النص المفهرس
صفحات 461-480
الجزء السادس عشر
٤٥٩
فصل في الحبس
((شاهِداكِ زوَّ جاكِ))(١)، وقالا و"زُفَرُ" و"الثَّلاثةُ"(٢): ظاهراً فقط، وعليه الفتوى،
"شُرِ نُلالَيَّة"(٣) عن "البرهان"،
وقولُهُ: ((وبهذا نأْخُذُ) دليلٌ لِمَا حَكَاهُ "الطَّحاويُّ(٤): ((مِن أنَّ قولَ "محمَّدٍ" كقولِ "أبي حنيفةً")).
[٢٦٣٤٢] (قولُهُ: ظاهراً فقط) أي: ينفُذُ ظاهراً لا باطناً، لأنَّ شهادةَ الزُّورِ حُجَّةٌ ظاهراً
الا باطناً، فينفُذُ القضاءُ كذلك؛ لأنَّ القضاءَ ينفُذُ بِقَدْرِ الحُجَّةِ، "درر" (٥).
(٢٦٣٤٣] (قولُهُ: وعليه الفتوى) نقَلَهُ أيضاً في "القُهِستانيِ)"(٦) عن "الحقائق)(٧)، وفي "البحر "(٨)
عن "أبي اللَّيث"، لكنْ قال(٨): ((وفي "الفتح"(٩) مِن النّكاحِ: وقولُ "أبي حنيفةً" هو الوَجْهُ)) اهـ.
(١) قال الجصّاصُ في "أحكام القرآن" ٣١٤/١: ذَكَرَ أبو يوسفَ عن عمرو بنِ أبي المقدامِ عن أبيه: ((أَنَّ رجلاً مِن
الحَيِّ خَطَبَ امرأةً وهو دونَها في الحَسَبِ، فَأَبَتْ أنْ تَزَوَّجَهُ، فادَّعَى أَنَّه تَزَوَّجَها وأقامَ شاهدَينِ عندَ عليٍّ، فقالت:
إنّي لم أتزَوَّجْهُ: قال: قد زَوَّجَكِ الشّاهدانِ، فَأَمضَى عليهما النِّكاحَ)).
قال أبو يوسفَ: وكَتَبَ إلى شعبةَ بنِ الحَجّاجِ يَروِيهِ عن زيدٍ: أنَّ رجلَينِ شَهِدا على رجلٍ أَنَّه طَلَّقَ امرأتَهُ
بزُوْرِ، فَفَرَّقَ القاضي بينَهما ثمَّ تَزَوَّجَها أحدُ الشّاهِدَينِ قال الشَّعبيُّ: ذلك جائزٌ.
وعمرُو بنُ أبي المقدامِ: هو عمرُو بنُ ثابتِ بنِ هُرُمُزَ، رافضيٌّ خبيثٌ يَسُبُّ السَّلَفَ، ولذلك تَرَكَهُ ابنُ المباركِ
والنّسائيُّ، ومع ذلك قال أبو حاتم: ضعيفُ الحديثِ، يُكتَبُ حديثُهُ، كان رديءَ الرّأيِ شديدَ النَّشَيُّعِ، قال
البخاريُّ: ليس بالقويِّ عندَهم. واللَّهُ أَعلَمُ.
أمّا أبوهُ ثابتُ بنُ هُرمُزَ: فتقةٌ، وَتَّقَهُ النَسائِيُّ ويعقوبُ بنُ سفيانَ وابنُ المدينيِّ وأحمدُ بنُ صالحٍ وزادَ: كان
شيخاً عالياً صاحبَ سنّةٍ، سَمِعَ سعيدَ بنَ جبيرٍ وزيدَ بن وهبٍ وحَبّةَ العُرَنِيَّ وطبقتَهم، فلم يكنْ لِيُدرِكَ عليّاً.
(٢) "المغني" كتاب القضاء - فصل: حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته ٥٣٦/١٣ وما بعدها. "نهاية المحتاج": كتاب
القضاء - فصل في آداب القضاء وغيرها ٢٥٨/٨. "بداية المجتهد ونهاية المقتصد": كتاب الأقضية - الباب الثاني في
معرفة ما يقضى به ٤٦١/٢.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب القضاء ٤٠٩/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) لم نعثر على المسألة فيما بين أيدينا من كتب الطحاوي.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤٠٩/٢.
(٦) "جامع الرموز": كتاب القضاء ٢٣٠/٢.
(٧) "حقائق المنظومة": كتاب أدب القاضي ق٧٩/ب.
(٨) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٤/٧.
(٩) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في بيان المحرمات ١٥٦/٣.
حاشية ابن عابدين
٤٦٠
قسم المعاملات
(بخلافِ الأملاكِ المُرسَلَةِ) أي: المطلَقةِ عن ذِكرِ سببِ المِلْكِ فظاهراً فقط إجماعاً؛
لَتَزَاحُمِ الأسبابِ،.
قلتُ: وقد حقَّقَ العلاّمةُ "قاسمٌ" في "رسالته" قولَ "الإِمامِ" بما لا مَزِيدَ عليه، ثمَّ أَورَدَ
عليه إشكالاً وأجابَ عنه، وعليه المتونُ.
[٢٦٣٤٤] (قولُهُ: بخلافِ الأملاكِ المُرسَلَةِ) وهي التي لم يُذكَرْ لها سببٌ مُعَيَّنٌ؛ فإنَّهم
أجمعُوا أَنَّه ينفُذُ فيها ظاهراً لا باطناً؛ لأنَّ المِلكَ لا بدَّ له مِن سببٍ، وليس بعضُ الأسبابِ بأَولى
مِن البعضِ؛ لَتَزَاحُمِها، فلا يمكنُ إثباتُ السَّبَبِ سابقاً على القضاءِ بطريقِ الاقتضاءِ، وفي النّكاحِ
والشّراءِ يتقدّمُ النّكاحُ والشِّراءُ تصحيحاً للقضاءِ، "درر"(١). قال في "البحر"(٢): ((ولو حذَفَ
((الأملاك)) لكان أولى؛ ليشمَلَ ما إذا شَهِدُوا بزُورٍ بِدَيْنٍ لم يُبيِّنُوا سَبِيَهُ، فإنّه لا ينفُذُ، وفي
حُكمِ الْمُرسَلةِ الإِرثُ كما يأتي، وظاهرُ اقتصارِهِ عليها أنَّه لا ينفُذُ باطناً في النَّسبِ إجماعاً كما
في "المحيط" عن بعضِ المشايخِ، ونصَّ "الخَصّافُ"(٣) على أنَّه ينفُذُ عندَ "أبي حنيفةً"، ففيه
روايتانِ عنه، والشَّهادةُ بعِقِ الأَمةِ كالشَّهادةِ بطلاقِ المرأةِ، وينبغي أنْ تكونَ بالوقفِ كالعِتقِ،
ولم أَرَ نقلاً في الشَّهادةِ بأنَّ الوقفَ مِلكٌ، أو بتزويرِ شرائطِ الوقفِ، أو أنَّ الواقفَ أَخرَجَ قُلاناً
وأَدخَلَ فُلاناً زُوراً إذا أَتَّصلَ به القضاء.
٣٣٣/٤
وظاهرُ "الهداية"(٤): أنَّ ما عدا الأملاكَ المُرسَلَ ينفُذُ باطناً، وإذا قُلنا بأنَّ الوقفَ مِن قَبِيلِ
الإسقاطِ فهو كالطَّلاقِ والعتاقِ)) اهـ مُلخَّصاً.
[٢٦٣٤٥] (قولُهُ: فظاهراً فقط إجماعاً) فلا يَحِلُّ للمَقَضِيِّ له الوطُ، والأكلُ، والُّيسُ، وحَلَّ
للمَقْضِيِّ عليه، لكنْ يفعَلُ ذلك سِرّاً، وإلّ فسَّقَهُ الَّاسُ، "بحر "(٥).
(١) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤٠٩/٢.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٥/٧ - ١٦.
(٣) انظر "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب التاسع والأربعون في ما يُحِلُّه قضاء القاضي وما لا يُحِلُّه ١٨٢/٣.
(٤) "الهداية": كتاب النكاح - فصل في بيان المحرمات ١٩٦/١.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٦/٧.
الجزء السادس عشر
٤٦١
فصل في الحبس
حتّى لو ذَكَرا سباً مُعَّناً فعلى الخلافِ: إنْ كان سبباً يُمكِنُ إنشاؤهُ، وإلّ لا ينفُذُ
اتفاقاً كالإرثِ، وكما لو كانتِ المرأةُ مُحرَّمةً بنحوٍ عِدَّةٍ أو رِدَّةٍ، وكما لو عَلِمَ
القاضي بكَذِبِ الشُّهودِ حيثُ لا ينفُذُ أصلاً كالقضاءِ باليمينِ الكاذبةِ، "زيلعيّ"(١)،
ونكاحِ "الفتحِ"(٢).
[ ٢٦٣٤٦) (قولُهُ: إنْ كان سباً يمكنُ إنشاؤهُ) كالبيعِ، والنكاحِ، والإِجارةِ.
[٢٦٣٤٧] (قولُهُ: كالإرثِ) فإنَّه وإنْ كان ملكاً بسببٍ لكِنَّه لا يمكنُ إنشاؤهُ، فلا ينفُذُ
القضاءُ بالشُّهودِ زُوراً فيه باطناً اتّفاقً، "بحر "(٣)، قال(٣): ((وسيأتي الاختلافُ في بابِ اختلافٍ
الشّاهدَينِ في أنّه مُطلقٌ أو بسببٍ، والمشهورُ الأوَّلُ، واختارَ في "الكنز (٤) الّانِيَ)).
[٢٦٣٤٨] (قولُهُ: وكما لو كانتِ المرأةُ مُحرَّمَةً إلخ) هذا مُحترَزُ قولِهِ: ((حيثُ كان المحلُّ
قابلاً)) اهـ "ح"(٥). فإذا ادَّعَى أَنَّها زوجتُهُ، وَأَثْبَتَ ذلك بشهادةِ الزُّورِ وهو [٣/ ٢١٨/ب] يعلَمُ أنّها
مُحرَّمَةٌ عليه بكونِها منكوحةَ الغيرِ أو مُعتدَّتَهُ، أو بكونِها مرتدَّةً فإنَّه لا ينفُذُ باطناً اتفاقاً؛ لأنّه
وإنْ كان المِلكُ بسببٍ لكنْ لا يمكنُ إنشاؤهُ، وأمّا ظاهراً فلا شكَّ في نفاذِهِ كسائرِ الأحكامِ
بشهادةِ الزُّورِ في غيرِ العُقودِ والفُسوخِ، وليس المرادُ بنفاذِهِ ظاهراً حِلَّ الوطءِ له وحِلَّ تمكينِها
مِنه، بل أَمْرُ القاضي لها به، أمّا الحِلُّ فهو فَرْعُ نفاذِهِ باطناً، وبما قرَّرْناهُ ظهَرَ أَنَّ كالإرثِ، فافهمْ.
[٢٦٣٤٩] (قولُهُ: وكما لو عَلِمَ القاضي إلخ) مُحترَزُ قولِهِ: ((والقاضي غيرَ عالمٍ بِزُورِهم)).
والظّاهرُ: أَنَّه هنا لا ينفُذُ ظاهراً كما لا ينفُذُ باطناً؛ لعَدَمٍ شرطِ القضاءِ، وهو الشَّهادةُ
الصّادقةُ في زعمِ القاضي، تأمَّلْ.
[٢٦٣٥٠] (قولُهُ: كالقضاءِ باليمينِ الكاذبةِ) مُحترَزُ قولِ "المتن": ((بشهادةٍ)). قالوا:
(١) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٩٠/٤ - ١٩١ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في بيان المحرمات ١٥٥/٣.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٦/٧.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الشهادات - باب الاختلاف في الشهادة ١٠٩/٢.
(٥) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق٣٠٨/ب.
حاشية ابن عابدين
٤٦٢
قسم المعاملات
لوِ الدَّعَت أنَّ زوجَها أبانَها بثلاثٍ فأنكَرَ، فحلَّفَهُ القاضي فحَلَفَ والمرأةُ تعلَمُ أنَّ الأمرَ كما
قالت لا يَسَعُها المقامُ معه، ولا أنْ تأخُذَ مِن ميراثِهِ شيئاً، وهذا لا يُشكِلُ إذا كان ثلاثاً؛ لِبُطلان
الَحِلِيَّةِ للإنشاءِ قبلَ زوجٍ آخَرَ، وفيما دونَ الثَّلاثِ مُشكِلٌ؛ لأَنَّ يقبلُ الإنشاءَ. وأُجيبَ: بأَنَّه
إنَّما يثبتُ إذا قضَى القاضي بالنِّكاحِ، وهنا لم يَقْضِ به؛ لاعترافِهما به، وإنَّما ادَّعَتِ الفُرقةَ،
"زيلعيّ"(١). وفي "الخلاصة"(٢): ((ولا يَحِلُّ وطؤها إجماعاً))، "بحر "(٣).
قلتُ: والظّاهرُ أنَّ عَدَمَ النَّاذِ هنا في الباطنِ فقط، تأمَّلْ.
مطلبٌ مهمٌّ: المقضِيُّ له أو عليه يَتْبِعُ رأيَ القاضي وإِنْ خَالَفَ رَأيَهُ
أشارَ "المصنّف" إلى أنَّ قضاءَ القاضي يُحِلُّ ما كان حراماً في مُعتقَدِ المَقضِيِّ له، ولذا قال في
"الولوالحيَّة"(٤): ((ولو قال لها: أنت طالقٌ البتّةَ، فخاصَمَها إلى قاضٍ يَراها رجعيَّةً بعدَ الدُّخولِ،
(تنبيةٌ)
(قولُهُ: تنبيهٌ أشارَ "المصنّف" إلى أنَّ قضاءَ القاضي إلخ) ما في هذا التّنبيهِ يَحتاجُ لتحريرِ، والذي في
"الخلاصة" مِن الفصلِ الرّابعِ مِن القضاءِ: ((رجلٌ قال لامرأتِهِ: أنت طالقٌ ألبَّةَ، ونوى واحدةً بائنةً أو رجعيَّةً،
فقضَى القاضي بكونِها ثلاثاً أَخْذَاً بقولِ "عليِّ" رضي الله عنه نفَذَ القضاءُ ظاهراً وباطناً، وبعدَ ذلك: إنْ كان
الزَّوجُ فقيهاً مُجتهدً يَتَّبِعُ رأيَ القاضي عندَ "محمَّدٍ"، وعندَ "أبي يوسف": إنْ كان مَقْضِيّاً عليه يَتَِّعُ رأيَ
القاضي، وإنْ كان مَقضِيّاً له يَتَِّعُ أشدَّ الأمرينِ، حتّى لو قضَى له بالرَّجعةِ وهو يعتقِدُها بائناً يأخُذُ بالبائنِ،
وإنْ كان عامّاً واستفتَى فما أفتاهُ المفتي صار عندَهُ كالثّابتِ بالاجتهادٍ، وإنْ كان لا رأيَ له في تقديمِ بعضِ
الفقهاءِ ولم يستَغْتِ يأخُذُ بما قَضَى)) اهـ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٩١/٤ بتصرف.
(٢) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الرابع في القضاء بعلم القاضي ق ٢٠١/أ.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٥/٧.
(٤) "الولوالجية": كتاب القضاء - الفصل الأول فيما ينفذ قضاء القاضي وفيما لا ينفذ ١٥/٤.
الجزء السادس عشر
٤٦٣
فصل في الحبس
(قضَى في مُجتهَدٍ فيه بخلافِ رأيهِ)
فقضَى بكونِها رجعيَّةً، والزَّوجُ يَرى أَنَّها بائنةٌ أو ثلاثٌ فِنَّه يَتَّبِعُ رأيَ القاضي عندَ "محمَّدٍ"، فَيَحِلُّ
له المقامُ معها، وقيل: إنَّه قولُ "أبي حنيفةً"، وعلى قولِ "أبي يوسف" لا يَحِلُّ، وإنْ رُفِعَ إلى قاضٍ
آخَرَ لا يَنقُضُهُ وإنْ كان خلافَ رأيهِ، وهذا إذا قضَى له، فإنْ قضَى عليه بالبينونةِ أوِ الثَّلاثِ والزَّوجُ
لا يَراهُ يَتَّبِعُ رَأيَ القاضي إجماعاً، وهذا كُلُه إذا كان الزَّوجُ له رأيٌّ واجتهادٌ، فلو عامِياً اتَبَعَ رأيَ
القاضي، سواءٌ قضَى له أو عليه، هذا إذا قضَى، أمّا إذا أفْتَى له فهو على الاختلافِ السّابقِ؛ لأنَّ
قولَ المفتي في حَقِّ الجاهلِ بمنزلةِ رأيهِ واجتهادِهِ)) اهـ "بحر"(١).
قلتُ: وقولُهُ: ((فلو عامّاً))، المرادُ به غيرُ المجتهدِ بدليلِ المقابلةِ، فيشمَلُ العالمَ والجاهلَ، تأمَّلْ.
قال في "الفتح"(٢): ((والوجهُ عندي قولُ "محمَّدٍ"؛ لأنَّ اتّصالَ القضاءِ بالاجتهادِ الكائنِ
للقاضي يُرجِّحُهُ على اجتهادِ الزَّوجِ، والأَخْذُ بالرّاجحِ مُتَعِيِّنٌ، وكونُهُ لا يَراهُ حلالاً إنَّما
يَمْنَعُهُ(٣) مِن القُربانِ قبلَ القضاءِ، أمّا بعدَهُ وبعدَ نفاذِهِ باطناً فلا)) اهـ.
مطلبٌ في قضاءِ القاضي بغيرِ مذهبِهِ
[٢٦٣٥١] (قولُهُ: قضَى في مُحتهَدٍ فيه) أي: في أمرٍ يسوغُ الاجتهادُ فيه، بأنْ لم يكنْ مُخالِفاً
ثُمَّ رأيتُ عبارةً "الولوالحيَّة" مِن الفصلِ الأَوَّلِ بقولِهِ: ((القاضي إذا قَضَى في فصلٍ مُجتَهَدٍ فيه: إِنْ
كان القضاءُ عليه ينفُذُ، سواءٌ كان المقضِيُّ عليه جاهلاً أو عالماً له رأيٌّ بخلافِهِ، وإنْ قضَى له: إنْ كان
المَقَضِيُّ له جاهلاً لا رأيَ له ينفُذُ القضاءُ، وإنْ عالمً له رأيٌّ بخلافِهِ عندَ "أبي يوسفَ" لا ينفُذُ، وعندَ "آبي
حنيفةً" و"محمَّدٍ" ينغُذُ؛ لِما ذَكَرْنا قبلَ هذا، فإنْ كان المَقَضِيُّ له جاهلاً لكنِ استفَتَى فَأَقْتَى له مُفْتٍ (٤) هو
أَفْقَهُ وَأَعلَمُ مِن القاضي فهذه المسألةُ أيضاً على الاختلافِ؛ لأنَّ الفتوى في حَقِّ الجاهلِ بمنزلةِ رأيهِ واجتهادِهِ،
فصار هذا عَيْنَ تلك المسألةِ، وثَمَّةَ على الاختلافِ فكذا هذا)) اهـ. وبهذا يتْضِحُ الحالُ، ويُعلَمُ المرادُ بعبارةِ
"الولو الجَّة" التي نقَلَها في "البحر".
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٦/٧.
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٤٠٠/٦.
(٣) في "م": ((يمنع)).
(٤) في مطبوعة "التقريرات": ((مف))، وهو خطأ.
حاشية ابن عابدين
٤٦٤
قسم المعاملات
أي: مذهبهِ،
الدليلٍ كما مرَّ(١) بيانُهُ. وقولُهُ: ((بخلافِ رأيِهِ)) مُتَعلّقٌ بـ ((قضَى)).
وحاصلُ هذه المسألةِ: أَنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ القضاءِ أنْ يكونَ مُوافِقاً لرأيهِ، أي: لمذهبهِ، مُجتهداً
كان أو مُقدِّداً، فلو قضَى بخلافِهِ لا ينفُذُ، لكنْ في "البدائع"(٢): ((أَنَّه إذا كان مُحتهداً ينبغي أنْ
يَصِحَّ، ويُحمَلُ على أنّه اجتهَدَ فأدّاهُ اجتهادُهُ إلى مذهبِ الغيرِ))، ويُؤَيِّدُهُ ما قدَّمناهُ(٣) عن رسالة
العلاّمةِ "قاسمٍ" مُستدِلاً بما في "السِّير الكبير"، فراجعْهُ، وبه يندَفِعُ تعجُّبُ صاحبِ "البحر "(٤)
مِن صاحبِ "البدائع".
واعلَم أنَّ هذه المسألةَ غيرُ مسألةِ اشتراطِ كونِ القاضي عالمً بالخلافِ كما نَّهْنا عليه سابقاً(٥).
مطلبٌ: حُكُمُ الحنفيِّ بمذهبِ "أبي يوسفَ" أو "محمَّدٍ" حُكمٌ بمذهبِهِ
[٢٦٣٥٢] (قولُهُ: أي: مذهبِهِ) أي: أصلِ المذهبِ كالحنفيِّ إذا حكَمَ على مذهبِ "الشّافعيِّ
(قولُهُ: أي: أصلِ المذهبِ كالحنفيِّ) ما ذكَرَهُ في "الدُّرر" إحدى طريقتينٍ، ففي "أدب المفتي" للسَّيِّدِ
"محمَّد صدِّيق حسن خان" ما نصُّهُ: ((وقد اختَلَفَ الحنفيَّةُ في "أبي يوسف" و"محمَّدٍ" و"ُفَرَ بنِ الهذيلِ"،
والشّافعيَّةُ في "المزنيّ" و "ابنِ شُرِيحٍ"(٦) و"ابنِ المنذرِ" و"محمَّدِ بنِ نصرِ الَرْوزيّ"، والمالكِيَّةُ في "أشهَبَ بنِ عبدِ
الحكيمِ"(٧) و"ابنِ القاسمِ" و"وهبٍ"، والحنابلةُ في "بي حامدٍ" و"القاضي"، هل كان هؤلاء مُستقلِينَ(٨)
بالاجتهادِ أو مُقْتدين بمذاهبِ أئمَّتِهِم؟ على قولينِ، ومَن تأمَّلَ أحوالَ هؤلاءِ وفتاواهم واختياراتِهِم عَلِمَ أَنَّهم لم
يكونوا مُقَلِّدين لأئمَّتِهم في كلِّ ما قالوهُ، وخلافُهم لهم أظهَرُ مِن أنْ يُنكَرَ وإنْ كان مِنهم المستقِلُّ والمستكثِرُ،
ورُتَبةُ هؤلاء دونَ الأئمَّةِ في الاستقلالِ بالاجتهادٍ)).
(١) صـ ٤٣١ - "در".
(٢) "البدائع": كتاب آداب القاضي - فصل: وأما شرائط القضاء فأنواع أربعة ٥/٧.
(٣) المقولة [٢٦٢٨١] قوله: ((عالِماً باختلافِ الفقهاءِ فيه إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٩/٧.
(٥) المقولة [٢٦٢٨١] قوله: ((عالِماً باختلافِ الفقهاءِ فيه إلخ)).
(٦) لم نجد في فقهاء الشافعية من عرف بابن شريح، ولعله تحريف عن ابن سريج، انظر "طبقات الشافعية": ٢١/٢.
(٧) لعل صواب العبارة: أشهب وابن عبد الحكم، فقيهان مالكيان مشهوران، الأول: أشهب بن عبد العزيز (ت٢٠٤هـ)
والثاني: عبد الله بن الحكم (وليس الحكيم) (ت٢١٤ هـ) انظر "شجرة النور الزكية" صـ ٥٩ -.
(٨) في مطبوعة "التقريرات": ((مستلقين))، وهو خطأ.
الجزء السادس عشر
٤٦٥
فصل في الحبْس
"مجمع" و"ابن كمالٍ" (لا ينفُذُ مُطلقاً) ناسياً أو عامداً عندَهما والأئمَّةِ الثّلاثة، (وبه
يفتى)، "مجمع" و"وقاية"(١) و"ملتقى"(٢)، وقيل: بالنَّفاذِ يفتى.
أو نحوِهِ، أو بالعكسِ، وأمّا إذا حكَمَ الحنفيُّ بمذهبِ "أبي يوسف" أو "محمَّدٍ" أو نحوِهما مِن
أصحابِ "الإِمامِ " فليس حُكماً بخلافِ رأيهِ، "درر"(٣)، أي: لأنَّ أصحابَ "الإِمامِ" ما قالوا بقولٍ
إلّ قد قال به "الإِمامُ" كما أوضحتُ ذلك في "شرح منظومتي" في "رسم المفتي"(٤) عندَ قولي فيها:
جاءت رواياتٌ غدَتْ مُنیفهْ
واعلَمْ بأنَّ عن أبي حنيفه
يختارُ مِنه سائرُ الرِّفاق(٥) [٣/ ق ٢١٩ /١]
اختارَ مِنها بعضَها والباقي
كما عليه أقسَمَ (٦) الأصحابُ
فلم يكنْ لغيرِهِ جوابُ
[٢٦٣٥٣] (قولُهُ: و"ابن كمالٍ") قال في "شرحه": ((لم يقُلْ: بخلافِ رأيهِ لإيهامِهِ أنْ
يكونَ الكلامُ في المجتهدِ خاصَّةً، وليس كذلك)).
[٢٦٣٥٤] (قولُهُ: لا ينفُذُ مُطلقاً إلخ) قال في "الفتح"(٧): ((لو قضَى في المجتهَدِ فيه ناسياً(٨)
لمذهبهِ مُخالِفاً لرأيهِ نفَذَ عندَ "أبي حنيفةً" روايةً واحدةً، وإنْ كان عامداً ففيه روايتان، وعندَهما: لا
ينفُذُ في الوجهينِ، أي: وجهَيِ النّسيانِ والعَمدِ، والفتوى على قولِهما، وذكَرَ في "الفتاوى الصُّغْرى":
٣٣٤/٤
(١) انظر "شرح الوقاية": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٦٩/٢ (هامش "كشف الحقائق").
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب القضاء - فصل: ويجوز قضاء المرأة ٧٦/٢.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤١٠/٢.
(٤) "شرح منظومة رسم المفتي": ٢٤/١ (ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين").
(٥) في "الأصل": ((الآفاق))، وما أثبتناه من بقية النسخ موافق لما في "رسالة ابن عابدين" رحمه الله.
(٦) في "الأصل" و"ب": ((قد أقسم))، وما أثبتناه من "آ" و"م" هو الصواب الموافق لما في رسالة ابن عابدين رحمه الله؛
ليصحَّ الوزنُ كما لا يخفى، وقد أشار إلى ذلك مصحِّح "ب".
(٧) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٣٩٦/٦ - ٣٩٧ بتصرف.
(٨) في "م": ((ناسباً)) بالباء الموحدة، وهو خطأ.
حاشية ابن عابدين
٤٦٦
قسم المعاملات
وفي "شرح الوهبائَّة" لـ "الشُّرِنُبُلاليِّ": ((قضَى مَن ليس مُجتهداً كحنفيَّةِ زمانِنا،
أنَّ الفتوى على قولِهِ، فقدِ اختُلِفَ في الفتوى، والوجهُ في هذا الزَّمانِ أنْ يفتى بقولِهما؛ لأنَّ
التّاركَ لمذهبِهِ عَمْداً لا يفعلُهُ إلّ لهوَّى باطلٍ لا لقصدٍ جميلٍ، وأمّا الناسي فلأنَّ المقلِّدَ ما قَلَّدَهُ إلّ
ليحكُمَ بمذهبِهِ لا بمذهبٍ غيرِهٍ، هذا كُلُّه في القاضي المجتهدِ، فأمّا المقلِّدُ فإنَّما ولآّهُ ليحكُمَ
بمذهبِ "أبي حنيفةً" فلا يَمِلِكُ المخالفةَ، فيكونُ معزولاً بالنسبةِ إلى ذلك الحُكمِ)) اهـ. قال في
"الشُّرْ تُبُلَالَّة"(١) عن "البرهان": ((وهذا صريحُ الحَقِّ الذي يُعَضُّ عليه بالنَّواجذِ)) اهـ. وقال في
"النّهر "(٢): ((وادَّعَى في "البحر "(٣) أنَّ المُقُلِّدَ إذا قضَى بمذهبٍ غيرِهِ، أو بروايةٍ ضعيفةٍ، أو بقولٍ
ضعيفٍ نَفَذَ، وأقوى ما تَمسَّكَ به ما في "البزّازِيَّة"(٤): إذا لم يكنِ القاضي مجتهداً وقضَى
بالفتوى على خلافٍ مذهبِهِ نفَذَ، وليس لغيرِهِ نَقْضُهُ، وله نَقْضُهُ، كذا عن "محمَّدٍ"، وقال
"الثّاني": ليس له نَقْضُهُ. اهـ. وما في "الفتح" يَجِبُ أنْ يُعوَّلَ عليه في المذهبِ، وما في "البزّازِيَّة"
محمولٌ على روايةٍ عنهما؛ إذ تُصارى الأمرِ أنَّ هذا مُنزَّلٌ منزلةَ النّاسي لمذهبِهِ، وقد مرَّ(٥) عنهما
في المُحتَهدِ أَنَّه لا ينفُذُ، فالمقلّدُ أَولى)) اهـ ما في "النَّهر"، ويأتي قريباً(٦) ما يُؤْيِّدُهُ.
[٢٦٣٥٥] (قولُهُ: مَن ليس مُحتهداً) وكذا المُحتَهِدُ كما مرَّ(٧) في كلامٍ "الفتح".
(قولُهُ: وكذا المُحَتَهِدُ كما مرَّ في كلامِ "الفتح") ليس كذلك، بلِ المُحتَهِدُ مَحلُّ خلافٍ، فصحَّت
حكايةُ الاتّفاقِ والنَّقييدِ بغيرِ الْمُجَتَهِدِ، إلّ أنَّ كونَهُ مَحلَّ خلافٍ على إحدى روايتينٍ، والرِّوايتانِ عن
"الإِمام" في المُحَتَهِدِ خاصَّةً، هذا ما يُفيدُهُ كلامُ "الفتح". ومُقتضى ما في "الوهبائَّة" جرَيانُ الخلافِ في
المقلّدِ أيضاً، إلاّ أنَّ المعتمَدَ ما في "الفتح".
(١) "الشرنبلالية": كتاب القضاء ٤١٠/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٤٣٤ /ب ـ ٤٣٥/أ.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٩/٧.
(٤) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الرابع فيما يتعلق بقضائه إلخ - نوع في علمه ١٦٧/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) في هذه المقولة.
(٦) المقولة [٢٦٣٥٧] قوله: ((لكونِهِ معزولاً عنه)).
(٧) المقولة [٢٦٣٥٤] قوله: ((لا ينفُذُ مُطلقاً إلخ)).
الجزء السادس عشر
٤٦٧
فصل في الحَبْس
بخلافِ مذهبهِ عامداً لا ينفُذُ اتفاقاً، وكذا ناسياً عندَهما، ولو قَّدَهُ السُّلطانُ بصحيحِ
مذهبهِ کزماننا تقيّدَ بلا خلافٍ؛ لکونِهِ معزولاً عنه)) انتھی.
[٢٦٣٥٦] (قولُهُ: لا ينفُذُ اتّفاقاً) هذا مبنيٌّ على إحدى الرِّوايتينِ عن "الإمامِ" في العامدِ،
أمّا على روايةِ النَّماذِ فلا تَصِحُّ حكايةُ الاتّفاقِ.
مطلبٌ: الحُكمُ والفتوى بما هو مرجوحٌ خلافُ الإجماعِ
[٢٦٣٥٧] (قولُهُ: لكونِهِ معزولاً عنه) أي: عن غيرِ ما قُيِّدَ به. قال "الشُّر نُبُلاليُّ" في
"شرح الوهبانيَّة": ((مَحِلُّ الخلافِ فيما إذا لم يُقَيِّدْ عليه السُّلطانُ القضاءَ بصحيحٍ مذهبِهِ،
وإلّ فلا خلافَ فِي عَدَمِ صِحَّةٍ حُكمِهِ بخلافِهِ؛ لكونِهِ معزولاً عنه)) اه "ح"(١).
قلتُ: وتقييدُ السُّلطانِ له بذلك غيرُ قيدٍ؛ لِما قالَهُ العلاّمةُ "قاسمٌ" في "تصحيحه"(٢): ((مِن
أنَّ الحُكمَ والفتوى بما هو مرجوحٌ خلافُ الإجماعِ)) اهـ. وقال العلاّمةُ "قاسمٌ" في "فتاواه":
((وليس للقاضي المقلِّدِ أنْ يُحِكُمَ بالضَّعيفِ؛ لأَنَّ ليس مِن أهلِ الّرجيحِ، فلا يعدِلُ عن الصَّحيحِ
إلّ لقصدٍ غيرٍ جميلٍ، ولو حكَمَ لا ينفُذُ؛ لأنَّ قضاءَهُ قضاء بغيرِ الحَقِّ؛ لأنَّ الحَقَّ هو الصَّحِيحُ،
وما وقَعَ مِن أنَّ القولَ الضَّعيفَ يتقوَّى بالقضاءِ المرادُ به قضاءُ المجتهدِ كما بُيِّنَ في موضعِهِ)) اهـ.
وقال "ابنُ الغَرْس": ((وأَمّا المُقُلِّدُ المحضُ فلا يقضي إلّ بما عليه العملُ والفتوى)) اهـ.
وقال صاحبُ "البحر" في بعضِ رسائِهِ(٣): ((أَمّا القاضي المُقُلِّدُ فليس له الحُكمُ إلّ بالصَّحيحِ
المفتى به في مذهبِهِ، ولا ينفُذُ قضاؤهُ بالقولِ الضَّعيفِ)) اهـ. ومثلُهُ ما قدَّمَهُ "الشّارِحُ"(٤) أوَّلَ كتابٍ
القضاءِ، وقال: ((وهو المختارُ للفتوى كما بسَطَهُ "المصنّفُ" في "فتاويه" وغيرُهُ))، وكذا ما
نقَلَهُ بعدَ أسطُرٍ (٥) عن "الملتقط ".
(١) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق٣٠٨/ب.
(٢) "التصحيح والترجيح": مقدمة المؤلف صـ ١٥٢ -.
(٣) وهي الرسالة التاسعة: "تحرير المقال في مسألة الاستبدال": ضـ٩٢ - بتصرف، نقلاً عن "فتاوى العلامة قاسم".
(٤) صـ ٢٧٨ - "در".
(٥) أي: بعد أسطر مّا قَدّمه من قوله: ((هو المختارُ للفتوى إلخ)) ص ٢٧٩ - ٢٨٠ - "در".
حاشية ابن عابدين
٤٦٨
قسم المعاملات
وقد غَيَّرتُ بيتَ "الوهبانَّة"، فقلتُ: [الطويل]
لمذهبهِ ما صحَّ أصلاً يُسطّرُ.
ولو حكَمَ القاضي بحُكمٍ مُخالِفٍ
قلتُ: وأمّا الأميرُ(١).
[٢٦٣٥٨] (قولُهُ: وقد غيّرتُ بيتَ "الوهبانيَّة") وهو: [الطويل]
مُقَلَّدَهُ ما صحَّ إن كان يَذِكُرُ
ولو حكَمَ القاضي بحُكمٍ مُخالفٍ
عن الصَّدرِ لا عن صاحبيه يُصدَّرُ (٢)
وبعضُهمُ إنْ كان سهواً أجازَهُ
وقد أفادَ كلامُ "الوهبانيَّة" الخلافَ فيما إذا قضَى به ساهياً، أي: ناسياً مذهبَهُ، وأَنَّه
لا خلافَ فيما إذا كان ذاكِراً، وهذا على إحدى الرِّوايتينِ عن "الإمامِ" كما عَلِمتَ، ولَمّا
كان المعتمَدُ المفتى به ما ذكَرَهُ [٣/ ق٢١٩/ ب] "المصنّف" في "المستن": ((مِن عَدَمِ النَّاذِ أصلاً))،
أي: ذاكِراً أو ناسياً غيَّرَ "الشّارحُ" عبارةَ النَّظمِ جازماً بما هو المعتمَدُ، فافهمْ. لكنَّ الأَولى
- كما قال "السّائحانيُّ" - تغييرُ الشَّطرِ الثّاني هكذا:
المعتمَدٍ في رأيهِ فَهْو مُهدَرُ
مطلبٌ فِي أَمْرِ الأميرِ وقضائهِ
[٢٦٣٥٩] (قولُهُ: قلتُ: وأمّا الأميرُ إلخ) الذي رأيتُهُ في سير "الَّار خانَّة"(٣): ((قال "محمَّدٌ":
وإذا أمَرَ الأميرُ العسكَرَ بشيءٍ كان على العسكرِ أنْ يُطِيعُوهُ إلّ أنْ يكونَ المأمورُ به معصيةً)) اهـ.
فقولُ "الشّارحِ": ((نَفَذَ أَمْرُهُ)) بمعنى: وحَبَ امتثالُ، تأمَّلْ. وقدَّمنا(٤) أنَّ السُّلطانَ لو حكَمَ
(قوله: أي: ذاكراً أو ناسياً) مُقّداً أو مُجتهداً.
(قولُهُ: لكنَّ الأَولى تغييرُ الشَّطرِ الثّاني إلخ) لِيُفيدَ عَدَمَ النَّفاذِ أيضاً إذا قضَى بروايةٍ ضعيفةٍ في مذهبهِ.
(١) في "د" و"و": ((وأما أمر الأمير))، وما أثبتناه من "ب" و"ط" هو الموافقُ لنسخ الحاشية التي بين أيدينا.
(٢) "المنظومة الوهبانية": فصل من كتاب أدب القاضي صـ ٥٧ - (هامش "المنظومة المحبية").
(٣) "التاتر خانية": كتاب السير - الفصل العاشر في بيان ما يجب من طاعة الأمير ومالا يجب ٢٥٢/٥.
(٤) المقولة [٢٦٠٣٣] قوله: ((وإنْ تعَيَّنَ له)).
الجزء السادس عشر
٤٦٩
فصل في الحبْس
فمتى صادَفَ فصلاً مُحتهَداً فيه نفَذَ أَمْرُهُ، كما قدّمناهُ عن سير "الَّتار خانيَّة"(١) وغيرِها،
فليُحفَظْ. (ولا يُقضَى على غائبٍ ولا له)
بينَ اثنين فالصَّحيحُ نفاذُهُ، وفي "البحر"(٢): ((إذا كان القضاءُ مِن الأصلِ وماتَ القاضي ليس
للأميرِ أنْ يَنصِبَ قاضياً وإنْ وُلِّيَ عُشْرَها وخَراجَها، وإِنْ حَكَمَ الأميرُ لم يَحُزْ حُكمُهُ إلخ)).
وفي "الأشباه"(٣): ((قضاءُ الأميرِ جائزٌ مع وجودِ قاضي البلدِ، إلّ أنْ يكونَ القاضي مُولَّى
مِن الخليفةِ، كذا في "الملتقط"(٤))) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ السُّلطانَ إذا نَصَبَ في البلدةِ أميراً وفوَّضَ إليه أَمْرَ الدِّينِ والدُّنيا صحَّ قضاؤهُ،
وأمّا إذا نَصَبَ معه قاضياً فلا؛ لأَنَّه جعَلَ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ للقاضي لا للأميرِ، وهذا هو الواقعُ في
زمانِنا، ولذا قال في "البحر"(٥) أوَّلَ كتابِ القضاءِ: ((سُئِلتُ عن توليةِ الباشاه(٦) بالقاهرةِ قاضياً
لِيَحْكُمَ في حادثةٍ خاصَّةٍ مع وجودٍ قاضيها المُولَّى مِن السُّلطانِ، فأجبتُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ؛ لأَنَّه لم
يُفَوَّضْ إليه تقليدُ القضاءِ، ولذا لو حكَمَ بنفسِهِ لم يَصِحّ)) اهـ.
[٢٦٣٦٠] (قولُهُ: كما قدَّمِناهُ) أي: في أوَّلِ الكتابِ في بحثِ رسمِ المفتي(٧).
مطلبٌ في القضاءِ على الغائبِ
[٢٦٣٦١] (قولُهُ: ولا يُقضَى على غائبٍ) أي: بالبِّنَةِ، سواءٌ كان غائباً وقتَ الشَّهادةِ أو بعدَها
وبعدَ الَّزكيةِ، وسواءٌ كان غائباً عنِ المجلسِ أو عنِ البلدِ، وأمّا إذا أقرَّ عندَ القاضي فيقضي
عليه وهو غائبٌ؛ لأنَّ له أنْ يطعُنَ في البِّنةِ دونَ الإقرارِ؛ ولأنَّ القضاءَ بالإقرارِ قضاءُ إعانةٍ،
(١) في هامش "د": ((كما قدَّمناه في رسم المفتي أول الكتاب عن سير "التتار خانية")).
(٢) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٢٩٥/٦.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ ٢٧٠ -.
(٤) "الملتقط": كتاب الدعوى - مطلب: موت السلطان أو عزله لا يكون عزلاً لقاضيه ــ وفيه قضاء الأمير صـ٣٩٨ -.
(٥) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٣/٦.
(٦) في "آ" و"م": ((الباشا)).
(٧) ٢٥٠/١ "در".
حاشية ابن عابدين
٤٧٠
قسم المعاملات
٣٣٥/٤
وإذا أنفَذَ القاضي إقرارَهُ سَلَّمَ إلى المُدَّعي حَقَّهُ عَيْناً كان، أو دَيْناً، أو عقاراً، إلّ أَنَّه في الدَّينِ
يُسلِّمُ إليه جنسَ حَقِّهِ إذا وُجِدَ في يدِ مَن يكونُ مُقِرّاً بأَنَّه مالُ الغائبِ المقِرِّ، ولا يبيعُ في ذلك
العَرْضَ والعَقارَ؛ لأنَّ البَيعَ قضاءٌ على الغائبِ فلا يَجُوزُ، "بحر"(١) عن "شرح الزِّيادات"
لـ "العَّبِيِّ"(٢)، لكنْ في الخامسِ مِن "جامع الفصولين"(٣) عن "الخانَيَّة"(٤): ((غابَ المُدَّعَى
عليه بعدَما بَرهَنَ عليه، أو غابَ الوكيلُ بعدَ قَبُولِ البِّنَةِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ، أو ماتَ الوكيلُ، ثُمَّ
عُدِّلَت تلك البَِّةُ لا يُحكَمُ بها، وقال "أبو يوسفَ": يُحكَمُ، وهذا أَرْفَقُ بِالنّاسِ(٥). ولو
بَرِهَنَ على الموكِّلِ فغابَ، ثُمَّ حضَرَ وكيلُهُ، أو على الوكيلِ، ثمَّ حضَرَ مُوكّلُهُ يقضي بتلك
البِّنةِ، وكذا يقضي على الوارثِ بِّنةٍ قامَت على مُورِّثِهِ)).
(قولُهُ: وقال "أبو يوسفَ": يُحْكَمُ، وهذا أَرْفَقُ بالنّاسِ) كذلك اختارَهُ "الخَصّافُ" على ما ذكَرَهُ
في "شرح الوهبانيّة"، لكنْ ما ذكَرَهُ "الزَّيلعيُّ" يدُلُّ على ترجيحِ أَنَّه لا يقضي على الغائبِ في هذه
الصُّورةِ، حيثُ ذكَرَ القولينِ واقتصَرَ فِي التَّعليلِ لأَصلِ المذهبِ على ما ذكَرُوهُ في رسمِ المفتي مِن ترجيحِ
القولِ المعلَّلِ على غيرِهِ، وكذا ما ذكَرَهُ في "العناية"، حيثُ قال: ((وكذلك لا يقضي القاضي في غَيْتِهِ
إذا أنكَرَ وسُمِعَتِ البِّئَةُ ثمَّ غابَ قبلَ القضاءِ؛ لأنَّالشَّرِطَ قيامُ الإنكارِ وقتَ القضاءِ؛ لأَنَّ الِّنَةَ إِنَّما تصيرُ
حُجَّةً بالقضاءِ، وفيه خلافُ "أبي يوسف"، فإنَّه يقول: الشَّرطُ الإصرارُ على الإنكارِ إلى وقتِ القضاءِ، وهو ثابتٌ
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨/٧.
(٢) شرح أبي نصر - ويقال: أبو القاسم - أحمد بن محمد بن عمر، زين الدين العَتّابيّ البخاريّ (ت٥٨٦هـ) على
"الزيادات" للإمام محمد. ("كشف الظنون" ٩٦٣/١، "الجواهر المضية" ٢٩٨/١).
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الخامس في القضاء على الغائب والقضاء الذي يتعدى إلى غير المقضي عليه ٤٧/١ بتصرف.
(٤) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - فصل فيما يستحق على القاضي إلخ ٣٦٧/٢ بتصرف نقلاً عن الخصاف
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) قوله: ((وهذا أرفق بالناس)) من كلام شمس الأئمة الحلواني، كما في "الخانية".
الجزء السادس عشر
٤٧١
فصل في الحبْس
أي: لا يَصِحُّ، بل ولا ينفُذُ على المفتى به، "بحر".
[٢٦٣٦٢) (قولُهُ: أي: لا يَصِحُّ) لِما في "الفتح"(١): ((مِن أنَّ حضرةَ الخصمِ لَيَتحقَّقَ
إنكارُهُ شرطٌ لصحَّةِ الحُكمِ))، "بحر"(٢).
[٢٦٣٦٣] (قولُهُ: بل ولا ينفُذُ) هذه العبارةُ غيرُ مُحرَّةٍ(٣)؛ لأنَّ نفيَ الصِّحَّةِ يستلزِمُ نفي النَّهَاذِ،
بالاستصحابِ، وأُجيبَ بأنَّ الاستصحابَ يصلُحُ الدَّفِعِ لا للإثباتِ)) اهـ. فإنّه يُفيدُ ضَعْفَ ما عن "أبي يوسف"
لِضَعْفِ دليلِهِ، وأصلُهُ لـ "قاضيحان" في "شرح الزِّيادات" مِن البابِ الثّاني مِن كتابِ الدَّعوى، حيثُ قال: ((وإِنْ
غابَ المُدَّعَى عليه بعدَمَا جحَدَ، وَأُقيمَت عليه البيّنةُ ثُمَّ عُدَّلَت لا يقضي عليه حالَ غَيْتِهِ، وعن أبي يوسف"
يقضي عليه؛ لأنَّ حضرتَهُ شرطٌ لإنكارِهِ ولسماعِ البِّةٍ، وقد تحقَّقَ فَيَجُوزُ القضاءُ كما لو أقرَّ ثُمَّ غابَ، وجهُ
ظاهرِ الرِّوايةِ: أنَّ حضرةَ المقضِيِّ عليه إنَّما كان شرطاً ليكونَ القضاءُ على مَن كان في ولايتِهِ، والغائبُ ليس في
ولايتِهِ؛ ولأنَّ صيانةَ القضاءِ عنِ الْبُطلانِ واجبٌ ما أمكنَ، فلو قضَى عليه حالَ غَيْنِهِ ربَّما يأتي المُدَّعَى عليه بما
يُطِلُ قضاءَهُ؛ ولأنَّ القاضيَ مأمورٌ بالنظرِ للكلِّ. ومِن أسبابِ الدَّفْعِ ما يُسمَعُ قبلَ القضاءِ ولا يُسمَعُ بعدَهُ، فلو
جازَ حالَ غَيْنِهِ قبلَ عجزِهِ لا يُمكنُّهُ الَّداركُ، فيؤدِّي ذلك إلى إبطالِ حَقِّهِ، بخلافِ الإقرارِ، فإنَّ به لا يُقبَلُ مِنه
ما يُطِلُ إقرارَهُ، إِنَّمَا يُقبَلُ مِنه دعوى الإيفاءِ والإِبراءِ، وذاك لا يبطُلُ بالقضاءِ حالَ غَيْبِهِ)) اهـ. ولذا أفتى "قارئ
الهداية": ((فيما إذا ادَّعَى شخصٌ على آخَرَ بَحَقٌّ فأنكَرَ، فأقامَ عليه بَيِّةً شَهِدَت له فَتَسحَّبَ الُدَّعَى عليه قبلَ
القضاءِ، فطلَبَ الُدَّعي الحُكمَ عليه ليذهَبَ خَلْفَهُ بأنَّ المذهبَ أَنَّه لا يُجابُ إلى ذلك)) اهـ. فإنَّ ما أجابَ به
يقتضي ترجيحَ ظاهرِ الرِّوايةِ، وقد ذكَرُوا في رسمِ المفتي أنّه إذا كان في المسألةِ قولانٍ مُصحَّحانٍ وكان أحدُهما
في المتونِ أو ظاهرِ الرِّوايةِ فالأَولى الأَخْذُ به، وقالوا: لا تَخيرَ لو كان أحدُهما قولَ "الإِمامِ" والآخَرُ قولَ غيرِهِ،
لأَنَّه لَمّا تعارَضَ النَّصحيحانِ تساقَطا، فَرَجَعنا إلى الأصلِ، وهو تقديمُ قولِ "الإِمامِ".
(قولُهُ: هذه العبارةُ غيرُ مُحرَّرةٍ) إذا قُرِئَ (يُنفَّذُ)) بالتَّشديدِ صحَّ الإضرابُ، ويكونُ جارياً على
أحدٍ تصحيحينِ، وقولُ "ح": ((الحُكمُ صحيحٌ إلخ)) غيرُ واردٍ على "المصنّف"؛ لأنَّ قصدَهُ بيانُ حُكمٍ
الحنفيِّ على الغائبِ، ولا شكَّ أنَّه غيرُ صحيحٍ، والخلافُ إنَّما هو فيما لو حكَمَ مَن يَراهُ.
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٤٠٠/٦.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٧/٧.
(٣) انظر "تقريرات الرافعي" ففيها كلامٌ مهمٌّ.
حاشية ابن عابدين
٤٧٢
قسم المعاملات
(إلاّ بحضورِ نائبهِ) أي: مَن يقومُ مَقامَ الغائبِ (حقيقةً كوكيلِهِ، ووصيِّهِ، ومُتولّي
الوقفِ) أفادَ بالاستثناءِ أنَّ القاضي
وأيضاً فالحُكمُ صحيحٌ، وإنَّما الخلافُ في نفاذِهِ بدونِ تنفيذٍ قاضٍ آخَرَ كما أفادَهُ "ح"(١)،
ولذا فسَّرَ في "البحر"(٢) كلامَ "الكنز" بعَدَمِ الصِّحَّةِ، ثُمَّ قال(٢): ((والأَولى أنْ يُفسَّرَ بِعَدَمِ
النَّفاذِ؛ لقولِهِم: إذا نفَّذَهُ قاضٍ آخَرُ يَراهُ فإِنَّه ينفُذُ))، ثمَّ ذكَرَ(٢) اختلافَ التَّصحيحِ،
وسيأتي(٣) في كلامٍ "الشّارعِ".
[٢٦٣٦٤) (قولُهُ: كوكيلِهِ) أطلَقَهُ فشَمِلَ ما إذا كان وكيلاً في الخصومةِ والدَّعوى أو وكيلاً
للقضاء، كما إذا أُقيمَتِ البَِّةُ عليه فوكَّلَ لْيُقْضَى عليه ثمَّ غابَ كما في "القنية"(٤)، "بحر " (٥).
[٢٦٣٦٥) (قولُهُ: ووصِّهِ) أي: وصيِّ الميْتِ، فإنَّ الميْتَ غائبٌ، ووصيُّهُ قائمٌ مَقامَهُ حقيقةً،
وَيَجُوزُ عَوْدُ الضَّميرِ إلى الصَّغِيرِ المعلومِ مِن المقامِ، فإِنَّه في حُكمِ الغائبِ، وشَمِلَ وصيَّ الوصيِّ.
ولو قال: كولِّهِ(٦) لكان أولى؛ ليشمَلَ الأَبَ والَجَدَّ.
(قولُ "الشّارحِ": أنَّ القاضيَ إنَّما يَحكُمُ على الغائبِ والميْتِ إلخ) نقَلَ "السِّنديُّ" عن "القنية" ما هو
صريحٌ في أنَّ الحُكمَ يكونُ على الحاضرِ، ونصُّ عبارةِ "القنية" التي نقَلَها: ((قَامَتِ البِنَةُ على الوكيلِ فغابَ،
وحضَرَ مُؤكُّهُ، أو على العكسِ، أو قامَتِ البَيّةُ على المورِّثِ فماتَ، وحضَرَ وارتُهُ، أو قامَت على وارثٍ فغابَ،
وحضَرَ وارثٌ آخَرُ ففي هذه الصُّورِ يقضي على الذي حضَرَ بتلك البِّئَةِ)) اهـ. لكنْ في تتمَّةِ الفتاوى مثلُ ما في
الشَّرحِ، ونصُّ عبارتِهِ: ((إذا أرادَ أنْ يقضيَ على وكيلِ الغائبِ، أو على وصيِّ الميْتِ يقضي على الغائبِ والميْتِ
بحضرةِ الوكيلِ والوصيِّ، وهكذا يكتُبُ في نُسَخِ المحضرِ، نصَّ عليه "القُدُورِيُّ" مِن أدبِ القاضي)) اهـ. وقال
"عبدُ الحليم": ظاهرُ عبارةٍ "شرح الدُّرر" أنَّ القضاءَ على الحاضرِ، وقد صرَّحَ به "الخُجَندِيُّ" في "فوائده"، حيثُ
قال: ((قَامَت بيّةٌ على الوكيلِ فغابَ، وحضَرَ مُوكّلُهُ)) إلى آخِرِ عبارةِ "القنية" المتقدّمةِ، قال: ((وسُيُصرِّحُ
(١) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٣٠٨/ب - ق٣٠٩/أ.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٧/٧.
(٣) صـ ٤٨٦ - وما بعدها "در".
(٤) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب القضاء على الغائب ق ١٣٣/أ، نقلاً عن ظهير الدين المرغيناني.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٩/٧.
(٦) في "الأصل": ((كو كيله))، وفي "آ": ((وكيله))، وهما تحريف.
الجزء السادس عشر
٤٧٣
فصل في الحبْس
إنّما يَحِكُمُ على الغائبِ والمَيْتِ لا على الوكيلِ والوصيِّ، فيكُتُبُ في السِّحلِّ أَنَّه حكَمَ
على الميْتِ وعلى الغائبِ بحضرةٍ وكيلِهِ وبحضرةٍ وصيِّهِ، "جامع الفصولين"(١). وأفادَ
بالكافِ عَدَمَ الحَصْرِ، فإِنَّ أَحدَ الوَرَثةِ كذلك يَنتصِبُ خصماً عن الباقينَ،
[٢٦٣٦٦] (قولُهُ: إنَّما يَحكُمُ على الغائبِ والمَيْتِ) ترَكَ الوقفَ، ويظهَرُ لي أنَّه يَحكُمُ
على الواقفِ فيما يتعلَّقُ به، وعلى الوقفِ فيما يتعلَّقُ بهِ، "سائحانيّ".
مطلبٌ فيمن يَنتصِبُ خصماً عن غيرِهِ
[٢٦٣٦٧] (قولُهُ: يَنتصِبُ خصماً عنِ الباقينَ) أي: فيما للمَيْتِ وعليه، لكنْ إذا كان في عَيْنِ
فلا بدَّ مِن كونِها في يدِهِ، فلوِ ادَّعَى عَيْنً مِن الَّرِكَةِ على وارثٍ ليست في يدِهِ لم تُسمَعْ، وفي
دعوى الدَّينِ يَنتصِبُ أحدُهم خصماً وإنْ لم [٢/ ٢٢٠٪) يكنْ في يدِهِ شيءٌ، "بحر "(٢)، وفيه(٣) مِن
مُتُفرِّقَاتِ القضاءِ: ((أنّه يَنتصِبُ أحدُهم عن الباقي بشروطٍ ثلاثةٍ: كونِ العَينِ كلّها في يدِهِ،
"المصنّف" به في آخِرِ الَّحكيمِ، وهكذا أقولُ: لا فرقَ بينَهما في المآلِ)) انتهى. وفي "البزّزَيَّة" مِن الفصلِ الثّاني
مِن كتابِ القضاءِ ما نصُّهُ: ((توجَّهَ قضاءُ القاضي على وكيلِ الغائبِ أو وصيِّ الميْتِ يقضي على الوكيلِ
والوصيِّ لا على الغائبِ والميْتِ، أو يكتُبُ أَنَّه قضَى على الميْتِ والغائبِ بحضرةِ وكيلِهِ ووصيِّهِ)) اهـ. ومع هذا
كلِّه ليس في عبارةِ "المصنّف" ما يُفيدُ حَصْرَ القضاءِ على الغائبِ والميْتِ كما يُفيدُهُ تعبيرُ "الشّارحِ" بـ ((إنَّما)).
(قولُهُ: ويظهَرُ لي أنَّه يَحكُمُ على الواقفِ فيما يتعلَّقُ به، وعلى الوقفِ فيما يتعلَّقُ به) لا معنى
لجعلِ الوقفِ محكوماً عليه، فلعلَّ أصلَ العبارةِ: وعلى مُستحِقِّ الوقفِ إلخ.
ثمَّ رأيتُ فِي الرِّسالةِ المسمّاةِ بـ "ظَفَرِ اللّضي بما يَجِبُ في القضاءِ على القاضي" ما نصُّهُ: ((القضاءُ
في الشَّرعِ: إلزامُ ذي الولايةِ بعدَ التّرافُعِ لُعَّنٍ أو جهةٍ، والمرادُ بالجهةِ كَالْحُكْمِ لبيتِ المالِ)) اهـ.
ثُمَّ رأيتُ في "العناية" و"الكفاية" آخِرَ النَّفْقَاتِ: ((أَنَّه لا بدَّ للقضاءِ مِن مَقضِيِّ له، وهو مِن أهلِ
الاستحقاقِ)) اهـ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل الخامس في القضاء على الغائب والقضاء الذي يتعدَّى إلى غير المقضيِّ عليه ٣٩/١.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢٠/٧.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم - مسائل شتى ٤٧/٧.
حاشية ابن عابدين
٤٧٤
قسم المعاملات
وكذا أحدُ شريكَيِ الدَّينِ وأجنبيٌّ بيدِهِ مالُ اليتيمِ،.
وأنْ لا تكونَ مقسومةً، وأنْ يُصدِّقَ الغائبُ أَنَّها إرثٌ عنِ المَيْتٍ)) اهـ. وقدَّمنا (١) تمامَ الكلامِ على
ذلك في كتابِ الوقفِ، وأفادَ "الخيرُ الرَّمليُّ" في "حاشيته" على "جامع الفصولين"(٢): ((أنَّ
اشتراطَهم كونَ العَينِ في يدِ الْمُدَّعَى عليه يشمَلُ ما لو كان الْمُدَّعي بعضَ الوَرَثةِ على بعضٍ،
فُتُسمَعُ الدَّعوى بشراءِ الدّارِ مِن المورِّثِ، وهي واقعةُ الفتوى)) اهـ.
[٢٦٣٦٨) (قولُهُ: وكذا أحدُ شريكَيِ الدَّينِ) أي: هو خصمٌ عنِ الآخَرِ في الإرثِ وِفاقً، وكذا
في غيرِهِ عندَهما لا عندَ "أبي حنيفةً"، وقولُهُ قياسٌ، وقولُهما استحسانٌ. ثمَّ على قولِهما الغائبُ
لو صدَّقَ الحاضرَ إنْ شاءَ شارَكَهُ فيما قَبَضَ، أو اّبَعَ المطلوبَ بنصبِهِ، "جامع الفصولين(٣).
ومُقتضاهُ: أنَّ الدَّينَ للمدَّعي وشريكِهِ، وأمّا الدَّعوى بدَيْنٍ لواحدٍ على اثنينِ فذكَرَ قبلَهُ(٤) ما
حاصلُهُ: ((أَنَّه يقضي به عليهما عندَهُ في روايةٍ، وفي روايةٍ - وهي قولُ "أبي يوسفَ" - يقضي
بنصفِهِ على الحاضرِ))، ثمَّ قال(٤): ((يحتمِلُ أنْ يكونَ اختلافُ الرِّواياتِ فيه بناءً على اختلافٍ
الرِّواياتِ في جوازِ الحُكمِ على الغائبِ)).
[٢٦٣٦٩) (قولُهُ: وأجنبيٌّ) أي: مَن ليس وارثاً ولا وصيًّ. وقولُهُ: ((بيدِهِ مالُ اليتيمِ))، الذي في
"البحر"(٥): ((مالُ المَيْتٍ)). وصورتُها ما في "جامع الفصولين" (٦): ((وهَبَ في مرَضِ موتِهِ جميعَ مالِهِ،
أو أوصَى به فماتَ، ثُمَّ ادَّعَى رجلٌ دَيْناً على الميْتِ، قيل: تُسمَعُ بَيِّتُهُ على مَن بيدِهِ المالُ، وقيل:
يَجعَلُ القاضي خصماً عنه - أي: عنِ المَيْتِ - ويَسمَعُ عليه بَيِّتَهُ، فَظهَرَ أنَّ فيه اختلافَ المشايخ)).
(١) المقولة [٢١٦٧٢] قوله: ((ثُمَّ إنَّما ينتصِبُ إلخ)) وما بعدها.
(٢) "اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية": الفصل الرابع في قيام بعض أهل الحق عن البعض في الدعاوي والخصومات ٣٨/١
(هامش " جامع الفصولين").
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الرابع في قيام بعض أهل الحق عن البعض في الدعاوي والخصومات - دعوى الدين ٣٧/١.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الرابع في قيام بعض أهل الحق عن البعض في الدعاوي والخصومات - دعوى الدين ٣٦/١.
(٥) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢٠/٧.
(٦) "جامع الفصولين": الفصل الرابع في قيام بعض أهل الحق عن البعض في الدعاوي والخصومات - الدعوى على
الورثة ٣٨/١ - ٣٩.
الجزء السادس عشر
٤٧٥
فصل في الحبْس
وبعضُ الموقوفِ عليهم، أي: لوِ الوقفُ ثابتاً كما مرَّ(١) في بابِهِ، (أو) نائبهِ (شرعاً
كوصيٍّ) نَصَبَهُ (القاضي) خرَجَ الْمُسِّرُ كما سيجيءُ، (أو حُكماً: بأنْ يكونَ ما
يُدَّعَى على الغائبِ سبباً) لا محالةَ،
[٢٦٣٧٠] (قولُهُ: وبعضُ الموقوفِ عليهم) لِما في "القنية"(٢): ((وقفٌ بينَ أخوينٍ، ماتَ
أحدُهما وبَقِيَ الوقفُ في يدِ الحَيِّ وأولادِ الميْتِ، فأقامَ الحَيُّ بِيِّنَةً على واحدٍ مِن أولادِ الأخِ
أنَّ الوقفَ بطنٌ بعدَ بطنٍ، والباقي غُيَّبَ، والواقفُ واحدٌ تُقبَلُ وَيَنتصِبُ خصماً عنِ الباقي))،
ثمَّ قال(٤): ((وقفٌ بينَ جماعةٍ تَصِحُّ الدَّعوى مِن واحدٍ مِنهم أو وكيلِهِ على واحدٍ مِنهم
أو وكيلهِ إذا كان الوقفُ واحداً))، وتمامُهُ في "البحر" (٣).
[٢٦٣٧١] (قولُهُ: أي: لوِ الوقفُ ثابتاً) أمّا إذا لم يكنْ ثابتاً وأرادَ إثباتَ أَنَّه وقفٌ فلا،
وقدَّمنا(٤) في الوقفِ تقريرَ هذه المسألةِ بأَتَمِّ وجهٍ، وذكَرْنا هناك(٥) مسائلَ أُخَرَ يَنتصِبُ فيها
البعضُ خصماً عن غيرِهِ.
[٢٦٣٧٢) (قولُهُ: خَرَجَ الُسخِّرُ) هو مَن يَنصِبُهُ القاضي لسماعِ الدَّعوى على الغائبِ.
(٦٣٧٣ ٢] (قولُهُ: كما سيجيءُ(٦) أي: قريباً، أي: مُماثلاً لِما يأتي مِن تقييدِهِ بغيرِ الضَّرورةِ.
[٢٦٣٧٤] (قولُهُ: أو حُكماً) أي: بأنْ يكونَ قيامُهُ عنه حُكماً لأمرٍ لازمٍ، "فتح"(٧).
[٢٦٣٧٥) (قولُهُ: سبباً لا محالةَ) أي: لا تَحوُّلَ له عنِ السَّبَّةِ، فاحترَزَ بكونِهِ ((سبباً)) عمّا
(١) ٥٨٧/١٣ وما بعدها "در".
(٢) "القنية": كتاب الوقف - باب في الدعوى والبينات في الوقف ق ٩٣/أ، نقلاً عن ركن الصيادي، وظهير الدين
التمرتاشي، ورمزين آخرين وهما "كج" و"عج"، وهذان الرمزان ليسا في حلِّ رموز "القنية" التي بين أيدينا.
(٣) انظر "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٢٠/٧.
(٤) المقولة [٢١٦٥٠] قوله: ((وفي "العمادية": تقبل))، والمقولة [٢١٦٥٨] قوله: ((وقوَّاه في "الفتح" بقولهم إلخ)) وما بعدها.
(٥) المقولة [٢١٦٦١] قوله: ((وبعضُ مُستحقِّيهِ)).
(٦) صـ ٤٨٩ - "در".
(٧) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٤٠٢/٦.
حاشية ابن عابدين
٤٧٦
قسم المعاملات
٣٣٦/٤
يكونُ شرطً، وسيذكُرُه "المصنّف"(١). وبقولِهِ: ((لا محالةَ)) عمّا يكونُ سباً في حالِ دونَ حالٍ،
وعمّا لا يكونُ سباً إلّ بالبقاء إلى وقتِ الدَّعوى، فما يكونُ سبباً في حالِ دونَ حالٍ يُقبَلُ في
حَقِّ الحاضرِ دونَ الغائبِ، وبيانُهُ في مسألتينِ(٢): الوكيلُ بنقلِ العبدِ إلى مولاهُ، أو بنقلٍ(٣) المرأةِ
إلى زوجِها، فإذا بَرهَنَ العبدُ أَنَّه حرَّرَهُ، أو المرأةُ أَنَّه طلَّقَها ثلاثاً يُقبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يدِ الحاضرِ
لا فِي تُبُوتِ العِتَقِ أو الطَّلاقِ، فإنَّ المُدَّعَى هنا على الغائبِ - وهو (٤) العِتَقُ أو الطَّلاقُ - ليس سباً
لا محالةَ لِما يُدَّعَى على الحاضرِ - وهو قَصْرُ يدِهِ بانعزالِهِ عنِ (٥) الوكالةِ -؛ لأَنَّه قد يتحقَّقُ العِتقُ
والطّلاقُ بدونِ انعزالِ وكيلٍ: بأنْ لا يكونَ هناك وكالةٌ أصلاً، وقد يتحقَّقُ مُوجِباً للانعزالِ: بأنْ
كان بعدَ الوكالةِ، فليس انعزالُ الوكيلِ حُكماً أصلياً للطَّلاقِ والعِناقِ، فمِن حيثُ إنَّه ليس سبباً
لَحَقِّ الحاضرِ في الجملةِ لا يكونُ الحاضرُ خصماً عنِ الغائبِ، ومِن حيثُ إنَّه قد يكونُ سبباً قَبَلنا
البَيِّنَةَ في حَقِّ الحاضرِ بِقَصْرِ يدِهِ وانعزالِهِ. وأمّا ما لا يكونُ سبباً إلّ بالبقاءِ إلى وقتِ الدَّعوى
فلا يُقبَلُ مُطلقاً، وبيانُهُ في مسائلَ، [٣/ ق٢٢٠/ب] مِنها: ما لو بَرِهَنَ المشتري فاسداً على البَيعِ مِن
غائبٍ حينَ أرادَ البائعُ فَسْخَ البَيعِ للفسادِ لا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الحاضرِ في الفَسْخِ، ولا في حَقِّ الغائبِ
في البَيعِ؛ لأنَّ نفسَ البَيعِ ليس سباً لبُطلانِ حَقِّ الفَسْخِ؛ لجوازٍ أَنَّه باعَ مِن الغائبِ ثُمَّ فسَخَ الْبَيعَ
بينهما، وإنْ شَهِدُوا ببقاءِ البَيعِ وقتَ الدَّعوى لا يُقبَلُ؛ لأَنَّه إذا لم يكنْ خصماً في إثباتِ نفسِ
البيعِ لم يكنْ خصماً في إثباتِ البقاءِ؛ لأنَّ البقاءَ تَبَعّ للابتداءِ، وتمامُهُ في "الفتح"(٦) وغيرِهِ.
(١) صـ ٤٨١ - "در".
(٢) في "آ": ((مسألتي)).
(٣) في "م": ((ينقل)).
(٤) في "ب": ((هو)) دون واو.
(٥) في "الأصل": ((من)).
(٦) انظر "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٤٠٤/٦.
الجزء السادس عشر
٤٧٧
فصل في الحبْس
فلو شرَى(١) أَمَةً، ثُمَّ اذَّعَى أنَّ مولاها زوَّجَها مِن فُلانِ الغائبِ وأرادَ ردَّها بعيبِ الزَّواجِ
لم يُقبَلْ؛ لاحتمالِ(٢) أَنَّه طلّقَها وزالَ العيبُ، "ابن كمالٍ" (لِما يُدَّعَى على الحاضرِ)،
مثالُهُ: (كما إذا) ادَّعَى داراً في يدِ رجلٍ،
[٢٦٣٧٦] (قولُهُ: فلو شرَى أَمةً) تفريعٌ على قولِهِ: ((لا محالةَ))، فكان الأَولى ذِكرَهُ عندَ
قولِ "المصنّف": ((ولو كان ما يُدَّعَى على الغائبِ شرطً)) بأنْ يقولَ: بخلافٍ ما لو شرَى
أَمَةً إلخ، وبخلافِ ما لو كان ما يُدَّعَى على الغائبِ شرطاً إلخ؛ ليكونَ ذِكرُ مُحترَزِ القيودِ في
مَحلِّ واحدٍ .
[٢٦٣٧٧] (قولُهُ: لم يُقبَلْ) أي: بُرهانُهُ، لا في حَقِّ الحاضرِ ولا في حَقِّ الغائبِ؛ لأنَّ
المُدَّعَى شيئانِ: الرَّدُّ بالعيبِ على الحاضرِ، والنّكاحُ على الغائبِ، والثّاني ليس سبباً للأوَّلِ
إلّ باعتبارِ البقاءِ؛ لجوازِ أنْ يكونَ تزوَّجَها ثمَّ طَلَّقَها، وإِنْ بَرِهَنَ على البقاءِ - أي: أنَّها امرأتُهُ
للحالِ - لا يُقبَلُ أيضاً؛ لأنَّ البقاءَ تَبَعُ الابتداءِ، "فتح"(٣).
[٢٦٣٧٨] (قولُهُ: مثالُهُ) لا حاجةَ إليه؛ لإغناءِ الكافِ عنه. اهـ "ح"(٤).
(قولُهُ: لجوازٍ أنْ يكونَ تزوَّجَها ثمَّ طلّقَها) فيه: أنَّ هذا الاحتمالَ موجودٌ في مسألةِ "المصنّف" مع أنّه
لم ينظُرْ إليه، وكذلك في كثيرٍ مِن المسائلِ الآتيةِ عنِ "المجتبى". هذا، وقد ذكَرَ في "الَتْمَّة": أنَّ مسألةً
"المصنّف": ما يُدَّعَى على الحاضرِ والغائبِ شيءٌ واحدٌ، وهو المِلكُ، وأنَّ ذِكرَ السَّبَّةِ فيما إذا كان المُدَّعَى
عليهما شيئاً واحداً وقَعَ سهواً يُعرَفُ بالَّأمُّلِ، وجعَلَ في "الفتح" المَقَضِيَّ به عليهما شيئاً واحداً والمُدَّعَى به
شيئينِ في هذه الصُّورةِ وفي مسألةِ الكفالةِ والشُّفْعَةِ، ويظهَرُ أَنَّه في هذه لا يضُرُّ احتمالُ ارتفاعِ السَّببِ،
بخلاف ما إذا كان المُدَّعَى به على الحاضرِ غيرَ المدَّعى به على الغائبِ فإنَّه يضُرُّ.
(١) في "ط": ((اشترى)).
(٢) في "ط": ((الاحتمال))، وهو خطأ.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٤٠٤/٦.
(٤) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٣٠٩/أ.
حاشية ابن عابدين
٤٧٨
قسم المعاملات
و(بَرِهَنَ) المُدَّعي (على ذي اليدِ أَنَّه اشتَرَى) الدّارَ (مِن فُلانِ الغائبِ، فحكَمَ)
الحاكمُ (على) ذي اليدِ (الحاضرِ كان) ذلك (حُكماً على الغائبِ) أيضاً، حتّى لو
حضَرَ وأنكَرَ لم يُعتَبَرْ؛ لأنَّ الشِّراءَ مِن المالكِ سببُ المِلكَّةِ لا محالةَ، وله صُوَرٌ كثيرةٌ
ذكَرَ مِنها في "المجتبى" تسعاً وعشرينَ،.
[٢٦٣٧٩] (قولُهُ: مِن فُلانِ الغائبِ) زادَ في "الفتح"(١): ((وهو يَملِكُها))، أي: لأنَّ مجرَّدَ
الشِّراءِ لا يُثبِتُ المِلكَ للمشتري؛ لاحتمالِ كونِها لغيرِ البائعِ، وهو فُضُوليٌّ.
[٢٦٣٨٠] (قولُهُ: لأنَّ الشِّراءَ مِن المالكِ) هذا هو المُدَّعَى على الغائبِ.
[٢٦٣٨١) (قولُهُ: سببُ المِلكِيَّةِ) أي: والِلكيّةُ هنا هي المُدَّعَى على الحاضرِ.
مطلبٌ: المسائلُ التي يكونُ القضاءُ فيها على الحاضرِ قضاءً على الغائبِ
[٢٦٣٨٢] (قولُهُ: تسعاً وعشرينَ) قال في "المنح"(٢): ((وفي "المحتبى" بعدَ أنْ علّم بعلامة
"شط "(٣): كلُّ مَنِ ادُّعِيَ عليه حَقٌّ لا يثبتُ عليه إلّ بالقضاءِ على الغائبِ فالقضاءُ على الحاضرِ قضاءٌ
على الغائبِ، وتظهَرُ ثَمَرَتُهُ في مسائلَ، مِنها: أقامَ بَِّةً أنَّ له على فُلانِ الغائبِ كذا، وأنَّ هذا كفيلٌ
عنه بأمرِهِ يُقْضَى على الغائبِ والحاضرِ؛ لأَنَّها كالمعاوضةِ، ولو لم يَقُلْ: بأمرِهِ لا يُقضَى على الغائبِ.
ومِنها: لو أقامَ بِيِّنَةً أَنَّه كفيلٌ بكلِّ ما لَهُ على فُلانِ، وأنَّ له على فُلانِ ألفاً كانت قبلَ الكفالةِ
يُقضَى على الحاضرِ والغائبِ، ولا يحتاجُ إلى دعوى الكفالةِ بأمرِهِ، بخلافِ الأُولى؛ لأنَّ الكفالةَ
المطلَقَةَ لاتُوجِبُ المالَ على الكفيلِ ما لم تُوجِبْهُ على الأصيلِ، فصار كأَنَّه علَّقَ الكفالةَ بوجوبٍ
المالِ على الأصيلِ، فانتصَبَ عنِ الغائبِ خصماً.
(قولُ "الشّارحِ": ذكَرَ مِنها في "المجتبى" تسعاً وعشرينَ) لكنْ ليس كلُّ المسائلِ المذكورةِ ما
يُدَّعَى على الغائبِ فيها سبباً لِما يُدَّعَى على الحاضرِ، بل بعضُها كذلك وبعضُها شرطٌ. نَعَمْ، جعَلَ في
"الَّتْمَّةِ" الشَّرطَ الغيرَ المنفَكِّ بمنزلةِ السَّبِ، لكنّه خلافُ الأصحِّ، وجرَى عليه في "المجتبى".
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٤٠٣/٦.
(٢) "المنح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ٢/ق٥٩/أ، وفي نسختنا من "المنح" هنا سَقْطٌ لبعض العبارات.
(٣) أي: "شرح الطحاوي"، كما هو مبيّن في شرح رموز "القنية" للزاهدي صاحب "المجتبى".