النص المفهرس
صفحات 521-540
الجزء السادس عشر
٥١٩
فصل في الحبْس
لو بعِلمِهِ، أو ظهَرَ خطأهُ، أو بخلافِ مذهبهِ. فِعلُ القاضي حُكمٌ،
مطلبٌ في حُكمِ القاضي بعِلمِهِ
[٢٦٤٤٢] (قولُهُ: لو (١) بعِلمِهِ) كما إذا اعتَرَفَ عندَهُ شخصٌ لآخَرَ بمبلغٍ وغابا عنه، ثمَّ
تداعَى عندَهُ اثنانٍ، فحكَمَ على أحدِهما ظاناً أَنَّه ذلك المُعترِفُ، ثمَّ تبيَّنَ له أَنَّه غيرُهُ له نَقْضُهُ،
وتمامُهُ في "شرح الوهبانيَّة"(٢). وهذا مبنيٌّ على أنَّ للقاضي العملَ بعِلمِهِ، والفتوى على عَدَمِهِ
في زماننا كما نقَلَهُ في "الأشباه"(٣) عن "جامع الفصولين" (٤). وقَّدَ بـ ((زماننا)) لفسادِ القُضاةِ
فيه، وأصلُ المذهبِ الجوازُ، وسيأتي(٥) تمامُهُ في بابِ كتابِ القاضي إلى القاضي.
[٤٣ ٢٦٤] (قولُهُ: أو ظهَرَ خطأهُ) تقدَّمَ (٦) بيانُهُ عندَ قولِهِ: ((ولو قضَى بالجَوْرِ)).
[٢٦٤٤٤] (قولُهُ: أو بخلافِ مذهبِهِ) تقدَّمَ بيانُهُ(٧) عندَ قولِهِ: ((قضَى في مُجتهَدٍ فيه
بخلافٍ رأیهِ)).
مطلبٌ: فِعلُ القاضي حُكمٌ
[٢٦٤٤٥] (قولُهُ: فِعلُ القاضي حُكمٌ إلخ) كذا في "الأشباه"(٨) تفريعاً(٩) واستثناءً،
وذكَرَ في "البحر "(١٠) أوَّلَ كتابِ القضاءِ: ((أَرَّ (١١) فِعلَ القاضي على وجهينِ:
(١) في "م": ((ولو))، وهو خطأ.
(٢) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب أدب القاضي ٢٩٨/١.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٦٢ -.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء ١٩/١.
(٥) صـ ٥٧١ - وما بعدها "در".
(٦) صـ ٥٠٠ - "در".
(٧) صـ ٤٦٤ - "در".
(٨) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٨ -.
(٩) في "الأصل": ((تعريفاً))، وهو تحريف.
(١٠) "البحر": كتاب القضاء ٢٧٩/٦.
(١١) ((أن)) ليست في "ب" و"م".
حاشية ابن عابدين
٥٢٠
قسم المعاملات
الأَوَّلُ: ما لا يكونُ مَوضِعاً للحُكمِ كما لو أَذِنَتْهُ مُكلَّفَةٌ بتزويجها فزوَّجَها، فإِنَّه وكيلٌ
عنها، ففِعلُهُ ليس بُحُكمٍ كما في "القاسميَّةِ"(١).
الثّاني: ما يكونُ مَحلاًّ للحُكمِ كتزويجٍ صغيرةٍ لا وليَّ لها، وشرائهِ وبَيْعِهِ مالَ اليتيمِ،
وقِسمتِهِ العَقارَ ونحوِ ذلك، فجزَمَ في "التَّجنيس": بأَنَّه حُكمٌ. وكذا تزويجُهُ اليتيمةَ مِن ابْنِهِ،
ورَدَّهُ في نكاحِ "الفتح"(٢): بأنَّ الأَوجَهَ أنَّه ليس بحُكمٍ؛ لانتفاءِ شرطِهِ، أي: مِن الدَّعوى الصَّحيحةِ،
وبأنَّ إِلحاقَهُ بالوكيلِ يكفي للمَنْعِ، يعني: أنَّ الوكيلَ بالنكاحِ لا يَمِلِكُ التَّرويجَ مِن اينِهِ، فالقاضي
بمنزلِهِ، فُغني ذلك عن كونِهِ حُكماً. وعلى هذا فقولُهم -: شراءُ القاضي مالَ اليتيمٍ أو شيئاً مِن
الغنيمةِ لنفسِهِ لا يَجُوزُ؛ لأَنّ حُكمٌ لنفسِهِ - خلافُ الأَوجَهِ؛ لأنَّ إلحاقَهُ بالوكيلِ للمَنحِ مُغْنٍ عن
كونِهِ حُكماً؛ لأنَّ شراءَ الوكيلِ لنفسِهِ باطلٌ.
مطلبٌ: القضاءُ القوليُّ يحتاجُ للدَّعوى، بخلافِ الفِعليِّ والضِّمنيِّ
لكنْ لَمّا كُثُرَ في كلامِهِم كونُ فِعلِهِ حُكماً فالأَولى أنْ يُقالَ تصحيحاً لكلامِهِم: إنَّ الحُكمَ
القوليَّ يحتاجُ إلى الدَّعوى، والفِعليَّ لا، كالقضاءِ الضِّمنيِّ(٢) لا يحتاجُ إليها، وإنَّما [٣/ ٢٢٦٥ / ب]
(قولُهُ: وَرَدَّهُ في نكاحِ "الفتح" بأنَّ الأَوجَهَ أَنَّه ليس بُحُكْمٍ إلخ) في "البزّازيّة" أوَّلَ القضاءِ: ((َمَرَ القاضي
إنساناً بالقِسْمةِ في الرُّسْنَاقِ يَصِحُّ؛ لأنّها ليستْ مِن أعمالِ القضاءِ، وكذا إذا خَرَجَ إلى الرُّسْتَاقِ وَنَصَبَ قَيِّماً
في مالِ الصَّغِيرِ أو الوَقْفِ أَو أَذِنَ بالنّكاحِ لأَنَّه ليس بقضاءٍ، ولا مِن أعمالِهِ، والمصرُ شرطٌ للقضاءِ في "ظاهر
الرِّواية" لا لغيرِهِ، قال صاحب "المحيط": وهذا مُشكِلٌ عندي؛ لأنَّ القاضيَ إنَّما يَفعَلُ ذلك بولايةِ القضاءِ(٤)
حتّى لو لم يُؤْذَّنْ له في ذلك لا يَمِلِكُ، فينبغي أنْ لا يُشتَرَطَ في المصرِ على "ظاهر الرِّواية"، وفي "فتاوَى
الدِّيناريّ": المحدُودُ إذا لم يكنْ في ولايةِ القاضي ولكنْ في ولايةِ مَن قَلَّدَهُ يَصِحُّ حُكْمُهُ)) اهـ. وقال "أبو
السُّعود" نَقْلاً عن "أحكام الصِّغار"(٥): ((نَصْبُ الوَصِيِّ ليس بقضاءٍ، ولكِنَّه مِن أعمالِهِ)).
(١) أي: "فتاوى العلامة قاسم بن قطلوبغا" (ت٨٧٩هـ)، وتقدمت ترجمتها ٣٤/٢.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح - باب الأولياء والأكفاء ١٨٣/٣ بتصرف.
(٣) في "الأصل": ((الضمين))، وهو تحريف.
(٤) في مطبوعة "التقريرات": ((لقضاء))، وهو خطأ.
(٥) في مطبوعة "التقريرات": ((الصفار)).
الجزء السادس عشر
٥٢١
فصل في الحبْس
يحتاجُها القصديُّ، ويدخُلُ الضِّمنيُّ تَبَعاً، وقال "محمَّدٌ" في "الأصل": لو طلَبَ الوَرَثَةُ القِسمةَ
للعَقارِ وفيهم غائبٌ أو صغيرٌ قال "الإِمامُ": لا أَقْسِمُ ما لم يُبرِهِنُوا على الموتِ والمواريثِ،
ولا أَقضي على الغائبِ والصَّغيرِ بقولِهم؛ لأنَّ قِسمةَ القاضي قضاءٌ مِنه، وقالا: يَقْسِمُ اهـ. وهذا
قاطعٌ للشُّبهةِ، فتعَيَّنَ الرُّجوعُ إلى الحَقِّ)). اهـ ما في "البحر" مُلخَّصاً.
وحاصلُهُ: أنَّ ما في "الأصل" لا يمكنُ إلحاقُهُ بالوكيلٍ في المنعِ مِن القِسمةِ، فتعَّنَ أنَّ العَلَّةَ
ما نصَّ عليها مِن كونٍ فِعِلِهِ حُكماً، وتعيَّنَ الْتّوفيقُ بما ذكَرَ: مِن أنَّ القضاءَ الفِعليَّ لا يحتاجُ إلى
الدَّعوى كالضِّمنيِّ، بخلافِ القوليِّ القصديِّ(١)، وبه اندفَعَ ما مرَّ(٢) عن "الفتح" مِن قولِهِ:
((لانتفاءِ شرطِهِ))، واندفَعَ أيضاً قولُ "ابنِ الغَرْس": ((إِنَّ الصَّوابَ أنَّ الفعلَ لا يكونُ
حُكماً(٣)). نَعَمْ، قال في "النّهر"(٤): ((مِمّا يدُلُّ على أنَّه ليس بُحُكمٍ إثباتُهم خِيارَ البلوغِ الصَّغِيرِ
والصَّغيرةِ بتزويجِ القاضي على الأصحِّ؛ إذ لو كان تزويجُهُ حُكماً لَزِمَ نَقْضُهُ)) اهـ
قلتُ: وقد يُقالُ: إنَّ معنى كونِهِ حُكماً أَنَّه إذا زوَّجَ اليتيمةَ ليس لغيرِهِ نَقْضُهُ كما أفتى به
"ابنُ نجيمٍ"(٥)، أي: لو رُفِعَ إلى حاكمٍ آخَرَ لا يَراهُ ليس له نَقْضُهُ، بل عليه تنفيذُهُ؛ لأنَّالحُكمَ يرفَعُ
الخلافَ، ولا يلزَمُ مِن هذا أَنَّه ليس لها خِيارُ البلوغِ كما لو زوَّجَها عَصبةٌ غيرُ الأبِ والجَدِّ وحكَمَ
به القاضي، فإنَّ حُكمَهُ بصحَّةِ العَقدِ لا يُنافِي تُبُوتَ خِيارَ البلوغِ كما لا يخفَى، فكذا هنا بالأولى.
مطلبٌ في القضاءِ الضِّمنيِّ
(تتمَّةٌ)
قال في "الأشباه"(٦): ((القضاءُ الضِّمنيُّ لا تُشترَطُ له الدَّعوى والخُصومةُ، فإذا شَهدا على
(١) في "الأصل": ((والقصدي)).
(٢) في هذه المقولة.
(٣) ((حكما)) ساقطة من "الأصل".
(٤) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٦/ب بتصرف.
(٥) "فتاوى ابن نجيم": كتاب النكاح صـ٢٣ - (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٦) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٦ -.
حاشية ابن عابدين
٥٢٢
قسم المعاملات
فلو زوَّجَ اليتيمةَ مِن نفسِهِ أوِ ابنِهِ لم يَجُزْ إلّ في مسألتينٍ: إذا أَذِنَ الوليُّ للقاضي
بتزويجها كان وكيلاً، وإذا أَعطى فقيراً مِن وقفِ الفقراءِ كان له إعطاءُ غيرِهِ ......
خَصمٍ بَحَقٌّ وذَكَرا اسمَهُ واسمَ أبيهِ وجَدِّهِ وقضَى بذلك الحَقِّ كان قضاءً بنسَبِهِ ضِمِناً وإنْ لم يكنْ
في حادثةِ النَّسبِ)) اهـ. أي: إذا كان المشهودُ عليه غيرَ مُشار إليه، فلو مُشاراً إليه لا يتُبُتُ نسبُهُ
كما أوضحَهُ "الحمَويُّ(١)، ثمَّ قال في "الأشباه"(٢): ((وعلى هذا: لو شَهِدا بأنَّ فُلانةً زوجةَ
فُلانِ وكَّلَت زوجَها فُلانً في كذا على خَصٍ مُنكِرٍ وقضَى بتوكيلِها كان قضاءً بالرَّوجِيَّةِ
بينَهما، وهي حادثة الفتوى، ونظيرُهُ ما في "الخلاصة"(٣) مِن طريقِ الحُكمِ بُبُوتِ الرَّمَضانَّةِ:
أنْ يُعلِّقَ رجلٌ وكالةَ فُلانٍ بدخولِ رمضانَ، ويدَّعي بَقِّ على آخَرَ ويتنازَعا في دخولِهِ، فَتُقامُ
البِيَّةُ على رؤياهُ، فيثبُتُ رمضانُ ضِمِنَ تُبُوتِ التَّوكيلِ. وأصلُ القضاءِ الضِّمنيِّ ما ذَكَرَهُ
أصحابُ المتونِ: مِن أَنَّه لوِ ادَّعَى كفالةً على رجلٍ بحالٍ بإذنِهِ فأقرَّ بها وأنكَرَ الدَّينَ، فَبَرَهَنَ
على الكفيلِ بالدَّينِ وقضَى عليه بها كان قضاءً عليه قصداً وعلى الأصيلِ الغائبِ ضِمناً، وله
فروعٌ وتفاصيلُ ذكَرْناها في "الشَّرِحِ"(٤))) اهـ.
٣٤٥/٤
[٢٦٤٤٦] (قولُهُ: إلّ في مسألتينِ إلخ) استثناءٌ مِن قولِهِ: ((فِعلُ القاضي حُكُمٌ))،
ووجهُ الأُولى: أنَّ فِعَلَهُ بطريقِ الوكالةٍ، ووجهُ الثّانيةِ: أنَّ فِعلَهُ كفِعلِ الواقفِ، فلقاضٍ آخَرَ (٥)
نَقْضُهُ كما في "منتخب المحيط الرَّضويِّ"(٦)، وقَّد ذلك فيه بقيدينِ عن بعضِ المشايخِ، فإنه قال:
(قولُهُ: قال في "الأشباه": وعلى هذا: لو شَهِدا بأنَّ فُلانةً إلخ) قال "البيريُّ": ((هذا التَّفريعُ
مُخالِفٌ للمنقولِ فلا يُعوَّلُ عليه)) اهـ مِن "هبة الله".
(١) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ٣٨٤/٢.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٦ -.
(٣) "الخلاصة": كتاب الشهادات - الفصل الثاني في الشهادة ما يقبل منها وما لا يقبل - جنس آخر في الرمضانية
والعيد ق ٢١٦/ب بتصرف.
(٤) أي: "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢٠/٧ وما بعدها.
(٥) في "٢": ((فللقاضي الآخر)).
(٦) المسمى "بالوجيز"، والمعروف بـ: "مختصر المحيط"، وهو للخبازي (ت ٦٩١هـ)، وتقدمت ترجمته ٤٥٨/١.
الجزء السادس عشر
٥٢٣
فصل في الحبْس
أَمْرُ القاضي حُكمٌ، إلّ في مسألةِ الوقفِ المذكورةِ(١) فَأَمْرُهُ فتوى، فلو صرَفَ لغيرِهِ
صحَّ. القاضي يُحلِّفُ غريمَ المَيْتِ.
((وإنْ أَعطى القاضي بعضَ القَرابةِ - أي: فقيراً مِن قَرابةِ الواقفِ - ولم يَقْضِ له بذلك، ولم يَجعَلْهُ
راتبةً في الوقفِ كان لقاضٍ آخَرَ نَقْضُهُ)). لكنْ ذَكَرَ في "الأشباه"(٢) مِن القاعدةِ الخامسةِ:
((أنَّ تقريرَ القاضي الُرتَّبَاتِ غيرُ لازمٍ إلاّ إذا حكْمَ بعَدَمِ تقريرٍ غيرِهِ، فحينئذٍ يلزَمُ، وهي في
"الخَصّاف"(٣)))، أفادَهُ "البيريُّ"(٤).
مطلبٌ: أَمْرُ القاضي حُكمٌ
[٢٦٤٤٧] (قولُهُ: أَمْرُ القاضي حُكمٌ) قدَّمنا (٥) أوَّلَ القضاءِ أَنَّهم اتَّفقوا على أنَّ أَمْرَهُ
بحبسِ الْمُدَّعَى عليه بالحَقِّ كأَمْرِهِ بالأَخْذِ مِنه، وعلى أنَّ أَمْرَهُ بصرفٍ كذا مِن وقفِ الفقراء
إلى فقيرٍ مِن قَرابةِ الواقفِ ليس بحُكمٍ، حَتّى لو صرَفَهُ إلى فقيرٍ آخَرَ صحَّ. واختَلَفُوا في
قولِهم: سلِّمِ الدّارَ، وتمامُ الكلامِ عليه في "البحر"(٦) و"النَّهر"(٧) هناك.
مطلبٌ: يُحلِّفُ القاضي غريمَ المَيْتِ
[٢٦٤٤٨] (قولُهُ: القاضي يُحلِّفُ غريمَ الميْتِ) لم يُبيِّنْ أنَّ هذا التَّحليفَ واجبٌ أم
لا، وتوقَّفَ فيه "المقدِسيُّ"، لكنْ قال في "الخلاصة"(٨) عن "أدب القاضي" لـ "الخَصّاف"(٩):
(١) صـ ٥٢٢ - "در".
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - النوع الثاني من القواعد - القاعدة الخامسة: تصرُّفُ الإمام على
الرعية منوط بالمصلحة صـ ١٤٠ - بتصرف.
(٣) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يقف الأرض في أبواب البر أو في الحج أو في ابن السبيل إلخ صـ ٢٣٧ -.
(٤) "عمدة ذوي البصائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - المبحث الثالث - القاعدة الخامسة تصرُّفُ الإِمام على رعيَّته
منوطٌ بالمصلحة ق ٣٧/أ.
(٥) المقولة [٢٥٩٢٨] قوله: ((حُكمٌ)).
(٦) انظر "البحر": كتاب القضاء ٢٧٨/٦.
(٧) انظر "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٦/أ.
(٨) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل السابع في اليمين - جنس آخر - فيما يجري فيه الاستحلاف وفيما لا يجري ق ٢٠٦/أ.
(٩) انظر "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب الثالث والستون في ما يجوز من فعل الوصي ٣٦٧/٣ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٥٢٤
قسم المعاملات
((وأجمَعُوا على [١/٢٢٧٥/٣) أَنَّ مَنِ ادَّعَى دَيْناً على الميْتِ يُحلَّفُ مِن غيرِ طَلَبِ الوصيِّ والوارثِ:
باللهِ ما استوفَيْتَ دَيْنَكَ مِن المديونِ ولا مِن أحدٍ أدّاهُ إليك عنه، ولا قَبَضَهُ قابضٌ ولا أَبرأَتَهُ ولا شيئاً
مِنه، ولا أُحِلْتَ بذلك ولا بشيءٍ مِنه على أحدٍ، ولا عندَك به ولا بشيءٍ مِنه رهنٌ)) اهـ. وعلَّلَهُ
"الصَّدر الشَّهِيد"(١): ((بأنَّ اليمينَ ليست للوارثِ هاهنا وإنَّما هي للتَّرِكَةِ؛ لأَنَّه قد يكونُ له غريمٌ
آخَرُ أو مُوصِّى له، فالحَقُّ في هذا في تَرِكةِ المَيْتٍ، فعلى القاضي الاحتياطُ في ذلك))، وقال قبلَهُ(١):
((ولا يدفَعُ له شيئاً حتّى يَستحِفَهُ)) اهـ. فحيثُ أجْمَعُوا على تحليفِهِ وذكَرُوا أَنَّه لا يدفَعُ إليه المالَ
حَتّى يُستحلَفَ ولم (٢) يفعَلْ ذلك لم تستَوفِ الدَّعوى شرطَها، فلا ينفُذُ حُكمُهُ بالدَّفْعِ والقَبْضِ،
والقاضي مأمورٌ بالحُكمِ بأصحِّ أقوالٍ "الإِمامِ"، فإذا حكَمَ بغيرِهِ لم يَصِحَّ، فكيف وقد أجمَعُوا على
الَّحليفِ؟! وتمامُهُ في "الحامديَّة"(٣). قال في "البحر"(٤) مِن الدَّعوى: ((ولا خصوصيةً للدِّينِ، بل في
كلِّ موضعٍ يدَّعي حَقّاً في الّرِكَةِ وأثبتَهُ بِالبِّنةٍ))، وعزاهُ إلى "الولوالحيَّة"(٥)، ثمَّ قال(٦): ((ولم أَرَ
حُكَمَ مَنِ الدَّعَى أَنَّه دفَعَ للمِيْتِ دَيْنَهُ وَبَرهَنَ، هل يُحلَّفُ؟ وينبغي أنْ يُحلَّفَ احتياطاً)) اهـ. قال
مُحشِّيه "الرَّمليُّ" : ((قد يُقالُ: إِنَّما يُحلَّفُ في مسألةٍ مُدَّعي الدَّينِ على الميْتِ احتياطاً؛ لاحتمال
أَنَّهم شَهِدُوا باستصحابِ الحالِ وقدِ استوفاهُ في باطنِ الأمرِ، وأمّا في مسألةِ دَفْعِ الدَّينِ فقد شَهِدُوا
على حقيقةِ الدَّفْعِ، فانتفَى الاحتمالُ المذكورُ)) اهـ. وهذا وجيةٌ كما لا يخفَى.
(تنبيةٌ)
قَيَّدَ بالقاضي لأنَّ للوصيِّ أنْ يدفَعَ ذلك للمُقَرِّ له إذا أقرَّ به الميْتُ عندَهُ كما نصُّوا
عليه، وتمامُهُ في "البيريٍّ"(٧).
(١) "شرح أدب القاضي": الباب الثالث والستون فيما يجوز من فعل الوصيّ ٣٦٨/٣.
(٢) في "م": ((ولو لم)).
(٣) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ١٢/٢.
(٤) "البحر": كتاب الدعوى ٢٠٤/٧، وعبارته: ((لا خصوصية لدعوى الدين)).
(٥) "الولوالجية": كتاب الدعوى - الفصل الرابع فيما يحلف وفيما لا يحلف إلخ ١٩١/٤.
(٦) أي: صاحب "البحر": كتاب الدعوى ٢٠٤/٧.
(٧) انظر "عمدة ذوي البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١٤٦/ب.
الجزء السادس عشر
٥٢٥
فصل في الحبْس
ولو أقرَّ به المريضُ. لا يُقبَلُ قولُ أمينِ القاضي أنَّه حلَّفَ المُخدَّرَةَ إلّ بشاهدينٍ. مَنِ
اعتمَدَ على أَمْرِ القاضي الذي ليس بشرعيِّ لم يَخرُجْ عنِ العُهْدِةِ(١)) اهـ ...
[٢٦٤٤٩] (قولُهُ: ولو أقرَّ به المريضُ) أي: في مرضٍ موتِهِ. قال في "التَّتار خانيَّة": ((وقال
القاضي الإِمامُ "أبو عليِّ النَّسفيُّ": عَرَفْنا أنَّ الدَّينَ إذا تقادَمَ وجوبُهُ حتّى يُوهَّمَ سقوطُهُ بهذه
الأسبابِ فغريمُ الميْتِ يُستحلَفُ، وكُنّا نظُنُّ أنَّ الدَّينَ إذا ثبَتَ بإقرارِ المريضِ في مرضٍ موتِهِ
أنَّ الغريمَ لا يُستحلَفُ؛ لأَنَّ ذكَرَ في "المبسوط "(٢) في مواضعَ: أنَّ المريضَ إذا أقرَّ في مرضِهِ
بالدُّيونِ للغُرَماءِ فإنّهم يُعطَونَ ذلك، ولم يَشترِطِ اليمينَ، و"الخَصّافُ))(٣) ذكَرَ اليمينَ هنا،
وهذا شيءٌ استفيدَ مِن جهتِهِ)) اهـ "بيريّ"(٤).
[٢٦٤٥٠] (قولُهُ: أَنَّه حلَّفَ المُخدَّرَةَ) هي التي لا تُخالِطُ الرِّجالَ وإنْ خَرَجَت لحاجةٍ
وحَمّامٍ، كذا ذكَرَهُ "الشّارحُ" عن "القنية" في بابِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ(٥).
[٢٦٤٥١] (قولُهُ: إلّ بشاهدينٍ) هذه عبارة "الأشباه"(٦)، وظاهرُها: أَنَّه لا بدَّ مِن
شاهدينِ غيرِ الأمينِ، وقدَّمَ(٧) عن "الصُّغْرى": ((أَنَّه يُقبَلُ قولُ شاهدٍ معه))، قال الشَّيخُ
"صالحٌ"(٨): ((ولعلَّ ذلك لاختلافِ الرِّوايتينِ))، "ط " (٩).
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ ٢٨٢ -.
(٢) انظر "المبسوط": كتاب الإقرار - باب إقرار المفاوضة بالدين ١٩٤/١٧، وباب الإقرار في المرض ٢٤/١٨ - ٢٦، وباب
الإقرار في غير المرض ١٨٦/١٨، وكتاب المأذون الكبير - باب إقرار المأذون في مرض مولاه ٤٨/٢٦.
(٣) "الحيل": باب في فعل المريض صـ٩٢-، وقد ذكر الخصاف المسألة في "أدب القاضي" بدون ذكر اليمين انظر
"شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: ٣٨٩/٢.
(٤) "عمدة ذوي البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق١٤٧/أ باختصار.
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧١٥٥] قوله: ((أو كونِ المرأةِ مُخْدَرةً)).
(٦) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ ٢٨٠ -.
(٧) أي: في "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٦٣ -.
(٨) هو الشيخ صالح التمرتاشيّ (ت ١٠٥٥ هـ) صاحب "زواهر الجواهر على الأشباه والنظائر"، وتقدمت ترجمته ٣٧١/٨.
(٩) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٥/٣.
حاشية ابن عابدين
٥٢٦
قسم المعاملات
وقدَّمنا(١) في الوقف عن "المنظومة المحبَّة " مَعزّاً لـ "المبسوط": ((أنَّ للسُّلطان مُخالَفةً
شرطِ الواقفِ لو غالِبُهُ قُرَّى ومَزارعَ، وأَنَّه يُعمَلُ بِأَمْرِهِ وإنْ غَايَرَ الشَّرطَ))، فليُحفَظْ.
قلتُ: وأجابَ "صُنْعِي أفندي"(٢): ((بأَنَّه متى كان في الوقفِ سَعَةٌ
[٢٦٤٥٢] (قولُهُ: وقدَّمنا في الوقفِ إلخ) كان الأَولى ذِكرَهُ عندَ قولِهِ: ((أَمْرُ السُّلطان
إنَّما ينفُذُ إلخ)).
مطلبٌ: أنَّ للسُّلطانِ مُخالَفةَ أَمْرِ الواقفِ لو غَالِبُهُ قُرَى ومَزَارِعَ (٢)
[٢٦٤٥٣] (قولُهُ: أنَّ للسُّلطانِ مُخالَفةَ شرطِ الواقفِ) فَيَجُوزُ له إحداثُ وظيفةٍ أو مُرتَّبٍ
إذا كان المقرَّرُ في ذلك مِن مَصارفٍ بيتِ المالِ، "ط" (٤).
[٢٦٤٥٤] (قولُهُ: لو غالِبُهُ قُرَّى ومَزارعَ) بأنْ كان الواقفُ له سلطاناً أو واحداً مِن الأُمَراءِ
ولم يُعَلَمْ تَملُّكُه لها بوجهٍ شرعيٍّ، ولذا علَّلَهُ "الشّارحُ" هناك (٥) بقولِهِ: ((لأنَّ أصلَها لبيتِ
المالِ))، وأفتى المفتي "أبو السُّعود أفندي": ((بأنَّ أوقافَ الملوكِ والأُمَراءِ لا يُراعَى شروطُها؛
لأَنَّها مِن بيتِ المالِ أو ترجِعُ إليه)) اهـ. وقدَّمنا (٦) تمامَ الكلامِ على ذلك في الوقفِ.
[٢٦٤٥٥) (قولُهُ: وأجابَ "صُنعي أفندي") أي: عن سؤالٍ سُئِلَ عنه.
[٢٦٤٥٦] (قولُهُ: متى كان في الوقفِ سَعَةٌ) بفتح السِّين والعَين المهملتين، أي: بأنْ
كانت غَلَّتُهُ وافرةً.
(قوله: لأَنَّها مِن بيتِ المالِ أو ترجِعُ إليه) بأنْ كان الواقفُ رقيقَ بيتِ المالِ؛ لأنَّ في عِتْقِهِ نظراً.
(١) في "ط": ((وقدمناه))، وانظر ٦٦٠/١٣ "در".
(٢) لعله مصطفى بن جعفر، شيخ الإسلام المعروف بصنع الله المفتي العمادي الرومي (ت١٠٢٢ هـ). ("خلاصة الأثر"
٢٥٦/٢، "هدية العارفين" ٤٣٩/٢).
(٣) هذا المطلب من "د".
(٤) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٥/٣.
(٥) ٦٦٠/١٣ "در".
(٦) المقولة [٢١٧٧٢] قوله: ((ونقَلَ)).
الجزء السادس عشر
٥٢٧
فصل في الحبْس
ولم يُقصِّرْ في أداءِ خِدْمتِهِ لا يُمنَعُ))، فتنبّهْ. وفي "الوهبائَّة"(١): ((ُيُحَبَسُ الوليُّ بدَيْنِ
الصَّغيرِ حتّى يُوفِيَّهُ أو يظهَرَ فقرُ الصَّغِيرِ)). قلتُ: لكنْ قدَّمَ "شارحُها"(٢) عن "قاضي
خان"(٣): ((أَنَّ(٤) الحُرَّ، والعبدَ، والبالغَ، والصَّبِيَّ في الحَبسِ سواءٌ))، فيُتَأَمَّلُ(٥) نفيُّهُ هنا،
قالَهُ "الشُّ نُبلاليُّ"».
[٢٦٤٥٧] (قولُهُ: ولم يُقصِّرْ) أي: ذو الوظيفةِ التي أحدَثَّها السُّلطانُ.
[٢٦٤٥٨] (قولُهُ: لا يُمنَعُ) أي: مِن تناولِ ما قرَّرَهُ له.
مطلبٌ فِي حَبْسِ الصَّبِيِّ
[٢٦٤٥٩] (قولُهُ: يُحَبَسُ الوليُّ إلخ) في "البحر"(٦): ((لا يُحَبَسُ صبِيٌّ على دَيْنِ الاستهلاكِ ولو
له مالٌ مِن عُروضٍ وعَقارٍ إذا لم يكنْ له أبٌ أو وصيٌّ، والرَّايُ فيه للقاضي، فيأذَنُ في بَيْعِ بعضِ
٤ /٣٤٦ (٣/ ق٢٢٧/ب] مالِهِ للإيفاءِ، ولو له أبٌ أو وصيٌّ يُحبَسُ إنِ امتنَعَ مِن قضاءِ دَيْنِهِ مِن مالِهِ، أي: مالٍ
الصَّبِيِّ، ولا يُحَبَسُ الصَّبِيُّ إِلّ بطريقِ التَّأديبِ؛ لئلّ يتحاسَرَ إلى مثلِهِ إذا باشَرَ شيئاً مِن أسبابِ الَّعدي
قصداً، فلو خطأً فلا، كذا في كفالة "المبسوط (٧)، وفي "المحيط": للقاضي حَبْسُ الصَّبِيِّ النّاجِرِ
تأديباً لا عقوبةً؛ لئلاّ يُماطِلَ حقوقَ العبادِ، فإنَّ الصَّبِيَّ يُؤدَّبُ لينزَجِرَ عنِ الأفعالِ الذَّميمةِ)) اهـ.
[٢٦٤٦٠) (قولُهُ: فَيُتأمَّلُ نفيُهُ هنا) قد عَلِمتَ مِن عبارَتي "المبسوط" و"المحيط" أنَّ نفيَهُ
على وجهِ العُقوبةِ، وإثباتَهُ على وجهِ التَّأديبِ، وهو شاملٌ أيضاً للمأذونِ والمحجورِ، فافهمْ.
(١) "المنظومة الوهبانية": فصل من كتاب أدب القاضي صـ٥٥- (هامش "المنظومة المحبية").
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب أدب القاضي ٢٩٢/١.
(٣) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - باب الدعوى ٣٧٤/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) ((أنَّ)) ليست في "د".
(٥) في "و": ((فليتأمل)).
(٦) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٥/٦.
(٧) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب الحبس في الدين ٩١/٢٠.
حاشية ابن عابدين
٥٢٨
قسم المعاملات
قال: ((وليس للقاضي البَيعُ مع وجودِ أبٍ أو وصيٍّ))، وهي فائدةٌ حسَنَةٌ.
قلتُ: وفي "القنية"(١): ((ومتى باعا فللقاضي نَقْضُهُ لو أَصلَحَ)) كما نظَمَهُ(٢)
"الشّارِحُ"، فَضَمَمتُهُ لـ "المتن" مُغَيِّراً لبعضِهِ، فقلتُ:
ولو مُصلِحاً والأَصلَحُ النَّقْضُ يُسْطَرُ
ويُنقَضُ بَيْعٌ(٣) مِن أبٍ أو وصِّهِ
ويُحَبَسُ فِي دَيْنٍ على الطّفلِ والدٌ
[٢٦٤٦١] (قولُهُ: قال) أي: "الشُّر نُبلاليُّ"، وقد عزاهُ في "النَّهر"(٤) إلى "الطَّرَسوسيِّ"(٥)
أَخْذً مِن قولِ "المبسوط )"(٦): ((ولو له أبٌّ أو وصيٌّ إلخ)).
[٢٦٤٦٢] (قولُهُ: فللقاضي نَقْضُهُ) أي: نَقْضُ بَيْعِ الأَبِ والوصيِّ لوِ النَّقْضُ أَصلَحَ الصَّغِيرِ.
(٤٦٣ ٢٦] (قولُهُ: كما نظَمَهُ "الشّارعُ") أي: "شارحُ الوهبانيَّة" القاضي "عبدُ البَرِّ بنُ الشِّحنة)(٧).
[٢٦٤٦٤] (قولُهُ: ولو مُصلِحاً) إِنَّمَا ذكَرَهُ لأَنَّهم صرَّحوا بأنَّ شرطَ بَيْعِ الأبِ عَقَارَ الصَّغِيرِ
بمثلِ القيمةِ كونُهُ محموداً أو مستوراً، فلو كان مُفسِداً لا يَجُوزُ إلّ بضِعِفِ القيمةِ.
(٢٦٤٦٥] (قولُهُ: والأَصلَحُ النَّقْضُ) الواو للحالِ. وقولُهُ: ((يُسْطَرُ)) - بسكون السِّين -
جملةٌ استئنافيَّةٌ.
[٢٦٤٦٦] (قولُهُ: ويُحبَسُ إلخ) أي: يُحبَسُ الوالدُ والوصيُّ فِي دَيْنٍ على الطّفلِ لأجنبيّ
إذا كان للطّفلِ مالٌ وامتَنَعا مِن أدائِهِ كما عُلِمَ مِمّا مَرَّ(٨).
(١) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب ولاية القاضي وتصرفاته على الغير ق١٢٩/ب بتصرف، نقلاً عن "النوازل" للسمرقندي.
(٢) في "و": ((نظم)).
(٣) في "د": ((بيعاً))، وهو تحريف.
(٤) "النهر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٤٣٢/ب.
(٥) "أنفع الوسائل": مسألة ما يكون حكماً من القاضي وما لا يكون إلخ صـ٢٣ - بتصرف.
(٦) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب الحبس في الدين ٩١/٢٠.
(٧) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب أدب القاضي ٢٩٩/١.
(٨) المقولة [٢٦٤٥٩] قوله: ((ُيُحَبَسُ الوليُّ إلخ)).
الجزء السادس عشر
٥٢٩
فصل في الحبْس
وصيٌّ وللتَّأديبِ بعضٌ يُصوِّرُ
وعبدٌ لمولاهُ كَعَكْسٍ.
وفي الدَّينِ لم يُحبَسْ أبٌّ ومُكاتَبٌ
.. ..
[٢٦٤٦٧] (قولُهُ: وصيٌّ) على تقديرِ الواو العاطفة.
[٢٦٤٦٨] (قولُهُ: وللتَّأديبِ إلخ) أي: وحَبْسُ الصَّبِيِّ للتَّأديبِ بعضُ المشايخِ تصوَّرُوا.
[٢٦٤٦٩] (قولُهُ: وفي الدَّينِ لم يُحبَسْ أبٌ) تقدَّمت(١) هذه المسألةُ في قولِهِ: ((لا يُحَبَسُ
أصلٌ وإِنْ عَلَا فِي دَيْنِ فَرْعِهِ، بل يقضي القاضي دَيْنَهُ مِن عَيْنِ مالِهِ أو قيمتِهِ إلخ))، واحترَزَ
بالدَّينِ عنِ النَّفْقةِ، فإنّه يُحبَسُ بها كما مرَّ هناك(٢).
[٢٦٤٧٠] (قولُهُ: ومُكاتَبٌ) بفتح الّاء، أي: لا يُحبّسُ المكاتَبُ بدَينِ الكتابةِ، فإنْ كان
دَيْنَاً آخَرَ يُحَبَسُ به للمولى، ومِنهم مَن مِنَعَهُ؛ لأَنَّه يتمكَّنُ مِن إسقاطِهِ بالتَّعجيزِ، وصحَّحَهُ في
"المبسوط"(٣)، وعليه الفتوى، "بحر"(٤) عن "أنفع الوسائل"(٥).
[٢٦٤٧١] (قولُهُ: وعبدٌ لمولاهُ) أي: لدَينِ مولاهُ، أطلَقَهُ "الزَّيلعيُّ"(٦). فظاهرُهُ: ولو كان
مديوناً، "بحر"(٧).
[٢٦٤٧٢) (قولُهُ: كَعَكْسٍ) أي: عكسِ الْمُكَتَبِ والعبدِ، فلا يُحبَسُ المولَى بِدَيْنِ مُكَاتِهِ إنْ كان
مِن جنسٍ بدَلِ الكتابةِ؛ لوقوعِ الْمُقَاصَّةِ، وإلّ يُحبَسُ؛ لتوقُفِها على الرِّضا، ولا يُحبّسُ المولَى بِدَيْنِ
عبدِهِ المأذونِ غيرِ المديونِ، وإنْ مديوناً يُحَبَسُ؛ لَحَقِّ الغُرَمَاءِ، "بحر "(٧). وذكَرَهُ "الشّارحُ" بعدُ(٨).
(١) صـ ٤٠٥ - "در".
(٢) صـ ٤٠٣ - وما بعدها "در".
(٣) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب الحبس في الدين ٩٠/٢٠ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٥/٦.
(٥) "أنفع الوسائل": مسألة الحبس في الديون صـ ٣٤١ -.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - فصل في الحبس ١٨٢/٤.
(٧) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٥/٦.
(٨) صـ ٥٣٠- "در".
حاشية ابن عابدين
٥٣٠
قسم المعاملات
. ومُعسِرُ
نَعَمْ، لوِ العبدُ مديوناً يُحَبَسُ المولَى بِدَيْنِهِ؛ لأَنَّه للغُرَماءِ، وكذا يُحبَسُ بدَيْنِ مُكَاتَبِهِ
إلّ فيما كان مِن جنسِ الكتابةِ، ففي عِتَاقِ "الوهبائيّة"(١).
مُكاتِبُهُ والعبدُ فيها مُخيّرُ
وفي غيرِ جنسٍ (٢) الحَقِّ يَحبسُ سيِّداً.
مطلبٌ: جملةٌ مَن لا يُحبَسُ عشرةٌ
(٢٦٤٧٣] (قولُهُ: ومُعسِرُ) أي: مَن ظهَرَ إعسارُهُ بعدَ حَبْسِهِ المدَّةَ التي يراها القاضي
فلا يُحَسُ بعدَها، وبهذا بلَغَ عدَدُ مَن لا يُحبَسُ سبعةٌ، أوَّلُها الصَّبِيُّ، وكُلُّها في النّظمِ، وقد عَدَّها
في "البحر"(٣) كذلك لكنَّه أَسقَطَ الْمُعسِرَ، وذكَرَ بدَلَهُ: ((العاقلةَ إنْ كان لهم عطاءٌ فلا يُحَبَسونَ
في دِيَةٍ وَأَرْشٍ ويُؤخَذُ مِن العطاءِ، وإنْ لم يكنْ عَطاءٌ يُحَبَسونَ))، ثمَّ قال(٢): ((ويُزادُ مسألتانِ:
لا يُحَبَسُ المديونُ إذا عَلِمَ القاضي أنَّ له مالاً غائباً، أو محبوساً مُوسِراً، فصارت تسعاً)) اهـ.
قلتُ: وبالُعسِرِ صارت عشراً.
[٢٦٤٧٤] (قولُهُ: نَعَمْ إلخ) تقييدٌ لقولِهِ: ((كَعَكْسٍ)).
[٢٦٤٧٥] (قولُهُ: إلّ فيما كان مِن جنسِ الكتابةِ) الأَولى أنْ يقولَ: إنْ لم يكنْ مِن
جنسِ الكتابةِ، فإنَّه تقييدٌ أيضاً لقولهِ: ((كعكسٍ)) كما عُلِمَ مِن عبارةِ "البحر" المارَّةِ آنفاً (٤).
[٢٦٤٧٦] (قولُهُ: سَيِّداً) مفعولٌ مقدَّمٌ على فاعِلِهِ، وهو ((مُكاتِبُهُ)).
[٤٧٧ ٢٦] (قولُهُ: والعبدُ فيها) أي: في الكتابةِ ((مُخَيٌَّ) لأَنَّهَا عَقْدٌ غيرُ لازمٍ في جانِهِ فله فَسْخُها.
(قولُهُ: الأَولى أنْ يقولَ: إنْ لم يكنْ مِن جنسِ الكتابةِ إلخ) كلٌّ مِن العبارتينِ مُساويةٌ للأُخْرَى
كما هو ظاهرٌ، فلا أَوْلَويَّةَ لإحداهما على الأُخرَى.
(١) "المنظومة الوهبانية": فصل من كتاب العتاق والمكاتب والولاء صـ٣١- (هامش "المنظومة المحبية").
(٢) البيت في "المنظومة الوهبانية": ((وفي جنس غير))، وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه كما في مخطوطة "تفصيل عقد الفرائد": ق ١١٠/أ.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٣١٥/٦.
(٤) المقولة [٢٦٤٧٣] قوله: ((ومُعسِرٌ)).
الجزء السادس عشر
٥٣١
فصل في الحبْس
وفي حَجرها(١)
على الدَّينِ إذ بالكْبِ ما هو مُعسِرُ
ويُحَبَسُ ذو الكُتْبِ الصِّحاحِ المُحرِّرُ
[٢٦٤٧٨] (قولُهُ: المُحرِّرُ) اسمُ فاعلٍ، أي: الذي حرَّرَ الكتبَ وصحَّحَها واحتاجَ إليها
لاعتمادِهِ علیھا.
[٢٦٤٧٩] (قولُهُ: إذْ بالكُتْبِ(٢) ما هو مُعسِرُ) إذ قضاءُ الدَّينِ مُقَدَّمٌ على حاجتِهِ إليها، وإنْ
كان فقيراً في حَقِّ أَخْذِ الصَّدَقَةِ وعَدَمٍ وجوبِ الزَّكاةِ كما لو كان له قوتُ شهرٍ، فَإِنَّه يُباعُ عليه
وهو مُوسِرٌ، ولا يُباعُ عليه قوتُ [٣/ق١/٢٢٨] يومِهِ كما في "القنية"(٣)، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
(١) "المنظومة الوهبانية": فصل من كتاب الحجر والإكراه صـ٧٩ - (هامش "المنظومة المحبية").
(٢) في النسخ جميعها: ((إذ هو بالكتب)) بزيادة ((هو))، وبه يُكْسَرُ الوزن، وقد نَبَّه عليه مصحِّحا "ب" و"م".
(٣) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب الحبس والإشهاد على الإفلاس ق ١٣٢/ب بتصرف، نقلاً عن "فتاوى العصر"
ورمزٍ آخر لم يتبين لنا المراد منه.
حاشية ابن عابدين
٥٣٢
قسم المعاملات
﴿بابُ التَّحكيم﴾
(هو) لُغةً: جَعْلُ الْحُكْمِ في مالِكَ(١) لغيرِكَ. وعُرفَاً: (توليةُ الخصمَين حاكماً
يَحكُمُ بينهما.
﴿بابُ التَّحكيم﴾
لَمّا كان من فُرُوعِ القضاءِ، وكان أَحَطَّ رُتبةً مِن القضاءِ أَخَّرَهُ، ولهذا قال "أبو يوسف":
لا يَجوزُ تعليقُهُ بِالشَّرطِ وإضافتُهُ إلى وقتٍ، بخلافِ القضاءِ؛ لكونِهِ صُلْحاً من وجهٍ، "بحر"(٢).
[٢٦٤٨٠] (قولُهُ: هو لُغةً إلخ) في "الصَّحاح"(٣): ((ويقالُ: حَكَّمْتُهُ في مالي إذا جَعَلْتَ إليه
الحكمَ فيه)) اهـ. وهذه العبارةُ لا تَدُلُّ على أنَّ التَّحكيمَ لغةً خاصٌّ بالمالِ خلافاً لِما تُوهِمُهُ عبارةٌ
"الشّارح"، ولذا قال في "المصباح"(٤): ((حَكَّمتُ الرَّجلَ - بالنَّشديد -: فَوَّضْتُ الحكمَ إليه)).
[٢٦٤٨١] (قولُهُ: وعُرفً: توليةُ الخصمَينِ) أي: الفريقَينِ المتخاصمَينِ، فَيَشْمَلُ ما لو تَعَدَّدَ
الفريقان، ولذا أُعِيدَ عليهما ضميرُ الجماعةِ في قولهِ تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ﴾ [الحج: ١٩]،
وفي "المصباح"(٥): ((الخصمُ يَقَعُ على المفردِ وغيرِهِ، والذَّكَرِ والأنثى بلفظٍ واحدٍ، وفي لغةٍ
يُطابِقُ فِي الَّثنيةِ والجمعِ، فُيُحمَعُ على خُصُومٍ وخِصامٍ)) اهـ، فافهم.
[٢٦٤٨٢] (قولُهُ: حاكماً) المرادُ به ما يَعُمُّ الواحدَ والمتعدِّدَ.
﴿بابُ التَّحكيم﴾
(قولُهُ: خلافاً لِما تُوهِمُهُ عبارةُ "الشّارحِ" إلخ) الإِيهامُ مُندفِعٌ على جَعْلِ ((ما)) موصولةً كما هو
مُقْتضَى الرَّسم، وإنما الإِيهامُ في عبارةِ "الصَّحاح" حسبما هو مرسومٌ.
(١) كذا في "د"، وهي نسخةُ "الدرّ" التي اعتمدها ابن عابدين رحمه الله في حاشيته، وعليها علَّق ابنُ عابدين بقوله:
((خلافاً لما توهمُهُ عبارةُ "الشارح"))، وفي "ط" و"ب" و"و": ((فيما لَكَ))، وعلى هذا الرَّسم صَنَعَ الرافعيُّ رحمه الله
تقريره الآتي.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٤/٧.
(٣) "الصحاح": مادة ((حكم)).
(٤) "المصباح": مادة ((حكم)).
(٥) "المصباح": مادة ((خصم)).
الجزء السادس عشر
٥٣٣
باب التحکیم
وركنُهُ: لفظُهُ الدّالُّ عليه مع قَبُولِ الآخرِ) ذَلِكَ، (وشرطُهُ مِن جهةِ المُحكِّم) بالكسر:
(تنبيه)
في "البحر"(١) عن "البزّازيَّة"(٢): ((قال بعضُ علمائنا: أكثرُ قُضاةٍ عَهْدِنا في بلادِنا
مُصالِحون؛ لأَنّهم تَقَلَّدُوا القضاءَ بالرِّشوةِ، ويجوزُ أنْ يُجعَلَ حَكَمَاً(٣) بترافُعِ القضيّةِ. واعتُرِضَ:
٣٤٧/٤ بأنَّ الرَّفْعَ ليس على وجهِ التَّحكيمِ، بل على اعتقادِ أَنَّه ماضي الحكمٍ، وحُضُورُ المُدَّعَى عليه قد
يكونُ بالإِشخاصِ والجَيْرِ، فلا يكونُ حَكَماً، ألا ترى أنَّ البيع قد يَنعقِدُ ابتداءً بالتَّعاطي لكنْ إذا
تَقَدَّمَهُ بَيْعٌ باطلٌ أو فاسٌ وترتَّبَ عليه النَّعاطي لا يَنعقِدُ البيعُ لكونِهِ ترتّبَ على سببٍ آخرَ؟ فكذا
هنا، ولهذا قال السَّلَفُ: القاضي النافذُ حكمُهُ أَعَزُّ من الكبريتِ الأحمر)) اهـ. قال "ط "(٤):
((وبعضُ الشّافِعِيَّةِ يُعبِّرُ عنه بأنّه قاضي ضرورةٍ، إذ لا يوجدُ قاضٍ فيما عَلِمناهُ مِن البلادِ إلّ وهو
راشٍ ومُرْتَشٍ)) اهـ، وانظُرْ ما قدَّمناهُ(*) أوَّلَ القضاء.
[٢٦٤٨٣) (قولُهُ: وركُهُ: لفظُهُ إلخ) أي: ركنُ التَّحكيمِ ((لفظُهُ الدّالُّ عليه))، أي
اللَّغظُ الدّالُّ على النَّحكيمِ ك: احكُمْ بيننا، أو جَعَلناكَ حَكَماً، أو حَكَّمْنَاكَ في كذا، فليس
المرادُ خُصُوصَ لفظِ التَّحكيم.
[٢٦٤٨٤] (قولُهُ: مع قَبُولِ الآخرِ) أي: المحكّمِ بالفتح، فلو لم يَقبَلْ لا يجوزُ حكمُهُ إلّ
بتحديدِ التَّحكيمِ، "بحر"(٦) عن "المحيط".
[٢٦٤٨٥] (قولُهُ: مِن جهةِ المُحكِّم) أي جنسِهِ الصّادقِ بالفريقَينِ. وشَمِلَ ما لو كان
أحدُهما قاضياً كما في "القُهِستانيِّ)(٧).
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٥/٧ بتصرف.
(٢) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الخامس في التحكيم ١٨١/٥ بتصرف.
(٣) في النسخ جميعها: ((حاكماً))، وما أثبتناه من "البزازية" و"البحر".
(٤) "ط": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٠٧/٣.
(٥) المقولة [٢٥٩٩٦] قوله: ((لا ينفُذُ حُكمُهُ)).
(٦) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٤/٧.
(٧) "جامع الرموز": كتاب القضاء ٢٣١/٢.
حاشية ابن عابدين
٥٣٤
قسم المعاملات
(العقلُ، لا الحرِّيَّةُ والإِسلامُ)، فصَحَّ تحكيمُ ذمِّيِّ ذَمِّيَّاً. (و) شرطُهُ (مِن جهةِ المُحكَّم)
بالفتح: (صلاحِيَتُهُ للقضاءِ) كما مَرَّ. (ويُشترَطُ (١) الأهليَّةُ) المذكورةُ .
[٢٦٤٨٦] (قولُهُ: لا الحرِّيَّةُ) فتحكيمُ المكاتَبِ والعبدِ المأذونِ صحيحٌ، "بحر "(٢).
[٢٦٤٨٧] (قولُهُ: فصَحَّ تحكيمُ ذَمِّيِّ ذمِّيّاً) لأَنّه أهلٌ للشَّهادةِ بينَ أهلِ الذِّمَّةِ دون المسلمين،
ويكونُ تراضيهما عليه في حَقِّهما كتقليدِ السُّلطانِ إيّاهُ، وتقليدُ النّمِّيِّ لَيَحكُمَ بين أهلِ الذّمَّةِ
صحيحٌ لا بينَ المسلمين، وكذلك التَّحكيمُ، "هنديَّةً"(٣) عن "النّهاية"، "ط "(٤). وفي "البحر "(٥) عن
"المحيط": ((فلو أسلَمَ أحدُ الخصمَينِ قبلَ الحكمِ لم يَنفُذْ حكمُ الكافرِ على المسلمِ، وَيَنفُذُ للمسلمِ
على الدِّمِّيِّ، وقيل: لا يجوزُ للمُسلمِ أيضاً)). وتحكيمُ المرتدِّ موقوفٌ عنده، فإِنْ حكَمَ ثمَّ قُتِلَ أو
لَحِقَ بِطَلَ، وإِنْ أسلَمَ نفَذَ، وعندهما جائزٌ بكلِّ حالٍ.
[٢٦٤٨٨] (قولُهُ: كما مَرَّ) أي: في البابِ السّابقِ في قولِهِ: ((والمُحكَّمُ كالقاضي(٦)). وأفاد
جوازَ تحكيمِ المرأةِ والفاسقِ؛ لصلاحِيَتِهما للقضاءِ، والأولى أنْ لا يُحكِّما فاسقاً، "بحر "(٧).
(قولُهُ: وتحكيمُ المرتدِّ) مِن إضافةِ المصدرِ لفاعِلِهِ لا لمفعولِهِ لعدمٍ صحَّةٍ جَعْلِهِ حَكَماً لعدمِ أهلِيَّةٍ
الشَّهادة، قال في "الهنديَّة": ((مسلمٌ ومرتٌّ حَكَّما بينَهما مرتدً، فحَكَمَ بينَهما ثمَّ قُتِلَ المرتدُّ أو لَحِقَ
بدارِ الحربِ لم يَحُزْ حكمُهُ عند "أبي حنيفة"، ولو أسلَمَ جازَ، وعندَهما جازَ بكلِّ حالٍ)).
(١) في "د" و"و": ((وتشترط)) بالمثناة الفوقية.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٤/٧.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب أدب القاضي - الباب الرابع والعشرون في التحكيم ٣٩٧/٣ بتصرف.
(٤) "ط": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٠٧/٣ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٤/٧ - ٢٥.
(٦) صـ ٥١٦ - "در".
(٧) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٦/٧.
الجزء السادس عشر
٥٣٥
باب التحکیم
(وقتَهُ) أي: التَّحكيمِ (ووقتَ الحكمِ جميعاً، فلو حَكَّما عبداً فعَتَقَ، أو صبيّاً فبلَغَ،
أو ذِمِّاً فأسلَمَ ثُمَّ حكَمَ لا يَنفُذُ كما) هو الحكمُ (في مُقلَّدٍ) بفتحِ اللّم مُشدَّدَةً،
بخلافِ الشَّهادةِ، وقدَّمنا أنَّه لو استُقضِيَ العبدُ ثُمَّ عتَقَ فَقَضَى صَحَّ، وعَزَاهُ "سعدي
أفندي"(١) لـ "المبتغى".
[٢٦٤٨٩] (قولُهُ: وقتَهُ ووقتَ الحكمِ جميعاً) وكذا فيما بينَهما، بخلافِ القاضي كما
سيأتي في المسائلِ المخالفةِ، "بحر "(٢).
[٢٦٤٩٠] (قولُهُ: فلو حَكَّما عبداً إلخ) ولو حَكَّما حُرّاً وعبداً فحَكَمَ الحُرُّ وحدَهُ لم يَجُزْ،
وكذا إذا حَكَما، "بحر"(٣) عن "المحيط".
[٢٦٤٩١] (قولُهُ: في مُقلَّدٍ) بفتحِ اللام مبنيٌّ للمجهولِ، أي: فيمَن قَلَّدَهُ الإِمامُ
القضاءَ.
[٢٦٤٩٢) (قولُهُ: بخلافِ الشَّهادةِ) فإنَّ اشتراطَ الأهلِيَّةِ فيها عندَ الأداءِ فقط، وأشار
بهذا إلى فائدةِ قول "المصنّف": ((صلاحِيتُهُ للقضاءِ))، حيث لم يَقُلْ: للشَّهادةِ.
(٤٩٣ ٢٦] (قولُهُ: وقدَّمنا) [٢/ ق٢٢٨/ب] أي: قُبِيلَ قوله(٤): ((وإذا رُفِعَ إليه حُكْمُ قاضٍ)).
(قولُهُ: وأشار بهذا إلى فائدةِ قولِ "المصنّف": صلاحِيَتُهُ للقضاءِ) ليس في كلامِهِ هذه الإشارةُ، بل
لو عَبَّرَ بالشَّهادةِ بدلَ القضاءِ لساوَى عبارةَ "المصنّف"، فالتَّعبيرُ بإحدى العبارتَينِ مُسارٍ للتَّعبيرِ بالأُخرى
كما هو ظاهرٌ، تأمَّل.
(١) "الحواشي السعدية": كتاب أدب القاضي - باب التحكيم ٤٠٧/٦ (هامش "فتح القدير")، وفيه: (("المنتقى")) بدل
(("المبتغى")).
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٥/٧.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٤/٧.
(٤) صـ ٤١٣ - "در".
حاشية ابن عابدين
٥٣٦
قسم المعاملات
(حَكَّمَا رَجُلاً) معلوماً؛ إذ لو حَكَّما أوَّلَ مَن يَدخُلُ المسجدَ لم يَحُزْ(١) إجماعاً؛
للجهالةِ، (فحَكَمَ بينهما بِّةٍ أو إقرارٍ أو نُكُولِ) ورَضِیا بحكمِهِ
وأشار بهذا إلى أنَّ قولَهُ: ((كما في مُقِلَّدٍ)) ليس مُتَّفَقاً عليه، وقدَّمنا(٢) أوَّلَ القضاء عندَ
قولِهِ: ((وأهلُهُ أهلُ الشَّهادةِ)) أنَّ فيه روايتين، وأَنَّه في "الواقعاتِ الحساميَّةِ" قال: ((الفَتْوى
على أنّه لا يَنْعِزِلُ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّ الكفرَ لا يُنافِي ابتداءَ القضاءِ في إحدى الرِّوايتين))، وأنَّ هذا
يُؤيِّدُ روايةَ صِحَّةٍ توليةِ الكافرِ والعبدِ وصحَّةِ حكمِهما بعدَ الإِسلامِ والعِثْقِ بلا تجديدِ توليٍ،
وبه جزَمَ في "البحر"(٣)، واقتَصَرَ عليه في "الفتح"(٤) خلافاً لِمَا مَشَى عليه "المصنّفُ" هنا، وأنَّ
هذا بخلافِ الصَّبِيِّ إذا بلَغَ، فإنَّه لا بدَّ مِن تحديدِ توليتِهِ، وقدَّمنا(٥) وجهَ الفَرْقِ هناك، فافهم.
وهل تَحْري هذه الرِّوايةُ في المُحكَّمِ؟ لم أَرَهُ، والظّاهرُ: لا.
مطلبٌ: حَكَمَ بينَهما قبلَ تحكيمِهِ ثمَّ أَجازاهُ جازَ
[٢٦٤٩٤] (قولُهُ: وَرَضِيا بحكمِهِ) أي: إلى أنْ حكَمَ، كذا في "الفتح"(٦)، فأفاد أنَّه احترازٌ عمّا لو
رَجَعا عن تحكيمِهِ قبلَ الحكمِ، أو عمّا لو رَضِيَ أحدُهما فقط، لكنْ كان الأولى ذكرَهُ قبلَ قولِهِ:
((فَحَكَمَ))؛ لئلاّ يُوهِمَ اشتراطَ الرِّضا بعدَ الحكمِ، مع أنَّه إذا حَكَمَ لَزِمَهما حكمُهُ كما في "الكنز)(٢)
(قولُهُ: وأنَّ هذا يُؤيِّدُ روايةً(٨) صحَّةٍ توليةِ الكافرِ والعبدِ إلخ) تقدَّمَ في أوَّلِ القضاءِ ما يُفيدُ أنَّ ما
ذكرَهُ لا يُفيدُ تصحيحَ روايةِ توليةِ الكافرِ للفَرْقِ بينَ حالتَي الابتداءِ والبقاء.
(١) في "و": ((لم يجر)) بالراء المهملة، وهو خطأ.
(٢) المقولة [٢٥٩٣٤] قوله: ((وأهلُهُ أهلُ الشَّهادة)).
(٣) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٢/٦ - ٢٨٣، معزياً إلى "الأجناس".
(٤) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٧/٦.
(٥) المقولة [٢٥٩٣٤] قوله: ((وأهلُهُ أهلُ الشَّهادة)).
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب التحكيم ٤٠٦/٦.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء - باب التحكيم ٩٢/٢.
(٨) ((رواية)) ساقطة من مطبوعة "التقريرات" التي بين أيدينا.
الجزء السادس عشر
٥٣٧
باب التحكيم
(صَحَّ لو في غيرِ حَدٍّ وقَوَدٍ ..
.....
وغيرِهِ، ويأتي متناً(١)، أو يَذكُرَهُ هُنا(٢) بـ ((أو)) لَيَدخُلَ ما لو حَكَمَ بينهما قبلَ تحكيمِهِ، ثمَّ
قالا: رَضِينا بحكمِهِ وأَحَزْناهُ، فإنَّه جائزٌ كما نقَلَهُ "ط"(٣) عن "الهنديَّةِ"(٤).
[٢٦٤٩٥) (قولُهُ: صَحَّ لو في غيرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ إلخ) شَمِلَ سائرَ المجتهداتِ مِن حُقُوقِ العبادِ
كما ذكرَهُ بعدُ(٥)، وما ذكرَهُ مِن مَنْعِهِ في القِصَاصِ تَبَعاً لـ "الكنزِ"(٦) وغيره هو قولُ
"الخصّاف"(٧)، وهو الصَّحيحُ كما في "الفتح"(٨)، وما في "المحيط" مِن جوازِهِ(٩) فيه؛ لأَنَّه مِن
حُقُوقِ العبادِ ضعيفٌ رِوايَةً ودِرايةً؛ لأنَّ فيه حَقَّ الله تعالى أيضاً وإنْ كان الغالبُ حَقَّ العبدِ،
وكذا ما اختارَهُ "السَّرَخسيُّ)) (١٠) مِن جوازِهِ فِي حَدِّ(١١) القَذْفِ ضعيفٌ بالأَولى؛ لأنَّ الغالبَ فيه
حَقُّ الله تعالى على الأصحِّ، "بحر "(١٢).
(قولُهُ: أو يَذكُرَهُ هناك) لعلَّ الأنسبَ إسقاطُ الكافِ مِن لفظِ ((هناك)).
(١) ص ٥٣٩ - "در".
(٢) في "د" و"و" و"ب": ((هناك))، وما أثبتناه من "م" هو الصواب، وانظر تقرير الرافعيّ رحمه الله.
(٣) "ط": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٠٧/٣.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب أدب القاضي - الباب الرابع والعشرون في التحكيم ٤٠٠/٣.
(٥) صـ ٥٣٩ - "در".
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء - باب التحكيم ٩٢/٢.
(٧) انظر "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب السادس والسبعون في الخصمين يحكّمان بينهما حكماً - التحكيم في
الحدود والقصاص ٦٣/٤.
(٨) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب التحكيم ٤٠٨/٦.
(٩) في "الأصل": ((جواز)).
(١٠) أي في شرحه على "أدب القاضي" للخصَّاف، كما صرَّح به الكمال في "الفتح" ٤٠٨/٦، والعيني في "شرح الكنز" ٩٢/٢.
(١١) في "ب" و"م": ((حَقِّ)) بدل ((حَدٍّ)).
(١٢) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٦/٧.
حاشية ابن عابدين
٥٣٨
قسم المعاملات
ودِيَةٍ على عاقلةٍ). الأصلُ: أنَّ حُكمَ المحُكِّمِ بمنزلةِ الصُّلْحِ، وهذه لا تَجوزُ بالصُّلْحِ،
فلا تَجوزُ بالتّحكيم. (ويَنفرِدُ أحدُهما بِنَقْضِهِ) أي: التّحكيمِ بعدَ وُقُوعِهِ (كما)
يَنْفِرِدُ أحدُ العاقدَينِ (في مُضارَبٍ وَشِرْكةٍ ووَكالةٍ)
[٢٦٤٩٦] (قولُهُ: ودِيَةٍ على عاقلةٍ) خرَجَ ما لو كانَتْ على القاتلِ، بأنْ ثَبَتَ القتلُ بإقرارِهِ،
أو تَبَتَّتْ جراحةٌ بِّنَةٍ وَأَرْشُها أقلُّ مما تَحمِلُهُ العاقِلةُ، خطأً كانَت الجراحةُ أو عَمْدً، أو كانَتْ قَدْرَ
ما تَتَحمَُّهُ ولكنْ كانَت الجراحةُ عَمْدً لا تُوجِبُ القِصَاصَ، فَفُذُ حكمُهُ، وتمامُّهُ في "البحر "(١).
[٢٦٤٩٧] (قولُهُ: بمنزلةِ الصُّلْحِ) لأَنَّهما تَوافَقًا على الرِّضا بما يَحكُمُ به عليهما.
[٢٦٤٩٨] (قولُهُ: وهذه لا تَجوزُ بِالصُّلْحِ) اعتُرِضَ بأنَّه سيأتي(٢) في الصُّلْحِ جوازُهُ في
كلِّ حَقِّ يَجوزُ الاعتِياضُ عنه - ومِنه القِصاصُ - لا فيما لا يجوزُ ومِنه الحدودُ.
أقولُ: مَنْشَأُ الاعتراضِ عدمُ فَهْمِ المرادِ، فإنَّ المرادَ أنَّ هذه الثَّلاثةَ لا تَثْبُتُ بالصُّلْحِ، أي:
بأن اصطَلَحا على لُزُومِ الحدِّ أو لُزُومِ القِصاصِ إلخ، وما سيأتي(٢) في الصُّلِحِ معناه أنَّه يَجوزُ
الصُّلحُ عن القِصاصِ بمالٍ؛ لأَنَّه يجوزُ الاعتِياضُ عنه بخلافِ الحَدِّ، فالقِصاصُ هنا مُصالَحٌ عنه،
وفي الأوَّلِ مُصالَحٌ عليه، والفَرْقُ ظاهرٌ كما لا يخفى.
[٢٦٤٩٩) (قولُهُ: بعدَ وُقُوعِهِ) الأَولى أنْ يُبدِلَهُ بقولِهِ: ((قبلَ الْحُكمِ)).
[٢٦٥٠٠] (قولُهُ: كما يَنفرِدُ أحدُ العاقدَينِ إلخ) أي بنَقْضِ العَقْدِ وفَسْخِهِ إِذا عَلِمَ الآخرُ
ولو بكتابةٍ أو رسولٍ على تفصيلٍ مَرَّ(٣) في الشِّرْكة، ويأتي في الوكالةِ (٤) والمضارَبةِ(٥) إِنْ
شاء الله تعالى.
٣٤٨/٤
(١) انظر "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٦/٧ وفيه: ((تتحمله)) بدل ((حمله))، و((نفذ)) بدل ((فينفذ)).
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٤١٥] قوله: ((إلى قَبْضِهِ)).
(٣) ٣٤٢/١٣ وما بعدها "در".
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧٥٥٢] قوله: ((بعَزْلِهِ)).
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٧١١] قوله: ((ولو حُكماً)).