النص المفهرس
صفحات 581-600
الجزء السادس عشر
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
٥٧٩
النَّظَرِ والشَّهادةِ في الأوقافِ ولو بلا شَرْطِ واقِفٍ، "بحر"(١). قال(١): ((وقد أَفْتِيتُ فِيمَن
شرَطَ الشَّهادةَ فِي وَقْقِهِ لفلانٍ ثُمَّ لولدِهِ، فماتَ وتَرَكَ بِنْتاً أنّها تَستحِقُّ وظيفةَ الشَّهادةِ)).
[٢٦٥٩٢) (قولُهُ: ولو بلا شَرْطِ واقِفٍ) أمّا إذا شرَطَ الواقِفُ فلا شكَّ فيه؛ لأنَّها أهلٌ
للشَّهادة، وأمّا بدُونِ شرطِهِ النّاصِّ عليها - كما في صورةٍ [٣/ق ٤ ١/٢٣] الحادثةِ التي ذكَرَها - ففيه
نِزاعٌ، فقد رَدَّهُ في "النَّهِ"(٢): ((بأنَّ قولَهُ: ثمَّ لولدِهِ لا يَشمَلُ الأنثى؛ لأنَّ عُرفَ الواقِفِينَ
مُراعَى، ولم يَتَّفِقْ تقريرُ أُنثى شاهدةً في وَقْفٍ في زمنٍ ما فيما عَلِمنا، فوجَبَ صَرْفُ ألفاظِهِ
إلى ما تَعَارَفُوهُ، وهو الشّاهدُ الكاملُ)) إلى آخر كلامِهِ، ونقَلَ "الحمَويُّ" مثلَهُ عن
"المقدسيِّ"، ثمَّ نقَلَ عن بعضِهم: ((أنَّ هذا لا يَمنَعُ كونَها أهلاً للشَّهادةِ، وقولُ الأصحابِ
بجوازٍ شهادتِها وقضائِها في غيرِ حَدِّ وَقَوَدٍ صريحٌ في صحَّةٍ تقريرِها في الأوقافِ )) اهـ.
قلت: لا يخفى ما فيه، فإنَّ الكلامَ ليس في أهلِيَّتِها، بل في دُخُولِها في كلامِ الواقِفِ
المبنيِّ على المُتعارَف.
مطلبٌ: لا يصحُّ تقريرُ المرأةِ في وظيفةِ الإمامة
(تنبيةٌ)
وأمّا تقريرُها في نحوِ وظيفةِ الإِمامِ(٣) فلا شَكَّ في عدمِ صحَّتِهِ لعدمِ أهلَّتِها، خلافاً لِما
زِعَمَهُ بعضُ الْجَهَلةِ أَنَّه يصحُّ وَتَستِنِيبُ؛ لأنَّ صحَّةَ التَّقريرِ يَعتمِدُ وُجُودَ الأهلِيَّةِ، وجوازٌ
الاستنابةِ فرعُ صحَّةِ التَّقرير. اهـ "أبو السُّعودِ"(٤).
مطلبٌ: لا يصحُّ توليةُ السُّلطانِ مُدرِّساً ليس بأهلٍ
وفي "الأشباه"(٥): ((إذا وَلّى السُّلطانُ مُدرِّساً ليس بأهلٍ لم تصحَّ توليتُهُ؛ لأنَّ فعلَهُ مُقَيَّدٌ
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٥/٧.
(٢) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٤٣٤/أ.
(٣) في "فتح المعين": ((الإمامة)) ومثله في "ط"، وفي هامش "ط": ((الإمام، نسخة)).
(٤) "فتح المعين": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٤/٣.
(٥) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمع والفرق - فائدة: إذا ولَّى السلطان مدرِّساً ليس بأهل صـ ٤٦١ - ٤٦٢ -.
حاشية ابن عابدين
٥٨٠
قسم المعاملات
بالمصلحةِ، ولا مصلحةً في توليةٍ غيرِ الأهلِ، وإذا عَزَلَ الأهلَ لم يَنعزِلْ. وفي "مُعيد النّعَمِ ومُبيد
النَّمِ"(١): المُدرِّسُ إذا لم يكنْ صالحاً للتَّدريسِ لم يَحِلَّ له تناوُلُ المعلومِ اهـ.
[مطلبٌ في تعريفِ أهلِيَّةِ التّدريسِ]
والذي يَظهُرُ في تعريفِ أهلِيَّةِ التّدريسِ أنَّها بمعرفةِ منطوقِ الكلامِ ومفهومِهِ وبمعرفةٍ
المفاهيم، وأنْ يكونَ له سابقةُ اشتغالٍ على المشايخِ بحيث صار يَعرِفُ الاصطلاحاتِ ويَقدِرُ على
أَخْذِ المسائلِ مِن الكتبِ، وأنْ يكونَ له قدرةٌ على أنْ يسألَ ويُجِيبَ إذا سُئِلَ، ويَتَوقَّفُ ذلك
على سابقةِ اشتغالٍ في النّحوِ والصَّرفِ بحيث صار يَعرِفُ الفاعلَ مِن المفعولِ وغيرَ ذلك، وإذا قرَأَ
لا يَلحَنُ، وإذا قرَأَ لاحِنّ(٢) بحضرتِهِ رَدَّ عليه)) اهـ مختصراً، "ط)"(٣).
مطلبٌ في توجيهِ الوظائفِ للابنِ ولو صغيراً
قلتُ: ومُقتضاهُ أَنَّه إذا مات الإِمامُ أو المُدرِّسُ لا يصحُّ توجيهُ وظيفتِهِ على ابنِهِ الصَّغِيرِ،
وقدَّمنا في الجهادِ في آخرِ فصلِ الجِزْيةِ(٤) عن العلّمة "البيريِّ" بعدَ كلامٍ نقَلَهُ إلى أنْ قال(٥).
((أَقولُ: هذا مُؤْيِّدٌ لِما هو عُرْفُ الحرمين الشَّريفين ومصرَ والرُّومِ مِن غيرِ نكيرٍ مِن إبقاءِ أبناءِ
الميتِ - ولو كانوا صغاراً- على وظائفِ آبائِهم مِن إمامةٍ وخطابةٍ وغير ذلك عُرفاً مَرْضِيّاً؛ لأنّ
فيه إحياءَ خَلَفِ العلماءِ ومساعدتهم على بَذْلِ الجُهدِ في الاشتغالِ بالعِلْمِ، وقد أفتى بجوازٍ ذلك
طائفةٌ مِن أكابرِ الفُضَلاءِ الذين يُعوَّلُ على إفتائِهم)) اهـ.
وقَّدنا ذلك هناك(٦) بما إذا اشْتَغَلَ الابنُ بالعِلْمِ، أمّا لو ترَكَهُ وكَبِرَ وهو جاهلٌ فَإِنَّه يُعزَلُ
(١) "معيد النعم ومبيد النقم": المثال الثامن والأربعون: المدرس صـ١٠٦ - بتصرف، وهو لأبي النصر عبد الوهاب بن علي بن
عبد الكافي، تاج الدين السُّبْكيّ المصريّ الشّافعيّ، قاضي القضاة (ت٧٧١هـ). ("كشف الظنون" ١٧٤٤/٢، "الدرر
الكامنة" ٤٢٥/٢، "الأعلام" ١٨٤/٤).
(٢) عبارة "الأشباه" و"ط": ((وإذا لَحَنَ قارئٌ)).
(٣) "ط": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢١٣/٣.
(٤) المقولة [٢٠٢٣٧] قوله: ((لم أرَهُ)).
(٥) لم نعثر عليها في مخطوطة "عمدة ذوي البصائر" التي بين أيدينا.
(٦) المقولة [٢٠٢٣٧] قوله: ((لم أرَهُ)).
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
٥٨١
الجزء السادس عشر
وفي "الأشباه" (١) مِن أحكامِ الأُنثى: ((اختارَ (٢) في "المسايرةِ"(٣) جوازَ كونِها نبيَّةً
لا رسولةً؛ لبناءِ حالِهِنَّ على السَّْ)).
وتُعطَى الوظيفةُ للأهلِ لفواتِ العِلَّة، وقدَّمنا (٤) في الوَقْفِ: أَنَّه لا يصحُّ جَعْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ(٥)
ناظراً على وَقْفٍ، فراجِعْ ما حَرَّرْناهُ في الموضعين.
[٢٦٥٩٣] (قولُهُ: اختارَ) أي: "الكمالُ" في "المسايرةِ" هي رسالةٌ فِي عِلْمِ الكلامِ سايَرَ
بها عقيدةً "الغزاليِّ"، "ط" (٦).
[٢٦٥٩٤] (قولُهُ: لبناءِ حالِهِنَّ على السَّتْر) أي: والرَّسولُ يحتاجُ إلى مُخالطةِ الدُّكُورِ
بالتّعليمِ وإقامةِ الحُجَجِ عليهم وغيرِ ذلك مما لا يكونُ إلّ مِن الذُّكُورِ، والجوازُ لا يقتضي
الوقوعَ. قال في "بدء الأمالي"(٧): [وافر]
.، "ط" (٨).
وما كانَتْ نبيّاً قَطُّ أُنثى
(قولُهُ: قولُهُ: اختارَ أي: "الكمالُ" في "المسايرةِ") عبارةُ "المسايرةِ" ليس فيها ما يُفيدُ اختيارَ جوازِ كونِها
نبيَّةً، ونصُّها - على ما نقَلَهُ "السِّندِيُّ" -: ((شرطُ الْنُبُوَّةِ الذُّكُورَةُ)) إلى أنْ قال: ((وخالَفَ بعضُ أهلِ الظّاهرِ
والحديثِ حَتّى حَكَمُوا بُبُوَّةِ "مريم" عليها السَّلام، وفي كلامِهم ما يُشعِرُ بِالفَرْقِ بينَ النُّبُوَّةِ والرِّسالةِ بالدَّعوى
وعدمِها، وعلى هذا لا يَعُدُ اشتراطُ الذُّكُورةِ، لكنَّ أَمْرَ الرِّسالةِ مبنيٌّ على الاشتهارِ والإعلانِ والتَّرُّدِ بينَ
المجامعِ للدَّعْوى، ومبنى حالِهن على السَّنْرِ والقرارِ إلخ)).
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمع والفرق - أحكام الأنثى صـ٣٨٦ -.
(٢) في "ط": ((اختاره))، وهو خطأ.
(٣) الذي في "المسايرة": ((اشتراط الذكورة)) صـ٢٢٦ - كما ذكر الرافعيّ. وقد نَّه محشي "الأشباه" الحموي ٣٩٣/٣
على ذلك وذكر عبارة "المسايرة" ثمَّ قال: ((وقد بسط الكلام على هذه المسألة في "فتح الباري شرح البخاري"
في كتاب الأنبياء - في باب امرأة فرعون فليراجع)).
(٤) المقولة [٢١٥٠١] قوله: ((غيرَ مَأمونٍ إلخ)).
(٥) ((الصغير)) ليست في "الأصل".
(٦) "ط": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢١٣/٣.
(٧) انظر "شرح ضوء المعالي على منظومة بدء الأمالي": المبحث الثالث - ما يجب للرسل وما يجوز لهم وما يستحيل عليهم صـ١٠١ -.
(٨) "ط": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢١٣/٣.
حاشية ابن عابدين
٥٨٢
قسم المعاملات
(ولو قَضَتْ فِي حَدٍّ وَقَوَدٍ فِرُفِعَ إلى قاضٍ آخرَ) يَرَى جوازَهُ (فَأَمْضاهُ ليس لغيرِهِ إبطالُهُ)؛
لخلافٍ "شُرَیحِ"، "عينيّ"(١).
٣٥٦/٤
[٢٦٥٩٥] (قولُهُ: يَرَى جوازَهُ) قَيَّدَ به لأنَّ نَفْسَ القضاء إذا كان مُختَلَفاً فيه لا يَنفُذُ ما
لم يُنفّذْهُ قاضٍ آخرُ يَرَى جوازَهُ، فحينئذٍ إذا رُفِعَ إلى مَن لا يَراهُ نَفَّذَهُ، بخلافٍ ما إذا كان
الخلافُ في طريقِ القضاءِ لا في نفسِهِ فإنّه يَنْفُذُ على المخالفِ بدُونٍ تنفيذٍ آخرَ كما
حرَّرْناهُ(٢) سابقاً، ولذا قال "العينيُّ)(٣): ((ولو قَضَتْ بالْحُدُودِ والقِصاصِ وأَمضاهُ قاضٍ آخَرُ
يَرَى جوازَهُ جازَ بالإجماع؛ لأنَّ نَفْسَ القضاءِ مُجتَهَدٌ فيه، فإِنَّ "شُرَيِحاً" كان يُحوِّزُ شهادةً
النّساءِ مع رَجُلٍ في الُحُدُودِ والقِصاص(٤)، وقال الشَّيخُ "أبو المعينِ النَّسفيُّ" في "شرح الجامع
الكبير"(٥): ولو قَضَى القاضي في الحُدُودِ بشهادةِ [٢٣٤٥/٣/ب] رجلٍ وامرأتين نَفَذَ قضاؤُهُ، وليس
لغيرِهِ إبطالُهُ؛ لأَنَّ قَضَى في فصلٍ مُحتهَدٍ فيه، وليس نَفْسُ القضاءِ هنا مُختَلَفاً فيه)) اهـ، أي:
بخلافِ قضاءِ المرأةِ في الحدود، فإنَّ المحتهَدَ فيه نفسُ القضاء.
(١) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨٩/٢ بتصرف.
(٢) المقولة [٢٦٣١٤] قوله: ((وذكَرَ في "الدُّرر" لِما يَنفُذُ سبعَ صورٍ)).
(٣) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨٩/٢.
(٤) روى عبدُ الرَّاق في "المصنَّف" (١٥٤١٧) عن أبي سفيانَ عن ابن عَوْنِ عن الشَّعبِيِّ ((أَنَّ شُرَيِحاً أجازَ شهادةً امرأتين في عِثْقٍ)).
وروى عبدُ الرَّزّاق (١٥٤١٤) عن ابن جُريجٍ عن عطاء قالُ: ((تَجوُزُ شهادةُ النّساء مع الرِّجال في كلِّ شيءٍ،
وتَجُوزُ على الزِّنَا امرأتان مع ثلاث رجالٍ، رأياً مِنه)).
وروى عبدُ الرَّزّاق (١٥٤١٦) قال: أخبرني الأسلميُّ [متروٌ] أخبرني الحَجّاج بن أرطاةً عن عطاء بن
أبي رَباح ((أنَّ عمرَ بن الخطّاب أجازَ شهادةَ رجُلٍ واحدٍ مع نساء في نكاحٍ)). والصَّوابُ الأوَّلُ.
وروى عبدُ الرَّزّاق (١٥٤١٥) عن ابن جُريجٍ قال: قال ابن شِهاب: (( ... تَجُوزُ شهادةُ النّساء على القتلِ إذا
كان معهنَّ رجلٌ واحدٌ)).
وروى عبدُ الرَّزّق (١٨٨٩٦) عن سفيانَ في رجلٍ وامرأتين شَهِدُوا على رجلٍ أَنَّه سرَقَ ثوباً ثَمَنُه عشرون
درهماً، قال: ((نُجيزُ شهادتَهم في المال، ولا نقطَعُهُ)).
وروى محمَّدُ بن خَلَف "وكيعٌ" في "أخبار القضاة" ٣٥٩/٢، عن حماد بن زيدٍ عن أُيُوبَ عن محمَّد بن سِيرِينَ:
((أَنَّ رجلين اختصما إلى شُريحٍ، وادَّعَيا شهادةَ امرأةٍ رَضِيًا بقولها، وأرسَلَ إليها وجيء بها فسألها، فقضَى بينهما بقولها)).
(٥) شرح أبي المعين ميمون بن محمد بن محمد بن مُعْتَمِد المكحوليِّ النسفيِّ (ت٥٠٨هـ) على "الجامع الكبير" للإمام
محمد ("كشف الظنون" ٥٧٠/١، "الجواهر المضية": ٥٢٧/٣، "الفوائد البهية" صـ ٢١٦-).
الجزء السادس عشر
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
-
٥٨٣
والحُنثى كالأُنثى، "بحر". واعلمْ أَنَّه إذا وقَعَ للقاضي حادثةٌ أو لولدِهِ فأنابَ غِيرَهُ،
و(١) (قَضَى نائبُ القاضي له أو لولدِهِ جازَ) قضاؤُهُ، (كما لو قَضَى للإمام الذي قَلَّدَهُ
القضاءَ أو لولدِ الإِمامِ) "سراحيَّة"(٢). وفي "البزّازيَّة"(٣): ((كلُّ مَن تُقبَلُ شهادتُهُ له وعليه
يصحُّ قضاؤهُ له وعليه)) اهـ،
١
[٢٦٥٩٦] (قولُهُ: والحُنشى كالأُنثى) أي: فيصحُّ قضاؤُهُ في غيرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ بالأولى، وينبغي
أنْ لا يصحَّ فِي الْحُدُودِ والقِصاصِ لشُبْهَةِ الأُنُوثِةِ، "بحر "(٤).
[٢٦٥٩٧] (قولُهُ: أو لولدِهِ) أي: ونحوِهِ مِن كلِّ مَن لا تُقبَلُ شهادتُهُ له كما يُعلَمُ مِمّا يأتي(٥).
[٢٦٥٩٨] (قولُهُ: فأنابَ غيرَهُ) أي: وكان مِن أهلِ الإنابة، "بحر "(٦) عن "السِّراجيَّةِ"(٧)،
أي: بأنْ كان مأذوناً له بالإنابة.
[٢٦٥٩٩] (قولُهُ: كما لو قَضَى) أي: القاضي.
مطلبٌ: شهادةُ الجندِ للأميرِ إلخ
(قولُ "الشّارح": وفي "البزّازِيَّةُ": كلُّ مَن تُقبَلُ شهادتُهُ إلخ) مُقْتضى هذا قُبُولُ شهادةِ الرَّعايا لأميرِهم،
وكذا عُمّالُهم، ويَظهَرُ عليه أنَّ السُّلطانَ - لو وَكَّلَ وكيلاً في شيءٍ- تُقبَلُ شهادةُ الرَّعايا له نظيرَ ما سَبَقَ متناً. وفي
البابِ الرّابعِ فيمَن تُقبَلُ شهادتُهُ مِن "الهنديَّة" عن "الخلاصة": ((شهادةُ الجندِ للأميرِ لا تُقبَلُ إِنْ كانوا يُحصَون،
وإِنْ كانوا لا يُحصَون تُقبَلُ، نَصَّ في "الصَِّرِفَيَّةِ" في حَدِّ الإحصاءِ: مائةٌ وما دُونَهُ، وما زادَ عليه فهؤلاء لا
يُحْصَون، كذا في "جواهرِ الأخلاطيّ")) اهـ. قال في "الَّكملة": ((وقدَّمناهُ في الشَّهادات)) اهـ. لكنْ في "حاشيتِهِ"
على "البحر": ((وعن "شَرَفِ الأئمّة": لا تُقبَلُ شهادةُ الرَّعيَّةِ لوكيلِ الرَّعيَّةِ والشّحنةِ والرَّئيسِ والعاملِ لِجَهْلِهم
(١) في "د" و"و": ((فـ (قضى)) بالفاء بدل الواو.
(٢) "الفتاوى السراجية": كتاب القضاء - باب ما يجوز من القضاء وما لا يجوز ٢٦٢/٢ بتصرف.
(٣) "البزازية": كتاب أدب القاضي - نوع في إبطال القضاء ١٦٠/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٦/٧ بتصرف.
(٥) في هذه الصحيفة وما بعدها "در".
(٦) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٦/٧.
(٧) "الفتاوى السراجية": كتاب القضاء - باب ما يجوز من القضاء وما لا يجوز ٢٦١/٢.
٥٨٤
قسم المعاملات
حاشية ابن عابدين
خلافاً لـ "الجواهر" و"الملتقط"(١)، فليُحفَظْ.
[٢٦٦٠٠] (قولُهُ: خلافاً لـ "الجواهر") حيث قال فيها: ((القاضي إذا كانَتْ له خُصُومٌ على
إنسان، فاستخلَفَ خليفةً فقَضَى له على خَصْمِهِ لا يَنفُذُ؛ لأنَّ قضاءَ نائبهِ كقضائِهِ بنفسِهِ، وذلك
غيرُ جائزٍ؛ لِما ذَكَرَ "محمَّدٌ": أنَّ مَن وَكَّلَ رجلاً بشيءٍ، ثمَّ صار الوكيلُ قاضياً فقَضَى لِمُوكِّلِهِ
ومَيْلِهم خوفاً مِنه، وكذا شهادةُ المزارِعِ اهـ. وهو صريحٌ في عدمٍ جوازِ شهادةٍ مَن ذُكِرَ لِلْتُّهَمَةِ وفسادِ الزَّمان.
وهذا الذي يجبُ أنْ يُعوَّلَ عليه في زمانِنا، فتدبَّرْ. وبه يُعلَمُ أنَّ شهادةَ الفلاّحين لشيخٍ قريتهم، وشهادتَهم
للقَسّامِ الذي يَقسِمُ عليهم، وشهادةَ الرَّعِيَّةِ لحاكمِهم وعاملِهم ومَن له نوعُ ولايةٍ عليهم لا تجوزُ)) اهـ. ثُمَّ
رأيتُ في "الزَّيلعيِّ" مِن القضاءِ ما نصُّهُ: ((أهلُهُ أهلُ الشَّهادةِ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ مِنهما يُثبِتُ الولايةَ على الغيرِ.
الشّاهِدُ بشهادِهِ يُلزِمُ الحاكمَ أنْ يَحْكُمَ، والحاكمُ بُحُكمِهِ يُلزِمُ الْخَصْمَ، ومَن صَلَحَ شاهداً صَلَحَ قاضياً،
فكانا مِن بابٍ واحدٍ، فُيُستفادُ أحدُهما مِن الآخرِ)) اهـ. وفيه مِن الشَّهادة: ((رُوِيَ أنَّ "الحسن" شَهِدَ
لـ "عليّ" مع "قُنْبِ " عند "شُرَيحِ" بِدِرْعٍ، فقال "شُرَيَحْ" لـ "عليّ": انتِ بشاهدٍ، فقال: مكانَ "الحسن" أو
"قُنْبرِ"؟ فقال: مكانَ "الحسن"، قال: أما سمعتَ رسولَ الله ﴿ّ يقولُ لـ "الحسن" و"الحسين": ((هما سيِّدا
أهلِ الجنَّة))؟! قال: سمعتُ، لكن ائتِ بشاهدٍ آخرَ، القصَّةَ إلى آخرِها. وفيها: أنَّه استحسَنَهُ وزادَهُ في
الرِّق)) اهـ. وسيأتي في "الشَّرح" بعد أَسطُرٍ: ((لا يَقضِي القاضي لِمَن لا تُقبَلُ شهادتُهُ له)) اهـ. وفي
"قاضيخان شرحِ الزِّيادات" مِن كتابِ السِّرِ: ((شَهِدَ فقيران مسلمان على رجلٍ بسَرِقِةِ شيءٍ مِن بيتِ المال
جازَتْ شهادتهما، وكذا لو شَهِدا بمسجدٍ أو طريقٍ للعامَّة، وللقاضي أنْ يَقْضِيَ بالغنيمةِ وإنْ كان له شِرْكَةٌ
فيها، وما لا يَمنَعُ القضاءَ لا يَمنَعُ الشَّهادةَ)) اهـ.
وفي "الخانيَّة" مِن: فصلٌ فيمَن يجوزُ قضاءُ القاضي له: ((يجوزُ قضاءُ القاضي للأميرِ الذي وَلَّهُ،
وكذا قضاءُ القاضي الأسفلِ للقاضي الأعلى، وقضاءُ الأعلى للأسفلِ)) اهـ.
وفي "البحر" مِن الشَّهادات: ((أَنَّ مَن لا تُقبَلُ شهادتُهُ له فلا يجوزُ قضاؤُهُ له، فلا يَقْضِي لأصلِهِ
وإِنْ عَلا، ولا لفَرْعِهِ وإنْ سفَلَ، ولا لوكيلٍ مَن ذكرنا كما في قضائِهِ لنفسِهِ كما في "البزّزيَّة". وفيها:
اخْتَصَمَ رجلان عندَ القاضي ووَكَّلَ أحدُهما ابنَ القاضي أو مَن لا تجوزُ شهادتُهُ له، فَقَضَى القاضي لهذا
الوكيلِ لا يجوزُ، وإِنْ قَضَى عليه يجوزُ إلخ)) اهـ.
(١) "الملتقط": كتاب الشهادات صـ٣٨٦ -.
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
٥٨٥ -
الجزء السادس عشر
(ويَقضِي النّائبُ بما شَهِدُوا به عندَ الأصلِ، وعكسُهُ) وهو قضاءُ الأصلِ بما شَهِدُوا
به عندَ النّائبِ،
في تلك الحادثةِ لم يَجُزْ؛ لأَنَّه قَضَى لِمَن وَلاَّهُ ذلك، فكذلك نائبُ هذا القاضي))، قال: ((والوجهُ
لِمَن ابْتُلِيَ بمثلِ هذا: أَنْ يَطُلُبَ مِن السُّلطانِ الذي وَلاّهُ أنْ يُولِّيَ قاضياً آخرَ حتّى يَخْتَصِما إليه
فَيَقْضِيَ، أو يَتَحاكَما إلى حاكمٍ مُحكَّمٍ ويَتَرَاضَيَا بِقضائِهِ فَيَقْضِيَ بينَهما، فيجوزُ)) اهـ.
قلتُ: ولعلَّ هذا محمولٌ على ما إذا لم يكن القاضي مأذوناً له بالإنابةِ كما يدلُّ عليه
قولُهُ: ((والوجهُ إلخ))، وإلّ فلو كان مأذوناً كان نائبُهُ نائباً عن السُّلطانِ كما مَرَّ في فصلٍ
الحبسِ(١)، فلا يَحتاجُ إلى أنْ يَطُبَ مِن السُّلطانِ توليةَ قاضٍ آخرَ، فلذا مَشَى "المصنّفُ" هنا
على الجوازِ وإِنْ تَرَدَّدَ فيه في "شرحِهِ"(٢) قُبِيلَ قولِهِ: ((وَيَرُدُّ هديَّةً)).
(قولُ "المصنّف": ويَقضِي الّائبُ بما شَهِدُوا به عندَ الأصلِ، وعكسُهُ) نظيرُ هذا ما ذكَرَ في "الدُّرِ"
قُبيلَ كتابِ القاضي: ((إِنْ غابَ الوكيلُ أو مات بعدَما أُقِيمَت البَِّةُ عليه، ثمَّ حضَرَ الموكّلُ يُقْضَى عليه
بتلك البِّةِ، وكذا لو غابَ المؤكّلُ ثُمَّ حضَرَ الوكيلُ فإنّه يُقَضَى عليه بتلك البِّنَةِ، وكذا لومات المُدَّعَى
عليه بعدَما أُقِيمَتْ عليه البيّنةُ يُقضَى بها على الوارثِ، وكذا لو أُقِيمَتْ على أحدِ الورثةِ ثُمَّ غاب يُقْضَى بها
على الوارثِ الآخرِ، وكذا لو أُقِيمَت البِّنَةُ على نائبِ الصّغيرِ ثُمَّ بلَغَ الصَّغِيرُ يُقْضَى بها عليه، ولا يُكلَّفُ
بإعادةِ البِّنَةِ، كذا في "الخانَيَّة")).
ثُمَّ اعَلَمْ أنَّ ما ذكَرَهُ "المصنّفُ" إنما يَظهَرُ فيما لو كان القاضي المأذونُ بالإنابةِ أنابَ غِيرَهُ لا في نُوَّابِ
زمانِنا، فإنَّ كُلَّ مِن القاضي والّائبِ يَتَولّى مِن قِبَلِ نائبِ السُّلطانِ، فهما بمنزلةٍ قاضيَيْنِ كلٌّ تَوَّى مِن الخليفة.
(قولُهُ: ولعلَّ هذا محمولٌ على ما إذا لم يكن القاضي مأذوناً له بالإنابةِ إلخ) هذا الحَمْلُ غيرُ
مناسبٍ، فإنَّ المانعَ مِن جوازِ قضاءِ الّائبِ إنما هو أنَّ قضاءَ نائبِهِ كقضائِهِ بنفسِهِ، وإلاّ كان المانعُ هو عدمَ
صحَّةِ الإِنابةِ، وقولُهُ: ((والوجهُ)) لا يدلُّ لِما قالَهُ.
(١) صـ ٤١٠ - "در".
(٢) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٤/ب - ٥٥/أ.
حاشية ابن عابدين
٥٨٦
قسم المعاملات
فيجوزُ للقاضي أنْ يقضيَ بتلك الشَّهادةِ بإخبارِ النّائبِ وعكسُهُ، "خلاصة"(١) . .
(فروعٌ)
لا يَقضي القاضي لِمَن لا تُقبَلُ شهادتُهُ له إلّ إذا وَرَدَ عليه كتابُ قاضٍ لِمَن
لا تُقبَلُ شهادتُهُ له، فَيَجوزُ قضاؤُهُ به، "أشباه"(٢). وفيها(٢): ((لا يَقضِي لنفسِهِ ولا لولدِهِ
[٢٦٦٠١) (قولُهُ: لا يَقضِي القاضي إلخ) في "الهنديَّة"(٣): ((لا يجوزُ للقاضي أنْ يَقضِيَ
الوكيلِهِ، ولا لو كيلٍ وكيلِهِ، ولا لوكيلٍ أبيه وإنْ علا، أو ابنِهِ وإِنْ سفَلَ، ولا لعبدِهِ،
ولا لِمُكَاتَبِهِ، ولا لعبيدِ مَن لا تُقبَلُ شهادتُهُ لهم(٤)، ولا لِمُكَاتَبِهم، ولا لشَرِيكِهِ مُفَاوَضةً أو
عِناناً في مالِ هذه الشِّرْكةِ - كذا في "المحيط "(٥) - وكلِّ مَن لا تجوزُ شهادتُهُ كالوالدِينٍ
والمولودِين والزَّوجِ والزَّوجةِ، كذا في "شرحِ الطَّحاويِّ"(٦))) اهـ مُلخَّصاً. وفي "مُعين
الحكّامِ"(٧): ((مِمّا يَجْرِي مَجْرى القضاءِ الإفتاءُ، فينبغي للمُفتي الهروبُ مِن هذا متى قدَرَ))
اهـ، أي: وكان هناك مُفْتٍ غيرُهُ، "حَمَويّ"(٨)، "ط" (٩).
قلتُ: والعِلَّهُ في ذلك النُّهَمَةُ.
(قولُ "الشّارح": فَيَجوزُ قضاؤُهُ به إلخ) القَصْدُ أنَّ قضاءَ المكتوبِ إليه لابنِهِ صحيحٌ.
(١) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الثاني في أدب القضاة والحكام - الجنس الرابع في المعاملة مع المُدَّعي والمدَّعى عليه
ق١٩٧/أ بتصرف، وعبارتها: ((یاحضار)) بدل ((ياخبار)) بتصرف.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدَّعاوى صـ٢٦٨- بتصرف.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب أدب القاضي - الباب العشرون فيما يجوز فيه قضاء القاضي وما لا يجوز ٣٦٦/٣ - ٣٦٧.
(٤) في النسخ جميعها: ((شهادتهم له))، وما أثبتناه من "المحيط" و"الهندية" و"ط".
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب القضاء - الفصل العشرون فيما يجوز فيه قضاء القاضي وما لا يجوز ٤/ق ٨٠/ب.
(٦) هو شرح أبي نَصْرِ الاسبيجابيّ (ت حدود ٤٨٠ هـ) على "مختصر الطحاويّ"، وتقدمت ترجمته: ٤٨٧/١، ٤٥٠/٣.
(٧) "معين الحكام": الباب الخامس في أركان القضاء - الركن الثالث: المقضي له ص٣٩ -.
(٨) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدَّعاوى ٣٦٣/٢.
(٩) "ط": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢١٣/٣.
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
-٥٨٧
الجزء السادس عشر
إلّ في الوصيّة))، وحَرَّرَ "الشُّرُ نِبلاليُّ" في "شرحِهِ" لـ "الوهبائَّةِ" صحَّةَ قضاءِ القاضي
لأُمِّ امرأتِهِ ولامرأةٍ أبيه ولو في حياةِ امرأتِهِ وأبيه، وأَنَّه يَقضِي فيما هو تحتَ نظرِهِ من
الأوقافِ، وزادَ بيتين فقال: [طويل]
وعِرْسٍ أبيهِ وَهْوَ حَيٌّ مُحرَّرُ
ويَقْضِي لأَمِّ العِرْسِ حالَ حياتِها
[٢٦٦٠٢] (قولُهُ: إلّ في الوصيّةِ) صُورتُها ما في "الأشباه"(١): ((لو كان القاضي غريمَ
ميتٍ، فأثْبَتَ أنَّ فلاناً وَصِيُّهُ صَحَّ، وبَرِئَ بالدَّفْعِ إليه، بخلافِ ما إذا دَفَعَ له قبلَ القضاءِ امتَنَعَ
القضاءُ، وبخلافِ الوكالةِ عن غائبٍ، فإنَّه لا يجوزُ القضاءُ بها إذا كان القاضي مديونَ
الغائبِ سواءٌ كان قبلَ الدَّفْعِ أو بعدَهُ)).
[٢٦٦٠٣] (قولُهُ: ولو في حياةِ امرأتِهِ وأبيه) لكنْ بعدَ موتِهما يَقْضِي فيما لم يَرِثْ مِنه
كما يأتي(٢).
[٢٦٦٠٤] (قولُهُ: وزادَ بيتين) أي: زادَ على نَظْمِ "الوهبانَّة" بيتين وهما الأَوَّلانِ، أمّا
الثّالثُ فهو مِن زياداتِ شارحِها "ابنِ الشِّحنةِ"(٣)، نقَلَهُ عنه "الشُّرُ نبلاليُّ" في "شرحِهِ".
[٢٦٦٠٥] (قولُهُ: لأَمِّ العِرْسِ) بكسرِ العين، أي: لأُمِّ زوجتِهِ.
[٢٦٦٠٦] (قولُهُ: مُحرَّرُ خبرٌ لمبتدٍ محذوفٍ، أي: هذا الحكمُ مُحرَّرٌ، "ط " (٤).
(قولُهُ: وبخلافِ الوكالةِ عن غائبٍ إلخ) يُنظَرُ الفَرْقُ بينَ الوكالةِ والإيصاءِ، ثمَّ رأيتُ "الحمَويّ" في
"حاشيةِ الأشباه" ذكرَهُ حيث قال: ((والفَرْقُ: أنَّ القاضيَ يَملِكُ نَصْبَهُ بِدُونِ البِّةِ؛ لانقطاعِ الرَّجاءِ عن
النَّظَرِ لنفسِهِ، فلم يكن مُتَّهَماً، ولا يَملِكُ نَصْبَ الوكيلِ عِن الغائبِ؛ لرجاءِ حُضُورِهِ)) اهـ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدَّعاوى صـ ٢٦٨ - ٢٦٩ -.
(٢) المقولة [٢٦٦٠٨] قوله: ((مَقْضِيِّ)).
(٣) لم نعثر عليه في مطبوعة "تفصيل عقد الفرائد" التي بين أيدينا.
(٤) "ط": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢١٤/٣.
حاشية ابن عابدين
٥٨٨
قسم المعاملات
بميراثِ مَقْضِيٌّ به فَتَبَصَّرُوا
وبعدَ وفاةٍ إِنْ خَلا عن نصیبِهِ
الوَصْفِ القَضا والعِلْمِ أو كان يَنظُرُ
ويَقضِي بوَقْفٍ(١) مُستَحِقٌّ لِرَيْعِهِ
[٢٦٦٠٧] (قولُهُ: بميراثٍ) بدُونِ تنوينٍ للضَّرورةِ، ولو قال: ((مِن الإِرْثِ)) لكان أَولِى.
[٢٢٦٠٨] (قولُهُ: مَقْضِيٌّ) بالرَّفْعِ فاعلُ ((خَلَا))، قال "الشُّرُ نبلاليُّ" في "شرحِهِ": ((فأُّ
زوجتِهِ يصحُّ لها القضاءُ بالمالِ وغيرِهِ حالَ حياةِ زوجتِهِ، وبعدَ موتِ الزَّوجةِ يصحُّ فيما
لم يكن ميراثاً له عن زوجتِهِ، ولا يصحُّ في الموروثِ لاستحقاقِ القاضي حِصَّةً مِنه بالميراثِ مِن
زوجتِهِ. وقضاؤُهُ لزوجةٍ أبيه كذلك في حالِ حياةِ الأبِ يصحُّ مُطلقاً، وبعدَ موتِهِ يُخَصُّ بما لا
يَرِثُ مِنه القاضي كما إذا اَّعَت استحقاقاً في وَقْفٍ يَخُصُّها)) اهـ. ولا يخفى أنَّ هذا أيضاً
مخصوصٌ بما إذا كانَتْ أُمُّ زوجتِهِ المقضِيُّ لها حيَّةً، وإلّ كان قضاءً لزوجتِهِ فيما تَرِثُ مِنه.
[٢٢٦٠٩) (قولُهُ: وَيَقضِي إلخ) فاعلُهُ قولُهُ: ((مُستَحِقِّ))، قال "الشُّرُ نبلاليُّ": ((صورتُها:
وقَفَ على علماءِ كذا وسَلَّمَ للمُتولِّي، فاذَّعَى فسادَ (٣/ق٧٢٣٥) الوَقْفِ بسببِ الشُّيُوعِ عند
قاضٍ هو مِن أولئك العلماءِ نَفَذَ قضاؤُهُ، وكذا يَقضِي فيما هو تحتَ نَظَرِهِ مِن الأوقافِ)). قال
"ابنُ الشِّحنة"(٢): ((وقولي: لوَصْفِ القَضا والعِلْمِ لَيَخرُجَ ما لو كان استحقاقُهُ لذاتِهِ
لا لوصفٍ))، وهذه المسألةُ نظيرُ مسألةِ الشَّهادةِ على وَقْفٍ لمدرسةٍ [و](٣) هو مُسْتَحِقٌّ، وستأتي
٣٥٧/٤ في كتابِ الشَّهادات(٤)، والله سبحانه أعلم.
(قولُهُ: ولا يخفى أنَّ هذا أيضاً مخصوصٌ بما إذا كانَتْ أمُّ زوجتِهِ إلخ) تقييدٌ للشِّقِّ الأوَّلِ في كلامِ
"الشُّرُ نبلاليّ".
(١) في "د": ((لوقف)).
(٢) لم نعثر عليها في مطبوعة "تفصيل عقد الفرائد" التي بين أيدينا.
(٣) ما بين منكسرين ليس في النسخ جميعها، وهو لتصحيح العبارة كما يفهم من عبارته في كتاب الشهادات في
المقولة: [٢٦٩٧١] قوله: ((المدرسةِ)).
(٤) المقولة [٢٦٩٧١] قوله: ((المدرسةِ)).
الجزء السادس عشر
٥٨٩
مسائل شتی
هذه ﴿مسائلُ شَتّى﴾
أي: مُتَفرِّقةٌ، وجاؤوا شَتّى، أي: مُتَفرِّقين.
(ُيُمنَعُ صاحبُ سُفْلِ عليه عُلْوٌ) أي: طبقةٌ (لآخرَ مِن أَنْ يَتِدَ) أي: يَدُقَّ الوَتِدَ
(في سُفْلِهِ) وهو البيتُ التّحْتانيُّ،
﴿هذه مسائلُ شَتِّ﴾
٣٥٧/٤
قدَّرَ "الشّارعُ" لفظَ ((هذه)) إشارةً إلى أنَّ ((مسائلُ)) خبرُ مبتدٍ محذوفٍ، و((شَتّى))
صفةٌ لـ ((مسائلٌ)).
[٢٦٦١٠] (قولُهُ: أي: مُتفرّقَةٌ) ومِنه قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّسَعْيَكٌ لَشَقّ﴾ [الليل: ٤]، أي: لَمُخْتلِفٌ في
الجزاءِ، وتمامُهُ في "البحر"(١).
[٢٢٦١١) (قولُهُ: سُفْلٍ) بكسرِ السِّين وضمِّها: ضِدُّ (العُلْوِ) بضمِّ العين وكسرِها مع سكون
اللّم فيهما، "ط)"(٢) عن "الحمَويّ".
[٢٦٦١٢) (قولُهُ: مِن أَنْ يَتِدَ) أصلُهُ: يَوْتِدَ، حُذِفَت الواوُ لوُقُوعِها بينَ الياءِ والكسرةِ، مِن بابِ
ضرَبَ. والوَقِدُ - كما في "البحر"(٣) عن "البناية (٤) -: ((كالخازُوقِ: القِطعةُ مِن الْخَشَبِ أو الحديدِ
يُدَقُّ في الحائطِ لِيُعلَّقَ عليه شيءٌ أو يُربَطَ به))، وفي "البحر " (٥) أيضاً: ((وأشارَ "المصنّفُ" إلى
مَنْعِهِ مِن فَتْحِ البابِ ووَضْعِ الْجُنُوعِ وهَدْمٍ سُفْلِهِ. وقَّدَ بالنّصرُّفِ في الجدارِ احترازاً عن تَصَرُّفِهِ فِي
ساحةِ السُّفْلِ، فذكَرَ "قاضي خان" (٦): لو حَفَرَ صاحبُ السُّفْلِ في ساحِهِ بئراً وما أشَهَهُ له ذلك
عنده وإِنْ تَضَرَّرَ به صاحبُ العُلْوِ، وعندَهُما الحكمُ مَعْلُولٌ بِعِلَّةِ الضَّرَرَ)) اهـ.
(١) انظر "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٢٩/٧.
(٢) "ط": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٢١٤/٣ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٢٩/٧.
(٤) "البناية": كتاب أدب القاضي - باب التحكيم - مسائل شتَّى من كتاب القضاء ٧٤/٨ بتصرف.
(٥) "البحر": کتاب القضاء - مسائل شتّى ٢٩/٧ باختصار.
(٦) "شرح الجامع الصغير لقاضيخان": كتاب القضاء ٢/ق ٩٢/أ.
حاشية ابن عابدين
٥٩٠
قسم المعاملات
(أو يَنْقُبَ كَوَّةً) بفتحِ أو ضَمِّ: الطّاقَةُ، وكذا بالعكسِ، دَعْوى "المجمع" (بلا رِضا الآخرِ)
وهذا عندَهُ، وهو القياسُ، "بحر "(١).
[٢٦٦١٣) (قولُهُ: بفتحٍ و(٢) ضَمِّ) أي: مع تشديدِ الواوٍ، ويُحمَعُ الأوَّلُ على كَوّاتٍ
كحَّةٍ وحَبّاتٍ، والثّاني على كُوَّى(٣) بالمدِّ والقَصْرِ كمُدْيةٍ ومُدَّى، "ط)" (٤).
والكَوَّةُ: تَقْبُ البيتِ، وتُستَعارُ لمفاتيحِ الماءِ إلى المزارعِ والجداولِ، "بحر "(٥) عن
"المغرب" (٦). والمرادُ بها ما يُفتَحُ في حائطِ البيتِ لأجلِ الضَّوءِ، أو ما يُخرَقُ فيه بلا نفاذٍ
لأَجْلِ وَضْعِ متاعٍ ونحوِهِ.
[٢٦٦١٤] (قولُهُ: الطّاقةُ) تفسيرٌ للكُوَّةِ، لكنْ في "القاموس"(٧): ((الطّاقُ: ما عُطِفَ مِن
الأبنيةِ))، ولم أَرَ مَن ذكرَهُ في اللّغةِ بالنّاءِ، تأمَّل.
[٢٦٦١٥] (قولُهُ: وكذا بالعكسِ إلخ) أي: كما يُمنَعُ ذو السُّفْلِ يُمنَعُ ذو العُلْوِ، وعبارةُ
"المجمع": ((وكلٌّ مِن صاحبِ عُلْوٍ وسُفْلٍ ممنوعٌ مِن التَّصرُّفِ فيه إلّ بإِذنِ الآخرِ، وأَجازاهُ(٨)
إنْ لم يَضُرَّ به)). وفي "العينيِّ (٩): ((وعلى هذا الخلافِ إذا أرادَ صاحبُ العُلْوِ أنْ يبنيَ على
العُلْوِ شيئاً أو بيتاً، أو يَضَعَ عليه جُذُوعاً، أو يُحدِثَ كنيفاً)) اهـ. وكذا جعَلَهُ في "الهداية"(١٠)
(١) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتى ٢٩/٧ بتصرف.
(٢) في "م": ((أو)).
(٣) في "٢" و"ب" و"م": ((كواء))، وما أثبتناه من "الأصل" هو الصواب، لأن ((كِواءٌ)) هي جمعٌ ثانٍ لـ ((كَوَّةٌ)) بفتح الكاف.
(٤) "ط": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٢١٤/٣ بتصرف، نقلاً عن الحموي.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٢٩/٧ بتصرف.
. (٦) "المغرب": مادة ((كوي)) بتصرف.
(٧) "القاموس": مادة ((طوق)).
(٨) في "آ": ((وأجازه)) بالإفراد، وهو خطأ.
(٩) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - مسائل شتى ٩٣/٢ بتصرف.
(١٠) "الهداية": كتاب أدب القاضي - مسائل شتَّى ١٠٩/٣.
الجزء السادس عشر
٥٩١
مسائل شتى
وقالا: لكلِّ فعلُ ما لا يَضُرُّ، ولو انهَدَمَ السُّفْلُ بلا صُنْعِ رَبِّهِ لم يُحبَرْ على البناءِ
لعدمِ التَّعَدِّي، ولذي العُلْوِ أنْ يبنيَ ثمَّ يَرجِعَ بما أنْفَقَ إِلْ بَنَى بإذنِهِ أو إذنِ قاضٍ،
وإلّ فيقِيْمةِ البناءِ يومَ بَنَى،
على الخلافِ، لكنْ في "البحر"(١) عن قِسْمةِ "الولو الجِيَّة"(٢): ((اختَلَفَ المشايخُ على قولِهِ،
فقيل: له أنْ يَنِيَ ما بدا له ما لم يَضُرَّ بالسُّفْلِ، وقيل: وإنْ أَضَرَّ، والمختارُ للفَتْوى أنَّه إذا
أشكَلَ أَنَّه يَضُرُّ أم لا؟ لا يَملِكُ، وإذا عَلِمَ أنَّه لا يَضُرُّ يَمِلِكُ)).
[٢٦٦١٦] (قولُهُ: وقالا إلخ) قال في "الفتح"(٣): ((قيل: ما حُكِيَ عنهما تفسيرٌ لقولٍ
"الإمام"؛ لأَنَّه إنَّما يُمنَعُ ما فيه ضَرَرٌ ظاهرٌ لا ما لا ضَرَرَ فيه، فلا خلافَ بينهم، وقيل: بينهما
خلافٌ، وهو ما فيه شكٌّ، فما لا شكَّ في عدمٍ ضَرَرِهِ كوَضْعِ مِسْمارٍ صغيرٍ أو وسطٍ يجوزُ
اتفاقاً، وما فيه ضَرَرٌ ظاهرٌ كفَتْحِ البابِ ينبغي أنْ يُمنَعَ اتفاقاً، وما يُشَكُّ فِي التَّضرُّرِ به كدَقِّ
الوَتِدِ في الجدارِ أو السَّقْفِ فعندَهما لا يُمنَعُ، وعنده يُمنَعُ)) اهـ. وفي قِسْمة "المنية": ((أنَّ
المختارَ أنَّ الخلاف فيما إذا أشكَلَ، فعندَهُ يُمنَعُ، وعندهما لا)) اهـ، وكذا يأتي في كلام
"الشّارح" قريباً(٤): ((أَنَّه المختارُ للفَتْوى)).
[٢٢٦١٧] (قولُهُ: ولو انهَدَمَ السُّفْلُ إلخ) أي: بنفسِهِ، وأمّا لو هَدَمَهُ فقد قال في "الفتح"(٥):
((وعَلِمْتَ أَنَّه ليس لصاحبِ السُّفْلِ هَدْمُهُ، فلو هَدَمَهُ يُحَبَرُ على بنائِهِ؛ لأَنَّه تَعَدّى على حَقِّ
صاحبِ العُلْوِ، وهو قَرَارُ (٦) العُلْو)).
(١) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٢٩/٧ بتصرف.
(٢) "الولوالجية": الفصل الأول فيما تجوز القسمة وفيما لا تجوز إلخ ٣١٠/٣ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي - مسائل منثورة من كتاب القضاء ٤١١/٦ بتصرف.
(٤) صـ ٦٠٧ - "در".
(٥) "الفتح": كتاب أدب القاضي - مسائل منثورة من كتاب القضاء ٤١١/٦ - ٤١٢.
(٦) في "آ": ((إقرار)).
حاشية ابن عابدين
٥٩٢
قسم المعاملات
وتمامُهُ في "العينيّ".
مطلبٌ فيما لو انهَدَمَ الْمُشترَكُ وأرادَ أحدُهما البناءَ وأبى الآخرُ
[٢٦٦١٨] (قولُهُ: وتمامُهُ في "العينيِّ") حيث قال(١): ((بخلافِ الدّارِ المُشترَكةِ إذا انهَدَمَتْ
فبناها أحدُهما بغيرِ إذنِ صاحبِهِ حيث لا يَرجِعُ؛ لأنّه مُتْبرِّعٌ؛ إذ هو ليس بِمُضطَرِّ؛ لأنَّه يُمكِنُهُ
أنْ يَقسِمَ عَرْصَتَها وَيَنِيَ في نصبِبِهِ، وصاحبُ [٣/ ٢٣٥/ب] العُلْوِ ليس كذلك، حتّى لو كانت
الدّارُ صغيرةً بحيث لا يمكنُ الانتفاعُ بنصيِهِ بعدَ القِسْمةِ كان له أنْ يَرجِعَ، وعلى هذا إذا انْهَدَمَ
بعضُ الدّارِ أو بعضُ الحمّامِ فَأصلَحَهُ أحدُ الشَّرِيكَينِ له أنْ يَرجِعَ؛ لأَنَّه مُضْطَرٌّ؛ إذ لا يُمكِنُهُ
قِسْمَةُ بعضِهِ، ولو انهَدَمَ كُلُّهُ فعلى التّفصيلِ الذي ذكرناه)) اهـ، أي: إِنْ أمكَنَهُ قِسْمةُ العَرْصةِ
لَيَبْنِيَ في نصيِهِ لا يكونُ مُضطرّاً، وإلّ كان مُضطرّاً.
والحاصلُ: أَنَّه إذا انهَدَمَ كلُّ الدّارِ أو الحمّام فإنْ كان يُمكِنُهُ قِسْمَةُ العَرْصةِ لَيَيْنِيَ في
نصيبهِ لا يكونُ مُضطرّاً، فلو عَمَّرَ بدُونِ إذنٍ شريكِهِ يكونُ مُتَبرِّعاً.
والظّاهرُ: أنَّ المرادَ ما إذا أمكنَهُ إعادةُ العَرْصةِ داراً أو حَمّاماً كما كانَتْ لا مُطلَقُ البناءِ، وإنْ
كان لا يُمكِنُ قِسْمَةُ العَرْصةِ فهو مُضْطَرِّ، وإن انهَدَمَ بعضُ الحمّام أو بعضُ الدّارِ فهو مُضطَرِّ أيضاً.
والظّاهرُ: أنَّ المرادَ ما إذا كانت الدّارُ صغيرةً، أمّا إذا كانَتْ كبيرةً يُمكِنُ قِسْمَتُها فإنَّه
يَقْسِمُها فإنْ خَرَجَ المُنهدِمُ في نصِهِ بَنَاهُ، أو في نصيبٍ شريكِهِ يَفْعَلُ به شريكُهُ ما أرادَ.
(تنبيةٌ)
قال في "البحر"(٢): ((وذكَرَ "الحَلْوانِيُّ" ضابطً فقال: كلُّ مَن أُجبِرَ أنْ يفعلَ مع شريكِهِ
هذه مسائل شتى﴾
(قولُهُ: حَتّى لو كانت الدّارُ صغيرةً إلخ) انظُرْ ما تقدَّمَ في الشِّرْكةِ، فإِنَّ مُقتضاهُ توقُّفُ الرُّجُوعِ
على إذنِ الشَّريكِ أو القاضي، ويدلُّ عليه ما سيأتي له أيضاً، وأنَّ المسألةَ المذكورةَ خلافيَّةٌ.
(١) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٩٣/٢.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٣٤/٧.
الجزء السادس عشر
٥٩٣
مسائل شتی
فإذا فعَلَ أحدُهما بغيرِ أَمْرِ الآخَرِ لم يَرجِعْ؛ لأَنَّه مُتطوِّعٌ؛ إذ كان يُمكِنُهُ أنْ يُحبِرَ مثل:
كَرْيٍ الأنهارِ، وإصلاحِ السَّفينة الَّعِيْبةِ، وفِداءِ العبدِ الجاني. وإنْ لم يُحبَرْ لا يكونُ مُتطوِّعاً
كمسألةِ انهدامِ العُلْوِ والسُّفْلِ اهـ. ومِن ذلك لو أنفَقَ على الدَّبَّةِ بلا إذنِ شريكِهِ لم يَرجِعْ؛
لَتَمَكُِّهِ مِن رَفْعِهِ إلى القاضي لُيُحَبَرَ، بخلافِ الزَّرعِ المشترَكِ فإنّه يَرجِعُ؛ لأَنّه لا يُحَبَرُ شريكُهُ
كما في "المحيط"، فكان مُضطرّاً)) اهـ، وتمامُ ذلك فيه.
وذكَرَ (١) قبلَهُ: ((أَنَّ صاحبَ العُلْوِ إِنْ بَنَى السُّفْلَ بأمرِ القاضي رَجَعَ بما أنفَقَ، وإلّ فِيقِيْمةِ
البناءِ، به يُفْتَى، والصَّحيحُ أنَّ المعتبرَ في الرُّجُوعِ قِيْمةُ البناءِ يومَ البناءِ لا يومَ الرُّجُوع)).
قلتُ: وقد تلخّصَ مِن هذا الأصلِ ومِمّا قبلَهُ: أَنَّ إنْ لم يُضطَرَّ - بأنْ أمكَنَهُ الْقِسْمةُ- فَعَمَّرَ
بلا أَمْرٍ فهو مُتُبرٌِّ، وإلاّ فإنْ كان شريكُهُ يُحبَرُ على العملِ معه ككَرْىِ النّهرِ ونحوِهِ
٣٥٨/٤ فكذلك، وإنْ كان شريكُهُ لا يُجَبَرُ كمسألةِ السُّفْلِ لا يكونُ مُبرِّعاً، بل يَرجِعُ بما أنفَقَ إِنْ
بَنَى بأمرِ القاضي، وإلّ فيقِيْمةِ البناءِ يومَ البناء، وقد وقَعَ في هذه المسألةِ اضطرابٌ كثيرٌ،
وقدَّمنا(٢) تمامَ الكلامِ عليها آخِرَ الشِّرْكةِ. وكنتُ نَظَمتُ ذلك بقولي:
بُدُونِ إذنٍ للرُّجُوعِ ما مَلَكْ
وإنْ يُعَمِّرِ الشَّرِيكُ المُشْتَرَكْ
أمكَّنَهُ قِسْمةُ ذلك السَّكَنْ
إنْ لم يكنْ لذاكَ مُضطرّاً بأنْ
أَبَى على التَعميرِ يُحبَرُ فإِنْ
أمّا إذا اضطُرَّ لذا وكان مَن
وفعلُهُ بِدُونِ ذَا تَبَرُّعُ
بإذنِهِ أو إذنٍ قاضٍ يَرجِعُ
في السُّغْلِ والجدارِ يَرجِعُ بما
ثُمَّ إذا اضطُرَّ ولا حَبْرَ كما
لذا وإلّ فِقِيْمةِ البِنا
أنفَقَهُ إنْ كان بالإِذنِ بَنَى
(١) أي: صاحب "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٣٠/٧ بتصرف.
(٢) المقولة [٢١٢٢٧] قوله: ((والضَّابطُ إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٥٩٤
قسم المعاملات
ثُمَّ اعلمْ أنَّ صاحبَ العُلْوِ إذا بَنَى السُّفْلَ فله أنْ يَمنَعَ صاحبَ السُّفْلِ مِن السُّكْنى حتّى
يدفَعَ إليه؛ لكونِهِ مُضطرّاً، وكذا حائطٌ بينَ اثنين لهما عليه حَشَبٌ فَنَى أحدُهما فله مَنْعُ الآخَرِ
مِن وَضْعِ الْخَشَبِ حَتّى يُعطِيَهُ نصفَ قِيْمةِ البناءِ مَبْنيّاً كما في "البحر"(١). وفيه(١) عن "جامع
الفصولين"(٢): ((لكلِّ مِن صاحبِ السُّفْلِ والْعُلْوِ حَقٌّ في مِلْكِ الآخَرِ: لذي العُلْوِ حَقُّ قرارِهِ،
ولذي السُّغْلِ حَقُّ دَفْعِ المطرِ والشَّمسِ عن السُّفْلِ)) اهـ.
ثُمَّ نقَلَ (٣) عنه (٤) أيضاً: ((لو هدَمَ ذو السُّفْلِ سُفْلَهُ وذو العُلْوِ عُلْوَهُ أُخِذَ ذو السُّغْلِ
بناءِ سُفْلِهِ؛ إذ فَوَّتَ عليه حَقّاً أُلْحِقَ بالِلْكِ، فَيَضْمَنُ كما لو فَوَّتَ عليه مِلْكاً)) اهـ.
قال في "البحر"(٥): ((وظاهرُهُ أَنَّه لا حَبْرَ على ذي العُلْوِ، وظاهرُ "الفتح"(٦) خلاقُهُ، وهو
محمولٌ على ما إذا بَنَى ذو السُّغْلِ سُفْلَهُ وطلَبَ مِن ذي العُلْوِ بناءَ عُلْوِهِ فإِنَّه يُحَبَرُ)) اهـ، أي:
لأنَّ فَرْضَ [٣/ق١/٢٣٦] المسألةِ أَنَّ هدَمَ عُلْوَهُ، فُيُحبَرُ على بنائِهِ بعدَما بَنَى ذو السُّغْلِ سُفْلَهُ
لا قبلَهُ، وإنما أُجبِرَ لأنَّ لذي السُّفْلِ حَقّاً في العُلْوِ كما عَلِمْتَ، وأمّا لو انهَدَمَ العُلْوُ بلا صُنْعِهِ
فلا يُجَبَّرُ؛ لعدمٍ تَعَدِّيه - كما ذكَرَهُ(٧) "الشّارحُ" - فيما لو انهَدَمَ السُّفْلُ. وفي "البحر "(٨) عن
"الذَّخيرة": ((سَقْفُ السُّفْلِ وجُذُوعُهُ وهَرَادِيُّهُ وَبَوارِيه وطِيْنُهُ لذي السُّفْلِ)). قال(٨).
((وذكَرَ "الطَّرَسوسيُّ) (٩): أنَّ الهَرادِيَّ: ما يُوضَعُ فوقَ السَّقْفِ مِن قَصَبٍ أو عَرِيشٍ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٣٠/٧.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس والثلاثون في مسائل الحيطان ٢٠٧/٢.
(٣) أي: صاحب "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٣٠/٧.
(٤) أي: عن "جامع الفصولين": الفصل السادس والثلاثون في مسائل الحيطان ٢٠٧/٢.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٣٠/٧.
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي - مسائل منثورة من كتاب القضاء ٤١٢/٦.
(٧) صـ ٥٩١ - "در".
(٨) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٣٠/٧.
(٩) لم نعثر على المسألة في مطبوعة "أنفع الوسائل" التي بين أيدينا، ولعلها في مؤلَّف آخرَ له.
الجزء السادس عشر
٥٩٥
مسائل شتی
قلتُ: لكنْ في "المغرب"(١) عن "اللَّيث": ((الهُرْدِيَّةُ: قَصَبَاتٌ (٢) تُضَمُّ مَلْوِيَّةً بِطاقاتٍ
مِن الكَرْمِ يُرسَلُ عليها قُضْبَانُ الكَرْمِ)) اهـ، فهي التي تُسمّى في عُرفِنا سِقالةً.
هذا، وذكَرَ في "الخيريَّة"(٣): ((أَنَّ تطيينَ سَقْفِ السُّفْلِ لا يجبُ على واحدٍ منهما(٤)،
أمّا ذو العُلْوِ فَلَعَدَمٍ وُجُوبِ إصلاحٍ مِلْكِ الغيرِ عليه وإِنْ تَلِفَ الطَّيْنُ بالسَّكَنِ المأذونِ فيه
شرعاً، إلّ إذا تَعَدّى بإزالتِهِ فَيَضمَنُهُ، وأمّا ذو السُّفْلِ فِلعَدَمِ إجبارِهِ على إصلاحِ مِلْكِهِ، فإنْ
شاءَ طَيَّهُ ورفَعَ ضَرَرَ(٥) وَكْفِ الماءِ عنه، وإِنْ شاءَ تَحَمَّلَ ضَرَرَهُ)).
(تتمَّةٌ)
في "البحر"(٦) عن "جامع الفصولين)"(٧): ((جدارٌ بينَهما ولكلٍّ مِنهما حُمُولٌ، فَوَهَى
الحائطُ، فأرادَ أحدُهما رَفْعَهُ لْيُصلِحَهُ وَأَبَى الآخَرُ ينبغي أنْ يقولَ مُرِيدُ الإصلاحِ للآخَرِ: ارفَعْ
حُمُولَتَكَ بِأُسْطُواناتٍ وعُمُدٍ، ويُعِلِمُهُ أَنَّه يريدُ رَفْعَهُ في وقتِ كذا، وأشهَدَ على ذلك، فلو
فِعَلَهُ، وإلّ فله رَفْعُ الجدارِ، فلو سَقَطَتْ حُمُولُهُ لم يَضْمَنْ)) اهـ.
قلتُ: والظّاهِرُ أنَّ مثلَهُ ما إذا احتاجَ السُّفْلُ إلى العِمارةِ، فتعليقُ العُلْوِ على صاحبِهِ،
وهذه فائدةٌ حَسَنةٌ لم أَجِدْ مَن نَبَّهَ عليها.
(قولُهُ: جدارٌ بينَهما ولكلٍّ مِنهما حُمُولةٌ، فَوَهَى الحائطُ إلخ) انظُرْ ما سيذكرُهُ "المحشِّي" في
دَعْوى الرَّجُلين عندَ قولِ "المصنّف": ((وذو بيتٍ مِن دارٍ كذي بُيُوتٍ فِي حَقِّ ساحتِها)).
(١) "المغرب": مادة ((هرد)).
(٢) في النسخ جميعها ((قُضْبان))، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لما في "المغرب" و"اللسان".
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب الديات - فصل في الحيطان والطرق وما يتضرر به الجار ٢٠٤/٢.
. (٤) في "الأصل": ((منها))، وهو تحريف.
(٥) في "آ": ((ضرره)).
(٦) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٣٠/٧ - ٣١.
(٧) "جامع الفصولين": الفصل السادس والثلاثون في مسائل الحيطان - في الحائط المشترك لو انهدم أو خيف عليه ٢٠٥/٢.
٥٩٦
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
(زائغةٌ مُستطِيلةٌ) أي: سِكَّةٌ طويلةٌ (يَتَشعَّبُ عنها) سِكَّةٌ (مثلُها) لكنْ (غيرُ نافذةٍ)
[٢٦٦١٩] (قولُهُ: زائغةٌ مُستطِيلةٌ) وفي "الَّهذيب" (١): الزّائغةُ: الطَّرِيقُ الذي حادَ عن
الطّريقِ الأعظمِ اهـ. مِن: زاغَت الشَّمسُ إذا ماَلَتْ. والمستطِيلةُ: الطَّيلةُ، مِن: استَطالَ بمعنى
طالَ، أفادَهُ في "البحر"(٢).
[٢٦٦٢٠] (قولُهُ: مثلُها) أي: طويلةٌ، احترازاً عن المستديرةِ كما يأتي(٣).
[٢٦٦٢١) (قولُهُ: لكنْ غيرُ نافذةٍ) أفادَ أنَّ الأُولى نافذةٌ، وقد قال في "البحر "(٤): ((أطلَقَها
- أي: الأُولِى - تَبَعاً لأكثرِ الكتب، وقَيَّدَها في "الهداية"(٥) تبعاً للفقيهِ "أبي اللَّث"(٦) و"التُّمُرْ تَاشِيِّ".
بغيرِ النّافذةِ، ويمكنُ حَمْلُ كلامِهِ عليه لقولِهِ: مثلُها غيرُ نافذةٍ)) اهـ، أي: بناءً على أنَّ ((غيرُ
نافذةٍ)) بيانٌ لوجهِ المماثلةِ، وفيه نَظَرّ، بل المُتبادِرُ أنَّ المماثَلَةَ في الطُّولِ، و((غيرَ نافذةٍ)) حالٌ لبيانٍ
قَيْدٍ زائدٍ فيها على الأُولى، وإلّ لَزِمَ أنْ لا تكونَ الثّانيةُ مُقَيَّدةً بكونِها طويلةً فَيَشْمَلُ المُستدِيرةَ،
وهو غيرُ صحيحٍ. واستظهَرَ "الخيرُ الرَّمليُّ" إطلاقَ الأُولى؛ إذ لا عِبرةَ بكونِها نافذةً أو غيرَ
نافذةٍ؛ لامتناعِ مُرُورِ أهلِها في الثّانية مطلقاً، بخلافِ المُنشعِبَةِ كما يأتي(٧).
قلتُ: لكنْ في بعضِ الصُّورِ يَظهَرُ الفَرْقُ في الأُولى بينَ النافذةِ وغيرِها كما تَعرِفُهُ.
(قولُهُ: أفادَ أنَّ الأُولى نافذةٌ) بل مُمادُ التَّقييدِ المذكورِ شُمُولُ الأُولى للنّافذةِ وغيرِها.
(١) لم نقف في "تهذيب الأزهري" على ما نقله ابن عابدين رحمه الله، والذي فيه: ((زاغتِ الشمسُ تزيغُ زُيوغاً فهي
زائغة: إذا مالت وزالت)). انظر "التهذيب": مادة ((زيغ)) ١٦٣/٨.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٣١/٧.
(٣) المقولة [٢٦٦٢٨] قوله: ((وفي زائغةٍ مُستدِيرٍ)).
(٤) "البحر": كتاب القضاء - مسائل شتّى ٣١/٧ بتصرف.
(٥) في النسخ جميعها: (("النهاية"))، وما أثبتناه من عبارة "البحر"، والمسألة في "الهداية": كتاب أدب القاضي - مسائل
شتى من كتاب القضاء ١٠٩/٣.
(٦) "عيون المسائل": باب الشفعة - شراء دارين في سكة غير نافذة ٢٥٨/٢.
(٧) المقولة [٢٦٦٢٧] قوله: ((إذ لا حَقَّ لهم في الْمُرُورِ)).
الجزء السادس عشر
٥٩٧
مسائل شتی
إلى محلِّ آخرَ (ُيُمنَعُ أهلُ الأُولى عن فَتْحِ بابٍ) للمُرُورِ، لا للاستِضاءَةِ والرِّيحِ، "عينيّ(
[٢٦٦٢٢] (قولُهُ: إلى محلٌّ آخرَ) مُتعلِّقٌ بـ ((نافذةٍ))، والمرادُ به الطَّريقُ العامّ أو ما يُتوصَّلُ
مِنه إليه احترازاً عن النافذةِ إلى سِكَّةٍ أُخرى غيرِ نافذةٍ.
مطلبٌ في فَتْحِ بابٍ آخرَ للدّار
(٢٦٦٢٣] (قولُهُ: عن فَتْحِ بابٍ للمُرُورِ) قال في "فتح القدير "(٢): ((قال بعضُ المشايخ:
لا يُمنَعُ مِن فَتْحِ البابِ، بل مِن الْمُرُورِ؛ لأنَّ له رَفْعَ كلِّ جدارِهِ، فكذا له رَفْعُ بعضِهِ، والأصحُّ
أنَّه يُمنَعُ مِنِ الفَتْحِ؛ لأنّه منصوصٌ عليه في الرِّواية بنصِّ "محمَّدٍ" في "الجامع"(٣)، ولأنَّ المَنْعَ
بعدَ الفتحِ لا يُمكِنُ؛ إذ [لا](٤) يُمْكِنُ مراقبتهُ ليلاً ونهاراً في الخروجِ فَيَخرُجُ، ولأَنَّه عَساهُ
يَدَّعِي بعدَ تركيبِ البابِ وطُولِ الزَّمانِ حَقّاً فِي الْمُرُورِ، ويَستدِلُّ عليه بتركيبِ الباب)) اهـ.
[٢٦٦٢٤] (قولُهُ: لا للاستِضاءَةِ والرِّيحِ) قال "العينيُّ)(٥) بعدَ حكايةِ القولَينِ المذكورَينِ:
((ولكنْ هذا فيما إذا أرادَ بفَتْحِ البابِ الْمُرُورَ، فإِنَّه يُمنَعُ استحساناً، وإذا أرادَ به الاستِضاءَةً
والرِّيحَ دُونَ الْمُرُورِ لم يُمنَعْ مِن ذلك، كذا نقَلَهُ "فخرُ الإِسلام" عن الفقيهِ "أبي جعفرٍ")) اهـ.
٣٥٩/٤
قلتُ: وهذا إذا كان البابُ عالياً لا يَصلُحُ للمُرُورِ كما يدلُّ عليه الَّعليلُ الماءُّ(٦)، وإلّ
كان قولَ بعضِ المشايخِ بعَيْنِهِ، وهو خلافُ الأصحِّ، فَعُلِمَ أنَّ المرادَ غيرُهُ، [٣/ق٢٣٦/ب] وهو
مسألةُ الطّاقةِ الآتيةُ(٧)، فافهم.
(قولُهُ: إذ تُمكِنُ مراقبتُهُ) حقُّهُ: لا تُمكِنُ إلخ.
(١) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٩٤/٢ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي - مسائل منثورة من كتاب القضاء ٤١٣/٦ بتصرف.
(٣) "الجامع الصغير": كتاب القضاء - باب الدعوى صـ٣٨٥ -.
(٤) ((لا)) ساقطة من النسخ جميعها، وما أثبتناه من خطّ ابن عابدين رحمه الله في مسوّدته هو الصواب الموافق لعبارة
الفتح، وقد أشار إلى الصواب الرافعيُّ ومصحِّحُ "م" رحمهما الله تعالى.
(٥) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - مسائل شتَّى ٩٤/٢.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) صـ ٦٠٥ - "در".
حاشية ابن عابدين
٥٩٨
قسم المعاملات
(في القُصْوى) الغيرِ النّافذةِ على الصَّحيحِ؛ إذ لا حَقَّ لهم في الْمُرُورِ، بخلافِ النّافذةِ(١).
[٢٦٦٢٥) (قولُهُ: في القُصْوى) أي: الْبُعْدى، وهي المنشعّةُ مِن الأُولى الغيرِ النّافذةِ، أمّا
الّافذةُ فلا مَنْعَ مِن الفَتْحِ فيها؛ لأنَّ لكلِّ أحدٍ حَقَّ المُرُورِ فيها.
[٢٦٦٢٦] (قولُهُ: على الصَّحيحِ) مُقابِلُهُ ما قدَّمناهُ(٢) آنفاً مِن القولِ (٣) بأنّه لا يُمنَعُ مِن
الفَتْحِ، بل مِن الْمُرُور.
[٢٦٦٢٧] (قولُهُ: إذ لا حَقَّ لهم في الْمُرُورِ) أي: لا حَقَّ لأَهلِ الرّائغةِ الأُولِى فِي الْمُرُورِ فِي
الزّائغةِ القُصْوى، بل هو لأهلِها على الخُصُوصِ، ولذا لو بِيْعَتْ دارٌ في القُصْوى لم يكنْ لأهلٍ
الأُولى شُفْعَةٌ فيها، كذا في "الفتح"(٤)، أي: لا شُفْعَةً لهم بَحَقِّ الشّركةِ في الطَريقِ؛ إذ لو كان
جاراً مُلاصِقاً كان له الشُّفْعَةُ، "شُرُّنِبِلالَيَّة"(٥). ثمَّ قال في "الفتح"(٦): ((بخلافِ أهلِ القُصْوى،
فإنَّ لأحدِهِم أنْ يَقْتَحَ باباً في الأُولى؛ لأنَّ له جَقَّ الْمُرُورِ فيها)) اهـ.
قال العلاّمةُ "المقدسيُّ": ((هذا إذا فَتَحَ في جانبٍ يَدخُلُ مِنه إليها، أمّا في الجانبِ الآخرِ
غيرِ النّافذِ فلا)) اهـ.
وفيه فائدةٌ حَسَنَةٌ يُفيدُها التَّعليلُ أيضاً، وهي أنَّ الزّائغةَ الأُولى إذا كانَتْ غيرَ نافذةٍ،
وأرادَ واحدٌ مِن أهل القُصْوِى فَتْحَ بابٍ في الأُولى له ذلك إنْ كانَتْ دارُهُ مُتَّصِلَةً بُرُكنِ الأُولى،
وكانَتْ مِن جانبِ الدُّخولِ إلى القُصْوى، أمّا لو كانَتْ مِن الجانبِ الثّاني فلا؛ إذ لا حَقَّ له في
(قولُهُ: لم يكنْ لأهلِ الأُولى شُفْعَةٌ فيها) ولو غيرَ نافذةٍ كما يأتي في الشُّفْعة.
(١) في هامش "د": ((فإنَّ المرورَ فيها حقُّ العامَّةِ، ولا خلافَ أنَّ له أنْ يفتحَ، "فتح")).
(٢) المقولة [٢٦٦٢٣] قوله: ((عن فَتْحِ بابٍ للمُرُورِ)).
(٣) في "ب": ((الفول))، وهو خطأ.
(٤) "الفتح": كتاب أدب القاضي - مسائل منثورة من كتاب القضاء ٤١٣/٦.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب القضاء - مسائل شتى ٤١٦/٢ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي - مسائل منثورة من كتاب القضاء ٤١٣/٦.