النص المفهرس

صفحات 561-580

الجزء السادس عشر
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
٥٥٩ -
لشهادِهم على فعلِ المُسلِمٍ، (إلّ إذا أَقَرَّ الْخَصْمُ فلا حاجةَ إليهم) أي: الشُّهودِ، (بخلافِ
كتابِ الأَمانِ) في دارِ الحربِ (حيث لا يَحتاجُ إلى بَيِّنةٍ) لأَنَّه ليس ◌ُلزِمٍ. وفي "الأشباه":
((لا يُعمَلُ بالخَطِّ إلاّ في مسألةٍ كتابِ الأمان،
[٢٦٥٤٥] (قولُهُ: لشهادتِهم على فعلِ المسلم) وهو أنَّه كَتَبَ الكتابَ وخَتَمَهُ وقرَأَهُ عليهم
وسَلَّمَهُ إليهم.
[٢٦٥٤٦] (قولُهُ: إلّ إذا أَقَرَّ الَخَصْمُ) أي: بأَنَّه كتابُ فلان القاضي.
[٢٦٥٤٧] (قولُهُ: بخلافِ كتابِ الأمانِ) معناه: إذا جاءَ الكتابُ مِن مَلِكِهِم بطلبِ الأمان،
"بحر"(١) عن "العناية"(٢).
[٢٦٥٤٨] (قولُهُ: لأَنَّه ليس بُلزِمٍ) لأنَّ له أنْ لا يُعطِيَهم الأمانَ بخلافِ كتابِ القاضي، فإنَّه يجبُ
على القاضي المكتوبِ إليه أنْ يَنظُرَ فِيهِ وَيَعمَلَ به، ولا بدَّ للمُلزِمِ مِن الْحُجَّةِ، وهي البَِّةُ، "فتح" (٣).
(فرعٌ)
لو مَرِضَ شُهُودُ الكتابِ في الطَّريقِ أو الرُّجُوعِ إلى بَلَدِهم أو السَّغرِ إلى بلدةٍ أُخرى،
فَأَشْهَدُوا قوماً على شهادتِهِم جاز، وتمامُهُ في "الخانَةِ" (٤).
مطلبٌ: لا يُعمَلُ بالَخَطّ
[٢٦٥٤٩] (قولُهُ: لا يُعمَلُ بالخَطِ) عبارةُ "الأشباه"(٥): ((لا يُعتمَدُ على الخَطّ، ولا يُعمَلُ
(قولُ "الشّارح": لأَنَّه ليس بُلزِمٍ) هو وإنْ كان غيرَ مُلزِمٍ إلّ أَنَّه يَتْبُتُ الأمانُ لحاملِهِ، فإنَّ الرَّسولَ
لا يَحتاجُ إلى أمانٍ خاصٍّ كما في "السِّنديّ" عن "البحر". والظّاهرُ: أنَّ العَّةَ في عدمِ اشتراطِ البِّنةِ على
أَنَّه كتابُ مَلِكِ أهلِ الحرب هو التَّعذُّرُ غالبً، وانظُرْ ما يأتي أوَّلَ كتابِ الشَّهادة.
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٤/٧.
(٢) "العناية": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٨٦/٦ بتصرف (هامش "فتح القدير").
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٨٦/٦.
(٤) انظر "الخانية": كتاب الشهادات - فصل في الشهادة على الشهادة ٤٨٦/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ ٢٥٧ -.

حاشية ابن عابدين
٥٦٠
قسم المعاملات
ويُلحَقُ به البراءاتُ،
بمكتوبِ الوَقْفِ الذي عليه خُطُوطُ القُضاةِ الماضِيْنَ)) إلخ، قال "البيريُّ"(١): ((المرادُ مِن قولِهِ:
لا يُعْتمَدُ أي: لا يَقضِي القاضي بذلك عندَ المنازَعةِ؛ لأنَّ الخَطَّ مما يُزَوَّرُ ويُفتَعَلُ كما في "مختصر
الظَّهِيرِيَّةِ"(٢)، وليس مِنه ما في دواوينِ القُضاةِ)) إلى آخرِ ما قدَّمْناهُ(٣) أوَّلَ القضاءِ عند قولِهِ:
((فإذا تقلَّدَ طَلَبَ ديوانَ قاضٍ قبلَهُ))، فراجِعْهُ.
[٢٦٥٥٠] (قولُهُ: وَيُلحَقُ به البَراءاتُ) عبارةُ "الأشباه"(٤): ((ويمكنُ إلحاقُ البَراءاتِ السُّلطانَّةِ
المتعلّقةِ بالوظائفِ إنْ كانتِ العِلَّةُ [٣/ق٢٣١/ ب] أَنَّ - يعني: كتابَ الأمان - لا يُزَوَّرُ، وإنْ كانتِ العِلَّةُ .
الاحتياطَ في الأمانِ لِحَقْنِ الدَّمِ فلا)).
أقولُ: يجبُ المصيرُ إلى الأخيرِ، "سائحانيّ"، أي: لإمكانِ الّزْويرِ، بل قد وقَعَ كما ذكرَهُ
"الحمَويُّ" (٥)، وحينئذٍ فلا يصحُّ الإِلحاقُ، ولكنْ قد عَلِمتَ أنَّ العِلَّةَ في كتابِ الأَمانِ أَنَّه غيرُ
مُلزِمٍ، وقدَّمنا(٦) أوَّلَ القضاءِ استظهارَ كونِ عِلَّةِ العملِ بما له رُسُومٌ في دواوينِ القُضاةِ الماضِيْنَ
هي الضَّرورةَ، وهنا كذلك، فإِنَّه يَتَعدَّرُ إقامةُ البِّنّةِ على ما يَكتُبُهُ السُّلطانُ من البراءاتِ لأصحابِ
الوظائفِ ونحوِهم، وكذا منشورُ القاضي والوالي وعامَّةُ الأوامرِ السُّلطانَّةِ مع جَرَيانِ العُرفِ
٣٥٢/٤ والعادةِ بقَبُولِ ذلك بمجرَّدٍ كتابِهِ، وإمكانُ تَزْويرِها على السُّلطانِ لا يَدفَعُ ذلك؛ لأَنَّه وإنْ وَقَعَ
فهو أمرٌ نادرٌ قَلَّما يقعُ، وهو أندرُ مِن إمكانِ تَزْويرِ الشُّهودِ، وهو أولى بالقَبُولِ مِن دفترِ الصَّافِ
ونحوِهِ، فَإِنَّهم عَمِلُوا به للعُرفِ كما يأتي(٧).
(١) "عمدة ذوي البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١١٥/أ باختصار.
(٢) المسمى بـ: "المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية" للعيني (ت٨٥٥هـ)، وتقدمت ترجمته ٤٠٠/١٢.
(٣) المقولة [٢٦٠٤٣] قوله: ((فإذا تقلَّدَ طَلَبَ ديوانَ قاضٍ قبلَهُ)).
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ ٢٥٧ -.
(٥) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي ٣٠٩/٢.
(٦) المقولة [٢٦٠٤٣] قوله: ((فإذا تقلَّدَ طَلَبَ ديوانَ قاض قبلَهُ)).
(٧) في المقولة الآتية.

الجزء السادس عشر
٥٦١
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
مطلبٌ في العملِ بما في الدَّفاترِ السُّلطانَيَّة
وذكَرَ العلاّمةُ "البَعْلِيُّ" في "شرحِهِ" على "الأشباهِ"(١): ((أنَّ للشّارحِ العلاّمةِ الشَّيخِ "علاء
الدِّين" رسالةً(٢) حاصلُها - بعدَ نقلِهِ ما في "الأشباه"، وأنَّ "ابنَ الشِّحنةِ"(٢) و"ابنَ وهبانَ" جَزَما
بالعملِ بدفترِ الصَّرّافِ ونحوِهِ لعِلَّةٍ أَمْنِ التَّزْويرِ كما جزَمَ به "البزّزيُّ"(٤) و"السَّرْ خسيُّ) (٥)
و"قاضي خان"(٦) - قال: إنَّ هذه العِلََّ في الدَّفاترِ السُّلطانَّةِ أَولى كما يَعرِفُهُ مَن شاهَدَ أحوالَ
أهاليها حين نَقْلِها؛ إذ لا تُحرَّرُ أوَّلا إلّ بإذنِ السُّلطانِ، ثُمَّ بعدَ اتّفاقِ الَجَمِّ الغفيرِ على نَقْلِ ما
فيها مِن غيرِ تَساهُلٍ بزيادةٍ أو نقصانٍ تُعرَضُ على المعَّنِ لذلك فَيَضَعُ خَطَّهُ عليها، ثمَّ تُعرَضُ
على المُتولّي لِحِفْظِها المسمّى بدفتر أميني فَيَكُتُبُ عليها، ثُمَّ تُعادُ أصولُها إلى أَمْكِنَتِها المحفوظةِ
بالخَتْمِ، فالأَمْنُ مِن التّزْويرِ مقطوعٌ به، وبذلك كلِّهِ يَعَلَمُ جميعُ أهلِ الدَّولةِ والكُتَبَةُ، فلو وُجِدَ في
الدَّفاترِ أنَّ المكانَ الغُلانيَّ وَقْفٌ على المدرسةِ الغُلانِيَّةِ مثلاً يُعمَلُ به مِن غيرٍ بِّنةٍ، وبذلك يُقْتي
مشايخُ الإِسلام كما هو مُصرَّحٌ به في "بهجة " "عبد الله أفندي"(٧) وغيرِها، فليُحفَظُ)) اهـ.
قلتُ: وَيُؤيِّدُهُ العملُ بما في دواوينِ القُضاةِ الماضِيْنَ، وكأنَّ مشايخَ الإِسلامِ المُوَلَّيْنَ في
الدَّولةِ العثمانيّة أَفْتَوا بما ذُكِرَ إلحاقاً للدَّفاترِ السُّلطانَيَّةِ بدواوينِ القُضاةِ المذكورةِ لاَّحادِ العِلَّةِ
فيهما، والله سبحانه أعلم. لكنْ قدَّمنا(٨) في الوَقْفِ عن "الخيريَّة": ((أَنَّه لا يَتْبُتُ الوَقْفُ
بمجرَّدٍ وُجُودِهِ فِي الدَّفْتِ السُّلطانِيِّ)).
(١) المسمى "التحقيق الباهر شرح الأشباه والنظائر" لهبة الله التاجيّ (ت١٢٢٤ هـ)، وتقدمت ترجمته ١٨٩/١.
(٢) لم نقف عليها.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشهادات - جواز الشهادة على خطّ السِّمسار ٣٢٥/١.
(٤) "البزازية": كتاب الإقرار - الفصل الأول فيما يكون إقراراً ٤٤٥/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) لم نعثر عليها في مظانها من مطبوعة "المبسوط" التي بين أيدينا.
(٦) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبِّات - باب ما يبطل دعوى المدَّعي قبل القضاء أو بعده ٤٤٢/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) المسماة "بهجة الفتاوى"، وتقدمت ترجمتها ٥٩٤/١٣.
(٨) المقولة [٢١٦٥٨] قوله: ((وقوَّاهُ في "الفتح" بقولهم إلخ)).

حاشية ابن عابدين
٥٦٢
قسم المعاملات
ودفترٍ بَّاعٍ وصَرّافٍ وَسِمْساٍ(١)))،
مطلبٌ في دفترِ البَّاعِ والصَّافِ والسِّمْسارِ
[٢٦٥٥١] (قولُهُ: ودفترٍ بَيّاعٍ وصَرّافٍ وسِمْسارٍ) عطفٌ على ((كتابِ الأمانِ))، فإنَّ
هذا منصوصٌ عليه لا مُلحَقٌ به، فقد قال في "الفتح"(٢) مِن الشَّهادات: ((إنَّ خَطَّ السِّمْسَارِ
والصَّافِ حُجَّةٌ للعُرفِ الجاري به)) اهـ. قال "البيريُّ"(٣): ((هذا الذي في غالبِ الكتبِ
حتّى "المجتبى"، فقال في الإقرار: وأمّا خَطُّ البَّاعِ والصَّافِ والسِّمْسارِ فهو حُجَّةٌ وإنْ لم
يكن مُصدَّراً مُعَنْوَناً يُعرَفُ ظاهراً بينَ النّاس، وكذلك(٤) ما يَكُتُبُ النّاسُ فيما بينهم يجبُ أنْ
يكونَ حُجَّةً للعُرفِ اهـ. وفي "خزانةِ الأكملِ": صَرّفٌ كَتَبَ على نفسِهِ بمالٍ معلومٍ وخَطُّهُ
معلومٌ بينَ التَّجّارِ وأهلِ البلدِ، ثُمَّ مات، فجاءَ غَرِيمٌ يَطْلُبُ المالَ مِن الورثةِ وعَرَضَ خَطَّ
الميتِ بحيث عرَفَ النّاسُ خَطَّهُ يُحكَمُ بذلك في تَرِكِتِهِ إِنْ تَبَتَ أَنَّه خَطُّهُ، وقد جَرَت العادةُ
بينَ النّاس بمثلِهِ حُجَّةً اهـ. قال العلاّمةُ "العَيْنِيُّ) (٥): والبناءُ على العادةِ الظّاهرةِ واجبٌ، فعلى
هذا إذا قال البّاعُ: وَجَدتُ في ياد كاري(٦) بَخَطِّي، أو كَتَبتُ في ياد كاري(٦) بيدي أنَّ لفلان
عليَّ ألفَ درهمٍ كان هذا إقراراً مُلزِماً إيّاهُ. أقولُ: ويُزادُ أنَّ العملَ في الحقيقةِ إنما هو
ء
لِمُوجَبِ العُرْفِ لا بمجرَّدِ الخَطِّ، والله أعلم. وبهذا عُرِفَ أنَّ قولَهم فيما إذا ادَّعَى رجلٌ مالاً
وأخرَجَ بالمالِ خَطّاً، وادَّعَى أَنَّه خَطُّ الْمُدَّعَى عليه، فأنكَرَ كونَ الخَطِّ خَطَّهُ، فاستُكِبَ
فَكَتَبَ، وكان بين الخَطَّينِ مُشابهةٌ ظاهرةٌ تدلُّ على أنَّهما خَطُّ كاتبٍ واحدٍ اختلَفَ فيه
المشايخُ، والصَّحيحُ أنَّه لا يُقضَى بذلك، فإنَّه لو قال: هذا خَطِّي وليس عليَّ هذا [٥/٣ ١/٢٣٢]
(١) في هامش "د": ((وهو المسمى بالجرّاد في زماننا)).
(٢) "الفتح": كتاب الشهادات - فصل يتعلَّق بكيفية الأداء ومُسوِّغِهِ ٤٦٤/٦.
(٣) "عمدة ذوي البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١١٥/أ - ب.
(٤) في "م": ((و كذا)).
(٥) لم نعثر على المسألة في "البناية" ولا في "رمز الحقائق".
(٦) في "الأصل" و"آ": ((باركار))، وقال ابن عابدين رحمه الله في "منحة الخالق على البحر الرائق" ٦٩/٧: ((ياركار:
بالياء المثناة من تحت والراء المهملة آخرها راء، مركّبٌ معناه المذكّر، وهو هنا الدفتر))، وقد ذكرت هكذا بالياء في
هامش مخطوطة "البحر" ٣/ق ٣٠٤/أ.

الجزء السادس عشر
٥٦٣
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
المالُ كان القولُ قولَهُ، يُستثنَى مِنه ما إذا كان الكاتبُ سِمْساراً أو صَرّافاً أو نحوَ ذلك مِمَّن
يُؤْخَذُ بَخَطِّهِ، كذا في "قاضي خان"(١))) اهـ كلامُ "البيريّ".
قلتُ: ويُستشَى مِنه أيضاً ما قدَّمناهُ(٢) أوَّلَ الباب مِن كتابةِ القاضي إلى الأميرِ الذي
وَلَّهُ، وكذا ما سيذكرُهُ "الشّارح"(٣) في الشَّهاداتِ(٤) عن "شرح الوهبانَّة" و"الملتقط"، وهو:
((ما إذا كان على وجهِ الرِّسالةِ مُصدَّراً مُعَنْوَناً)) اهـ. وهو أنْ يَكُتُبَ فِي صَدْرِهِ: مِن فلانٍ إلى
فلان على ما جَرَتْ به العادةُ، فهذا كالنُّطْقِ، فَلَزِمَ حُجَّةً كما في "الملتقى"(٥) و"الزَّيلعيِّ" (٦) مِن
مسائلَ شَتّى آخرَ الكتاب، ومثلُهُ في "الهداية"(٧) و"الخانَّةِ"(٨)، وهذا إذا اعتَرَفَ أنَّ الخَطَّ خَطُّهُ
فإنّه يَلْزَمُهُ ما فيه وإِنْ أَنكَرَ أنْ يكونَ في ذِمَّتِهِ ذلك المالُ، بخلاف ما إذا لم يكن مُصدَّراً مُعَنْوَناً
كما هو صريحُ "الخانيّة"(٨)، وهذا ذَكَرُوه في الأخرسِ، وذكَرَ في "الكفاية"(٩) آخرَ الكتابِ عن
"الشّافي"(١٠): ((أَنَّ الصَّحيحَ مثلُ الأخرسِ، فإذا كان مُستِيناً مرسوماً وثبَتَ ذلك بإقرارِهِ أو
بِّنةٍ فهو كالخِطابِ)) اهـ. ومُقتضى كلامِهم اختصاصُ ذلك بكونِهِ على وجهِ الرِّسالةِ إلى
الغائبِ، وهو أيضاً مُفادُ كلامٍ "الفتح"(١١) في الشَّهاداتِ، فراجعْهُ.
(١) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبِّنات - باب ما يبطل دعوى المدَّعي قبل القضاء أو بعده ٤٤٢/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) المقولة [٢٦٥٢٧] قوله: ((إلى القاضي)).
(٣) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٨٤٨] قوله: ((لا يُصدَّقُ)).
(٤) ((في الشهادات)) ليست في "ب" و"م".
(٥) "ملتقى الأبحر": مسائل شتى ٣٣٦/٢ بتصرف.
(٦) "تبيين الحقائق": مسائل شتى ٢١٨/٦.
(٧) "الهداية": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ١٠٦/٣ بتصرف.
(٨) "الخانية": كتاب الشهادات - فصلٌ مِنْ كتاب القاضي إلى القاضي ٤٨٨/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "الكفاية": مسائل شتى ٤٤٨/٩ (ذيل "فتح القدير").
(١٠) "الشافي"، لشمس الأئمة الكردريّ، وتقدمت ترجمته ٢٠٦/١٢.
(١١) "الفتح": كتاب الشهادات - فصل يتعلَّقُ بكيفية الأداء ومُسوِّغِه ٤٦٤/٦.

حاشية ابن عابدين
٥٦٤
قسم المعاملات
لكنْ في شهاداتِ "البحر"(١) عن "البزّازِيَّةِ"(٢) ما يدلُّ على أنَّه لا فَرْقَ في الْمُعَنْوَنِ بين كونِهِ
الغائبٍ أو لحاضرٍ، ومثلُهُ ما في "فتاوى قارئ الهداية"(٣): ((إذا كتَبَ على وَجْهِ الصُّكُوكِ
يَلْزَمُهُ المالُ، وهو أنْ يَكُتُبَ: يقولُ فلانٌ الفلانيُّ: إنَّ فِي ذِمَّتِي لفلانِ الفلانيِّ كذا وكذا، فهو
إقرارٌ يَلْزَمُ، وإنْ لم يَكُتُبْ على هذا الرَّسمِ فالقولُ قولُهُ مع يمِينِهِ)) اهـ.
[مطلبٌ: دفاترُ النّجّارِ في الحساباتِ اليومَ دليلٌ مُعتَبَرٌ فيما يَكُتُبُونَهُ على أنفسِهم،
بخلافِ ما يَكْتُبُونَهُ لأنفسِهِم]
قلتُ: والعادةُ اليومَ في تصديرِها بالعُنوانِ أَنَّه يقالُ فيها: سببُ تحريرِهِ هو أَنَّه تَرَّتَّبَ فِي ذِمَّةٍ
فلان الفلانيِّ إلخ، وكذا الوُصُولُ الذي يقال فيه: وَصَلَ إلينا مِن يدِ فلان الفلانيِّ كذا، ومثلُهُ ما
يكتُبُهُ الرَّجلُ في دفترِهِ مثل قولِهِ: عُلِمَ بيانُ الذي في ذِمَّتِنَا لفلان الفلانيِّ، فهذا كلُّهُ مُصدّرٌ مُعَنْوَدٌ
حَرَت العادةُ بِتَصْدِيرِهِ بذلك، وهو مُفَادُ كلامٍ "قارئ الهداية" المذكورِ، فمُقتضاهُ أنَّ هذا كلَّهُ إذا
اعْتَرَفَ بأنّه خَطُّهُ يَلزَمُهُ، وإنْ لم يكن مُصدَّراً مُعَنْوَنَاً لا يَلْزَمُهُ إذا أنكَرَ المالَ وإن اعتَرَفَ بكونِهِ
كُتِبَهُ بَخَطِّهِ، إلّ إذا كان بَيّاعاً أو صَرّافاً أو سِمْساراً؛ لِما في "الخانَيَّة"(٤): ((وصَكُّ الصَّرّافِ
والسِّمْسارِ حُجَّةٌ عُرفاً)) اهـ، فشَمِلَ ما إذا لم يكن مُصدَّراً مُعَنْوَناً، وهو صريحُ ما مَرَّ(٥) عن
"المجتبى"، وما إذا لم يَعترِفْ بأنَّه خَطُّهُ كما هو صريحُ ما مَرَّ(٥) عن "الخزانة".
٣٥٣/٤
ثُمَّ إِنَّ قولَ "المجتبى": ((وكذا ما يَكُتُبُ النّاسُ فيما بينهم إلخ)) يُفيدُ عدمَ الاقتصارِ على
الصَّافِ والسِّمْسَارِ والبَيّاعِ، بل مثلُهُ كلُّ ما حَرَت العادةُ به، فَيَدخُلُ فيه ما يَكُتُبُهُ الأمراءُ
(١) "البحر": كتاب الشهادات ٦٩/٧.
(٢) "البزازية": كتاب الإقرار - الفصل الأول فيما يكون إقراراً - نوع في ألفاظ تذكر ابتداءً والإشارة والكتابة وصكِّ الإقرار
٤٤٩/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": مسألةٌ: إذا كتب شخصٌ ورقَةً بخطّه صـ١٠٣ - بتصرف.
(٤) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبيِّنات - باب ما يبطل دعوى المدَّعي قبل القضاء أو بعده ٤٤٢/٢ بتصرف (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٥) في هذه المقولة.

الجزء السادس عشر
٥٦٥
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
والأكابرُ ونحوُهم مِمَّن يتعذّرُ الإِشهادُ عليهم، فإذا كَتَبَ وُصُولاً أو صَكّاً بدَيْنٍ عليه وختَمَهُ
بخاتَمِهِ المعروفِ فإنَّه في العادةِ يكونُ حُجَّةً عليه بحيث لا يُمكِنُهُ إنكارُهُ، ولو أنكَرَهُ يُعَدُّ بينَ
الّاسِ مُكابِراً، فإذا اعتَرَفَ بكونِهِ خَطَّهُ وخَتْمَهُ وكان مُصَدَّراً مُعَنْوَنً فينبغي القولُ بأنَّه يَلزَمُهُ،
وإنْ لم يَعتَرِفْ به أو وُجِدَ بعدَ موتِهِ فمُقتضى ما في "المجتبى" أَنَّه يَلزَمُهُ أيضاً عَمَلاً بالعُرفِ
كدفترِ الصَّافِ ونحوِهِ، ومثلُهُ ما إذا وُجِدَ في صندوقِهِ مثلاً صُرَّةُ دراهمَ مكتوبٌ عليها: هذه
أمانةُ فلانِ الفلانيِّ، فإنَّ العادةَ تَشْهَدُ بأنَّه لا يَكُتُبُ بَخَطِّهِ ذلك على دراهمِهِ.
ثُمَّ اعلمْ أنَّ هذا كلَّهُ فيما يَكُبُهُ على نفسِهِ كما فَيَّدَهُ بعضُ المتأخِرِين، وهو ظاهرٌ،
بخلافِ ما يَكُبُهُ لنفسِهِ، فإنَّه لو ادَّعاهُ بلسانِهِ صريحاً لا يُؤخَذُ خَصمُهُ به، فكيف إذا كتَبَهُ؟ ولذا
فَّدَهُ في "الخزانة" بقولِهِ: ((كَتَبَ على نفسِهِ)) كما مَرَّ(١)، وذكَرَ في "شرح الوهبانيّة"(٢):
((أَئِمَّةُ بلغٍ قالوا: يار كارُ(٣) البَّاعِ حُجَّةٌ لازِمَةٌ عليه، فإنْ قال البيّاعُ: [٣/ ق٢٣٢/ب] وَجَدتُ
بِخَطِّي أَنَّ عليَّ لفلانٍ كذا لَزِمَ، قال "السَّرِخسيُّ(٤): وكذا خَطُّ السِّمْسَارِ وَالصَّرّاف)) اهـ.
فقولُهُ: ((أَنَّ عليَّ لفلانٍ إلخ)) صريحٌ في ذلك، وأمّا قولُ "ابنِ وهبالَ" في تعليلِ المسألةِ: ((لأَنَّه
لا يَكُتُبُ إلَّ مَا لَهُ وعليه)) فمُرادُهُ أنَّ البَّاعَ ونحوَهُ لا يَكُتُبُ في دفترِهِ شيئاً على سبيلِ التَّحرِبةِ
للخَطّ أو اللَّهِ واللَّعبِ، بل لا يَكُتُبُ إلّ مالَهُ أو عليه، ولا يَلزَمُ مِن هذا أنْ يُعمَلَ بكتابِهِ في
الذي لَهُ كما لا يخفى، خلافاً لِمَن فَهِمَ مِنه ذلك، ويجبُ تقييدُهُ أيضاً بما إذا كان دفترُهُ محفوظاً
عنده، فلو كانَتْ كتابتُهُ فيما عليه في دفترٍ خَصْمِهِ فالظّاهرُ أَنَّه لا يُعمَلُ به خلافاً لِمَا بَحَتَّهُ "ط" (٥)؛
(قولُهُ: فالظّاهرُ أنَّه لا يُعمَلُ به خلافاً لِما بَحَتَهُ "ط(١) ما سَبَقَ له دالٌّ على ما قالَهُ "ط".
(١) في هذه المقولة.
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشهادات - جواز الشهادة على خط السِّمسار ٣٢٦/١.
(٣) في "الأصل" و"آ": ((بار كار))، وانظر تعليقنا المتقدم صـ٥٦٢ ..
(٤) لم نعثر عليها في مظانّها من مطبوعة "المبسوط" التي بين أيدينا.
(٥) "ط": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢١١/٣.

حاشية ابن عابدين
٥٦٦
قسم المعاملات
وجَوَّزَهُ "محمَّدٌ" لراوٍ وقاضٍ وشاهدٍ إِنْ تَيَقْنَ به، قيل: وبه يُفتَى.
.ے
لأَنَّ الخَطَّ مما يُزَوَّرُ، وكذا لو كان له كاتبٌ والدَّفترُ عندَ الكاتبِ؛ لاحتمالِ كونِ الكاتب
كَتَبَ ذلك عليه بلا عِلْمِهِ، فلا يكونُ حُجَّةً عليه إذا أنكَرَهُ أو ظهَرَ (١) ذلك بعدَ موتِهِ
وأنكَرَتْهُ الورثةُ، خلافاً لِمَن حكَمَ في عصرِنا بذلك لذِمِّيِّ ادَّعَى على ورثةِ تاجرٍ له كاتبٌ
ذِمِّيٌّ ودفترُ التّاجرِ عندَ كاتِبِ الذَّمِّيِّ، فقد كنتُ أَفتيتُ بأَنَّه حكمٌ باطلٌ، وكونُ الْمُدَّعي
والكاتبِ ذِمِّنِ يُقوِّي شُبْهةَ التّزْويرِ وأنَّ الكتابةَ حَصَلَتْ بعدَ موتِ الّاجرِ، وتمامُ الكلام في
كتابنا "تنقيح الحامديَّة"(٢).
[٢٦٥٥٢] (قولُهُ: إنْ تَقَّنَ به) أي: بأَنَّه خَطُّ مَن يَروِي عنه في الأوَّلِ، وبأنَّه خَطُّ نفسِهِ
في الأخيرين. اهـ "ح"(٣).
[٢٦٥٥٣] (قولُهُ: قيل: وبه يُفْتَى) قال في "خزانة الأكمل": ((أجازَ "أبو يوسف"
و"محمَّدٌ" العملَ بالخَطّ في الشّاهدِ والقاضي والرّاوي إذا رأى خَطَّهُ ولم يَتَذكَّرِ الحادثةَ))، قال
في "العيون"(٤): ((والفَتْوى على قولِهما إذا تَيَقِّنَ أَنَّه خَطُّهُ سواء كان في القضاءِ أو الرِّوايةِ أو
الشَّهادةِ على الصَّكِّ وإنْ لم يكن الصَّكُّ في يدِ الشّاهدِ؛ لأنَّ الغَلَطَ نادرٌ، وأثرُ التَّغييرِ يُمكِنُ
الاطّلاعُ عليه، وقَلَّما يَشتبِهُ الخَطُّ مِن كلِّ وجهٍ، فإذا تَيَقِّنَ جازَ الاعتمادُ عليه تَوسِعةً على
النّاس)) اهـ "حَمَويّ" (٥). لكنْ سيذكرُّ(٦) "الشّارح" في الشَّهاداتِ قُبيلَ بابِ القَبُولِ مَا نَصُّهُ:
(قولُهُ: أي: بأنّه خَطُّ مَن يَروِي عنه في الأوَّلِ إلخ) أو أنَّه خَطَّهُ؛ إذ لا فَرْقَ، وسيأتي عن "الخزانة".
(١) في "٢": ((أظهر)).
(٢) انظر"العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٢١/٢.
(٣) "ح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٣١٠/ب.
/
(٤) لم نعثر عليها في مطبوعة "عيون المسائل" للسمر قندي التي بين أيدينا.
(٥) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي ٣٠٦/٢.
(٦) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٨٦٩] قوله: ((عن "المبتغى")).
1

الجزء السادس عشر
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
٥٦٧
(ولا بدَّ مِن مسافةِ ثلاثةِ أَيّامٍ بينَ القاضيَينِ كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ) على الظّاهر،
وجَوَّزَهما "الثّاني" إنْ بحيث لا يَعُودُ في يومِهِ، وعليه الفَتْوى، "شُرُنبلاليَّةِ"(١)
و"سراحيَّة"(٢).
((وجَوَّزاهُ لو في حَوْزِهِ، وبه نأخذُ، "بحر "(٣) عن "المبتغى")) اهـ. وهذا ما اختارَهُ المحقّقُ "ابنُ
الهمام"(٤) هناك، وسيأتي(٥) تمامُهُ إنْ شاء الله تعالى.
[٢٦٥٥٤] (قولُهُ: ولا بدَّ مِن مسافةٍ إلخ) فلو أقلَّ لا يُقبَلُ، وفي "نوادرِ هشامٍ"(٦): ((إذا
كان في مصرٍ واحدٍ قاضيان جازَ كتابةُ أحدِهما إلى الآخرِ في الأحكام))، "جوهرة"(٧) عن
"الينابيع"، وكذا كتابةُ القاضي إلى الأميرِ الذي وَلاّهُ وهو معه في المصرِ كما مَرَّ أوَّلَ الباب(٨).
[٢٦٥٥٥] (قولُهُ: على الظّاهرِ إلخ) قال في "المنح"(٩): ((هذا هو ظاهرُ الرِّوايةِ، وجَوَّزَها
"محمَّدٌ" وإنْ كانا في مصرٍ واحدٍ، وعن "أبي يوسف": إنْ كان في مكانٍ لو غَدَا لأداءِ الشَّهادةِ
لا يَستطيعُ أنْ يَبِيتَ في أهلِهِ صَحَّ الإشهادُ والكتابةُ، وفي "السِّراجيّة": وعليه الفتوى)) اهـ.
(قولُهُ: قال في "المنحِ": هذا هو ظاهرُ الرِّوايةِ إلخ) ما نقَلَهُ عن "المنح" يُفيدُ أنَّ الجوازَ روايةٌ عن
"أبي يوسف" لا مذهبُهُ، ومثلُهُ في "البحر"، وظاهرُ ما في "الشّارح" يُفيدُ أنّه مذهبُهُ.
(١) "الشرنبلالية": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي ٤١٢/٢ (هامش "الدرر والغرر")، نقلاً عن "البرهان".
(٢) "السراجية": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٢٦٤/٤ بتصرف (هامش "فتاوى قاضي خان").
(٣) "البحر": كتاب الشهادات ٧٢/٧ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الشهادات - فصل يتعلق بكيفية الأداء ومسوغه ٤٦٥/٦.
(٥) المقولة [٢٦٨٦٩] قوله: ((عن "المبتغى")).
(٦) نوادر هشام الرازي (ت٢٢١هـ)، وتقدمت ترجمته ٤٩٣/١.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب آداب القاضي ٣٤٥/٢.
(٨) المقولة [٢٦٥٢٧] قوله: ((إلى القاضي)).
(٩) "المنح": كتاب القضاء - باب في بيان أحكام القاضي إلى القاضي وغيره ٢/ق ٦١/ب.

حاشية ابن عابدين
-
٥٦٨
قسم المعاملات
(وَيَبطُلُ) الكتابُ (بموتِ الكاتِبِ وعَزْلِهِ قبلَ وُصُولِ الكتابِ إلى الثّاني أو بعدَ
وُصُولِهِ قبلَ القراءةِ)، وأجازَهُ "الثّاني"، (وأمّا بعدَهما فلا) يَبطُلُ (و) يَبطُلُ. (بُجُنُون
الكاتِبِ، ورِدَّتِهِ، وحَدِّهِ لقَذْفٍ، ..
[٢٦٥٥٦] (قولُهُ: وَيَبطُلُ الكتابُ إلخ) هذا شرطٌ آخرُ لقَبُولِ الكتابِ والعملِ به، وهو
أنْ يكونَ القاضي الكاتبَ على قضائِهِ، "نهر"(١)، أي: لأَنّه بمنزلةِ الشَّهادةِ، فبموتِ الأصلِ
قبلَ أداءِ الفروعِ الشَّهادةَ تَبطُل شهادةُ الفروعِ، فكذا هذا، "ط))(٢) عن "العينيّ" (٣).
[٢٦٥٥٧] (قولُهُ: قبلَ وُصُولِ الكتابِ إلخ) لو اقتَصَرَ على قولِهِ: ((قبلَ القراءةِ(٤)))
لأغناهُ، ولذا قال في "الفتح"(٥): ((العبارةُ الجَيِّدةُ أنْ يُقالَ: لو مات قبلَ قراءةِ الكتابِ لا قبلَ
وُصُولِهِ؛ لأنَّ وُصُولَهُ قبلَ ثُبُوتِهِ عندَ المكتوبِ إليه وقراءتِهِ لا يُوجِبُ شيئاً)) اهـ.
[٢٦٥٥٨] (قولُهُ: فلا يَبطُلُ) أي: في ظاهرِ الرِّواية، "بحر"(٦).
[٢٦٥٥٩) (قولُهُ: وَيَبطُلُ بُجُنُونِ الكاتِبِ إلخ) في "الخانَّةُ"(٧): ((وإنْ عُزِلَ القاضي الكاتبُ
أو ماتَ بعدَما وصَلَ الكتابُ إلى الآخَرِ فإنّه يَعمَلُ به؛ لأنَّ الموتَ والعَزْلَ ليس بِجرحٍ (٨)،
(قولُهُ: لأَنّ بمنزلةِ الشَّهادةِ إلخ) هذا التعليلُ مبنيٌّ على ما يأتي عن "الخانَيَّة": ((مِن أنَّ شهادةَ الفروعِ
تَبَطُلُ بموتِ الأصلٍ، لا على ما في المتون مِن عدمِ الْبُطْلانِ، بل الموتُ مِن الأعذارِ لتَحَمُّلِ الشَّهادةِ وقَبُولِها)).
(قولُهُ: لأنَّ الموتَ والعَزْلَ ليس بِمُخرِجٍ) عبارةُ "الخانَّة": ((ليس بِحَرْحٍ)).
(١) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق٤٣٣ /ب.
(٢) "ط": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢١٢/٣.
(٣) "رمز الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٨٩/٢.
(٤) في "آ": ((قراءة الكتاب)).
(٥) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٨٩/٦.
(٦) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٤/٧.
(٧) "الخانية": كتاب الشهادات - فصل من كتاب القاضي إلى القاضي ٤٨٨/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) الذي في النسخ جميعها: ((ليس بُخْرِجٍ)) وما أثبتناه من نسختي "الخانية" اللتين بين أيدينا، وأشار إلى ذلك الرافعي رحمه الله.

باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
٥٦٩ -
-
الجزء السادس عشر
وعَمائِهِ، وفِسْقِهِ بعدَ عدالتِهِ)؛ لخُرُوجِهِ عن الأهليّةِ، وأجازَهُ "الثّاني"».
بخلاف ما إذا فَسَقَ الكاتبُ أو عَمِيَ أو صارَ بحالٍ لا يجوزُ حكمُهُ وشهادتُهُ فإنَّ الآخَرَ
لا يَقبَلُ كتابَهُ؛ لأنَّ كتابَ القاضي بمنزلةِ الشَّهادةِ، فما يَمْنَعُ القضاءَ بشهادتِهِ يَمْنَعُ القضاءَ
بكتابهِ)) اهـ وظاهرُهُ أَنَّ يَبطُلُ بذلك ولو بعدَ وُصُولِهِ، مع أنَّ "الزَّيلعيَّ" (١) صرَّحَ: ((بأنَّ
٣٥٤/٤ ذلك كعَزْلِهِ))، ثمَّ رأيتُ في "البحر"(٢) ذكَرَ: [٣/ق١/٢٣٣] ((أنَّ بِينَ كلاميهما مُخالَفةً))، ولم
يُجِبْ عنها، تأمَّل. ورأيتُ في "البزّازِيَّة"(٣) مثلَ ما في "الخانيّة"، وفي "الدُّرر"(٤) مثلَ ما هنا،
فالظّاهِرُ أنَّ في المسألةِ قولين.
[٢٦٥٦٠] (قولُهُ: وعَمائِهِ) الأنسبُ: وعَماهُ بدون همزٍ؛ لأنَّ العَمَى مقصورٌ.
[٢٦٥٦١] (قولُهُ: وفِسْقِهِ) عبَّرَ عنه في "النّهر " (٥) بـ ((قيل))، وقال: ((إنَّه بناءٌ على عَزْلِهِ
بالفِسْقِ))، ومثلُهُ في "الفتح"(٦).
(قولُهُ: فما يَمنَعُ القضاءَ بشهادِهِ يَمنَعُ القضاءَ بكتابِهِ) تمامُ ما فيها - أيٍ: "الخانَيَّةِ" -: ((وعندَ
"أبي حنيفة" و"محمَّدٍ": إذا عَمِيَ الشّاهِدُ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ قبلَ الحُكمِ تَبطُلُ شهادتُهُ فَيَبطُلُ كتابُهُ،
وعند "أبي يوسف": العَمَى كالموتِ لا يُطِلُ الشَّهادةَ)).
(قولُهُ: فالظّاهرُ أنَّ في المسألةِ قولين) لكنْ يُحتاجُ للفَرْقِ بينَ الموتِ والعَزْلِ وبينَ غيرِهما على ما
في "الخانيَّة"، لا على ما في "الزَّيلعيِّ"، وقد علمتَ مِن تصحيحِ عبارةِ "الخانَيَّة" أنَّ الفَرْقَ هو أنَّ الموتَ
والعَزْلَ ليسا بَجَرْحٍ بخلافِ الفِسْقِ والعَمَى، فإِنَّهما مُبطِلان للشَّهادةِ، فُيُبطِلان كتابَ القاضي.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٦/٤.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٤/٧.
(٣) "البزازية": كتاب أدب القضاء - الفصل السادس في كتابه إلى القاضي ١٨٥/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الدرر والغرر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي ٤١٤/٢.
(٥) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق٤٣٣ /ب.
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٨٩/٦.

حاشية ابن عابدين
٥٧٠
قسم المعاملات
(و) كذا (يموتِ المكتوبِ إليه)، وحُرُوجِهِ عن الأهلِيَّة، (إلّ إذا عَمَّمَ بعدَ تخصيصٍ) اسمٍ
المكتوبِ إليه، (بخلاف ما لو عَمَّمَ ابتداءً)، وجَوَّزَهُ "الثّاني"، وعليه العملُ، "خلاصة"(١).
(لا) يَبطُلُ (يموتِ الخَصْمِ) أياً كان؛ لقيامٍ وارثِهِ أو وَصِّهِ مَقامَهُ.
[٢٦٥٦٢] (قولُهُ: وكذا بموتِ المكتوبِ إليه) لأنَّ الكاتبَ لَمّا خَصَّهُ فقد اعتمَدَ عدالتَهُ
وأمانتَهُ، والقضاةُ مُتفاوتون في ذلك فصَحَّ التَّعيينُ، "نهر" (٢) .
[٢٦٥٦٣] (قولُهُ: إلّ إذا عَمَّمَ إلخ) بأنْ قال: إلى فلانِ قاضي بلدٍ كذا وإلى كلِّ مَن
يَصِلُ إليه مِن قُضاةِ المسلمين؛ لأنَّ غيرَهُ صار تبعاً له، "فتح)(٣).
[٢٦٥٦٤] (قولُهُ: بخلافِ ما لو عَمَّمَ ابتداءً) بأنْ قال: إلى كلِّ مَن يَصِلُ إليه كتابي هذا
مِن قُضاةِ المسلمين وحُكّامِهِم.
[٢٦٥٦٥] (قولُهُ: وجَوَّزَهُ "الثّاني") وكذا "الشّافِعِيُّ"(٤) و "أحمد"(٥)، "فتح"(٦).
[٢٦٥٦٦] (قولُهُ: وعليه العملُ) قال "الزَّيلعيُّ)(٧): ((واستحسَنَهُ كثيرٌ مِن المشايخٍ))، وفي
"الفتح"(٨): ((وهو الأوجهُ(٩)؛ لأنَّ إعلامَ المكتوبِ إليه وإنْ كان شرطاً فبالعُمُومٍ يُعلَمُ كما يُعلَمُ
بالخصوص(١٠)، وليس العُمُومُ مِن قَبِيلِ الإجمالِ والتَّحهيلِ، فصار قَصْدِيُّهُ وَتَبَعِينُهُ سواءٌ))، "نهر"(١١).
[٢٦٥٦٧] (قولُهُ: أيّاً كان) أي: مُدَّعِياً أو مُدَّعَى عليه.
(١) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل السادس في كتاب القاضي إلى القاضي ق٢٠٣/أ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٤٣٣/ب.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٨٩/٦ - ٣٩٠.
(٤) انظر "روضة الطالبين": كتاب القضاء - الباب الثالث في القضاء على الغائب - الطرف الثالث في كتاب القاضي إلى
القاضي صـ ١٩٤١ - ١٩٤٢ -.
(٥) انظر "المغني" لابن قدامة: كتاب القضاء - فصل: قبول الكتاب من قاضي مصر إلى قاضي مصر ٦٠٨/١٣.
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٨٩/٦.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٧/٤.
(٨) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩٠/٦.
(٩) عبارة "الفتح": ((والوَجْهُ قولُ أبي يوسف؛ لأنّ إعلام المكتوب إلخ .. )).
(١٠) عبارة "الفتح": ((فالعموم يعلم كما يعلم الخصوص)).
(١١) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٤٣٤/أ.

الجزء السادس عشر
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
-
٥٧١
قلت: وكذا لا يَبطُلُ بموتِ شاهدِ الأصلِ كما سيأتي متناً في بابهِ (١)، خلافاً
لِما وقَعَ في "الخانَّة" هنا، فإنّهُ(٢) مخالفٌ لِما ذكرَهُ بنفسِهِ ثَمَّةَ، فتنبّهْ.
(و) اعلمْ أنَّ (الكِتابةَ بعِلْمِهِ كالقضاءِ بِعِلْمِهِ) في الأصحِّ، "بحر"(٣). فمَن جَوَّزَهُ جَوَّزَها،
[٢٦٥٦٨] (قولُهُ: في بابِهِ) أي: في بابِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، "ح"(٤).
[٢٦٥٦٩] (قولُهُ: خلافاً لِما وقَعَ في "الخانَيَّة" هنا) أي: في هذا البابِ حيث قال(*): ((لو
مات القاضي الكاتبُ أو عُزِلَ قبلَ وُصُولِ الكتابِ بِطَلَ كتابُهُ كشاهدِ الأصل إذا مات قبلَ أنْ
يَشْهَدَ الفرعُ على شهادةِ الأصلِ)) اهـ.
[٢٦٥٧٠] (قولُهُ: ثَمَّةَ) أي: هناك، أي: في بابِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ حيث قال(٦):
((الشَّهادةُ على الشَّهادةِ لا تجوزُ إلّ أنْ يكونَ المشهودُ على شهادتِهِ مريضاً في المصرِ، أو يكونَ
مَيْتاً إلخ))، وهذا هو الموافقُ للمُتُون.
[٢٦٥٧١) (قولُهُ: فمَن جَوَّزَهُ جَوَّزَها) وشرطُ جَوازِهِ عندَ "الإِمام": أنْ يَعلَمَ في حالِ
قضائِهِ في المصرِ الذي هو قاضيهِ بحقِّ غيرِ حَدِّ خالصٍ للهِ تعالى مِن قَرْضٍ، أو بَيْعٍ، أو غَصْبٍ،
أو تطليقٍ، أو قَتْلٍ عَمْدٍ، أو حَدِّ قَذْفٍ، فلو عَلِمَ قبلَ القضاءِ في حُقُوقِ العبادِ ثُمَّ وَّلِّيَ فَرُفِعَتْ
إليه تلك الحادثةُ، أو عَلِمَها في حالٍ قضائِهِ في غيرِ مصرِهِ، ثمَّ دخَلَهُ فِرُفِعَتْ لا يَقضِي عندَهُ،
وقالا: يَقضِي، وكذا الخِلافُ لو عَلِمَ بها وهو قاضٍ في مصرِهِ ثُمَّ عُزِلَ ثُمَّ أُعِيدَ، وأمّا فِي حَدِّ
الشُّرْبِ والزِّنا فلا يَنفُذُ قضاؤُهُ بِعِلْمِهِ اتفاقاً، "فتح"(٧) مُلخَّصاً.
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧١٤٩] قوله: ((إلاَّ بِشَرْطِ تَعَذَّرِ حُضُورِ الأصلِ)).
(٢) في "ط" و"ب": ((فهو)).
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٥/٧.
(٤) "ح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٣١٠/ب.
(٥) "الخانية": كتاب الشهادات - فصل في كتاب القاضي إلى القاضي ٤٨٨/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الخانية": كتاب الشهادات - فصل في الشهادة على الشهادة ٤٨٦/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٤٠٥/٦.

حاشية ابن عابدين
٥٧٢
قسم المعاملات
ومَن لا فلا، إلّ أنَّ المعتمدَ عدمُ حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ في زمانِنا، "أشباه". وفيها (١): ((الإمامُ
يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي حَدِّ قَذْفٍ وَقَوَدٍ وَتَعْزِيرٍ)).
وبه عُلِمَ أنَّه في الحدودِ الخالصةِ لله تعالى لا يَنفُذُ كما صَرَّحَ به في "شرح أدب
القضاء"(٢) مُعلِّلاً: ((بأنَّ كلَّ واحدٍ مِن المسلمين يُساوي القاضيَ فيه، وغيرُ القاضي إذا عَلِمَ
لا يُمكِنُهُ إقامةُ الحَدِّ، فكذا هو))، ثمَّ قال(٢): ((إلّ فِي السَّكرانِ أو مَن به أَمارةُ السُّكْرِ ينبغي له
أنْ يُعزِّرَهُ للَّهَمَةِ، ولا يكونُ حَدًّ)) اهـ.
[٢٦٥٧٢] (قولُهُ: ومَن لا فلا) قال في "الفتح"(٣): ((إلّ أنَّ التّفاوُتَ هنا هو أنَّ القاضيَ
يَكُتُبُ بالعِلْمِ الحاصلِ قبلَ القضاءِ بالإجماع)).
(٢٦٥٧٣) (قولُهُ: إلّ أنَّ المعتمدَ) أي: عندَ المتأخّرِين لفسادِ قُضاةِ الرَّمانِ، وعبارةُ "الأشباه"(٤).
((الفَتّوى اليومَ على عدمِ العَمَلِ بعِلْمِ القاضي في زماننا كما في "جامع الفصولين"(٥))).
مطلبٌ في قضاءِ القاضي بعِلْمِهِ
[٢٦٥٧٤] (قولُهُ: وفيها) أي: في "الأشباه" نقلاً عن "السِّراحيَّة"(٦)، لكنْ في "مُنية المفتي"
الملخَّصةِ مِن "السِّراحيَّة"(٧) التّعبيرُ بالقاضي لا بالإمام، حيث قال: ((القاضي يَقضِي بِعِلْمِهِ بَحَدِّ
(قولُهُ: لكنْ في "مُنية المغني" الملحَّصةِ مِن "السِّراجيّة " التَّعبيرُ بالقاضي إلخ) لكنَّ المذكور في
"السِّرَاجِيَّة" التَّعبيرُ بِالإِمامِ - كما نقَلَهُ عنها في "الأشباه" - لا التَّعبيرُ بالقاضي، وقد ذَكَرَ هذا في بابِ ما يجوزُ
مِن القضاءِ وما لا يجوزُ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ ٢٧٤ -.
(٢) "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب التاسع والثلاثون في القاضي يقضي بعلمه ١٠١/٣.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩٠/٦.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ ٢٦٢ -.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء - ما يتصل به من عزل قاضٍ أو وصيّ إلخ ١٩/١.
(٦) "الفتاوى السراجية": كتاب القضاء - باب ما يجوز من القضاء وما لا يجوز ٢٦٢/٢ (هامش "فتاوى قاضي
خان")، وقد عبَّر فيها بـ: ((الإمام)) كما ذكر الرافعي رحمه الله.
(٧) ذكر في "كشف الظنون" ١٨٨٧/٢ أن صاحب "منية المفتي" لخّص فيها نوادر "الواقعات" و"الفتاوى الصغرى"
للخاصّي، وضمّ إليها من فتاوى سراج الدين الأُوشِيّ نوادرَ من "الواقعات" وميّزها بعلامة حرف السين.

الجزء السادس عشر
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
-
٥٧٣
قلتُ: فهلِ الإِمامُ قَيْدٌ كما قدَّمناهُ(١) في الحدود؟ لم أَرَهُ، لكنْ في "شرح الوهبائيّة"
لـ "الشُّرُ نبلاليِّ": والمختارُ الآنَ عدمُ حُكمِهِ بعِلْمِهِ.
القَذْفِ والقِصاصِ والتَّعزيرِ))، ثمَّ قال: ((قَضَى بِعِلْمِهِ في الحدودِ الخالصةِ لله تعالى لا يجوزُ)) اهـ،
أفادَهُ بعضُ المحشِّينِ(٢). وهذا مُوافِقٌ لِمَا مَرَّ(٣) عن "الفتح" مِن الفَرْقِ بينَ الحدِّ الخالصِ لله تعالى
وبينَ غيرِهِ، ففي الأوَّلِ لا يَقضِي اتفاقاً بخلافٍ غيرِهِ، فيجوزُ القضاءُ فيه بِعِلْمِهِ، وهذا على قولٍ
المتقدِّمين، وهو خلافُ المُفَتَى به كما علمتَ.
(تنبيةٌ)
ذكَرَ في "الَّهر "(٤) في الكفالة بحثاً: ((أَنَّه يجبُ أنْ يُحمَلَ الخلافُ بينَ المتقدِّمين والمتأخّرِين
على ما كان مِن حُقُوقِ العبادِ، أمّا حُقُوقُ (٢٣٣٥/٣/ب] اللهِ المحضةُ فِيَقَضِي فيها بِعِلْمِهِ)) اتّفاقاً، ثمَّ
استدَلَّ(٤) لذلك: ((بأنَّ له التَّعزيرَ بِعِلْمِهِ)).
قلتُ: ولا يخفى أنَّه خطأٌ صريحٌ مخالفٌ لصريحِ كلامهم كما عَلِمْتَ، وأمّا التَّعزيرُ فليس
بَحَدِّ كما أسمعناكَ(٥) مِن عبارةِ "شرح أدب القضاء"، وأيضاً فهو ليس بقضاء.
[٢٦٥٧٥] (قولُهُ: فهل الإِمامُ قَيْدٌ) أقولُ: على فرضِ ثُبُوتِهِ في عبارةِ "السِّراحيَّةِ" ليس
بقَيْدٍ؛ لِما علمتَ(٥) مِن عبارةِ "الفتح" المصرِّحةِ بجوازٍ قضاءِ القاضي بعِلْمِهِ في قَتْلٍ عَمْدٍ أو حَدِّ
قَذْفٍ؛ لكونِهِ مِن حُقُوقِ العبادِ.
[٢٦٥٧٦] (قولُهُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على ما نقَلَهُ ثانياً عن "الأشباه": ((بأنّه مبنيٌّ على خلافٍ
(قولُهُ: استدراكٌ على ما نقَلَهُ ثانياً عن "الأشباه" إلخ) لا يَتِمُّ كونُهُ استدراكاً على ما في "الأشباه"
إلّ إذا كان ما ذكَرَهُ "الشُّرُ بلاليُّ" في الإمامِ مع أَنَّه إنَّما ذَكَرَهُ في القاضي.
(١) لم نره صريحاً في كتاب الحدود.
(٢) قدمنا ٥١١/١٤ أنَّ المراد به جمال الدين محمد بن محمد الأنصاري في "حاشيته" على "الدر المختار".
(٣) المقولة [٢٦٥٧١] قوله: ((فَمَن جَوَّزَهُ جَوَّزَها)).
(٤) "النهر": ق ٤١٦ /أ.
(٥) المقولة [٢٦٥٧١] قوله: ((فمَن جَوَّزَهُ جَوَّزَها)).

حاشية ابن عابدين
٥٧٤
قسم المعاملات
مُطلقاً، كما لا يَقضِي بعِلْمِهِ في الحدودِ الخالصةِ لله تعالى كـ زِنَّا وخمرٍ مُطلقاً، غيرَ أنَّه
يُعزِّرُ مَن به أَثْرُ السُّكْرِ؛ للتّهَمَةِ، وعن "الإِمام": أنَّ عِلْمَ القاضي في طلاقِ وعِتَاقِ وغَصْبِ
يُثِبتُ الْحَيْلولةَ على وجهِ الحِسْبةِ لا القضاءِ. (ولا يُقبَلُ) كتابُ القاضي (مِن مُحكْمٍ،
المختار))، أو على قولِهِ: ((فهل الإِمامُ قَيْدٌ))، فإِنَّ قولَ "الشُّرُ نبلاليّ"(١): ((لا يَقضِي بِعِلْمِهِ في
الحدودِ الخالصةِ لله تعالى)) - يعني: اتّفاقً - يُفهَمُ مِنه أنَّه يَقْضِي بِعِلْمِهِ في غيرِها كحَدِّ قَذْفٍ وَقَوَدٍ
وتعزيرٍ على قولِ المتقدِّمين، وهو خلافُ المختارِ، فيكونُ ذِكْرُ الإِمامِ غيرَ قَيْدٍ، فافهم.
[٢٦٥٧٧] (قولُهُ: مُطلقً) أي: سواءٌ كان عِلْمُهُ بعدَ توليتِهِ أو قبلَها، "ح"(٢). أو سواءٌ كان
حَدَّا غيرَ خالصٍ لله تعالى أو قَوَداً أو غيرَهما مِن حُقُوقِ العباد.
[٢٦٥٧٨] (قولُهُ: وخمرٍ مُطلقاً) أي: سواءٌ سَكِرَ مِنه أوْ لا.
[٢٦٥٧٩] (قولُهُ: للتَّهَمَةِ) أي: إذا عَلِمَ القاضي بأنَّه سكرانُ له تَعْزِيرُهُ؛ لأنَّ القاضيَ له
تَعْزِيرُ الَّهَمِ وإنْ لم يَثْبُتْ عليه كما مَرَّ(٣) تحريرُهُ في الكفالة.
[٢٦٥٨٠) (قولُهُ: يُثبتُ الحَيْلولةَ) أي: بأنْ يأمُرَ بأنْ يُحالَ بينَ المُطلّقِ وزوجِهِ، والمُعْتِقِ وَأَمَتِهِ أو
عبدِهِ، والغاصِبِ وما غصَبَهُ، بأنْ يَجعَلَهُ تحتَ يدِ أمينٍ إلى أنْ يَتْبُتَ ما عَلِمَهُ القاضي بوجهٍ شرعيّ.
[٢٦٥٨١] (قولُهُ: على وجهِ الحِسْبةِ) أي: الاحتسابِ وطلبِ الثَّوابِ؛ لئلاّ يطَأَها الزَّوجُ
أو السَّيِّدُ أو الغاصبُ.
٣٥٥/٤
[٢٦٥٨٢) (قولُهُ: لا القضاءِ) أي: لا على طريقِ الحُكمِ بالطَّلاقِ أو العِناقِ أو الغَصْبِ.
[٢٦٥٨٣] (قولُهُ: ولا يُقبَلُ كتابُ القاضي) الأولى حذفُ ((القاضي))؛ لأنَّ الْمُحكَّمَ
ليس قاضياً، إلّ أنْ يُرادَ به مَا يَشمَلُ الْمُؤَلّى مِن السُّلطانِ وغيرِهِ.
(١) في "آ": (("الشرنبلالية"))، وهو خطأ؛ إذ النقل عن "شرح الوهبانية" للشرنبلالي.
(٢) "ح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٣١٠/ب.
(٣) المقولة [٢٥٤٦٦] قوله: ((وكذا تعزيزُ المَّهَمِ)).

الجزء السادس عشر
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
-
٥٧٥
بل مِن قاضٍ مُوَلَى مِن قِبَلِ الإِمامِ يَملِكُ) إقامةَ (الجمعةِ)، وقيل: يُقبَلُ مِن قاضي
رُسْتَاقٍ إلى قاضي مِصْرٍ أو رُسْتَاقٍ،
[٢٦٥٨٤] (قولُهُ: بل مِن قاضٍ مُؤَّلَّى إلخ) أفادَ أنَّ هذا شرطٌ في الكاتِبِ فقط، قال في
"المنح"(١): ((فلا تُقبَلُ مِن قاضي رُسْناقٍ إلى قاضي مِصْرٍ، وإنما تُقبَلُ مِن قاضي مِصْرٍ إلى
قاضي مِصْرٍ آخرَ أو إلى قاضي رُسْتاقٍ)).
[٢٦٥٨٥] (قولُهُ: يَملِكُ إقامةَ الجمعةِ) الظّاهرُ: أنَّ هذا غيرُ قَيْدٍ ولا سيّما في زمانِنا؛ لأنَّ
السُّلطانَ لا يَأذَنُ للقاضي بها، والظاهرُ أنَّ مُرادَهُ الإشارةُ إلى أنَّ المرادَ قاضي المِصْرِ التي تُقامُ
فيها الجمعةُ، تأمَّل. وفي "المنح"(٢) عن "السِّراجِيَّة": ((وإنما تُقبَلُ كُتُبُ قُضاةِ الأمصارِ التي
تُقامُ فيها الحدودُ ويُنفَّذُ فيها حُكُمُ الْحُكّامِ(٣)، إلّ فيما لا خَطَرَ له شرعاً؛ لأنَّ الولايةَ لا تَثْبُتُ
إلّ في محلِّ قابِلٍ للولايةِ لِمَن هو أهلٌ له)).
[٢٦٥٨٦) (قولُهُ: وقيل: يُقبَلُ إلخ) الظّاهر: أنَّ الخلافَ مبنيٌّ على الخلافِ في أنَّ المِصْرَ
هل هو شرطٌ لنفاذِ القضاءِ أم لا؟ فحَكَوا عن "ظاهرِ الرِّوايةِ": ((أَنَّه شرطٌ))، وعن روايةِ "النَّوادر ":
(قولُهُ: الظّاهرُ: أنَّ الخلافَ مبنيٌّ على الخلافِ في أنَّ المِصْرَ هل هو شرطٌ إلخ) عبارةُ "المقدسيِّ" مِن
كتابِ القاضي: ((يَكُبُ قاضي مِصْرٍ إلى قاضي مِصْرٍ آخرَ أو قاضي الرُّسْناقِ، ولا يَكُتُبُ قاضي الرُّسْتَاقِ
إلى قاضي مِصْرٍ، "حدّاديّ" مَعْزِيّاً لـ "الينابيع". والظّاهرُ أنَّ هذا مبنيٌّ على اشتراطِ المصرِ لصحَّةِ القضاءِ، بل
صرَّحَ به في "المحيط" قال: لأَنَّه ليس بقاضٍ، والمُفَتَى به خلاقُهُ)) اهـ. وعبارةُ "البزَّازِيَّة" أوَّلَ القضاء: ((وفي
"الإملاء": أنَّ المِصْرَ ليس بشرطٍ، ويَنْبني عليه: كتابُ قاضي الرُّسْنَاقِ إلى قاضي المِصْرِ لا يُقبَلُ في الظّاهر؛
لأَنَّه نَقْلُ الولايةِ ولا ولايةَ لقاضي الرُّسْتاقِ)) اهـ، وفيه تأمُّلٌ.
(١) "المنح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢/ق ٦١/ب، نقلاً عن "السراج الوهاج" معزياً لـ"الينابيع".
(٢) "المنح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢/ق ٦١/ب، وليس فيه التصريح بالنقل عن "السراجية"،
على أننا لم نعثر على النقل في "السراجية"، ولعلَّه سبق قلم من ابن عابدين رحمه الله.
(٣) في "٢": ((الحاكم)).

حاشية ابن عابدين
٥٧٦
قسم المعاملات
واعتمَدَهُ "المصنّفُ" (١) و"الكمالُ".
(كَتَبَ كتاباً إلى مَن يَصِلُ إليه مِن قُضاةِ المسلمين، فوصَلَ إلى قاضٍ وُلِّيَ بعدَ
كتابةِ هذا المكتوبِ لا يُقبَلُ)؛ لعدمٍ ولايتِهِ وقتَ الخِطابِ، "جواهر الفتاوى". وفيها:
((لو جعَلَ الخطابَ للمكتوبِ إليه ليس لنائبِهِ أنْ يَقبَلَهُ)).
((أَنَّه ليس بشرطٍ))، وبه يُفتَى كما في "البزّازِيَّةِ(٢)، فعلى هذا يُفتَى بِقَبُولِهِ من قاضي رُسْناقٍ إلى
قاضي مِصْرٍ أو رُسْنَاقٍ، "منح"(٣)، ومثلُهُ في "شرح المقدسيّ". ورأيتُ بَخَطِ بعضِ الفُضَلاءِ: أنَّ
ما ذُكِرَ مِن ابتناءِ الخلافِ على الخلافِ الآخَرِ مُصرَّحٌ به في "البزّازيَّة"(٤).
[٢٦٥٨٧] (قولُهُ: واعتمَدَهُ "المصنّفُ" و"الكمالُ") قد علمتَ كلامَ "المصنّف"، وأمّا
"الكمالُ" فقد قال(٥): ((والذي ينبغي أنَّه بعدَ عدالةٍ شُهُودِ الأصلِ والكتابِ لا فَرْقَ)). أي:
بينَ كونِهِ من قاضي مِصْرٍ أو غيرِهِ.
[٢٦٥٨٨] (قولُهُ: إلى مَن يَصِلُ إليه إلخ) أي: بناءً على قولِ "الثّاني" بجوازِ التَّعميمِ ابتداءً
كما مَرَّ(٦).
[٢٦٥٨٩] (قولُهُ: لعدمٍ ولايتِهِ وقتَ الخِطابِ) أي: لأَنَّه خِطابٌ، والخِطابُ إنَّما يصحُّ إذا
كان له ولايةٌ وَقَتَهُ، "منح"(٧).
[٢٦٥٩٠] (قولُهُ: ليس لنائبهِ أنْ يَقبَلَهُ) لأَنَّه قد كُتِبَ إلى غيرِهِ، ولو جَعَلَ الخطابَ إلى
النّائبِ وسَمّاه باسمِهِ ليس للمُنيبِ أنْ يَقبَلَهُ؛ لأَنَّه لا يَقبَلُ الكتابَ إلاّ المكتوبُ إليه.
(١) "المنح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢/ق ٦١/ب.
(٢) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الأول في التقليد ١٣٥/٥، ١٣٩ (هامش "الفتاوى الهندية")، إلاّ أنَّ الظاهر من
عبارة مطبوعة "البزازية" أن المصر شرط على رواية "النوادر".
(٣) "المنح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢/ق ٦١/ب.
(٤) انظر "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الأول في التقليد ١٣٨/٥ - ١٣٩ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٨٧/٦.
(٦) صـ ٥٧٠ - "در".
(٧) "المنح": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢/ق ٦١/ب.

الجزء السادس عشر
٥٧٧
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
(والمرأةُ تَقَضِي في غيرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ وإِنْ أَثِمَ الُوَلِّي لها)؛ لخبرِ "البخاريِّ": ((لن(١)
يُفِلِحَ قومٌ وَلَّوْا أَمْرَهم امرأةً)) *
مطلبٌ فِي جَعْلِ المرأةِ شاهدةً في الوَقْف
[٢٦٥٩١] (قولُهُ: في غيرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) لأَنَّها لا تصلُحُ شاهدةً(٢) فيهما، فلا تصلُحُ حاكمةً.
(١) في "د" و"و": ((لم)).
(٢) في "م": ((شهادة))، وهو خطأ.
* روى عثمانُ بن الهيثم حدَّثنا عَوْفٌ عن الحسن عن أبي بكرةَ قال: لقد نفعني الله بكلمة - سمعتها مِن رسول اللـه ◌ُ ﴾ّ
- أيّامَ الْجَمَلِ بعدَما كِدتُ أنْ الحَقَ بأصحاب الجَمَل فأقاتلَ معهم، قال: لَمّا بلَغَ رسولَ اللهِ﴿ أَنَّ أهل فارس قد
ملّكوا عليهم بنتَ كِسرى! قال: ((لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوا أمرَهُم امرأةً)).
أخرجه البخاريُّ (٤٤٢٥) في المغازي - باب كتاب النّبيِّ إلى كسرى وقيصر، و(٧٠٩٩) في الفتن - باب الفتن
التي تموج كموج البحر، والبَزّار في "البحر الزَّخَار" (٣٦٥٠)، والبيهقيُّ في "الكبرى" ٩٠/٣ و١١٧/١٠ - ٠١١٨
ورواه صفوانُ بن عيسى والنّضْرُ بن شُميل عن عَوْفٍ عن الحسن عن أبي بَكرَةَ عن النّبِيِّمَ لَّ بنحوه.
أخرجه البَزّار (٣٦٥٠)، والإسماعيليُّ كما في "فتح الباري" ٥٦/١٣.
ورواه يحيى بنُ سعيد ويزيدُ بن هارونَ ومحمَّدُ بن بكر عن عُيينةَ بن عبد الرَّحمن بن جَوشن الغَطَفَانِيِّ عن
أبيه عن أبي بَكرَةَ عن النّبِيِّ مَ﴿ قال: ((لن يُفلِحَ قومٌ أسنَدُوا أمرَهم إلى امرأة)). أخرجه أحمدُ ٣٩/٥ و٤٧،
والطَّيالسيُّ (٨٧٨)، وابنُ أبي شَيبةَ ٧١١/٨.
ورواه يزيدُ بن هارونَ عن مبارك بن فَضالة عن الحسن عن أبي بُكرةً قال: قال رسولُ اللـهِ وَ﴾: ((لا يُفْلِحُ
قومٌ تَملِكُهم امرأةٌ)). أخرجه أحمدُ ٤٧/٥ و٥١، وابنُ حبّانَ كما في "الإحسان" (٤٥١٦)، والقُضاعيُّ في "مسند
الشِّهاب" (٨٦٤) و(٨٦٥).
وروى خالدُ بن الحارث عن حُميد الطّويل عن الحسن عن أبي بَكرةَ رضي الله عنه قال: ((عصَمَني الله
بشيءٍ سمعته مِن رسول الله ﴿ لَمّا هَلَكَ كِسرى، قال: ((مَنِ اسْتَخلَفُوا؟ قالوا: ابنتَه، قال: فقال: لن يُفلِحَ قومٌ
وَلَّوا أَمرَهم امرأةً)).
قال: فلمّا قَدِمَت عائشةُ ذكرتُ قولَ رسول الله ﴿ّ فعصَمَني الله به.
أخرجه الترمذيُّ (٢٢٦٢) في الفتن بابٌ، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائيُّ في "المجتبى" ٢٢٧/٨، و"الكبرى"
(٥٩٣٧) في القضاء - النّهي عن استعمال النّساء في الحكم، والحاكمُ في "المستدرك" ١١٨/٣ - ١١٩ و٢٩١/٤.
وروى أسودُ بن عامر عن حماد بن سَلَمةً عن حُميد عن الحسن عن أبي بكرةَ أنَّ رَجُلاً مِن أهل فارس أَتَّى النّبِيَّ ◌َّ
فقال: ((إِنَّ رَبِّي قَتَلَ ربَّكَ)) يعني: كِسرى. وقيل للِيِّ ◌َ ﴿": إنّه قد استخِفَ ابْتُهُ، فقال: ((لا يُفْلِحُ قومٌ تَملِكُهم امرأةٌ)) .-

حاشية ابن عابدين
٥٧٨
قسم المعاملات
(وَتَصلُحُ ناظِرَةً) لوَقْفٍ، (ووَصِيَّةً) ليتيمِ، (وشاهدةً)، "فتح"(١). فصحَّ تقريرُها في
أخرجه أحمدُ ٤٣/٥، والبَزّار في "البحر الزَّخَارِ" (٣٦٤٧)، والبيهقيُّ في "الدَّلائل" ٣٩٠/٤.
=
قال البَزّار: وهذا الحديث قد رواه أبو بَكرةَ، ورواه عن أبي بُكرةً جماعةٌ. وهذا الإسناد أحسنُ إسنادٍ يُروى
في ذلك مِن حديث حُميد الطَّويل.
ورواه جعفرُ بن سليمانَ عن أبي سَهْلٍ كَثِيرِ بن زياد - ثقةٌ مأمون - عن الحسن عن أبي بكرةَ نحوَه.
أخرجه البَزّار في "البحر الزَّخّار" (٣٦٤٨)، ثمَّ قال: وهذا الكلام قد روي عن النَّبِّلَّمِن غير وجه، ولا
نعلمُ أحداً رواه إلّ أبو بَكرةَ مِن هذا الوجه.
ورواه هَوْذَةُ بن خليفة عن حمّاد بن سَلَمَةَ عن عليٍّ بن زيدٍ عن عبد الرَّحمن بن أبي بَكرةً عن أبي بُكرةً
فذكر أحاديث مِنها: وقال أبو بَكرةَ: قال رسول اللـه مَ ﴿: ((مَن يلي أمرَ فارسَ؟)) قالوا: امرأةٌ. قال: ((ما أُفَلَحَ
قومٌ يلي أمرَهم امرأةٌ)).
أخرجه أحمدُ ٥٠/٥، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" ٢٩٣/٢.
وروى خالدُ بن خِداش وأحمدُ بن عبد الملك الحَرّانيُّ وحامدُ بن عمرَ البكراويُّ عن بكّار بن عبد العزيز عن
أبيه عن أبي بَكرَةَ رضي الله عنه أنَّ النّبيَّ أتاه فتحٌ فسجَدَ، فجعَلَ يسألُ الرَّسول، وعنده خبرُهم: مَن أمَّروا، أو
مَن وَلَّوا أمرَهم؟ فقال: امرأةٌ! فقال النِّبِيُّ ◌َّ: ((هَلَكَتِ الرِّجالُ حين مَلَكَتِ النِّساءُ)). أخرجه أحمدُ ٤٥/٥،
والبَزّر في "البحر الزَّخَارِ" (٣٦٩٢)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" ٤٣/٢.
وبكّارُ بن عبد العزيز: قال ابنُ عَدِيٍّ: أرجو أنَّه لا بأسَ به، وهو مِن جملة الضُّعفاء الذين يُكتَبُ حديثُهم.
ورواه أبو عاصمٍ عن عُتيبةَ بن عبد الرَّحمن بن أبي بَكرةً عن أبيه عن أبي بَكرةً قال: قال رسول الله:
((لا يُفْلِحُ قومٌ تَملِكُ أو تلي أمرهم امرأةٌ)). أخرجه ابنُ قائعٍ في "معجم الصَّحابة" ١٤٣/٣.
وروى بقيّةُ بن الوليد عن سليمانَ الأنصاريِّ عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: بايعتُ عليَّ بن أبي طالب
رضي الله عنه، قال: فرآني أبو بَكرةَ وأنا مُتَقَلَّدٌ سيفاً، فقال: ما هذا يا ابن أخي؟ قلتُ: بايعتُ علّاً، قال: لا تفعلْ
يا ابن أخي! فإنَّ القومَ يقتتلون على الدُّنيا، وإنَّما أخذوها بغير مَشورة، قلتُ: فَأُمُّ المؤمنين؟ قال: امرأةٌ ضعيفةٌ سمعت
رسولَ الله ◌ِ ﴿ يقول: ((لا يُفلِحُ قومٌ يلي أمرهم امرأةٌ)). أخرجه نُعَيم بن حمّاد في "الفتن" (٤٦١) ١٧٤/١.
ورواه عبدُ الرَّحمن بن عمرو بن جَبَلَةَ حدَّثنا أبو عَوانةَ حدَّثنا سِماكُ بن حرب عن جابر بن سَمُرة نحوَ
حديث الحسن عن أبي بُكرةً.
أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٤٨٥٢)، ثمَّ قال: لا يُروى هذا الحديث عن جابر بن سَمُرة إلاّ بهذا
الإسناد، تفَرَّدَ به عبدُ الرَّحمن بنُ عمرو بنِ جَبَلَةَ.
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩١/٦ بتصرف.