النص المفهرس
صفحات 541-560
الجزء السابع عشر
٥٣٣
فصل في دفع الدعاوى
وبَرهَنَ عليه، وزَعَمَ ذو اليدِ أنَّ هذا الغائبَ أَودَعَهُ عندَهُ اندَفَعَتْ)؛ لَتَوافُقِهِما أنَّ اليدَ
لذلك الرَّجلِ، (ولو كان مَكانَ دَعوى الغَصبِ دَعوی سَرِقةٍ لا) .
[٢٧٨٨٥] (قولُهُ: اندَفَعَتْ) أي: بلا بِّنةٍ، "نور العين"(١).
[٢٧٨٨٦] (قولُهُ: دَعوى سَرِقةٍ لا) وهذا بخلافِ قولِهِ: إِنَّه ثَوْبِي سَرَقَهُ مِنّي زيدٌ، وقال
ذو اليدِ: أَوْدَعَنِيهِ زيدٌ ذلك لا تَندَفِعُ الْخُصُومَةُ استحساناً.
يقولُ الحقير: لعلَّ وَجْهَ الاستحسانِ هو أنَّ الغَصْبَ إزالةُ اليدِ الْمُحِقَّةِ بإثباتِ اليدِ المُبطِلةِ
كما ذُكِرَ فِي كُتُبِ الفِقْهِ، فاليدُ للغاصبِ في مسألةِ الغَصْبِ، بخلافِ مسألةِ السَّرِقَةِ؛ إذِ اليدُ فيها
الذي اليدِ؛ إذْ لا يدَ للسّارقِ شَرعاً. ثُمَّ إِنَّ عبارةَ: لا يدَ(٢) للسّارق نُكْتَةٌ لا يَخَفَى حُسْنُها على
ذَوِي النَّهَى، "نور العين"(٣). وهذا أَولى، وما (٤) قالَهُ "السّائحانيُّ" يَجِبُ حَمْلُهُ على ما إذا قال:
سُرِقَ مِنِّي، أمّا لو قال: سَرَقَهُ الغائبُ مِنِّي فَإِنَّها تَندَفِعُ؛ لتَوافُقِهما أنَّ اليدَ للغائبِ، وصار مِن
قَبِيلِ دَعوى الفِعلِ على غيرِ ذي اليدِ وهي تَندَفِعُ كما في "البحر"(٥)، لكنْ ذَكَرَ بعدَهُ هذه
المسألةَ، وأَفادَ: ((أَنّهَا مَبْيَّةٌ(٦) للفاعلِ))، وصَرَّحَ بذلك في "الفصولينِ"(٧)، فلعلَّ في المسألةِ
قولَينِ: قياساً واستحساناً اهـ.
(قولُهُ: وهذا بخلافِ قولِهِ إلخ) حَقُّهُ التّعبيرُ بـ: أي النَّفسيريَّةِ.
(قولُهُ: لعلَّ وَجْهَ الاستحسانِ هو أنَّ الغَصْبَ إزالةُ اليدِ إلخ) وجَعَلَ "السِّنديُّ" وَجْهَهُ دَفْعَ فَسادٍ
السُّرَّقِ؛ إذ الضَّرُورةُ فيه أَعظَمُ مِن غيرِها؛ لأَنَّها تكونُ خَفِيَّةً، ولذا شُرِعَ فيها الحَدُّ، وإلّ فقد تَوافَقًا أنَّ
اليدَ لذلك الرَّجلِ اهـ. وهذا أَظهَرُ مِمّا في "المحشِّيّ".
(١) "نور العين": الفصل العاشر في التناقض في الدعاوي ق ٣٩/ب.
(٢) في "م": ((لا بد)) بالباء الموحدة، وهو خطأ طباعيّ.
(٣) "نور العين": الفصل العاشر في التناقض في الدعاوي - مسائل الدفع وعدمه ق٣٩/ب نقلاً عن "ذ"، أي: "الذخيرة البرهانية".
(٤) في "ر" و"آ": ((مما)).
(٥) "البحر": كتاب الدعوى - باب التحالف - فصل في دفع الدعوى ٢٣٢/٧.
(٦) في "ب" و"م": ((يُنِيت)).
(٧) "جامع الفصولين": الفصل العاشر في التناقض في الدعاوى وفي دعاوى الدفع إلخ ٩٨/١.
٥٣٤
قسم المعاملات
حاشية ابن عابدين
تَندَفِعُ بزَعْمٍ ذي اليدِ إيداعَ ذلك الغائبِ استحساناً، "بزّازِيَّة"(١). وفي " شرح
الوهبانيَّة" لـ "الشُّرُ نبلاليّ": ((لو اتَّفَقا على المِلْكِ لزيدٍ وكلٌّ يَدَّعِي الإِجارةَ مِنه
لم يكُنِ الثّاني خَصْماً للأوَّلِ على الصَّحيحِ، ولا لِمُدَّعي رَهْنٍ أو شِراءٍ، أمّا
المشتري فخَصْمٌ للكلِّ(٢))).
[٢٧٨٨٧] (قولُهُ: لا تَندَفِعُ) قال "صاحبُ البحر"(٣): ((وقد سُئِلْتُ بعدَ تأليفِ هذا
المَحَلِّ بيومٍ عن رجلٍ أَخَذَ مَتَاعَ أختِهِ مِن بيتِها ورَهَنَهُ وغابَ، فَادَّعَتِ الأختُ به على ذي
اليدِ فَأَجابَ بِالرَّهْنِ؟
فَأَجَبْتُ: إن ادَّعَتِ المرأةُ غَصْبَ أخيها وبَرِهَنَ ذو اليدِ على الرَّهْنِ اندَفَعَتْ، وإن
ادَّعَتِ السَّرِقةً لا)) اهـ، أي: لا تَندَفِعُ.
وظاهرُهُ: أَنَّها ادَّعَتْ سَرِقَةَ أخيها، مع أَنّا قَدَّمنا عنه(٤): ((أنَّ تَقييدَ دَعوى الفِعلِ على
ذي اليدِ للاحترازِ عن دَعواهُ على غيرِهِ، فإنَّه لو دَفَعَهُ ذو اليدِ بِواحِدٍ(٥) مِمّا ذُكِرَ وبَرهَنَ
تَندَفِعُ، فَيَحِبُ أنْ يُحمَلَ على أنَّها ادَّعَتْ أَنَّه سُرِقَ مِنها - مَبنِيّاً للمَجهُولِ - ليكونَ الدَّعوى
على ذي اليدِ، لكنْ يُنافِيهِ قولُها: إنَّ أخاها أَخَذَهُ مِن بيتِها))، تأمَّلْ.
(قولُهُ: وظاهرُهُ: أَنَّها ادَّعَتْ سَرِقَةَ أخيها إلخ) فيما قالَهُ هنا مُخالَفةٌ لِما في "المتنِ" ولِمَا قَدَّمَهُ،
ومُوافَقَةٌ لِمَا قَالَهُ "السّائِحانيُّ".
(١) "البزازية": كتاب الدعوى - الفصل الخامس عشر في بقية مسائل الدفع والتناقض إلخ ٣٩١/٥ بتصرف، نقلاً عن
"الذخيرة" (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في هامش "الأصل" هنا: ((مطلبٌ: المشتري خصمٌ للكلّ)).
(٣) "البحر": كتاب الدعوى - باب التحالف - فصل في دفع الدعوى ٢٣٣/٧.
(٤) المقولة [٢٧٨٦٨] قوله: ((بل ادَّعَى عليه)).
(٥) في "الأصل" و"ب" و"م": ((لواحدٍ)) باللام أوَّلَه.
الجزء السابع عشر
٥٣٥
فصل في دفع الدعاوى
(فروعٌ)
قال المُدَّعَى عليه: لي دَفْعٌ يُمهَلُ إلى الَجلِسِ الثّاني، "صغرى".
للمُدَّعي تَحْلِيفُ مُدَّعي الإيداعِ على الْبَناتِ، "دُرَرَ"(١).
[٢٧٨٨٨] (قولُهُ: يُمْهَلُ إلى الَجلِسِ الثّاني) أي: بعدَ أنْ سَأَلَهُ عنه وعَلِمَ أَنَّه دَفْعٌ صحيحٌ
كما قَدَّمناهُ(٢) قبلَ الَّحکیمِ.
[٢٧٨٨٩) (قولُهُ: للمُدَّعي تَحْليفُ إلخ) خلافاً لِما في "الذَّخيرةِ"؛ لأَنَّه مُدَّعي(٣) الإيداعَ،
ولا حَلِفَ على المُدَّعي، "ح"(٤). كذا في الهامش.
(فروعٌ)
في الهامش(٥): ((ادَّعَى نكاحَ امرأةٍ لها زَوجٌ يُشْتَرَطُ حَضْرةُ الزَّوجِ الظّهرِ، "جامع الفصولينِ"(٦).
(قولُهُ: أي: بعدَ أنْ سَأَلَهُ عنه إلخ) وفي الفصلِ الثاني عشرَ مِن "الأُسْتُرُوشَّة": ((وفي "الذَّخيرة"
و "الفتاوى الصُّغْرى": إذا قال المُدَّعَى عليه: لي دَفْعٌ يُمْهِلُهُ القاضي إلى الَمَجلِسِ الثّاني))، وذَكَرَ في
الأَقْضِيَةِ: ((أَنَّ لا يُمْهِلُهُ على وَجْهٍ يَبطُلُ به حَقُّ المُدَّعي، وإِنَّمَا يُمْهِلُهُ ثلاثةَ أيّامٍ وَمَا أَشِبَهَ ذلك)). في
"الذَّخيرة ": ((المُدَّعَى عليه إذا ادَّعَى البَراءَةَ مِن دَعوى الحَقِّ، وقال: لي بيّةٌ حاضرةٌ في المِصرِ فإنّه يُؤْجَّلُ
ثلاثةَ أيّامٍ))، وذَكَرَ "رشيدُ الدِّينِ" في "فَتناواهُ": ((إذا قال المُدَّعَى عليه: لي دَفْعٌ، ولم يُبَيِّنْ وَجْهَهُ لا يَلْتَفِتُ
القاضي إليه ويَقضي عليه، وإِنْ بَيَّنَ وَجْهَ الدَّفْعِ لكنْ قال: بيِّنتي غائبةٌ عن البلدِ فكذلك الجوابُ، وكذا
إِنْ بَّنَ وَجْهَ الدَّفْعِ الفاسدَ فالجوابُ كذلك، ولو كان الدَّفْعُ صحيحاً وقال: بَيِّني حاضرةٌ في المِصرِ يُمْهِلُهُ
إلى الَجلِسِ الثّاني)) اهـ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الدعوى - فصل فيمن يكون خصماً ومن لا يكون ٣٤٤/٢ بتصرف، نقلاً عن "الكافي".
(٢) المقولة [٢٦٤٤٠] قوله: ((وإذا استمهَلَ المُدَّعي)).
(٣) في "٢" و"ب" و"م": ((يدَّعي))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ر" موافقٌ لما في "ح".
(٤) "ح": كتاب الدعوى - باب التحالف - فصل في الدعاوى ق٣٢٣/ب بتصرف، نقلاً عن "البحر" عن "البزازية".
(٥) ((في الهامش)) من "ر".
(٦) "جامع الفصولين": الفصل الثالث فيمن يصلح خصماً لغيره ومن لا يصلح ٢٩/١.
٥٣٦
حاشیة ابن عابدين
قسم المعاملات
وله(١) تَحْلِيفُ المُدَّعي على العِلْمِ، وتمامُهُ في "البزّازِيَّة"(٢). وَكَّلَ بَنَقْلِ أَمَتِهِ فَبَرهَنَتْ
أَنَّه أَعتَقَها قُبِلَ للدَّفْعِ لا للعِثْقِ ما لم يَحضُرِ المَوْلِى، "ابن مَلَكٍ".
السَّبَاهِيُّ لا يَنتَصِبُ خَصْماً لِمُدَّعي الأرضِ مِلْكاً أو وَقْفاً، "خيريَّةٍ"(٣) مِن الدَّعوى.
الأصلُ(٤) سُقُوطُ دَعوى المِلكِ الْمُطلَقِ دُونَ الْمُقْيَّدِ بسببٍ، "درّ منتقى)"(٥).
المشتري ليس بَخَصْمٍ للمُستأجِرِ والْمُرْتَهِنِ، "جامع الفصولينِ" (٦) في الفصلِ الثّالثِ)). [٣/ ق ١/٢٨٩]
(قولُهُ: المشتري ليس بَخَصْمٍ للمُستأجِرِ والمرْتَهِنِ) هذا قولٌ آخَرُ مُقابِلٌ لِما في "الشّارحِ".
(١) أي: ولمدَّعي الإيداع.
(٢) انظر "البزازية": كتاب الدعوى - الفصل الخامس عشر في بقية مسائل الدفع والتناقض الخ ٣٨٩/٥ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب الدعوى ٦١/٢.
(٤) في "الأصل": ((إن الأصل)).
(٥) "الدر المنتقى": كتاب الدعوى - باب التحالف - فصل في دفع الدعاوى ٢٧٢/٢ (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) "جامع الفصولين": الفصل الثالث فيمن يصلح خصماً لغيره ومن لا يصلح ٢٧/١ نقلاً عن القاضي ظهير الدين المحتسب.
الجزء السابع عشر
٥٣٧
باب دعوی الرجلین
﴿بابُ دَعْوى الرَّجُلين﴾
(ُقدَّمُ حُجَّةُ خارجٍ.
﴿بابُ دَعْوى الرَّجُلين﴾
لا يَخْفَى عليكَ أنَّ عَقْدَ البابِ لدَعْوى الرَّجُلَينِ على ثالثٍ، وإلاّ فجميعُ الدَّعاوى
لا تكونُ إلّ بينَ اثْنَينِ، وحينئذٍ لا تكونُ هذه المسألةُ مِن مسائلِ هذا الكتابِ، فلذلك ذَكَرَهُ
"صاحبُ الهداية"(١) و"الكنز"(٢) في أوائلِ كتابِ الدَّعْوى.
٤٣٦/٤
و(٣) قلتُ: ولعلَّ "صاحبَ الدُّرَرِ" (٤) إِنَّمَا أَخَّرَها إلى هذا المَقامِ مُقْتِياً في ذلك أثَّرَ
"صاحبِ الوقاية"(٥)؛ لتَحَقُّقِ مُناسَبةٍ بينَها وبينَ مسائلِ هذا البابِ بحيثُ تكونُ فاتحةً لمسائلِهِ
وإنْ لم تكنْ مِنه، "عزمي".
[٢٧٨٩٠] (قولُهُ: حُجَّةُ خارجٍ) الخارجُ وذو اليدِ لو ادَّعَيا إرْتاً مِن واحدٍ فذو اليدِ أَولى
﴿بابُ دَعْوى الرَّجُلین)
(قولُهُ: لا يَخْفَى عليكَ أنَّ عَقْدَ البابِ لدَعْوَى الرَّجُلَينِ على ثالثٍ إلخ) لا يَخِفَى ما فيه، فإنَّ
مسائلَ هذا البابِ تَشمَلُ ما إذا كانَت الدَّعْوى مِن كلِّ على الآخَرِ. نَعَمْ لو ادَّعَى أحدُهما واقتَصَرَ الآخَرُ
في جوابِهِ على الإنکارِ لا تکونُ مِن مسائِلِهِ.
(قولُهُ: فذو اليدِ أَولى إلخ) هكذا في "الفصولين"، وعَزا "الأُسْتْرُوشِيُّ" مسألةَ الإِرْثِ لـ "رشيدِ
الدِّينِ"، والَذكُورُ في "الهداية" مسألةُ الشِّراءِ فقط. وفيه: أَنَّه مع كَونِ المُورِّثِ واحداً إذا أَتْبَتَ كلٌّ مِنهما
وِراثَتَهُ له مع استوائهما يُقضَى بالمُدَّعَى لهما لا لواضِعِ اليدِ، وإنْ كان أحدُهما مُقَدَّماً يُقضَى له.
(١) انظر "الهداية": ١٥٧/٣.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": ١٤٣/٢.
(٣) الواو ليست في "ب" و"م".
(٤) انظر "الدرر والغرر": ٣٤٤/٢.
(٥) انظر "شرح الوقاية": ١١٣/٢ (هامش "كشف الحقائق").
حاشية ابن عابدين
٥٣٨
قسم المعاملات
في مِلْكٍ مُطَلَقٍ)
كما في الشِّراءِ، هذا إذا ادَّعَى الخارجُ وذو اليدِ تَلَقِّيَ الِلْكِ مِن جهةٍ واحدٍ، فلو ادَّعَيا مِن
جهةِ اثْنَينِ يُحكَمُ للخارجِ إلّ إذا سَبَقَ تاريخُ ذي اليدِ، بخلاف ما لو ادَّعَيَاهُ مِن واحدٍ، فإِنَّه
ثَمَّةَ يُقضَى لذي اليدِ إلاّ إذا سَبَقَ تاريخُ الخارجِ، والفَرْقُ في "الهداية"(١).
ولو كان تاريخُ أحدِهما أَسبَقَ فهو أَولى، كما لو حَضَرَ البائعانِ وَبَرِهَنا وَأَرَّخا
وأحدُهما أَسبَقُ تاريخاً والَبيعُ في يدِ أحدِهما يُحكَمُ للأَسبَقِ. اهـ "فصولين"(٢) مِن الّامنِ،
وتمامُهُ فیه.
(٢٧٨٩١] (قولُهُ: في مِلْكٍ مُطلَقٍ) لأنَّ الخارجَ هو المُدَّعي والبِّئَةُ بيّةُ المُدَّعي بالحديثِ.
قَيَّدَ الِلْكَ بِالمطلَقِ احترازاً عن المُقَيَّدِ بِدَعْوى النّاجِ، وعن المُقَيَّدِ بها إذا ادَّعَيَا تَقِّيَ الِلْكِ مِن
واحدٍ وأحدُهما قابضٌ، وبما إذا ادَّعَيا الشِّراءَ مِن اثْنَينِ وتاريخُ أحدِهما أَسبَقُ، فإنَّ في هذه
الصُّوَرِ(٣) تُقبَلُ بيِّنَةُ ذي اليدِ بالإجماعِ كما سيأتي، "دُرر"(٤).
(فرعٌ)
في الهامش: ((إذا بَرَهَنَ الخارجُ وذو اليدِ على نَسَبٍ صغيرٍ قُدِّمَ ذو اليدِ إلّ في مسألتينِ في "الخزانة":
الأُولى: لو بَرِهَنَ الخارجُ على أَنَّه ابنُهُ مِن امرأتِهِ هَذِهِ(٥) وهما حُرّانٍ، وَأَقَامَ ذو اليدِ بَيَِّةً
أَنَّه (٦) ابُهُ ولم يَنْسِبْهُ إلى أُمِّهِ فهو للخارجِ.
الثّانيةُ: لو كان ذو اليدِ ذِمِيّاً والخارجُ مسلماً، فَرِهَنَ الدِّمِّيُّ بِشُهُودٍ مِن الكُفَّارِ وبَرهَنَ
(١) انظر "الهداية": كتاب الدعوى - باب اليمين ١٥٧/٣.
(٢) انظر "جامع الفصولين": الفصل الثامن في دعوى الخارج مع ذي اليد وفي تاريخ الدعوى والشهادة ٨١/١ بتصرف.
(٣) في "م": ((الصورة))، والصَّواب ما أثبتناه من بقيَّة النسخ.
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٣٤٤/٢.
(٥) ((هذه)) ليست في "ر" و"آ" و"ب" و"م"، وإثباتُها - كما في "الأصل" - هو الموافق لعبارة "الأشباه".
(٦) في "ر": ((بأنه)).
٥٣٩
باب دعوی الرجلين
الجزء السابع عشر
أي: لم يُذكَرْ له سَبَبٌ كما مَرَّ(١) (على حُجَّةِ ذي اليدِ إنْ(٢) وَقَّتَ أحدُهما فقط)
وقال "أبو يوسف": ذو الوقتِ أَحَقُّ. وَثَمَرَتُهُ فيما لو (قال) في دَعْواهُ: (هذا العبدُ
لي غابَ(٣) عنّي منذُ شَهرِ، وقال ذو اليدِ: لي منذُ سَنةٍ قُضِيَ للمُدَّعي) لأنَّ ما ذَكَرَهُ
تاريخُ غَيْبةٍ لا مِلْكٍ، فلم يُوجَدِ التّاريخُ مِن الطَّرَفَينِ، فَقُضِيَ بِّنةِ الخارجِ. وقال
"أبو يوسف": يُقضَى للمُؤرِّخِ ولو حالةَ الانفرادِ،
الخارجُ قُدِّعَ الخارجُ، سواءٌ بَرهَنَ بمسلمِينَ أو بِكُفّارٍ، ولو بَرِهَنَ الكافرُ بمسلمِينَ قُدِّمَ على
المسلمِ مُطلَقً، "أشباه"(٤) قُبَيلَ الوكالةِ)) اهـ.
[٢٧٨٩٢] (قولُهُ: فقط) قَيَّدَ بقولِهِ: ((فقط)) لأَنَّه لو وَقَّنَا يُعتَبَرُ السّابقُ كما يأتي متناً(٥)،
فالمرادُ: سواءٌ لم يُوَقّنا أو وَقْتَ أحدُهما وحدَهُ، ولو استَوَى تاريخُهما فالخارجُ أَولى. فالأَعُمُّ قولُ
"الغُرر " (٦): ((حُجَّةُ الخارجِ فِي الِلْكِ المطلَقِ أَولى إلّ إذا أَرَّخا وذو اليدِ أَسَبَقُ))، "سائحانيّ".
(٢٧٨٩٣) (قولُهُ: قال في دَعْواهُ: هذا العبدُ إلخ) تَقَدَّمَت(٧) المسألةُ متناً قُبَيلَ السَّلَمِ.
[٢٧٨٩٤)] (قولُهُ: تاريخُ غَيْبةٍ) لأنَّ قولَهُ: ((منذُ شَهرٍ)) مُتعلِّقٌ بـ ((غابَ))، فهو قَيْدٌ
للغَيْبةِ، وقولَهُ: ((منذُ سَنةٍ)) مُتعلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ به قولُهُ: ((لي))، أي: مِلْكٌ لي منذُ سَنةٍ، فهو قَيْدٌ
للمِلْكِ وتاريخٌ له، والمُعتَبَرُ تاريخُ المِلْكِ، ولم يُوجَدْ مِن الطَّرَفَينِ.
[٢٧٨٩٥] (قولُهُ: وقال "أبو يوسفَ") ضعيفٌ.
[٢٧٨٩٦) (قولُهُ: ولو حالةَ الانفرادِ) يَنبَغِي إسقاطُها(٨)؛ لأنَّ الكلامَ في حالةِ الانفرادِ.
(١) صـ ٤٤٦ - "در".
(٢) في "د" و"و": ((وإن)).
(٣) في "و": ((غائب)).
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٩٢ -.
(٥) صـ ٥٤٢ - ٥٤٣ - "در".
(٦) "الدرر والغرر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٣٤٤/٢.
(٧) ٣٣٠/١٥ "در".
(٨) انظر "التكملة" - المقولة [٢٩١٥] قوله: ((ولو حالةَ الانفرادِ)).
حاشية ابن عابدين
٥٤٠
قسم المعاملات
ويَنْبَغِي أَنْ يُفتَى(١) بقولِهِ؛ لأَنَّه أَوْفَقُ وَأَظهَرُ، كذا في "جامع الفصولين"، وأَقَرَّهُ "المصنّفُ"(٢).
(ولو بَرَهَنَ خارجانِ على شيءٍ قُضِيَ به لهما، فإنْ بَرِهَنا في) دَعْوى (نكاحٍ سَقَطا)
[٢٧٨٩٧) (قولُهُ: كذا في "جامع الفصولين"(٣) ذَكَرَ هذا في الفصلِ السّادسَ عشَرَ
حيثُ قال(٣) ((اسْتُحِقَّ حمارٌ، فطَلَبَ ثَمَنَهُ مِن بائعِهِ، فقال البائعُ للمُستحِقِّ: مِن كم مُدَّةً
غابَ عنكَ هذا الحمارُ؟ فقال: منذُ سَنةٍ، فَبَرهَنَ البائعُ أنَّه مِلْكُهُ منذُ عشرٍ سنينَ قُضِيَ به
للمُستحِقِّ؛ لأَنَّه أَرَّخَ غَيْتَه لا الِلْكَ والبائعُ أَرَّخَ الِلْكَ، ودَعْواهُ دَعْوى المشتري؛ لِتَلَقِّيهِ مِن
جهتِهِ، فصارَ كأنَّ المشتريَ ادَّعَى مِلْكَ بائِعِهِ بتاريخٍ عشرِ سِنِينَ، غيرَ أنَّ التّاريخَ لا يُعتَبرُ حالةً
الانفرادِ عندَ "أبي حنيفةً"، فَبَقِيَ(٤) دَعْوى الِلْكِ الْمُطلَقِ فحُكِمَ للمُستحِقِّ. أقولُ: يُقضَى بها
للمُؤَرِّخِ عندَ "أبي يوسف"؛ لأَنَّه يُرجِّحُ المؤرِّخَ حالةَ الانفرادِ)) اهـ مُلخَّصاً.
وقد قَدَّمَهُ في الثّامنِ وقال(٥): ((و(٦) لكنَّ الصَّحيحَ والَشْهُورَ مِن مذهبِهِ(٧) - يعني: "أبا
حنيفةً" - أَنَّه - أي: تاريخَ ذي اليدِ وحدَهُ - غيرُ مُعتَبَرِ، تَنَبَّهْ))، ذَكَرَهُ "خيرُ الدِّينِ الرَّمليُّ" في
"حاشية المنح".
[٢٧٨٩٨] (قولُهُ: ولو بَرِهَنَ خارجانٍ) يعني: إذا ادَّعَى اثنانِ عَيْناً في يدِ غيرِهما، وزَعَمَ كلُّ واحدٍ
مِنهما أَنَّها مِلْكُهُ، ولم يَذْكُرَا سَبَبَ الِلْكِ (٣/ق٢٨٩/ب) ولا تاريخَهُ قُضِيَ بِالعَيْنِ بينَهما؛ لعدمِ الأَولَويّةِ.
(قولُهُ: أقولُ: يُقضَى بها للمُؤَرِّخِ عندَ "أبي يوسفَ" إلخ) عبارتُهُ عقِبَ قولِهِ: ((حالةَ الانفرادِ)):
((وَيَنَبَغِي أَنْ يُفتَى بقولِ "أبي يوسفَ"؛ لأَنَّه أَرَفَقُ وأَظهَرُ)).
(١) في "و": ((يقضى)).
(٢) "المنح": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢/ق٩٧/ب، وعبارةُ "المنح": ((لأنّه أرفق)) بالراء المهملة.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٤/١ نقلاً عن "المحيط البرهاني".
(٤) في "ب" و"م": ((فيبقى))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ر" و"آ" موافقٌ لما في "جامع الفصولين".
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثامن في دعوى الخارج مع ذي اليد وفي تاريخ الدعوى والشهادة ٧٨/١.
(٦) الواو ليست في "م".
(٧) في "الأصل" و"ر" و"آ": ((عن مذهبه))، وما أثبتناه من "ب" و"م" هو الموافق لعبارة "الفصولين".
الجزء السابع عشر
٥٤١
باب دعوی الرجلین
لتَعَذُّرِ الْجَمعِ لو حيَّةً، ولو مَيْنَةً قُضِيَ به بينَهما، وعلى كلِّ نِصفُ المَهْرِ، ويَرِثَانِ
مِيراثَ زَوجٍ واحدٍ، ولو وَلَدَتْ يَتْبُتُ(١) النِّسَبُ مِنهما،
وأَطَلَقَهُ فشَمِلَ ما إذا ادَّعَيا الوَقْفَ في يدِ ثالثٍ، فَيُقضَى لكلِّ وَقْفُ الّصفِ(٢)، وهو مِن قَبِيلِ
دَعْوَى المِلْكِ الْمُطلَقِ باعتبارِ مِلْكِ الواقفِ، وتمامُ بيانِهِ في "البحر"(٣). وفيه(٣) بَيَانُ أنَّ الغَلَّةَ
مثلُهُ. وقَّدَ بالبرهانِ مِنهما؛ إذ لو بَرَهَنَ أحدُهما فقط فإنَّه يُقضَى له بالكلِّ، فلو بَرهَنَ
الخارجُ الآخَرُ يُقضَى له بالكلِّ؛ لأنَّ المقضِيَّ له صار ذا يدٍ بالقَضاءِ، فَتُقدَّمُ بيّةُ الخارجِ الآخَرِ
عليه، "بحر"(٣)، وتمامُهُ فيه. ق ٤٦١/أ
[٢٧٨٩٩) (قولُهُ: ولو مَيْتةً) أي: ولم يُؤَرِّخا أو استَوَى تاريخُهما، كما هو في عبارةٍ
"البحر"(٤) عن "الخلاصة"(٥).
[٢٧٩٠٠] (قولُهُ: ولو وَلَدَتْ) أي: الَيْنَةُ قبلَ الموتِ. وظاهرُ العبارةِ أَنَّها وَلَدَتْ بعدَهُ،
ولكنْ يُنظَرُ(٦): هل يُقالُ له: ولادةٌ؟(٧)
(قولُهُ: فَيُقضَى لكلِّ وَقْفُ النّصفِ) عبارةُ "البحر" عَقِبَ قولِهِ: ((في يدِ ثالثٍ)): ((فُقضَى بالعَقَارِ
نِصِفَينِ، لكلِّ وَقْفُ الْنّصفِ)).
(١) في "د": ((ثبت)).
(٢) قوله: ((فيقضي لكلِّ وقفُ النصفِ)) كذا في النسخ جميعها، وعبارةُ مطبوعة "البحر" موافقةٌ لما نقله صاحب
"التقريرات"، وقال مصحِّحا "ب" و"م": ((ولعله فيُقضَى لكلِّ بنصفِ الوقفِ، وليحرَّر اهـ)).
(٣) انظر "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٤/٧.
(٤) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٥/٧.
(٥) "الخلاصة": كتاب الدعوى - الفصل الثاني في دعوى النكاح ق٢٢٩/أ.
(٦) في "ر" و"آ": ((ولينظر)).
(٧) قال السيد علاء الدين في التكملة - المقولة [٢٩٢٦] قوله: ((ولو وَلَدَتْ)): ((استظهر بعضُ الفُضلَاءِ عَدَمَ اتّصاف
المَيْنَةِ بالولادةِ الحقيقيّة، وأنَّ المرادَ بالولادة: انفصالُ الوَلَدِ منها بنَفْسِهِ أو غيره من الأحياء)).
حاشية ابن عابدين
٥٤٢
قسم المعاملات
وتمامُهُ في "الخلاصة". (وهي لِمَن صَدَّقَتْهُ إذا لم تكُنْ في يدِ مَن كَذِّبَتْهُ، ولم يكُنْ
دَخَلَ) مَن كَذَّبَتْهُ (بها) هذا إذا لم يُؤَرِّخا (فإِنْ أَرَّخا
[٢٧٩٠١] (قولُهُ: وتمامُهُ في "الخلاصة"(١)) هو: ((أَنَّه يَرِثُ مِن كلِّ واحدٍ مِنهما ميراثَ
ابنٍ كاملٍ، وهما يَرِثَانِ مِن الابنِ ميراثَ أبٍ واحدٍ))، "ح"(٢).
[٢٧٩٠٢) (قولُهُ: وهي لِمَن صَدَّقَتْهُ) يَشمَلُ ما إذا سَمِعَهُ القاضي، أو بَرِهَنَ عليه مُدَّعيهِ
بعدَ إنكارِها له، "بحر"(٣) عن "الخلاصة" (٤).
[٢٧٩٠٣] (قولُهُ: إذا لم تكُنْ إلخ) أمّا إنْ كانَتْ في يدِ مَن كَذَّبْهُ أو دَخَلَ بها فهو أَولى،
ولا يُعتبَرُ قولُها؛ لأنَّ تَمَكُّنَهُ مِن نَقْلِها أو مِن الدُّخُولِ بها دليلٌ على سَبْقِ عَقْدِهِ، إلّ أنْ يُقِيمَ
الآخَرُ البِّنَةَ أَنَّه تَزَوَّجَها قبلَهُ، فيكونُ أَولى؛ لأنَّ الصَّرِيحَ يَفُوقُ الدِّلالةَ، "زيلعيّ"(٥).
بَقِيَ: لو دَخَلَ بها أحدُهما وهي في بيتِ الآخَرِ، ففي "البحر"(٦) عن "الظَّهيريَّةِ"(٧): ((أنَّ
صاحبَ البيتِ أَولى)).
[٢٧٩٠٤) (قولُهُ: هذا إذا لم يُؤَرِّخا) وكذا إذا أَرَّخا واسْتَوَيا.
[٢٧٩٠٥] (قولُهُ: فإنْ أَرَّخا) أي: الخارجان مُطلَقاً.
(١) انظر "الخلاصة": كتاب الدعوى - الفصل الثاني في دعوى النكاح ق٢٢٩/ب.
(٢) "ح": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ق٣٢٣/ب.
(٣) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٧/٧.
(٤) "الخلاصة": کتاب الدعوى - الفصل الثاني في دعوى النكاح ق٢٢٩/ب.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الدعوى - باب ما يدَّعيه الرجلان ٣١٦/٤ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٧/٧.
(٧) "الظهيرية": كتاب النكاح - الفصل السادس في الدعوى والبينات في النكاح ق٧٩/أ، وعزاه إلى الشيخ الإمام
أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى.
الجزء السابع عشر
٥٤٣
باب دعوی الرجلين
فالسّابقُ أَحَقُّ بها) فلو أَرَّخَ أحدُهما فهي لِمَن صَدَّقَتَهُ أو لذي اليدِ، "بزّازِيَّةِ"(١).
قلتُ: وعلى ما مَرَّ عن "الثّاني" يَنبَغِي اعتبارُ تاريخِ أحدِهما،
٤٣٧/٤
[٢٧٩٠٦] (قولُهُ: فالسّابقُ أَحَقُّ) أي: وإنْ صَدَّقَتِ الآخَرَ، أو كان ذا يدٍ، أو دَخَلَ(٢) بها.
والحاصلُ - كما في "الزَّيلعيِّ)"(٣) -: ((أَنّهما إذا تَنَازَعا في امرأةٍ وَبَرِهَنا: فإِنْ أَرَّخا وتاريخُ
أحدِهما أَقدَمُ كان هو أَولى، وإنْ لم يُؤَرِّخا أو اسْتَوَيا: فإنْ مع أحدِهما قَبْضٌ كالدُّخُولِ بها
أو نَقْلِها إلى منزلِهِ كان هو أولى، وإنْ لم يُوجَدْ شيءٌ يُرجَعُ إلى تَصْدِيقِ المرأةِ)) اهـ.
[٢٧٩٠٧] (قولُهُ: فالسّابقُ أَحَقُّ بها) أي: ولا يُعتَبَرُ ما ذَكَرَهُ مِن كَونِها في يدِهِ أو دَخَلَ
بها مع التّاريخِ؛ لكَونِهِ صريحاً، وهو يَفُوقُ الدِّلالةَ، "منح"(٤).
[٢٧٩٠٨] (قولُهُ: فلو أَرَّخَ أحدُهما) أي: وصَدَّقَتِ الآخَرَ أو كان ذا يدٍ، فإنْ لم يُوجَدا
قُدِّمَ المؤرِّعُ، فالنَّصْدِيقُ أو اليدُ أقْوَى مِن التّاريخِ.
وعُلِمَ مِمّا مَرَّ(٥) أنَّ اليدَ أَرجَحُ مِن التَّصْدِيقِ ومِن الدُّخُولِ، فالحاصلُ - كما في "البحر)"(٦) -:
((أنَّ سَبْقَ التّاريخِ أَرجَحُ مِن الكلِّ، ثُمَّ اليدُ، ثُمَّ الدُّخُولُ، ثُمَّ الإقرارُ، ثُمَّ تاريخُ أحدِهما)).
[٢٧٩٠٩] (قولُهُ: أو الذي اليدِ) أي: لو أَرَّخَ أحدُهما وللآخَرِ يدٌ فإنّها لذي اليدِ.
[٢٧٩١٠) (قولُهُ: وعلى ما مَرَّ(٧) عن "الثّاني") أي: مِن أَنَّه يُقضَى للمُؤرِّخِ حالةً
الانفرادِ على ذي اليدِ، فُيُقضَى هنا للمُؤرِّخِ وإنْ كان الآخَرُ ذا يدٍ؛ لتَرَجُّحِ جانبِ الْمُؤرِّخِ
حالةً الانفرادِ عندَ "أبي يوسفَ".
(١) "البزازية": كتاب الدعوى - الفصل الثاني عشر في دعوى النكاح ٣٦٥/٥ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "م": ((ودخل))، والصَّوابُ ما أثبتناه من بقيّة النُّسخ، وانظر المقولة الآتية.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الدعوى - باب ما يدَّعيه الرجلان ٣١٦/٤.
(٤) "المنح": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢/ق٩٧/ب بتصرف.
(٥) المقولة [٢٧٩٠٢] قوله: ((وهي لِمَنْ صَدَّقَنْهُ)).
(٦) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٧/٧.
(٧) صـ ٥٣٩ - "در".
حاشية ابن عابدين
٥٤٤
قسم المعاملات
ولم أَرَ مَن نَبَّهَ على هذا(١)(٢)، فتأمَّلْ. (وإنْ أَقَرَّتْ لِمَن لا حُجَّةَ له فهي له، وإنْ
بَرِهَنَ الآخَرُ قُضِيَ له، ولو بَرهَنَ أحدُهما وقُضِيَ له، ثُمَّ بَرِهَنَ الآخَرُ لم يُقضَ له إلّ
إذا تَبَتَ سَبْقُهُ) لأنَّ الْبُرهانَ مع التّاريخِ أقوى مِنه بُدُونِهِ (كما لم يُقْضَ بُرهان
خارجٍ على ذي يدٍ ظَهَرَ نكاحُهُ، إلّ إذا ثَبَتَ سَبْقُهُ) أي: أنَّ نكاحَهُ أَسبَقُ. (وإنْ)
ذَكَرا سَبَبَ الِلْكِ بأنْ (بَرِهَنا على شِراءِ شيءٍ مِن ذي يدٍ(٣) فلكلِّ نِصفُهُ ينصفٍ
الثَّمَنِ) إنْ شاءَ (أو تَرْكُهُ) إِنَّما خُيِّرَ لَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عليه،
وقَدَّمْنَا (٤) عن "الزَّيلعيِّ": ((أَنْه لو بَرِهَنَ أَنَّه تَزَوَّجَها قبلَهُ فهو أولى))، وسيأتي متناً(٥).
[٢٧٩١١] (قولُهُ: وإِنْ أَقَرَّتْ لِمَن لا حُجَّةَ له فهي له) قال "السّائحانيُّ": ((كان عليه
أنْ يقولَ: فإنْ لم تَقُمْ حُجَّةٌ فهي لِمَن أَقَرَّتْ له، ثُمَّ إِنْ بَرهَنَ الآخَرُ قُضِيَ له إلخ)).
/٢٧٩١٢] (قولُهُ: مِن ذي يدٍ) أمّا لو ادَّعَيا الشِّراءَ مِن غيرِ ذي اليدِ فسيأتي متناً(٦) في
قولِهِ: ((وإنْ بَرَهَنَ خارجانِ على مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ إلخ)).
[٢٧٩١٣) (قولُهُ: ينصفِ الَّمَنِ) أي: الذي عيَّنَهُ، فإنِ الدَّعَى أحدُهما أنَّه اشتَرَاهُ بمائةٍ
والآخَرُ بمائَتَيْنِ أَخَذَ الأَوَّلُ نصفَهُ بخمسينَ والآخَرُ بمائةٍ.
(١) في "و": ((مَنْ نَبَّه عليه)).
(٢) في هامش "ر": ((كتب "ط" على قول الشارح: ((ولم أر من نبه عليه إلخ)): ذكره في "البحر" حيث قال: فالحاصل
- كما في "البزازية" - أنه لا يترجَّحُ أحدُهما إلا بسَبْق التاريخ، أو باليد، أو بإقرارها بدخول أحدهما اهـ. وكان ينبغي
أن يزيدَ: أو بتاريخ من أحدهما فقط كما علمتَهُ اهـ واعترضه ع.ب [أي: ابن عابدين رحمه الله] في هامشه بقوله:
((أقول: قول "البحر": ((وكان ينبغي إلخ)) لا يدلُّ على ما ذكره المحشِّي، كيف هذا وقد قدَّم عن "البحر" أنَّ ذا
التاريخ مؤخّرٌ عن الكلِّ؟! ومرادُ الشَّارح تقديُه على ذي اليد قياساً على المسألة السابقة عن "الفصولين"، فتدبر. نعم
ذكر الرَّيلعيُّ: أَنَّه لو برهن أَنَّه تزوَّجَها قبلَه يكون أَوْلى؛ لأنَّ الصَّرِيحَ يفوقُ الدِّلالةَ، فراجعه اهـ)).
نقول: العبارةُ بنصِّها في مطبوعة "البحر" نقلاً عن "الخلاصة" لا عن "البزازية"، وفي مخطوطة "البحر": (("البزازية")) فليتنّه.
(٣) في "و": ((اليد)).
(٤) المقولة [٢٧٩٠٣] قوله: ((إذا لم تكُنْ إلخ)).
(٥) في الصحيفة التالية "در".
(٦) صـ ٥٥١ - وما بعدها "در".
٥٤٥
باب دعوی الرجلین
الجزء السابع عشر
(وإِنْ تَرَكَ أحدُهما بعدَما قُضِيَ لهما لم يَأخُذُ الآخَرُ كلَّهُ) لانفساخِهِ بالقضاء، فلو قبلَهُ
فله. (وهو) أي: ما ادَّعَيا شِراءَهُ (للسّابقِ) تاريخاً (إِنْ أَرَّخا) فيَرُدُّ البائعُ مَا قَبَضَهُ مِن
الآخَرِ إليه، "سراج".
(و) هو (لذي يدٍ إنْ لم يُؤْرِّخا، أو أَرَّخَ أحدُهما) أو اسْتَوَى(١) تاريخُهما.
[٢٧٩١٤] (قولُهُ: مَا قَبَضَهُ) أي: الثَّمَنَ.
[٢٧٩١٥) (قولُهُ: وهو لذي يدٍ) أي: المُدَّعَى بالفتحِ. قال في "البحر"(٢): ((ولي إشكالٌ
في عبارةِ "الكتاب"(٣)، هو: أنَّ أصلَ المسألةِ مَفرُوضٌ في خارجَينِ تَنَازَعا فيما في يدِ ثالثٍ،
فإذا كان مع أحدِهما قَبْضٌ كان ذا يدٍ تَنَازَعَ مع خارجٍ، فلم تكن المسألةَ! ثُمَّ رَأَيتُ في
"المعراج" ما يُزِيلُهُ مِن جَوازِ أَنَّه أثْبَتَ(٤) بالبَِّةِ قَبْضَهُ فيما مَضَى مِن الزَّمانِ، وهو الآنَ في يدٍ
البائعِ اهـ إلّ أَنَّه يُشكِلُ مَا ذَكَرَهُ بعدَهُ عن "الذَّخيرة": بأنَّ تُبُوتَ اليدِ لأحدِهما بالمُعاينةِ
اهـ. والحَقُّ: أنَّها مسألةٌ أُخرى، وكان يَنبَغِي إفرادُها، وحاصلُها: أنَّ خارجاً وذا يدٍ ادَّعَى
كلٌّ الشِّراءَ مِن ثالثٍ وبَرهَنَا قُدِّمَ ذو اليدِ فِي الوُجُوهِ الثَّلاثةِ، والخارجُ فِي وَجْهٍ واحدٍ)) اهـ.
وقد أَشارَ "المصنّفُ" إلى ذلك، حيث [٣/ق١/٢٩٠] ذَكَرَ قولَهُ: ((ولذي وقتٍ))، ولكنْ كان
عليه أنْ يُقدِّمَهُ على قولِهِ: ((ولذي يدٍ))؛ لأَنَّه مِن تَتَمَّةِ المسألةِ الأُولى، ويكونُ قولُهُ:
((ولذي)) استئناف مسألةٍ أُخرى. ق ٤٦١/ب
(قولُهُ: إلّ أَنَّه يُشكِلُ مَا ذَكَرَهُ بعدَهُ عن "الذَّخيرة " إلخ) قد يُقالُ: الثّبتُ بالبِّةِ كالّبتِ مُعاينةً، فما قيل في
أحدِهما يُقالُ فِي الآخَرِ، وليس في عبارةِ "الذَّخيرة" ما يَدُلُّ على اشتراطِ تُبُوتِ اليدِ بِالمُعاينةِ حَتّى يُشكِلَ.
(١) وقع في "د" هنا زيادة طويلة كتب فوقها في أولها: ((زائد من هنا))، وكتب في آخرها: ((إلى هنا))، وهذه الزيادة
هي من كتاب الوكالة - باب الوكالة بالبيع والشراء.
(٢) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٩/٧.
(٣) أي: متن "الكنز".
(٤) في "ر" و"آ" و"ب" و"م": ((ثَبَتَ بالبِّنَةِ قبضُهُ))، وما أثبتناه من "الأصل" هو الموافقُ لعبارة "البحر".
حاشية ابن عابدين
٥٤٦
قسم المعاملات
٠٠
(فرعٌ)
سُئِلَ في شابٍّ أَمرَدَ كَرِهَ خِدْمةَ مَن هو في خِدْمتِهِ لِمَعَنِّى هو أَعَلَمُ بشأنِهِ وحقيقتِهِ،
فخَرَجَ مِن عندِهِ، فَتَّهَمَهُ أَنَّه عَمَدَ إلى سَيَتِهِ(١) وكَسَرَهُ في حالٍ غَيْيَتِهِ وَأَخَذَ مِنه كذا - لمبلغٍ
سَمّاهُ - وقامَتْ أَمارةٌ عليه بأنَّ غَرَضَهُ بذلك(٢) استبقاؤُهُ واستقرارُهُ في يدِهِ على ما يَتَوخّاهُ(٣)،
هل يُسمَعُ القاضي والحالةُ هذه عليه دَعْوَاهُ، وَيَقبَلُ شهادةً مَن هو مُتْقِيِّدٌ بخدمتِهِ وَأَكْلِهِ وشُرْبِهِ مِن
طعامِهِ ومَرَقِتِهِ والحالُ أَنَّه مَعرُوفٌ بِحُبِّ الغِلْمانِ؟ الجوابَ ولكم فَسِيحَ الجِنانِ.
الجوابُ: قد سَبَقَ لشيخِ الإسلامِ "أبي السُّعودِ العِماديِّ" رحِمَهُ اللَّهُ تعالى في مثلٍ
ذلك فتوى: بأنَّه يَحرُمُ على القاضي سَماعُ مثلِ هذه الدَّعْوى، مُعلِّلاً بأنَّ مثلَ هذه الحِيْلةِ
مَعُهُودٌ فيما بينَ الفَحَرةِ، واختلافاتُهم(٤) فيما بينَ النّاس مُشتهرةٌ، ومِن لفظِهِ رحِمَهُ اللَّهُ تعالى
فيها: ((لا بُدَّ للحُكّامِ أنْ لا يُصْغُوا إلى مثلِ هذه الدَّعاوَى، بل يُعَزِّرُوا المدَّعيَ وَيَحجُزُوهُ(٥)
عن النَّعرُّضِ لمثلِ ذلك الغَمْرِ المُنخدِعِ)).
ويمثلِهِ أَفَتَى "صاحبُ تنويرِ الأبصارِ"(٦)؛ لانتشارِ ذلك في غالبِ القُرَى والأَمصارِ،
ويُؤيِّدُ ذلك فُرُوعٌ ذُكِرَتْ في بابِ الدَّعْوِى تَنَعلَّقُ باختلافِ حالِ المُدَّعي وحالِ الْمُدَّعَى عليه،
(قولُهُ: الغَمْرِ) بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ: مَن لم يُجرِّب الأُمُورَ، "قاموس".
(١) في "ب" و"م": ((بيته))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ر" و"آ" هو الصواب الموافق لما في "الفتاوى الخيريّة"، والسَّبَتُ:
هو السَّة باللغة التّركَيَّة، كما في كتاب "الدّراري اللامعات في منتخبات اللُّغات": صـ ٢٩٠ -.
(٢) ((بذلك)) ليست في "٢" و"ب" و"م".
(٣) في "آ" و"ب" و"م": ((يتواخاه)).
(٤) في "ر": ((واختلافاتهم)) بالفاء المفردة.
(٥) في "ر": ((ويحجزه)).
(٦) في "ر": ((البصائر))، وانظر "فتاوى المصنف التمرتاشي": فصل من كتاب الدعوى والإقرار ق ٧٧/أ.
الجزء السابع عشر
٥٤٧
باب دعوی الرجلین
(و) هو (لذي وَقتٍ إِنْ وَقَّتَ أحدُهما فقط و) الحالُ أَنَّه (لا يدَ لهما) وإنْ لم
يُوَقًّا فقد مَرَّ(١): أنَّ لكلِّ نِصفَهُ بِنصفِ الثَّمَنِ(٢). (والشِّرَاءُ أَحَقُّ مِن هِبَةٍ، وصَدَقةٍ)
ويَزِيدُ ذلك [قُبْحاً](٣) و(٤) بُعْداً شهادةُ مَن بِعَشَاهُ يَتَعشَّى وَبِغَدَاهُ يَتَغَدّى، فلا حَوْلَ ولا قُوّةً
إلّ باللّهِ العَليِّ العظيمِ، إنّا للَّهِ وإنّا إليه راجِعُونَ، ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يَشَأْ لم يكنْ، واللَّهُ
تعالى أعلَمُ، "فتاوَى خَيْريّةِ"(٥).
وعبارةُ "المصنّفِ" في "فَتَاواهُ"(٦) بعدَ ذِكْرِهِ(٧) فَتْوى "أبي السُّعُودِ": ((وأنا أقولُ: إنْ كان
الرَّجلُ مَعْرُوفً بالفِسقِ وحُبِّ الغِلْمانِ والنَّحُيُّلِ لا تُسمَعُ دَعْواهُ ولا يَلتَفِتُ القاضي لها، وإنْ
كان معروفاً بِالصَّلَاحِ والفَلاحِ فله سَماعُها، واللَّهُ تعالى أعلَمُ)). ق٤٦٢/أ
[٢٧٩١٦) (قولُهُ: فقط) أقولُ: التّاريخُ في الِلْكِ الْمُطلَقِ لا عِيْرةَ به مِن طرفٍ واحدٍ، بخلافِهِ
في الِلْكِ بِسَبَبٍ كما هو مَعُرُوفٌ، قالَهُ شيخُ "والدي(٨)، "مدنيّ".
[٢٧٩١٧] (قولُهُ: والشّرَاءُ أَحَقُّ مِن هِبَةٍ) أي: لو بَرَهَنَ خارجانِ على ذي يدٍ أحدُهما على الشِّرَاءِ
(قولُهُ: وَيَزِيدُ ذلك بُعْداً إلخ) عبارةُ "الخَيرِيَّة": ((وَيَزِيدُ على ذلك قُبْحاً وبُعْداً إلخ)).
(١) صـ ٥٤٤ - "در".
(٢) ((الثمن)) ليست في "د" و"و"، وهي ثابتة فيما مرّ صـ ٥٤٤ ..
(٣) ما بين منكسرين ليس في النسخ جميعها، وهو من "الفتاوى الخيرية"؛ إذِ النّقْلُ منها، ولا تصحُّ العبارة دونَه مع
وجود الواو، ولذلك نَّه مصحِّحُ "ب" على غموض العبارة.
(٤) الواو ليست في "م".
(٥) "الفتاوى الخيرية": کتاب الدعوى ٥٢/٢ - ٥٣.
(٦) "فتاوى المصنف التمرتاشي": فصل من كتاب الدعوى ق ٧٧/أ.
(٧) في "آ" و"ب" و"م": ((ذكرٍ)).
(٨) لعله المفتي محمد تاج الدين، وقد ذُكِرَ اسمه فيما نقله ابن عابدين عن المدنيّ في المقولة [٢٧٧٦٥] قوله: ((لو الاختلافُ
في الثَّمَنِ)).
حاشية ابن عابدين
٥٤٨
قسم المعاملات
ورَهْنٍ ولو مع قَبْضٍ، وهذا (إنْ لم يُؤَرِّخا، فلو أَرَّخا واتَّحَدَ المُمَلِّكُ فالأَسبَقُ أَحَقُّ)
لقُوَّتِهِ (ولو أُرِّخَتْ إحداهما فقط فالمؤَرَّخَةُ أَولى) ولو اختَلَفَ الْمُمَلِّكُ اسْتَوَيا،
مِنه والآخَرُ على الهِبَةِ مِنه كان الشِّراءُ أَولى؛ لأَنَّه أَقوى؛ لكَونِهِ مُعاوَضةً مِن الجانبين، ولأنّه
يُثبتُ الِلْكَ بِنفسِهِ، وَالِلْكُ فِي الهِبَةِ يَتَوقَّفُ على القَبْضِ، فلو أحدُهما ذا يدٍ والمسألَةُ بحالِها
يُقضَى للخارجِ أو للأَسبَقِ تاريخاً، وإنْ أُرّخَتْ إحداهما فلا ترجيحَ، ولو كلٌّ مِنهما ذا يدٍ
فهو لهما أو للأَسبَقِ تاريخاً كدَعْوى مِلْكٍ مُطلَقٍ.
وَأَطَلَقَ فِي الهِبَةِ وهي مُقِيَّدةٌ بالتَّسْلِيمِ وبأنْ لا يكونَ بعِوَضٍ، وإلّ كانَتْ بَيْعاً.
وَأَشارَ إلى استواءِ الصَّدَقةِ والهِبَةِ المقبوضَتَين؛ للاستواءِ في الَّبَرُّعِ، ولا ترجيحَ للصَّدَقةِ
باللُّومِ؛ لأَنَّه يَظهَرُ في ثاني الحالِ وهو عدمُ النَّمَكُنِ مِنِ الرُّجُوعِ في المستقبَلِ.
والهِبَةُ قد تكونُ لازِمَةً كَهِيَةٍ مَحْرَمٍ، والصَّدَقَةُ قد لا تَلَمُ بِأَنْ كانَتْ لِغَيِّ. اهـ مُلخَّصاً
مِن "البحر"(١). وفيه (٢): ((ولم أَرَ حُكْمَ الشِّراءِ الفاسدِ مع القَبْضِ، والهِبَةِ مع القَبْضِ، فإنَّ الِلْكَ
في كلِّ مُتَوَقِّفٌ على القَبْضِ، ويَنْبَغِي تَقديمُ الشِّرَاءِ؛ للمُعاوَضةِ)).
٤٣٨/٤
ورَدَّهُ "المقدسيُّ) (٣): ((بأنَّ الأَولِى تَقديمُ الهِبَةِ؛ لكَونِها مَشرُوعةً)).
[٢٧٩١٨] (قولُهُ: ولو أُرِّخَتْ إحداهما) أي: إحدى البِتَينِ.
[٢٧٩١٩] (قولُهُ: ولو اختَلَفَ الْمُمَلِّكُ اسْتَوَيا) لأنَّ كلّ مِنهما خَصْمٌ عن مُمَلِّكِهِ في إثباتِ
مِلْكِهِ، وهما فيه سواءٌ، بخلاف ما إذا أَنَّحَدَ؛ لاحتياجهما إلى إثباتِ السَّبَبِ، وفيه يُقدَّمُ الأَقوى.
قال في الهامش (٤): ((وفي "البحر"(٥): لو ادَّعَى الشِّراءَ مِن رجلٍ، وَآخَرُ الهِبَةَ والقَبضَ
(قولُهُ: ورَدَّهُ "المقدسيُّ": بأنَّ الأَولى إلخ) الذي يَظهَرُ ما قالَهُ في "البحر".
(١) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٣٣٩/٧.
(٢) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٣٤٠/٧.
(٣) أي: ابن غانم (ت١٠٠٤ هـ) وينقل ابن عابدين رحمه الله عن كتابه "أوضح رمز على نظم الكنز"، وتقدم الكلام عليه ٣٢١/١.
(٤) ((قال في الهامش)) من "ر".
(٥) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٩/٧ بتصرف، نقلاً عن "البزازية".
الجزء السابع عشر
٥٤٩
باب دعوی الرجلین
وهذا فيما لا يُقسَمُ اتَّفاقاً، واختَلَفَ التَّصحيحُ فيما يُقسَمُ كالدّارِ، والأَصَحُّ أنَّ الكلَّ
لِمُدَّعي الشِّراءِ؛ لأنَّ الاستحقاقَ مِن قَبِيلِ الشَّيُوعِ المُقارِنِ لا الطّارِئِ، هِبَةِ "الدُّرر"(١).
مِن غيرِهِ، والثّالثُ المِيراثَ مِن أبيهِ، والرّابعُ الصَّدَقةَ مِن آخَرَ قُضِيَ بينَهم أَرباعاً؛ لأنّهم
يَتَقَّونَ الِلْكَ مِن مُملّكِهِم، فُيُحِعَلُ كأَنَّهم حَضَرُوا وَأَقَامُوا البِّنَةَ على الِلْكِ الْمُطلَقِ)) اهـ.
[٢٧٩٢٠) (قولُهُ: وهذا) أي: استواؤُهما فيما لو اختَلَفَ الُملِّكُ، وكذا لو كانَتِ العَيْنُ
في أيديهما [٣/ق٢٩٠ /ب] ولم يَسِقْ تاريخُ أحدِهما فإنَّهما يَسْتَوِيانِ كما قَدَّمناهُ(٢).
[٢٧٩٢١) (قولُهُ: فيما لا يُقسَمُ) كالعبدِ والدّةِ.
[٢٧٩٢٢] (قولُهُ: لأنَّ الاستحقاقَ إلخ) جوابٌ عمّا قالَهُ في "العِمادّة": ((مِن أنَّ
الصَّحيحَ أَنّهما سواءٌ؛ لأنَّ الشُُّوعَ الطّارئَ لا يُفسِدُ الهِبَةَ والصَّدَقَةَ، ويُفسِدُ الرَّهْنَ)) اهـ،
وأَقَرَّهُ في "البحر "(٣) و"صدر الشَّريعة"(٤). قال "المصنِّفُ (٥) نقلاً عن "الدُّرر"(٦): ((عَدُّهُ
صُورةً الاستحقاقِ مِن أَمثِلةِ الشُّيُوعِ الطّارئِ غيرُ صحيحٍ، والصَّحيحُ ما في "الكافي"
و "الفصولين"(٧)، فإنَّ الاستحقاقَ إذا ظَهَرَ بالبِّنةِ كان مُستِداً إلى ما قبلَ الهِبَةِ، فيكونُ مُقارِناً
لها لا طارئاً عليها)) اهـ، أي: وحيثُ كان مِن قَبِيلِ الْمُقارِنِ - وهو يُبطِلُ الهِبَةَ إجماعاً -
يَنْفَرِدُ(٨) مُدَّعي الشِّراءِ بالبرهانِ، فيكونُ أَولِى.
(٢٧٩٢٣) (قولُهُ: لا الطّارِئِ) لأنَّ الشُُّوعَ الطّارئَ لا يُفسِدُ الهَِةَ وَالصَّدَقَةَ، بخلافِ الْمُقَارِنِ.
(١) "الدرر والغرر: كتاب الهبة ٢١٩/٢.
(٢) المقولة [٢٧٨٩٨] قوله: ((ولو بَرهَنَ خارجانٍ)).
(٣) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٣٩/٧.
(٤) "شرح الوقاية": كتاب الهبة ١٤٧/٢ (هامش "كشف الحقائق").
(٥) "المنح": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢/ق٩٨/أ.
(٦) "الدرر والغرر": كتاب الهبة ٢١٩/٢.
(٧) "جامع الفصولين": الفصل الثلاثون في التصرفات الفاسدة وأحكامها وفيما يكون مضموناً بالقبض والحبس وما
لا يكون ٤١/٢ بتصرف.
(٨) في "الأصل": ((يتفرَّد)).
حاشية ابن عابدين
٥٥٠
قسم المعاملات
(والشِّراءُ والَهْرُ سواءٌ) فيُنَصَّفُ، وَتَرجِعُ هي بنصفِ القِيمةِ، وهو بنصفِ الثَّمَن،
أو يُفْسَخُ؛ لِمَا مَرَّ (هذا إذا لم يُؤَرِّخا، أو أَرَّخا واستَوَى تاريخُهما، فإنْ سَبَقَ تاريخُ أحدِهما
كان أَحَقَّ) فَيَّدَ بالشِّراءِ لأنَّ النّكَاحَ أَحَقُّ مِن هِبَةٍ، أو رَهْنٍ، أو صَدَقةٍ، "عمادَّةَ"(١).
والمرادُ مِن النِّكَاحِ المَهْرُ كما حَرَّرَهُ في "البحر" مُغلِّطاً لـ "الجامع".
[٢٧٩٢٤] (قولُهُ: وَتَرجِعُ هي) أي: على الزَّوجِ. كذا في الهامش(٢).
[٢٧٩٢٥] (قولُهُ: وهو ينصفِ الثَّمَنِ) كالرُّجُوعِ ببعضٍ. كذا في الهامش(٢).
[٢٧٩٢٦] (قولُهُ: لِمَا مَرَّ(٣) أي(٤): مِن (٥) تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
[٢٧٩٢٧) (قولُهُ: فإِنْ سَبَقَ تاريخُ أحدِهما) لكنْ يُشْتَرَطُ في الشَّهادةِ أَنَّهِ اشْتَرَى مِن فلان
وهو يَمِلِكُها كما في دَعوى "الحامديَّة"(٦) عن "البحر"(٧) مَعزِياً لـ "خزانة الأكمل". كذا في الهامش.
[٢٧٩٢٨) (قولُهُ: مُغلِّطً لـ "الجامع") أي: "جامع الفصولين"(٨) في قولهِ: ((لو اجتَمَعَ
نكاحٌ وهِيَةٌ يُمكِنُ أَنْ يُعمَلَ بالبِّنَينِ لو اسْتَوَيا، بأنْ تكونَ مَنكُوحةَ هذا وهِبَةَ الآخَرِ، بأنْ يَهَبَهُ
أَتَهُ الَنْكُوحَةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لا تُبُطَلَ بَيّةُ الهَِةِ حَذَراً عن (٩) تكذيبِ المؤمِنِ، وحَملاً(١٠) على الصَّلاحِ،
(قولُ "الشّارحِ": كما حَرَّرَهُ في "البحر" مُغَلّطً لـ "الجامع") رَدَّهُ "المقدسيُّ"، فانظُرْ.
(١) انظر "جامع الفصولين": الفصل الثامن في دعوى الخارج مع ذي اليد وفي تاريخ الدعوى والشهادة ٨٣/١.
(٢) ((كذا في الهامش)) من "ر".
(٣) ص ٥٤٤ - "در".
(٤) ((أي)) ليست في "الأصل".
(٥) ((من)) ساقطة من "ر".
(٦) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ١٣/٢، ونقله عن "البحر" بواسطة "المنح".
(٧) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٤٢/٧ بتصرف.
(٨) "جامع الفصولين": الفصل الثامن في دعوى الخارج مع ذي اليد وفي تاريخ الدعوى والشهادة ٨٣/١.
(٩) في "آ" و"ب" و"م": ((من))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ر" موافق لما في "المنح".
(١٠) في "ب" و"م": ((وحملاً له))، وليست في سائر النسخ ولا في "المنح" و"الفصولين".
الجزء السابع عشر
٥٥١
باب دعوی الرجلین
نَعَمْ يَسْتَوِي النِّكَاحُ والشِّرَاءُ لو تَنَازَعَا فِي الأَمَةِ مِن رجلٍ واحدٍ ولا مُرجِّحَ، فتكونُ
مِلْكاً له مَنكُوحةً للآخَرِ، فَتَدَبَّرْ. (ورَهْنٌ مع قَبْضِ أَحَقُّ مِن هِبَةٍ بلا ◌ِوَضٍ معه)
استحساناً، ولو بِهِ فهي أَحَقُّ؛ لأنّها بَيْعٌ انتهاءً، والبَيعُ - ولو بوَجٍ - أَقوى مِن
الرَّهْنِ، ولو العَيْنُ معَهما اسْتَوَيا ما لم يُؤَرِّخا وأحدُهما أَسَبَقُ. (وإنْ بَرِهَنَ خارجانِ
على مِلْكِ مُؤَرَّخٍ أو شِراءٍ مُؤَرَّخٍ مِن واحدٍ)
وكذا الصَّدَقَةُ مع النِّكَاحِ، وكذا الرَّهْنُ مع النّكاحِ)) اهـ. قال "مَولانا" في "بحره "(١): ((وقد
كَنَبْتُ في "حاشيتِ"(٢): أَنَّه وَهِمَ؛ لأَنَّه فَهِمَ أنَّ المرادَ لو(٣) تَنَازَعا في أَمَةٍ: أحدُهما اذَّعَى
أَنَّها مِلْكُهُ بالهِبَةِ، والآخَرُ أَنَّه تَزَوَّجَها، وليس مُرادُهم ذلك، وإنَّما المرادُ مِن النّكَاحِ الَهْرُ كما
عَبَّرَ به في "الكتابِ"(٤)))، وتمامُهُ في "المنح"(٥).
[٢٧٩٢٩] (قولُهُ: نَعَمْ إِلَخ) ذَكَرَ هذا في "الجامع" بَحْثاً كما عَلِمْتَ(٦)، وقال في "البحر "(٧):
((ولم أَرَهُ صريحاً)).
[٢٧٩٣٠) (قولُهُ: معه) (٨) الضَّميرُ راجِعٌ للقَبْضِ.
[٢٧٩٣١] (قولُهُ: أَقوى مِن الرَّهْنِ) هذا إذا كانَتْ في يدِ ثالثٍ، "س".
[٢٧٩٣٢] (قولُهُ: اسْتَوَيا) بَحَثَ فيه "العماديُّ": ((بأنَّ الشُُّوعَ الطّارِئَ يُفسِدُ الرَّهْنَ،
(١) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٤٠/٧، وانظر "حاشية الرملي على الفصولين": ٨٣/١.
(٢) لصاحب "البحر" تعليقة على "جامع الفصولين" ذكرها في "كشف الظنون" ٥٦٦/١، و"هدية العارفين" ٣٧٨/١.
(٣) في "٢" و"ب" و"م": ((أنهما)) بدل ((لو))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ر" موافق لما في "البحر" و"المنح" و"حاشية
الرملي على الفصولين".
(٤) أي: متن "الكنز" كما لا يخفى.
(٥) انظر "المنح": کتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢/ق٩٨/ب.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٤٠/٧.
(٨) هذه المقولة ليست في "الأصل" و"م".
حاشية ابن عابدين
٥٥٢
قسم المعاملات
غير ذي يدٍ (أو) بَرَهَنَ (خارجٌ على مِلْكِ مُؤَرَّخٍ وذو يدٍ على مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ أَقدَمَ
فالسّابقُ أَحَقُّ، وإنْ بَرِهَنا على شِراءِ
فَيَنبَغِي أَنْ يُقضَى بالكلِّ لِمُدَّعي الشِّراءِ؛ لأنَّ مُدَّعيَ الرَّهْنِ أَثْبَتَ رَهْناً فاسداً، فلا تُقبَلُ بَيِّبُهُ،
فصار كأنَّ مُدَّعيَ الشِّراءِ انفَرَدَ بإقامةِ البِّنةِ))، وتمامُهُ في "البحر "(١)
قلتُ: وعلى ما مَرَّ(٢) مِن أنَّ الاستحقاقَ مِن الشُّيُوعِ المقارِنِ يَنْبَغِي أنْ يُقضَى لِمُدَّعي
الشِّراءِ بالأولى، فالحُكْمُ بالاستواءِ على كلِّ مِن القولَينِ مُشكِلٌ، فليُتْأمَّلْ.
(٢٧٩٣٣) (قولُهُ: غيرِ ذي يدٍ) قَيَّدَ به لأنَّ دَعواهما الشِّراءَ مِن صاحبِ اليدِ قد مَرَّ في
صَدرِ البابِ(٣)، "س".
[٢٧٩٣٤) (قولُهُ: على مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ) قَيَّدَ بالمِلْكِ لأَنَّه(٤) لو أَقَامَها على أنَّها في يدِهِ منذُ
سنتَيْنِ ولم يَشْهَدُوا أَنَّها له قُضِيَ بها للمُدَّعي؛ لأَنَّهَا شَهِدَتْ باليدِ لا بالمِلْكِ، "بحر "(٥).
[٢٧٩٣٥] (قولُهُ: فالسّابقُ أَحَقُّ) لأَنّه أَتْبَتَ أَنَّه أوَّلُ الْمالِكَيْنَ، فلا يُتَقَّى الِلْكُ إِلَّ مِن جهتِهِ،
ولم يَتَلَقَّ الآخَرُ مِنه، "منح"(٦). وقَيَّدَ بالتّاريخِ مِنهما لأَنَّه إذا لم يُؤَرِّخا أو اسْتَوَيا فهي بينَهما في
المسألَتَيْنِ الأُوْلَينِ، وإنْ سَبَقَتْ إحداهما فالسّابقةُ أَولى فيهما، وإِنْ أَرَّحَتْ إحداهما فقط فهي
الأَحَقُّ في الثّانيةِ لا الأُولى، وأمّا في الثّانيةِ فالخارجُ أَولى في الصُّوَرِ الثَّلاثِ، وتمامُهُ في "البحر "(٧).
(قولُ "المصنّفِ": أَقَدَمَ) لا حاجةً إليه.
(قولُهُ: وأمّا في الثّانيةِ إلخ) لا وُجُودَ لها في "البحر"، ولعلَّه: الثّالثةِ، والمرادُ بالأَوجُهِ الثَّلاثةِ: عدمُ
التّاريخِ أصلاً، أو الاستواءُ فيه، أو تاريخُ أحدِهما فقط.
(١) انظر "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٤١/٧.
(٢) ص ٥٤٩ - "در".
(٣) صـ ٥٤٤ - "در".
(٤) في "الأصل": ((لأنها)).
(٥) "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٤٣/٧ بتصرف.
(٦) "المنح": کتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢/ق٩٨ /ب.
(٧) انظر "البحر": كتاب الدعوى - باب دعوى الرجلين ٢٤١/٧.