِ توكيلٌ بالاستقراضِ، وهو باطلّ؛
لأَنَّه توكيلٌ بالتَّكَدّي، إلّ أنْ يقولَ الوكيلُ للمُقرِضِ: إِنَّ فلاناً يَستقرِضُ مِنكَ كذا، فحينئذٍ
يكونُ على المُؤَكِّلِ لا الوكيلِ)) اهـ، أي: لأنَّه رسالةٌ لا وكالةٌ، والظّاهرُ أنَّ المُضارَبةَ كذلك كما
قلنا. ق٤٨٢/ب
(١) في "د": ((قصره)).
(٢) ((له)) من الشرح في "و".
(٣) ٠٣٩٩/١٢ ٤٠٠ "در"، وانظر المقولة [١٩٤١٦] قوله: ((خلافاً ل"الثاني")).
(٤) "البحر": كتاب المضاربة. باب المضارب يضارب. فصل: ولا تفسد المضاربة بدفع المال إلخ ٢٧١/٧ بتصرف.
(٥) المقولة [٢٨٦٥٥] قوله: ((وإن استدانَ)).
(٦) ٣٠٤/١٧ "در".
(٧) "الخانية": كتاب الشركة . فصل في شركة العنان ٦١٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").