النص المفهرس
صفحات 501-520
الجزء السادس عشر
٤٩٩
فصل في الحبْس
(و) لا (الوصيُّ)، ولا المُلْتَقِطُ، فإِنْ أَقْرَضُوا ضَمِنُوا؛ لعَجْزِهم عنِ التّحصيلِ، بخلافٍ
القاضي، ويُستثنَى إقراضُهم للضَّرورةِ كـ: حَرَقٍ، وَنَهْبٍ، فَيَجُوزُ اتّفاقاً، "بحر "(١)،
ومتى جازَ للمُلتقِطِ التَّصدُّقُ فالإِقراضُ أَولِى.
[٢٦٤٢٠] (قولُهُ: ولا الوصيُّ) فلو فعَلَ لا يُعَدُّ خيانةً، فلا يُعزَلُ به، وكذا ليس له أنْ
يستقرِضَ لنفسِهِ على الأصحِّ، فلو فعَلَ ثمَّ أَنفَقَ على اليتيمِ مدَّةً يكونُ مُتْبرِّعً؛ إذ(٢) صار ضامناً،
فلا يتخلَّصُ ما لم يرفَعِ الأمرَ إلى الحاكمِ، ويَمِلِكُ الإيداعَ والبَيعَ نسيئةً، وتمامُهُ في "البحر)"(٣)،
وفيه (٣) عن "الخزانة": ((إذا آجَرَ الوصيُّ، أوِ الأبُ، أوِ الجَدُّ، أوِ القاضي الصَّغِيرَ في عملٍ مِن
الأعمالِ فالصَّحيحُ جوازُها وإنْ كانت بأقلَّ مِن أُجرةِ المثلِ)) اهـ. أي: لأنَّ للوصيِّ والأبِ
والَجَدِّ استعمالَهُ بلا عِوَضٍ بطريقِ التَّهذيبِ والرِّياضةِ، فبالعِوَضِ أَولى كما في السّابعِ
والعشرينَ مِن "جامع الفصولين"(٤)، وتمامُ أبحاثِ هذه المسائلِ فيه.
[٢٦٤٢١) (قولُهُ: ومتى جازَ إلخ) تقييدٌ لقولهِ: ((ولا الُلتقِطُ)) بما إذا كان قبلَ جوازِ التّصدُّقِ
(قولُ "الشّارحِ": بخلافِ القاضي) أي: فإنّه قادرٌ عليه، حتّى لو لم يَجِدِ الشُّهودَ لموتٍ، أو غَيْبةٍ
قضَى بعِلمِهِ، واستخرَجَ "عبدُ الحليم" عن "الفتح": ((لكنْ على هذا لا يظهَرُ الفرقُ بينَ القاضي وغيرِهِ في
الإقراضِ إلّ على القولِ بأنَّ للقاضي أنْ يقضيَ بعِلمِهِ، وعلى مُقابِلِهِ لا يظهَرُ الفرقُ بينَهما، فلا يَمِلِكانِهِ؛
العَجْزِهما عنِ النَّحصيلِ، تأمَّلْ))، ثمَّ رأيتُ في آخِرِ القضاءِ مِن "المبسوط" ما نصُّهُ: ((وإذا دفَعَ القاضي مالَ
يتيمٍ إلى تاجرٍ فجحَدَهُ الَّاجِرُ فالقاضي مُصدَّقٌ في ذلك على التّاجرِ يقضي عليه بالمالِ؛ لأَنَّه قاضٍ فيما يفعلُهُ
في مالِ اليتيمٍ، وفيما يُخبِرُ به مِن القضاءِ هو مُصدَّقٌ؛ لأَنَّه يُخبِرُ بما يَملِكُ الإنشاءَ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢٤/٧ بتصرف.
(٢) في "م": ((إذا))، ومثله في مطبوعة "البحر".
(٣) انظر "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢٤/٧.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السابع والعشرون في تصرفات الأب والوصي والقاضي والمتولي إلخ ١٢/٢.
حاشية ابن عابدين
٥٠٠
قسم المعاملات
(ولو قضَى بالجَوْرِ فالغُرمُ عليه في مالِهِ إِنْ مُتَعمِّداً وأقرَّ به) أي: بالعَمْدِ، (ولو
خطأَّ ف) - الغُرمُ (على المَقَضِيِّ له)، "درر"(١).
بها، وهذا ذكَرَهُ "الزَّيلعيُّ)) (٢) في مسائلَ شَتّى آخِرَ الكتابِ بقولِهِ: ((إلاّ أنَّ المُلْتَقِطَ إذا نشَدَ(٣)
اللُّقَطَةَ ومضَى مدَّهُ النَّشَداتِ ينبغي أنْ يَجُوزَ له الإقراضُ مِن فقيرٍ؛ لأَنَّه لو تصدَّقَ بها عليه
في هذه الحالةِ جازَ، فالقَرْضُ أَولى)) اهـ. فافهمْ.
مطلبٌ فيما لو قضَى القاضي بالجَوْرِ(٤)
[٢٦٤٢٢] (قولُهُ: ولو قضَى بالجَوْرِ(٤) إلخ) القضاءُ بخلافِ الحَقِّ إمّا عن خطأٍ، أو عَمْدٍ،
وكلٌّ على وجهينٍ: إمّا في حَقِّهِ تعالى، أو حَقِّ العبدِ، فالخطأُ في حَقِّ العبدِ: إمّا أنْ يمكنَ فيه
التَّداركُ والرَُّّ أوْ لا، فإنْ أمكَنَ بأنْ قضَى بمالٍ، أو صدقةٍ، أو طلاقٍ، أو إعتاقٍ، ثُمَّ ظهَرَ أنَّ
الشُّهودَ عبيدٌ، أو كُفّارٌ، أو محدودونَ في قذفٍ يبطُلُ القضاءُ، ويُرَدُّ العبدُ رقيقاً، والمرأةُ إلى
زوجها، والمالُ إلى مَن أُخِذَ مِنه، وإنْ لم يمكنِ الرَّدُّ بأنْ قضَى بالقصاصِ واقتَصَّ لا يُقتَلُ
المَقضِيُّ له، وتصير(٥) صورةُ القضاءِ شُبهةً مانعةً، بل تَجِبُ الدِّيَّةُ في مالِ المَقضِيِّ له، وهذا
كُلُّهُ إذا ظهَرَ خطأُ القاضي بالبِّنَةِ، أو بإقرارِ الَقَضِيِّ له، فلو بإقرارِ القاضي لا يظهَرُ فِي حَقِّ
المقضِيِّ له، حَتّى لا يبطُلُ القضاءُ في حَقِّهِ، وأمّا الخطأُ فِي حَقِِّ تعالى بأنْ قضَى بحدِّ زنِّى، أو
سرقةٍ، أو شُرْبٍ، واستوفَى الْحَدَّ، ثمَّ ظهَرَ أنَّ [٣/ق٤ ١/٢٢] الشُّهودَ كما مرَّ(٦) فالضَّمانُ في بيتِ
المالِ، وإنْ كان القضاءُ بالجَوْرِ عن عَمْدٍ وأقرَّ به فالضَّمانُ في مالِهِ في الوجوهِ كلِّها بالجنايةِ
٣٤١/٤
(١) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤١١/٢، معزياً لـ"التتار خانية" و"الواقعات".
(٢) "تبيين الحقائق": مسائل شتى ٢٢٦/٦.
(٣) في "آ": ((أنشد))، ومثله في مطبوعة "تبيين الحقائق".
(٤) في "الأصل": ((بالجواز))، وهو تحريف.
(٥) في "الأصل" و"ب" و"م": ((ويصير)) بالمثناة التحتية، وما أثبتناه من "٢" هو الموافق لعبارة "الهندية".
(٦) أي: في هذه المقولة من كون ظهور الشهود عبيداً، أو كفّاراً، أو محدودين في القذف كما صرح بذلك "ط" ٢٠٢/٣.
الجزء السادس عشر
٥٠١
فصل في الحبْس
والإتلافِ، ويُعزَّرُ القاضي ويُعزَلُ عنِ القضاءِ، "ط" (١) عن "الهنديَّةَ"(٢) مُلخَّصاً.
مطلبٌ: إذا قاسَ القاضي وأخطّاً فالخصومةُ للمدَّعَى عليه مع القاضي والمُدَّعي يومَ القيامة
(تنبيةٌ)
القاضي إذا قاسَ مسألةً على مسألةٍ وحكَمَ، ثمَّ ظهَرَ روايةٌ بخلافِهِ فالخصومةُ للمدَّعَى
عليه يومَ القيامة مع القاضي والمُدَّعي، أمّا مع الْمُدَّعي فلأنَّه أَثِمَ بأَخْذِ المالِ، وأمّا مع القاضي
فلأَنَّ أَثِمَ بالاجتهادِ؛ لأنَّ أحداً ليس مِن أهلِ الاجتهادِ في زمانِنا، وبعضُ أذكياءٍ خُوارِزِمَ قاسَ
المفتيَ على القاضي، فأوردتُ أنَّ القاضيَ صاحبُ مُباشرةٍ للحُكمِ، فكيف يؤاخَذُ السَّببُ مع
المُباشِرِ؟! فانقطَعَ، وكان له أنْ يقولَ: إنَّ القاضيَ في زماننا مُلجَأُ إلى الحُكمِ بعدَ الفتوى؛ لأنّه
لو ترَكَ يُلامُ؛ لأَنَّه غيرُ عالمٍ حَتّى يقضيَ بعِلمِهِ، "بزّزيَّة"(٣) قبيلَ الشَّهاداتِ.
قلتُ: وفيه نظرٌ، فإنَّ هذا لا يُسمَّى إِلجاءً حقيقةً، وإلّ لَزِمَ أنْ تَنقطِعَ النِّسبةُ عنِ المباشِرِ
إلى المتسبِّبِ كما لو أَكرَهَ رجلٌ آخَرَ بإتلافٍ عُضْوٍ على أَخْذِ مالِ إنسانٍ، فإنَّ الضَّمَانَ على
الُكرِهِ - بالكسر -؛ لصيرورةِ الْمُكرَهِ - بالفتح - كالآلةِ، ولا شكَّ أنَّ ما هنا ليس كذلك، فلم
تَنْقطِعِ النّسبةُ عنِ المباشِرِ - وهو القاضي - وإِنْ أَئِمَ الُنسبِّبُ - وهو المفتي -، ولا يُقاسُ هذا على
مسألةٍ تضمينِ السّاعي إلى ظالمٍ مع أنَّ السّاعَيَ مُتسبّبٌ لا مُباشِرٌ، فإنَّ تلك مسألةٌ استحسانيَّةٌ خارجةٌ
عنِ القياسِ زَجْراً عنِ السِّعايةِ، لكنْ قد يُقالُ: إنَّ هذا حُكُمُ الضَّمانِ فِي الدُّنيا والكلامُ في الخصومةِ
(قولُهُ: وبعضُ أذكياءٍ خُوارٍزَمَ قاسَ المفتيَ إلخ) انظُرْ رسالةً "أدب المفتي الهنديَّة" في هذه المسألةِ.
(١) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٢/٣.
(٢) "الفتاوى الهندية": كتاب أدب القاضي - الباب الرابع عشر في القاضي يقضي بقضية ثمَّ بدا له أن يرجع عنها،
وفي وقوع القضاء بغير حق ٣٤١/٣، معزياً لـ "المحيط".
(٣) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل العاشر في الحبس - نوع في ولاية القاضي ٢٣٦/٥ - ٢٣٧.
حاشية ابن عابدين
٥٠٢
قسم المعاملات
وفي "المنح"(١) معزياً لـ "السِّراج": ((قال "محمَّدٌ": لو قال: تعمَّدتُ الجَوْرَ انعزَلَ عنِ
القضاءِ))، وفيه عن "أبي يوسف": ((إذا غَلَبَ جَورُهُ ورِشوتُهُ رُدَّتْ قضاياهُ وشهادتُهُ)).
(فروعٌ)
القضاءُ مُظهرٌ لا مُثبتٌ، ويتخصَّصُ بزمانٍ، ومكان، وخصومةٍ،.
في الآخِرةِ، ولا شكَّ في أنَّ كلَّ مِن المُباشِرِ والمتسبِّبِ ظالمٌ آئِمٌّ، وللمظلومِ الخصومةُ معهما وإن
اختَلَفَ ظُلمُهما، فإِنَّ الُبَاشِرَ ظُلمُهُ أشدُّ، كمَن أمسَكَ رجلاً حتّى قَتَلَهُ آخَرُ.
(٢٦٤٢٣] (قولُهُ: انعزَلَ عنِ القضاءِ) الظّاهرُ: أنَّ هذا وما بعدَهُ مبنيّانِ على روايةِ انعزالِهِ
بالفِسقِ، وتقدَّمَ أنَّ المذهبَ أنَّه لا يَنعزِلُ، بل يَستحِقُّ العَزْلَ.
[٢٦٤٢٤) (قولُهُ: وفيه) لم يذكُرْ ذلك في "المنح"، فيعودُ الضَّمِيرُ إلى "السِّراج".
[٢٦٤٢٥] (قولُهُ: وشهادتُهُ) أي: إذا أرادَ أنْ يشهَدَ شهادةً عندَ القاضي المُولَّى لا يقبلُها؛
لِفِسقِهِ بِغَلَبةِ الجَوْرِ والرِّشوةِ، فافهمْ.
[مطلب: القضاءُ مُظهِرٌ لا مُثبِتٌ]
[٢٦٤٢٦] (قولُهُ: القضاءُ مُظهِرٌ لا مُثبِتٌ) لأنَّ الحَقَّ المحكومَ به كان ثابتاً، والقضاءُ
أظهَرَهُ، والمرادُ ما كان ثابتاً ولو تقديراً كالقضاءِ بشهادةِ الزُّورِ كما مرَّ(٢) بيانُهُ في تعريفِ
القضاءِ عنِ "ابنِ الغَرْس".
مطلبٌ: القضاءُ يقبَلُ التَّقييدَ والتّعليقَ
[٢٦٤٢٧] (قولُهُ: ويتخصَّصُ بزمانٍ، ومكانٍ، وخصومةٍ) عزاهُ في "الأشباه"(٣) إلى "الخلاصة(٤)،
(١) "المنح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢/ق ٦٠/أ بتصرف.
(٢) المقولة [٢٥٩٢٢] قوله: ((وقيل غيرُ ذلك)).
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ٢٧٢ -.
(٤) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الأول - الجنس الثالث في التقليد ق ١٩٤/ب.
٠
الجزء السادس عشر
٥٠٣
فصل في الحبْس
وقال في "الفتح"(١) مِن أوَّلِ كتابِ القضاءِ: ((الولايةُ تقبَلُ النَّبِيدَ والَّعليقَ بِالشَّرطِ كقولِهِ: إذا
وصَلتَ إلى بلدةِ كذا فأنت قاضيها، وإذا (٢) وصَلتَ إلى مكَّةَ فأنت أميرُ الموسمٍ، والإضافةَ:
كجعَلْتُكَ قاضياً في رأسِ الشَّهِ، والاستثناءَ مِنها: كجعَلُكَ قاضياً إلّ في قضيَّةِ فُلانِ، ولا تنظُرْ
في قضيَّةِ كذا، والدَّليلُ على جوازِ تعليقِ الإمارةِ وإضافتِها قولُهُ ﴿﴿ حينَ بعَثَ البعثَ إلى مؤتةَ
وأمَّرَ عليهم زيدَ بنَ حارثةَ: ((إِنْ قُتِلَ زيدُ بنُ حارثةَ فجعفرٌ أميرُكم، وإِنْ قُتِلَ جعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ
رواحةً، وهذه القِصَّةُ مِمّا اتَّفَقَ عليها جميعُ أهلِ السِّيرِ والمغازي(٣)) اهـ.
(١) "الفتح: ٣٥٨/٦ بتصرف.
(٢) في "الأصل": ((أو إذا)).
(٣) روى أحمدُ بن أبي بكرٍ ومصعبُ بن عبد الله الزُّبيريُّ وإبراهيمُ بن المنذر ويعقوبُ بن حُميدٍ عن المغيرة بن
عبد الرَّحمن المخزوميِّ عن عبد الله بن سعيدِ بن أبي هندٍ عن نافعٍ عن ابن عمر قال: ((أمَّرَ رسولُ اللـهِمُ ﴿ في غزوة
مُؤْتَةَ زيدَ بن حارثة، وقال: إنْ قُتِلَ زيدٌ فجعفرٌ، وإنْ قُتِلَ جعفرٌ فعبدُ الله بن رواحةً، قال عبدُ الله: كنتُ معهم تلك
الغزوة، فالْتَّمَسْنا جعفر بن أبي طالبٍ فوجدناه في القتلى، ووَجَدْنا فيما نِيلَ مِن جسده بضعاً وسبعينَ ضَرْبَةً وَرَمْيَةً)).
أخرجه البخاريُّ (٤٢٦١) في المغازي - باب غزوة مؤتة، وابنُ أبي عاصمٍ في "الجهاد" (٢٥٧)، وابنُ حبّانَ
في "صحيحه" كما في "الإحسان" (٤٧٤١)، والطَّرانيُّ في "الكبير" (١٤٦٣)، وأبو نُعَيم في "الحلية" ١١٧/١،
والبيهقيُّ في "الكبرى" ١٥٤/٨، و"دلائل النُّبوَّة" ٣٦٠/٤ و٣٦١.
وابنُ أبي هندٍ: مَدنيٌّ ثقةٌ، قال أحمدُ: ثقةٌ ثقةٌ، ووثَّقَه ابنُ مَعينِ وأبو داودَ ويعقوبُ بن سفيانَ وابنُ سعدٍ
وابنُ الَدِينِيِّ وابنُ البَرْقِيِّ، وقال النِّسائيُّ: ليس به بأسٌ، وقال يحيى القَطّان: كان صالحاً تعرف وتنكر، وقال أبو
حاتمٍ: ضعيفُ الحديث، وذكره ابنُ حبّانَ في "الثّقات" وقال: يُخطئ.
والمغيرةُ بن عبد الرَّحمن المخزوميُّ: فقيهُ المدينة، وتَّقَه يعقوبُ بن شَيْبةَ، وذكره ابنُ حبّانَ في "الثّقات" وقال:
ربّما أخطأ، وقال أبو زُرعةَ: لا بأسَ به، وقال عبّاس عن ابن مَعينٍ: ثقةٌ، وضعَّفَه أبو داودَ وقال: غَلِطَ عبّاس، قال
ابنُ حَجَرٍ: ليس له في البخاريِّ سوى حديثٍ واحدٍ في غزوةٍ مُؤْتَةً مِن روايته عن ابن أبي هندٍ عن نافعٍ عن ابن
عمرَ، وتابعه عنده سعيدُ بن أبي هلالٍ عن نافعٍ.
فرواه ابنُ وَهْبٍ عن عمرو بن الحارث عن سعيدٍ بن أبي هلالٍ عن نافعٍ عن ابن عمرَ ((أنه وقَفَ على جعفرٍ يومئذٍ
وهو قتيلٌ، فعدَدْتُ به خمسينَ بِين ◌َعْنَةٍ وَضَرْبةٍ، ليس مِنها شيءٌ في دُبُره، يعني: في ظهره)).
=
حاشية ابن عابدين
٥٠٤
قسم المعاملات
أخرجه البخاريُّ (٤٢٦٠) في المغازي - باب غزوة مؤتة، وأخرجه سعيدُ بن منصورِ (٢٨٣٥) مُطوَّلاً في
=
غزوة مؤتة عن ابن أبي هلالٍ بلاغاً، ومُسنداً عن نافعٍ كرواية البخاريِّ، وليس فيه لفظُ: (إِنْ قُتِلَ زيدٌ فجعفرٌ،
وإنْ قُتِلَ جعفرٌ فعبدُ الله بن رواحةَ).
وكذلك رواه أبو مَعشرٍ عن نافعٍ عن ابن عمر قال: ((عدَدْتُ ... )) نحوَ عمرو بن الحارث عند البخاريِّ.
أخرجه سعيد بن منصورٍ (٢٨٣٦).
وروى أبو أُوَيس عن عبد الله بن عمرَ العُمَرَيِّ عن نافعٍ به نحوَه.
أخرجه ابنُ أبي شيبةَ ٥٥٠/٨، وابنُ سعدٍ في "الطَّقات" ٣٨/٤، إلاّ أنه وقع في "المصنَّف" (عُبيد الله)، فإنْ
كان صواباً فهو ثقةٌ إمام، وإلاّ فعبدُ الله أخوه ضعيفٌ، لكِنِّه مُتَابَعٌ عليه.
ورواه أبو جعفرٍ [الباقرُ] عن نافعٍ عن ابن عمر قال: ((وُجِدَ أو وجَدْنا فيما أقبلَ مِن بَدَنِ جعفر بن
أبي طالبٍ ما بين مَنكِيه تسعينَ ضَرْبَةٌ بين طَعْنةٍ بِرُمحٍ وَضَرْبةٍ بسيفٍ)). أخرجه ابنُ سعدٍ ٣٨/٤.
وروى وَهْبُ بن جريرٍ وموسى بنُ إسماعيلَ وعبدُ الله بن أبي بكرٍ العَتَكيُّ عن جرير بن حازمٍ عن محمَّد بن
عبد الله بن أبي يعقوبَ عن الحسن بن سعدٍ عن عبد الله بن جعفر قال: ((بَعَثَ رسولُ الله ◌ُّ جيشاً استعمَلَ عليهم
زيد بن حارثةَ، فإنْ قُتِلَ زيدٌ أوِ اسْتُشهِدَ فأميرُكم جعفرٌ، فإنْ قُتِلَ أوٍ اسْتُشْهِدَ فأميرُكم عبدُ الله بن رواحةَ، فَلَقُوا
العدوَّ، فأخَذَ زيدٌ فقاتلَ حَتّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرّايةَ جعفرٌ، فقاتلَ حَتّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَها عبدُ الله بن رواحةً، فقائلَ حَتّى
قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرّايةَ خالد بن الوليد ففتَحَ الله عليه، وَأَتَى خبرُهُمُ النّبِيَّلِ﴿، فخرَجَ إلى النّاس وحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه،
وقال: إنَّ إخوانكم لَقُوا العدوَّ، وإِنَّ زيداً أَخَذَ الرّايَةَ، فقاتلَ حَتّى قُتِلَ أوِ اسْتُشهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرّايةَ بعدَه جعفرُ بن أبي
طالبٍ، فقاتلَ حَتّى قُتِلَ أوٍ استشهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرّايَةَ عبدُ الله بن رواحةً، فقاتلَ حتّى قُلَ أوٍ استُشهِدَ، ثمَّ أَخَذَ الرّايةَ
سيفٌ مِن سيوف الله خالدُ بن الوليد ففتَحَ اللهُ عليه، ثمَّ أمهَلَ آلَ جعفرٍ ثلاثاً أنْ يأتيهم، ثمَّ أتاهم فقال: لا تَبكُوا
على أخي بعدَ اليوم، ادعُوا إليَّ ابني أخي، قال: فجيء بنا كأنّا أَفْرُخٌ، فقال: ادعُوا ليَ الحلاقَ، فجيء بالحلاّق فحلَقَ
رؤوسَنا، قال: أمّا محمَّدٌ فَشَبِيهُ عمِّنا أبي طالبٍ، وأمّا عبدُ الله فشَبيهُ خَلْقَي وخُلُقي، ثمَّ أَخَذَ بيدي فأشالَها فقال:
اللهُمُّ اخُلُفْ جعفراً في أهلِهِ، وبارك لعبد الله في صَفْقَةٍ يَمِينِهِ، قالها ثلاثَ مِرارِ، قال: فجاءت أُمُّنَا فذكَرَتْ له يُثْمَنا
وجعَلَتْ تُفْرِحُ له، فقال: العَيْلَةَ تخافين عليهم وأنا وَلِيُّهم في الدُّنيا والآخِرة)).
أخرجه أحمدُ ٢٠٤/١، والنّسائيُّ في "الكبرى" (٨٦٠٤)، وابنُ سعدٍ في "الطَّقات" ٣٦/٤ - ٣٧، والطَّحاويُّ
في "بيان المشكل" (٥١٦٩)، والبَزّارُ في "البحر الرَّخَارِ" (٢٢٥٧)، والطَّرانيُّ في "الكبير" ١٩٤١/١٣)، والحاكمُ في
المستدرك" ٢٩٨/٣، وأبو نُعَيم ومِن طريقه الضِّيَاءُ الْمَقدِسيُّ في "المختارة" ١٦٢/٩ (١٣٧) و(١٣٨) و(١٣٩)
و(١٤٠). وقال البَزّارُ: وهذا الكلام لا نعلمُ رواه عن النّبِيِّ: ﴿﴿ إلّ عبد الله بن جعفرٍ.
وأخرجه أبو داودَ (٤١٩٢)، والنسائيُّ في "المجتبى" ١٨٢/٨ و "الكبرى" (٨١٦٠) و(٩٢٩٥)، وابنُ أبي عاصمٍ في
"الآحاد والمثاني" (٤٣٤). مُختصَراً على ((أَنَّ النّبِيَّ ◌َّ أَمهَلَ آلَ جعفرِ ثلاثًا أنْ يأتيهم، ثمَّ أتاهم فقال: لا تَبَكُوا على أخي
بعدَ اليوم، ثمَّ قال: ادعُوا ليَ ابنَي أخي، قال: فجيء بنا كأنّا أَفْرُخٌ، فقال: ادعُوا ليَ الحلاّقَ، فأمَرَهُ فحلَقَ رؤوسَنَا)) . =
الجزء السادس عشر
٥٠۵
فصل في الحبْس
والحسنُ بن سعدٍ الهاشميُّ مولاهم الكوفيُّ، ونْقَه النَّسائيُّ وابنُ نُمير وابنُ حبّانَ والعِحليُّ.
==
ومحمَّدُ بن أبي يعقوبَ التَّميميُّ الْبَصريُّ: قال ابنُ مَعِينٍ وأبو حاتمٍ والنَّسائيُّ وابنُ نُمير وابنُ حبّانَ والعِجليُّ:
ثقةٌ. ولذلك قال ابنُ حَجَرٍ في "الفتح" ٥١١/٧: إسناده صحيح.
إلّ أنَّ أبا أسامةَ رواه عن مَهديٍّ بن ميمونٍ عن محمَّد بن أبي يعقوبَ عن الحسن بنِ سعدٍ قال: ((لَمّا جاء
النّبِيَّ خبرُ قتلِ زيدٍ وجعفرٍ وابنِ رواحةً ... )) الحديث مُرسَلاً. أخرجه ابنُ أبي شيبةَ ٥٤٨/٨.
ومَهديُّ بن ميمونِ الأَزْدِيُّ البَصريُّ: قال شُعبةُ وأحمدُ وابنُ مَعينٍ والنسائِيُّ وابنُ خِراشٍ والعِحليُّ: ثقةٌ.
وروى أبو خالدٍ الأحمرُ عن حَجّاج بن أرطاةَ عن الحكمِ عن مِقسمٍ عن ابن عبّاس ((أنَّ رسولَ اللهِلَّ بِعَثَ إلى
مُؤْتَةَ فاستعمَلَ زيداً، فإنْ قُتِلَ زِيدٌ فجعفرٌ، فإِنْ قُثِلَ جعفرٌ فابنُ رواحةً، قال: فتخلّفَ ابنُ رواحةَ يجمَعُ مع النّبِيِّنَ﴿، فرآه
النّبِيُّ فقال: ما خلّفَك؟ قال: أجْمَعُ معك، فقال: لَغَدْوةٌ أو رَوْحَةٌ في سبيل الله خيرٌ مِن الدُّنيا)).
أخرجه أحمدُ ٢٥٦/١، وابنُ أبي شيبةَ ٥٤٥/٨. قال الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" ١٥٦/٦: وفيه الحجّاجِ بن
أرطاةَ، وهو مُدّسٌ، وبقيَّةُ رجاله رجالُ الصَّحيح.
وروى الأسودُ بن شيبانَ عن خالد بن سُمير قال: قَدِمَ علينا عبدُ الله بن رباحِ الأنصاريُّ، قال: وكانت
الأنصارُ تُفقِّهُه، قال: حدَّثنا أبو قتادةَ فارسُ رسولِ اللهِ ﴿ه قال: ((بَعَثَ رسولُ اللهِمَّ جِيشَ الأُمراء، وقال: عليكم
زيدُ بن حارثة، فإِنْ أُصيبَ زِيدٌ فجعفرُ بن أبي طالبٍ، فإنْ أُصيبَ جعفرٌ فعبدُ الله بن رواحةَ، فوثَبَ جعفرٌ فقال: يا
رسولَ الله ما كنتُ أَرهبُ أنْ تستعمِلَ عليَّ زيداً، فقال: امضٍ، فإنَّك لا تدري أيُّ ذلك خيرٌ فانطلَقُوا، فَلَبُوا ما شاء
الله، ثمَّ إنَّ رسولَ الله لَّ صَعِدَ المنبرَ، وأمَرَ فُوديَ: الصَّلاةُ جامعة، فاجتمَعَ النّاسُ إلى رسول اللـهِلَ ﴿، فقال: ثابَ
خيرٌ ((ثلاثاً))، أخبِرُكم عن جيشكم هذا الغازي؟ انطلَقُوا فَلَقُوا العدوَّ، فقُتِلُ زيدٌ شهيداً فاستغفِرُوا له، ثمَّ أَخَذَ اللّواءَ
جعفر بن أبي طالبٍ، فشَدَّ على القوم حَتّى قُتِلَ شهيداً، اشهَدُوا له بالشَّهادة واستغفِرُوا له، ثمَّ أَخَذَ اللّواءَ عبدُ الله بن
رواحةَ، فَأَثْبَتَ قدَمَيه حتّى قُتِلَ شهيداً، فاستغفِرُوا له، ثمَّ أخَذَ اللّاءَ خالد بن الوليد ولم يكنْ مِن الأُمراء، هو أمَّرَ
نفسَهُ، ثمَّ قال رسولُ اللهِوَ﴿ّ: اللهمُّ إِنَّه سيفٌ مِن سُيُوفِكَ فأنت تنصُرُهُ، فمِن يومئذٍ سُمِّيَ سيفَ الله.
وقال رسولُ الله ◌ِ ﴿: انفِرُوا فَأَمِدُّوا إخوانكم ولا يَتخلَّفنَّ مِنكم أحدٌ، فَنَفَرُوا مُشاةً وَرُكباناً، وذلك في حَرِّ
شديدٍ، فبينما هم ليلة مائلينَ عن الطّريق إذ نعَسَ رسولُ اللهِ﴿وَ حَتّى مال عن الرَّحلِ، فأتيتُه فدَعمتُه بيدي، فلمّا
وجَدَ مسَّ يدِ رجُلِ اعتدَلَ فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أبو قَتَادةَ، قال في الثّانية أوِ الثّالثة، قال: ما أُراني إلّ قد شقَقْتُ
عليك منذُ اللّيلةِ، قال: قلتُ: كلّ، بأبي أنت وأُمِّي، ولكنْ أَرى الكَرَى والنُّعاسَ قد شقَّ عليك، فلو عَدَلتَ فَنَزَلتَ
حتّى يذهبَ كَراكَ، قال: إنّي أخافُ أنْ يُخذَلَ النّاسُ، قال: قلتُ: كلّ، بأبي وأُمِّي، قال: فابْغِنا مكاناً خَميراً، قال:
فَعَدَّلتُ عن الطَّريق فإذا أنا بِعُقْدٍ مِن شجٍ، فجئتُ فقلتُ: يا رسولَ الله هذه عُقَدٌ مِن شجرٍ قد أَصَبْتُها، قال: فعدَلَ
رسولُ الله ◌َ﴿ وعدَلَ معه مَن يَليه مِن أهل الطّريق، فنزَلُوا واستَرُوا بالعُقدةِ مِن الطّريق، فما استيقَظْنا إلّ بالشَّمس
طالعةٌ علينا، فقُمنا ونحنُ وَهِلِين، فقال رسولُ الله ◌ِلَ ﴿: رويداً رويداً حتّى تَعالَتِ الشَّمسُ، ثمَّ قال: مَن كان =
حاشية ابن عابدين
٥٠٦
قسم المعاملات
= يُصلِّي هاتين الرَّكعتين قبلَ صلاةِ الغَداة فليُصلِّهما، فصلاّهما مَن كان يُصلِيهما، ثمَّ أمَرَ فُنُوديَ بالصَّلاة، ثمَّ تقدَّمَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ فَصلَّى بنا، فلمّا سلَّمَ قال: إنّا نحمَدُ اللهَ، لم نكنْ في شيءٍ مِن أمرِ الدُّنيا يَشغَلُنا عن صلاتنا، ولكنَّ
أرواحنا كانت بيد الله أرسَلَها أنَّى شاء، ألا فمَن أدركَتْهُ هذه الصَّلاةُ مِن عبدٍ صالحٍ فلَيَقْضِ معها مثلَها، قالوا:
. يا رسولَ الله العطشُ، قال: لا عطشَ يا أبا قتادةَ، أَرني الِيْضَأَةَ، قال: فأتيته بها فجعَلَها في ضِبنِهِ [تحت إبطه] ثمَّ التَقَمَ
فمَها، فاللهُ أعلمُ أَنفَثَ فيها أم لا، ثُمَّ قال: يا أبا قَادَةً أَرِنِي العُمَرَ [القدح الصغير] على الرّحلة، فأتيتُه بِقَدَحٍ بين
القَدَحَين، فصَبَّ فيه فقال: اسقِ القومَ، ونادَى رسولُ الله ﴿ وَرفَعَ صوتَه: ألا مَن أتاه إناؤه فليَشرَبْهُ، فأتيتُ رَجُلاً
فسقيتُهُ، ثمَّ رجَعتُ إلى رسول الله وَ ◌ّ بِفَضْلَةِ القَدَحِ، فذهبتُ فسقيتُ الذي يليه حتّى سقَيتُ أهلَ تلك الحَلْقةِ، ثمَّ
رجَعتُ إلى رسول الله ﴿ بِفَضْلَةِ القَدَحِ، فذهبتُ فسقيتُ حَلْقَةً أُخرى حتّى سقيتُ سبعةَ رُفَقٍ، وجعلتُ أتطاولُ
أنظُرُ هل بقيَ فيها شيءٌ، فصَبَّ رسولُ اللهِ ﴿ٌ فِي القَدَحِ فقال لي: اشرَبْ، قال: قلتُ: بأبي أنت وأُمِّي، إنّي لا أجِدُ
بي كثيرَ عطشٍ، قال: إليك عنّي، فإنّي ساقي القومِ منذُ اليوم، قال: فصَبَّ رسولُ الـه :﴿ فِي القَدَحِ فَشَرِبَ، ثمَّ
صَبَّ فِي القَدَحِ فَشَرِبَ، ثمَّ صَبَّ في القَدَحِ فَشَرِبَ، ثمَّ رَكِبَ وَرَكِيْنا، ثمَّ قال: كيف تَرَى القومَ صنَعُوا حين فقَدُوا
نبيَّهم وأرهقَتْهم صلاتُهم؟ قُلنا: الله ورسوله أعلمُ، قال: أليس فيهم أبو بكر وعمرُ، إنْ يُطيعوهما فقد رَشَدُوا
ورَشَدَتْ أُمُّهم، وإنْ يَعصوهما فقد غَوَوا وغَوَتْ أُمُّهم، قالها ثلاثاً، ثمَّ سارَ وسِرنا، حَتّى إذا كُّا فِي نَحرِ الظَّهيرة إذا
ناسٌ يتبعون ظلالَ الشَّجرة، فأتيناهم، فإذا ناسٌ مِن المهاجرين فيهم عمرُ بن الخطّاب، قال: فقُلنا لهم: كيف صنعتُم
حين فقدتُم نبيَّكم وأرهقَتْكم صلاُكم؟ قالوا: نحن والله نُخبِرُكم، وثَبَ عمرُ فقال لأبي بكرٍ: إنَّ الله قال في كتابه:
(إنّك مَيِّتٌ وإنّهم مَيِّون)، وإنّي والله ما أدري لعلَّ اللهَ قد توفّى نبيّه، فَقُمْ فصَلّ وانطلِقْ، إنّي ناظرٌ بعدَك ومُقَاوِمٌ،
فإِنْ رأيتُ شيئاً وإلّا لَحِقَتُ بك، قال: وأُقيمتِ الصَّلاةُ وانقطَعَ الحديث)). اللَّفظُ لابن أبي شيبةَ مُطوَّلاً.
أخرجه أحمدُ ٢٩٩/٥ و٣٠٠ - ٣٠١، وابنُ سعدٍ في "الطّبقات" ٤٦/٣ - ٤٧، وابنُ أبي شَيبةَ ٥٤٥/٨ - ٥٤٧،
والبخاريُّ في "التّاريخ" ١٣٦/٣، وأبو داودَ (٤٣٨)، والنسائيُّ في "الكبرى" (٨١٥٩) و(٨٢٤٩) و(٨٢٨٢)،
والدّارميُّ (٢٤٤٨)، والطَّبريُّ في "تاريخه" ٢٨٣ - ٢٨٤، والطّحاويُّ في "بيان المشكل" (٥١٧٠)، وابنُ حبّانَ كما في
"الإحسان" (٧٠٤٨)، والبيهقيُّ في "دلائل النُّبُوَّة" ٣٦٧/٤، والرّافعيُّ في "النَّدوين في تاريخ قزوين" ٣٥٠/٣ - ٣٥١.
أمّا روايةُ أبي داودَ فاختصرت على: بعَثَ رسولُ الله جيشَ الأُمراء، ثمَّ قال: بهذه القِصَّة، أي: التي رواها
ابنُ أبي شيبةَ، ثمَّ ذكر موضِعَ الشّاهد فيمَن نامَ عن صلاةٍ أو نسِيَها ... الحديث.
وظنَّ ابنُ عبد البَرِّ في "التّمهيد" ٢٠٦/٥ أنَّ قِصَّة نومِ النّبِيِّمِ ﴿ه عن الصَّلاة كانت في جيش الأُمراء، فقال:
وهذا وَهْمٌّ عند الجميع؛ لأنَّ جيش الأُمراء كان في غَزَاة مُؤْتة، وكانت سريَّةً لم يشهَدْها رسولُ الله، كان الأميرُ
عليها زيدَ بن حارثة، وقد روى هذا الحديثَ ثابتٌ البنائيُّ وسليمانُ الَّيميُّ عن عبد الله على غير ما رواه خالدُ بن
سُمير، وما قالوه فهو عند العلماءِ الصَّوابُ.
وفيه نظر، فالخلل ليس مِن خالد بن سُمير، بل مِمّن اختصَرَ روايتَه الْمُطوَّلةَ كما هي عند ابن أبي شيبةَ، فأغلبُ
العلماء رووها مُقطَّعةً حسَبَ وجوه الاستشهاد، وهذا جائزٌ عند العلماء، فقوله: بالقِصَّة، مرادُهُ القِصَّةُ المعروفة في
غزوة تبوك مِن رواية أبي قتادةً التي تتمَّتُها قِصَّة نومِ النَّبِيِّ عن الصَّلاة. والله أعلم.
=
الجزء السادس عشر
٥٠٧
فصل في الحبْس
حتّى لو أمَرَ السُّلطانُ بعَدَمِ سماعٍ الدَّعوى بعدَ خَمسَ(١) عَشْرَةَ سنةً فسَمِعَها لم
ينفُذْ. قلتُ: فلا تُسمَعُ الآنَ بعدَها إلاّ بأمرٍ،
[٢٦٤٢٨) (قولُهُ: بعدَ خمسةَ عشرَ سنةً) المناسبُ: خمسَ عشرةَ بتذكيرِ الأوَّلِ وتأنيثِ الّانِي؛
الكونِ المعدودِ مُؤنَّاً وهو ((سنةً))، وأجابَ "ط)(٢): ((بأَنَّه على تأويلِ السَّنّةِ بالعامِ أوِ الحَوْلِ)).
مطلبٌ فِي عَدَمِ سماعِ الدَّعوى بعدَ خمسَ عشرةَ سنةً
[٢٦٤٢٩] (قولُهُ: فلا تُسمَعُ الآنَ بعدَها) أي: لنهى السُّلطانِ عن سماعِها بعدَها، فقد
قال السَِّّدُ "الحمَويُّ" في "حاشية الأشباه"(٣): ((أخبَرَني أستاذي شيخُ الإسلامِ "يحبى أفندي"
الشَّهِيرُ بـ "المنقاريِّ"(٤): أنَّ السَّلاطينَ الآنَ يأمُرُونَ قُضاتَهم في جميعِ [٣/ ٢٢٤٥/ ب] ولاياتِهم
وتَبْعَ ابنُ حَجَرِ ابْنَ عبد البَرِّ فقال في "تهذيبه": وذكر له ابنُ جرير الطَّبريُّ وابنُ عبد البَرِّ والبيهقيُّ حديثاً
=
أخطأ في لفظة مِنه، وهي قوله: كُنّا في حيش الأُمراء، يعني: مُؤْتَة، وَالنَّبِيُّ :﴿ٌ لم يَحضُرْها.
ولم أفهم كلامَ ابن حَجَرِ هذا، فإنّي لم أجدِ اللّفظةَ التي يمكنُ أنْ تُنكَرَ على خالدٍ بن سُمير إلّ ما ذكرتُه من رواية
أبي داودَ، أمّا الطَّبريُّ وأحمدُ فقد رويا القِسمَ الأوَّلَ مِن الحديث إلى قوله: (( ... فَنَفَرُوا مُشاةً ورُكباناً))، زاد الطِّبريُّ:
((وذلك في حَرِّ شديدٍ)). وكذلك رواية النَّسائيِّ وابنٍ حَبّانَ والبيهقيِّ، حيثُ روى إلى قوله: (( ... فمِن يومئذٍ سُمِّيَ
خالدٌ سيفَ الله)). ووقَفَتْ رواية الطَّحاويِّ على ((فبينا حنُ نسيرُ ليلةً على الطَّريق إذ نعَسَ النَّبيُّ {ٌ))، ثمَّ قال:
ووقَفَ على هذا مِن الحديث. واقتصَرَ مِنه الدّارِمِيُّ على: ((ثُمَّ صَعِدَ رسولُ الله المنبر فأمَرَ فُنُوديّ: الصَّلاةُ جامعةٍ)).
ورواية الرّافعيِّ إلى: (( ... فإنْ أُصيبَ جعفرٌ فعبدُ الله بن رواحة)).
كلُّ هذا يدلُّ على أنَّ الإشكال لا يَرِدُ إلّ على رواية أبي داودَ؛ لَلَلٍ في الاختصار مِن أبي داودَ أو شيخِهِ،
ولم يُخطئ فيها خالدُ بن سُمير، والله أعلم.
وخالدُ بن سُمير، ويقال: شُمير السَّدوسيُّ البَصريُّ: قال النَّسائيُّ والعِجليُّ: ثقةٌ، وقال أحمدُ: لا أعلم روى عنه
أحدٌ سوى الأسود، ولكنّه حسنُ الحديث، وقال مرَّةً: حديثُه عندي صحيحٌ كما في "شرح العلل" لابن رجب ٨٤/١.
(١) في "د" و"ب" و"م": ((خمسة عشر))، وما أثبتناه من "ط" هو الصواب وسينبه عليه ابن عابدين رحمه الله.
(٢) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٢/٣.
(٣) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ٣٣٧/٢ - ٣٣٨.
(٤) هو المعروف بمنقاري زاده (ت١٠٨٨ هـ)، وتقدمت ترجمته ٣٧٨/٣.
حاشية ابن عابدين
٥٠٨
قسم المعاملات
أنْ لا يسمَعُوا دعوى بعدَ مُضيِّ خمسَ عشرةَ سنةً سوى الوقفِ والإِرثِ)) اهـ، ونقَلَ في
"الحامديَّة"(١) فتاوَّى مِن المذاهبِ الأربعةِ بعَدَمِ سماعِها بعدَ النَّهيِ المذكورِ.
مطلبٌ: هل يبقَى النَّهيُ بعدَ موتِ السُّلطان؟
لكنْ هل يبقى النَّهيُّ بعدَ موتِ السُّلطانِ الذي نهَى بحيثُ لا يُحتاجُ مِن بعدِهِ إلى نهيٍ
جديدٍ؟ أفتى في "الخيريَّةِ "(٢): ((بأَنَّه لا بدَّ مِن تجديدِ النَّهي، ولا يستَمِرُّ الَّهيُ بعدَهُ، وبأَنَّه إذا اختَلَفَ
الخصمانِ في أَنَّه مَنهيٌّ أو غيرُ مَنهيٌّ فالقولُ للقاضي ما لم يُثِتِ المحكومُ عليه النَّهيَ))، وأطالَ في
ذلك وأطابَ، فراجعْهُ. وأمّا ما ذكَرَهُ السَّيِّدُ "الحمَويُ))(٢) أيضاً: ((مِن أَنَّه قد عُلِمَ مِن عادتِهم -
يعني: سلاطينَ آلِ عثمانَ نصَرَهُمُ الرَّحمنُ - مِن أَنَّه إذا تولَّى سلطانٌ عُرِضَ عليه قانونُ مَن قِبَلَهُ
وأَخَذَ أَمْرَهُ باتّباعِهِ))، فلا يُفيدُ هنا؛ لأنَّ معناهُ أنْ يلتزِمَ قانونَ أسلافِهِ: بأنْ يأمُرَ بِمَا أَمَرُوا به، وينهَى
عمّا نَهَوا عنه، ولا يلزَمُ مِنه أَنَّه إذا وَلَّى قاضياً ولم يَنْهَهُ عن سماعٍ هذه الدَّعوى أنْ يصيرَ قاضيهِ
مَنهيّاً بمجرَّدٍ ذلك، وإنّما يلزَمُ مِنه أنَّه إذا ولاّهُ يَنْهاهُ صريحاً؛ ليكونَ عاملاً بها التَزَمَهُ مِن القانونِ، كما
(قولُهُ: بأنّه لا بدَّ مِن تجديدِ النَّهي، ولا يستَمِرُّ إلخ) هذا إنَّما يظَهَرُ بالنسبةِ لِمَن تولَّى بعدَ موتٍ
السُّلطانِ، لا لِمَن تولَّى مِن الميْتِ، فإنَّه معزولٌ لما نهاهُ عنه في حياتِهِ، ويبقَى على حالِهِ الأَوَّلِ بعدَ موتِهِ.
(قولُهُ: مِن أَنَّه إذا تولَّى سلطانٌ عُرِضَ عليه قانونُ مَن قبلَهُ وأَخَذَ أَمْرَهُ باتّباعِهِ إلخ) المتبادرُ مِن
قولِهِ: ((وأخَذَ إلخ)) أنَّ مَن يُعرَضُ عليه القانونُ يأخُذُ مِنه أمراً باتّباعِ قانونٍ مَن قَبَلَهُ: بأنْ يكُنُبَ أَمْرَهُ
باتّباعِهِ، فيكونَ آمِراً للقُضاةِ بالعملِ بالقانونِ الذي فيه النَّهيُّ، وليس في هذا ما يدُلُّ على مجرَّدِ التزامِ
السُّلطانِ بأنْ يعمَلَ به، فَتِمُّ ما قالَهُ "الحمَويُّ" ، لكنْ هذا لا يظهَرُ إلّ في قاضٍ مُولَّى، وأمّا إذا عُزِلَ
وتولَّى غيرُهُ لا بدَّ مِن النّهي ثانياً، ولا يكفي النَّهيُ السّابقُ، تأمَّلْ.
(١) إنظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٥/٢ وما بعدها.
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب أدب القاضي ٦/٢ بتصرف.
(٣) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ٣٣٧/٢ بتوضيح من العلامة
ابن عابدين رحمه الله تعالى.
الجزء السادس عشر
٥٠٩
فصل في الحبْس
إلّ في الوقفِ، والإرثِ، ووجودِ عُذْرٍ شرعيًّ، وبه أفتى المفتي "أبو السُّعود"، فليُحفَظْ.
اشتهَرَ أَنَّه حينَ يُولِِّهِ الآنَ يأمُرُهُ في مَنشورِهِ بالحُكمِ بأصحِّ أقوالِ المذهبِ كعادةٍ مَن قبلَهُ،
وتمامُ الكلامِ على ذلك في كتابنا "تنقيح الحامدية"(١)، فراجعْهُ، وأَطَلْنا الكلامَ عليه أيضاً في
كتابنا "تنبيه الولاة والحُكّامِ"(٢).
[٢٦٤٣٠) (قولُهُ: إلاّ في الوقفِ، والإرثِ، ووجودِ عُذْرِ شرعيّ) استثناءُ الإرثِ مُوافِقٌ لِما
مرَّ(٣) عن "الحمَويّ"، ولِما في الحامديَّةِ(٤) عن فتاوى "أحمد أفندي الَهْمَنداريّ"(٥) مفتي
دمشقَ: ((أَنَّه كَتَبَ على ثلاثةِ (٦) أسئلةٍ أَنَّه تُسمَعُ دعوى الإرثِ ولا يَمنَعُها طولُ المدَّةِ))،
ويُخالِفُهُ ما في "الخيريَّة)(٧)، حيثُ ذكَرَ: ((أَنَّ المستثنَى ثلاثةٌ: مالُ اليتيمِ، والوقفُ، والغائبُ))،
ومقتضاهُ: أنَّ الإرثَ غيرُ مُستَنَّى فلا تُسمَعُ دعواهُ بعدَ هذه المدَّةِ، وقد نقَلَ في "الحامديَّةُ(٨)
عَنِ "الَهْمَنداريِّ" أيضاً: ((أَنَّه كَتَبَ على سؤالٍ آخَرَ فِيمَن تَرَكَت دعواها الإرثَ بعدَ بلوغِها
خمسَ عشرةَ سنةً بلا عُذْرٍ أَنَّ الدَّعوى لا تُسمَعُ إلّ بأمرٍ سلطانِيٍّ)). ونقَلَ أيضً(٩) مثلَهُ فتوى
تُركِيّةً عنِ المولَى "أبي السُّعود"، وتعريبُها: ((إذا تُرِكَت دعوى الإرثِ بلا عُذْرٍ شرعيِّ خمسَ
عشرةَ سنةً، فهل لا تُسمَعُ ؟ الجوابُ: لا تُسمَعُ إلّ إذا اعتَرَفَ الخصمُ بالْحَقِّ)). ونقَلَ مثلَهُ
شيخُ مشايخنا "التّركمانِيُّ) (١٠) عن "فتاوى علي أفندي"(١١) مفتي الرُّومِ، ونقَلَ مثلَهُ أيضاً شيخٌ
(١) انظر " العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٥/٢ وما بعدها.
(٢) انظر "مجموع رسائل ابن عابدين": ٣٤٩/١.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) انظر " العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٦/٢.
(٥) تقدمت ترجمته ٤٤٦/١٥.
(٦) في "الأصل" و"ب": ((ثلاث)).
(٧) "الفتاوى الخيرية": كتاب الدعوى ٧٠/٢.
(٨) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٦/٢.
(٩) انظر "العقود الدرّية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٦/٢.
(١٠) تقدمت ترجمته صـ ١٩٣ -.
(١١) "فتاوى علي أفندي": كتاب الدعوى - فيما يتعلق بمرور الزمان صـ ٤٧٠ -.
حاشية ابن عابدين
٥١٠
قسم المعاملات
مشايخنا "السّائحانيُّ" عن "فتاوى عبد الله أفندي"(١) مفتي الرُّومِ، وهذا الذي رأينا عليه عملَ
مَن قبلَنا، فالظّاهرُ أَنَّه وَرَدَ نهيٌ جديدٌ بَعَدَمِ سماعٍ دعوى الإِرثِ، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
(تنبيهاتٌ)
الأوَّلُ: قدِ اسْتُفيدَ مِن كلامِ "الشّارِحِ" أنَّ عَدَمَ سماعِ الدَّعوى بعدَ هذه المدَّةِ إِنَّما هو للَّهيِ
عنه مِن السُّلطانِ، فيكونُ القاضي معزولاً عن سماعِها؛ لِما عَلِمتَ مِن أنَّ القضاءَ يتخصَّصُ، فلذا
قال: ((إلّ بأمرٍ))، أي: فإذا أُمِرَ بسماعِها بعدَ هذه المدَّةِ تُسمَعُ، وسببُ النَّهِي قَطْعُ الحِيَّلِ والتّزويِ،
فلا يُنافي ما في "الأشباه"(٢) وغيرِها: ((مِن أَنَّ الحَقَّ لا يسقُطُ بتقادُمِ الزَّمانِ)) اهـ. ولذا قال في
"الأشباه"(٣) أيضاً: ((وَيَجِبُ عليه سماعُها)) اهـ. أي: يَجِبُ على السُّلطانِ الذي نهَى قُضاتَهُ عن
سماعِ الدَّعوى بعدَ هذه المدَّةِ أنْ يسمَعَها بنفسِهِ أو يأمُرَ بسماعِها؛ كيلا يضيعَ حَقُّ المُدَّعي.
والظّاهرُ: أنَّ هذا حيثُ لم يظهَرْ مِن المُدَّعي أمارةُ الّزويرِ، وفي بعضِ نُسَخِ "الأشباه": (٢)
((وَيَجِبُ عليه عَدَمُ سماعِها))، وعليه: فالضَّميرُ يعودُ للقاضي المنهيِّ عن سماعِها، لكنَّ
الأوَّلَ هو المذكورُ في "معين المفتي)"(٤).
الثّاني: أنَّ النَّهيَ حيثُ كان للقاضي لا يُنافي سماعَها مِن المُحكَّمِ، بل قال "المصنّف"
في "معين المفتي"(٤): ((إنَّ القاضيَ لا يسمَعُها مِن حيثُ كونُهُ قاضياً، فلو حكَّمَهُ الخَصمانِ في
تلك القضيةِ التي مضَى عليها (٣/ق١/٢٢٥] المدَّةُ المذكورةُ فله أنْ يسمَعَها)).
الثّالثُ: عَدَمُ سماعِ القاضي لها إنَّما هو عندَ إنكارِ الخَصمِ، فلوِ اعترَفَ تُسمَعُ كما
عُلِمَ مِمّا قدَّمناهُ(٥) مِن فتوى المولَى "أبي السُّعود أفندي"؛ إذ لا تزويرَ مع الإقرارِ.
(١) المسماة "بهجة الفتاوى" وتقدمت ترجمتها ٥٩٤/١٣.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٦٣ -.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد ــ كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٢-، وما في مطبوعة
"الأشباه" التي بين أيدينا موافقٌ لبعض النسخ التي سيشير إليها ابن عابدين رحمه الله.
(٤) "معين المفتي على جواب المستفتي": للمصنف التمرتاشي، وتقدمت ترجمته ٤٧٦/٧.
(٥) في هذه المقولة.
الجزء السادس عشر
٥١١
فصل في الحبْس
الرّابعُ: عَدَمُ سماعِها حيثُ تحقَّقَ تَرْكُها هذه المدَّةَ، فلو ادَّعَى في أثنائها لا يُمنَعُ، بل تُسمَعُ
دعواهُ ثانياً ما لم يكنْ بينَ الدَّعوى الأُولى والثانيةِ هذه المدَّةُ، ورأيتُ بَخَطٍّ شيخٍ مشايخنا
"التّرْكُمانيِّ" في "مجموعته"(١): ((أنَّ شرطَها - أي: شرطَ الدَّعوى - مجلسُ القاضي(٢)، فلا تَصِحُّ
الدَّعوى في مجلسٍ غيرِهِ كالشَّهادةِ، "تنوير"(٣)، و"بحر "(٤)، و"درر"(٥))، قال: ((واستُفِيدَ مِنه
جوابُ حادثةِ الفتوى، وهي أنَّ زيداً ترَكَ دعواهُ على عمرو مدَّةً خمسَ عشرةَ سنةً ولم يدَّعِ عندَ
القاضي، بل طالَبَهُ بَحَقِّهِ مِراراً في غيرِ مجلسِ القاضي، فمقتضى ما مرَّ لا تُسمَعُ؛ لعَدَمِ شرطِ الدَّعوى،
فليكنْ على ذُكرِ مِنك، فإنَّ تكرَّرَ السُّؤالُ عنها، وصريحُ فتوى شيخِ الإسلامِ "علي أفندي"(٦): أَنَّه إذا
ادَّعَى عندَ القاضي مِراراً ولم يَفصِلِ القاضي الدَّعوى ومَضَتِ المدَّةُ الْمَزْبُورةُ تُسمَعُ؛ لأَنّه صدَقَ
عليه أنَّه لم يَتْرُكْها عندَ القاضي)) اهـ ما في "المجموعة"، وبه أفتى في "الحامديَّة"(٧).
ثُمَّ لا يخفَى أنَّ تركَ الدَّعوى إنَّما يتحقَّقُ بعدَ تُبُوتِ حَقَّ طَلَبِها، فلو ماتَ زوجُ المرأةِ،
أو طلَّقَها بعدَ عشرينَ سنةً مثلاً مِن وقتِ النِّكاحِ فلها طلَبُ مُؤخَّرِ المهرِ؛ لأنَّ حَقَّ طَلَبِهِ إنَّما
ثَبَتَ لها بعدَ الموتِ أوِ الطَّلاقِ لا مِن وقتِ النّكاحِ. ومثلُهُ ما يأتي فيما لو أخَّرَ الدَّعوى هذه
المدَّةَ لإِعسارِ المديونِ، ثمَّ ثبَتَ يسارُهُ بعدَها، وبه يُعلَمُ جوابُ حادثةِ الفتوى - سئلتُ عنها حينَ
كتابتي لهذا المحلِّ -: في رجلٍ له كَدَكُ دُكّانِ وقفٍ مُشْتَمِلٌ على مَنحُورٍ وغيرِهِ وضَعَهُ مِن
مالِهِ في الدُّكانِ بإذنِ ناظرِ الوقفِ مِن نحوٍ أربعينَ سنةً، وتصرَّفَ فيه هو ووَرَثُهُ مِن بعدِهِ في هذه
المدَّةِ، ثُمَّ أنكَرَهُ النّظرُ الآنَ وأنكَرَ (٨) وَضْعَهُ بالإِذنِ، وأرادَ الوَرَثَةُ إثباتَهُ وإثباتَ الإِذْنِ بَوَضْعِهِ،
(١) مجموعة الشيخ علي بن محمد التِّرْكمانيّ (ت١١٨٣ هـ) وتقدمت ترجمته صـ ١٩٣ ..
(٢) في "م": ((القاصي)) بالصاد المهملة، وهو خطأ.
(٣) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧٦١٣] قوله: ((وشرطُها)).
(٤) "البحر": كتاب الدعوى ١٩٢/٧.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الدعوى ٣٣٠/٢.
(٦) "فتاوى علي أفندي": كتاب الدعوى - فصل فيما يتعلق بمرور الزمان صـ ٤٧٣-، لكن نقول: وردت المسألةُ فيه
باللغة الفارسية، ذكرها صاحب "الفتاوى الحامدية": ٨/٢ مترجمة إلى اللغة العربية، فليعلم.
(٧) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٧/٢ - ٨.
(٨) في "الأصل": ((وأنكره)).
حاشية ابن عابدين
٥١٢
قسم المعاملات
والذي ظهَرَ لي في الجوابِ سماعُ البِّنةِ في ذلك؛ لأَنَّه حيثُ كان في يدِهم ويدِ مُورِّتِهم هذه
المدَّةَ بدونِ مُعارِضٍ لم يكنْ ذلك تَرْكاً للدَّعوى. ونظيرُ ذلك ما لوٍ ادَّعَى زيدٌ على عمرٍو
بدارٍ في يدِهِ، فقال له عمرٌو: كنتُ اشْتَريْتُها مِنك مِن عشرينَ سنةً وهي في مِلكي إلى الآن،
وكذِّبَهُ زيدٌ في الشِّراءِ فُتُسمَعُ بيّةُ عمرٍو على الشِّراءِ المذكورِ بعدَ هذه المدَّةِ؛ لأنَّ الدَّعوى
توجَّهَت عليه الآنَ، وقبلَها كان واضِعَ اليدِ بلا مُعارِضٍ، فلم يكنْ مُطالَباً بإثباتِ مِلكِيَّتِها،
فلم يكنْ تارِكاً للدَّعوى. ومثلُهُ فيما يظهرُ أنَّ مُستأجِرَ دارِ الوقفِ يَعمُرُها بإذنِ النّاظِرِ ويُنفِقُ
عليها مَبلَغاً مِن الدَّراهمِ يصيرُ دَيْناً له على الوقفِ، ويُسمَّى في زماننا: مُرصَدً، ولا يُطالِبُ به
ما دام في الدّارِ، فإذا خرَجَ مِنها فله الدَّعوى على النّاظرِ بُرصَدِهِ المذكورِ وإنْ طالَت مدَّتُهُ،
حيثُ جَرَتِ العادةُ بأَنَّه لا يُطالِبُ به قبلَ خروجِهِ ولا سيَّما إذا كان في كلِّ سنٍ يقتَطِعُ
بعضَهُ مِن أُجرةِ الدّارِ، فليُتْأمَّلْ.
٣٤٣/٤
الخامسُ: استثناءُ "الشّارحِ" العُذْرَ الشَّرعيَّ أعمُّ مِمّا في "الخيريَّةِ"(١) مِن الاقتصار على استثناء
الوقفِ(٣)، ومالِ اليتيمٍ، والغائبِ؛ لأنَّالعُذْرَ يشمَلُ ما لو كان المُدَّعَى عليه حاكماً ظالماً كما يأتي(٣)،
وما لو كان ثابتَ الإعسارِ في هذه المدَّةِ ثُمَّ أيسَرَ بعدَها فُسمَعُ كما ذكَرَهُ في "الحامديَّةَ"(٤).
السّادسُ: استثناءُ مالِ اليتيمِ مُقَيَّدٌ بما إذا لم يَتْرُكْها بعدَ بلوغِهِ هذه المدَّةً، وبما إذا لم يكنْ
له وليٌّ كما يأتي(٥)، وفي "الحامديَّة"(٦): ((لو كان أحدُ الوَرَثةِ قاصراً والباقي بالغينَ تُسمَعُ
الدَّعوى بالنّظرِ إلى القاصرِ بِقَدْرِ ما يخصُّهُ دونَ البالغينَ)).
(١) "الفتاوى الخيرية": كتاب الدعوى ٧٠/٢.
(٢) في "آ": ((مال الوقف)).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) لم نعثر على المسألة في مظانها من مطبوعة "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية" التي بين أيدينا.
(٥) في هذه المقولة.
(٦) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٨/٢ بتصرف.
الجزء السادس عشر
٥١٣
فصل في الحبْس
السّابعُ: استثنوا الغائبَ والوقفَ ولم يُبيِّنوا له مدَّةً، فتُسمَعُ مِن الغائبِ ولو بعدَ خمسينَ
سنةً، ويُؤيِّدُهُ قولُهُ في [٣/ ق٢٢٥/ ب] "الخيريَّة"(١): ((مِن المقرَّرِ أنَّ الَّركَ لا يتأَنَّى مِن الغائبِ له
أو عليه؛ لعَدَمِ تأتّي الجوابِ مِنه بالغَيْبةِ، والعِلَّهُ خشيةُ الَّزوبرِ، ولا يتأَنَّى بالغَيْبةِ الدَّعوى عليه،
فلا فرقَ فيه بينَ غَيْبةِ المُدَّعي والمُدَّعَى عليه)) اهـ.
مطلبٌ: إذا ترَكَ الدَّعوى ثلاثاً وثلاثينَ سنةً لا تُسمَعُ
وكذا الظّاهرُ في باقي الأعذارِ أَنَّ لا مدَّةَ لها؛ لأنَّ بقاءَ العُذْرِ وإنْ طالَت مدَّتُهُ يُؤكِّدُ عَدَمَ
الَّزويرِ، بخلافِ الوقفِ، فإنّه لو طالَت مدَّةُ دعواهُ بلا عُذْرِ ثلاثاً وثلاثينَ سنةً لاتُسمَعُ كما أفتى به
في "الحامديَّة"(٢) أَخْذَاً مِمّا ذَكَرَهُ في "البحر"(٣) في كتابِ الدَّعوى عنٍ "ابنِ الغَرْسِ" (٤) عن
"المبسوط"(٥): ((إذا ترَكَ الدَّعوى ثلاثاً وثلاثينَ سنةً ولم يكنْ مانعٌ مِن الدَّعوى، ثمَّ ادَّعَى لاتُسمَعُ
دعواهُ؛ لأنَّ تركَ الدَّعوى مع التَّمَكُنِ يدُلُّ على عَدَمِ الحَقِّ ظاهراً)) اهـ. وفي "جامع الفتاوى"(٦) عن
"فتاوى الغَّابِيِّ": ((قال المتأخِّرونَ مِن أهلِ الفتوى: لا تُسمَعُ الدَّعوى بعدَ ستٍّ وثلاثينَ سنةً، إلّ
أنْ يكونَ المُدَّعي غائباً، أو صيًّ، أو مجنوناً وليس لهما وليٌّ، أوِ المُدَّعَى عليه أميراً جائراً)) اهـ. ونقَلَ
"ط "(٧) عن "الخلاصة"(٨): ((لا تُسمَعُ بعدَ ثلاثينَ سنةً)) اهـ.
ثُمَّ لا يخفَى أنَّ هذا ليس مبنيًّاً على المنعِ السُّلطانِيِّ، بل هو مَنْعٌ مِن الفقهاءِ، فلا تُسمَعُ
الدَّعوى بعدَهُ وإِنْ أمَرَ السُّلطانُ بسماعِها.
(١) "الفتاوى الخيرية": كتاب الدعوى ٧٠/٢.
(٢) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ٣/٢.
(٣) "البحر": باب التحالف ٢٢٨/٧.
(٤) أي: في "الفوائد الفقهية في الأطراف الحكمية" كما في "البحر".
(٥) لم نعثر على المسألة في مظانّها من في مطبوعة "المبسوط" التي بين أيدينا.
(٦) في "م": ((الفتوى))، والمسألة في "جامع الفتاوى": كتاب أدب القاضي ق ١٣٢/أ.
(٧) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٢/٣ باختصار.
(٨) لم نعثر على النقل في مخطوطة "خلاصة الفتاوى" التي بين أيدينا.
حاشية ابن عابدين
٥١٤
قسم المعاملات
أَمْرُ السُّلطان إنَّما ينفُذُ إذا وافَقَ الشَّرعَ وإلّ فلا،.
مطلبٌ: باعَ عَقاراً وأحدُ أقاربِهِ حاضرٌ لا تُسمَعُ دعواهُ
الثّامنُ: سماعُ الدَّعوى قبلَ مُضيِّ المدَّةِ المحدودةِ مُقَيَّدٌ بما إذا لم يَمنَعْ مِنه مانعٌ آخَرُ يدُلُّ
على عَدَمِ الحَقِّ ظاهراً؛ لِما سيأتي(١) في مسائلَ شتّى آخِرَ الكتابِ: ((مِن أَّه لو باعَ عَقاراً
أو غيرَهُ وامرأْتُهُ أو أحدُ أقارِهِ حاضرٌ يَعلَمُ به، ثُمَّ ادَّعَى ابْنُهُ مثلاً أَنَّه مِلْكُهُ لا تُسمَعُ دعواهُ،
وجُعِلَ سكوتُهُ كالإفصاحِ قَطْعاً للَّزويرِ والخِيّلِ، بخلافِ الأجنبيِّ، فإنَّ سكوتَهُ ولو جارًاً لا يكونُ
رضا إلّ إذا سكَتَ الجارُ وقتَ البَيعِ والتَّسليمِ وتَصَرُّفِ المشتري فيه زَرْعاً وبناءً فلا تُسمَعُ دعواهُ
على ما عليه الفتوى قَطْعاً للأطماعِ الفاسدةِ)) اهـ. وأطالَ في تحقيقِهِ في "الخيريَّةَ"(٢) مِن كتابٍ
الدَّعوى، فقد جعَلُوا مجرَّدَ سكوتِ القريبِ أوِ الرَّوجةِ عندَ البَيعِ مانعاً مِن دعواهُ بلا تقييدٍ
باطّلاعِهِ على تصرُّفِ المشتري كما أطلَقَهُ في "الكنز)"(٢) و"الملتقى(٤)، وأمّا دعوى الأجنبيِّ
ولو جاراً فلا بدَّ في مَنْعِها مِن السُّكوتِ بعدَ الاطّلاعِ على تصرُّفِ المشتري، ولم يُقيِّدوهُ بعدَّةٍ،
وقد أجابَ "المصنّف" في "فتاواه"(٥) فيمَن له بيتٌ يسكنُهُ مدَّةً تزيدُ على ثلاثِ سنينَ ويتصرَّفُ
فيه هَدْماً وعَمارةً مع اطّلاعِ جارِهِ على ذلك: ((بأَنَّه لا تُسمَعُ دعوى الجارِ عليه البيتَ أو بعضَهُ
على ما عليه الفتوى))، وسيأتي(٦) تمامُ الكلامِ على ذلك آخِرَ الكتابِ في مسائلَ شتّى قبيلَ
الفرائضِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، فانظُرهُ هناك فإنَّه مهمٍّ.
مطلبٌ: طاعةُ الإِمامِ واجبةٌ
[٢٦٤٣١] (قولُهُ: أَمْرُ السُّلطانِ إِنَّما ينفُذُ) أي: يُتْبَعُ ولا تَجُوزُ مُخالَفْتُهُ، وسيأتي(٧) قبيلَ
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٣٦٩٨١] قوله: ((باعَ عقَاراً إلخ)).
(٢) "الفتاوى الخيرية": ٤٨/٢.
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": مسائل شتى ٣٦٠/٢.
(٤) "ملتقى الأبحر": مسائل شتى ٣٣٩/٢.
(٥) لم نعثر على المسألة في مظانها من مخطوطة "فتاوى المصنف" التي بين أيدينا.
(٦) انظر "الدر" عند المقولة [٣٦٩٨٩] قوله: ((بخلافِ الأجنبيِّ)).
(٧) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٧٥٠] قوله: ((عَدْلٌ)).
الجزء السادس عشر
٥١٥
فصل في الحبْس
"أشباه"(١) مِن القاعدةِ الخامسةِ وفوائدَ شَّى، فلو أمَرَ قُضاتَهُ بتحليفِ الشُّهودِ وجَبَ
على العلماء أنْ ينصحُوهُ ويقولوا له: لا تُكلِّفْ قُضاتَكَ إلى أمرٍ يلزَمُ مِنه سُخْطُكَ
أو سُخْطُ الخالقِ تعالى.
الشَّهاداتِ عندَ قولِهِ: ((أمَرَكَ قاضٍ بِقَطْعٍ أو رَجْمٍ إلخ)) التَّعليلُ بوجوبِ طاعةٍ وليِّ الأمرِ. وفي
"ط"(٢) عن "الحمَويّ"(٣): ((أَنَّ صاحبَ "البحر "(٤) ذكَرَ ناقلاً عن أثمَّتنا: أنَّ طاعةً الإمامِ في غيرِ
معصيةٍ واجبةٌ(٥))، فلو أمرَ بصومٍ يومٍ وجَبَ اهـ. وقدَّمنا(٦) أنَّ السُّلطانَ لو حكَمَ بينَ الخَصمينِ
بنفُذُ في الأصحّ، وبه يُفتی.
(٢٦٤٣٢) (قولُهُ: يلزَمُ مِنه سُخْطُكَ) أي: إِنْ عَصَوكَ، وسُخْطُ الخالقِ، أي: إنْ أَطاعُوكَ.
اهـ "ح"(٧) عن "الأشباه"(٨). وفي ((سُخْطُ)) ضَمُّ المهملةِ مع سكونِ الخاءِ المعجمةِ وفتحُهما،
ونُقِلَ عن "الصَّيرفَيَّة": ((جوازُ التَّحليفِ))، وهو مُقَيَّدٌ بما إذا رآهُ القاضي جائزاً، أي: بأنْ كان
(قولُهُ: ونُقِلَ عن "الصَّرِفَيَّة" جوازُ التّحليفِ إلخ) مُقْتضى ما في "الصَّرفَيَّة" جوازُ أمرِهِ بالتّحليفِ الكونِهِ
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الأول: القواعد الكلية - النوع الثاني - القاعدة الخامسة: تصرُّفُ الإِمامِ على الرَّعيَّة مَنُوطٌ
بالمصلحة صـ١٣٨ - بتصرف، والفن الثالث - فوائد شتى صـ ٤٦٢ - نقلاً عن "فتاوى قاضيخان".
(٢) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٣/٣.
(٣) "غمز عيون البصائر": الفن الأول: القواعد الكلية - النوع الثاني - القاعدة الخامسة: تصرُّفُ الإِمام على الرَّعَيَّة
مَنُوطٌ بالمصلحة ٣٧٣/١.
(٤) "البحر": كتاب السير - باب البغاة ١٥٢/٥، والمراد بـ: ((أئمتنا)) هنا صاحب "البدائع".
(٥) هنا انتهت عبارة "البحر" كما في مطبوعته.
(٦) المقولة [٢٦٠٣٣] قوله: ((وإنْ تعَيَّنَ له)).
(٧) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٣١٠/أ.
(٨) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٨-، نقلاً عن "فتاوى القاعدي"
و"خزانة المفتين".
حاشية ابن عابدين
٥١٦
قسم المعاملات
قضاءُ الباشا وكتابُهُ إلى القاضي جائزٌ إنْ لم يكنْ قاضٍ مُولَّى مِن السُّلطانِ. الحاكمُ
كالقاضي إلّ في أربعَ عشرة(١) مسألةً ذكَرْناها في "شرح الكنز"، يعني: في (٢) "البحر"(٣).
ذا رأيٍ، أمّا إذا لم يكنْ له رأيٌّ فلا، "ط "(٤) عن "أبي السُّعود". والمرادُ بالرّأيٍ: الاجتهادُ.
[٤٣٣ ٢٦) (قولُهُ: قضاءُ الباشا إلخ) قدَّمنا (٥) الكلامَ عليه قبيلَ قولِ "المصنف": ((لا يُقضَى
على غائبٍ ولا له)).
[٢٦٤٣٤] (قولُهُ: الحاكمُ كالقاضي) في بعضِ النُّسَخِ(٦): ((الْمُحكَّمُ))، وهو الذي في
"البحر"(٧) و"الأشباه"(٨).
[٢٦٤٣٥] (قولُهُ: إلّ في أربعَ عشرَة مسألةٌ) سيأتي(٩) في آخِرِ بابِ الَّحكيمِ: ((أَنَّه في
"البحر" عدَّها سبعَ عشرَة(١٠)))، ويأتي بيانُهُ هناك مع زيادةٍ [٣/ ق٢٢٦/أ] عليها.
[٢٦٤٣٦] (قولُهُ: ذكَرْناها) مِن كلامِ "الأشباه"(١١).
مَحلَّ اجتهادٍ، وإذا كان القاضي مُقَلِّداً لِمَن يَراهُ يُحلِّفُ، لكنْ في "السِّنديِّ" نقلاً عن "الكَردريّ": ((تحليفُ
المُدَّعي والشّاهدِ أمرٌ منسوخٌ باطلٌ، والعملُ به حرامٌ)). وفي "الّهذيبِ": ((وفي زماننا لَمّا تعذّرَتِ التَّزكيةُ بِغَلَّبَةٍ
الفِسقِ اختارَ القُضاةُ استحلافَ الشُّهودِ كما اختارَهُ "ابنُ أبي ليلى"؛ لحصولِ غَلَةِ الظَّنِّ)).
(١) في "د" و"و" و"ب": ((أربعة عشر)) وما أثبتناه من "ط" هو الصواب.
(٢) ((في)) ليست في "د" و"و".
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٧/٧ - ٢٨، والمسائل فيه سبع عشرة وكما ذكر ابن عابدين رحمه الله.
(٤) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٣/٣.
(٥) المقولة [٢٦٣٥٩] قوله: ((قلتُ: وأمَّا الأميرُ إلخ)).
(٦) كما في نسخة "و".
(٧) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم ٢٧/٧.
(٨) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ ٢٧٠-، وعبارته في المطبوعة التي
بين أيدينا: ((الحاكم كالقاضي)).
(٩) صـ ٥٤٥ - "در".
(١٠) في النسخ جميعها: ((سبعة عشر))، وما أثبتناه هو الصواب.
(١١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ ٢٧٠ -.
الجزء السادس عشر
٥١٧
فصل في الحبْس
وفي الفصلِ الأَوَّلِ مِن "جامع الفصولين"(١): ((القاضي بتأخيرِ الحُكمِ يأثَمُ، وَيُعْزَلُ
ويُعَزَّرُ(٢)))). وفي "الأشباه"(٣): ((لا يَجُوزُ للقاضي تأخيرُ الحُكمِ بعدَ وجودِ شرائطِهِ إلّ
في ثلاثٍ: لِيْبةٍ، ولرجاءِ صُلْحِ أقاربَ،
[٢٦٤٣٧] (قولُهُ: ويُعزَلُ) أي: يَستحِقُّ العَزْلَ كما في "الزَّيلعيِّ" (٤).
[مطلبٌ: لا يجوزُ للقاضي تأخيرُ الحُكمِ إلاّ في ثلاثٍ]
[٢٦٤٣٨] (قولُهُ: لرِيْبةٍ) أي: إذا كان له رِيْبٌ في الشُّهودِ، ومِنها: ثلاثةٌ شَهِدُوا عندَهُ، ثمَّ
قال أحدُهم قبلَ القضاءِ: أستغفِرُ اللهَ كَذَبتُ في شهادتي، فَسَمِعَهُ القاضي بلا تعيينِ شَخْصِهِ،
فسألهم فقالوا: كلّنا على شهادتِنا، فإنّه لا يقضي بشهادتِهم، ويُخرِجُهم مِن عندِهِ حتّى ينظُرَ
٥ عد !! (٥)
في ذلك، "بيري"
[٢٦٤٣٩) (قولُهُ: ولرِجاءِ صُلْحِ أقارِبَ) وكذا الأجانبُ؛ لأنَّ القضاءَ يُورِثُ الضَّغينةَ،
فيتحرَّزُ عنه مهما أمكنَ، "ط"(٦) عنِ الشَّيخِ "صالحِ"(٧). وفي "البيريّ(٨) عن "خزانة الأكمل":
((إذا طَمِعَ القاضي في إرضاءِ الخَصمينِ لا بأسَ برَدِّهما(٩)، ولا يُنفّذُ القضاءَ بينَهما لعلَّهما
يصطَلِحانٍ، ولا يُرُدُّهما أكثرَ مِن مرَّتِينِ، وإنْ لم يطمَعْ أَنفَذَ القضاءَ)) اهـ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء ١٣/١.
(٢) في "ب" و"ط": ((ويعزّر ويعزل))، وما أثبتناه من بقية النسخ موافق لما في "جامع الفصولين".
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٦٧ -.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الرجوع عن الشهادة ٢٤٤/٤.
(٥) "عمدة ذوي البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١٣٢/أ بتصرف.
(٦) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢٠٤/٣.
(٧) لعله الشيخ صالح بن المصنف التمرتاشيّ صاحب "زواهر الجواهر" على "الأشباه والنظائر" (ت١٠٥٥ هـ)،
وتقدمت ترجمته ٣٧١/٨.
(٨) "عمدة ذوي البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١٣٢/أ.
(٩) في النسخ جميعها: ((بردهم)) بضمير الجمع، وما أثبتناه هو الأنسب، ومثله في "ط".
حاشية ابن عابدين
٥١٨
قسم المعاملات
وإذا استمهَلَ الْمُدَّعي. لا يَصِحُّ رجوعُهُ عن قضائِهِ إلاّ في ثلاثٍ (١):
٣٤٤/٤
[٢٦٤٤٠] (قولُهُ: وإذا استمهَلَ الْمُدَّعي) أرادَ أنَّ المُدَّعي إذا استمهَلَ مِن القاضي حتى
يُحْضِرَ بِيِّنَةً فإنَّه يُمهِلُهُ، وكذا إذا أقامَ البِّنةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُدَّعَى عليه استمهَلَ مِن القاضي حتّى
يأْتِيَ بالدَّفِعِ فإنّه يُجِيبُهُ، ولا يَعجَلُ بالحُكمِ. اهـ. وهذا بعدَ أنْ يسألَهُ عنِ الدَّفعِ وكان
صحيحاً، فلو فاسداً لا يُمهِلُهُ ولا يَلتَفِتُ إليه كما في "قاضي خان"(٢)، "بيريّ" (٣).
قلتُ: وسيأتي(٤) قبيلَ بابِ دعوى الرَّجلين: ((أَنَّه لو قال الْمُدَّعَى عليه: لي دَفْعٌ يُمْهَلُ
إلى المجلسِ الثّاني))، وزادَ "البيريُّ"(٥) عن "الخلاصة"(٦) مسألةً أُخرَى يُؤخِّرُ فيها: ((إذا لم
يعتمِدْ على فتوى أهلِ مِصْرِهِ، فبعَثَ الفتوى إلى مِصْرٍ آخَرَ لا يأَثَّمُ بتأخيرِ القضاءِ)).
مطلبٌ: لا يَصِحُّ رجوعُ القاضي عن قضائِهِ إلاّ في ثلاثٍ
[٢٦٤٤١] (قولُهُ: لا يَصِحُّ رجوعُهُ عن قضائهِ) فلو قال: رجَعتُ عن قضائي، أو وقَعتُ
في تلبيسِ الشُّهودِ، أو أَبِطَلتُ حُكمي لم يَصِحَّ، والقضاءُ ماضٍ كما في الخانَّة(٧)،
"أشباه"(٨). فَيَّدَ بالرُّجوعِ لأَنَّه لو أنكَرَ القضاءَ وقال الشُّهودُ: قضَى فالقولُ له على المفتى به،
ذكَرَهُ "ابنُ الغَرْس"، وقدَّمنا (٩) أوَّلَ القضاءِ عن "جامع الفصولين" اعتمادَ خلافِهِ في زماننا.
(قولُهُ: أرادَ أنَّ المُدَّعي إذا استمهَلَ مِن القاضي حتّى يُحضِرَ بَيِّنَةً إلخ) صدرُ عبارةٍ "البيريِّ" هكذا: ((قال
"الخَصّافُ": وأجعَلُ لِمَن يطُلُبُ حَقّاً غائباً أو شاهداً أَمَداً ينتهي إليه، أرادَ أنَّ إلخ))، وبهذا يتْضِحُ الحالُ.
(قولُهُ: وزادَ "البيريُّ" عن "الخلاصة" إلخ) لا حاجةً لزيادةِ ما في "الخلاصة"، فإنَّ المرادَ بالرِّيْبةِ ما
يشمَلُ الرِّيْبةَ في الحُكمِ.
(١) انظر "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٨ -.
(٢) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - باب ما يبطل دعوى المدعي قبل القضاء أو بعده ٤٣٧/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "عمدة ذوي البصائر": كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١٣٢/أ بتصرف.
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧٨٨٨] قوله: ((يُمهَلُ إلى المجلِسِ الثّاني)).
(٥) "عمدة ذوي البصائر": كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ق ١٣٢/أ بتصرف.
(٦) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل التاسع في الحبس ق ٢١٠/ب
(٧) لم نعثر على المسألة في مظانّها من في مطبوعة "الخانية" التي بين أيدينا.
(٨) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٨ -.
(٩) المقولة [٢٥٩٣٣] قوله: ((وطريقُ)).