النص المفهرس

صفحات 341-360

الجزء السادس عشر
٣٣٩
کتابُ القضاء
لأَنّه إنَّما يُهدَى إلى العالِمِ لعِلمِهِ(١)، بخلافِ القاضي (إلّ مِن) أربعٍ: السُّلطانِ، والباشا،
"أشباه"(٢) و"بحر "(٣)،.
ورأيتُ في "حاشية شرح المنهج" للعلامة "محمَّدٍ الدّاوديّ" الشّافعيّ(٤) ما نصُّهُ: ((قال "ع ش"(٥). ومِن
العُمّالِ مشايخُ الأسواقِ والبُلدانِ، ومُباشِرُو الأوقافِ، وكلُّ مَن يَتعاطَى أمراً يتعلَّقُ بالمسلمينَ)) انتهى.
قال "م ر" في "شرحه"(٤): ((ولا يُلحَقُ بالقاضي فيما ذُكِرَ: المفتي، والواعظُ، ومُعلِّمُ القرآنِ
والعِلمِ؛ لأَنَّهم ليس لهم أهلَيَّةُ الإِلزامِ. والأَولى في حَقِّهم إنْ كانتِ الهديَّةُ لأجلِ ما يَحصُلُ مِنهم مِن
الإفتاءِ والوعظِ والتّعليمِ عَدَمُ القُبُولِ؛ ليكونَ عِلْمُهم(٧) خالصاً للهِ تعالى، وإِنْ أُهديَ إليهم تَحِيُّاً
وتَودُّداً لِعِلِمِهم وصلاحِهِم فالأَولى القُبُولُ. وأمّا إذا أخَذَ المفتي الهديَّةَ لْيُرخّصَ في الفتوى: فإنْ كان
بوجهٍ باطلٍ فهو رجلٌ فاجرٌ، يُبدِّلُ أحكامَ اللهِ تعالى ويشتري بها ثَمَناً قليلاً، وإنْ كان بوجهٍ صحيحٍ
فهو مكروةٌ كراهةً شديدةً)) انتهى. هذا كلامُهُ، وقواعدُنا لا تأباهُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلّ باللهِ.
وأمّا إذا أخَذَ لا لِيُرخّصَ له، بل لبيانِ الحُكمِ الشَّرعيِّ فهذا ما ذَكَرَهُ أَوَّلاً، وهذا إذا لم
يكنْ بطريقِ الأُجرةِ بل محرَّدَ هديَّةٍ؛ لأنَّ أَخْذَ الأُجرَةِ على بيانِ الحُكمِ الشَّرعيِّ لا يَحِلُّ عندَنا،
وإنَّما يَحِلُّ على الكتابةِ؛ لأَنَّها غيرُ واجبةٍ عليه، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
[٢٦٠٦٩] (قولُهُ: السُّلطانِ، والباشا) عزاهُ في "الأشباه" إلى "تهذيب القَلانِسيِّ)"(٨)، قال
"الحمَوي"(٩): ((وفيه قُصورٌ؛ إذ لا يَشمَلُ القاضيَ الذي يتولَّى مِنه، وهو قاضي [٣/ق٢٠٣/أ]
(١) في "د": ((بعلمه)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدَّعاوي صـ٢٦٩-، وعبارته: ((السلطان ووالي البلد)).
(٣) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٤/٦ - ٣٠٥ بتصرف.
(٤) حاشية محمد بن عبد الحيّ بن رجب الداوديّ الدِّمشقيّ (ت١١٦٨هـ) على "شرح المنهج". ("الأعلام" ١٨٧/٦).
(٥) أي: عليّ الشَّبْرامَلْسيّ في حاشيته على "نهاية المحتاج شرح المنهاج": كتاب القضاء - فصل في آداب القضاء وغيرها
٢٥٦/٨ (هامش "نهاية المحتاج").
(٦) أي: محمّد الرّملي في "نهاية المحتاج شرح المنهاج": كتاب القضاء - فصل في آداب القضاء وغيرها ٢٥٦/٨.
(٧) في مطبوعة حاشية الشَّبْرامَلِّسيّ: ((عَمَلُهم)).
(٨) "تهذيب الواقعات" لأحمد القلانسي. ("كشف الظنون" ٥١٧/١، "الجواهر المضية" ٣٥٧/١).
(٩) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدَّعاوي ٣٦٢/٢ - ٣٦٣ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٣٤٠
قسم المعاملات
و(قَرِيِهِ) المَحْرَمِ، (أو مِمَّن حَرَت عادتُهُ بذلك) بقَدْرِ عادتِهِ،.
العسكرِ لقُضاةِ الأقطارِ، وعبارةُ "القَلانِسيِّ": ولا يَقبَلُ الهديَّةَ إلّ مِن ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أو والٍ يتولّى
الأمرَ مِنه، أو والٍ مُقدَّمِ الولايةِ على القُضاةِ. ومعناهُ: أَنَّه يَقبَلُ الهديَّةَ مِن الوالي الذي تولَّى القضاءَ
مِنه، وكذا مِن والٍ مُقَدَّمٍ عليه في الرُّبَةِ، فَإِنَّ يَشمَلُ القاضيَ الذي تولَّى مِنه والباشا)). ووجهُهُ:
أنَّ مَنْعَ قَبُولِها إنَّما هو للخوفِ مِن مُراعاتِهِ لأَجْلِها، وهو إنْ راعَى الَلِكَ ونائبَهُ لم يُراعِهِ لأَجْلِها.
[٢٦٠٧٠) (قولُهُ: المَحْرَمِ) هذا القيدُ لا بدَّ مِنه؛ ليَخرُجَ ابنُ العمِّ، "نهر"(١).
[٢٦٠٧١] (قولُهُ: أو مِمَّن جَرَت عادَتُهُ بذلك) قال في "الأشباه"(٢): ((ولم أَرَ بماذا تثُبُتُ
العادةُ)). ونقَلَ "الحمَويُّ"(٣) عن بعضِهم(٤): ((أَنَّها تَثْبُتُ بمرَّةٍ)). ثمَّ إنَّ ظاهرَ العطفِ أنَّ قَبُولَها
مِن القريبِ غيرُ مُقَّدٍ بَحَرْىٍ العادةِ مِنه، وهو ظاهرُ إطلاقِ "القُدُوريّ" (٥) و"الهداية"(٦)، وفي
"النّهاية" عن "شيخ الإسلام": ((أَنَّه قيدٌ فيه أيضاً))، وتمامُهُ في "النّهر)"(٧).
[٢٦٠٧٢) (قولُهُ: بقَدْرِ عادتِهِ) فلو زادَ لا يَقبَلُ الزّيادةَ، وذكَرَ "فخرُ الإِسلام": ((إلّ أنْ
يكونَ مالُ المُهدي قد زادٌ، فبقَدْرِ ما زادَ مالُهُ إذا زادَ في الهديَّة(٨) لا بأسَ بقَبُولِها))، "فتح"(٩).
قال في "الأشباه"(١٠): ((وظاهرُ كلامِهِ أَنَّه زادَ في القَدْرِ، فلو في المعنى كأنْ كانت عادتُهُ إهداءَ
(١) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/أ.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكمة - ما تثبت العادة به صـ١٠٣ -.
(٣) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكمة - المبحث الأول بما تثبت العادة
٢٩٩/١ بتصرف.
(٤) هو العلامة محمد السَّمَديسيّ في كتابه الذي ألفه في القواعد، كما في "غمز عيون البصائر".
(٥) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب أدب القاضي ٨١/٤.
(٦) "الهداية": كتاب أدب القاضي ١٠٣/٣.
(٧) انظر "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/أ.
(٨) في "م": ((الهداية))، وهو خطأ.
(٩) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧١/٦.
(١٠) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - النوع الثاني من القواعد - القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال
والحرام غلب الحرام صـ١٢٧ - بتصرف.

الجزء السادس عشر
٣٤١
كتابُ القضاء
ولا خُصومةَ لهما، "درر"(١).
ثوبِ كّانِ فأهدَى ثوباً حريراً لم أَرَهُ لأصحابِنا، وينبغي وجوبُ رَدِّ الكلِّ، لا بَقَدْرِ ما زادَ في
قيمِهِ؛ لعَدَمِ تمييزِها))، ونظَرَ فيه في "حواشي الأشباه"(٢).
(تنبيةٌ)
في "الفتح"(٣): ((وَيَجِبُ أنْ تكونَ هديَّةُ الْمُستقرِضِ للمُقْرِضِ كالهديَّةِ للقاضي، إنْ كان
المستقرِضُ له عادةٌ قبلَ استقراضِهِ فللمُقْرِضِ أنْ يَقبَلَ مِنه قَدْرَ ما كان يُهديهُ بلا زيادةٍ)) اهـ. قال في
"البحر "(٤): ((وهو سَهْوٌ، والمنقولُ - كما قدَّمناهُ آخِرُّ الحوالةِ - أَنَّه يَحِلُّ حيثُ لم يكنْ(٥) مشروطاً
مُطلقاً)) اهـ. وأجابَ "المقدِسيُّ": ((بأنَّ كلامَ المحقّقِ في "الفتح" مبنيٌّ على مُقْتضى الدَّليلٍ)).
(٢٦٠٧٣) (قولُهُ: ولا خُصومةً لهما) فإنْ قَبِلَها بعدَ انقطاعِ الْخُصومةِ جازَ، "ابن مَلَكٍ"،
وذكَرَهُ في "الَّهر"(٦) بحثاً. وفي "ط)(٧) عن "الحمَويّ": ((إلّ أنْ يكونَ مِمَّن لا تَتَتَاهَى خُصوماًتُهُ
کُنُظّارِ الأوقافِ ومباشِریھا)) اهـ.
قال في "البحر"(٨): ((والحاصلُ: أنَّ مَن له خُصومةٌ لا يَقبَلُها مُطلقاً، ومَن لا خُصومةَ
له: فإنْ كان له عادةٌ قبلَ القضاءِ قَبِلَ الْمُعتادَ، وإلّ فلا)) اهــ أي: سواءٌ كان مَحْرَماً أو غيرَهُ
على ما مرَّ(٩) عن "شيخ الإسلام".
٣١١/٤
(١) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤٠٦/٢.
(٢) انظر "غمز عيون البصائر": الفنُّ الأول - القواعد الكلية - النوع الثاني - القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام ٣٥٠/١.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٢/٦.
(٤) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٥/٦.
(٥) في "م": ((لم كين))، وهو خطأ طباعي.
(٦) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/أ.
(٧) "ط": كتاب القضاء ١٨٣/٣ - ١٨٤.
(٨) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٥/٦.
(٩) المقولة [٢٦٠٧١] قوله: ((أو ثَمّن جَرَت عادتُهُ بذلك)).

حاشية ابن عابدين
٣٤٢
قسم المعاملات
(و) يَرُدُّ إجابةَ (دَعْوةٍ خاصَّةٍ، وهي التي لا يَتَّخِذُها صاحبُها لولا خُضورُ القاضي) ولو مِن
مَحْرَمٍ ومُعتادٍ، وقيل: هي كالهديَّة، وفي "السِّراج" و"شرح المجمع": ((ولا يُجِيبُ دَعوةَ حَصمٍ
[مطلب في التفريق بين الدعوة العامَّة والخاصّة]
[٢٦٠٧٤] (قولُهُ: دَعْوةٍ خاصَّةٍ) الدَّعوةُ إلى الطَّعامِ بفتحِ الدّالِ عندَ أكثرِ العَربِ، وبعضُهم
يكسرُها كما في "المصباح"(١)، فلو عامَّةً له حُضورُها لو لا خُصومةَ لصاحبها كما في "الفتح"(٢).
[٢٢٠٧٥) (قولُهُ: وهي إلخ) هذا هو المُصحَّحُ في تفسيرِها، وقيل: العامَّةُ دَعوةُ العُرْسِ
وَالخِتانِ، وما سواهما خاصَّةٌ، وقيل: إنْ كانت لخمسةٍ إلى عشرةٍ فخاصَّةٌ، وإنْ لأكثرَ فعامَّةٌ،
وتمامُهُ في "البحر"(٣) "والنَّهر "(٤).
[٢٦٠٧٦] (قولُهُ: وقيل: هي كالهديَّة) ظاهرُ "الفتح" اعتمادُهُ، فإنَّه قال بعدَ كلامٍ(٥): ((فقد
آلَ الحالُ إلى أَنَّه لا فرقَ بينَ القريبِ والغريبِ في الهديَّةِ والضِّيافةِ)). وكذا قال في "البحر "(٦):
((الأحسنُ أنْ يُقالَ: ولا يَقبَلُ هديَّةً ودَعوةٌ خاصَّةً إلّ مِن مَحْرَمٍ أو مِمَّن له عادةٌ، فإنَّ للقاضي
أنْ يُجِيبَ الدَّعوةَ الخاصَّةَ مِن أجنبيٌّ له عادةٌ باتّخاذِها كالهديَّةِ، فلو كان مِن عادتِهِ الدَّعوةُ له في
كلِّ شهرِ مرَّةً فدَعاهُ كلَّ أسبوعٍ بعدَ القضاءِ لا يُحِبُهُ، ولو اتَّخَذَ له طعاماً أكثرَ مِن الأوَّلِ
لا يُحِبُّهُ إِلّ أنْ يكونَ مالُهُ قد زادَ، كذا في "الَّار خانَّةُ"(٧)) اهـ.
[٢٦٠٧٧] (قولُهُ: ولا يُجيبُ دَعوةَ خَصمٍ) هو ما ذَكَرَهُ في "شرح المجمع" لـ "ابن
مَلَكٍ"، وقدَّمناهُ(٨) عن "الفتح". وقولُهُ: ((وغيرِ مُعتادٍ)) هو ما ذكَرَهُ في "السِّراج" كما عزاهُ
إليه "المصنّف" في "المنح"(٩).
(١) "المصباح": مادة ((دعو)).
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٢/٦.
(٣) انظر "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٦/٦.
(٤) انظر "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠ /أ - ب.
(٥) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٢/٦.
(٦) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٥/٦.
(٧) "التاتر خانية": كتاب أدب القاضي - الفصل التاسع في رزق القاضي وهبته ودعوته ٥/ق١٥/ب.
(٨) المقولة [٢٦٠٧٤] قوله: ((دعوةٍ خاصَّةٍ)).
(٩) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٥/أ.

الجزء السادس عشر
٣٤٣
كتابُ القضاء
وغيرِ مُعتادٍ ولو عامَّةً؛ للتَّهَمَةِ)). (وَيَشْهَدُ الجنازةَ، وَيَعُودُ المريضَ) إنْ لم يكن لهما
ولا عليهما دعوى، "شُرِتُبُلاليّة"(١) عن "البرهان". (ويُسوِّي) وجوباً (بينَ الخَصمينِ: جُلوساً،
وهذا لا يُناسِبُ الـ ((قيلَ)) المذكورَ قبلَهُ؛ لأَنَّه يلزَمُ أنْ تكونَ العامَّةُ كالخاصَّةِ، وهو
خلافُ تقييدِهمُ المَنعَ بالخاصَّةِ فقط، تأمَّلْ.
[٢٦٠٧٨] (قولُهُ: ويَعُودُ المريضَ) إلاّ أنَّه لا يُطيلُ المَكْثَ [٣/ ٢٠٣/ب] عندَهُ، "بحر "(٢).
[٢٦٠٧٩) (قولُهُ: إنْ لم يكنْ لهما ولا عليهما دعوى) الذي في "الفتح"(٣) وغيرِهِ
الاقتصارُ على ذِكرِ المريضِ، تأمَّلْ.
[٢٦٠٨٠] (قولُهُ: ويُسوِّي وجوباً بينَ الخَصمينِ إلخ) إطلاقُهُ يَعُمُّ الصَّغيرَ والكبيرَ، والخليفةَ
والرَّعَيَّةَ، والدَّنيَّ والشَّرِيفَ، والأبَ والابنَ، والمسلّمَ والكافرَ، إلّ إذا كان المدَّعى عليه هو
الخليفةَ ينبغي للقاضي أنْ يقومَ مِن مَقامِهِ، وأنْ يُجِلِسَهُ مع خَصمِهِ وَيَقعُدَ هو على الأرضِ، ثمَّ
يقضيَ بينَهما، ولا ينبغي أنْ يُجِلِسَ أحدَهما عن يمينِهِ والآخَرَ عن يسارِهِ؛ لأنَّ لليمينِ فضلاً،
ولذا كان النَّبيُّ ◌َ﴿ يَخُصُّ به الشَّيخينِ (٤)، بلِ الْمُستحَبُّ باتّفاقِ أهلِ العِلمِ أنْ يُحِلِسَهما
(قولُهُ: وهذا لا يُناسِبُ الـ ((قيل)) المذكورَ قبلَهُ إلخ) بل هو قولٌ آخَرُ مُقابِلٌ للقولينِ قبلَهُ.
(قولُهُ: الذي في "الفتح " وغيرِهِ الاقتصارُ على ذِكرِ المريضِ) لكنْ حيثُ صرَّحَ في "البرهان" بُحُكمٍ
المسألةِ، وجعَلَ حُكمَ المَيْتِ والمريضِ واحدً يلزَمُ اتّباعُهُ.
(١) "الشرنبلالية": كتاب القضاء ٤٠٦/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٦/٦.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٢/٦.
(٤) روى قريشُ بن أنسٍ عن صالحٍ بن أبي الأَخْضَر عن الزُّهريِّ عن سُويدٍ بن يزيدَ قال: رأيتُ أبا ذرِّ جالساً وحده في المسجد،
فاغتنمتُ ذلك فجلستُ إليه، فذكرتُ له عثمانَ، فقال: ((لا أقولُ لعثمانَ أبداً إلاّ خيراً؛ لشيءٍ رأيتُه عند رسول اللهِ لَّه
كنتُ أَتْبِعُ خَلَوَاتٍ رسول الله وأتعلّمُ منه، فذهبتُ يوماً فإذا هو قد خرَجَ فاتَّعْتُه، فجلسَ في موضعٍ فجلستُ عنده،
فقال: يا أبا ذرِّ ما جاء بك؟ قال: قلتُ: اللهُ ورسولُه، قال: فجاء أبو بكرٍ فسلَّمَ وجلسَ عن يمين النّبِيِّمَ /، فقال له : =

حاشية ابن عابدين
٣٤٤
قسم المعاملات
= ما جاء بك يا أبا بكر؟ قال: اللهُ ورسولُه، قال: فجاء عمرُ فجلسَ عن يمين أبي بكر، فقال: يا عمرُ ما جاء بك؟ قال:
اللهُ ورسولُه، ثمَّ جاء عثمانُ فجلسَ عن يمين عمرَ، فقال: يا عثمانُ ما جاء بك؟ قال: اللهُ ورسولُه ... )).
أخرجه البَزّار في "البحر الزَّخَار" (٤٠٤٠)، ورواه (٤٠٤٤) عن عمرو بن الحارث عن عبد الله بنِ سالمٍ
عن الزُّبَيديِّ عن الوليد بن عبد الرَّحمن عن جُبيرِ بن نُغيرٍ عن أبي ذرِّ رضي الله عنه.
وهذا ضعيفٌ، فإنْ ثبتَ فيدلُّ على أنَّ كبار الصَّحابة أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ كانوا يجلسون عن يمينه.
أمّا كونُ أبي بكرٍ عن يمينه وعمرَ عن يساره فالرِّواياتُ في هذا مستفيضةٌ.
منها ما روى سليمانُ بن بلالٍ ومحمَّدُ بن جعفرٍ عن شَريك بن أبي نَمٍِ عن سعيدٍ بن المسيَّب أخبرني
أبو موسى الأشعريُّ حيث كان مع رسول الله ﴿ عند بئر أَرِيْسٍ قال: (( ... فقمتُ إليه فإذا هو قد جلسَ على
بثر أَرِيْسٍ وتوسَّطَ قُفِّها وكشفَ عن ساقيه ودَلّهما في البئر ... الحديث وفيه: أنَّ أبا بكرِ دخلَ فجلسَ عن يمين
رسول الله وَ﴿ معه في القُفِّ وَّى رجليه في البئر كما صنعَ النَّبِيُّ :﴿. وكشفَ عن ساقَيْه ... وأنَّ عمرَ دخلَ
وجلسَ مع رسول الله ◌َ﴿ في القُفِّ عن يساره ودّى رجليه في البئر ....
أخرجه البخاريُّ (٣٦٧٤) في فضائل الصَّحابة بابٌ وفي الفتن (٧٠٩٧)، باب الفتنة التي تموج كموج البحر وفي
"الأدب المفرد" (١١٥١)، ومسلمٌ (٢٤٠٣) في فضائل الصَّحابة - باب فضائل عثمان بن عفّان، والرُّوْيانِيُّ في "مسنده"
(٢٥٢)، وابنُ أبي عاصمٍ في "السنة" (١٤٦٠)، والبيهقيُّ في "دلائل النبوَّة" ٣٨٨/٦ - ٣٨٩.
وكذلك رواه يعقوب بن اسماعيل بن يسار المديني عن عبد الرَّحمن بن حَرْمَلة عن سعيد بن المسيَّب عنه
فذكَر القِصَّة بلفظٍ قریبٍ.
أخرجه أبو بكرِ البَزّار في "البحر الرَّخّار" (٣٠٥١)، ثمَّ قال: لا نعلَمُ رواه عن ابن حَرْمَلة إلّ يعقوبُ، وقد روى
سليمانُ بن بلال ومحمَّدُ بن جعفرٍ عن شَريك بن أبي نمر عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى نحو هذه القِصَّة اهـ.
ورواه أبو مصعب عن عبد العزيز الدَّراوَرَديِّ عن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ عن عطاء بن يسارٍ عن
أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال: ((وَقَفَ رسولُ الله ◌ُّ بالأسوافِ وبلالٌ معه ... )) نحوه.
أخرجه الطَّرانيُّ في "الأوسط" (٣٩٨٨)، ثمَّ قال: لم يَروِهِ عن شَريك عن عطاء عن أبي سعيدٍ إلّ
الدَّرَاوَردِيُّ، تفَرَّدَ به أبو مصعب. قال الهيثميُّ في "المجمع" ٥٣/٢: ورجالُهُ موثَّقون. وقال في ٥٧/٩: ورجالُه
رجالُ الصَّحيحِ غيرَ شيخ الطَّيرانيِّ عليٍّ بن سعيدٍ، وهو حسنُ الحديث.
والخطأ في هذا ظاهرٌ وإنْ وُثْق رجالُه، فقد خالف الدَّرًاوَرديُّ سليمانَ بن بلالٍ ومحمَّدَ بن جعفرِ بنِ أبي
كثير. أمّا بقيَّةُ الرِّوايات عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ عن أبي موسى فليس فيها هذه الألفاظ.
هذا، وقد رواه يزيدُ بن هارونَ وإسماعيلُ بن جعفرٍ عن محمَّد بن عمرو عن أبي سَلَمَةَ قال: قال نافعُ بن الحارث:
((خرجتُ مع رسول الله ◌َ ◌ّ حَتّى دخلَ حائطاً، فقال لي: أمسك عليَّ البابَ، فجاء أبو بكرٍ ... )) وفيه: ((فجلسَ مع رسول
اللهَ وَّ على القُفِّ وَدَّى رجليه ... فدخلَ [عمرُ] فجلسَ مع رسول اللهلَ ﴿ّ على القُفِّ ودَّى رجليه في البشر ... )) الحديث.

الجزء السادس عشر
٣٤٥
كتابُ القضاء
أخرجه أحمدُ ٤٠٨/٣، وابنُ أبي شيبةَ ٤٩٣/٧، وعنه ابنُ أبي عاصمٍ في "السنة" (١١٤٧)، وفي "الآحاد
=
والمثاني" (٢٣٣٧)، وأبو داودَ (٥١٨٨)، والنسائيُّ في "الكبرى" (٨١٣٢).
وأخرجه أحمدُ ٤٠٧/٤ من طريق صالحٍ بن كيسانَ عن أبي الزِّناد عن عبد الرَّحمن بن نافعٍ بن عبد الحارث
عن أبي موسى الأشعريِّ نحوه.
ورواه موسى بنُ عُقبةَ سَمِعتُ أبا سَلَمَةَ يُحدِّثُ - ولا أعلمُه إلّ عن نافعٍ بن عبد الحارث - أنَّ رسولَ الله ...
فذكَرَ الحديث. أخرجه أحمدُ ٤٠٨/٣.
وأَصرَحُ مِنه [لكنَّه ضعيفٌ] ما روى سعيدُ بن مَسلمةَ عن إسماعيلَ بنِ أُمَّة عن نافعٍ عن ابن عمر قال: دخلَ
رسولُ الله ﴿ المسجدَ وعن يمينه أبو بكرٍ وعن شماله عمرُ رضي الله عنهما، فقال عنهما: ((هكذا نُبَعَثُ يومَ القيامة)).
أخرجه الترمذيُّ (٣٦٦٩) في الفضائل - باب فضائل أبي بكر وعمر، وابنُ ماجَه (٩٩) في الفضائل - باب
فضل الصِّدِّيق، وعبدُ الله بن أحمدَ في "فضائل الصَّحابة" (٧٧) و(١٥١) و(٢٢١) و(٦٠٢)، وابنُ أبي عاصمٍ في
"السنة" (١٤١٨)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" ٣٧٩/٣، وأبو الشَّيخ في "طبقات المحدِّثين بأصبهان" ٢٣٩/٤، وابن
حبّانَ في "المجروحين" ٣٢١/١، والحاكمُ في "المستدرك" ٦٨/٣، والخطيبُ في "تاريخه" ٣٦٥/٤ و١٣٧/١٢. وقال
الحاكم: صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه. وتعقّبه الذّهبيُّ: سعيدٌ ضعيفٌ. وقال أبو حاتم كما في "العِلَل" ٣٨١/٢: هذا
مُنكَرٌ. قال الترمذيُّ: وسعيدُ بَّن مَسلمةَ: ليس عندهم بالقويِّ، وقد رُوي هذا الحديثُ أيضاً من غير هذا الوجه عن
نافعٍ عن ابن عمرَ اهـ. وقال ابنُ مَعينٍ: ليس بشيءٍ، وقال البخاريُّ: ضعيفٌ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: أرجو أنّه لايُتْرَكُ.
وروى خالدُ بن يزيدَ الْعُمَرِيُّ ثنا إبراهيمُ بن سعدٍ عن أبيه عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ قال: خرجَ النّبيُّصلَّ بين
أبي بكر وعمرَ فقال: ((هكذا نُبَعَثُ يومَ القيامة)).
أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٨٢٥٨)، ثمَّ قال: لم يَروِهِ عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ إلاّ خالدٌ، تفَرَّدَ به عليٌّ بن
حربٍ. قال الهيثميُّ في "المجمع" ٥٣/٩: وفيه خالدُ بن يزيدَ العُمَرِيُّ، وهو كذّاب.
وروى الحكمُ بن مروانَ قال: ثنا فُراتُ بن السّائب عن ميمون بنِ مِهرانَ عن ابن عمرَ أنَّ النَّبِيَّ مَ: أرادَ أنْ
يبعثَ رجلاً في حاجةٍ وأبو بكرٍ عن يمينه وعمرُ عن يساره، فقال له عليٌّ: ألا تبعَثُ هذين؟ فقال: ((كيف أبعتُهما
وهما مِن هذا الدِّين بمنزلة السَّمَعِ والبصرِ مِن الرّأس؟)).
أخرجه عبدُ الله بن أحمدَ في "فضائل الصَّحابة" (٥٧٥)، وأبو نُعَيم في "الحلية" ٩٣/٤، قال أبو نُعَيم: هذا
مِن مَفاريدٍ فُرات بن السّائب عن ميمون.
وفُراتُ بن السّائب أبو سليمانَ الجزَريُّ: قال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديث، تركوه.
وروى ابنُ وَهْبٍ وغيرُه عن ابن لَهيعةَ حدَّثنا أبو طُعمةَ سَمِعتُ ابنَ عمرَ يقول: خرجَ رسولُ اللهِلَ﴿ إِلى المِرْبَد
فخرجتُ معه، فكنتُ عن يمينه، وأقبَلَ أبو بكرٍ فتأخّرتُ عنه، فكان عن يمينه وكنتُ عن يساره، ثُمَّ أقبَلَ عمرُ فتنخَّيتُ له،
فكان عن يساره، فَأَتَى رسولُ الله ◌َ ◌ّالِرَّبَدَ، فإذا بأزقاقِ على المربد فيها خمرٌ، قال ابنُ عمرَ: فدعاني رسولُ اللهِمُ لَهُ بِالمُدْيَة،
قال ابنُ عمرَ: وما عرفتُ المُدْيَةَ إلاّ يومئذٍ، فأمَرَ بالزِّقاقِ فشُقَّت، ثمَّ قال: ((ُعِنَتِ الخمرُ، وشاربُها، وساقِيها،
وبائعُها، ومُبتاعُها، وحامِلها، والمحمولةُ إليه، وعاصرُها، ومُعْتَصِرُها، وآكلُ ثَمَنِها)).
=

حاشية ابن عابدين
٣٤٦
قسم المعاملات
أخرجه أحمدُ ٢٥/٢ و٧١، والطَّحاويُّ في "بيان المشكل" (٣٣٤٢) و(٣٣٤٣)، والبيهقيُّ ٢٨٧/٨.
=
وقد أخرج غيرُهم الحديثَ مُختصَراً دونَ القِصَّةِ. وفي روايةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ : ﴿ هو الذي أخَّرَه.
وأبو طُعمةَ هلالٌ مولَى عمرَ بنِ عبد العزيز: قارئُ مصرَ، ذكره ابنُ حبّانَ في "الثّقات"، ووثَّقَه ابنُ عمّار
الَوْصليُّ والذَّهبِيُّ، وقال ابنُ حَجَرٍ في "التَّقريب": لم يثبتْ أنَّ مَكحولاً وثّقَه.
وروى زيدُ بن حُباب حدَّثني أفلحُ بن سعيدٍ الأنصاريُّ قال: حدَّثَنِي بُرَيدةُ بن سفيانَ بنِ فَروةَ الأسلميُّ عن
غلام نجدة - يقال له: مسعودٌ - أنّه مرَّ به النِّبيُّ ◌َ ﴿. وأبو بكرٍ، فقال: يا مسعودُ قل لأبي تميمٍ مَولاكَ يَبْعَثْ لنا ببعيرٍ
ودليلٍ فَبعَتَه معهما بعيرٍ ووَطْبٍ مِن لَبَنٍ، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فقام رسولُ الله ◌َل وأبو بكرٍ عن يمينه، وقد عرَفتُ
الإِسلامَ فَقُمتُ خلفَهما، فدفَعَ رسولُ الله ﴿ في صدر أبي بكرٍ، فَقُمنا وراءه.
أخرجه النَّسائيُّ في "المجتبى" ٨٤/٢ - ٨٥، و "الكبرى" (٨٧٥)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" ٢٠/(٧٨٤)،
وابنُ قائعٍ في "معجمه" ٦٤/٣ (١٠١٦). قال النسائي: وبُريْدَةُ هذا ليس بالقويِّ في الحديث إلّ أنَّ هذا لا يدلُّ
للمصنف على أنَّ اليمين مُختصٌّ بالشَّیخین!
فقد روى مالكُ بن أنسٍ والأوزاعيُّ ويونس وشعيب قالوا: عن الزُّهريّ عن أنس بن مالكٍ أنَّ رسولَ الله ◌ِ ﴿ أُتِيَ
بَنٍ وقد شِيْبَ بماء، وعن يمينه أعرابيٌّ وعن يساره أبو بكرٍ، فشَرِبَ، ثُمَّ أُعطَى الأعرابيَّ وقال: ((الأيمنَ فالأيمنَ)).
أخرجه مالكٌ في "الموطأ" ٩٢٦/٢، والبخاريُّ في المساقاة (٢٣٥٢) باب من رأى صدقة الماء (٥٦١٢) في
الأشربة - باب شرب الماء باللَّبَن و(٥٦١٩) - باب الأيمن فالأيمن، ومسلمٌ (٢٠٢٩) في الأشربة - باب استحباب
إدارة الماء، وأبو داود (٣٧٢٦) في الأشربة - باب في الساقي متى يشرب، والتّرمذيُّ (١٨٩٣) في الأشربة - باب
أنَّ الأيمنين أحَقُّ، وابنُ ماجَه (٣٤٢٥) في الأشربة - باب إذا شرب أعطى الأيمن، وأحمدُ ١١٣/٣، وابنُ حبّانَ
(٥٣٣٣) و(٥٣٣٤) و(٥٣٣٦) و(٥٣٣٧).
وروى سفيانُ ومَعمرُ وأبو سَلَمَةَ الماجَشُون عن الزُّهريِّ سَمِعتُ أنساً يقول: ((قَدِمَ رسولُ اللـهِلَّ المدينةَ
وأنا ابنُ عشرِ سنينَ، ومات وأنا ابنُ عشرينَ سنةً، وكنَّ أُمَّهاتِي يَحتُثَني على خِدْمته، فدخَلَ علينا دارَنا، فحَلَبنا له
مِن شاةٍ داجنٍ، وشِيْئا له لََّنَها بماءٍ مِن بتر الدّار، وأبو بكرٍ عن يمينه وعمرُ وُجاهَهُ، فَشَرِبَ النَّبِيُّلِ﴿، فقال عمرُ:
يا رسولَ الله أَعْطِ أبا بكرٍ، فناوَلَه الأعرابيَّ، وقال: ((الأيمنَ فالأيمنَ)).
أخرجه مسلمٌ (٢٠٢٩)، وابنُ أبي شيبةَ ٥٢٤/٥، وعبدُ الرَّزّق في "المصنّف" (١٩٥٨٢)، وأحمدُ
١٩٧/٣ و ٢٣١، وأبو عَوانةَ (٨٢١٩) و(٨٢٢٠) و(٨٢٢١)، وأبو يَعْلى في "مسنده" (٣٥٥٢) و(٣٦٠٠)، والعُقَيليُّ
في "الضُّعفاء" ١٢٨/٤، والبيهقيُّ في "الكبرى" ٢٨٥/٧، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" ١٥٢/٦ و١٥٣.
وروى مالكٌ وأبو غسّانَ محمَّدُ بن مُطرِّف وعبدُ العزيز بن أبي حازمٍ ويعقوبُ القاري وعبدُ الله بنُ جعفرٍ
وفُضِيلُ بن سليمانَ ويوسفُ بن خالدٍ وخارجةُ بن مصعب عن أبي حازمٍ سَلَمَةَ بنِ دينارٍ عن سَهْلٍ بن سعدٍ
السّاعديِّ ((أَنَّ رسولَ الله ◌َ﴿ أُتِيَ بشرابٍ وعن يمينه غلامٌ وعن يساره الأشياخُ، فقال للغلام: أتأذنُ لي أنْ أُعطِيَ
هؤلاء؟ فقال: لا والله يا رسولَ الله! لا أُوثِرُ بنصيبي مِنك أحداً، قال: فَتَلَّه رسولُ الله ◌ُ﴿. في يده)).
=

الجزء السادس عشر
٣٤٧
كتابُ القضاء
وإقبالاً، وإشارةً، ونظراً،.
بينَ يدَيهِ كالمُتعلِّمِ بينَ يدَي مُعلِّمِهِ، ويكونَ بُعدُهما عنه قَدْرَ ذراعينٍ أو نحوِهما، ولا يُمَكِنُهما مِن
التّرَّعِ ونحوِهِ، ويكونُ أعوانُهُ قائمةً بينَ يدَيهِ، وأمّا قيامُ الأخصامِ بينَ يدَيهِ فليس معروفاً، وإنَّما حدَثَ
لِما فيه مِن الحاجةِ إليه، والّاسُ مُختلفُو الأحوالِ والأَدبِ وقد حدَثَ في هذا الزَّمانِ أمورٌ وسُفَهَاءُ،
فَيَعْمَلُ القاضي بمقتضى الحالِ، كذا في "الفتح"(١)، يعني: فمِنهم مَن لا يَستحِقُّ الجلوسَ بينَ يدَيهِ
ومِنهم مَن يَستحِقُّ، فُيُعطي كلَّ إنسانٍ ما يَستحِقُّهُ بَقِيَ ما لو كان أحدُهما يَستحِقُّهُ دونَ الآخَرِ
وأَبَى الآخَرُ إلّ القيامَ، لم أَرَ المسألةَ، وقياسُ ما في "الفتح" أنَّ القاضيَ لا يَلتَفِتُ إليه، "نهر "(٢).
[٢٦٠٨١] (قولُهُ: وإقبالاً) أي نظراً، "قُهِستانيّ"(٣). والأَولى تفسيرُهُ بالتَّوجُّهِ إليه صورةً
أو معنَّى؛ لئلاّ يتكرَّرَ بما بعدَه.
(قولُهُ: ولا يُمكِّنَهما مِن التّرُبُّعِ ونحوِهِ) كالإقعاءِ والاحتباءِ، بل يجثوانِ كما في "البزّازِيَّة".
(قولُهُ: وقياسُ ما في "الفتح" أنَّ القاضيَ لا يَلتَفِتُ إليه) بل مُقْتضى ما فيه أنَّه يُعطي كلَّ واحدٍ
مِنهما ما يَستحِقُّهُ وإنْ لم يَحصُلْ إباءٌ بناءً على ما فَسَّرَ به كلامَهُ، وفيه تأمُّلٌ.
أخرجه مالكٌ في "الموطأ" ٩٢٦/٢ - ٩٢٧، والبخاريُّ (٥٦٢٠) في الأشربة - باب هل يستأذن الرَّجل مَن عن
=
يمينه في الشِّرب؟، ومسلمٌ (٢٠٣٠) في الأشربة - باب استحباب إدارة الماء باللََّن، وابنُ حبّانَ (٥٣٣٥)، والطّبرانيُّ
في "الكبير" (٥٧٦٩) و(٥٧٨٠) و(٥٨١٥) و(٥٨٩٠) و(٥٩٤٨) و(٥٩٥٧) و(٥٩٨٩) و(٦٠٠٧).
وفي حديثٍ وَفْدِ عبد القيس مِن طريق يحيى بنِ عبد الرَّحمن العَصَرِيِّ ثنا شِهابُ بن عَبّادٍ أَنَّ سَمِعَ بعضَ وَفْدِ عبد
القيس وهو يقول: (( ... فتخلّف بعدَ القومِ، فعقَلَ رواحِلَهم، وضَمَّ مَتَاعَهم، ثمَّ أخرجَ عَبْتَه فألقَى عنه ثيابَ السَّفَر
ولَبِسَ مِن صالحِ ثيابه، ثمَّ أَقَبَلَ إلى النّبِّ ◌َ ﴿. وقد بسَطَ النّبِيُّ ◌َ ﴿ رِجَلَه واتّكَأْ، فلمّا دَنا مِنه الأَشَجُّ أوسَعَ القومُ له وقالوا:
هاهنا يا أَشَجُّ، فقال النّبيُّ وَّ واستَوَى قاعداً وقبضَ رجَلَه: هاهنا يا أَشَجُّ، فقعدَ عن يمين النّبِيِّ مَ لُّ واستَوَى قاعداً،
فرحَّب به وألطَفَه ... )). أخرجه أحمدُ ٢٠٦/٤.
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٤/٦.
(٢) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠ /ب.
(٣) جامع الرموز": كتاب القضاء ٢٢٢/٢.

حاشية ابن عابدين
٣٤٨
قسم المعاملات
ويَمتِنِعُ مِن(١) مُسارَّةِ أحدِهما، والإشارةِ إليه)، ورَفْعٍ صوتِهِ عليه، (والضَّحِكِ في
وجهِهِ(٢)) وكذا القيامُ له بالأَولى، (وضيافتُهُ)، نَعَمْ لو فعَلَ ذلك معهما معاً جازَ،
"نهر "(٣). (ولا يَمزَحُ)
[٢٦٠٨٢] (قولُهُ: ويَمتِنِعُ مِن مُسارَّةِ أحدِهما) أي: يَجِبُ النَّكُلُّمَ معه خُفيةً، وكذا
القائمُ بينَ يدَيهِ كما في "الولوالحيَّة"(٤)، وهو الجِلْوازُ(٥) الذي يَمنَعُ النّاسَ مِن النَّقدُّمِ إليه، بل
يُقيمُهم بينَ يدَيهِ على البُعدِ ومعه سَوطٌ، والشُّهودُ يُقرَّبونَ، "نهر " (٦).
[٢٦٠٨٣) (قولُهُ: والإشارةِ إليه) مُستدرَكٌ بِما قبلَهُ، "ط)"(٧).
[٢٦٠٨٤] (قولُهُ: وَرَفْعٍ صوتِهِ عليه) ينبغي أنْ يستثنيَ ما لو كان بسببٍ كإساءةٍ أَدبٍ ونحوِهِ.
(٢٦٠٨٥] (قولُهُ: لو فعَلَ ذلك) أي: الضِّيافةَ. وقال في "الَّهر"(٨) أيضاً: ((وقياسُهُ: أَنَّه
لو سارَّهما أو أشارَ إليهما معاً جازَ (٩)).
[٢٦٠٨٦] (قولُهُ: ولا يَمزَحُ) أي: يُداعِبُ في الكلامِ، مِن بابِ نَفَعَ.
(قولُهُ: وقياسُهُ: أَنَّه لو سارَّهما أو أشارَ إليهما معاً جازَ) فيه: أنَّ الإشارةَ لا تَنحصِرُ في كيفيَّةٍ
واحدةٍ، وقد يَتوهَّمُ أحدُهما مِن الإشارةِ لصاحبِهِ ما لا يَتوهَّمُ الآخَرُ، وكذا المسارَّةُ بالأَولِى. نَعَمْ لو
سارَّهما معاً انتفَى الوهمُ. اهـ "سنديّ".
(١) في "د" و"و": ((عن)).
(٢) في "ط": ((وجه)).
(٣) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/ب.
(٤) "الولوالجية": كتاب القضاء - الفصل الأول فيما ينفذ قضاء القاضي وفيما لا ينفذ إلخ ٣٦/٤.
(٥) الجِلْوازُ: الشُّرْطِيُّ. انظر "اللسان" و"الصحاح" و"القاموس": مادة ((جلز)).
(٦) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/ب وفيه: ((الجواز)) بدل ((الجلْواز))، وهو تحريف.
(٧) "ط": كتاب القضاء ١٨٤/٣.
(٨) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/ب.
(٩) في "م": ((جا))، وهو خطأ.

الجزء السادس عشر
٣٤٩
كتابُ القضاء
في مجلسِ الحُكمِ (مُطلقاً) ولو لغيرِهما؛ لذَهابِهِ بِمَهابِتِهِ. (ولا يُلقّنْهُ حُجََّهُ) وعنِ
"الَّني": لا بأسَ به، "عينيّ". (ولا) يُلقِّنُ (الشّاهدَ شهادتَهُ)، واستحسَنَهُ "أبو يوسف"
فيما لا يَستفيدُ به زيادةَ عِلمٍ، والفتوى على قولِهِ فيما يتعلَّقُ بالقضاء؟
[٢٦٠٨٧] (قولُهُ: في مجلسِ الحُكمِ) أمّا في غيرِهِ فلا يُكثِرُ مِنه؛ لأَنَّ يَذْهَبُ بالمهابةِ، البحر"(١).
[٢٦٠٨٨) (قولُهُ: "عينيّ") عبارتهُ(٢): ((وعنِ "الّاني" في روايةٍ و "الشّافعيّ(٣) في وجهٍ: لا
بأسَ بتلقينِ الحُجَّةِ)) اهـ. وظاهرُهُ ضَعْفُها، بل ظاهرُ "الفتح"(٤) أنَّ هذا في تلقينِ الشّاهدِ لا الخصمِ
كما يأتي(٥). نَعَمْ، في "البحر"(٦) عن "الخانَّة"(٧): ((ولو أمَرَ القاضي رجلينِ لَيُعلِّمَاهُ الدَّعوى
والخُصومةَ فلا بأسَ به خصوصاً على قولِ "أبي يوسف")).
[٢٦٠٨٩] (قولُهُ: واستحسَنَهُ "أبو يوسف") قال في "الفتح "(٨): ((وعن "أبي يوسف" - وهو
وجهٌ لـ "الشّافعيِّ" -: لا بأسَ به لِمَنِ استولَتْهُ الحَيرةُ أوِ الهَيبةُ فترَكَ شيئاً مِن شرائطِ الشَّهادةِ،
فُيُعينُهُ بقولِهِ: أَتَشهَدُ بكذا وكذا بشرطِ كونِهِ في غيرِ موضِعِ النُّهَمَةِ، أمّا فيها بأن ادَّعَى
الْمُدَّعي ألفاً وخمسمائةٍ، والْمُدَّعَى عليه يُنكِرُ الخمسمائةِ وشَهِدَ الشّاهدُ بألفٍ، فيقولُ القاضي:
(قوله: أمّا فيها بأنِ الدَّعَى المُدَّعي ألفاً وخمسمائةٍ، والمُدَّعَى عليه يُنكِرُ الخمسمائةِ، وشَهِدَ الشّاهدُ
بألفٍ، فيقولُ القاضي إلخ) كذا عبارةُ "الفتح"، ولا يظهَرُ تصويرُ المسألةِ بما قَالَهُ(٩)، وإنَّما يظهَرُ بما إذا
ادَّعَى ألفاً والشّاهدُ يَشْهَدُ بألفٍ وخمسمائةٍ، فقال القاضي: يُحتمَلُ أَنَّه أَبرَأَهُ إلخ.
(١) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٧/٦.
(٢) "رمز الحقائق": كتاب القضاء ٨٦/٢.
(٣) انظر "البيان شرح المهذب": كتاب الأقضية - باب صفة القضاء ٨٦/١٣، وهو قول الاصطخريّ، والقول الثاني هو المذهب عندهم.
(٤) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٤/٦.
(٥) في المقولة الآتية.
(٦) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٧/٦.
(٧) "الخانية": كتاب الشهادات - باب فيمن لا تجوز شهادتهم - فصل فيمن لا تقبل شهادته للتَهَمَةِ ٤٦٩/٢ باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٤/٦ - ٣٧٥.
(٩) نقول: بل يظهر تصوير المسألة بما قاله صاحب "الفتح"، فإن الخمسمائة تكونُ محلَّ النزاع، ويكونُ تلقينُ القاضي الشاهدَ
تلقيناً يُستفاد به زيادةُ علمٍ في موضع التهمة، على أنّ ما قاله صاحبُ "الفتح" في تصوير المسألة هو ما في "العناية"
٣٧٤/٦، وعليه فلا يتّجه ما أورده الرافعيُّ رحمه الله على صاحب "الفتح" في صورة المسألة، والله تعالى أعلم.

حاشية ابن عابدين
٣٥٠
قسم المعاملات
لزيادةِ تَحْرِبِهِ، "بزّازِيَّة"(١). في "الولوالحيَّة"(٢): ((حُكِيَ أنَّ "أبا يوسفَ" وقتَ موتِهِ
قال: اللهمَّ إِنَّك تَعلَمُ أنّي لم أَمِلْ إلى أحدِ الخَصمينِ.
يُحتمَلُ أَنَّه إبراءٌ (٣) مِن الخمسمائةِ، واستفادَ الشّاهدُ بذلك عِلماً، فوفَّقَ به في شهادتِهِ كما
وفَّقَ القاضي، فهذا لا يَجُوزُ بالاتّفاقِ كما في تلقينِ أحدِ الخَصمينِ)) اهـ، ثُمَّ ذكَرَ (٤): ((أنَّ
ظاهرَ "الهداية" ترجيحُ قولِ "أبي يوسف")) اهـ. وحكايةُ الرِّوايةِ في تلقينِ الشّاهدِ(٥)
والاتّفاقِ في تلقينِ أحدِ الخَصمينِ يَنفي ما مرَّ(٦) عنِ "العينيِّ"، تأمَّلْ.
[مطلب في تولّي محمّدِ بنِ الحسن القضاءَ]
[٢٦٠٩٠) (قولُهُ: لزيادةٍ تَحْرِيتِهِ) قدَّمنا (٧) عنِ "الكفاية": ((أنَّ "محمَّدً" تولَّى القضاءَ
أيضاً))، وذكَرَ "عبدُ القادر" في "طبقاته"(٨): ((أنَّ "الرَّشيدَ" ولّهُ قضاءَ الرَّفَّةِ، ثمَّ عزَلَهُ وولاّهُ
قضاءَ الرَّيِّ)) اهـ. والظّاهرُ أنَّ مدَّتَهُ لم تَطُلْ، ولذا لم يَشتهِرْ بالقضاءِ كما اشتهَرَ "أبو يوسف"،
فلم يَحصُلْ له مِن النّجرِبةِ ما حصَلَ لـ "أبي يوسفَ"؛ لأَنَّه كان قاضيَ المشرقِ والمغربِ،
وزيادةُ النَّحرِبةِ تُفيدُ زيادةَ عِلمٍ. قال "الحمَويُّ"(٩): ((قال "بحدُ الأئمَّةِ التَّرجمانِيُّ)"(١٠): والذي
يُؤْيِّدُهُ ما ذكَرَهُ في "الفتاوى"(١١): أنَّ "أبا حنيفةً" كان يقولُ: الصَّدَقَةُ أفضلُ مِن حَجِّ النَّطوُّعِ،
(٣/ ق ٤ ١/٢٠] فلمّا حَجَّ وعرَفَ مَشاقَّهُ رجَعَ وقال: الحَجُّ أفضلٌ)) اهـ.
٣١٢/٤
(١) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الأول في التقليد ١٣٤/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الولوالجية": كتاب القضاء - الفصل الأول فيما ينفذ قضاء القاضي وفيما لا ينفذ إلخ ٢٦/٤.
(٣) في "ب" و"م": ((أبرأ)).
(٤) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٥/٦.
۔
(٥) في "آ": ((تلقين شهادة الشاهد)).
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) المقولة [٢٦٠٣٥] قوله: ((والتّركُ عزيمةٌ إلخ)).
(٨) "الجواهر المضيّة": ١٢٥/٣.
(٩) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الحج ٨٣/٢،
(١٠) نقول: لم يصرِّح الحمويّ به، بل قال: ((بعض الفضلاء))، والتّرجمانيُّ متقدِّمٌ على صاحب "الفتاوى البزازية"،
فلعلّه سبقُ قلمٍ من ابن عابدين رحمه الله.
(١١) عبارة الحموي: ((البزازي في "جامعه")). وانظر "الفتاوى البزازية": كتاب الحج ١٠٧/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء السادس عشر
٣٥١
كتابُ القضاء
حتّى بِالقَلْبِ (١) إلّ في خُصومةِ نصرانيٌّ مع "الرَّشيدِ" لم أُسَوِّ بينَهما، وقضَيتُ على
الرَّشيدِ، ثُمَّ بكَى)) اهـ قلتُ: ومُفادُهُ: أنَّ القاضيَ يقضي على مَن ولاّهُ،
[٢٦٠٩١] (قولُهُ: حتّى بالقَلْبِ) أي: لم يَحصُلْ مِنه مَيْلُ قلبِهِ إلى عَدَمِ التّسويةِ بينَ
الخَصمينِ بقرينةِ الاستثناء.
[٢٦٠٩٢] (قولُهُ: قلتُ: ومُفادُهُ إلخ) قال في "الفتح"(٢): ((والدَّليلُ عليه قضيّةُ "شُرِيحٍ"
مع "عليّ"، فإِنَّه قامَ وأحَسَ "عليّا" مَحِلِسَهُ (٣)) اهـ.
(١) في "د": ((في القلب)).
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧٤/٦، وعبارته: ((والدليل عليه قصة شريح)).
(٣) روى إبراهيمُ بن حبيبٍ وَسِيدُ الْجَمّالُ ثنا عمرُو بن شَمِر عن جابرِ الجُعْفِيِّ عن الشَّعبِيِّ قال: ((خرجَ عليّ بن أبي طالبٍ
إلى السُّوق، فإذا هو بنَصرائِيٌّ يبيعُ دِرْعاً، قال: فعرَفَ عليٌّ الدِّرْعَ، فقال: هذه دِرْعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، قال:
وكان قاضي المسلمين شُرَيحٌ كان عليّ استقضاه، قال: فلمّا رأى شُرَيحٌ أميرَ المؤمنين قامَ مِن مجلسِ القضاء وأجلسَ علّاً
في مَجلِسه، وجلسَ شُرِيحٌ قُدّامَه إلى جنبِ النّصرانِيِّ، فقال له عليٌّ: أَمَا يا شُرَيحُ لو كان خَصمي مُسلِماً لقعدتُ معه
مَجِسَ الْخَصِمِ، ولكِنِّي سَمِعتُ رسولَ الله ◌َثل يقول: ((لا تُصافحوهم، ولا تَبَدؤوهم بالسَّلام، ولا تَعودوا مرضاهم،
ولا تُصلُّوا عليهم، وأَلجئوهم إلى مَضايق الطُرق، وصَغّروهم كما صغََّهم الله)، اقضرٍ بيني وبينه يا شُرَيَحُ، فقال شُرَيحٌ:
تقول يا أميرَ المؤمنينْ، قال: فقال عليٌّ: هذه دِرْعي ذهَبَتْ مِنِّي منذ زمانٍ، قال: فقال شُرَيحٌ: ما تقول يا نصرانيُّ، قال:
فقال النّصرائِيُّ: ما أكذَبَ أميرَ المؤمنين، الدِّرْعُ هي دِرْعي، قال: فقال شُرَيحٌ: ما أرى أنْ تخرُجُ مِن يده، فهل مِن بَيِّنةٍ؟
فقال عليٌّ رضي الله عنه: صدَقَ شُرَيحٌ، قال: فقال النَّصرائِيُّ: أمّا أنا أشهَدُ أنَّ هذه أحكامُ الأنبياء، أميرُ المؤمنين يجيءُ
إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أميرَ المؤمنين دِرْعُك، اتَّبِعْتُكَ مِن الجيش وقد زالَتْ عن حَمَلِكَ الأَوْرق
فأخذتُها، فإنّي أَشهَدُ أنْ لا إله إلّ اللهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، قال: فقال عليٍّ رضي الله عنه: أمّا إذا أسلمتَ فهي لك،
وحَملَه على فرسٍ عتيقٍ)). قال: فقال الشَّعبيُّ: لقد رأيتُه يقاتلُ المشركين)). وفي روايةٍ قال: (( .. يا شُرَيحُ لولا أنَّ
خَصمي نصرانيٌّ لَتَيْتُ بين يديك ... )) وقال في آخِره: ((قال: فوهَبَها عليّ رضي الله عنه له، وفرَضَ له ألفين،
وأُصيبَ معه يومَ صِفِين ... )). وروي مِن وجهٍ آخَرَ أيضاً ضعيفٍ عن الأعمش عن إبراهيمَ النَّيْميِّ.
أخرجه البيهقيُّ في "الكبرى" ١٣٦/١٠ - وعنه ابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشق" ٢٣/٢٣ - ٢٤.
وعمرُو بن شَمِرِ الجُعْفَيُّ الكوفيّ: قال يحيى بنُ مَعينٍ: ليس بشيءٍ، وقال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديث، وقال النّسائيُّ
والدّار قطنيُّ: متروكُ الحديث، وقال الجوز جانيُّ: زائغٌ كذّاب، وقال السُّليمانيُّ: كان عمرٌو يضَعُ على الرَّوافض . =

حاشية ابن عابدين
٣٥٢
قسم المعاملات
وفي "الملتقى" (١): ((وَيَصِحُّ لِمَن ولّهُ وعليه))، وسيجيءُ.
(فروعٌ
في "البدائع"(٢): ((مِن جملةٍ أَدبِ القاضي أنَّه لا يُكلِّمُ أحدَ الخَصمين بلسان
لا يَعرِفُهُ الآخَرُ)). وفي "الَّتَار خائِيَّة": ((والأحوطُ أنْ يقولَ للخَصمين: أَحكُمُّ
بينكما؟ حتّى إذا كان في التَّقليدِ خَلَلٌ يصيرُ حَكَماً بتحكيمِهما)). قضَى بَحَقِّ، ثمَّ
أمَرَهُ السُّلطانُ بالاستئنافِ بمَحضَرٍ مِن العُلماءِ لم يلزَمْهُ، "بزّازِيَّةِ"(٣).
[٢٦٠٩٣] (قولُهُ: وسيجيءُ) أي: في آخِرِ بابِ كتابِ القاضي(٤).
[٢٦٠٩٤)] (قولُهُ: بلسانٍ لا يَعرِفُهُ الآخَرُ لأَنَّه كالمُسارَّةِ.
[٢٦٠٩٥] (قولُهُ: أَحَكُمُ بِينَكما) أي: ويقولانِ: نَعَمِ احْكُمْ بِينَنَا.
[٢٦٠٩٦] (قولُهُ: لم يلزَمْهُ) أفادَ أَنَّه لو استأَنَفَ براءةً لعِرضِهِ لا بأسَ به.
وجابر بن يزيدَ الجُعْفيُّ: متروكٌ عند أكثر العلماء، وأجاز بعضُهم الرِّوايةَ عنه على ضَعْفه.
=
وروى سعيدُ بن منصورِ ثنا هُشَيِمٌ ثنا سَّارٌ ثنا الشَّعبيُّ قال: كان بين عمرَ بنِ الخطّاب وبين أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله
عنهما تدارؤٌ في شيءٍ، وادَّعَى أَنيٌّ على عمرَ رضي الله عنهما فأنكَرَ ذلك، فجَعَلا بينهما زيد بن ثابتٍ، فأتياهِ في منزله، فلمّا
دَخَلَا عليه قال له عمرُ رضي الله عنه: أتيناك لتحكُمَ بيننا، وفي بيته يؤتَى الْحَكَمُ، فوسَّعَ له زيدٌ عن صدر فراشه، فقال:
هاهنا يا أميرَ المؤمنين، فقال له عمرُ رضي الله عنه: لقد جُرْتَ في الفُتْيا ولكنْ أجلسُ مع خَصمي، فجَلَسا بين يديه، فادَّعَى
أُبِيٌّ وأنكَرَ عمرُ رضي الله عنهما، فقال زيدٌ لأُبِّيٌّ: أَعْفِ أميرَ المؤمنين مِن اليمين وما كنتُ لأسألَها لأحدٍ غيرِهِ، فحلَفَ عمرُ
رضي الله عنه، ثمَّ أقسَمَ لا يدركُ زيد بن ثابتِ القضاءُ حتّى يكونَ عمرُ ورجلٌ مِن عُرْضِ المسلمين عنده سواءً.
أخرجه البيهقيُّ في "الكبرى" ١٣٦/١٠ و١٤٤ - ١٤٥.
وروى أبو معاويةً عن الأعمش عن تَيم بن سَلَمَةَ قال: جاء ابنُ أبي عُصَيفير إلى شُرَيحِ يُخاصمُ رجلاً فجلسَ
معه على الطّنْفَسةِ، فقال له: قُمْ فاجلس مع خَصمك فإنَّ مَجلِسَكْ يَرِيبُه، فغضِبَ ابنُ أبي عُصَيغير، فقال له شُرَيحٌ:
قُمْ فاجلس مع خَصمك، إنّي لا أدَعُ النُّصرةَ وأنا عليها لقادرٌ. أخرجه البيهقيُّ في "الكبرى" ١٣٦/١٠.
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب القضاء - فصل: ولو حكم الخصمان إلخ ٧٨/٢.
(٢) "البدائع": كتاب آداب القاضي - فصل: وأما آداب القضاء فكثيرة ٩/٧.
(٣) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الأول في التقليد ١٣٦/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) صـ ٥٨٣- وما بعدها "در".

الجزء السادس عشر
٣٥٣
کتابُ القضاء
طَلَبَ المقضيُّ عليه نُسخةَ السِّجِلِّ مِن المقضيِّ له لَيَعرِضَهُ على العُلماءِ أهو
صحيحٌ أم لا، فامتَنَعَ، أَلزَمَهُ القاضي بذلك، "جواهر الفتاوى"(١). وفي "الفتح":
((متى أمكَّنَ إقامةُ الحَقِّ بلا إيغارِ صُدورٍ كان أولى)). وهل يَقبَلُ قَصَصَ الخُصومِ؟
[٢٦٠٩٧] (قولُهُ: نُسخةَ السِّجِلِّ) أي: كتابَ القاضي الذي فيه حُكمُهُ، الُسمَّى الآنَ بالحُجَّةِ.
[٢٦٠٩٨] (قولُهُ: أَلزَمَهُ القاضي بذلك) الظّاهرُ: أنَّ الإِشارةَ للعَرْضِ على العُلماءِ؛ لأنَّ
السِّجلَّ - أي: الحُجَّةَ - لو كان مِلكَهُ لا يلزَمُهُ دَفْعُهُ للمَقضيِّ عليه، تأمَّلْ.
[٢٦٠٩٩] (قولُهُ: وفي "الفتح" إلخ) حيثُ قال(٢): ((وفي "المبسوط "(٣) ما حاصلُهُ: أَنَّه
ينبغي للقاضي أنْ يَعتَذِرَ للمَقضيِّ عليه ويُبيِّنَ له وجهَ قضائهِ، ويُبِّنَ له أنَّه فَهِمَ حُجَّتَهُ
ولكنَّ الحُكمَ في الشَّرعِ كذا يقتضي القضاءَ عليه، فلم يمكنْ غيرُهُ ليكونَ ذلك أَدْفَعَ
الشِكَانِتِهِ للنّاسِ ونِسبِهِ إلى أنَّه جارَ عليه، ومَن يَسْمَعْ يَخَلْ(٤)، فربَّما تُفسِدُ العامَّةُ عِرضَهُ
وهو بريءٌ، وإذا أمكنَ إقامةُ الحَقِّ مع عَدَمٍ إيغارِ الصُّدورِ كان أولى)) اهـ. وفي
"الصَّحاح"(٥): ((الوَغْرَةُ(٦): شدَّةُ توقُّدِ الحَرِّ، ومِنه قيل: في صدرِهِ عليَّ وَغْرٌ - بالتَّسكين -
أي: ضِغْنٌ وعداوةٌ وتوقّدٌ مِن الغَيظِ)).
[٢٢١٠٠) (قولُهُ: قَصَصَ الُخُصومِ) جمعُ قَصَّةٍ وهي - بالفتح -: الجَصَّةُ، والمرادُ بها(٧) هنا
(١) "جواهر الفتاوى" لأبي بكر الكَرْمانيّ (ت٥٦٥هـ)، وتقدمت ترجمته ٦٩٩/١.
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧١/٦.
(٣) "المبسوط": كتاب آداب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ١٠٨/١٦.
(٤) أي: ومَنْ يَسمعِ المقضيَّ عليه يَشكُو الْجَوْرَ يَحْسِبِ الشَّكوى صحيحةً.
(٥) "الصحاح": مادة ((وغر)).
(٦) نقول: الذي في النسخ جميعها: ((الوَغْرُ)) دون تاء مربوطة، وما أثبتناه من المعجمات بالتاء المربوطة هو الصواب؛
إذ ليس فيها ((الوَغْرُ)) بمعنى شِدَّةٍ توقُّدِ الحَرِّ.
(٧) في "الأصل": ((به)).

حاشية ابن عابدين
٣٥٤
قسم المعاملات
إِنْ جلَسَ للقضاء لا، وإلّ أخَذَها، ولا يأخُذُ بما فيها إلاّ إذا أقرَّ بلفظِهِ صريحاً (١).
ورَقَةٌ يَكُتُبُ فيها قِصَّتَهُ(٢) مع خَصمِهِ، وَيُسمَّى الآنَ: عَرْضَ حالٍ.
[٢٦١٠١] (قولُهُ: لا) أي: لأنَّ كلامَهُ بلسانِهِ أحسنُ مِن کتابِتِهِ.
[٢٦١٠٢] (قولُهُ: ولا يأخُذُ بما فيها) عبارةُ غيرِهِ(٣): (ولا يُؤاخِذُ))، أي: لا يُؤَاخِذُ
صاحبَها بما كتَبَّهُ فيها مِن إقرارٍ ونحوِهِ ما لم يُقِرَّ بذلك صريحاً؛ لأَنَّه لا عِبرةَ بمجرَّدِ الخَطّ،
فافهمْ، واللهُ سبحانَهُ أعلمُ.
(١) ذكر صاحب "البحر" المسألة نقلاً عن "الصدر الشهيد"، انظر "البحر" ٣٠٤/٦.
(٢) في "ب" و"م": ((قَضِيَّةٌ)).
(٣) هي عبارة الصدر الشهيد، كما في "البحر" ٣٠٤/٦، ونقلها عنه "ط" ١٨٥/٣.

الجزء السادس عشر
٣٥٥
فصل في الحبْس
﴿فصلٌ في الحَبْس﴾
هو مشروعٌ بقولِهِ تعالى: ﴿أَوْيُنفَوْمِنَ اُلْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، وحَبَسَ عليه
الصَّلاةُ والسَّلامُ رجلاً بالتُّهَمَةِ في المسجدِ *
﴿فصلٌ في الحَبْس﴾
هو مِن أحكامِ القضاء، إلّ أَنَّه لَمّا اختَصَّ بأحكامٍ كثيرةٍ أَفرَدَهُ بفصلٍ على حِدَةٍ، نهر (١).
وهو لغةً: الَنْعُ، مُصدرُ حَبَسَ كِ: ضَرَبَ، ثُمَّ أُطلِقَ على المَوْضِعِ، وترجَمَ "المصنّفُ))(٢) له،
وزادَ فيه مسائلَ أُخَرَ مِن أحكامِ القضاء ذكَرَها في "الهداية(٣) في فصلٍ على حِدَةٍ، فكان الأَولى
أنْ يقولَ: في الحَبْسِ وغيرِهِ، كما قال في باب: كتابُ القاضي إلى القاضي وغيرِهِ.
[٠٣ ٢٦١] (قولُهُ: هو مشروعٌ إلخ) أرادَ أنَّه مشروعٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، زادَ "الزَّيلعيُّ"(٤).
((والإجماع؛ لأنَّ الصَّحابةَ رضي الله تعالى عنهم أجمعُوا عليه)).
[٢٦١٠٤) (قولُهُ: ﴿أَوْيُنفَوْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾) فإنَّ المرادَ بالنَّفْىِ الَحَبْسُ كما تقدَّمَ(*) في
قُطّاعِ الطَّريقِ. اهـ "ح"(٦).
(١) "النهر": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٤٣١/أ.
(٢) "المنح": کتاب القضاء - فصل في الحبس ٢/ق٥٥/ب.
(٣) "الهداية": كتاب أدب القاضي - فصل آخر ١٠٧/٣.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - فصل في الحبس ١٧٩/٤.
(٥) ٤٠٣/١٢ "در".
(٦) "ح": كتاب القضاء - فصل في الحبس ق ٣٠٧/أ.
* روى عبدُ الرَّزّاق وهشامُ بن يوسفَ وابنُ المبارك عن مَعمرٍ عن بَهْزِ بن حَكيمٍ عن أبيه عن جَدِّ معاويةَ بنِ حَيدة
رضي الله عنه ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ حَبَسَ رجلاً في تُهْمَةٍ)). زادَ أحمدُ بن يوسفَ عن عبد الرَّاق: ((ساعةٌ مِن نهارٍ)).
وزادَ عليُّ بن سعيدٍ ويوسفُ بن عَدِيِّ عن ابن المبارك: ((فَكُلِّمَ فيه فخَلَّى سبيلَه)).
أخرجه أبو داودَ (٣٦٣٠) في القضاء - باب في الحبس في الدَّين وغيره، والترمذيُّ (١٤١٧) في الدِّيات، وقال:
حديثُ بَهْزِ عن أبيه عن حَدِّه حديثٌ حسنٌ، وقد روى إسماعيلُ بن إبراهيمَ عن بَهْزِ بن حَكِيمٍ هذا الحديثَ أتمَّ مِن هذا
وأطولَ. والنسائيُّ في "المحتبى" ٦٧/٨، و"الكبرى" (٧٣٦٢) في قَطْعِ السّارق - باب امتحان السّارق بالضَّرَب والحبس، =

حاشية ابن عابدين
٣٥٦
قسم المعاملات
= والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" ٥٢/١، والطَّبرانيُّ في "الكبير" ١٩/ ٩٩٨)، و"الأوسط" (١٥٤)، وابنُ عَدِيٍّ ٦٦/٢ و٦٧،
والحاكمُ في "المستدرك" ١٠٢/٤، وقال: صحيحُ الإسناد، ولم يُخرِّجاه. قال الطَّيرانيُّ: لم يَروِ هذا الحديثَ عن بَهْزٍ إلّ
مَعمرٌ. وقال التّرمذيُّ في "علله الكبير" كما في "ترتيبه" (٢٣٩): سألتُه [محمَّداً البخاريَّ] عن حديث بَهْزِ عن أبيه عن
جَدِّه في هذا الباب فقال: قد روى هشامُ بن يوسفَ عن مَعمرٍ بطوله مثلَ ما روى إسماعيلُ بن عُلَيَّةً عن بُهْزِ بن حَكِيمٍ.
ورواه عبدُ الرَّزّاق وإسماعيلُ بن إبراهيمَ عن مَعمٍ عن بَهْزِ بن حَكِيمٍ عن أبيه عن جَدِّه قال: ((أَخَذَ الِيُّ ◌َّ ناساً
مِن قومي في تُهْمةٍ، فجاءَ رجلٌ مِن قومي إلى النّبِّل:﴿، وهو يَخطُبُ فقال: يا محمَّدُ! علامَ تَحِسُ جيرتي؟ فصمَتَ النّبِيُّ
وَّ، فقال: إنَّ أُناسً لَيقولون: إنَّك تنهى عن الشَّيء وتستخلي به، فقال النّبيُّمِ ﴿ّ: ما تقول؟ فجعلتُ أُعرِّضُ بينهما
بكلامٍ مَخافةَ أنْ يسمعَها، فيدعوَ على قومي دعوةٌ لا يُفلحون بعدَها، فلم يزَلِ النَّبِيُّونَ ﴿ حَتّى فَهِمَها، قال: ((قد قالوها -
أو قال: قالها - والله لو فعلتُ لكان عليَّ وما كان عليهم، خُلُّوا له عن جيرانه)).
أخرجه عبدُ الرَّزّاق في "المصنّف" (١٨٨٩١) - وعنه أحمدُ ٢/٥، والطَّبرانيُّ في "الكبير" ١٩/(٩٩٦)
و(٩٩٧)، والحاكم في "المستدرك" ١٢٥/١.
ورواه إسماعيلُ بن إبراهيمَ عن بَهْزِ بن حَكِيمٍ عن أبيه عن حَدِّه ((أَنَّ أباه أو عمَّه قامَ إلى النّبِيِّ: ﴿ّ فقال:
جيراني بمَ أُخِذُوا؟ فأعرَضَ عنه ... )).
أخرجه أحمدُ ٢/٥، وأبو داودَ (٣٦٣١)، والطّبرانيُّ في "الكبير" ١٩/(٩٩٧)، وأبو الشَّيخ في "أخلاق النّبيّ" (٤١).
ورواه حمّادُ بن سَلَمَةً أخبرنا أبو قَرَعةَ سُويدُ بن حُجيرِ الباهليُّ عن حَكِيمٍ بن معاويةَ عن أبيه ((أَنَّ أخاه مالكاً قال:
يا معاويةُ، إِنَّ محمَّداً أخَذَ جيراني، فانطلِقْ إليه، فإنَّه قد عَرَفك وكلَّمَك. قال: فانطلقتُ معه، فقال: دَعْ لي جيراني،
فإنّهم قد كانوا أسلَمُوا فأعرَضَ عنه، فقامَ مُمتعِضاً، فقال: أما والله لئن فعلتَ، إِنَّ الّاس لَيَزْعُمون أَنَّك تأمُر بالأمرِ،
وتخالفُ إلى غيره وجعلتُ أجُرُّه وهو يتكلّم فقال رسولُ الله ◌َ﴿ّ: ((ما يقول؟)) فقالوا: إنَّك والله لئن فعلتَ ذلك، إنَّ
الَّاسِ لَيَزْعُمون أَنَّك لتأمُرُ بالأمرِ، وتخالفُ إلى غيره ... )). أخرجه أحمدُ ٤٤٧/٤، والحاكمُ ٦٤٢/٣.
وبَهْزُ بن حَكيمٍ: قال ابنُ مَعينٍ: ثقةٌ. وقال أيضاً: إسنادٌ صحيح، إذا كان دونَ بَهْزِ ثقةٌ. وقال ابنُ الَّدينيِّ
والنّسائيُّ والتّمذيُّ وَابنُ الجارود: ثَقَةٌ. وقال أبو حاتمٍ: شيخٌ يُكتَبُ حديثُه ولا يُحتَجُّ به، وقال أبو زُرعةً: صالحٌ،
ولكنْ ليس بالمشهور. وقال ابنُ عَدِيّ: روى عنه ثقاتُ النّاس کالزُّهريِّ روى عنه حدیثین، ثمَّ قال: ولم أَرَ له حديثاً
مُنكَراً، وأرجو أنَّه إذا حدَّثَ عنه ثقةٌ فلا بأسَ بحديثه.
ورواه أبو مَعمرٍ إسماعيلُ بن إبراهيمَ وزيادُ بن أُوبَ ومحمَّدُ بن إسحاقَ البَلْخِيُّ عن إبراهيم بن خُثيم حدَّني
أبي عن جَدِّي عِراك بن مالكٍ عن أبي هريرةَ ((أَنَّ النّبِيَّلِ﴿ّ حَبَس رجلاً في تُهْمةٍ يوماً وليلةً استظهاراً واحتياطاً)).
وقال مرَّةً: ((أَخَذَ مِن مُتَّهٍَ كفيلاً تثبيتاً واحتياطاً)).
أخرجه البَزّار كما في "كشف الأستار" (١٣٦٠)، وأبو يَعْلى كما في " نصب الرّاية " ٣١٠/٣ - ٣١١، والعُقَيِيُّ في
"الضُّعفاء" ٥٢/١، وابنُ عَدِيٍّ في " الكامل" ٢٤٣/١، والحاكمُ في "المستدرك" ١٠٢/٤، وسكت الحاكم عنه، فتعقّبه الذّهبيُّ
بقوله: إبراهيمُ بن خُثيم متروكٌ. وقال العُقَيلِيُّ: لا يُتَعُ إبراهيمُ على هذا. قال البزّار: لا نعلَمُه عن أبي هريرةَ إلّ مِن هذا الوجه .-

الجزء السادس عشر
٣٥٧
فصل في الحبْس
ورواه محمَّدُ بن موسى الحريريُّ عن إبراهيم بن خثيم بن عِراك بن مالكٍ عن أبيه عن جَدِّه عن أبي هريرةً عن
النّبِّم ◌َ: ((أَنْه كَفِّلَ فِي تُهَمةٍ)).
أخرجه العُقَيليُّ ٥٢/١، والبَزّار كما في "كشف الأستار" (١٣٦١)، ثمَّ قال: لا نعلَمُه بهذا اللَّفظِ إلّ عن
أبي هريرةً مِن هذا الوجه، وإبراهيمُ ليس بالقويِّ، وقد حدَّثَ عنه جماعةٌ. وقال ابنُ عَدِيٌّ: مُتَوسِّطٌ في الضُّعفاءِ. وقال
النّسائيُّ: متروكٌ. وقال أبو زُرعةَ: مُنكَرُ الحديث. وسأل التّرمذيُّ في "علله الكبير" كما في "ترتيبه" (٢٣٩) محمَّداً
البخاريَّ عنه فقال: قال يحيى بنُ مَعينٍ: كان إبراهيمُ بنٍ خُثيم كأَنَّه مجنون، وكان الصِّبيانُ يلعبون به، وضعَّفَه جدّاً.
وأبوه لا بأسَ به، وجَدُّهُ عِراك ثقةٌ فاضْلٌ. قال ابنُ عَدِيّ: رواه يحيى بنُ سعيدٍ عن ◌ِراك بن مالكٍ مُرسَلاً وموصولاً.
فرواه إبراهيمُ بن زكريّا العِجليُّ عن أبي بكر بن عَيّاش عن يحيى بن سعيدٍ عن أنس بن مالكٍ ((أَنَّ النّبِيَّ ◌ُّ حَبَسَ.
رجلاً في تُهْمٍ)). أخرجه العُقَيِلِيُّ ٥٣/١ - ٥٤، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" ٢٥٦/١. قال العُقَيليُّ: إبراهيمُ بن زكرِيّا
مجهولٌ، وحديتُه خطأ. وقال ابنُ عَدِيٌّ: وهذا الحديثُ لم يَقُلْه أحدٌ عن أبي بكر بن عَّاش عن يحيى بنِ سعيدٍ عن أنسٍ
إلّ إبراهيمُ بن زكرِّيا هذا، وقد رأيتُ هذا الحديثَ مِن رواية هارونَ بنِ حاتمٍ المُقرئ الكوفيِّ عن أبي بكر بن عَّاش
هكذا، وإنَّما رواه أبو بكر عن يحيى بن سعيدٍ عن عِراك بن مالكٍ فقال: إبراهيمُ بن زكرِّيًا عن أنس بن مالكٍ، وقد قيل
في هذه الرِّواية: عن عِراك عن أبي هريرةً مُرسَلاً.
ورواه أبو عبيد القاسمُ عن أبي بكر بن عَّاش عن يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ عن عِراك بن مالكٍ قال: أقبَلَ نفَرٌ مِن
الأعراب معهم ظَهْرٌ لهم، فصبَّحَهم رجُلانِ فباتا معهم، فأصبح القومُ وقد فقَدُوا قرنين مِن إبلهم، فقَدِمُوا بالرَّجُلين على
رسول الله ﴿، فقال رسولُ الله ◌ُّ لأحد الرَّجُلين: اذهَبْ فاطلُبْ، وحَبَسَ الآخَرَ، فجيء بالقرنين، فقال رسولُ الله ◌ُّ
لأحد الرَّجُلين: استغفر لي، فقال: غفَرَ الله لك، فقال: وأنت غفَرَ الله لك، وقتلك في سبيله)). أخرجه العُقَيليُّ ٥٤/١،
ثُمَّ قال: هذا الحديثُ علّةٌ لحديث إبراهيمَ بنِ زكرِيًّا، ولحديث إبراهيمَ بنِ خُثيم بن عِراك قبلَه.
ورواه عبدُ الرَّزّاق (١٨٨٩٢) عن ابن ◌ُريجٍ أخبرني يحيى بنُ سعيدٍ عن عِراك بن مالكٍ قال: ((أُقْبَلَ
رجُلانٍ مِن بني غِفارِ حتّى نزلا مَنزلاً بضَحْنَان مِنَ مياه المدينة، وعندها ناسٌ مِن غَطَفان عندهم ظَهْرٌ لهم، فأصبح
الغَطَفانُون قد أضلُّوا قرينتين مِن إبلهم، فاتَّهموا الغِفاريَّين، فأقبلوا بهما إلى النّبِّ﴿ وذكروا له أمرَهم، فحَبَسَ
أحدَ الغِفارَّين، وقال للآخَرُ: ((اذهَبْ فالتمِسْ))، فلم يكنْ إلّ يسيراً حتّى جاء بهما، فقال النّبِيُّمَ﴿ لأحد
الغِفاريَّين - قال: حَسِبتُ أنَّه قال: المحبوسُ عنده: ((استغفر لي!)) - قال: غفَرَ الله لك يا رسولَ الله، فقال
رسولُ الله ◌ِ﴾: ((ولك، وقتلَكَ في سبيله)). قال: فَقُتِلَ يومَ اليمامة.
وروى بقيَّةُ بن الوليد قال: حدَّثني صفوانُ بن عمرو قال: حدَّثني أزهرُ بن عبد الله الحَرَازيُّ عن النُّعمان بنِ
بشيرِ ((أَنَّه رُفِعَ إليه نفرٌ مِن الكَلاعِّين أنَّ حاكَةٌ سِرَّقُوا مِّنَاعاً فحبَسَهم أيّاماً، ثمَّ خَلّى سبيلَهم، فأتَوه فقالوا:
خَلَّيْتَ سبيلَ هؤلاء بلا امتحانٍ ولا ضربٍ !! فقال النّعمانُ: ما شئتم، إنْ شئتم أضرِبُهم، فإنْ أخرَجَ اللهُ مَتَاعَكم
فذاك، وإلّ أخَذتُ مِن ظُهورِكُم مِثْلَه، قالوا: هذا حُكمُك! قال: هذا حُكُمُ الله عزَّ وجلَّ ورسولِهِ﴾ّ)).
أخرجه النَّسائيُّ في "المجتبى" ٦٦/٨، و"الكبرى" (٧٣٦١) في قَطْعِ السّارق - باب امتحان السّارق
بالضَّرب والحَبْس. قال أبو عبد الرَّحمن: هذا حديثٌ مُنكَرٌ لا يُحتَجُّ به. أخرجتُه لَيُعرَفَ القِصاصُ.
وروى سفيانُ عن محمَّدٍ بن إسحاقَ عن أبي جعفرِ أنَّ علّاً قال: ((إنَّما الحَبْسُ حتّى يتبَّنَ للإمامِ، فما حَبَسَ
بعدَ ذلك فهو جَوْرٌ)). أخرجه البيهقيُّ ٥٣/٦.

حاشية ابن عابدين
٣٥٨
قسم المعاملات
وأحدَثَ السِّجْنَ "عليٌّ" رضي الله تعالى عنه، بَنَاهُ(١) مِن قَصَبٍ، و(٢) سَمّاهُ نافِعاً، فَقَبَهُ
اللُّصُوصُ، .
[٢٦١٠٥] (قولُهُ: وأحدَثَ السِّحْنَ "عليٌّ) أي: أحدَثَ بناءَ سَجْنٍ خاصٌ، فلا يُنافي ما قالوا
أيضاً مِن أَنَّه لم يكن في عَهْدِهِ ﴿ و "أبي بكر" سِجْرٌ(٣)، إنما كان(٤) يُحَبَسُ في المسجدِ أو الدِّهْليزِ
حتّى اشتَرَى "عمرُ" رضي الله تعالى عنه داراً بمكّةَ بأربعةِ آلافٍ درهمٍ وَتَّخَذَهُ مَحْبَساً(٥).
(١) في "و": ((وبناه)).
(٢) الواو ليست في "د" و"و".
(٣) انظر "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب الحادي والثلاثون في الحبس في الدين ٣٤٤/٢، ولكن فيه: ((إلا أنَّ في
زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لم يكن سِحْنٌ، وكان يحبس في
المسجد أو في الدِّهْليز حيث أمكن، ولما كان زمنُ عليّ رضي الله عنه أحدث السجن فكان أوَّلَ من أحدث السجن في
الإِسلام وسَّمى السِّجْن نافعاً، ولم يكن حَصِيناً، فانفلت الناس منه، ثم بنى سجنا آخر سمّاه مُخَيِّساً)).
ومما يدل عليه: أنَّ رسولُ الله ◌ُ لَّ رِبَطَ ثُمامةً في المسجد. وتقدَّمَ تخريجُه في المقولة [١٩٦٣٣].
وربَطَ العُرَبِيِّين بالحَرَّة وسمَلَ أعينهم. وتقدَّمَ تخريجُه في المقولة [١٩٥٦٤].
وفي حديث أَيُّوبَ وغيره عن أبي قلابةً عن أبي الُهلَّب عن عمرانَ بنِ حُصين قال: ((أَسَرَ أصحابُ رسولِ اللهِ لّ
رُلاً مِن بني عُقَيل وتركوه في الحَرَّة))، وفي روايةٍ: ((فَأَوَتَّقُوه وطرَحُوه في الحَرَّة، فمرَّ به رسولُ الله ◌ُّ ونحن معه ... )).
أخرجه مسلمٌ (١٦٤١)، وأبو داودَ (٣٣١٦)، والدّارِميُّ (٢٥٠٥)، وأبو عوانةَ (٥٨٤٤) و(٥٨٤٥) (٥٨٤٨)،
وابنُ الجارود في "المنتقى" (٩٣٣)، وغيرُهم.
(٤) ((كان)) ليست في "الأصل".
(٥) علّقه البخاريُّ في "الصَّحيح" في الخصومات - باب الرَّبط والَحَبْسَ فِي الحَرَم، فقال: واشتَرَى نافعُ بن عبد الحارث داراً
للسِّحن بمكّةً مِن صفوانَ بنِ أُمَّة، على إنْ رَضِيَ عمرُ فالبيعُ بيعُه، وإنْ لم يَرْضَ عمرُ فِلِصفوانَ أربعمائة دينار.
وروى سفيانُ بن ◌ُعُيينةَ عن عمرو بن دينار عن عبد الرَّحمن بن فَروخ مولَّى نافعٍ بن عبد الحارث قال: ((إنَّ
نافعَ بن عبد الحارث اشتَرَى لعمرَ مِن صفوانَ بنِ أُمَيَّةَ دارَ السِّجن بأربعةِ آلافٍ، فإنْ رضي عمرُ رضي الله عنه
فالبيعُ جائزٌ، وإلّ فِلِصفوانَ أربعمائة درهمٍ)).
وقال ابنُ عُينةَ: فهو سجنُ النّاس اليَومَ بِمَكَّةً. زادَ الأَزْرَقِيُّ: وهي دارُ أُمِّ وائلٍ.
أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في "المصنّف" ٣٩٢/٥، والأزْرَقيُّ في "أخبار مكّة" ١٦٥/١، والفاكهيُّ في "تاريخ مكّة"
(٢٠٧٦)، والبيهقيُّ في "الكبرى" ٣٤/٦، والمِّيُّ في "تهذيب الكمال" ٣٤٣/١٧، وابنُ حَجَرٍ في "تغليق التعليق" ٣٢٦/٣.
قال البيهقيُّ: ويُذكَرُ عن عمرو بن دينارِ أنَّه سئل عن كِراء بُيوتِ مكَّةً فقال: لا بأسَ مثلُ الشِّراء قد اشتَرَى
عمرُ بن الخطّاب رضي الله عنه مِنَ صفوانَ بِنِّ أُميَّةَ داراً بأربعة آلاف درهم.
قال ابنُ حَجَرٍ: ورواه عبدُ الرَّزّاق عن مَعمرٍ وابنٍ عُيينةَ وابنِ جُريجٍ، ثلاثُتُهم عن عمرٍو.
=