النص المفهرس
صفحات 321-340
الجزء السادس عشر ٣١٩ كتابُ القضاء وبه جزَمَ "النّاصحيُّ". (فإذا تقلَّدَ(١) طَلَبَ ديوانَ قاضٍ قبلَهُ) يعني: السِّجِلَّتِ، .... مُصرَّحٌ به في "فصول العماديّ)(٢)، ويدُلُّ بمفهومِهِ على أنَّ القاضيَ لو كان مِن الْبُغاةِ فإنَّ قضاياهُ تَنفُذُ كسائرٍ فُسّاقِ أهلِ العَدْلِ؛ لأنَّ الفاسقَ يصلُحُ قاضياً في الأصحِّ، وذكَرَ في "الفصول)"(٢) ثلاثةَ أقوال فيه: الأوَّلُ: ما ذكَّرْنا، وهو المعتمَدُ، الثّاني: عَدَمُ النَّفاذِ، فإذا رُفِعَ إلى العادلِ لا يُمضيهِ. الثّالثُ: حُكمُهُ حُكُمُ الُحكَّمِ يُمضيهِ لو وافَقَ رأَهُ وإلّ أَبِطَلَهُ. اهـ "بحر "(٣). [٢٦٠٤٢) (قولُهُ: وبه جزَمَ "النّاصحيُّ") لكنْ قد عَلِمتَ(٤) ما هو المعتمَدُ. (٢٦٠٤٣] (قولُهُ: فإذا تقلَّدَ طَلَبَ ديوانَ قاضٍ قبلَهُ) في "القاموس" (٥): ((الدِّيوانُ، ويُفتحُ: مُجتمَعُ الصُّحفِ، والكتابُ يُكَنَبُ فيه أهلُ الجيشِ وأهلُ العَطِيّةِ، وأَوَّلُ مَن وضَعَهُ "عمرُ " رَضِيَ اللهُ تعالى عنه(٦)، جَمعُهُ: دَواوينُ ودَياوينُ)) اهـ. (١) في "و": ((فإذا تقلّد القضاء طَلَبَ إلخ)). (٢) انظر "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يتصل به من عزل قاض أو وصي أو وكيل أو مأمور ١٣/١. (٣) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٢٩٨/٦ - ٢٩٩. (٤) في المقولة السابقة. (٥) "القاموس": مادة ((دون)). (٦) قال ابنُ حَجَرٍ في "فتح الباري" ١٤٧/٨: وقد ثبت أنَّ أوَّل مَن دَوَّن الديوانَ عمرُ رضي الله عنه. روى زهيرُ بن محمَّد بنِ قُمَيرٍ عن حسين بنِ محمَّدٍ قال: حدَّثنا أبو مَعشَرٍ عن زيد بنِ أسلَمَ عن أبيه وعن عمرَ بنِ عبد الله مولى غُفْرِة قالا: ((قَدِمَ على أبي بكرٍ مالٌ مِن البحرين .... ثُمَّ استُخلِفَ عمرُ رضي الله عنه ففتح الله عليه الفتوحَ فجاءه أكثرُ مِن ذلك المال، فقال: قد كان لأبي بكر في هذا المالِ رأيٌّ، وليَ رأيٌ آخَرُ، لا أجعَلُ مَن قاتلَ رسولَ الله كمَن قاتلَ معه، ففَضَّلَ المهاجرين والأنصارَ، ففرَضَ لِمَن شَهِدَ بدراً مِنهم خمسةَ آلاف خمسةَ آلاف، ومَن كان إسلامُه قبلَ إسلامِ أهل بدرٍ فرَضَ له أربعةَ آلاف أربعةَ آلاف، وفرَضَ لأزواج رسول الله اثني عشرَ ألفاً لكلِّ امرأةٍ إلّ صفيَّةَ وجُوَيْرِيَةَ فَرَضَ لَكُلِّ واحدٍ سنَّةَ آلاف سنَّةَ آلاف فَأَبَيْنَ أنْ يأخُذْنَها، فقال: إنَّما فرضتُ لهنَّ بالهجرة، قُلن: ما فرضتَ لهنَّ مِن أجل الهجرة، إنَّما فرضتَ لهنَّ مِن مكانهنَّ مِن رسولِ الله ولنا مثلُ مكانهنَّ، فَأبصَرَ ذلك فجَعَلهنَّ سواءً مثلَهنَّ، وفرَضَ للعبّاسِ بنِ عبد المطّلبِ اثني عشرَ ألفاً؛ لقرابته مِن رسولِ الله، وفرَضَ لأسامةَ بنِ زيدٍ أربعةَ آلافٍ، وفرَضَ الحسن والحسين خمسةَ آلاف خمسةَ آلاف فألحقّهما بأبيهما؛ لقرابتهما مِن رسولِ الله، وفرَضَ لعبد الله بن عمرَ ثلاثةَ آلافٍ، فقال: يا أبت فرضتَ لأسامةَ بنِ زيدٍ أربعةَ آلافٍ، وفرضتَ لي ثلاثةَ آلافٍ، فما كان لأبيه مِنَ الفَضْلِ ما لم يكنْ لك؟ وما كان له مِن الفَضْلِ ما لم يكنْ لي؟ فقال: إنَّ أباه كان أحبَّ إلى رسول الله مِن أبيك، وهو كان أحبَّ إلى رسول الله مِنك، وفرَضَ لأبناءِ المهاجرين والأنصارِ مِمّن شَهِدَ بدراً ألفين ألفين ... فَعَمِلَ عُمَرُ عُمُرَه بهذا ... ))، وفيه: ((إنّي قد دَوَّنتُ الدِّيوانَ ومَصَّرْتُ الأمصارَ ... )). = حاشية ابن عابدين ٣٢٠ قسم المعاملات أخرجه البَزّار في "البحر الزَّخّار" (٢٨٦)، ثمَّ قال: وهذا الحديث قد رُوي نحوُ كلامِه عن عمرَ في صفة = مَقتِلِهِ مِن وجوهٍ، ولا نعلَمُ رُوي عن زيدِ بن أسلَمَ عن أبيه بهذا التّمام إلّ مِن حديث أبي مَعشَرِ عن زيدٍ عن أبيه. وأبو مَعشَرٍ: نَحيحُ بنُ عبد الرَّحمن السِّنديُّ ضعيفٌ. وعمرُ مولى غُفْرة: ضعيفٌ. وروى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن إبراهيمَ بنِ عبد الرَّحمن بنِ عَوْفٍ قال: ((لَمّا أُتِيَ عمرُ بكنوزٍ كِسرى قال له عبد الله بنُ الأَرْقَم الزُّهريُّ: ألا تَحْعَلُها في بيتِ المال حتّى تقسِمَها، قال: لا يُظِلُّها سقفٌ حتّى أُمضيَها، فأمَرَ بها فُوُضِعت في صرحِ المسجد، فباتوا يَحْرُسُونَها، فلمّا أَصَبَحَ أمَرَ بها فكُشِفَ عنها، فرأى فيها مِن الحمراءِ والبيضاءِ ما يكادُ يتلألأُ مِنه البصرُ. قال: فبكى عمرُ، فقال له عبد الرَّحمن بنُ عَوْفٍ: ما يُبكيك يا أميرَ المؤمنين؟! فوالله إنْ كان هذا لَيومُ شُكرٍ ويومُ سُرُورٍ ويومُ فرحٍ، فقال عمرُ: كلا إنَّ هذا لم يُعطَه قومٌ إلّ أُلْقِيَ بينهمُ العداوةُ والبغضاءُ. ثمَّ قال: أَنَكيلُ لهم بالصّاعِ أم نحثُو؟ فقال عليّ: بلِ احتُوا لهم، ثمَّ دعا حسن بنَ عليٍّ أوَّلَ النّاس فحثا له، ثمَّ دعا حسيناً، ثمَّ أعطى النّاس، ودوَّنَ الدَّواوين، وفرَضَ للمهاجرين لكلِّ رجلٍ مِنهم خمسةَ آلافٍ درهمٍ في كلِّ سنةٍ، وللأنصارِ لكلِّ رجلٍ مِنهم أربعةَ آلافِ درهمٍ، وفرَضَ لأزواج النّبِيِّ لكلِّ امرأةٌ مِنهنّ اثني عشرَ ألفَ درهمٍ إلّ صفيَّةً وجُوَيرِيَةَ فَرَضَ لكلِّ واحدةٍ مِنهما سنَّةَ آلافِ درهمٍ)). أخرجه عبدُ الرَّزّاق (٢٠٠٣٦) - عن مَعمرٍ في "الجامع" - باب الدِّيوان. وروى محمَّد بن عمر الواقديُّ عن عائذٍ بن يحيى عن أبي الحويرث عن جُبير بنِ الحويرث بنِ نُقَيد ((أَنَّ عمرَ بن الخطّاب استشار المسلمين في تدوين الدِّيوان، فقال له عليُّ بن أبي طالبٍ: تَقَسِمُ كلَّ سنةٍ ما اجتمعَ إليك من مالٍ ولا تمسِكُ منه شيئاً، وقال عثمان بن عفّن: أرى مالاً كثيراً يسَعُ النّاس وإنْ لمْ يُحصَوا حتّى تعرفَ مَن أخذ مِمّن لم يأخذ خشية أنْ ينتشرَ الأمرُ، فقال له الوليد بن هشامٍ بنِ المغيرة: يا أميرَ المؤمنين! قد جئتُ الشّامَ فرأيتُ ملوكَها قد دوَّنوا ديواناً وجنّدوا جنودًا فدوِّنْ ديواناً وجنّدْ جنوداً، فأخَذَ بقوله، فدعا عَقيلَ بن أبي طالبٍ ومَخرمةَ بِنَ نوفلٍ وجُبِيرَ بن مُطْعِم وكانوا من نُسَّب قريش، فقال: اكتبوا النّاس على منازلهم فكتبوا، فبدؤوا ببني هاشمٍ، ثُمَّ أتبعوهم أبا بكرٍ وقومَه، ثُمَّ عمرَ وقومَه على الخلافة، فلمّا نظرَ إليه عمرُ قال: ودِدتُ - والله - أنّه هكذا ولكن ابدؤوا بقَرابة النبيِّ ◌َ* الأقربَ فالأقربَ حَتّى تضعوا عمرَ حيثُ وضعَه الله)). أخرجه ابنُ سعدٍ في " الطَّقات الكبرى ٢٩٥/٣. قال ابنُ سعدٍ: أخبرنا محمَّد بنُ عمرَ قال: حدَّثْني أسامةُ بن زيدِ بنِ أسلَمَ عن يحيى بنِ عبد الله بنِ مالكٍ عن أبيه عن جدِّه (ح)، قال محمَّد بنُ عمرَ: وأخبرنا سليمانُ بنُ داودَ بن الحصين عن أبيه عن عكرمةَ عن ابن عبّاس (ح)، قال محمَّد بن عمرَ: وأخبرنا عبدُ الله بنُ جعفرٍ عن عثمانَ بنِ محمَّد الأخنسيِّ (ح)، قال محمَّد بنُ عمرَ: وأخبرنا موسى بنُ محمَّد بنِ إبراهيمَ عن أبيه (ح)، قال: وحدَّثني محمَّد بن عبد الله عن الزُّهريِّ عن سعيد بنِ المسيّب ـ دخَلَ حديثُ بعضِهم في حديث بعضٍ - قالوا: ((لَمَّا أجمع عمرُ بن الخطّاب على تدوين الدِّيوان وذلك في المُحرَّم سنةَ عشرينَ بدأ ببني هاشمٍ في الدَّعوة ثمَّ الأقربِ فالأقربِ برسولِ الله، فكان القومُ إذا استوَوا في القرابة برسول الله ﴿ قدَّمَ أهلَ السّابقة حتى انتهى إلى الأنصار فقالوا: بمن نبدأ؟ فقال عمرُ: ابدؤوا برَهْط سعد بنِ معاذٍ الأشهليِّ ثُمَّ الأقربِ فالأقربِ بسعد بن معاذ، وفرَضَ عمرُ لأهل الدِّيوان ففضَّلَ أهلَ السَّوابق والمشاهد في الفرائض، = الجزء السادس عشر ٣٢١ کتابُ القضاء - وكان أبو بكرِ الصَّديقُ قد سوَّى بين النّاس في القَسْم، فقيل لعمرَ في ذلك، فقال: لا أجعَلُ مَن قاتلَ رسولَ الله كمَن قاتلَ معه، فبدأ بمن شَهِدَ بدراً مِن المهاجرين والأنصارِ، ففرَضَ لكلِّ رجلٍ مِنهم خمسةَ آلافِ درهمٍ في كلِّ سنةٍ، حليفُهم ومولاهم معهم بالسَّواء، وفرَضَ لِمَن كان له إسلامٌ كإسلام أهل بدرٍ من مهاجرة الحبشة ومَن شَهِدَ أُحُداً أربعةَ آلافِ درهمٍ لكلِّ رجلٍ مِنهم، وفرَضَ لأبناء البدريين ألفين ألفين إلّ حسناً وحسيناً، فإنّه ألحقَهمَا بفريضة أبيهما ... )). أخرجه ابنُ سعدٍ في "الطَّقات الكبرى" ٢٩٦/٣ - وعنه ابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشق" ٢٣٨/١٣ و١٧٦/١٤. ومحمَّد بنُ عمرَ: هو الواقديُّ، متروكٌ. وروى يزيدُ بنُ هارونَ قال: أخبرنا محمَّد بنُ عمرو عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرةَ (( أَنَّه قَدِمَ على عمرَ من البحرين، قال أبو هريرةَ: فلقيتُه في صلاة العشاء الآخرة، فسلّمتُ عليه، فسألني عن النّاس ثمَّ قال لي: ماذا جئتَ به؟ قلتُ: جئت بخمسمائة ألفِ درهمٍ، قال: هل تدري ما تقول؟! قلتُ: جئت بخمسمائة ألف درهمٍ، قال: ماذا تقول؟! قال: قلتُ: مائةُ ألفٍ ومائةُ ألفٍ ومائةُ ألفٍ ومائةُ ألفٍ ومائةُ ألفٍ حَتّى عددتُ خمساً، قال: إنَّك ناعس! فارجِعْ إلى أهلِكَ فَتَمْ، فإذا أصبحتَ فأتِنِي، فقال أبو هريرةَ: فغدوتُ إليه، فقال: ماذا جئتَ به؟ قلتُ: جئتُ بخمسمائة ألفٍ درهمٍ، قال عمرُ: أَطَيِّبٌ، قلتُ: نعم، لا أعلَمُ إلّ ذلك، فقال للنّاس: إنَّه قد قَدِمَ علينا مالٌ كثيرٌ، فإنْ شئتم أنْ نَعُدَّ لكم عددً، وإنْ شئتم أنْ خكيلَه لكم كيلاً، فقال له رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين! إنّي قد رأيتُ هؤلاء الأعاجمَ يدوِّنون ديواناً يُعطون النّاس عليه، قال: فدوَّن الدِّيوان، وفرَضَ للمهاجرين الأوَّلين في خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار في أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأزواج النّبِيِّ عليه السَّلامُ في اثني عشرَ ألفً)). أخرجه ابنُ سعدٍ في "الطَّقات الكبرى" ٣٠٠/٣، وابنُ أبي شيبةَ في "المصنّف" ٦١٣/٧، والبيهقيُّ ٣٥٠/٦. وروى عبدُ الله بن المبارك أخبرنا عُبيدُ الله بن مَوَهَبٍ قال: سَمِعتُ أبا هريرةَ يقول: ((قَدِمتُ على عمرَ بنِ الخطّاب من عند أبي موسى الأشعريِّ بثمانمائة ألفِ درهم، فقال لي: بماذا قَدِمتَ؟ قلتُ: قَدِمتُ بثمانمائة ألف درهم! قال: ألم أَقُلْ إِنَّك تِهامِيٌّ أحمقُ؟ إنَّمَا قَدِمتَ بثمانين ألف درهمٍ، فكم ثمانمائة ألفِ درهمٍ، فعدَدتُ مائةُ ألفٍ حَتّى عدَدتُ ثمانمائة، فقال: أَطِّبٌ ويلَك؟! قال: نعم، قال: فبات عمرُ ليلتَه أَرِقاً حتّى إذا نودي بصلاةِ الصُّبح قالت له امرأتُه: يا أميرَ المؤمنين! ما نِمتَ اللَّيلةَ، قال: كيف ينامُ عمرُ بن الخطّاب، وقد جاء النّاسَ ما لم يكنْ يأتيهم مثلُه منذ كان الإِسلامُ؟! فما يؤمِنُ عمرُ لو هَلَكَ وذلك المالُ عنده فلم يضَعْهُ فِي حَقِّه !! فلمّا صَلّى الصُّبحَ اجتمع إليه نفرٌ من أصحاب رسول الله ﴿، فقال لهم: إنَّه قد جاء النّاسَ اللّيلةَ ما لم يأتِهم مثلُه منذ كان الإسلامُ، وقد رأيتُ رأياً فأشيروا عليَّ، رأيتُ أنْ أَكيلَ للنّاس بالمكيال، فقالوا: لا تفعلْ يا أمير المؤمنين، إنَّ النّاس يدخلون في الإسلام ويكثُر المالُ، ولكنْ أعطِهم على كتابٍ، فكلمًا كَثُرَ النّاسُ وكَثُرَ المالُ أعطيتَهم عليه، قال: فأشيروا عليَّ بمن أبداً منهم؟ قالوا: بك يا أمير المؤمنين، إنَّك وليُّ ذلك. ومنهم من قال: أميرُ المؤمنين أعلم! قال: لا! ولكنّي أبدأ برسول الله ◌ِ﴾ِ، ثمَّ الأقربِ فالأقربِ إليه، فوضَعَ الدِّيوان على ذلك، قال عُبِيدُ الله: بدأ بهاشمٍ والمطّلب فأعطاهم جميعاً، ثمَّ أعطى بني عبد شمسٍ، ثمَّ بني نوفل بن عبد منافٍ، وإنَّما بدأ ببني عبد شمسٍ لأنّه كان أخا هاشٍ لأُمِّه. = حاشية ابن عابدين ٣٢٢ قسم المعاملات قال عُبيدُ الله: فأوَّلُ من فرَّق بين بني هاشمٍ والمطّلب في الدَّعوة عبدُ الملك، قَدِمَ عليه عبدُ الله بنُ قيس بنِ = مَخرمةَ أخو بني عبد المطّلب، فقال له عبدُ الملك: أقد رضيتَ يا أبا عبد الله أنْ تُدعى بغير أبيك فتحيبَ؟ قال: ومن يدعوني بغير أبي؟ قال: أليس يُدعَى بنو هاشمٍ ولا يُدعَى بنو المطّلب فتجيبُ؟، فقال: أمرٌ صنَعَه رسول الله ◌ِ لَّ فكيف لي بذلك؟ قال: تسألني أنْ أفرِّقَكم على عريفٍ فأفعلَ، فلمّا أذنَ للّاس قام عبدُ الله بنُ قيس، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّا أصبحنا ليس لنا عريفٌ، إنَّما يُدعَى بنو هاشمٍ فنجيبُ، فاجعَل لنا عريفاً، فكتَبَ له أنْ يُفرَّقوا على عريفٍ، ويكونَ ذلك إلى عبدِ الله بن قيسٍ يليها ويولّيها مَن أحبَّ)). أخرجه يعقوبُ بن سفيانَ الفَسَويُّ في "المعرفة والتاريخ" ٢٤٨/١ - ومن طريقه البيهقيُّ في "الكبرى" ٣٦٤/٦. وروى اللَّث بن سعدٍ عن محمَّد بن عجلانَ قال: ((لَمّا دَوَّن لنا عمرُ الدِّيوان قال: بمن نبدأ؟ قالوا: بنفسك فابدأ، قال: لا! إنَّ رسول الله إمامُنا فَبِرَهْطِه نبدأ، ثمَّ بالأقربِ فالأقربِ)). أخرجه أبو عُبيد في "الأموال" (٥٤٩). وروى إسماعيلُ بن مُجالدٍ عن أبيه مُجالدٍ بن سعيدٍ عن الشَّعبيِّ قال: ((لَمّا افتتح عمرُ العراقَ والشّامَ وجَبَى الخَرَاجَ جمع أصحابَ النَّبِيِّ فقال: إنّي قد رأيتُ أنْ أفرِضَ العَطاءَ لأَهلِه الذين افتتحوه، فقالوا: نِعْمَ الرّأيُ رأيتَ يا أمير المؤمنين، فقال: فبمن نبدأ؟ قالوا: ومن أحَقُّ بذلك منك، ابدأ بنفسك، قال: لا، ولكنّي أبداً بآل رسول الله، فكتب عائشةَ أُمَّ المؤمنين في اثني عشر ألفاً، وكتب سائرَ أزواجِ النّبِيِّ في عشرة آلافٍ، ثمَّ فرَضَ بعد أزواج النِّيِّ لعليٍّ بن أبي طالبٍ خمسةَ آلافٍ، ولِمَن شَهِدَ بدراً مِن بني هاشم)). أخرجه أبو عُبيد في "الأموال" (٥٥٠). وروى اللَّث عن عبد الرَّحمن بنِ خالدِ الفَهْميّ عن ابن شِهابٍ أنَّ عمر حين دوَّن الدَّواوين فرَضَ ... )). أخرجه أبو عُبيد في "الأموال" (٥٥٣). وروى غسّانُ بن مُضر ثنا سعيدُ بن يزيدَ عن أبي نَضْرةً عن جابر بن عبد الله قال: ((لَمّا وَلِيَ عمرُ رضي الله عنه الخلافةَ فرَضَ الفرائضَ ودَوَّن الدَّواوين وعرَّفَ العُرَفاء وعرَّفني على أصحابي)). أخرجه أحمدُ في "العِلَل" ١٩٣/٢ - ١٩٤، وعبدُ الله بن أحمدَ في "فضائل الصَّحابة" (٤٦٤)، وابنُ أبي شيبةَ ٢٦٦/٦ - ٢٦٧ و٣٣١/٨، والبيهقيُّ في "الكبرى" ٣٦٠/٦ و١٠٨/٨. وروى عبدُ الرَّحيم بنُ سليمانَ عن أشعثَ عن الشَّعبيِّ وعن الحكمِ عن إبراهيمَ قال: ((أَوَّلُ مَنْ فَرَضَ العَطاءَ عمرُ بن الخطّاب، وفرَضَ فيه الدِّيَةَ كاملةً في ثلاث سنين، وتُلُثِي الدِّيَة في سنتين، والنّصفَ في سنتين، والّلثَ في سنةٍ، وما دون ذلك في عامِهِ)). أخرجه ابنُ أبي شيبةَ ٣٥٩/٦ و٠٣٣٣/٨ وروى الشّافعيُّ في "الأمّ" ١٥٨/٤ عن سفيانَ عن عمرو بن دينارٍ عن أبي جعفرٍ محمَّد بنِ عليّ ((أَنَّ عمرَ رضي الله عنه لَمّا دوَّنَ الدَّواوين فقال: بمن ترَونَ أنْ أبدأ؟ فقيل له: ابدأ بالأقربِ فالأقربِ لك، قال: بل أبدأ بالأقربِ فالأقربِ برسول الله)). = الجزء السادس عشر ٣٢٣ کتابُ القضاء فقولُهُ: ((مُجتمَعُ الصُّحفِ)) معنى قولِ "الكنز"(١): ((وهو الخرائطُ التي فيها السِّجلاّتُ والمحاضرُ وغيرُها، والخرائطُ: جمعُ خريطةٍ، شِبْهُ الكيسِ)). وقولُ "الشّارحِ": ((يعني: السِّحلّتٍ)) تفسيرٌ بالمعنى الثّاني. وقولُ "البحر "(٢) تَبَعاً لـ "مسكينِ"(٣): ((إنَّ ما في "الكنز" مَجازٌ؛ لأنَّ الدِّيوانَ نفسُ السِّحِلَّتِ والمحاضرِ لا الكِيْسُ)) فيه نظرٌ، فافهمْ. والسِّحِلُّ لغةً: كتابُ القاضي، والمحاضرُ: جمعُ مَحضَرٍ. وفي "الدُّرر"(٤): ((إِنَّ المحضرَ ما كُتِبَ فيه ما جرَى بينَ الخصمينِ مِن إقرارٍ، أو إنكارٍ، والْحُكْمِ بِّنةٍ أو نُكولٍ على وجهٍ يَرِفَعُ الاشتباهَ، وكذا السِّجِلُّ والصَّكُّ: ما كُتِبَ فِيه البيعُ، والرَّهنُ، والإقرارُ وغيرُها، والحُجَّةُ والوثيقةُ يتناولان الثَّلاثةَ)) اهـ. والعُرْفُ الآنَ: السِّحِلُّ(٥): ما كُتِبَ في الواقعةِ وبَقِيَ عندَ القاضي وليس عليه خَطُّهُ، [٠١٥/٢ ٧/٢) والحُجَّةُ: ما عليه علامةُ القاضي أعلاهُ، وخَطُّ الشّاهدينِ أسفلَهُ، وَأُعطِيَ للخصمٍ، "بحر"(٦) مُلخَّصاً. قال الشّافعيُّ: أخبرني غيرُ واحدٍ مِن أهل العِلم والصِّدق مِن أهل المدينةِ ومكَّةً مِن قبائل قريشٍ ومِن غيرِهم = - وكان بعضُهم أحسنَ اقتصاصاً للحديث مِن بعضٍ، وقد زادَ بعضُهم على بعضٍ في الحديث - ((أَنَّ عمرَ رضي الله عنه لَمّا دوَّن الدَّواوين قال: ابدأ ببني هاشمٍ. ثُمَّ قال: حضرت رسول الله ﴿ يعطيهم وبني المطّلب، فإذا كان المُسِنُّ في الهاشميِّ قدِّمْهُ على المطّلبِيّ، وإذا كان في المُطَّلبيّ قدَّمَه على الهاشميِّ، فوضَعَ الدِّيوان على ذلك، وأعطاهم عطاءَ القبيلةِ الواحدة، ثمَّ اسْتَوَت له عبدُ شمسٍ ونوفلٌ في جِذْمِ النّسب، فقال: عبدُ شمسٍ إخوةُ النّبِيِّ ﴿ لأبيه وأمّه دون نوفلٍ فقدَّمَهُم، ثمَّ دعا بني نوفلٍ يتُلُونَّهم، ثمَّ استوت له عبدُ العُزَّى وعبدُ الدّار فقال: في بني أسدٍ بن عبدِ العُزَّى أصهارُ الَبِّ ﴿، وفيهم أنّهم مِن المُطَيّين، وقال بعضُهم: هم حِلفٌ مِن الفُضول ... )). ذكره الشّافعيُّ في "الأم" ١٥٨/٤ - وعنه البيهقيُّ في "الكبرى" ٣٦٤/٦. (١) انظر شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء ٨٤/٢. (٢) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٢٩٩/٦. (٣) "شرح منلا مسكين على الكنز": كتاب القضاء صـ١٩٦ -. (٤) "الدرر والغرر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي ٤١٥/٢ - ٤١٦. (٥) ((السجل)) ساقطة من "ك" و"ب" و"م". (٦) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٢٩٩/٦. حاشية ابن عابدين ٣٢٤ قسم المعاملات وإنَّما يطلُبُهُ لأنَّ الدِّيوانَ وُضِعَ ليكونَ حُجَّةً عندَ الحاجةِ، فُيُجعَلُ في يدٍ مَن له ولايةٌ القضاءِ، وما في يدِ الخصمٍ لا يُؤْمَنُ عليه التّغييرُ بزيادةٍ أو نُقصانٍ. ثُمَّ إنْ كانتِ الأوراقُ مِن بيتِ المالِ فلا إشكالَ في وجوبِ تسليمِها إلى الجديدِ، وكذا لو مِن مالِ الخُصومِ، أو مِن مالٍ القاضي في الصَّحيحِ؛ لأنَّهم وضَعُوها في يدِ القاضي لعمَلِهِ(١)، وكذا القاضي يُحمَلُ على أنّه عَمِلَ ذلك تديُّناً لا تَمُوُّلاً، وتمامُهُ في "الزَّيلعيِّ"(٢). مطلبٌ في العملِ بالسِّجِلَّتِ وكتبِ الأوقافِ القديمةِ (تنبيةٌ) مُفادُ قولِ "الزَّيلعيِّ)": ((ليكونَ حُجَّةً عندَ الحاجةِ)) - ومثلُهُ في "الفتح"(٣) - أَنَّه يَجُوزُ للحديدِ الاعتمادُ على سِجِلِّ المعزولِ، مع أنَّه يأتي(٤) أَنَّه لا يعمَلُ بقولِ المعزولِ، وفي "الأشباه" (*): ((لا يَعْتِدُ على الخَطِّ، ولا يَعمَلُ بمكتوبِ الوقفِ الذي عليه خُطوطُ القُضاةِ الماضِينَ)). لكنْ قال "البيريُ" (٦): ((المرادُ مِن قولِهِ: لا يَعتمِدُ أي: لا يقضي القاضي بذلك عندَ المنازعةِ؛ لأنَّ الخَطَّ مِمّا يُزُوَّرُ ويُفتَعَلُ كما في "مختصر الظَّهيريَّةِ"(٧)، وليس مِنه ما في "الأجناس" بنصِّ: وما وجَدَهُ القاضي بأيدي القُضاةِ الذين كانوا قبلَهُ لها رسومٌ في دواوينِ القُضاةِ أُجرِيَت على الرُّسومِ الموجودةِ في دَواوينِهم وإنْ كان الشُّهودُ الذين شَهِدُوا عليها قد ماتوا، قال الشَّيخُ "أبو العبّاس)(٨): يَجُوزُ الرُّجوعُ في الحُكمِ إلى دَواوينٍ مَن كان قبلَهُ مِن الأُمَناءِ)) اهـ. ٣٠٨/٤ (١) في "ك" و"آ": ((لعلمه)). (٢) انظر "تبيين الحقائق": كتاب القضاء ١٧٧/٤. (٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٥/٦ - ٣٦٦. (٤) ص-٣٢٧ - "در". (٥) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ٢٥٧ -. (٦) "عمدة ذوي البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي ق ١١٥/أ. (٧) لعله "المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية": للعيني (ت٨٥٥هـ)، وتقدمت ترجمته ٤٠٠/١٢. (٨) أي: الشيخُ أبو العباس الناطفيُّ صاحبُ "الأجناس"، وتقدمت ترجمته ٣٩٧/١. الجزء السادس عشر ٣٢٥ کتابُ القضاء (ونظَرَ في حالِ المحبُوسينَ) في سجنِ القاضي، أي: لأنَّ سِجِلَّ القاضي لا يُزوَّرُ عادةً، حيثُ كان محفوظاً عندَ الأُمَناء بخلافٍ ما كان بَيَدِ الخصمِ. وقدَّمنا (١) في الوقفِ عن "الخيريَّة": ((أَنَّه إنْ كان للوقفِ كتابٌ في سِجِلِّ القُضاِ وهو في أيديهم اتَّعَ ما فيه استحساناً إذا تنازَعَ أهلُهُ فيه)). وصرَّحَ أيضاً في "الإسعاف"(٢) وغيرِهِ: ((بأنَّ العملَ بما في دواوينِ القُضاةِ استحسانٌ)). والظّاهرُ أنَّ وجهَ الاستحسان ضرورةٌ إحياءِ الأوقافِ ونحوِها عندَ تقادُمِ الزَّمانِ، بخلافِ السِّحِلِّ الجديدِ؛ لإمكانِ الوقوفِ على حقيقةٍ ما فيه بإقرارِ الخصمِ أو البِّنةِ، فلذا لا يَعتمِدُ عليه. وعلى هذا، فقولُ "الزَّيلعيِّ": ((ليكونَ حُجَّةً عندَ الحاجةِ)) معناهُ: عندَ تقادُمِ الزَّمانِ، وبهذا يتأَيَّدُ ما قالَهُ المحقّقُ "هبةُ اللهِ البعليُّ" في "شرحه على الأشباه"(٣) - بعدَ ما مرَّ(٤) عن "البيريِّ" -: ((مِن أنَّ هذا صريحٌ في جوازِ العملِ بالحُخَّةِ وإِنْ ماتَ شُهودُها، حيثُ كان مَضْمُونُها ثابتاً في السِّجِلِّ المحفوظِ)) اهـ. لكنْ لا بدَّ مِن تقييدِهِ بتقادُمِ العَهْدِ كما قُلنا، توفيقاً بينَ كلامِهم، ويأتي تمامُ الكلامِ على الخَطِّ في بابِ كتابِ القاضي(٥)، وانظُر ما كتبناهُ في دعوى "تنقيح الفتاوى الحامديَّة"(٦). (٢٦٠٤٤] (قولُهُ: ونظَرَ في حالِ المحبوسينَ إلخ) بأنْ يبعَثَ إلى السِّحنِ مَن يعُدُّهم بأسمائهم، ثُمَّ يسأَلَ عن سببٍ حَبْسِهم، ولا بدَّ أنْ يثُبتَ عندَهُ سببُ وجوبِ حَبْسِهم، وتُبُوتُهُ عندَ الأَوَّلِ ليس بُحُجَّةٍ يَعْتمِدُها الثّاني في حَبْسِهِم؛ لأنَّ قولَهُ لم يَبْقَ حُجَّةً، كذا في "الفتح"(٧)، "نهر "(٨). (١) المقولة [٢١٦٥٨] قوله: ((وقوَّاه في "الفتح" بقولهم إلخ)). (٢) "الإسعاف في أحكام الأوقاف": باب الشهادة على إقرار الواقف بحصته إلخ - فصل في ذكر حكم الأوقاف المتقادمة صـ٩٧ -. (٣) المسمى بـ "التحقيق الباهر شرح الأشباه والنظائر"، وتقدمت ترجمته ١٨٩/١. (٤) في هذه المقولة. (٥) المقولة [٢٦٥٤٩] قوله: ((لا يُعمَلُ بالخَطّ)) وما بعدها. (٦) انظر "العقود الدرَّية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الدعوى ١٩/٢ وما بعدها. (٧) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٧/٦. (٨) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٩/ب. حاشية ابن عابدين ٣٢٦ قسم المعاملات وأمّا المحبُوسون(١) في سجنِ الوالي فعلى الإمامِ النّظرُ في أحوالِهم، فمَن لَزِمَهُ أَدبٌ أَدَّبَهُ وإلّ أَطَلَقَهُ، ولا يُبِيِّتُ أحدً(٢) في قيدٍ إلّ رجلاً مطلوباً بدَمٍ، ونفقةُ مَن ليس له مالٌ في بيتِ المالِ، "بحر"(٣)، (فَمَن أقرَّ مِنهم (بَحَقِّ، أو قامَت عليه بِيِّنَةٌ أَلْزَمَهُ) الحبسَ، ذكَرَهُ "مسكينٌ" (٤)، وقيل: الحَقَّ(٥)، [٢٦٠٤٥) (قولُهُ: وإلّ أَطلَقَهُ) أي: إنْ لم يكنْ له قضيّةٌ، وعبارةُ "النّهر"(٦) عن كتابٍ "الْخَرَاجِ"(٧) ل "أبي يوسفَ": ((فمَن كان مِنهم مِن أهلِ الدَّعارةِ، والتّلَصُّصِ، والجناياتِ ولَزِمَهُ أَدبٌ أَدَّبُهُ، ومَن لم يكنْ له قضيّةٌ خَلَّى سبيلَهُ(٨)). [٢٦٠٤٦) (قولُهُ: أو قامَت عليه بَيِّنةٌ) أعمُّ مِن أنْ تشهَدَ بأصلِ الحَقِّ أو بحُكمِ القاضي عليه، "بحر "(٩). [٢٦٠٤٧] (قولُهُ: أَلْزَمَهُ الحبسَ) أي: أدامَ حَبْسَهُ، "بحر "(٩). [٢٦٠٤٨] (قولُهُ: وقيل: الحَقَّ) قائلُهُ في "الفتح"، حيثُ قال (١٠): ((مَنِ اعترَفَ بَحَقُّ أَلْزَمَهُ إِيّاهُ ورَدَّهُ إلى السِّجنِ))، واعترَضَهُ في "البحر"(١١): ((بأَنَّه لو اعترَفَ بأَنَّه أقرَّ عندَ المعزولِ بالزِّنى لا يُعتبرُ؛ لأَنَّه بطَلَ، بل يَسْتَقِبِلُ الأمرَ، فإنْ أقرَّ أربعاً في أربعةِ بمجالسَ حدَّهُ)) اهـ. وفيه: أنَّ المتبادرَ مِن الحَقِّ حَقُّ العبدِ. (١) في "د" و"و": ((المحبوس)). (٢) في "د": ((أحد)) بالرفع. (٣) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٠/٦. (٤) "شرح منلا مسكين على الكنز": كتاب القضاء صـ١٩٦ - ١٩٧ -. (٥) أي: وقيل: ألزمَهُ الحقَّ. (٦) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٩/ب. (٧) لم نعثر على المسألة في مطبوعة "الخراج" التي بين أيدينا. (٨) قوله: ((ومن لم يكن له قضية خلى سبيله)) ليس في مخطوطة "النهر" التي بين أيدينا، ونقل العبارةَ المذكورةَ عن "الخراج" صاحبُ "البحر" ٣٠٠/٦. (٩) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠١/٦. (١٠) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٧/٦. (١١) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠١/٦. الجزء السادس عشر ٣٢٧ کتابُ القضاء (وإلّ نادَى عليه) بقَدْرِ ما يُرَى، ثمَّ أَطلَقَهُ(١) بكفيلٍ بنفسِهِ، فإنْ أَبَى نادَى عليه شهراً ثُمَّ أَطلَقَهُ. (وعَمِلَ في الودائعِ وغَلَّتِ الوقفِ بِّنةٍ أو إقرارٍ) ذي اليَدِ، (ولم يَعْمَلٍ) المُولَّى (بقولِ المعزولِ)؛ لالتحاقِهِ بالرَّعايا، وشهادةُ الفَرْدِ لا تُقبَلُ، خصوصاً بفعلٍ نفسِهِ، "درر"(٢) ... [٢٦٠٤٩] (قولُهُ: وإلاّ) أي: وإنْ لم يُقِرَّ بشيءٍ ولم تَقُمْ عليه بيِّةٌ، بلِ الدَّعَى أَنَّه حُبِسَ ظُلماً، "نهر"(٣). [٢٦٠٥٠] (قولُهُ: نادَى عليه) ويقولُ المنادي: مَن كان يُطالِبُ فُلانَ بنَ فُلانِ الفلانيَّ بَحَقٌّ فَلَيَحِضُرْ، "زيلعيّ" (٤). [٢٦٠٥١] (قولُهُ: فإنْ أَبَى) عن إعطاءِ الكفيلِ، وقال: [٣/ ٢٠١٥/ب] لا كفيلَ لي، "بحر "(٥). [٢٦٠٥٢] (قولُهُ: نادَى عليه شهراً) أي: يستأنِفُهُ بعدَ مدَّةِ المناداةِ الأُولى. (٠٥٣ ٢٦] (قولُهُ: في الودائعِ) أي: ودائعِ اليتامى، "نهر"(٦). [٢٦٠٥٤) (قولُهُ: بِّنةٍ) أي: يُقيمُها الوصيُّ مثلاً على مَن هي تحتَ يدِهِ أَنَّها ليتيمِ فُلانٍ، أو ناظرُ الوقفِ أنَّ هذه الغَلَّةَ لوقفِ فُلانٍ، وكأنَّه مبنيٌّ على عُرْفِهم مِن أنَّ الكلَّ تحتَ يدِ أمينِ القاضي. وفي زماننا أموالُ الأوقافِ تحتَ يدِ نُظّارِها، وودائعُ اليتامى تحتَ يدِ الأوصياءِ، ولو فُرِضَ أنَّ المعزولَ وضَعَ ذلك تحتَ يدِ أمينٍ عَمِلَ القاضي بما ذُكِرَ، "نهر " (٦). [٢٦٠٥٥) (قولُهُ: المُولَّى) بتشديدِ اللّمِ المفتوحة، أي: القاضي الجديدُ. [٢٦٠٥٦] (قولُهُ: "درر") ومثلُهُ في "الهداية"(٧) وغيرِها. (١) في "د" و"و": ((يطلقه)). (٢) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤٠٦/٢. (٣) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٩ /ب. (٤) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء ١٧٧/٤. (٥) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠١/٦. (٦) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٩/ب. (٧) "الهداية": كتاب أدب القاضي ١٠٢/٣. حاشية ابن عابدين ٣٢٨ قسم المعاملات ومُفادُهُ رَدُّها ولو مع آخَرَ، "نهر "(١). قلتُ: لكنْ أفتى "قارئ الهداية"(٢) بقَبُولِها، وتَبِعَهُ "ابنُ نِيمٍ"، فتبَّهْ. [٢٦٠٥٧] (قولُهُ: ومُفادُهُ) أي: مُفادُ قولِهِ: ((خصوصاً بفعلِ نفسِهِ))، وأصلُ البحثِ لصاحبِ "البحر"(٣)، وقد رأيتُهُ صريحاً في "كافي الحاكم"، ونصُّهُ: ((وإذا عُزِلَ عنِ القضاءِ، ثُمَّ قال: كنتُ قضَيتُ لهذا على هذا بكذا وكذا لم يُقْبَلْ قولُهُ فيه، وإِنْ شَهِدَ مع آخَرَ لم تُقْبَلْ شهادتُهُ حتّى يشهَدَ شاهدانِ سواهُ)) اهـ. ومثلُهُ في "القُهِستانيِ) (٤) عن "المبسوط )" (٥). [٢٦٠٥٨) (قولُهُ: وَتَبِعَهُ "ابنُ نجيمٍ") أي: في "فتاواه"، وأمّا ما ذكَرَهُ في "بحره" فقد عَلِمِتَ(٦) مُوافقتَهُ لِما في "النَّهر". وعبارةُ "فتاواه" (٧) التي رَّبَها له تلميذُهُ "المصنّف" (٨) هكذا: ((سئلَ عنِ الحاكمِ إذا أخبَرَ حاكماً آخَرَ بقضيّةٍ، هل يكتفي بإخبارِهِ وَيَسُوغُ له الحُكمُ بذلك أمْ لا بدَّ مِن شاهدٍ آخَرَ معه؟ أجابَ: لا يكتفي بإخبارِهِ، ولا بدَّ مِن شاهدٍ آخَرَ معه، قال المرّبُ لهذه "الفتاوى"(٧): قد تَبِعَ شيخُنا في ذلك ما أفتى به الشَّيخُ "سراجُ الدِّين قارئ الهداية"، ولا شكَّ أنَّ هذا قولُ "محمَّدٍ"، وأنَّ "الشَّيخينِ" قالا بقَبُولِ إخبارِهِ عن إقرارِهِ بشيءٍ مُطلقاً إذا كان لا يَصِحُ رجوعُهُ عنه، ووافَقَهما "محمَّدٌ"، ثمَّ رجَعَ عنه وقال: لا يُقبَلُ إلا بِضَمِّ رجلٍ آخَرَ عَدْلٍ إليه، وهو المرادُ بقولِ مَن رَوَى عنه أَنَّهُ لا يُقبَلُ مُطلقاً، ثمَّ صحَّ رجوعُهُ إلى قولِهما كما في "البحرِ "(٩)، (١) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٩/ب. (٢) "فتاوى قارئ الهداية": صـ ١٠١ -. (٣) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠١/٦. (٤) "جامع الرموز": كتاب القضاء ٢٢١/٢. (٥) "المبسوط": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ١٠٧/١٦ - ١٠٨. (٦) في المقولة السابقة. (٧) "فتاوى ابن نجيم": كتاب القضاء صـ ١٤١ -١٤٢- (هامش "الفتاوى الغيائية"). (٨) أي: العلاَّمةُ التمرتاشيُّ رحمه الله تعالى. (٩) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم - مسائل شتى ٥٤/٧. الجزء السادس عشر ٣٢٩ کتابُ القضاء (إلّ أنْ يُقِرَّ ذو اليدِ أَنَّ) أي: المعزولَ (سلَّمَها) أي: الودائعَ والغَلَّتِ (إليه، فُيُقبَلُ قولُهُ فيهما): ثمَّ قال(١): وأمّا إذا أخبَرَ القاضي بإقرارِهِ عن شيءٍ يَصِحُّ رجوعُهُ كالحَدِّ لم يُقبَلْ قولُهُ بالإجماع، وإنْ أخبَرَ عن تُبُوتِ الحَقِّ بالبَِّةِ فقال: قامَت بذلك بيِّنَةٌ وعدّلوا وقُبِلَت شهادتُهم على ذلك يُقبَلُ في الوجهينِ جميعاً، انتهى كلامُهُ)). انتهى ما في "الفتاوى". أقولُ: وحاصلُهُ أنَّ القاضيَ لو أخبَرَ عن إقرارِ رجلٍ بما لا يَصِحُّ رجوعُهُ عنه كبَيْعِ أو قَرْضٍ مثلاً يُقبَلُ عندَهما مُطلقً، ووافَقَهما "محمَّدٌ" أوَّلاً، ثمَّ رجَعَ وقال: لا يُقبَلُ ما لم يَشْهَدْ معه آخَرُ، ثُمَّ صحَّ رجوعُهُ إلى قولِهما بالقَبُولِ مُطلقاً كما لو أخبَرَ عن حُكمِهِ بُوتِ حَقِّ بالبِّنَةِ، فعلى هذا لم يَقَ خلافٌ فِي قَبُولِ قولِ القاضي وحدَه(٢)، ولا يخفى أنَّ كلامَنا في المعزولِ، وهذا في المُولَّى كما يُعلَمُ مِن "شرح أدب القضاء"(٣)، وكذا مِمّا سيأتي(٤) قبيلَ كتابِ الشَّهاداتِ عندَ قولِهِ: ((ولو قال قاضٍ عَدْلٌ: قضَيتُ على هذا بالرَّجمِ إلخ))، وبه يُشعِرُ أصلُ السُّؤَالِ، حيثُ عَبَّرَ بـ ((الحاكمِ))، وعبارةُ "قارئ الهداية"(٥) كذلك، وبه عُلِمَ أنَّ الاستدراكَ على ما في "النَّهر" في غيرِ مَحلّه. [٢٦٠٥٩] (قولُهُ: فَيُقبَلُ قولُهُ) أي: قولُ المعزولِ، وشَمِلَ ثلاثَ صُورٍ: ما إذا قال ذو اليدِ بعدَ إقرارِهِ بتسليمِ القاضي المعزولِ إليه: إنَّها لزيدٍ الذي أقرَّ له المعزولُ، أو قال: إنَّها لغيرِهِ، أو قال: لا أدري؛ لأَنَّ في هذه الثَّلاثِ ثبَتَ بإقرارِهِ أَنَّه مُوْدَعُ المعزولِ، ويدُ الْمُؤْدَعِ كيدِهِ، فصار كأَنَّه في يدِ المعزولِ، فَيُقبَلُ إقرارُهُ به كما في "الزَّيلعيِّ"(٦)، بخلافِ ما إذا أُنكَرَ ذو اليدِ التَّسليمَ، فإنَّه لا يُقبَلُ قولُ المعزولِ كما في "البحر)"(٧). ٣٠٩/٤ (١) "البحر": كتاب القضاء - باب التحكيم - مسائل شتى ٥٤/٧. (٢) ((وحده)) ليست في "٢" و"ب" و"م". (٣) "شرح أدب القاضي" للصدر الشهيد: الباب الثامن والثلاثون في ما ينبغي للقاضي أن يعمل به ٨٥/٣ وما بعدها. (٤) المقولة [٢٦٧٥٤] قوله: ((وقيل: يُقبَلُ لو عَدْلاً عالِماً)). (٥) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في إخبار القاضي قاضياً آخر بقضية صـ ١٠١ -. (٦) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء ١٧٨/٤. (٧) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٢/٦. حاشية ابن عابدين ٣٣٠ قسم المعاملات إنّها لزيدٍ، إلّ إذا بدَأَ ذو اليدِ بالإقرارِ للغيرِ، ثُمَّ أقرَّ بتسليمِ القاضي إليه، فأقرَّ القاضي بأنَّها لآخَرَ، فيُسلَّمُ للمُقَرِّ له الأوَّلِ، ويَضمَنُ الْمُقِرُّ قيمتَه أو مثلَهُ للقاضي بإقرارِهِ الثّاني، يُسلِّمُهُ لِمَن أقرَّ له القاضي. (ويقضي في المسجدِ)، ويَختارُ مسجداً في وسَطِ البَلدِ تيسيراً للّاسِ،. [٢٦٠٦٠] (قولُهُ: فَيُسِلَّمُ للمُقَرِّ له الأوَّلِ) لأَنَّ لَّا بدَأَ بالإقرارِ صحَّ إقرارُهُ ولَزِمَ؛ لأَنَّه أقرَّ بما هو في يدِهِ، فلمّا قال: دفَعَهُ إليَّ القاضي فقد أقرَّ أنَّ اليدَ كانت للقاضي، والقاضي يُقِرُّ به لآخَرَ، فيصيرُ هو بإقرارِهِ مُتِلِفاً لذلك على مَن أقرَّ له القاضي، "فتح"(١)، ثمَّ قال: ((فرعٌ يُناسِبُ هذا: لو شَهِدَ شاهدانِ أنَّ القاضيَ قضَى لفُلانٍ على فُلانٍ بكذا، وقال القاضي: لم أَقْضِ بشيءٍ لا تَجُوزُ شهادتُهما عندَهما، ويُعتَبَرُ قولُ القاضي، وعندَ [١/٢٠٢٢/٢] "محمَّدٍ " تُقبَلُ، وَيَنْفُذُ ذلك)) اهـ. وقدَّمنا(٢) عن "البحر": ((أَنَّ في " جامع الفصولين" رجَّحَ قولَ "محمَّدٍ"؛ لفسادِ الزَّمانِ)). [٢٦٠٦١) (قولُهُ: ويقضي في المسجدِ) وبه قال "أحمدُ"(٢) و"مالكٌ" (٤) في الصَّحيحِ عنه خلافاً لـ "الشّافعيِّ"(٥)، له: أنَّ القضاءَ يَحضُرُهُ الْمُشرِكُ وهو نَجِسٌ بالنَّصِّ، وقد أطالَ في "الفتح"(٦) في الاستدلالِ للمذهبِ، ثُمَّ قال(٦): ((وأمّا نجاسةُ الْمُشرِكِ ففي الاعتقادِ على معنى الَّشبيهِ، والحائضُ يَخرُجُ إليها أو يُرسِلُ نائبَهُ كما لو كانتِ الدَّعوى في داَّةٍ))، وتمامُ الفروعِ فيه وفي "البحر"(٧). (١) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٩/٦. (٢) المقولة [٢٥٩٣٣] قوله: ((وطريقُ)). (٣) انظر "المغني": كتاب القضاء - شروط القاضي ٥١٠/١٣ - ٥١١. (٤) قال مالك رحمه الله تعالى في "المدونة الكبرى" - كتاب القضاء ١٤٤/٥: ((القضاءُ في المسجد من الحقّ، وهو من الأمر القديم))، وفي "مواهب الجليل": باب القضاء ١١٤/٦: ((إلا أنَّ المستحَبَّ في القضاء هو الرِّحابُ الخارجة عن المسجد، هو المشهور)). (٥) انظر "نهاية المحتاج": كتاب القضاء - فصل في آداب القضاء وغيرها ٢٥٣/٨. (٦) انظر "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٩/٦ - ٣٧٠ . (٧) انظر "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٢/٦. الجزء السادس عشر ٣٣١ كتابُ القضاء ويَستدبرُ القِبلةَ ك: خطيبٍ ومُدرِّسٍ، "خانَّة"(١). وأُجرةُ الْمُحضِرِ على المُدَّعي، هو الأصحَّ، "بحر "(٢) عن "البزّازِيَّة"، وفي "الخانيَّة"(٣): ((على المُتمرِّدٍ، وهو الصَّحِيحُ))، (وكذا السُّلطانُ) والمفتي، والفقيهُ». [٢٦٠٦٢] (قولُهُ: وَيَستدبِرُ) أي: ندباً كما في الذي قبْلَه "ط " (٤). مطلبٌ في أُجرةِ المُحضِرِ [٢٦٠٢٣) (قولُهُ: وأُجرةُ الْمُحضِرِ إلخ) بضَمِّ أوَّلِهِ وكسرِ ثالِهِ، هو مَن يُحضِرُ الْخَصْمَ. وعبارةُ "البحر"(٥) هكذا: ((وفي "البزّازِيَّةِ"(٦): ويستعينُ بأعوانِ الوالي على الإحضارِ، وأُجرةُ الإشخاصِ في بيتِ المالِ، وقيل: على الُتمرِّدِ، في المِصْرِ مِن نصفِ درهمٍ إلى درهمٍ، وفي خارجِهِ لكلِّ فَرْسَخٍ ثلاثةُ دراهمَ أو أربعةٌ، وأُجرةُ المُوكَّلِ على الْمُدَّعي، وهو الأصحُّ. وفي "الذَّخيرة": أَنَّه الْمُشْخِصُ، وهو المأمورُ بملازمةِ الْمُدَّعَى عليه)) اهـ. والإِشخاصُ - بالكسر - بمعنى الإحضارِ، قد فرَّقَ بينَ الْمُحضِرِ وبينَ الُلازمِ، وهذا غيرُ ما نقَلَهُ "الشّارحُ"، فتأمَّلْ. وفي "منية المفتي": ((مؤونةُ الْمُشخِصِ قيل: في بيتِ المالِ، وفي الأصحِّ على المُتمرِّدِ)) اهـ. وهذا ما في "الخانيّة". والحاصلُ: أنَّ الصَّحيحَ: أنَّ أُجرةَ الُشخِصِ بمعنى الملازمِ على المُدَّعِي، وبمعنى الرَّسول الْمُحْضِرِ على المُدَّعَى عليه لو تَمرَّدَ، بمعنى: امتَنَعَ عنِ الحضورِ، وإلاّ فعلى المُدَّعِي، هذا خلاصةُ ما في "شرح الوهبانيَّة"(٧). (١) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبِّنات - فصل فيما يستحقُّ على القاضي وما ينبغي له أن يفعل وما لا يفعل ٣٦٥/٢ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٢) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٤/٦. (٣) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبيّنات - فصل فيما يستحقُّ على القاضي وما ينبغي له أن يفعل وما لا يفعل ٣٦٦/٢ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٤) "ط": كتاب القضاء ١٨٣/٣. (٥) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٤/٦. (٦) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الثاني في أدبه ١٤٢/٥ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٧) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب أدب القاضي ٢٩٦/١. حاشية ابن عابدين ٣٣٢ قسم المعاملات (أو) في (دارِهِ) ويأذَنُ عُموماً (وَيَرُدُّ هديَّةً)، التّنكيرُ للَّقليلِ، "ابن كمالٍ"، [٢٦٠٦٤) (قولُهُ: أو في دارِهِ) لأنَّ العبادةَ لا تتقيَّدُ بمكانٍ، والأولى أنْ تكونَ الدّارُ في وسَطِ البَلدِ كالمسجدِ، "نهر"(١). مطلبٌ في هديَّةِ القاضي [٢٦٠٦٥] (قولُهُ: وَيَرُدُّ هديَّةً) الأصلُ في ذلك ما في "البخاريّ" عن أبي حُميدٍ السّاعديِّ قال: استعمَلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿٥ رجلاً مِن الأَرْدِ يُقالُ له: ابنُ اللِّيَّةِ على الصَّدَقَةِ، فلمّا قَدِمَ قال: هذا لكم، وهذا لي، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((هلّ جلَسَ في بيتِ أبيهِ أو بيتٍ أُمِّهِ فَيَنظُرَ أَيُهدَى له أم لا؟)(٢)، (١) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/أ. (٢) روى سفيانُ بن عُبينةَ وشُعيبٌ ومَعمرٌ ويونُسُ بن يزيدَ وابنُ أخي الزهري وزَمعةُ بن صالحٍ وسليمانُ بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ عن عُرْوةَ بنِ الزُّبير عن أبي حُميدِ السّاعديِّ قال: استعمَلَ رسولُ اللهِلَ ﴿ه رجلاً مِن الأَسْدِ يقال له: ابنُ اللّْبيَّة على الصَّدَقة، فلمّا قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، قال: فقامَ رسولُ الله ◌ِ﴿ه على المنبر فحَمِدَ الله وأثنى عليه وقال: ((ما بالُ عامل أبعتُهُ فيقولُ: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي، أفلا قعَدَ في بيتِ أبيه أو في بيتِ أُمِّه حتّى ينظُرَ أيُهدَى إليه أم لا، والذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه لا يَنالُ أحدٌ مِنكم مِنها شيئاً إلاّ جاءَ به يومَ القيامةِ يحمِلُه على عُنقِهِ، بعيٌ له رُغاءٌ، أو بقرةٌ لها خُوارٌ، أو شاةٌ تَيْعِرُ))، ثمَّ رفَعَ يديه حتّى رأينا عُفْرَتِي إبطَيه، ثمَّ قال: ((اللهمَّ هل بلَّغتُ)) مرَّتين. قال أبو حُميدٍ: قد سَمِعَ ذلك معي مِن رسول الله :﴿يَ زِيدُ بنُ ثابتٍ فَسَلُوه. أخرجه البخاريُّ (٩٢٥) في الجمعة - باب مَن قال: أمّا بعد، و(٢٥٩٧) في الهبة - باب مَن لم يَقبَل الهديَّة لِعِلَّة، و(٦٦٣٦) في الأيمان - باب كيف كانت يمين النّبيِّ، و(٧١٧٤) في الأحكام - باب هدايا العمّال، ومسلمٌ (١٨٣٢) في الإمارة - باب تحريم هدايا العمّال، وأبو داودَ (٢٩٤٦) في الخَراج - باب في هدايا العمّال، والشّافعيُّ في "الأُمِّ" ٥٨/٢ - وعنه البيهقيُّ في "معرفة السنن" (٨٤٢١)، وأحمدُ ٤٢٣/٥ - ٤٢٤، وأبو داودَ الطَّيالسيُّ (١٢١٣)، وعبدُ الرَّزّاق (٦٩٥٢)، وأبو عُبيد في "الأموال" (٦٥٤)، والدّارمي (١٦٦٩) و(٢٤٩٣)، والبَزّار في "البحر الرَّخَارِ" (٣٧٠٧)، وابنُ خُزيمة (٢٣٣٩)، وأبو عَوانةَ (٧٠٦٢ - ٧٠٦٨) و(٧٠٧٢)، وابنُ قانع في "معجمه" ١٥٨/٢، والطَّحاويُّ في "بيان مشكل الآثار" (٤٣٤٠)، والبيهقيُّ في "الكبرى" ١٥٨/٤ - ١٥٩ و١٦/٧ و١٣٨/١٠. قال سفيانُ: وزاد هشامُ بن عُرْوةَ: قال أبو حُميد: سَمْعَ أذنيَّ وبَصَرَ عينيَّ وسَلُوا زيد بن ثابت. قال البَزّار: وهذا الحديث لا نعلَمُ أحداً يرويه بهذا اللَّفظ إلاّ أبو حُميدٍ عن رسول اللـهِ مُحَ لّه ورواه عن الزُّهريِّ جماعةٌ، واستغنينا بروايةٍ ابن عُيينةَ عنه إلاّ أنْ يزيدَ فيه فُيُكتَبُ مِن أجل الزِّيادة. ورواه الْحُميديُّ في "مسنده" (٨٦٣) عن سفيانَ عن الزُّهريِّ وهشامٌ عن عُرْوةَ به - وعنه ابنُ بَشْكُوال في "غوامض الأسماء المبهمة" ٦٦٤/٢. الجزء السادس عشر ٣٣٣ كتابُ القضاء وروى سفيانُ أيضاً ومَعمرٌ وابنُ جُرِيجٍ وحَمّادُ بنُ سَلَمَةَ والثّورِيُّ واللّيثُ ويحيى بنُ سعيدِ الأنصارِيُّ وأبو أسامةَ وعَبدةُ وابنُ نُمير وأبو معاويةً وأنسُ بن عياض وعبدُ الرَّحيم بنُ سليمانَ ومحمَّدُ بن إسحاقَ والمباركُ ابن فَضالة عن هشامٍ بِنِ عُرْوةً عن أبيه عن أبي حُميدٍ قال: استعمَلَ رسولُ الله:﴿ رجلاً مِن الأَزْد على صدقاتٍ بني سُليمٍ يُدعَى ابن الأُتْبِيَّة، فلمّا جاءَ حاسبَه قال: هذا مالُكم وهذا هديّةٌ، فقال رسولُ الله ◌َ﴿: ((فهلاّ جلستَ في بيتِ أَبَيْك وأُمِّك حتّى تأتيَكَ هديّتُك إنْ كنتَ صادقاً، ثمَّ خطَبَنا فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه))، ثمَّ قال: ((أَمّا بعدُ، فإنّي أستعمِلُ الرَّجلَ مِنكم على العملِ مِمّا ولآني الله، فيأتي فيقول: هذا مالُكم وهذا هديّةٌ أُهدِيَت لي، أفلا جلَسَ في بيتِ أبيه وأُمِّه حتّى تأتيَه هديَّتُهُ إنْ كان صادقاً، والله لا يأخُذُ أحدٌ مِنكم مِنها شيئاً بغيرِ حَقّه إِلَّ لَقِيَ اللهَ تعالى يحملُهُ يومَ القيامة، فلأَعرِفِنَّ أحداً مِنكم لَقِيَ اللهَ يحمِلُ بعيراً له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ، ثمَّ رَفَعَ يديه حتّى رؤي بياضُ إبطَيه))، ثمّ قال: ((اللهمُّ هل بلَّغتُ)). بصر عينيَّ وسمع أذنيَّ. أخرجه البخاريُّ (١٥٠٠) في الزَّكاة - باب قول الله: ﴿والعاملين عليها﴾، و(٦٩٧٩) في الحِيّل - باب احتيال العامل ليُهدَى له، و(٧١٩٧) في الأحكام - باب محاسبة الإِمام عمّالَه، ومسلمٌ (١٨٣٢)، والشّافعيُّ في "الأُمّ" ٥٩/٢، وعبدُ الرَّزّق (٦٩٥٠) و(٦٩٥١) - وعنه الخطيبُ في "تاريخ بغداد" ٨٧/٥، وأبو داودَ الطَّالسيُّ (١٢١٣)، وابنُ أبي شَيبةَ ٥٤٧/٦ و٤٩٣/١٤ - ٤٩٤، والبَزّار في "البحر الزَّخَارِ" (٣٧٠٨)، وابنُ خزيمة (٢٣٤٠)، وأبو عَوانةَ (٧٠٥٦ - ٧٠٦٠) و(٧٠٦٥) و(٧٠٧٢) و(٧٠٧٦)، والطَّحاويُّ في "بيان المشكل" (٤٣٣٤ - ٤٣٣٦) و(٤٣٣٨) و(٤٣٤١)، وابنُ حبّانَ كما في "الإِحسان" (٤٥١٥)، وابنُ قائعٍ في "معجمه" ١٥٨/٢، والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٧٧٢٦)، وفي "الصَّغير" (٨٣٨)، والعسكريُّ في "تصحيفات المحدَِّين" صـ ٢٢١ -، وابنُ السُّيّ في "عمل اليوم واللَّلة" (٣٢٩)، وتَمّامٌ في "فوائده" كما في "الرَّوض البسّام" (٩٢٩)، والبيهقيُّ ١٥٩/٤، وابنُ بَشكُوال في "غوامض الأسماء المبهمة" ٦٦٠/٢ - ٦٦٥. قال الطَّرائيُّ: لم يَروِهِ عن سفيانَ إلّ الحارثُ بنُ منصورٍ. وروى عبدُ الرَّحمن بنُ أبي الزِّناد وأبو إسحاقَ الشَّيبانيُّ عن عبد الله بنِ ذَكوانَ (وهو أبو الزِّناد) عن عُرْوةَ بنِ الزُّبِيرِ أنَّ رسولَ الله ﴿وّ استعمَلَ رجلاً على الصَّدقة فجاءَ بسوادٍ كثير، فجعَلَ يقول: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ ... فذكَرَ نحوَه. قال عُرْوةُ: فقلتُ لأبي حُميدٍ السّاعديِّ: أَسَمِعتَه مِن رسول اللهمَ ﴿ه؟ فقال: مِن فيه إلى أُذنيَّ. أخرجه مسلمٌ (١٨٣٢)، وابنُ خُزيمة (٢٣٨٢)، وأبو عَوانةَ (٧٠٦٩) و(٧٠٧٠)، والطَّحاويُّ في "بيان المشكل" (٤٣٣٨) و(٤٣٣٩). وكذلك رواه أبو الأسود (ح)، وعبدُ اللـه العُمَرَيُّ عن يزيدَ بنِ رُومانَ كلاهما عن عُرْوَةً به. أخرجه أبو عَوانةَ (٧٠٧١) و(٧٠٧٤)، والطِّيرانيُّ في "الأوسط" (٩١١٤). قال الطَّرانيُّ: لم يَروِهِ عن ابنِ رُومانَ إلاّ عبدُ الله بنُ عمرَ العُمَرِيُّ. وروى إسماعيلُ بن عَيّاش عن يحيى بن سعيدٍ عن عُرْوةَ بنِ الزُّبير عن أبي حُميدٍ السّاعديِّ قال رسول الله ﴿: ((هدايا العُمّال غُلولٌ)). وروايةُ إسماعيلَ عن الحجازِّين ضعيفةٌ واهيةٌ. أخرجه البزّار في "البحر الزَّخَار" (٣٧٢٣)، وأبو عَوانةَ (٧٠٧٣)، وابنُ عَدِيٍّ ٣٠٠/١، وعنه البيهقيُّ ١٣٨/١٠. قال البَزّر: وهذا الحديث رواه إسماعيلُ بن عَيّاش، واختصَرَه وأخطأ فيه، وإنَّما هو عن الزُّهريِّ عن عُرْوةَ عن أبي حُميدٍ: ((أَنَّ النّبِيَّ وَّ بَعَثَ رجلاً على الصَّدَقة)). حاشية ابن عابدين ٣٣٤ قسم المعاملات قال "عمرُ بنُ عبدِ العزيز": كانتِ الهديَّةُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ : ﴿ِ هديَّةً، واليومَ رِشوةٌ، ذكَرَهُ "البخاريُّ"(١). واستعمَلَ "عمرُ" "أبا هريرةً" فقَدِمَ بمالٍ، فقال له: مِن أين(٢) لك هذا؟ (١) "(صحيح البخاريِ" في الهبة وفضلِها - باب مَن لم يَقبَلِ الهديَّةَ لعِلَّة، قبل حديث (٢٥٩٦). روى عبدُ الله بنُ جعفرِ الرَّقَيُّ عن أبي المليح الحسن بنِ عمرٍو الرَّفَّيِّ عن فُراتِ بن مسلمٍ قال: ((اشْتَهَى عمرُ بن عبد العزيز التُّفَاحَ، فبعَثَ إلى بيته فلم يَجِدْ شيئاً يشترون له به، فرَكِبَ ورَكِينا معه، فمرَّ بدَيرٍ فتلقّاهُ غِلِماتٌ للدَّيرانيين معهم أطباقٌ فيها تُفّاحٌ، فوقَفَ على طبقٍ مِنها فتناوَلَ تُفّاحةً فشَمَّها ثمَّ أعادَها إلى الطَّبَقِ، ثمَّ قال: ادخُلُوا دَيرَكم، لا أعلمُكم بعثُم إلى أحدٍ مِن أصحابي بشيءٍ، قال: فحرَّكتُ بغلتي فلحِقْتُه، فقلتُ: يا أمير المؤمنين اشتهيتَ النُّفَاحَ فلم يَجِدُوه لك فأُهدِيَ لك فردَدْتَه، قال: لا حاجةَ لي فيه، فقلتُ: ألم يكنْ رسولُ الله ﴿* وأبو بكرٍ وعمرُ يقبلون الهديَّة؟ قال: إنَّها لأولئك هديَّةٌ، وهي للعُمَّالِ بعدَهم رِشوةٌ)). أخرجه ابنُ سعدٍ في "الطَّقات" ٣٧٧/٥، وأبو عليِّ الحَرّانيُّ في "تاريخ الرَّقَّة" (١٨٠)، وابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشق" ٢٤٤/٤٨ - ٢٤٥، وابنُ عبد الحكمٍ في "سيرة عمر بن عبد العزيز" صـ١٦٠-، وأحمدُ بن إبراهيمَ الدَّورقيُّ في كتاب "أخبار عمر بن عبد العزيز" كما في "تغليق التعليق" ٣٥٩/٣. وروى إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ ثنا أبو المليحِ عن ميمون بنِ مَهرانَ قال: ((أُهدِيَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيز تُفّاحٌ وفاكهةٌ فرَدَّها، وقال: لا أعلمَنَّ أَنْكم قد بعثتُم إلى أحدٍ مِن أهل عَمَلي بشيءٍ، قيل له: ألم يكنْ رسولُ الله ◌ِ وَهُ يَقبَلُ الهديَّةَ؟ قال: بلى، ولكنَّها لنا ولِمَن بعدَنا رِشوةٌ)). أخرجه أبو نُعَيم في "حلية الأولياء" ٢٩٤/٥. وروى الهيثمُ بن خارجةَ ثنا إسماعيلُ بن عَّاش عن عمرو بنِ مُهاجرٍ قال: ((اشتَهَى عمرُ تُفّاحاً فقال: لو أنَّ عندَنا شيئاً مِن تُفّاحٍ فإنَّه طيِّبٌ، فقام رجلٌ مِن أهله فأَهدَى إليه تُفّاحاً، فلمّا جاءَ به الرَّسُولُ قال: ما أطيبَه وأطيبَ ريحَه وأحسنَه، ارفَعْ يا غلامُ واقرأ على فُلانِ السَّلامَ وقل له: إنَّ هدَّتَك قد وقَعَت عندَنا بحيثُ تُحِبُّ، قال عمرُو بنُ مهاجرٍ: فقلتُ له: يا أمير المؤمنين ابنُ عمِّك رجلٌ مِن أهل بيتِك، وقد بلَغَك أنَّ النَّبِيَّمَهُ كان يأكلُ الهديَّة ولا يأكلُ الصَّدقةَ، قال: إنَّ الهديَّةَ كانت للَّبِيِّلِ﴿ّ هديَّةً، وهي لنا رِشوةٌ)). أخرجه أبو نُعَيم في "حلية الأولياء" ٢٩٤/٥، وابنُ عبد البَرِّ في "التمهيد" ١٧/٢ - ١٨، وابنُ عساكرَ ٢٢٠/٤٥، وعنهم ابنُ حَجَرٍ في "تغليق التعليق" ٣٥٨/٣ - ٣٥٩، كلُّهم من طريق أحمدَ بنِ عبد الجَّار الصُّوفيِّ عن الهيثم به. (٢) من هنا إلى أول كتاب الإجارة ساقط من نسخة "ك". الجزء السادس عشر ٣٣٥ کتابُ القضاء وهي ما يُعطَى بلا شرطِ إعانةٍ، بخلافِ الرِّشوةِ، "ابن مَلَكٍ". ولو تأذَّى الْمُهدِي بالرَّدِّ يُعطيهِ مثلَ قيمتِها، "خلاصة"(١)، ولو تعَذَّرَ الرَّدُّ لعَدَمِ مَعرِفِتِهِ أو بُعْدِ مَكانِهِ وضَعَها في بيتِ المالِ، قال: تلاحَقَتِ الهدايا، فقال له "عمرُ": أَيْ عدُوَّ اللهِ هلّ قَعَدتَ في بيتِك فَتَنظُرَ أَيُهدَى لك أم لا؟ فَأَخَذَ ذلك مِنه وجعَلَهُ في بيتِ المالِ(٢). وتعليلُ النّبيِّ ◌َ﴿ دليلٌ على تحريمِ الهديَّةِ التي سبيُها الولايةُ، "فتح"(٣). قال في "البحر"(٤): ((وذِكرُ الهديَّةِ ليس احترازيّاً؛ إذ يَحرُمُ عليه الاستقراضُ والاستعارةُ مِمّن يَحرُمُ عليه قَبُولُ هدَّتِهِ كما في "الخانَة"(٥)) اهـ. قلتُ: ومُقتضاهُ أَنَّه يَحرُمُ عليه سائرُ الْتَبُّعاتِ، فَتَحرُمُ الْمُحاباةُ أيضاً، ولذا قالوا: له أَخْذُ أُجرةِ كتابةِ الصَّكِّ بقَدْرِ أجرٍ المثلِ، فإنَّ مُفادَهُ أَنَّه لا يَحِلُّ له أَخْذُ الزِّيادةِ؛ لأَنّها مُحاباةٌ. وعلى هذا فما يَفعلُهُ بعضُهم مِن شراءِ الهديَّةِ بشيءٍ يسيرٍ، أو بَيْعِ الصَّكِّ بشيءٍ كثيرٍ لا يَحِلُّ، وكذا ما يَقعُلُهُ بعضُهم حينَ أَخْذِ المحصولِ مِن أَنَّه يَبيعُ به الدّافِعَ دَواةً، أو سِكِّيْنَاً، أو نحوَ ذلك لا يَحِلُّ؛ لأَنَّه إذا حَرُمَ الاستقراضُ والاستعارةُ فهذا أَولِى. [٢٦٠٦٦] (قولُهُ: وهي إلخ) عزاهُ في "الفتح"(٦) إلى "شرح الأقطع"(٧). [٢٦٠٦٧] (قولُهُ: وضَعَها في بيتِ المالِ) أي: إلى أنْ يَحضُرَ صاحبُها، فتُدفَعَ له بمنزلةٍ اللُّقَطَةِ كما في "الفتح"(٨). (١) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الثاني في أدب القضاة والحكام - الجنس الثاني في المعاملة مع المدعي والمدعى عليه ق١٩٥ /ب. (٢) تقدم تخريجه ص ١٩٠ -. (٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧١/٦ - ٣٧٢. (٤) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٥/٦ .. (٥) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبِّنات ٣٦٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧١/٦. (٧) لأبي نصرِ الأقطع (ت٤٧٤هـ) شرحُ "مختصرِ الطحاويّ"، وشرحُ "مختصر القدوريّ"، ولم يتبّن لنا المراد منهما عند الإطلاق. (٨) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٧١/٦. حاشية ابن عابدين ٣٣٦ قسم المعاملات ومِن خُصوصِيّاتِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ هداياهُ له (١)،. (١) مِن المعروف عندَ أهل الحديث والسِّيَر أنَّ من علامات نبوَّتَهَ﴿ ((أَنَّه كان يأكلُ الهديَّةَ ولا يأكلُ الصَّدقةَ)). و((كان يَقبَلُ الهديَّةَ ويُثيبُ عليها)). مع أنَّه كان قاضياً وحاكمً؛ لأَنّه ◌َ﴿ كان معصوماً عن الجَنْحِ والمَيْلِ، مُبْرًّاً عن النُّهَمة. فروى حمّادُ بن سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بن مسلمٍ عن محمَّد بنِ زيادٍ عن أبي هريرةَ ((أَنَّ النَّبِيَّ: ﴿ كان إذا أُّتِيَ بطعامٍ مِن غير أهلِه سألَ عنه، فإنْ قيل: هديَّةٌ أَكَلَ مِنها، وإنْ قيل: صدقةٌ قال: كُلوا، ولم يأكُلْ مِنها)). أخرجه البخاريُّ (٢٥٧٦) في الهبة - باب قُبُول الهديَّة، ومسلمٌ (١٠٧٧) في الزَّكَاة - باب قُبُول النّبِيّمَّالهدِيَّة وردّه الصَّدقة، وأحمدُ ٣٠٢/٢ و٣٠٥ و٣٣٨ و٤٠٦ و٤٩٢، وابنُ سعدٍ ٣٨٩/١، والبيهقيُّ في "الكبرى" ٣٣/٧ - ٣٤. وروى خالدُ بن عبد الله وعَّادُ بن العَوّام عن محمَّد بنِ عمرٍو عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةً قال: ((كان رسولُ الله ◌ِلَّ يَقبَلُ الهديَّةَ ولا يَقبَلَ الصَّدَقَةَ)). أخرجه أبو داودَ (٤٥١٢) في الدِّيات - باب فيمن سقَى رجلاً سُمّاً، وابنُ سعدٍ في "الطَّقات" ٣٨٨/١، وابن حبّانَ كما في "الإِحسان" (٦٣٨١). هكذا رواه أبو داودَ عن وَهْبِ بن بقيَّةً عن خالدٍ به. قال المِّيُّ في "تحفة الأشراف" ٥/١١ - ٦: قال وَهْبٌ في موضعٍ آخَرَ: عن أبي سَلَمَةَ أنَّ رسولَ الله ◌ُ ﴾، ولم يذكُرْ (أبا هريرةَ). هكذا وقَعَ هذا الحديث في رواية أبي سعيدِ بنِ الأعرابيِّ عن أبي داودَ [أي: مُتَّصلاً عن أبي هريرةَ]. وعندَ باقي الرُّواة: عن أبي سَلَمَةَ أنَّ رسولَ الله ◌ُّ ... ، ليس فيه (أبو هريرةَ). وقد جوَّدَه ابنُ الأعرابيِّ عن أبي داودَ. وروى سعيدُ بن محمَّدِ الَّقفيُّ عن محمَّد بن عمرو عن أبي سَلَمَةَ مُرْسَلاً مُطوَّلاً. أخرجه ابنُ سعدٍ ٢٠٠/١. ورواه أبو عاصم الشَّيبانيُّ عن محمَّد بن عبد الرَّحمن المُلَيكيِّ عن ابن أبي مليكة عن ابن عبّاس عن عائشة أنَّ رسول الله مُ ﴿ كان يَقبَلُ الهديَّةَ ولا يَقبَلُ الصَّدقةَ. أخرجه ابنُ سعدٍ ٣٨٨/١. والمُلَيكيُّ: ضعيفٌ. وروى عبد الله بنُ رجاء وأبو كاملٍ عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن أبي قُرَّةَ الكِنديِّ عن سلمانَ ... فذكر قِصَّةً إسلامه. وفيها: ((وفيه [أي: النَّبِيِّ ◌ِ ﴿] ثلاثٌ: يأكلُ الهديَّةَ ولا يأكلُ الصَّقَةَ ... قال: فصنعتُ طعاماً فأتيتُ بِهِ النَّبِيَّ: ﴿﴿ فوضعتُه بين يديه، فقال: ((ما هذا؟)) قلت: صدقةٌ. فقال لأصحابه: كُلوا، ولم يأكل، قلتُ: هذه مِن علامته ... فصنعتُ طعاماً فأتيتُ به وهو جالسٌ بين أصحابه، فوضعته بين يديه، فقال: ما هذا؟ قلتُ: هديَّةٌ، فوضع يدَه وقال لأصحابه: خُذُوا باسم الله، فأكلَ وأكلُوا ... )). أخرجه أحمدُ ٤٣٨/٥، وابنُ أبي شَيبةَ، وابنُ سعدٍ ٨١/٤، والطبرانيُّ (٦١٥٥)، ووكيع في "أخبار القضاة" ١٧٨/٢. ورواه إبراهيمُ بن سعدٍ وعبد الله بنُ إدريسَ وزيادٌ الْبَكّائِيُّ ويونسُ بن بُكيرٍ ويحيى بنُ أبي زائدة وغيرُهم عن ابن إسحاقَ حدَّثني عاصمُ بن عمرَ بنِ قتادةً الأنصاريُّ عن محمود بنِ لَبيد عن عبد الله بن عبّاس عن سلمانَ نحوَه مُطوَّلاً. أخرجه أحمدُ ٤٤١/٥ - ٤٤٤، وابنُ سعدٍ ٧٥/٤ - ٨٠، وابنُ هشامٍ في "السِّيرة" ٢٢٨/١ - ٢٣٥، = الجزء السادس عشر ٣٣٧ كتابُ القضاء "تتار خانَّة"(١). ومُفادُهُ: أَنَّه ليس للإمامِ قُبُولُ الهديَّةِ، وإلاّ لم تكنْ خُصوصِيَّةً، وفيها(١): ((يَجُوزُ للإِمامِ، والمفتي، والواعظِ قُبُولُ الهديَّةِ؛ [٢٦٠٦٨) (قولُهُ: وفيها إلخ) أي: في "الَّار خانيَّة"، وهذا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ أوَّلاً فيها في حَقِّ الإِمامِ، ويُؤيِّدُ الأَوَّلَ ما مرَّ(٢) عن "الفتح": ((مِن أَنَّ تعليلَ النّبِيِّ ◌َ﴿: دليلٌ على تحريمِ الهديَّةِ التي سبِيُها الولايةُ))، وكذا قولُهُ: ((وكلُّ مَن عَمِلَ للمسلمينَ عمَلاً حُكمُهُ في الهديَّةِ حُكمُ القاضي)) اهـ. واعترَضَهُ في "البحر"(٢) بما ذكَرَهُ "الشّارعُ" عن "الَّار خانيَّة"، وبما في "الخانَيَّة"(٤): ((مِن أَنَّه يَجُوزُ [٣/ ٢٠٢/ب] للإِمامِ والمفتي قُبُولُ الهديَّة وإجابةُ الدَّعوى الخاصَّةِ))، ثمَّ قال(٥): ((إلاّ أنْ يُرادَ بالإِمامِ إِمامُ الجامعِ))، أي: وأمّا الإِمامُ بمعنى الوالي فلا تَحِلُّ له الهديَّة فلا مُنافاةَ، وهذا هو المناسبُ للأدَّةِ؛ ولأَنَّه رأسُ العُمّالِ. قال في "الَّهر"(٦): ((والظّاهرُ أنَّ المرادَ بالعملِ ولايةٌ ناشئةٌ عنِ الإِمامِ أو نائبِهِ كالسّاعي والعاشرِ)) اهـ. قلتُ: ومثلُهم مشائِعُ القُرى والحِرَفِ وغَيْرُهُم مِمَّن لهم قَهْرٌ وتسلُّطٌ على مَن دُونَهم، فإنَّه يُهدَى إليهم خوفاً مِن شرِّهم، أو لَيَرُوجَ عندَهم. ٣١٠/٤ - والبَزّر في "البحر الزَّخَار" (٢٤٩٩) و(٢٥٠٠)، والطّحاويُّ في "بيان مشكل الآثار" (٤٧٧٢)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (٦٠٦٤) و(٦٠٦٥) و(٦٠٦٦) و(٦٠٧٠) و(٦٠٧١)، وأبو الشَّيخ في "طبقات المحدِّثين بأصبهان" (٩)، وأبو نُعَيم في "حلية الأولياء" ١٩٥/١، و"دلائل النّوَّة" (١٩٩)، و "أخبار أصبهان" ٤٦/١ - ٥٠، والبيهقيُّ في "دلائل النُّبوَّةُ" ٩٢/٢ - ٩٧، والخطيبُ في "تاريخه" ١٦٤/١ - ١٦٩. وروى هشامُ بن سعيدٍ البَزّاز عن الحسن بنِ أَيُوبَ الحضرميِّ عن عبد الله بن بُسرِ صاحبِ النّبِيِّ ◌ُّ قال: ((كانت أختي تبعثُني إلى رسول الله مَ﴿ بالهديَّةِ فَيَقبَلُها)). وفي روايةٍ لابن سعدٍ أيضاً: ((كان رسول الله ◌ِ ◌ّ يَقبَلُ الهديَّةَ، ولا يَقبَلُ الصَّدقةَ)). أخرجه ابنُ سعدٍ ٣٨٩/١. (١) "التاتر خانية": كتاب أدب القاضي - الفصل التاسع في رزق القاضي وهبته ودعوته ٥/ق١٥/أ بتصرف. (٢) المقولة [٢٦٠٦٥] قوله: ((ويَرُدُّ هديَّةً)). (٣) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٥/٦. (٤) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبيِّنات ٣٦٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٥) أي: صاحب "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٣٠٥/٦. (٦) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٠/أ. حاشية ابن عابدين ٣٣٨ قسم المعاملات مطلبٌ فِي حُكمِ الهديَّةِ للمُفتي وظاهرُ قولِهِ: ((ناشئةٌ عنِ الإِمامِ إلخ)) دُخولُ المفتي إذا كان مَنصوبًاً مِن طَرَفِ الإِمامِ أو نائبِهِ، لكنّه مُخالِفٌ لإطلاقِهم جوازَ قُبُولِ الهديَّةِ له، وإلّ لَزِمَ كونُ إمامِ الجامعِ والمُدرِّسِ المنصوبَينِ مِن طَرَفِ الإِمامِ كذلك، إلّ أنْ يُفرَّقَ بأنَّ المفتيَ يَطُلُبُ مِنه المهدي المساعدةَ على دَعواهُ ونَصْرَهُ على خصمِهِ فيكونُ بمنزلةِ القاضي، لكنْ يلزَمُ مِن هذا الفرقِ أنَّ المفتيَ لو لم يكنْ مَنصوباً مِن الإمامِ يكونُ كذلك، فُخالِفُ ما صرَّحوا به مِن جوازِها للمُفتي، فإنَّ الفرقَ بينَه وبينَ القاضي واضحٌّ، فإنَّ القاضيَ مُلزِمٌ وخليفةٌ عن رسولِ اللهِ ﴿ في تنفيذِ الأحكامِ، فأَخْذُهُ الهديَّةَ يكونُ رِشوةً على الحُكمِ الذي يُؤمِّلُه المهدي، ويلزَمُ مِنه بُطلالُ حُكمِهِ، والمفتي ليس كذلك. وقد يُقال: إنَّ مرادَهَم بجوازِها للمُفتي إذا كانت لعِلمِهِ لا لإعانِهِ للمُهدي، بدلیلِ الَّعليلِ الذي نقَلَهُ "الشّارحُ"، فإذا كانت لإِعانِهِ صَدَقَ عليها حَدُّ الرِّشوةِ، لكنَّ المذكورَ في حَدِّها شرطُ الإعانةِ. وقدَّمنا(١) عن "الفتح "(٢) عن "الأقضية": ((أَنّ لو أهداهُ لْيُعِينَهُ عندَ السُّلطان بلا شرطٍ - لكنْ يُعَلَمُ يقيناً أَنَّه إنَّما يُهدي ليُعِينَهُ - فمشائخُنا على أَنَّه لا بأسَ به إلخ))، وهذا يَشمَلُ ما إذا كان مِن العُمّالِ أو غيرِهم، وعن هذا قال في "جامع الفصولين"(٣): ((القاضي لا يَقبَلُ الهديَّةِ مِن رجلٍ لو لم يكنْ قاضياً لا يُهْدِي إليه، ويكونُ ذلك بمنزلةِ الشَّرطِ))، ثمَّ قال (٤): ((أقولُ: يُخالِفُهُ ما ذُكِرَ في "الأقضية" إلخ)). قلتُ: والظّاهِرُ عَدَمُ الْمُخالفةِ؛ لأنَّ القاضيَ منصوصٌ على أَنَّه لا يَقبَلُ الهديَّةَ على النَّفصيلِ الآتي (٤)، فما في "الأقضية" مفروضٌ في غيرِهِ، فُيُحتمَلُ أنْ يكونَ المفتي مثلَهُ في ذلك ويُحتمَلُ أنْ لا يكونَ، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ بحقيقةِ الحالِ. ولا شكَّ أنَّ عَدَمَ القَبُولِ هو المقبولُ، (١) المقولة [٢٥٩٩٣] قوله: ((أخَذَ القضاءَ برِشوةٍ)). (٢) في "م": ((لفتح)) دون ألف، وهو خطأ. (٣) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يتصل به إلخ - موت الوكيل أو الوصيِّ أو الموكّل ١٩/١. (٤) في هذه المقولة.