النص المفهرس
صفحات 421-440
الجزء السادس عشر
٤١٩
فصل في الحبْس
بأنّه لا يَنفُذُ قضاؤُهُ خلافاً لِمَن زعَمَ ذلك، وبيانُ ذلك بالنُّصوصِ الصَّريحةِ، مِنها قولُ الإِمامِ
"حسامِ الدِّينِ الشَّهيد" في "الفتاوى الصُّغْرى": إذا قَضَى في فصلٍ مُحَتَهَدٍ فيه وهو لا يَعلَمُ بذلك
لا يَنفُذُ، فإنّه ذكَرَ في "السَِّرِ الكبيرِ"(١): رجلٌ مات وله مُدَّرُونَ حَتّى عَنَقُوا، ثمَّ جاءَ رجلٌ
وَأَثْبَتَ دَيْناً على الميتِ فباعَهم القاضي على ظَنِّ أَنَّهم عبيدٌ، وقَضَى بجوازِهِ، ثُمَّ ظهَرَ أَنَّهم
مُدَبَّرون كان قضاؤُهُ بذلك باطلاً وإِنْ قَضَى في فصلٍ مُحَتَهَدٍ فيه، وهو جوازُ بَيْعِ المُدَّر، لكنْ
لَمّا لم يَعَلَمْ بذلك كان باطلاً اهـ.
فِعُلِمَ أنَّ الضّابِطَ أُخِذَ مِن فرعٍ وَقَعَ فيه القضاءُ على خلافِ رأيِهِ السّابقِ، وهو أنَّ المُدَبَّرَ
لا يُباعُ، فلذا كان قضاؤُهُ باطلاً، وعدمُ العِلْمِ دليلُ بقاءِ رأيِهِ السّابقِ، أمّا لو كان عالماً وقَضَى
على خِلافِ رأيِهِ السّابقِ حُمِلَ على تَبَدُّلِ اجتهادِهِ، بدليلٍ ما في "السِّرِ الكبير" في بابِ الفداءِ
الذي يرجعُ إلى أهله حيث قال(١): مات وله رقيقٌ وعليه دَيْنٌ كثيرٌ، فباعَ القاضي رقيقَهُ وَقَضَى
دَيْنَهُ، ثمَّ قامتِ البِّنةُ لبعضِهِم أنَّ مَوْلاهُ كان دَبَّرَهُ فإنَّ بَيْعَ القاضي فيه يكونُ باطلاً، ولو كان
القاضي عالِماً بتدبيرِهِ واجتَهَدَ وأبطَلَ [٢١٣٥/٢) تدبيرَهُ لكونِهِ وصيَّةً وباعَهُ في الدَّيْنِ ثُمَّ وَلِيَ
قاضٍ آخَرُ يَرَى ذلك خطأً فإنَّه يُنْفِذُ قضاءَ الأَوَّلِ إلخ، فعُلِمَ أنَّ عدمَ النَّفَاذِ ليس هو لعدمِ العِلْمِ،
بل لكونِهِ بَيْعَ الحُرِّ.
وقال "الحسامُ" أيضاً: قال في كتاب الرُّجُوعِ عن الشَّهادة: إذا قَضَى القاضي بشهادةٍ محدودَيْنِ
في قَذْفٍ وهو لا يَعَلَمُ بذلك، ثمَّ ظهَرَ لا يَنفُذُ قضاؤُهُ. وهو محمولٌ على محدودَيْنِ شَهِدا بعدَ الثّوبةِ
كما في قضاء "شرح الجامع"، ومِن المعلومِ أنَّ قضاءَهُ هذا على خلافٍ رأيِهِ المُقرَّرِ قبلَ ذلك، فلذا
لم يَنْفُذْ، فعدمُ النَّفَاذِ لعدمٍ صحَّةِ الشَّهادةِ لا لعدمِ العِلْمِ، فإذا ظهَرَ أنَّ هذا في قضاءِ القاضي المُحتهِدِ،
وأنَّ اعتبارَ العِلْمِ وعدمِهِ إنَّما هو للدِّلالةِ على البقاءِ على الاجتهادِ الأوَّلِ أو تَبَدُِّهِ، وأَنَّه لو كان
(١) انظر "شرح السير الكبير": باب من الفداء الذي يرجع إلى أهله إذا ظهر المسلمون والذي لا يرجع ١٣٢٦/٤
بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٤٢٠
قسم المعاملات
لكنْ في "الخلاصة"(١): ((ويُفتي بخلافِهِ))، ..
على وَفْقِ رأيِهِ نَفَذَ وإنْ لم يَعَلَمْ بالخلافِ ظهَرَ لك أنَّ اعتبارَ هذا في القاضي المُقلِّدِ جهالةٌ فاحشةٌ
وخَرْقٌ لِما أجْمَعَتْ عليهِ الأُمَّةُ في أنَّ المُقُلِّدَ إذا قَضَى بقولِ إمامِهِ مُستوفِياً للشُّرُوطِ نفَذَ قضاؤُهُ سواءٌ
عَلِمَ أنَّ في المسألةِ خلافاً أوْ لا، وصار المختَلَفُ فيه بقضائِهِ مُتَّفَقاً عليه كما صَرَّحَتْ به نصوصُ
المختصَراتِ والْمُطوَّلاتِ، وامتَنَعَ نَقْضُهُ بالإجماعِ))، هذا خلاصةُ ما في تلك الرِّسالة.
وحاصلُهُ: أنَّ اشتراطَ كونِ القاضي المجتهِدِ عالمً بالخلافِ إنّما هو لبيانِ أنَّ الموضعَ الْمُخْتَلَفَ
فيه الذي لم يَقصِدِ الحُكمَ به لعدمٍ عِلْمِهِ به كصحَّةٍ بَيْعِ المُدبَرِ وقَبُولِ شهادةِ المحدودِ لا يصيرُ محكوماً
به في ضِمْنِ الْحُكمِ الذي قَصَدَهُ، وهو بَيْعُ عبدِ المديونِ لقضاءِ دَيْنِهِ، وقُولُ شهادةِ العَدْلِ فِي الصُّورِتَيْنِ
السّابِقَتَيْنِ ونحوُهما؛ إذ لا وجهَ لصيرورتِهِ محكوماً به مع عدمٍ عِلْمِهِ به وقَصْدِهِ له ومع كونِهِ مُخالِفاً
لرأيِهِ، بخلافٍ ما إذا كان عالماً به وقصَدَ الحُكمَ به فإنَّه وإِنْ خَالَفَ رأيَهُ يصحُّ حُكُمُهُ به، ويكونُ
ذلك رُجُوعاً عن رأيِهِ السّابقِ لتَغَيُّرِ اجتهادِهِ فَنْفُذُ، وإذا رُفِعَ إلى قاضٍ آخَرَ أَمضاهُ، وهذا كلامٌ في
غايةِ الَّحقيق، وحيث كان هذا هو ظاهرَ الرِّوايةِ فلا يُعدَلُ عنه، وكأنَّ "صاحب الخلاصة" فَهِمَ أنَّ
المرادَ اشتراطُ علمِهِ بالخلافِ فيما قَصَدَ الْحُكمَ به أو لم يَقصِدْ، فلذا قال(١): ((ويُفْتَي بخلافِهِ))،
(قولُهُ: وهذا كلامٌ في غايةِ التَّحقيق) الظّاهرُ: أنَّ ما نقلَهُ العلاَّمةُ "قاسمٌ" مِن عدمٍ نَفاذِ الحُكمِ مسألةٌ
أُخرى، موضوعُها: ما إذا حكَمَ غيرَ عالِمٍ بالمحكومِ به، وأَنَّه إذا كان عالِماً به يصحُّ، ويُحمَلُ على تَبَّدُّل
رأيِهِ بُدُونِ تَحَقِّقِ الشَّرطِ الذي ذكرَهُ "الشّارح"، وهذه طريقةٌ أُخرى غيرُ ما فيه. والمتبادرُ مِن كلامٍ
"الشّارح" وغيرِهِ أنَّ موضوعَ المسألةِ ما إذا كان القاضي يَرَى عدمَ بَيْعِ المُدَّرِ مثلاً، ثمَّ خَالَفَ رأيَهُ وحكَمَ
بالصِّحَّةِ، فيقالُ: لا يَنفُذُ حُكمُهُ إلّ إذا عَلِمَ باختلافِ العلماءِ فيه، فإنَّه حينَئذٍ يكونُ رُجُوعاً عن رأيِهِ إلى
رأيٍ غيرِهِ، فيكون رأياً حادثاً له أو تقليداً لغيره فيَنفُذُ، وإذا لم يَعلَمْ ذلك يكونُ باقياً على رأيِهِ بِدُونِ تَقْلِيدِ
غيرِهِ، فيكونُ مُجازِفاً في حُكمِهِ، فلا يَنفُذُ، هذا هو المفهومُ مِن عباراتِهم في هذه المسألةِ، وحينئذٍ تَرجِعُ هذه
المسألةُ لمسألةِ حُكمِ القاضي بخلافٍ رأيِهِ كما شَرَحَهُ في "البحر"، فتأمَّل.
(١) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الرابع فيما يتعلق بقضاء القاضي وفي قضاء القاضي بعلمه إلخ ق ٢٠١/ب، معزياً
إلى "الصدر الشهيد".
الجزء السادس عشر
٤٢١
فصل في الحبْس
وكأنَّه تيسيراً، فليُحفَظْ بعدَ دَعْوى صحيحةٍ مِن خَصْمٍ على خَصْمٍ حاضرٍ،
......
ولاسيّما إنْ كان فَهِمَ أيضاً أنَّه شرطٌ فِي الْمُحتهِدِ وغيرِهِ؛ إذ لا شَكَّ في عُسْرِ ذلك ولا سيَّما على
قُضاةِ زمانِنا، فافهم، والله سبحانه أعلم.
[٢٦٢٨٢] (قولُهُ: بعدَ دَعْوى صحيحةٍ إلخ) الظَّرفُ مُتَعلِّقٌ بـ ((حُكمُ)) في قولِهِ: ((حُكمُ
قاضٍ))، أو بمحذوفٍ خبرٍ أيضاً لـ: ((كان)) المقدَّرةِ بعدَ ((لو)) في قولِهِ: ((لو مُحَتَهَداً فيه)). قال
في "البحر"(١) أوَّلَ كتابِ القضاء: ((فإِنْ فُقِدَ هذا الشَّرْطُ لم يكنْ حُكمً، وإنَّما هو إفتاءٌ صرَّحَ
به الإِمامُ "السَّرَخسيُّ)(٢)، وبأَنَّه شَرْطٌ لَفَاذِ القضاءِ فِي الْمُحَتَهَدَاتِ. ونقَلَ الشَّيخُ "قاسمٌ" في فَتْواهُ
الإجماعَ عليه))، ثمَّ قال هنا في "البحر"(٣): ((فالحاصلُ: أنَّ الحُكمَ المرفوعَ لا بدَّ أنْ يكونَ في
حادثةٍ وخُصُومةٍ صحيحةٍ كما صرَّحَ به "العِماديُّ"(٤) و "البرّازيُّ)(٥)، وقالا: حتّى لوفاتَ هذا
الشَّرطُ لا يَنفُذُ القضاءُ؛ لأَنَّه فَتْوى اهـ. فلو رُفِعَ إلى حنفيِّ قضاءُ مالكيٌّ بلا دَعْوى لم يَلْتَفِتْ
إليه، ويَحكُمُ بمقتضَى مذهبِهِ، ولا بدَّ في إمضاءِ الثّاني لُحُكمِ الأوَّلِ مِن الدَّعْوى أيضاً كما
سمعتَ)) اهـ، أي: لا بدَّ في حُكمِ الّاني إذا رُفِعَ إليه حُكُمُ الأوَّلِ مِن أنْ يكونَ أيضاً بعدَ دَعْوى
صحيحةٍ كما نقلَهُ قبلَهُ عن "البزّازيَّة"، وهذه الدَّعْوى والخُصُومةُ تُسمّى الحادثةَ؛ لِحُدُوثِها عندَ
القاضي لَيَحْكُمَ بها، بخلافٍ ما كان مِن لَوازِمٍ تلك الحادثةِ، فإنَّه لم يَحدُثْ بُدُونِ الخُصُومةِ فِيه،
فلذا لم يصحَّ حُكمُهُ به قبلَها كما يأتي بيانُهُ(٦) فِي الْمُوجَبِ قريباً، ثمَّ اعلمْ أنَّ اشتراطَ تَقَدُّمٍ
الدَّعْوى إنَّما هو في القضاءِ القَصْدِيِّ القوليِّ دُونَ الضِّمْنِيِّ والفعليِّ كما سنُحقّقُهُ(٧) في الفُرُوعِ،
وكذا ما تُسمَعُ فيه الدَّعْوى حِسْبَةٌ، ومِنه الوَقْفُ كما يأتي(٨) قريباً.
(١) "البحر": ٢٧٩/٦.
(٢) "المبسوط": كتاب أدب القاضي - ٨٤/١٦، وانظر باب كتاب القاضي إلى القاضي ٩٧/١٦.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٠/٧ باختصار.
(٤) انظر "جامع الفصولين": الفصل الثاني في القضاء في المجتهد فيه ٢١/١.
(٥) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الرابع فيما يتعلق بقضائه إلخ - نوع في علمه ١٦٤/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٢٦٢٨٩] قوله: ((وقد تَعارَفُوا إلخ)).
(٧) المقولة [٢٦٤٤٥] قوله: ((فعلُ القاضِي حُكمٌ إلخ)).
(٨) المقولة [٢٦٢٨٨] قوله: ((لَتَرْكِ ما ذُكِرَ)).
حاشية ابن عابدين
٤٢٢
قسم المعاملات
وإلّا كان إفتاءً، فَيَحكُمُ بمذهبهِ لا غيرِ، "بحر"(١). وسيجيُ آخِرَ الكتابِ، وأَنَّه إذا ارتابَ
في حُكمِ الأَوَّلِ له طلبُ شُهُودِ الأصلِ، قال: ((وبه عُرِفَ أنَّ تَنافِيْذَ زمانِنا لا تُعتَبَرُ))؛
[٢٦٢٨٣] (قولُهُ: وإلّ) أي: وإنْ لم يكنْ حُكُمُ الأوَّلِ [٣/ق٢١٣ /ب] بعدَ دَعْوى صحيحةٍ
لم يكنْ قضاءً صحيحاً، بل ((كان إفتاءً))، أي: بيانً لُحُكمِ الحادثةِ، وإذا كان إفتاءً لم يَلزَمِ
٣٢٦/٤ القاضيَ الثّانيَ تَنْفِيذُهُ، بل يَحكُمُ بمقتضَى مذهبِهِ وافَقَ حُكمَ الأَوَّلِ أو خالَفَهُ، فافهم.
[٢٦٢٨٤) (قولُهُ: وسيجيءُ آخِرَ الكتابِ) أي: في مسائلَ شَتّى قُبيلَ الفرائضِ(٣). وحاصلُهُ
ما قدَّمناهُ(٣) عن "البحر".
[٢٦٢٨٥] (قولُهُ: وأَنَّه إذا ارتابَ إلخ) عطفٌ على الضَّميرِ المستترِ في ((سيجيءُ))، فإنَّ هذا
الحُكمَ مذكورٌ هناك (٤) أيضاً. اهـ "ح"(٥). لكنَّ هذا ذكرَهُ في "البحر"(٦)، وقال في "الَّهر"(٧).
((ولم أَجِدْهُ لغيرِهِ))، وتَبِعَهُ "الحَمَويُّ"، "ط )"(٨).
[٢٦٢٨٦] (قولُهُ: قال (٩) أي: "صاحبُ البحر"(١٠)، وسبَقَهُ إلى ذلك العلاّمةُ "ابنُ الغَرْس".
[٢٦٢٨٧] (قولُهُ: وبه عُرِفَ) أي: بما ذُكِرَ، فَإِنَّه أفادَ أنَّ شَرْطَ صحَّةِ الْحُكمِ كونُهُ بعدَ
دَعْوى صحيحةٍ إلخ.
(١) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٠/٧ بتصرف.
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٣٦٩٧٢] قوله: ((مُنازعٍ شرعيٍ)).
(٣) المقولة [٢٦٢٨٢] قوله: ((بعدَ دَعْوى صحيحةٍ إلخ))
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٣٦٩٧٧] قوله: ((إذا ارتابَ)).
(٥) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق٣٠٧/ب.
(٦) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٠/٧.
(٧) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٥٣٥/أ.
(٨) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ١٩٣/٣.
(٩) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((وقال)) بالواو.
(١٠) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٠/٧ بتصرف.
الجزء السادس عشر
٤٢٣
فصل في الحَبْس
لَتَّرْكِ ما ذُكِرَ،
[٢٦٢٨٨] (قولُهُ: لَتَرْكِ ما ذُكِرَ) فمُؤَدّاها إحاطةُ القاضي الثّاني عِلْماً بحُكمِ القاضي
الأوَّلِ على وجهِ التّسليمٍ له، وأنّه غيرُ مُعتَرَضٍ عندَهُ، ويُسمّى اتصالاً، ويُتجَوَّرُ بِذِكْرِ النُّبُوتِ
والتّنْفيذِ فيه. اهـ "ابن الغَرْس".
قلتُ: وللعلاّمةِ "ابنِ نجيمٍ" صاحبِ "البحر" رسالةٌ في الحُكمِ بلا تَقَدُّمِ الدَّعْوى، وقال في
آخرِها(١): ((واعلمْ أنَّ هذا فيما تُشْتَرَطُ فيه الدَّعْوى، وأمّا الوَقْفُ فالصَّحيحُ عدمُ اشتراطِها؛
الكونِهِ حقَّ الله تعالى، فتُقبَلُ البِّنَةُ بلا دَعْوى، ويُحكَمُ به كما في "البرّازِيَّةِ"(٢) و"الظَّهِيرِيَّةِ"(٣)
و "العماديّة" وغيرِها، فعلى هذا لا إنكارَ على التَّنَافِيذِ الواقعةِ في زمانِنا لكُنُبِ الأوقافِ؛ لأنَّ
حاصلَها إقامةُ البِّنةِ على حُكمٍ قاضٍ بالوَقْفِ(٤)، فقولُهُم: إِنَّ الَّنَافِيذَ في زمانِنا ليسَتْ أحكاماً
إنّما هو في غيرِ الوَقْفِ إلخ)) اهـ مُلخَّصاً.
قلتُ: لكنَّ هذا ظاهرٌ في الوَقْفِ على الفقراءِ وفي إثباتِ مُحرَّدٍ كونِهِ وَقْفاً، أمّا كونُهُ
موقوفاً على فلان أو فلانٍ وأنَّ الواقفبَ شرَطَ كذا أو كذا فهذا حَقُّ عبدٍ، فلا بدَّ فيه مِن دَعْواهُ
الإثباتِ حَقِّهِ، وكذا في إثباتِ شُرُوطِهِ كما يُعلَمُ مما ذكرناهُ في كتابِ الوَقْفِ(٥)، فتأمَّلْ.
(قولُهُ: وأمّا الوَقْفُ فالصَّحيحُ عدمُ اشتراطِها إلخ) عدمُ اشتراطِهم الدَّعْوى إنَّما هو للحُكمِ بِالوَقْفِ،
وليس في كلامِهم ما يدلُّ على عدمِ اشتراطِها لتنفيذِ هذا الحكمِ، فِدُونِ الدَّعْوى يكونُ التّفيذُ خالياً عن
الحُكمِ الواقعِ في التَّافِيذِ في الأوقافِ لعدمٍ (٦) تَقَدُّمِ دَعْوى للحُكمِ، فالإنكارُ ما زالَ وارِدً، تأمَّل.
(١) الرسالة السابعة والثلاثون فيما يبطل دعوى المُدَّعِي وخصومه صـ ٣٠٠ - ٣٠١ - (ضمن "رسائل ابن نجيم").
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل السابع في الدعوى والشهادة ٢٨٢/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الفتاوى الظهيرية": كتاب الوقف - القسم الثالث - الفصل الأول في دعوى الوقف والشهادة عليه ق ٢٢٥/ب.
(٤) أي: بلا تقدم دعوى، كما في "رسائل ابن نجيم".
(٥) المقولة [٢١٦٤١] قوله: ((لكنْ بحثَ فيه "ابنُ الشِّحنةِ" إلخ)).
(٦) عبارة مطبوعة "التقريرات": ((عدم))، وسياق المسألة - كما في رسالة ابن نجيم المذكورة - يقتضي ما أثبتناه.
حاشية ابن عابدين
٤٢٤
قسم المعاملات
وقد تَعارَفُوا في زمانِنا القضاءَ بالُوجَبِ،
مطلبٌ مُهِمٌّ في الحُكمِ بالمُوجَبِ
[٢٦٢٨٩) (قولُهُ: وقد تَعارَفُوا إلخ) هذا مِن مُتَعلَّقَاتِ اشتراطِ صحَّةِ الدَّعْوى مِن خَصْمٍ
على خَصْمٍ حاضرٍ لصحَّةِ القضاءِ.
وبيانُهُ: أَنَّه إذا وقَعَ تنازُعٌ في مُوجَبٍ خاصٍّ مِن مَواجِبِ ذلك الشَّيءِ الثّابتِ عندَ القاضي،
ووَقَعَت الدَّعْوى بشُرُوطِها كان حُكماً بذلك الموحَبِ فقط دُونَ غيرِهِ، فلو أَقَرَّ بوَقْفِ عَقَارٍ عندَ
القاضي، وشَرَطَ فيه شُرُوطً وسَلَّمَهُ إلى المُتولّي، ثمَّ تَنَازَعا عندَ القاضي الحنفيِّ في صحَّتِهِ ولُزُومِهِ،
فحَكَمَ بهما وبِمُوجَبِهِ لا يكونُ حُكماً بالشُّرُوطِ، فللشّافعيِّ أَنْ يَحِكُمَ فيها مقتضَى مذهبِهِ،
ولا يَمنَعُهُ حُكُمُ الحنفيِّ السّابقِ، وتمامُّهُ في "الأشباه"(١).
وذكَرَ في "البحر "(٢): ((أَنَّ القاضيَ إذا قَضَى بشيءٍ في حادثةٍ بعدَ دَعْوى صحيحةٍ
لا يكونُ قضاءً فيما هو مِن لَوازِمِهِ))، إلى أنْ "قال"(٣): ((فقد علمتَ مِن ذلك كثيراً مِن المسائلِ،
فإذا قَضَى شافعيٌّ بصحَّةٍ بَيْعِ عَقَارٍ ومُوجَبِهِ(٤) لا يكونُ حُكماً مِنه بأَنَّه لا شُفْعَةَ للحارِ؛ لعدمٍ
حادِثَتِها، وكذا إذا قَضَى حنفيٌّ لا يكونُ حُكماً بأنَّ الشُّفْعَةَ للحارِ وإنْ كانَتِ الشُّفْعَةُ مِن
مَواجِهِ(٥)؛ لأنَّ حادِثَتَها لم توجدْ وقتَ الحُكمِ ولا شُعُورَ للقاضي بها، وكذا إذا قَضَى مالكيٌّ
بصحَّةِ التَّعليقِ في اليمينِ المُضافَةِ لا يكونُ حُكماً بأَنَّه لا يصحُّ نكاحُ الفُصُولِيِّ المُحازِ بالفعلِ؛
لعدمِهِ وقَتَهُ(٦)، فافهم، فإنَّ أكثرَ أهلِ زمانِنا عنه غافلون)) اهـ.
(١) انظر "الأشباه والنظائر": الفن الأول: القواعد الكلية - النوع الثاني - القاعدة الأولى: الاجتهاد لا ينقض مثله صـ ١١٩ -.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٠/٧.
(٣) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٠/٧ - ١١.
(٤) في هامش "الأصل": ((قوله: ((وموجَبِهِ)) هو: خروجُ الَبِيع من مِلْك البائع ودخولُه في مِلْك المشتري، إلى آخر ما يأتي)).
(٥) في "الأصل": ((مواجبها)).
(٦) في هامش "الأصل": ((قوله: ((لعدمِهِ وقتَه))؛ لأنه لم تُوجَدْ فيهِ خصومةٌ اهـ)).
الجزء السادس عشر
٤٢٥
فصل في الحبْس
وكذا قال العلامةُ "قاسمٌ": ((أَمّا كونُ الحُكمِ حادثةً فاحترازٌ عمّا لم يَحدُثْ بعدُ،
كما لو حَكَمَ بِمُوجَبِ إجارةٍ لا يكونُ حُكماً بالفَسْخِ بموتِ أحدِ الْمُتَآجِرَينِ؛ لأَنَّه لم توجدْ
فيه خُصُومٌ)) اهـ
قلتُ: وقد ظهَرَ مِن هذا أنَّ المرادَ بالموحَبِ هنا الذي لا يصحُّ به الحُكمُ هو ما ليس مِن
مُقْتَضَياتِ العَقْدِ، فالبيعُ الصَّحِيحُ مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ المبيعِ عن مِلْكِ البائعِ، ودُخُولُهُ فِي مِلْكِ
المشتري، واستحقاقُ الَّسْلِيمِ والتَّسَلُمِ في كلٍّ مِن الثَّمنِ والْمُتَمَّنِ ونحوُ ذلك، [٢/ق١/٢١٤] فإنَّ هذه
وإنْ كانَتْ مِن مُوجَبَاتِهِ (١) لكِنَّها مُقْتَضَياتٌ لازِمَةٌ له(٢)، فيكونُ الحُكمُ به(٣) حُكماً بها (٤)،
بخلافٍ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فيه للخَلِيطِ أو للجارِ مثلاً، فإِنَّ العَقْدَ لا يَقتضِي ذلك، أي: لا يَستِلزِمُهُ،
فَكُمْ مِن بَيْعِ لا تُطَلَبُ فيه الشُّفْعَةُ(٥)، فهذا يُسمّى مُوجَبَ البيعِ ولا يُسمّى مُقْتَضَّى، وهذا معنى
قولِ بعضِ المُحقّقِينَ مِن الشّافِعَّةِ(٦): ((إِنَّ المُوجَبَ عِبارةٌ عن الأَثَرِ الْمُترتّبِ على ذلك الشَّيءٍ،
وهو والمُقْتَضَى مختلفان خلافاً لِمَنْ زَعَمَ اتّحادَهُما؛ إذِ المُقْتَضَى لَا يَنفَكُّ والمُوجَبُ قد يَنْفَكُّ،
فالأوَّلُ كانتقالِ الِلْكِ للمُشتري بعدَ لُزُومِ البيع، والّانِي كالرَّدِّ بالعَيْبِ، والمُوجَبُ أعمّ؛ لأَنَّه الأَثَرُ
اللّزِمُ سواءٌ كان يَنفَكُّ أَوْ لا)) اهـ.
وهذا أحسنُ مِمّا قَالَهُ العلاّمةُ "ابنُ الغَرْس": ((مِنْ أَنَّ مُوجَبَ الشَّيءِ ما أَوْجَبَهُ ذلك
الشَّيءُ واقْتَضَاهُ، فالمُوجَبُ والمُقْتَضَى في الأصلِ واحدٌ، ولكنْ يَلزَمُ مِن بعضِ الصُّوَرِ أنَّ الْمُوجَبَ
(١) في هامش "الأصل" هنا: ((أي: من موجَباتِ البيع)).
(٢) في هامش "الأصل" هنا: ((أي: للبيع)).
(٣) في هامش "الأصل" هنا: ((أي: بالموجَبِ)).
(٤) في هامش "الأصل" هنا: ((أي: المقتضيات المذكورة)).
(٥) في هامش "الأصل": ((قوله: لا تطلب فيه الشفعة: بأن لم يكنْ عقاراً، أو كان لكنّه ليس فيه خَلِيطٌ، أو ليس له
حوارٌ بأن عَرِيَ عنه مُوجَبُ شفعةٍ فیه)) اهـ.
(٦) "تحفة المحتاج": كتاب القضاء - فصل في آداب القضاء وغيرها ١٤١/١٠ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٤٢٦
قسم المعاملات
في بابِ الحُكمِ أَعُمُّ، وهو التَّحقيقُ؛ إذ لو باعَ مُدَبَّرَهُ(١) ثمَّ تَنَازَعا عندَ القاضي الحنفيِّ، فحَكَمَ
بِمُوجَبِ ذلك البيعِ صَحَّ الْحُكُمُ، ومَعناهُ الحُكمُ بِيُطْلانِ ذلك البيعِ، ومِن المعلومِ أنَّ الشَّيءَ
لا يَقْتَضِي بُطْلانَ نفسِهِ، فظهَرَ أنَّ الْحُكمَ في هذه الصُّورِ لا يكونُ حُكماً بالمُقْتَضَى(٢)، وإلّ
كان باطلاً(٣)، وكان للشّافعيِّ نَقْضُهُ والحُكمُ بصحَّةِ البيع؛ إذ لا مُقْتَضَى للبيْعِ عندَ الحنفيِّ؛ لأَنَّه
باطلٌ، ويصحُّ عندَ الحنفيِّ أنْ يُقالَ: مُوجَبُ هذا البيعِ الْبُطْلاثُ)) اهـ مُلخَّصاً.
وإنَّما قلنا: إنَّ ما مَرَّ أحسنُ لأَنَّه يَرِدُ على ما قالَهُ "ابنُ الغَرْس" أنَّه كما يُقالُ: إنَّ
الشَّيءَ لا يَقْتَضِي بُطْلانَ نفسِهِ فكذلك يُقالُ: إِنَّه لا يُوجِبُ بُطْلانَ نفسِهِ، فدَعْوَاهُ أَنَّهما في
الأَصْلِ بِمعَنَّى واحدٍ، وأنَّ هذا السَّبَبَ هو الدّاعي إلى الفَرْقِ بينَهما هنا غيرُ مُسلَّمٍ.
فالظّاهرُ: أنَّ الفَرْقَ بينَهما هو اشتراطُ عدمِ الانفِكَاكِ فِي المُقْتَضَى لا في المُوحَبِ، فالموجَبُ
أَعَمُّ، فالحُكُمُ بالمُوجَبِ عندَنا لا يصحُّ ما لم يكنْ حادثةً، بأنْ وَقَعَ فِيه التَّرَافُعُ والتَّازُعُ عندَ الحاكمِ
كما مَرَّ(٤)، فإذا وَقَعَ الََّازُعُ فِي صِحَّةِ البيعِ ولُزُومِهِ فَحَكَمَ بِمُوجَبِ ذلك البيعِ كان حُكماً بصحَّتِهِ
ويباقي مُقْتَضَيَاتِهِ الشَّرْعَّةِ التي لا تَنفَكُّ عنه كمِلْكِ المشتري المبيعَ ولُزُومٍ دَفْعِهِ الَّمنَ ونحوِ ذلك،
بخلافٍ مُوجَبِهِ المُنفَكِّ عنه كاستحقاقِ الجارِ الأَخْذَ بالشُّفْعَةِ؛ لعدمِ الحادثةِ كما قلنا.
٣٢٧/٤
مطلبٌ: الموجَبُ على ثلاثةِ أقسامٍ
ثُمَّ اعلمْ أنَّ "ابنَ الغَرْس" ذكَرَ: ((أَنَّ الُوجَبَ على ثلاثةِ أقسامٍ: لأَنَّه إمّا أنْ يكونَ أَمْراً
واحداً، أو أُمُوراً يَستلزِمُ بعضُها بعضاً، أوْ لا.
(١) في هامش "الأصل" هنا: ((أي: المدبِّرُ باع مدَّرَه)).
(٢) في هامش "الأصل" هنا: ((أي: المبيعِ من)).
(٣) في هامش "الأصل": ((قوله: وإلا لكان باطلاً: لأن الحنفيَّ لا يصحُّ عنده بيعُ المدبِّ، فحينئذٍ يصحُّ للشافعيِّ نقضُه،
ويَحكُمُ بصحَّةٍ بيعِ المديَّرِ؛ لأنّه يراد، ولا يمنعه حكمُ الحنفيِّ السابقِ بصحَّته)) اهـ.
(٤) في هذه المقولة.
الجزء السادس عشر
٤٢٧
فصل في الحبْس
فالأوَّلُ: كالقضاءِ بالأَمْلاكِ الْمُرسَلَةِ والطَّلاقِ والعِتاق؛ إذ لا مُوجَبَ لهذا سِوى تُبُوتٍ
مِلْكِ الرَّقَبَةِ للعَيْنِ، والحُرِّيَّةِ، وانحلالِ فَيْدِ العِصْمَةِ.
والثّاني: كما إذا ادَّعَى رَبُّ الدَّيْنِ على الكفيلِ بِدَيْنٍ له على الغائبِ المكفُولِ عنه
وطالَبَهُ به، فأنكَرَ الدَّيْنَ، فَأَثْبَتَهُ وحُكِمَ بِمُوجَبِ ذلك، فالموجَبُ هنا (١) أمرانِ: لُزُومُ الدَّيْنِ
للغائبِ، وَلُومُ أدائِهِ على الكفيلِ، والثّاني يَستلزِمُ الأَوَّلَ في الُْبُوتِ.
والثّالث: كما إذا حَكَمَ شافعِيٌّ بِمُوجَبِ بَيْعِ عَقارِ اقْتَصَرَ الحُكمُ على ما وَقَعَتْ به
الدَّعْوى، فلا يكونُ حُكماً بأنّه لا شُفْعَةَ للحارِ، وهكذا في نظائرِهِ)). هذا حاصلُ ما قَرَّرَهُ
"ابنُ الغَرْس"، وَتَبَعَهُ في "النَّهر "(٢)، وزادَ عليه قِسْماً رابعاً، لكنَّه يَرجِعُ إلى كونِهِ شَرْطاً للقسمِ
الّاني كما يَظهَرُ بِالنَّأُمُّلِ لِمَن راجَعَهُ.
(تنبيةٌ)
قدَّمنا(٣) آنفاً عن "البحر" عن "فتاوى الشَّيخِ قاسٍ": ((أَنَّه نَقَلَ الإجماعَ على أنَّ تَقَدُّمَ
الدَعْوِى الصَّحيحةِ شَرْطٌ لَنَفَاذِ الحُكمِ))، وأَيَّدَ ذلك "صاحبُ البحر"(٤) في رسالةٍ أَلَّفَها في ذلك،
ثمَّ قال (٤): ((فقد استُفِيدَ مِمّا في هذه الكتبِ المُعَتَمَدةِ أَنَّه لا فَرْقَ بين ما إذا كان القاضي حنفيّاً أو
غيرَهُ))، إلى أنْ قال(٥): ((ومِمّا فرَّعتُهُ على أنَّ قضاءَ الُخالِفِ إذا رُفِعَ إلينا فإِنّا نُمضِيهِ فيما وَقَعَ
حُكُمُهُ به لا في غيرِهِ: ما لو قَضَى [٣ق٤ ٢١/ب] شافعيٌّ بِّةِ ذي البَدِ على خارِجٍ نازَعَهُ، ثُمَّ تنازَعَ
ذو اليَدِ وخارِجٌ آخرُ عندَ حنفيٌّ فإِنَّه يَسمَعُ الدَّعْوى، ولا يَمنَعُهُ قضاءُ الشّافعيِّ مِن سماعِها،
(١) في "الأصل" و"آ": ((ههنا)).
(٢) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٦/ب.
(٣) المقولة [٢٦٢٨٢] قوله: ((بعدَ دَعْوى صحيحةٍ إلخ)).
(٤) الرسالة السابعة والثلاثون: فيما يبطل دعوى المُدَّعِي وخصومه صـ٢٨٤ - بتصرف (ضمن "رسائل ابن نجيم").
(٥) الرسالة السابعة والثلاثون: فيما يبطل دعوى المدعي وخصومه صـ٢٩٨ - ٢٩٩ - بتصرف (ضمن "رسائل ابن نجيم").
حاشية ابن عابدين
٤٢٨
قسم المعاملات
بناءً على أنَّ مذهَبَنا أنَّ القضاءَ بالِلْكِ لا يكونُ قضاءً على الكافّةِ، بل يَقْتَصِرُ على المَقْضِيِّ عليه،
وهو الخارِجُ الأَوَّلُ وإنْ كان مذهبُ الحاكمِ تَعَدُِّهُ كما قدَّمناهُ من أنَّ قضاءَ المالكيِّ بغيرِ دَعْوى
غيرُ صحيحٍ عندَنا وإِنْ صَحَّ عندَهُ، فإذا رُفِعَ إلينا لا نُنْفِذُهُ، وكذلك هنا لا نَتَعرَّضُ لُحُكمِهِ على
الخارِجِ الأَوَّلِ، وأمّا الثّاني فلم يَقَعْ حُكمُهُ عليه على مُقْتَضَى مذهبنا.
ومِمّا فَرَّعتُهُ: لو حَجَرَ شافعيٌّ على سَفِيهِ بعدَ دَعْوى صحيحةٍ، ثُمَّ رُفِعَتْ إلينا حادثةٌ
مِن تَصَرُّفَاتِهِ فإنّا نَحْكُمُ بمذهبِ "أبي يوسف" و"محمَّدِ" في الحَجْرِ على السَّفِيهِ، فإِنَّهما وإنْ
وافَقَا الشّافعيَّ فِي أَصْلِ الحَجْرِ لم يُوافِقَاهُ في أَنَّه يُؤثِّرُ في كلِّ شيءٍ، وإنَّما يُؤْثِّرُ عندَهما فيما
يُؤْثِّرُ فِيه الهَزْلُ، فإذا تَزَوَّحَتِ السَّفِيهةُ التي حَجَرَ عليها شافعيٌّ، ولم يُرفَعْ نكاحُها إليه
ولم يُبطِلْهُ بل رُفِعَ إلى حنفيٌّ فله أنْ يَحكُمَ بصحَّتِهِ لو الزَّوجُ كُفْئاً على قولِهما المُفْتَى به،
ولا يَمنَعُهُ مذهبُ الحاجِرِ؛ لعدمٍ وُجُودِ حادثةِ التَّروُّجِ وقتَ(١) الحَجْرِ، ولم تكنْ لازِمةً
للحَجْرِ حَتّى تَدخُلَ ضِمْناً؛ لقَبُولِ الانفكاكِ؛ لجوازٍ أنْ لا تَتَزوَّجَ المحجورةُ أصلاً، وقد
تَوَقَّفَ فيه بعضُ مَن لا اطّلاعَ له على كلامِهم)) اهـ.
قلتُ: ويُعَلَمُ مِنه ما يقعُ الآنَ مِن وُقُوعِ التَّازُعِ في صحَّةِ الإِجارةِ الطَّيلةِ عندَ قاضٍ
شافعيِّ، فَيَحكُمُ بصحَّتِها وبعدمِ انفِساخِها بموتٍ ولا غيرِهِ، فإنَّ عدمَ الانفِساخِ بالموتِ لم يَصِرْ
W
حادثةً وقتَ الحُكمِ؛ لأنَّ الموتَ لم يوجدْ وقتَهُ، فللحنفيِّ أنْ يَحَكُمَ بالفَسْخِ بالموتِ كما أفتى به
في "الخيريَّةِ"(٢). وذكَرَ "ابنُ الغَرْس" مِن هذا القَبِيلِ: ((ما لو وهَبَ ابنَهُ وسَلَّمَهُ العَيْنَ الموهوبةَ،
وقَضَى شافعيٌّ بالموجَبِ، ثُمَّ بعدَ مُدَّةٍ رجَعَ الواهبُ فِي هِيَتِهِ وَتَرَافَعا عندَ القاضي الحنفيِّ، فحَكَمَ
بُطْلانِ الرُّجُوعِ))، قال: ((وقد حَصَلَ الََّازُعُ في هذه المسألةِ بينَ أهلِ المذهَبَينِ، فقال القاضي
الشّافعيُّ: حُكمُ الحنفيِّ باطلٌ؛ لأَنِّي حَكَمْتُ قبلَهُ بِمُوجَبِ الهِيَةِ، ومِن مُوجَبِها عندي أنَّ الأبَ
(١) في "آ": ((عند)).
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب الإجارة ١١٥/٢.
الجزء السادس عشر
٤٢٩
فصل في الحْس
وهو عبارةٌ عن المعنى المتعلِّق بما أُضِيفَ له(١) في ظَنِّ القاضي شَرْعاً مِن حيث إنَّه
يَقضِي به، فإذا حكَمَ حنفيٌّ بِمُوحَبٍ بَيْعِ المُدَّرِ كان معناهُ الحكمَ بُطْلانِ البيعِ، ....
يَمِلِكُ الرُّجُوعَ، والحُكمُ في الخِلافَّةِ يَحعَلُها وِفاقيّةً. وقال القاضي الحنفيُّ: الرُّجُوعُ حادثةٌ
مُستَقٌِّ وُجِدَتْ بعدَ الحُكمِ الأَوَّلِ بعدَّةٍ طويلةٍ، فكيف تَدخُلُ تحتَ حُكمِهِ؟!
وَأُجِيبَ فيها: بأنَّ الُوجَبَ هنا أُمُورٌ، هي: خُرُوجُ العَيْنِ مِن مِلْكِ الواهِبِ ودُخُولُها في
مِلْكِ الموهوبِ له، ومِلْكُ الواهِبِ الرُّجُوعَ إذا كان أباً عندَ الشّافعيِّ، وعدمُهُ عندَ الحنفيِّ،
فإنْ كان التَّداعِي عندَ القاضي ليس إلّ في انتقالِ العَيْنِ مِن مِلْكِ الواهِبِ إلى مِلْكِ الموهوبِ
له اقْتَصَرَ القضاءُ بالْمُوحَبِ على ذلك، فإذا كان القاضي الأوَّلُ شافعيّاً لا يصيرُ كونُ الأُبِ
يَملِكُ الرُّجُوعَ محكوماً به، وإذا كان حنفيًّ لا يصيرُ عدمُ مِلْكِهِ ذلك محكوماً به، فللقاضي الثّاني
أنْ يَحكُمَ بمذهبهِ، أي: لأنَّ الأَمْرَ الأوَّلَ لا يَستلزِمُ الأَمْرَ الثّانيَ في النُّبُوتِ)).
قال: ((فَتَبيَّنَ أنَّ القضاءَ في حُقُوقِ العبادِ يُشْتَرَطُ له الدَّعْوى المُوصِلةُ له شَرْعاً على وجهٍ
يَحْصُّلُ به المطابقةُ إلّ ما كان على سبيلِ الاستلزامِ(٢) الشَّرعيِّ، أي: كما في مسألةِ الكفالةِ
المارَّةِ (٣)، وليس للقاضي أنْ يَتَبِرَّعَ بالقضاءِ بينَ اثنين فيما لم يَتَخاصَما إليه فيه)) اهـ مُلخَّصاً،
٣٢٨/٤ فاغتَفِرِ النَّطْويلَ في هذا المقام، بما حَواهُ مِن الفوائدِ العِظامِ.
[٢٦٢٩٠] (قولُهُ: وهو عبارةٌ عن المعنى) أي: كخُرُوجِ المبيعِ مِن مِلْكِ البائعِ، ودُخُولِهِ
في مِلْكِ المشتري، ووُجُوبِ التَّسَلُّمِ والتَّسْلِيمِ ونحوِ ذلك مِن مُقْتَضَياتِ البيعِ ولَوازِمِهِ، فذلك
المعنى المحكومُ به المضافُ إلى البيعِ(٤) المُتعلِّقُ به في ظَنِّ القاضي شَرْعاً هو المُوجَبُ هاهنا،
وهو الذي اقتَضاهُ عَقْدُ البيعِ، وأمّا الحُكمُ بِمُوجَبِ [١٢١٥٥/٢) بَيْعِ الْمُدَّرِ فهو المعنى الذي
أُضِيفَ إلى ذلك البيعِ في ظَنِّ القاضي شَرْعاً، وهو كونُ ذلك البيعِ باطلاً، ولكنَّ هذا المعنى
ليس هو مُقْتَضَى ذلك البيعِ؛ إذ البيعُ لا يَقْتَضِي بُطْلانَ نفسِهِ. اهـ "ابن الغَرْس".
(١) في "ب" و"ط": ((إليه)).
(٢) في "آ": ((الإلزام)).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) في "م": ((المبيع)).
حاشية ابن عابدين
٤٣٠
قسم المعاملات
وظهَرَ مِنه: أنَّ المرادَ بـ ((ما)) في قولِهِ: ((بما أُضِيفَ له)) هو البيعُ مثلاً، فإنَّ دُخُولَ
المبيعِ في مِلْكِ المشتري مُتَعلّقٌ بذلك البيعِ، ومُضافٌ إليه شَرْعاً في ظَنِّ القاضي، أي: في
قَصْدِهِ مِن حيث إنَّه يَقضِي به، أي: يَقْصِدُ القضاءَ به، وكذا غيرُهُ مِن مُقْتَضَياتِ البيعِ اللّزِمةِ
له. واحتَرَزَ به عمّا لا يَقْصِدُ القضاءَ به؛ لعدمِ التّازُعِ فيه كُثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ. وأفادَ أنَّ
الموجَبَ قد يكونُ مُقْتَضَّى كما مَثَّلنا، وقد يكونُ غيرَ مُقْتَضَّى كُبُطْلانِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، فإِنَّه
مُوجَبٌ لا مُقْتَضَّى على ما قَرَّرَهُ سابقاً (١)، فافهم.
ثُمَّ لا يَخفى أنَّ هذا التَّعريفَ مع ما فيه مِن التَّعْقَيدِ خاصٌّ بالُوجَبِ الذي وَقَعَ الحُكمُ
به صحيحاً، مع أنَّ الموجَبَ أَعَمُّ مِنه، فإنَّ المعنى المُتعلِّقَ بذلك البيعِ المضافِ إليه يَصدُقُ
على تُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعةِ فيه وتُبُوتِ رَدِّهِ بخيارٍ عَيْبٍ ونحوٍ ذلك مِمّا ليس مِن مُقْتَضَيَاتِهِ
اللّزِمةِ له، بدليلٍ ما مَرَّ(٢) مِن أنَّ المُوجَبَ قد يكونُ أُمُوراً يَستلزِمُ بعضُها بعضاً أوْ لا
يَستلزِمُ، فالأظهرُ والأخصرُ تعريفُهُ بما قدَّمناهُ(٢) مِن أَنَّه الأَثَرُ المترتّبُ على ذلك الشَّيءٍ، وإنْ
أرادَ تخصيصَهُ بما يَقَعُ به الحُكمُ صحيحاً عندنا يَزِيدُ على ذلك قولُنا: إذا صار حادِثَةً،
فَيَخرُجُ ما لا حادِثَةَ فيه كما لو حَكَمَ شافعيٌّ بِمُوجَبِ بَيْعٍ بعدَ إنكارِهِ، لا يكونُ حُكماً
يُبُوتِ خِيارِ المجلسِ مثلاً مِمّا ليس مِن لَوازِمِهِ، ومثلُهُ ما قدَّمناه(٢) مِن مسألةِ الهَبَةِ
وغيرِها، هذا ما ظهَرَ لي في هذا المحلِّ، فتأمَّلْ.
(قولُهُ: ثمَّ لا يَخفى أنَّ هذا التَّعريفَ مع ما فيه مِن التَّعْقِيدِ خاصٌّ بالمُوجَبِ الذي وَقَعَ الحُكمُ به
صحيحاً إلخ) ليس في التّعريفِ ما يَقْتضِي تخصيصَ المُوجَبِ بالذي وقَعَ الحُكمُ به صحيحاً، بل هو أعمُّ مِمّا
وقَعَ الحكمُ به صحيحاً أوْ لا.
(١) صـ ٤٢٩ - "در".
(٢) في المقولة السابقة.
الجزء السادس عشر
٤٣١
فصل في الحبْس
ولو قال الْمُوثِّقُ: وحكَمَ بِمُقتضاهُ لا يصحُّ؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يَقتضِي بُطْلانَ نفسِهِ.
وبه ظهَرَ أنَّ الحُكمَ بِالمُوجَبِ أَعَمُّ، "نهر)(١). (إلّ ما) عَرِيَ عن دليلٍ، "مجمع"،
أو (خالَفَ كتاباً) لم يَختِلِفْ في تأويلِهِ السَّلَفُ ..
[٢٦٢٩١] (قولُهُ: ولو قال(٢) الموثّقُ) هو كاتبُ القاضي الذي يَكُتُبُ الوَثِيقَةَ، وهي المسمّاةُ
حُجَّةً في زمانِنا.
[٢٦٢٩٢] (قولُهُ: وبه ظهَرَ أنَّ الْحُكمَ بِالْمُوحَبِ أَعَمُّ) أي: مِنَ الْمُقْتَضَى، فإنَّ بُطْلانَ بَيْعِ
المُدَّرِ مُوجَبٌ لا مُقْتَضَّى؛ لِما ذكرَهُ، فكلُّ مُقْتَضَّى مُوجَبٌ ولا عكسَ.
والضَّميرُ في ((به)) عائدٌ إلى قولِهِ: ((ولو قال الموثّقُ إلخ))، فإنَّ "الشّارحَ" اقْتَصَرَ على
التَّمْثِيلِ بَيْعِ الْمُدَّرِ الذي هو مِن أفرادِ المُوجَبِ ليُبِّهَ على أنَّ الموحَبَ لا يَلزَمُ كونُهُ مُقْتَضَّى،
فلا يَرِدُ ما قيل: إنَّ الذي ظهَرَ مِن عبارتِهِ أنَّ بينَهما الَّبَايُنَ لا العُمُومَ، فافهم.
[٢٦٢٩٣] (قولُهُ: "مجمع") لم يُمثّلْ له في "شرحِهِ"، قال "ط"(٣): ((والمرادُ به - كما
رأيتُهُ بهامشِهِ - نحوُ القضاءِ بسُقُوطِ الدَّيْنِ عندَ تَرْكِ المُطالَبةِ به سنين)).
مطلبٌ في الحُكمِ بما خالَفَ الكتابَ أو السُّنَّةَ أو الإجماعَ
[٢٦٢٩٤] (قولُهُ: لم يَخْتِفْ في تأويلِهِ السَّلَفُ) الجملةُ صفةُ ((كتاباً))، والمرادُ
بـ ((السَّلَفُ)): الصَّحابةُ والّابعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ لقولِ "الهداية"(٤): ((المُعتبَرُ
الاختلافُ في الصَّدْرِ الأَوَّلِ))(٥)، وهم الصَّحابةُ والتّابعون اهـ.
(قولُهُ: والضَّمِيرُ في ((به)) عائدٌ إلى قولِهِ: ((ولو قال الْمُوثّقُ)) إلخ) لكنْ لا بدَّ مِن مُلاحظةِ تعريفِ
الموجَبِ أيضاً حتّى يَتِمَّ الظُّهُورُ المذكورُ.
(١) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٦/ب.
(٢) في النسخ جميعها: ((فإذا قال))، وما أثبتناه هو الموافق لنسخ الشارح ولقول المحشي في المقولة التي بعدها:
((والضمير في: به عائدٌ إلى قوله: ولو قال الموثق إلخ))، وقد نَبَّه على ذلك مصحِّحا "ب" و"م".
(٣) "ط": كتاب القضاء - فصل في الحبس ١٩٤/٣.
(٤) "الهداية": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ١٠٧/٣.
(٥) هنا انتهت عبارة "الهداية" كما في مطبوعتها، وما بعده لعله من "شروح الهداية"، فهو في "العناية" ٣٩٧/٦.
حاشية ابن عابدين
٤٣٢
قسم المعاملات
كمَتْرُوكِ تسميةٍ (١)، (أو سُنّةً مشهورةً).
وعليه فلا يُعتَبرُ اختلافُ مَن بعدَهم كـ "مالِكٍ" و "الشّافعيِّ"، وسيأتي(٢) أنَّه خلافُ الأصحِّ.
[٢٦٢٩٥] (قولُهُ: كمَتْرُوكِ تسميةٍ) أي: عَمْدً، فإنَّه مُخالِفٌ لظاهرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَاتَأْكُلُواْ
مِمَّا لَمْيُذْكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] بناءً على أنَّ الواوَ في قولِهِ: ﴿وَإِنَّهُ وَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]
للعطفِ، والضَّميرُ راجعٌ إلى مصدرِ الفعلِ الذي دخَلَ عليه حرفُ النَّهيٍ، أو إلى الموصولِ،
واحتمالُ كونِها حاليًّ - فتكونُ قَيْدَاً لَنَّهي - رُدَّ بأنَّ الَّأْكِيدَ بـ: إنَّ واللّمِ يَنْفيهِ؛ لأنَّ الحالَ في
النَّهيِ مَبْناهُ على الَّقْدِيرِ، كأنَّه قيل: لا تأكلوا مِنه إنْ كان فِسْقاً، فلا يَصلُحُ ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾،
بل: وهو فِسْقٌ، ولو سُلِّمَ فلا نُسلِّمُ أَنَّه قَيْدٌ للَّهي، بل هو إشارةٌ إلى المعنى الُوْجِبِ له
كـ: لا تُهِنْ زيداً وهو أخوك، ولا تَشْرَبِ الْخَمْرَ وهو حرامٌ عليك، "نهر "(٣) مُوَضَّحاً، وتمامُهُ
في "رسالةِ ابن نجيمٍ"(٤) المؤلّفةِ في هذه المسألة.
[٢٦٢٩٦] (قولُهُ: أو سُنَّةً مشهورةً) قَيَّدَ بالمشهورةِ احترازاً عن الغريبِ، "زيلعيّ"(٥).
ولا بدَّ هاهنا مِن تَغْيِيدِ الكتابِ بأنْ لا يكونَ قَطْعِيَّ الدِّلالةِ، وتَقْبِيدِ السُّنَّةِ بأنْ تكونَ مشهورةً
أو مُتواتِرَةً غيرَ قَطْعَّةِ الدِّلالةِ، وإلّ فمُخالَفةُ المُنواتِ [٣/ ٢١٥/ب] مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ إذا كان
قَطْعِيَّ الدِّلالةِ كُفْرٌ، كذا في "التَّلويح"(٦). وأمّا إذا وَقَعَ الخلافُ في أَنَّه مُؤْوَّلٌ أو غيرُ مُؤوَّلٍ
فلا بدَّ أنْ يَترجَّحَ أحدُ القولين بُبُوتِ دليلِ التَّأُويلِ، فَقَعَ الاجتهادُ في بعضِ أَفْرادِ هذا القسمِ
أَنَّه مِمّا يَسُوغُ فيه الاجتهادُ أم لا، كذا في "الفتح"(٧).
(قولُهُ: أو إلى الموصولِ) على معنى: وإِنَّ أَكْلُهُ فِسْقٌ، أو جُعِلَ ما لم يُذكَرْ عليه اسمُ الله مِن نفسِهِ فِسْقاً، "نهر ".
(١) في "و": ((التسمية)).
(٢) المقولة [٢٦٢٩٦] قوله: ((أو سُنَّةٌ مشهورةً)).
(٣) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق ٤٣٥/أ.
(٤) انظر الرسالة السادسة والعشرون: في متروك التسمية عمداً صـ٢١٢ - وما بعدها (ضمن "رسائل ابن نجيم").
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٨٩/٤.
(٦) "التلويح": الركن الرابع: القياس - العوارض المكتسبة إمَّا في نفسه وإمَّا في غيره ١٨٣/٢.
(٧) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٣٩٣/٦ - ٣٩٤.
الجزء السادس عشر
٤٣٣
فصل في الحبْس
وظاهرُ كلامِهم يُعطِي أنَّ آيةَ التَّسميةِ على الذَّبيحةِ لا تَقَبَلُ التَّأْوِيلَ، بل هي نَصٌّ في
المُدَّعَى، وفيه نَظَرٌ يَظهَرُ مِمّا مَرَّ، "نهر "(١)، أي: ما مَرَّ(٢) مِن احتمالٍ أَوجُهِ الإعرابِ، على أنَّه إذا
كان المرادُ مِن النَّصِّ ظَنِّيَّ الدِّلالةِ كما مَرَّ ففي عدمٍ نَفَاذِ الحُكمِ بِمُعارِضِهِ نَظَرٌ ظاهرٌ كما قالَهُ
العلّمَةُ "ابنُ أمير حاجٌّ" في "شرح التَّحرير"(٣)، ثمَّ قال: ((والذي يَظهَرُ: أنَّ القضاءَ بِحِلِّ مَتْروكِ
الَّسميةِ عَمْدً وبشاهدٍ ويمينٍ يَنفُذُ مِن غيرِ تَوَقُّفٍ على إمضاءٍ قاضٍ آخَرَ، وَبَيْعِ أُمَّهاتِ الأولادِ
لا ◌َنْفُذُ ما لم يُمْضِهِ قاضٍ آخَرُ) اهـ.
قلتُ: لكنْ قد عَلِمتَ أنَّ عدمَ النَّفاذِ في مَتْروكِ التَّسميةِ مبنيٌّ على أنَّه لم يَخْتِفْ فيه
السَّلَفُ، وأَنَّه لا اعتبارَ بُوُجُودِ الخلافِ بعدَهم، وحينئذٍ فلا يُفيدُ احتمالُ الآيةِ أَوْجُهاً مِن
الإعرابِ، نَعَمْ على ما يأتي(٤) مِن تصحيحِ اعتبارِ اختلافِ مَن بعدَهم يُقوَّى هذا البحثُ،
ويُؤْيِّدُهُ ما في "الخلاصة"(٥): ((مِن أنَّ القضاءَ بِحِلِّ مَتْروكِ التَّسميةِ عَمْدً جائزٌ عندَهما
لا عند "أبي يوسف"))، وكذا ما في "الفتح"(٦) عن "المنتقى"(٧): ((مِن أَنَّ العِبْرَةَ في كون
الَحَلِّ مُحَتَهَدً فيه اشتباهُ الدَّليلِ لا حقيقةُ الخلاف)). قال في "الفتح"(٨): ((ولا يَخفى أنَّ كلَّ
خِلافٍ بيننا وبينَ "الشّافعيِّ" أو غيرِهِ مَحَلُّ اشتباهِ الدَّليلِ، فلا يجوزُ نَقْضُهُ بلا تَوَقُّفٍ على
كونِهِ بينَ الصَّدْرِ الأوَّلِ))، والذي حَقِّقَهُ في "البحر"(٩): ((أنَّ "صاحبَ الهداية" أشار إلى القولين،
٣٢٩/٤
(١) "النهر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ق٤٣٥/أ بتصرف.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "التقرير والتحبير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه إلخ - مسألة: الجبائيُّ ويُنسَبُ إلى المعتزلة: لا حُكْمَ في
المسألة الاجتهادية إلخ ٣٢٤/٣.
(٤) المقولة [٢٦٣١٨] قوله: ((الأصحُّ: نَعَمْ)).
(٥) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الرابع فيما يتعلق بقضاء القاضي وفي قضاء القاضي بعلمه إلخ ق ٢٠١/أ.
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٣٩٤/٦.
(٧) في "الأصل": (("المبتغى"))، وفي "٢": (("الملتقى"))، وما أثبتناه من "ب" و"م" هو الموافق لعبارة "الفتح".
(٨) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ٣٩٥/٦ باختصار.
(٩) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٢/٧ - ١٣.
حاشية ابن عابدين
٤٣٤
قسم المعاملات
كَتَحْليلٍ بلا وطءٍ؛ لِمُخالفتِهِ حديثَ العُسَيْلِةِ المشهور*
فإنَّه ذكَرَ أوَّلاً(١) عبارةَ "القُدُوريّ(٢) - وهي: وإذا رُفِعَ إليه حُكمُ حاكمٍ أَمْضاهُ إلّ أنْ يُخالِفَ
الكتابَ أو السُّةَ أو الإجماعَ- وذكَرَ ثانياً(٣) عبارةَ "الجامع الصَّغير (٤)، وهي: وما اختَلَفَ فيه الفقهاءُ
فَقَضَى به القاضي، ثمَّ جاءَ قاضٍ آخَرُ يَرَى غيرَ ذلك أَمْضاهُ. فما ذكرَهُ أصحابُ الفتاوى مِن المسائلِ
الآتيةِ التي لا يَنفُذُ فيها قضاءُ القاضي مبنيٌّ على عبارةِ "القُدُوريّ"، لا على ما في "الجامع"، ومَن قال:
لا اعتبارَ بخلافِ "مالكٍ" و"الشّافِعِيِّ " اعتَمَدَ قولَ "القُدُوريّ"، ومَن قال باعتبارِهِ اعْتَمَدَ ما في
"الجامع". وفي "الواقعاتِ الحُساميَّةِ" عن الفقيهِ "أبي اللَّيث"(*): وبه - أي: بما في "الجامع" - نأخُذُ،
لكنْ في "شرح أدب القضاء"(٦): أنَّ الفَتْوى على ما في "القُدُوريّ")) اهـ مُلخَّصاً.
فقد ظهَرَ أَنَّهما قولان مُصحَّحان، والمتونُ على ما في "القُدُوريّ"، والأوجهُ ما في
"الجامع"، ولذا رَجَّحَهُ في "الفتح" كما يأتي(٧) أيضاً.
[٢٦٢٩٧) (قولُهُ: كَتَحْليلٍ بلا وطءٍ) أي: تحليلِ المطلّقةِ الثَّلاثِ بِمُحرَّدٍ عَقْدِ المُحلِّلِ
بلا دُخُولٍ عَمَلاً بقولِ "سعيدٍ)(٨)، "بحر "(٩).
(١) "الهداية": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل آخر ١٠٧/٣.
(٢) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب أدب القاضي ٨٧/٤ - ٨٨.
(٣) "الهداية": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي - فصل: ويجوز قضاء المرأة في كلِّ شيء إلا في
الحدود والقصاص ١٠٧/٣.
(٤) "الجامع الصغير": كتاب القضاء - باب من القضاء صـ٣٩٩ -.
(٥) لم نعثر على النقل في كتب أبي الليث السَّمرقنديّ التي بين أيدينا.
(٦) "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب الحادي والأربعون في القاضي ترفع إليه قضية قاض مما ينفذها ١١٩/٣.
(٧) المقولة [٢٦٣٠١] قوله: ((ومِن ذلك ما لو قَضَى بشاهدٍ ويمينٍ)).
(٨) تقدم تخريجه ٨٣٦/١٣.
(٩) "البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ١٤/٧.
* روی سفيانُ ويونسُ وشُعيبٌ ومَعمرٌ وعُقَيلُ وابنُ أبي ذئب وزَمعةُ وابنُ جُريج والوليدُ بن محمَّد المُوَقَّريُّ وأُوبُ بن موسى،
كلُّهم عن الزُّهريِّ عن عُرْوةَ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((جاءتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَضِيِّ إلى الَِّيِّ ◌ِ﴿ وأنا جالسةٌ وعنده
أبو بكر، فقالت: يا رسولَ الله! إنّي كنتُ عند رِفَاعَةَ فطلّقني فَبَتَّ طلاقي، فتزوَّجتُ عبدَ الرَّحمن بن الزَّبِيرِ، وإِنَّه ما معه مثلُ
هُدْبَةِ الَّوب، وأخَذَتْ بِهُدْبةِ جلبابها، فتبسَّمَ رسولُ اللهِ ﴿ ضاحكاً، فقال: أتريدين أنْ ترجِعِي إلى رِفاعةً؟! لا حَتّى تذوقي =
الجزء السادس عشر
٤٣٥
فصل في الحبْس
عُسيلتَهُ ويذوقَ عُسيلتَكِ، قالت: وأبو بكر عنده، وخالدُ بن سعيدٍ بالباب ينتظرُ أنْ يُؤْذَنَ له، فنادى يا أبا بكرٍ! ألا تسمَعُ
هذه ما تجهَرُ به عند رسولِ الله ﴿؟!)). زادَ شُعيب: فصارت سُنّةً بعدَه. وألفاظُهم مُتقاربة.
أخرجه البخاريُّ (٢٦٣٩) في الشَّهادات - باب شهادة المُختبئ، و(٥٢٦٠) في الطَّلاق - باب مَن جوَّز الطَّلاق
الثَّلاث، و(٥٧٩٢) في اللّاس - باب الإزار الْمُهدَّب، و(٦٠٨٤) في الأدب - باب التَّسُّم والضَّحِك، ومسلمٌ (١٤٣٣)
في النّكاح - باب لا تَحِلُّ المطلّقة ثلاثاً لُطلّقها حتّى تَنكِحَ زوجاً غيرَه، والترمذيُّ (١١١٨) في النّكاح - باب فيمَنْ
يُطلِق امرأتَه ثلاثاً فيتزوَّجُها آخَرُ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في "المجتبى"١٤٦/٦ و١٤٧ و١٤٨،
و "الكبرى" (٥٦٠١) و(٠٢ ٥٦) و(٥٦٠٤) في الطَّلاق - باب الطَّلاق للتي تَنكِحُ زوجاً، وباب طلاق البّة، وباب
إحلال الْمُطَلِّقة ثلاثاً، وابنُ ماجَه (١٩٣٢) في النّكاح - باب الرَّجُل يُطلّق امرأتَه ثلاثاً فتزوَّجُ فُيُطلّقُها قبلَ أنْ يدخُلَ بها،
والشّافعيُّ كما في "مسنده" ٣٤/٢ - ٣٥، وسعيدُ بن منصور في "السنن" (١٩٨٥) دون ذكر عُرْوةً، وأحمدُ ٣٤/٦
و٣٧ - ٣٨ و٢٢٦، وإسحاقُ بن راهْوَيْه (٧١٤)، وعبدُ الرَّزّاق في "المصنّف" (١١١٣١)، والطّالسيُّ (١٤٣٧)
و(١٤٧٣)، وابنُ أبي شَيبةَ في "المصنّف" ٣٧٧/٣، والحُميديُّ (٢٢٨)، والدّارميُّ (٢٢٦٧)، وأبو يَعْلى (٤٤٢٣)،
والطّبريُّ في "تفسيره" [البقرة/٢٣٠]، وابنُ الجارود في "المنتقى" (٦٨٣)، وأبو عَوانةَ في "مسنده" (٤٣١٨ - ٤٣٢٤)،
والطَّيرانيُّ في "الأوسط" (٨٦٤٠)، و"مسند الشّامِّين" (٣٠٨٦)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" ٧٣/٧ مُتَّصلاً بقِصَّة طلاق
ابنِ عمرَ، وأبو نُعَيم في "المستخرج" (٣٤٥١ - ٣٤٥٣)، وتَمّام في "فوائده" كما في "الرَّوض البسّام" (٨٠٥)، والبيهقيُّ
في "الكبرى" ٣٧٣/٧ و٣٧٤، وفي "معرفة السنن والآثار" (١٤٩٠٨)، وابنُ عبد البَرِّ في "النَّمهيد" ٢٢٣/١٣.
وزاد الحميديُّ: قيل لسفيانَ: فإنَّ مالكاً لا يَرويه عن الزُّهريِّ، إنّما يَرويه عن المِسوَر بن رِفاعةَ؟ فقال
سفيانُ: لكنّا قد سَمِعناه مِن الزُّهريِّ كما قصصناه عليكم.
زاد المُوَقِّريُّ عن الزُّهريِّ: وقال الله في كتابه: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا
العدة﴾، فلم يكنِ النّاسُ يَرون الطَّلاق للعِدَّة حتّى سنَّ رسولُ اللهِ﴿ في طلاقِ طلّقه ابنُ عمرَ امرأته، وأخبرَ ذلك
عمرُ رسولَ الله فتغَّظَ رسولُ اللهِوَ ◌ّ على ابن عمرَ ... الحديث. ذكره ابنُ عَدِيٍّ، ثمَّ قال: وهذا عن الزُّهريِّ
لا يَرويه غيرُ (الوليد بن محمَّد) المُوَقِرِيِّ عنه، وكانت عائشةُ حَكَتْ طلاقَ ابنِ عمرَ عن عمرَ، فصار الحديث عن
عائشةَ عن ابن عمرَ، وهذا لا يَرويه على هذا النَّسَقَ غيرُ الْمُوَقِّريِّ عن الزُّهرِيِّ، ثمَّ قال: وللمُوَقَّريِّ غيرُ ما ذكرتُ،
وكلُّ أحاديثه غيرُ محفوظة.
ورواه يحيى بنُ سعيدٍ وأبو أسامةَ وعَبدةُ وأبو معاويةَ وابنُ المبارك وعليُّ بن مُسهِرٍ وزائدةُ وابنُ فُضِيل
وعبدُ العزيز بن محمَّد ومُحاضرُ بن الُورِّع، كلُّهم عن هشامٍ بن عُرْوةً عن أبيه عن عائشةَ ((طلَّق رجلٌ امرأته،
فتزوَّجَت زوجاً غيرَه فطلَّقَها، وكان معه مثلُ الهُدْبة، فلم تَصِلْ مِنه إلى شيءٍ تُريدُه، فلم يلبَثْ أَنْ طلّقَها، فأَتَتِ النَّبِيَّ
﴿، فقالت: يا رسولَ الله إنَّ زوجي طلّقني، وإِنِّي تزوَّجتُ زوجاً غيرَه، فدَخَلَ بي، ولم يكنْ معه إلّ مثلُ الهُدْبة،
فلم يَقْربْنِي إِلّ هَنَّةً واحدةً لم يَصِلْ مِنِّي إلى شيءٍ، فأحِلُّ لزوجي الأوَّلِ؟ فقال رسولُ اللهِ﴿ّ: لا تَحِلِّين لزوجك
الأوَّلِ حَتّى يذوقَ الآخَرُ عُسيلتَكِ وتذوقِي عُسيَّهُ)).
حاشية ابن عابدين
٤٣٦
قسم المعاملات
أخرجه البخاريُّ (٥٢٦٥) في الطَّلاق - باب مَن قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام، و(٥٣١٧) في الطَّلاق - باب إذا
طَلَّقها ثلاثاً ثمَّ تزوَّجَت، ومسلمٌ (١٤٣٣)، وأحمدُ ١٩٣/٦ و٢٢٩، وابنُ راهْوَيْه (٧١٨) و(٧١٩)، والدّارِميُّ
(٢٢٦٨)، والطَّريُّ في "تفسيره" [البقرة/٢٣٠]، وأبو عَوانةَ في "مسنده" (٤٣٢٥) و(٤٣٢٦) و(٤٣٢٧) و(٤٣٢٨)،
والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٧٤٦٩)، وأبو نُعَيم في "المستخرج" (٣٤٥٤)، والبيهقيُّ في "الكبرى" ٣٧٤/٧، وابنُ عبد البَرِّ
في "التَّمهيد" ٢٢٢/١٣.
وقال الطَّرانيُّ: لم يَروِ هذا الحديثَ عن محمَّد بن إسحاقَ إلّ سَلَمَةُ بن الفَضْلِ، ولفظُه: ((والله يا تميمة
لا ترجعين إلى عبد الرَّحمن حتّى يذوقَ عُسيلتَكِ رجُلٌ غيرُه)).
وأورده الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "الفتح" مُرسَلاً عن عُرْوةَ، ونسَبَه إلى ابن إسحاقَ في "المغازي"، ثمَّ قال: وهو
مع إرساله مقلوبٌ، والمحفوظُ ما اتّفَق عليه الجماعةُ عن هشام.
ورواه حمّادُ بن سَلَمَةَ عن هشامٍ بن عُرْوةً عن أبيه عن عائشةَ أنَّ رسولَ الله لَ﴿ّ قال للغميصاء: ((لا، حتّى
يذوقَ عُسيلتَكِ وتذوقي عُسيلتَهُ)).
أخرجه الطَّبرانيُّ في "الكبير" ٢٤/(٨٦٩). وتصحَّف عائشة إلى هشام.
ورواه ◌ُبِيدُ الله بن عمرَ ويحيى بنُ سعيدٍ عن القاسم بن محمَّدٍ عن عائشةَ قالت: طلَّق رجُلٌ امرأتَه ثلاثاً،
فتزوَّجَها رجُلٌ، ثمَّ طلِّقَها قبلَ أنْ يدخُلَ بها، فأرادَ زوجُها الأوَّلُ أنْ يتزوَّجَها، فسئل رسولُ الله ◌ُ ◌ّ عن ذلك، فقال:
((لا، حتّى يذوقَ الآخَرُ عُسيلتَها ما ذاقَ الأَوَّلُ)).
أخرجه مالكٌ في "الموطأ" ٥٣١/٢، والبخاريُّ (٥٢٦١) في الطَّلاق - باب مَن جَوَّزَ الطَّلاق الثّلاث، ومسلمٌ
(١٤٣٣)، والنَّسائيُّ في "المحتبى" ١٤٨/٦، و"الكبرى" (٥٦٠٥) في الطِّلاق - باب إحلال المطلّقة ثلاثاً، وأحمدُ
١٩٣/٦، وإسحاقُ بن راهْوَيْه (٧١٥) و(٧١٧)، وابنُ أبي شيبةَ ٣٧٨/٣، والطَّبريُّ في "تفسيره" [البقرة/٢٣٠]،
وأبو يَعْلَى (٤٩٦٤) و(٤٩٦٥)، وابنُ حبّانَ في "صحيحه" كما في "الإِحسان" (٤١١٩) و(٤١٢٠)، وأبو عَوانةً في
"مسنده" (٤٣٢٩ - ٤٣٣٢)، وأبو نُعَيم في "المستخرج" (٣٤٥٥)، و"تاريخ أصبهان" ١٧٣/١، والبيهقيُّ في
"الكبرى" ٣٢٩/٧ و٣٣٤ و٣٧٤، وفي "معرفة السنن والآثار" (١٤٦٩٢)، والخطيبُ في "تاريخ بغداد" ٥/٥ -٦.
ورواه أبو معاويةً عن الأعمش عن إبراهيمَ عن الأسود عن عائشةَ قالت: ((سئل رسولُ اللهِ﴿ عن رجُلٍ طَلَّق
امرأتَه - يعني: ثلاثاً - فتزوَّجَت زوجاً غيرَه، فدخَلَ بها، ثمَّ طلّقَها قبلَ أنْ يواقِعَها، أَتَحِلُّ للأوَّل؟ فقال رسول الله ◌ِصلّ:
((لا، حتّى يذوقَ الآخَرُ عُسيلتَها وتذوقَ عُسيلتَهُ)). قال أحمدُ: ولم يَرفَعْه يعلى.
أخرجه أحمدُ ٤٢/٦، وإسحاقُ بن راهْوَيْه (١٥٣٨)، وابنُ أبي شيبةَ في "المصنّف" ٣٧٧/٣، وأبو داودَ (٢٣٠٩)
في الطِّلاق - باب في المبتوتة لا يرجعُ إليها زوجُها حتّى تَنكِحَ زوجاً غيرَه، والنَّسائيُّ في "المجتبى" ١٤٦/٦، و"الكبرى"
(٥٦٠٠) في الطَّلاق - باب الطَّلاق للتي تَنكِحُ زوجاً ثُمَّ لا يدخُلُ بها، والطِّبريُّ في "تفسيره" [البقرة/٢٣٠]، وابنُ
حبّانَ كما في "الإِحسان" (٤١٢٢)، وابنُ عبد البرِّ في " التَّمهيد" ٢٣٠/١٣ - ٢٣١.
ورواه هُشَيم أخبرنا مغيرةُ عن إبراهيمَ عن عائشةَ أنَّها قالت: ((حتّى تذوقَ عُسيلتَها وتذوقَ عُسيلتَهُ)).
أخرجه سعيدُ بن منصورٍ في "السنن" (١٩٨٨).
=
الجزء السادس عشر
٤٣٧
فصل في الحبْس
ورواه بشرُ بن ثابتٍ حدَّثنا شعبةُ عن يحيى بنِ أبي إسحاقَ عن أبيه عن سليمانَ بن يسارٍ عن عائشةَ رضي الله
=
عنها أنَّ رجُلاً طلِّق امرأتَه ثلاثاً، فتزوَّجَها رجُلٌ، فطلِّقَها قبلَ أنْ يدخُلَ بها، فأرادَ الأَوَّلُ أنْ يتزَوَّحَها، فقال النّبِيُّ ◌ِ لّ:
((لا، حتى تذوقي عُسيلتَهُ)).
أخرجه ابنُ عبد البرِّ في "التَّمهيد" ٢٢٤/١٣.
وخالَفه زكريًّا بنُ إسحاقَ عن هُشَيم فرواه عن يحيى بنِ أبي إسحاقَ عن سليمانَ بن يسارِ عن عُبيد الله والفَضْلِ بن
عبّاس أنَّ الْغُمَيصاءَ أوِ الرُّمَيصاءَ جاءت تشكو زوجَها إلى رسولِ الله ◌ِ﴿ه قالت: إنّه لا يَصِلُ إليها، فقال: كَذَبَتْ يا
رسولَ الله! ولكنّها تُريدُ أنْ ترجِعَ إلى زوجِها الأوَّلِ، قال: فقال رسولُ الله ◌ُّ: ((لا تَحِلُّ له حَتّى يذوقَ عُسيلتَها)).
أخرجه أبو يَعْلى (٦٦٨٧).
ورواه يعقوبُ بن إبراهيمَ ويعقوبُ بن ماهانَ عن هُشَيم أخبرنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ عن سليمانَ بنِ يسارٍ
عن عُبيد الله عن ابن عبّاس به. أخرجه الطَّريُّ في "تفسيره" [البقرة/٢٣٠].
ورواه سعيد بن منصورٍ وعليُّ بن حُجْرٍ عن هُشَيم أخبرني يحيى بنُ أبي إسحاقَ الحضرميُّ عن سليمانَ بنِ
يسارِ عن عبد الله بن عبّاس ((أنَّ الرُّمَيصَاءَ أو الرُّمَيضاءَ ... )). أخرجه النَّسائيُّ في "المجتبى" ١٤٨/٦،
و "الكبرى" (٥٦٠٦)، وسعيدُ بن منصور في "السنن" (١٩٨٤).
ورواه عبدُ الرَّزّاق (١١١٣٣) و(١١١٣٤) عن ابن جُريجٍ قال: أخبرني عطاء الْخُراسانيُّ عن ابن عبّاس بمثل
حديث الزُّهريِّ، وزاد: فَقَعَدتْ ثُمَّ جاءته بعدُ، فأخبرته أنّه قد مسَّها، فمنَعَها أنْ ترجِعَ إلى زوجِها الأوَّلِ، ثمَّ قال: اللهمَّ
إنْ كان إنما [تزوج] بها لُيُحِلَّها لرِفاعةَ، فلا يَتِمُّ له نكاحُه مرَّةً أُخرى، ثمَّ أَتَتْ أبا بكر وعمرَ في خلافتهما فمنعاها.
ورواه مسلمُ بن إبراهيمَ عن عبد العزيز بن المختار حدَّثنا عبدُ الله بن الدّاناج عن أبي رافعٍ عن أبي هريرة
قال: حدَّثْتَني أُمُّ المؤمنين - ولا أراها إلّ عائشةَ - عن النّبِيِّمَّ قال: ((لا تَحِلُّ للأوَّلِ حَتّى يذوقَ الآخَرُ عُسيلتَها)).
أخرجه ابنُ عبد البرِّ في "التَّمهيد" ٢٣١/١٣ - ٢٣٢، وأبو نُعَيم في "الحلية" ٤١/٩، وقال: عن عبد الله بن
فيروز بدَلَ ابن الدّاناج.
ورواه مروانُ بن معاويةَ الفَزاريُّ عن أبي عبد الملك المكِّيِّ عن عبد الله بن أبي مُلَيكة عن عائشةَ أنَّ الَّبِيَّ ◌ِ *
قال: ((العُسيلَةُ: الجماعُ)). وفي روايةٍ: ((إنّما عنَى بالعُسيلَةِ النكاحَ)).
أخرجه أحمدُ ٦٢/٦، والبخاريُّ في "التّاريخ الكبير" ٤٩٤/٣، وأبو يَعْلى (٤٨١٣) و(٤٨٨١)، وابنُ عَدِيٍّ في
"الكامل" ٣٨٩/٣ مُطوَّلاً، والدّار قطنيُّ في "السنن" ٢٥٢/٣، وأبو نُعَيم في "الحلية" ٢٢٦/٩. وقال البخاريُّ: لا يُتابَعُ
عليه. وقال الذّهبيُّ: غريبٌ. وأبو عبد الملك المكِيُّ: سعيدُ بن عبد الرَّحمن أبو راشدٍ أبو شَيبةَ الزُّبيديُّ، وكان مروانُ
الفَزاريُّ يُدلِّسُ اسمَه على أنحاءَ مُتَعدِّدةٍ مِمّا أدَّى إلى الاختلاف فيه.
قال ابنُ عَدِيٌّ: يُحدِّثُ عن عطاء وابنِ أبي مُلَيكة وغيرِهما مِمّا لا يُتَابَعُ عليه، ولا أعلمُ يَروي عنه غيرُ مروانَ
الفَزاريِّ، وإذا روى عنه رجُلٌ واحدٌ كان شبهَ المجهول.
ورواه عبدُ الوهّاب عن أُيُوبَ عن عكرمةَ أنَّ رِفاعةَ طلّق امرأته، فتزوَّجَها عبدُ الرَّحمن بن الرَّبِيرِ القُرَظيُّ، قالت
عائشةُ: وعليها ثمارٌ أخضرُ، فشَكَتْ إليها وأَرَتْهَا خُضرةً بجلدها، فلمّا جاءَ رسولُ اللهِلَ﴿وَ - والنّساءُ ينصُرُ بعضُهنَّ -
حاشية ابن عابدين
٤٣٨
قسم المعاملات
= بعضاً - قالت عائشةُ: ما رأيتُ مثلَ ما يلقَى المؤمناتِ! لَجِدُها أشدُّ خُضرةً مِن ثوبها !! قال: وسمع أنَّها أَتَّتْ رسول الله
﴿، فجاءَ ومعه ابنان له مِن غيرها، قالت: والله ما لي إليه ذنبٌ إلاّ أنَّ ما معه ليس بأغَنَى عنّي مِن هذه، وأخَذَتْ هُدْبةً
مِن ثوبها، فقال: كَذَّبَتْ والله يا رسولَ الله! إنّي لأَنْفُضُها نَفْضَ الأديم، ولكِنِّها ناشرٌ تُريدُ رِفاعةً، فقال رسولُ الله ◌ِ ◌ّ:
((فإنْ كان ذلك لم تَحِّي له، أو لم تصلُحي له حتّى يذوقَ عُسيلتَكِ))، قال: وأبصَرَ معه ابنين له، فقال: بنوك هؤلاء؟
قال: نعم، قال: ((هذا الذي تزعُمين ما تزعُمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب)).
أخرجه البخاريُّ (٥٨٢٥) في اللّاس - باب الثّيابِ الْخُضْرِ.
ورواه عبدُ العزيز بن الحُصَّين عن أيُّوبَ عن ◌ِكرمةَ عن عائشةَ قالت: جائتِ امرأةُ رِفاعةَ إلى النّبِيِّ ◌ِ .
فقالت: يا رسولَ الله إنّي كنتُ عند رِفاعةً، وإنَّه طلّقني فأَبَتَّ طلاقي، فَنَكَحتُ بعده عبدَ الرَّحمن بن الزَّبير،
فوالله ما معه إلاّ مثلُ الهُدْبة، فقال رسول الله مَ ﴿لَ: ((لعلَّكِ تُريدين أنْ ترجعي إلى رِفاعةً؟)) قالت: نعم، قال:
((لا، حَتّى تذوقي مِن عُسيلَتِه ويذوقَ مِن عُسيلَتِكِ)).
أخرجه ابنُ عَدِيٌّ في "الكامل" ٢٨٦/٥. وقال: وهذا مِن حديث أُّوبَ غريبٌ، لا أعلَمُ يَرويه عن أُيُوبَ
غير عبدِ العزيز هذا. وعبدُ العزيز: قال يحيى: ضعيفُ الحديث، قال البخاريُّ: ليس بالقويِّ.
ورواه حمّادُ بن سَلَمَةَ وزائدةُ بن قُدامةَ عن عليٍّ بن زيدٍ عن أُمِّ محمَّد عن عائشةَ به.
أخرجه أحمدُ ٩٦/٦، والطَّيالسيُّ (١٥٦٠)، والطَّريُّ في "تفسيره " [البقرة/٢٣٠]، والدار قطنيُّ ٣٢/٤ -٣٣. وأُّ محمَّد:
تَفَرَّدَ بالرِّواية عنها عليٌّ بن زيدٍ، وهي امرأةُ أبيه، وقيل: عمَّتُه، وهي أُمَّة، ويقال: أَمينة بنتُ عبد الله، مجهولة.
وروى الشّافعيُّ ويحيى بنُ بُكير وأحمدُ بن أبي بكرٍ وغيرُهم عن مالكٍ عن المِسوَر بن رِفاعةَ القُرَطيِّ عن
الزَّبير بن عبد الرَّحمن بن الزَّبير أنَّ رِفاعةَ بنَ سموألَ طلِّق امرأتَه تميمةَ بنتَ وَهْبٍ في عهد رسولِ اللهِلَ﴿ ثلاثاً،
فَنَكَحها عبدُ الرَّحمن بن الزَّبير، فلم يستطِعْ أنْ يَسَّها، ففارَقَها، فأراد رِفاعةُ أنْ ينكِحَها - وهو زوجُها الأَوَّلُ الذي
كان طلِّقها - فذكر لرسول الله {﴿، فنهاه أنْ يتزوَّجَها، وقال: ((لا تَجِلُّ لكَ حَتّى تذوقَ العُسيلَةَ)).
أخرجه مالكٌ في "الموطأ" ٥٣١/٢ في النكاح - باب نكاح المُحلِّل - وعنه الشّافعيُّ في "الأم" ٢٤٨/٥، وابنُ حبّانَ
كما في "الإِحسان" (٤١٢١)، والبيهقيُّ في "معرفة السنن والآثار" (١٤٩٠٩)، وابنُ عبد البرِّ في "الَّمهيد" ٢٢٠/١٣.
قال البَزّار: رواه مالكٌ في "الموطأ" عن المِسوَر بن رِفاعةً عن الزَّبير بن عبد الرَّحمن أنَّ عبد الرَّحمن بن الزَّبير
ولم يوصِلْهِ، ووصَلَه الحنفيُّ فقال: عن أبيه، ولا نعلَمُ روى عبدُ الرَّحمن بن الزَّبير عن النّبِيِّلِ لّ.
قال ابنُ عبد البَرِّ: هكذا روى يحيى هذا الحديثَ عن مالكٍ عن المِسوَر عن الزَّبير، وهو مُرسَلٌ في روايته،
وتابَعَه على ذلك أكثرُ الرُّواة لـ "الموطأ" إلّ ابنَ وَهْبٍ، فإنّه قال فيه: عن مالكٍ عن المِسوَر عن الزَّبير بن
عبد الرَّحمن عن أبيه. فزاد في الإسناد: (عن أبيه) فوصَلَ الحديثَ، وابنُ وَهْبٍ من أجلِّ مَن روى عن مالكٍ هذا
الشّأن وأثبتِهم فيه ... فالحديثُ مُسندٌ مُتَّصلٌ صحيحٌ ... وقد تابَعَ ابنَ وَهْبٍ على توصيل هذا الحديث وإسنادِهِ
إبراهيمُ بن طَهْمَانَ وعُبِيدُ الله بن عبد المجيد الحنفيُّ، قالوا فيه: عن الزَّبير بن عبد الرَّحمن عن أبيه.
فرواه ابنُ وَهْبٍ وعُبِيدُ اللـه بن عبد المجيد الحنفيُّ عن مالكٍ عن المِسوَر عن الزَّبير عن أبيه ((أنَّ رِفَاعةَ بنَ سموألَ .. )).
قال الحاكمُ: لم يُحدث عن المسوّر بن رِفاعةَ إلّ مالكُ ابن أنسٍ، تفَرَّدَ عنه بالرِّواية.
==