النص المفهرس

صفحات 261-280

الجزء السادس عشر
٢٥٩
كتابُ القضاء
لَيَحْكُمَ بينَ أهلِ الذِّمَّةِ، ذكَرَهُ "الزَّيلعيُّ)(١) في التّحكيمِ.
يكونُ المرادُ بالشَّهادةِ تحمُّلَها، فيدخُلُ فيه العبدُ والكافرُ، نَعَمْ يُخرُجُ عنه الصَّبِيِّ لعَدَمِ ولايتِهِ
أصلاً، وإنْ كان المرادُ مَن يَصِحُّ مِنه القضاءُ يكونُ المرادُ بالشَّهادةِ أداءَها فقط، فيدخُلُ فيه
الكافرُ الْمُولَّى على أهلِ الذِّمَّةِ، فإنّه يَصِحُّ قضاؤهُ عليهم حالاً، وكونُهُ قاضياً خاصاً لا يضُرُّ كما
لا يضُرُّ تخصيصُ قاضي المسلمينَ بجماعةٍ مُعَِّينَ؛ لأنَّ المرادَ مَن يَصِحُّ قضاؤهُ في الجملةِ. وعلى
كلٍّ فالواجبُ إسقاطُ ذلك القيدِ، إلّ أنْ يكونَ مُرادُهُ تعريفَ القاضي الكاملِ.
[٢٥٩٣٦] (قولُهُ: لَيَحِكُمَ بينَ أهلِ الذِّمَّةِ) أي: حالَ كفرِهِ، وإلاّ فقد عَلِمتَ أنَّ الكافرَ
يَصِحُّ توليتُهُ مُطلَقً، لكنْ لا يَحكُمُ إلاّ إذا أسلَمَ.
مطلبٌ في حُكمِ القاضي الدُّرزيِّ والنّصرانيِّ
(تنبيةٌ)
ظهَرَ مِن كلامِهِم حُكُمُ القاضي المنصوبِ في بلادِ الدُّروزِ في القطرِ الشّاميِّ، ويكونُ دُرزيَّاً
ويكونُ نصرانياً، فكلٌّ مِنهما لا يَصِحُّ حُكمُّهُ على المسلمينَ، فإنَّ الدُّرزيَّ لامِلَّةَ له كالمنافقِ
(٣/ ق١٩٤/ب] والزِّنديقِ وإِنْ سَمَّى نفسَهُ مُسلِماً، وقد أفتى في "الخيريَّةِ"(٢): ((بأنّه لا تُقبَلُ شهادتُهُ
على المسلمٍ))، والظّاهرُ: أَنَّه يَصِحُّ حُكُمُ الدُّرزيِّ على النَّصرائيِّ وبالعكسِ، تأمَّلْ. وهذا كلُّهُ بعدَ
كونِهِ منصوباً مِن طَرَفِ السُّلطانِ أو مأمورِهِ بذلك، وإلاّ فالواقعُ أَنَّه يَنْصِبُهُ أميرُ تلك النّحيةِ،
ولا أدري أَنَّه مأذونٌ له بذلك أم لا؟! ولا حولَ ولا قوَّةَ إلّ باللهِ العليِّ العظيمِ. لكنْ حَرَتِ
العادةُ أنَّ أميرَ صَيدا يُولِّي القضاءَ في تلك النُّغورِ والبلادِ، بخلافِ دمشقَ ونحوِها، فإِنَّ أميرَها
ليس له ذلك فيها، بدليلٍ أنَّ لها قاضياً في كلِّ سنةٍ يأتي مِن طَرَفِ السُّلطانِ. ثُمَّ رأيتُ في
"الفتح"(٣) قال: ((والذي له ولايةُ الَّقليدِ الخليفةُ والسُّلطانُ الذي نَصَبَهُ الخليفةُ وأطلَقَ له النَّصرُّفَ،
(١) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء - باب التحكيم ١٩٣/٤.
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب الشهادات ٢٥/٢.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦١/٦.

حاشية ابن عابدين
٢٦٠
قسم المعاملات
(وشرطُ أهلِيَّتِها شرطُ أهلَتِهِ) فإنَّ كلاَّ مِنهما مِن بابِ الولايةِ، والشَّهادةُ أقوى؛ لأنّها
مُلزِمةٌ على القاضي، والقضاءُ مُلزِمٌ على الخصمِ، فلذا قيل: حُكُمُ القضاءِ(١) يُستَقَى مِن
حُكمِ الشَّهادةِ، "ابن كمالٍ". (والغاسقُ أهلُها فيكونُ أهلَهُ».
وكذا الذي ولاّهُ السُّلطانُ ناحيةً وجعَلَ له خَرَاجَها وأطلَقَ له النَّصرُّفَ، فإِنَّ له أنْ يُولِّيَ ويَعزِلَ،
كذا قالوا، ولا بدَّ مِن أنْ لا يُصرِّحَ له بالمنعِ، أو يَعلَمَ ذلك بِعُرْفِهم، فإنَّ نائبَ الشّامِ وحلبَ في ديارِنا
يُطلَقُ لهم النَّصرُّفُ فِي الرَّعيَّةِ والخَراجِ، ولا يُولُّونَ القضاةَ ولا يَعِزِلُونَ)) اهـ. واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
[٢٥٩٣٧) (قولُهُ: وشرطُ أهلَّتِها إلخ) تكرارٌ مع قولِهِ: ((وأهلُهُ أهلُ الشَّهادةِ)). اهـ
" ح" (٢). والظّاهرُ: أنَّ "المصنّف" ذكَرَ الجملةَ الأُولِى تَبَعاً لـ "الكنز)"(٣) وغيرِهِ، ثُمَّ ذكَرَ الثّانيةَ
تَبَعاً لـ "الغرر"(٤) توضيحاً وشرحاً للأُولى، وأمّا الجوابُ بأنَّه ذكَرَها ليُرِّبَ عليها قولَهُ:
((والفاسقُ أهلُها)) فغيرُ مُفيدٍ، فافهمْ.
[٢٥٩٣٨] (قولُهُ: فلذا قيل إلخ) عِلّةٌ للعِلَّةِ.
[٢٥٩٣٩) (قولُهُ: والفاسقُ أهلُها) سيأتي(٥) بيانٌ(٦) الفِسقِ(٧) والعَدالةِ فِي الشَّهاداتِ، وأفصَحَ
بهذه الجملةِ دَفْعاً لتوهُّمِ مَن قال: إنَّ الفاسقَ ليس بأهلِ للقضاءِ فلا يَصِحُّ قضاؤهُ؛ لأَنَّه لا يُؤْمَنُ
(قولُهُ: عِلَّةٌ للعِلَّةِ) فيه نظرٌ، بل هذا أفادَهُ حُكمٌ آخَرُ مأخوذٌ مِن العِلَّةِ المذكورةِ، تأمَّلْ.
(١) في "و": ((القضاة)).
(٢) "ح": كتاب القضاء ق ٣٠٧/أ.
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء ٨٢/٢.
(٤) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤٠٤/٢.
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٨١٧] قوله: ((العَدْلُ)).
(٦) في "الأصل": ((سيأتي في بيان)).
(٧) في "ك": ((الفاسق)).

الجزء السادس عشر.
٢٦١
كتابُ القضاء
لكنَّه لا يُقلَّدُ) وجوباً، ويأثَمُ مُقَلِّدُهُ كقابِلٍ شهادتِهِ،
عليه لفِسقِهِ، وهو قولُ الثَّلاثةِ(١)، واختارَهُ "الطَّحاويُّ"(٢). قال "العينيُّ)(٣): ((وينبغي أنْ يُفتى به
خُصوصً في هذا الزَّمانِ)) اهـ.
أقولُ: لو اعتُبِرَ هذا لانسَدَّ بابُ القضاءِ خصوصاً في زمانِنا، فلذا كان ما جرَى عليه
"المصنّف" هو الأصحَّ كما في "الخلاصة"(٤)، وهو أصحُّ الأقاويلِ كما في "العماديّة"، "نهر "(٥).
وفي "الفتح"(٦): ((والوجهُ تنفيذُ قضاءٍ كلِّ مَن ولاّهُ سلطانٌ ذو شَوكةٍ وإنْ كان جاهلاً فاسقاً،
وهو ظاهرُ المذهبِ عندَنا، وحينئذٍ فَيَحكُمُ بفتوى غيرِهِ)) اهـ.
[٢٥٩٤٠] (قولُهُ: لكنّه لا يُقلَّدُ وجوباً إلخ) قال في "البحر"(٧): ((وفي غيرِ موضعٍ ذَكَرَ
الأَولَويَّةَ، يعني: الأَولى أنْ لا تُقبَلَ شهادتُهُ، وإنْ قَبِلَ جازَ، وفي "الفتح "(٨): ومُقتضى الدَّليلِ أنْ
لا يَجِلَّ أنْ يقضيَ بها، فإِنْ قضَى جازَ ونَفَذَ اهـ. ومُقتضاهُ الإِثْمُ، وظاهرُ قولِهِ تعالى ﴿ إِن جَاءَكُمْ
فَاسِقٌ بٍَِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ [الحجرات: ٦] أَنَّه لا يَحِلُّ قَبُولُها قبلَ تعرُّفِ حالِهِ، وقولُهم بوجوبِ السُّؤالِ عن
الشّاهدِ سرًّاً وعَلانَةً طعَنَ الخصمَ أوْ لا في سائرِ الْحُقوقِ على قولِهما المفتى به يقتضي الإِثْمَ بتركِهِ؛
لأَنّه للتَّعرُّفِ عن حالِهِ، حتّى لا يَقبلَ الفاسقَ، وصرَّحَ "ابنُ الكمالِ"(٩) بأنَّ مَن قَلَّدَ فاسقاً يأْتُمُ،
وإذا قَبِلَ القاضي شهادتَهُ يَأْتُمُ)) اهـ.
(١) انظر "مواهب الجليل": باب القضاء ٨٧/٦، و"نهاية المحتاج": كتاب القضاء ٢٣٨/٨، و"المغني": كتاب القضاء -
شروط القاضي ٥٠٢/١٣.
(٢) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من مصنفات الإمام "الطحاوي".
(٣) "رمز الحقائق": كتاب القضاء ٨٢/٢.
(٤) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الأول - الجنس الثاني في المقلد ق ١٩٤/أ.
(٥) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٧/أ.
(٦) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٧/٦ - ٣٥٨.
(٧) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٣/٦ - ٢٨٤ بتصرف.
(٨) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٨/٦.
(٩) في "إصلاح الإيضاح"، كما في "البحر".

حاشية ابن عابدين
٢٦٢
قسم المعاملات
به يفتى، وقَّدَهُ في "القاعديَّة"(١) بما إذا غَلَبَ على ظَنِّهِ صِدقُهُ، فليُحفَظ، "درر".
[٢٥٩٤١] (قولُهُ: به يفتى) راجعٌ لِما في "المتنِ"، فقد عَلِمتَ التَّصريحَ بتصحيحِهِ وبأنَّه ظاهرٌ
المذهبِ، وأمّا كونُ عَدَمِ تقليدِهِ واجباً ففيه كلامٌ كما عَلِمتَ، فافهمْ.
٢٩٩/٤
[٤٢ ٢٥٩] (قولُهُ: وَقَّدَهُ) أي: قَّدَ قَبُولَ شهادةِ الفاسقِ المفهومَ مِن ((قابِلٍ)). اهـ "ح"(٢)،
وعبارةُ "الدُّرر"(٣): ((حَتّى لو قَبِلَها القاضي وحكَمَ بها كان آئِماً لكِنَّه ينفُذُ، وفي "الفتاوى
القاعديَّة،": هذا إذا غلَبَ على ظَنِّهِ صِدقُهُ، وهو مِمّا يُحفَظُ)) اهـ.
قلتُ: والظّاهِرُ أَنَّه لا يأتمُ أيضاً؛ لحصولِ الَُّّنِ المأمورِ به في النّصِ، تأمَّلْ. قال
"ط "(٤): ((فإنْ لم يغلِبْ على ظَنِّ القاضي صِدقُهُ بأنْ غَلَبَ كذبُهُ عندَه أو تساوَيا فلا يقبلُها،
أي: لا يَصِحُّ قَبُولُها أصلاً، هذا ما يُعطيهِ المقامُ)) اهـ.
(قولُهُ: وأمّا كونُ عَدَمٍ تقليدِهِ واجباً ففيه كلامٌ كما عَلِمتَ) المتعِّنُ رجوعُهُ لِما في "الشَّارحِ" أيضاً، فإنّه
وقَعَ في كلِّ الاختلافُ، وذلك أنَّ الفاسقَ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ قاضياً، والمفتى بهِ الصِّحَّةُ مع الإِثمِ فِي النَّقَلِيدِ،
وشهادتُهُ الأَولِى عَدَمُ قَبُولِها، وإنْ قُبِلَت كان فيه خلافُ الأَولى لا الإِثْمُ، والمفتى به وجوبُ عَدَمٍ قَبُولِها، فإذا
قُبِلَت صحَّ مع الإثمِ، وحينئذٍ يكونُ قصدُ "الشّارحِ" بقولِهِ: ((وبه يفتى)) أنّه لا يُلْتَفَتُ إلى القولِ بِعَدَمِ أهلِّتِهِ
للقضاءِ، ولا إلى القول بأنَّ قُبُولَ شهادتِهِ خلافُ الأَولى، ولا معنى لقولِ المحشِّي: ((وأمّا كونُ إلخ))، تأمَّلْ.
(قولُهُ: قلتُ: والظّهرُ أَنَّه لا يأتمُ أيضاً إلخ) على ما قالَهُ لا معنى لقولِ أئمَّةِ المذهبِ: إذا قَبِلَ القاضي
شهادةَ الفاسقِ صحَّ وَأَثِمَ، فإنَّه على هذا التَّقْبِيدِ يَحِبُ قَبُولُها فلا إِثْمَ، وإذا لم يُوجَدِ القيدُ لا يَصِحُّ أصلاً،
ولم تُوجَدْ صورةٌ يَصِحُّ القَبُولُ مع الإِنْمِ حَتّى يُحمَلَ كلامُهم عليها. وأيضاً لا يَصِحُّ نسبةُ الاستثناءِ لـ "أبي يوسف"
فقط بل هو مُتَّفَقٌّ عليه، ويكونُ اللّئْقُ استثناءَ ما إذا غَلَبَ على الظَّنِّ الصِّدقُ، لا خُصوصَ هذه المسألةِ،
فلم يظهَرْ ما قالَهُ المحشِّي، تأمَّلْ.
(١) في هامش "د": ((أي: في "فتاوى الإمام القاعدي")). نقول: وتقدمت ترجمتها ٢٩٣/٨.
(٢) "ح": كتاب القضاء ق ٣٠٧/أ.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب القضاء ٤٠٤/٢.
(٤) "ط": كتاب القضاء ١٧٤/٣.

الجزء السادس عشر
٢٦٣
کتابُ القضاء
واستثنَى "الثّاني" الفاسقَ ذا الجاهِ والمروءةِ، فإنَّه يَجبُ قَبُولُ شهادتِهِ، "بزّازِيَّة"(١). قال
في "النّهر"(٢): ((وعليه فلا يأْتُمُ أيضاً بتوليتِهِ القضاءَ حيثُ كان كذلك، إلّ أنْ يُفرَّقَ
بينَهما)) انتهى. قلتُ: سيجيءُ تضعيفُهُ، فراجِعْهُ.
[٤٣ ٢٥٩) (قولُهُ: واستثَنَى "الثّاني") أي: "أبو يوسف" مِن الفاسقِ الذي يأثمُ القاضي بقَبُولِ.
شهادتِهِ. والظّاهرُ: أنَّ هذا مِمّا يغلِبُ على ظَنِّ القاضي صِدقُهُ، فيكونُ [٣/ق١٩٥/أ) داخلاً تحتَ
كلامِ "القاعديَّة"، فلا حاجةَ إلى استثنائهِ على ما استظهَرناهُ آنفاً(٣)، تأمَّلْ.
[٢٥٩٤٤] (قولُهُ: سيجيءُ تضعيفُهُ) أي: في الشَّهاداتِ، حيثُ قال (٤): ((وما في "القنية" و"المجتبى"
ثُمَّ إنَّ هذا النَّقييدَ المنقولَ عن "القاعديَّة" غيرُ مُختصِّ بالفاسقِ، بل كذلك العَدلُ إنَّما يقبَلُ القاضي شهادتَهُ
إذا غَلَبَ عندَهُ صِدقُهُ كما صرَّح به "الزَّيلعيُّ" في بابِ الرُّجوعِ عن الشَّهادةِ - عندَ قولِهِ: ((فإِنْ رِجَعا قبلَ
حُكمِهِ إلخ)) - حيثُ قال: ((القاضي إنَّما يقضي بشهادتِهما إذا ثبَتَ عَدالتُهما عندَهُ وغَلَبَ على ظَّهِ أَنَّهما
صادقانٍ)) اهـ. وذكَّرَ المحشِّي فيما يأتي عندَ قولِ "المصنّف": ((ونفَذَ القضاءُ بشهادةِ الزُّورِ إلخ)) أَنَّه لو
عَلِمَ القاضي بكذبِ الشُّهودِ لا ينفُذُ قضاؤهُ ظاهراً ولا باطناً؛ لعَدَمِ شرطِ القضاءِ، وهو الشَّهادةُ الصّادقَةُ في
زعمِ القاضي، تأمَّلْ، إلّ أنْ يُقالَ: إِنَّه متى كان الشّاهِدُ عَدلاً يغلِبُ على ظَنِّ القاضي صِدقُهُ، ويدُلُّ لذلك
ما في "شرح الاختيار" أوَّلَ الشَّهاداتِ: ((أَنَّ الحاكمَ يحكُمُ بقولِ الشَّاهدِ ويُنفِذُهُ فِي حَقِّ الغيرِ، فَيَجِبُ أنْ
يكونَ قولُهُ يغلِبُ على ظَنِّ القاضي الصِّدِّقُ، ولا يكونُ ذلك إلّ بالعدالةِ)) اهـ.
(قولُ "الشّارحِ": إلّ أنْ يُفرَّقَ بينَهما) الفرقُ بينَ القضاءِ والشَّهادةِ واضحٌ، وذلك أنَّ الفاسقَ المذكورَ
يتحاشَى عن الكذبِ فقط ولا يتحاشَى عن أنواعِ المعاصي فتُقبَلُ شهادتُهُ؛ لأَنَّها محرَّدُ إخبارٍ لا يُظَنُّ الكذبُ
فيه، ولا يُولَّى القضاءَ؛ لأَنَّه ليس خاصاً بالإِخباراتِ خوفاً مِن جَورِهِ، تأمَّلْ.
(١) "البزازية": كتاب الشهادات - الجنس الثاني فيما يقبل وما لا يقبل ٢٥٠/٥ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٧/أ.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٨٢٠] قوله: (("بحر")).

حاشية ابن عابدين
٢٦٤
قسم المعاملات
وفي "معروضات" المفتي "أبي السُّعود": ((لَمّا وَقَعَ الْتَّساوي في قضاةِ زمانِنا في وُجودِ
العَدالةِ ظاهراً ورَدَ الأمرُ بتقديمِ الأفضلِ في العِلمِ، والدِّيانةِ، والعَدالةِ)). (والعَدُوُّ
لا تُقْبَلُ شهادتُهُ على عَدُوِّهِ إذا كانت دُنيويَّةً)،.
مِن قَبُولِ ذي المروءةِ الصّادقِ فقولُ "الثاني"، وضعَّفَهُ "الكمالُ" بأنَّه تعليلٌ في مُقابلَةِ النَّصِّ
فلا يُقبَلُ، وأقرَّهُ "المصنّف")) اهـ.
قلتُ: قدَّمنا (١) آنفاً عن "البحر" أنَّ ظاهرَ النَّصِّ أَنَّه لا يَحِلُّ قُبُولُ شهادةِ الفاسقِ قبلَ
تعرُّفِ حالِهِ، فإذا ظهَرَ للقاضي مِن حالِهِ الصِّدقُ وقَبِلَهُ يكونُ مُوافقاً للَّصِّ، إلّ أنْ يُرِيدَ
بالنَّصِّ قولَهُ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُ واذَوَىْ عَدّلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، لكنْ فيه أنَّ دِلالَتَهُ على عَدَمِ
قَبُولِ [غَيْرٍ)(٢) العَدلِ إِنَّما هي بالمفهومِ، وهو غيرُ مُعتَبَرٍ عندَنا ولاسيَّما هو مفهومُ لَقَبٍ، مع
أنَّ الآيَةَ الأُولى تدُلُّ على قَبُولِ قولِهِ عندَ الَّبُّنِ عن حالِهِ كما قُلنا، تأمَّلْ.
[٢٥٩٤٥) (قولُهُ: وفي "معروضات" المفتي "أبي السُّعود") أي: المسائلِ التي عرَضَها على
سُلطانِ زمانِهِ فأمَرَ بالعملِ بها.
[٢٥٩٤٦] (قولُهُ: في وُجودِ العَدالةِ) هذا كان في زمنِهِ، وقد وُجِدَ التّساوي في عَدَمِها
الآنَ، فليُنظَرْ مَن يُقدَّمُ، "ط)" (٣).
[٢٥٩٤٧] (قولُهُ: إذا كانت دُنيويَّةً) سيذكُرُ(٤) تفسيرَها عن "شرح الشُّرْ تُبُلاليّ"، واحترَزَ
(قولُهُ: أنَّ دِلالَهُ على عَدَمٍ قَبُولِ العَدلِ إلخ) حَقُّهُ: غيرِ العَدلِ.
(١) المقولة [٢٥٩٤٠] قوله: ((لكنّه لا يُقلَّدُ وجوباً إلخ))
(٢) في النسخ جميعها: ((على عدم قبول العدل))، وما أثبتناه بين منكسرين لتصحيح العبارة، وقد نَّه على ذلك مصحِّحا
" ب" و"م"، وانظر "تقريرات الرافعيّ" رحمه الله.
(٣) "ط": كتاب القضاء ١٧٤/٣.
(٤) صـ ٢٧٠ - "در".

الجزء السادس عشر
٢٦٥
کتابُ القضاء
ولو قضَى القاضي بها لا ينفُذُ، ذكَرَهُ "يعقوبُ باشا"، (فلا يَصِحُّ قضاؤهُ عليه)؛ لِما تقرَّرَ
أنَّ أهلَهُ أهلُ الشَّهادةِ.
بـ ((الدُّنيويَّةِ)) عن الدِّينَّةِ، فإنَّ مَن عادَى غيرَهُ لارتكابِهِ ما لا يَحِلُّ لا يُتَّهمُ بأَنَّه يشهَدُ عليه
بزُورِ، بخلافِ المعاداةِ الدُّنيويَّةِ، وعن هذا قُبِلَت شهادةُ المسلمٍ على الكافرِ وإنْ كان عدُوَّهُ
مِن حيثُ الدِّيانةُ، وكذا شهادةُ اليهوديِّ على النَّصرائيِّ.
[٢٥٩٤٨] (قولُهُ: ولو قضَى القاضي بها لا ينفُذُ) دفَعَ به ما يُتوهّمُ أَنَّها مثلُ شهادةِ الفاسقِ،
فإِنَّه تقدَّمَ(١) أَنَّه يَصِحُّ قَبُولُها وإِنْ أَثِمَ القاضي، فشهادةُ العَدُوِّ ليست كذلك، بل هي كما لو قَبِلَ
شهادةَ العبدِ والصَّبِيِّ.
[٢٥٩٤٩) (قولُهُ: ذكَرَهُ "يعقوبُ باشا") أي: في "حاشيته" على "صدر الشَّريعة"، وقال في
"الخيريَّة"(٢): ((والمسألةُ دوّارٌ في الكتبِ)).
مطلبٌ في قضاءِ العَدُوِّ على عدُوِّهِ
[٢٥٩٥٠] (قولُهُ: فلا يَصِحُّ قضاؤهُ عليه) أي: إذا كانت شهادةُ العَدُوِّ على
عدُوِّهِ لا تُقبَلُ، ولو قضَى بها القاضي لا ينفُذُ يتفرَّعُ عليه أنَّ القاضيَ لو قضَى على
عدُوِّهِ لا يَصِحُّ؛ لِما تقرَّرَ إلخ. وبه سقَطَ ما قيل: إنَّ ما ذكَرَهُ عن "اليعقوبَّة" مُكرَّرٌ مع
هذا، فافهمْ.
(تنبيةٌ)
إذا لم يَصِحَّ قضاؤهُ عليه فالمخلَصُ إنابةُ غيرِهِ إذا كان مأذوناً بالاستنابةِ، وسيأتي(٣) أَنَّه
يستنيبُ إذا وقَعَت له أو لولَدِهِ حادثةٌ.
(١) صـ ٢٦٠ - وما بعدها "در".
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب الشهادات ٣٥/٢، وعبارتها: ((والمسألة واردة في الكتب)).
(٣) صـ ٥٨٣ - "در".

حاشية ابن عابدين
٢٦٦
قسم المعاملات
قال "المصنّف" (١): ((وبه أفتى مُفتي مِصرَ شيخُ الإسلامِ "أمينُ الدِّينِ بنُ عبدِ العالِ"(٢)))،
قال: ((وكذا سِجِلُّ العَدُوِّ لا يُقبَلُ على عدُوِّهِ))، ثمَّ نقَلَ عن "شرح الوهبائيّة": ((أَنَّه
لم يَرَ نَقْلَها عندَنا))، وينبغي النَّقاذُ(٣) لوِ القاضي عَدْلاً،.
[٢٥٩٥١] (قولُهُ: قال) أي: "المصنّف" في "المنح"(٤)، ونصُّهُ: ((ورأيتُ بموضع ثقةٍ مَعزوًا إلى
بعضِ الفتاوى - وأظنُّ أَنَّها "الفتاوى الكبرى" لـ "الخاصّي"(٥) - أنَّ سِجِلَّ العَدُوِّ لا يُقبَلُ على
عدُوِّهِ كما لا تُقبَلُ شهادتُهُ عليه)) اهـ. فافهمْ. والظّاهرُ: أنَّ المرادَ بالسِّجِلِّ كما قال "ط)" (٦):
((كتابُ القاضي إلى قاضٍ في حادثةٍ على عدُوِّ للقاضي))، وهو ما يأتي(٧) عن "النّاصحيّ".
[٢٥٩٥٢] (قولُهُ: ثُمَّ نقَلَ) أي: "المصنّف" (٨).
[٢٥٩٥٣] (قولُهُ: أَنَّه لم يَرَ نَقْلَها) أي: نَقْلُ مسألةِ قضاءِ القاضي على عدُوِّهِ، وهذا الكلامُ
ذكَرَهُ "عبدُ البَرِّ بنُ الشِّحنة" في "شرح الوهبائيّة(٩) عن "ابن وهبانَ"، فينبغي أنْ يكونَ قولُهُ:
((لم يَرَ نَقْلَها)) مبنيّاً للمجهولِ.
[٢٥٩٥٤] (قولُهُ: وينبغي النَّفَاذُ) أي: مُطلقاً، سواءٌ كان بعِلمِهِ (١٠) أو بشهادةِ عدلَينِ.
وهذا البحثُ لـ "شارح الوهبانيَّة"(١١) خالَفَ فيه بحَثَ "ابنِ وهبانَ" الآتي (١٢)، وذكَرَهُ عَقِبَهُ
بقولِهِ(١٢): ((قلتُ: بل ينبغي النَّاذُ مُطلقاً لوِ القاضي عَدْلاً)).
(١) قوله: ((المصنف)) ليس في "ب" و"ط".
(٢) تقدمت ترجمته ٤٨/١٣.
(٣) في "ط": ((التفاذ)) بالتاء المثناة، وهو خطأ.
(٤) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٢/ب.
(٥) هي ترتيب نجم الدين الخاصّي (ت ٦٣٤هـ) لـ "الفتاوى الكبرى" للصدر الشهيد (ت٥٣٦هـ)، وتقدمت ترجمتها ١٧٦/٩.
(٦) "ط": كتاب القضاء ١٧٤/٣.
(٧) صـ ٢٦٨ - وما بعدها "در".
(٨) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٢/ب - ق ٥٣/أ.
(٩) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشهادات - عدم جواز شهادة الرجل على الرجل بينهما عداوة إلخ ٣١٩/١.
(١٠) في "ك" و"م": ((يعلمه)) بالياء.
(١١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشهادات - عدم جواز شهادة الرجل على الرجل بينهما عداوة إلخ ٣١٩/١.
(١٢) صـ ٢٦٧ - "در".
١

الجزء السادس عشر
٢٦٧
کتابُ القضاء
وقال "ابنُ وهبانَ" بحثاً: ((إِنْ بعِلمِهِ لم يَجُزْ، وإنْ بشهادةِ العُدولِ بَمَحضرٍ مِن النّاسِ
جازَ)) اهـ. قلتُ: واعتمَدَهُ القاضي "محبُّ الدِّين"(١) في "منظومته"، فقال:
إنْ كان عَدْلاً صحَّ ذاك وانبرَمْ
ولو علی عدُوِّهِ قاضٍ حكَمْ
إنْ كان بالعِلمِ قضَى لن يُقْبَلا
واختارَ بعضُ العُلَما وفصَّلا
وبشهادةِ العُدولِ قُبِلا
وإنْ يكنْ بمَحضرٍ مِن الَلا
قلتُ: لكنْ نقَلَ في "البحر"(٢) والعينيُّ(٣) و"الزَّيلعيُّ" (٤) و"المصنّفُ" (٥) وغَيْرُهُم .....
[٢٥٩٥٥] (قولُهُ: إنْ بعِلمِهِ لم يَجُزْ) أي: بناءً على القولِ بجوازٍ قضاءِ القاضي بعِلمِهِ،
والمعتمَدُ خلاقُهُ. وعليه فلا خلافَ بينَ كلامَى "ابنِ الشِّحنة" و"ابنِ وهبالَ"، فإنَّ مُؤدَّى
كلامَيهما نُفوذُ حُكمِهِ لو عَدْلاً بشهادةِ العُدولِ.
[٢٥٩٥٦] (قولُهُ: واعتمَدَهُ إلخ) المتبادرُ مِن النّظمِ اعتمادُ الأوَّلِ، وهو بحثُ "ابنِ الشِّحنة"،
فيتعَيَّنُ عَوْدُ الضَّميرِ إليه.
[٢٥٩٥٧] (قولُهُ: واختارَ بعضُ العُلَما) هو "ابنُ وهبانَ".
[٢٥٩٥٨] (قولُهُ: قلتُ: لكنْ إلخ) أصلُهُ لـ "المصنّف"، حيثُ قال: ((وقد غفَلَ "الشَّيخان"
- أي: ابنُ وهبانَ" وشارحُهُ "عبدُ الْبَرِّ" - [٣/ق١٩٥ /ب] عمّا اتَّفْقَت كلمتُهم عليه في كتبهم المعتمَدةِ
(قولُهُ: وعليه فلا خلافَ بينَ كلامَي "ابنِ الشِّحنة" و"ابنِ وهبانَ" إلخ) فيه: أنَّ كلامَ "ابنِ الشّحنة"
مُقَّدٌ بما إذا كان القاضي عَدْلاً، وكلامُ "ابنِ وهبانَ" غيرُ مُقَّدٍ بهذا القيدِ، بل فيه التَّفصيلُ بينَ كونِهِ بِعِلمِهِ
أوْ لا، فما زالَ الخلافُ مُتحقّقاً فيما لو كان القاضي غيرَ عَدْلِ وقضَى بشهادةِ العُدولِ، أو قضَى بعِلمِهِ على
غيرِ المعتمَدِ وكان عَدْلاً، تأمَّلْ.
(١) "المنظومة المحبية": كتاب القضاء صـ ٦٠ -.
(٢) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٣/٦.
(٣) "رمز الحقائق": كتاب القضاء ٨٤/٢، وذكر أن هذا قول إبراهيم النخعي.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب القضاء ١٧٥/٤.
(٥) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٤/أ، نقلاً عن إبراهيم النخعي.

حاشية ابن عابدين
٢٦٨
قسم المعاملات
عندَ مسألةِ التَّقليدِ مِن الجائرِ عن "النّاصحيِّ" في "تهذيب أدب القاضي"(١)
لـ "الخصّاف": ((أنَّ مَن لم تَجُزْ شهادتُهُ لم يَحُزْ قضاؤهُ،.
مِن أنَّ أهلَهُ أهلُ الشَّهادةِ، فمَن صَلَحَ لها صلَحَ له، ومَن لا فلا، والعدُوُّ لا يصلُحُ للشَّهادةِ على
ما عليه عامَّةُ المتأخّرِينَ، فلا يصلُحُ للقضاءِ)) اهـ "ط)"(٢).
قلتُ: ولم أَرَ هذا الكلامَ في نُسْخَتِي مِن "شرح المصنّف" (٣).
ثُمَّ اعلَم أنَّ مرادَ "الشّارحِ" الاستدراكُ على كلامِ "الشَّيخينِ" وتأيدُ كلامِ "المتنِ"، فإِنَّ
"المصنّف" فرَّعَ عَدَمَ صحَّةِ القضاءِ على عَدَمٍ قُبُولِ الشَّهادةِ، وهو مفهومُ الكَلِيّةِ الواقعةِ في عباراتِ
المتونِ، وهي قولُهم: ((وأهلُهُ أهلُها))، فإنَّ مفهومَها عكسُها اللُّغويُّ، وهو أنَّ مَن ليس أهلاً لها
لا يكونُ أهلاً له، فلذا قال "المصنّف" في "متِهِ"(٤): ((والعَدُوُّ لا تُقبَلُ شهادتُهُ على عدُوِّهِ فلا يَصِحُّ
قضاؤهُ عليه))، ولَمّا كان هذا إثباتاً للحُكمِ بالمفهومِ، وفيه احتمالُ نقلِ "الشّارحِ" أنَّ مفهومَ الكَلَِّّةِ
المذكورةِ مُصرَّحٌ به في عبارةِ "الّاصحيّ"، فسقَطَ الاحتمالُ واندفَعَ بحثُ "الشَّيخين" وتأيَّدَ كلامُ
"المصنّف"، ولذا قال(٥): ((وهو صريحٌ أو كالصَّرِيحِ فيما اعتمَدَهُ "المصنّف")).
ولكنْ بَقِيَ ههنا تحقيقٌ و(٦) توفيقٌ، وهو أنَّ ذكَرَ في "القنية"(٧): ((أَنَّ العداوةَ الدُّنيويَّةَ
لا تَمَنَعُ قُبُولَ الشَّهادةِ ما لم يفسُقْ بها، وأَنَّه الصَّحيحُ وعليه الاعتمادُ، وأنَّ ما في "المحيط"
٣٠٠/٤
(قولُهُ: ولم أَرَ هذا الكلامَ في نُسختي مِن "شرح المصنّف") بل رأيتُهُ في نسخةٍ قديمةٍ، وَقْفُ الشَّيخِ
"عبدِ الحَيِّ الشُّرْ نِبُلاليّ".
(١) هو مختصر وقفي هلال بن يحيى البصري (ت٢٤٥ هـ) والخصاف (ت٢٦١هـ)، وهو لأبي محمد عبد الله بن الحسين
المعروف بالناصحيّ النيسابوريّ (ت٤٤٧هـ). ("كشف الظنون" ٢١/١، "الطبقات السنية" ١٦٥/٤).
(٢) "ط": كتاب القضاء ١٧٥/٣.
(٣) ولم نَرَهُ نحن أيضاً في نسختنا من "المنح".
(٤) صـ ٢٦٤ - ٢٦٥ - "در".
(٥) صـ ٢٦٩ - "در".
(٦) الواو ليست في "م".
(٧) "القنية": كتاب الشهادات - باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل ق ١٣٦ /أ - ب، نقلاً عن "المحيط"، و"الواقعات
الكبرى"، و"كنز الروؤس"، و"خزانة الفقه"، و"شرح السنة"، و"معالم السنن"، والقاضي أبي علي النسفي.

الجزء السادس عشر
٢٦٩
کتابُ القضاء
ومَن لم يَجُزْ قضاؤهُ لا يُعتمَدُ على كتابِهِ)) اهـ. وهو صريحٌ أو كالصَّرِيحِ فيما اعتمَدَهُ
"المصنّف" كما لا يخفَى، فليُعتمَدْ،
و "الواقعات": مِن أنَّ شهادةَ العدُوِّ على عدُوِّهِ لا تُقبَلُ اختيارُ المتأخّرِينَ، والرِّوايةُ المنصوصةُ تُخالِفُها،
وأَنَّه مذهبُ "الشّافعيّ"، وقال "أبو حنيفةً": تُقبَلُ إذا كان عَدْلاً، وفي "المبسوط "(١): إنْ كانت دُنيويَّةً
فهذا يُوجِبُ فِسقَهُ، فلا تُقْبَلُ شهادتُهُ)) اهـ مُلخَّصاً.
والحاصلُ: أنَّ في المسألةِ قولَينِ مُعتمَدينِ أحدُهما: عَدَمُ قُبُولِها على العدُوِّ، وهذا اختيارُ
المتأخّرِينَ، وعليه صاحبُ "الكنز"(٢) و"الملتقى"(٣). ومُقتضاهُ أنَّ العِلَّةَ العداوةُ لا الفِسقُ، وإلّ
لم تُقْبَلْ على غيرِ العَدُوِّ أيضاً، وعلى هذا لا يَصِحُّ قضاءُ العَدُوِّ على عدُوِّهِ أيضاً.
ثانيهما: أنَّها تُقبَلُ إلاّ إذا فسَقَ بها، واختارَهُ "ابنُ وهبانَ" و"ابنُ الشِّحنة". وإذا قُبَلَت
فبالضّرورةِ يَصِحُّ قضاءُ العَدُوِّ على عدُوِّهِ إذا كان عَدْلاً، فلذا اختارَ "الشَّيخان" صحَّتَهُ، وبه
عُلِمَ أنَّ مَن يقولُ بقُبُولِ شهادةِ العَدُوِّ العَدْلِ يقولُ بصحَّةٍ قضائِهِ، ومَن لا فلا، وأنَّ ما ذكَرَهُ
"الّاصحيُّ" لا يعارضُ كلامَ "الشَّيخين"؛ لاختلافِ المناطِ، فاغتنمْ هذا التَّحقيقَ ودَعِ التَّلفيقَ.
[٢٥٩٥٩] (قولُهُ: لا يُعتمَدُ على كتابِهِ) هو المعبّرُ عنه فيما سَبَقَ بـ ((السِّحِلِّ))، "ط "(٤).
[٢٥٩٦٠] (قولُهُ: فيما اعتمَدَهُ "المصنّف") أي: في "متِهِ" مِن إطلاقِ عَدَمِ القَبُولِ.
(قولُهُ: واختارَهُ "ابنُ وهبالَ" إلخ) فيه: أنَّ "ابنَ وهبانَ" لم يجعَلِ المدارَ في صحَّةِ القضاءِ إلّ على
عدالةِ الشُّهودِ لا على عدالةِ القاضي، و"ابنُ الشِّحنة" على اعتبارِ عدالةِ القاضي خاصَّةً.
(قولُهُ: فاغتنمْ هذا التَّحقيقَ) لا يخفَى أَنَّه لا خلافَ في الحقيقةِ بينَهم؛ لأنَّ المتقدِّمينَ مَنَعُوا القُبُولَ
في المُفسِّقَةِ وأجازُوها في غيرِها، والمتأخّرونَ أطلَقُوا المنعَ ثُمَّ ذكرُوا ما يُفيدُ أَنَّه في المفسِّقَةِ، ومِن ذلك
قولُ "الشُّرِ نُبُلاليّ": ((ثُمَّ إِنَّمَا تثبُتُ بنحوِ إلخ))، فإنَّهم ما ذكروا هذا النَّقييدَ إلّ لقولِ أئمَّةِ المذهبِ: لا
تُقبَلُ شهادةَ العَدُوِّ، الذي هو قولُ المتأخرِينَ، تأمَّلْ.
(١) "المبسوط": كتاب الشهادات - باب من لا تجوز شهادته ١٣٣/١٦ بتصرف.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الشهادات - باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل ١٠٥/٢.
(٣) "ملتقى الأبحر": كتاب الشهادات - باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل ٨٨/٢.
(٤) "ط": كتاب القضاء ١٧٥/٣.
1

حاشية ابن عابدين
٢٧٠
قسم المعاملات
وبه أفتى محقِّقُ الشّافِعَّةِ "الرَّمليُ)(١)، ومِن خَطِّهِ نقَلتُ: ((أَنَّه لو قضَى عليه ثمَّ أَثْبَتَ
عداوتَهُ بِطَلَ قضاؤهُ))، فليُحفَظْ. وفي "شرح الوهبائيّة" لـ "الشُّر ◌ُلالِيِّ": ((ثُمَّ إنّما
تثْبُتُ العَداوَةُ بنحوٍ قَدْفٍ، وجَرْحٍ، وقَْلٍ وليّ، لا بمخاصمةٍ)).
[٢٥٩٦١] (قولُهُ: وبه أفتى محقّقُ الشّافِعِيَّةِ "الرَّمليُّ) هذا غيرُ ما نقَلَهُ في "شرح الوهبانيَّةَ"(٢)
عن "الرّافعيّ (٣) عن "الماورديِّ(٤): ((مِن جوازِ القضاءِ على العَدُوِّ لا الشَّهادةِ عليه؛ لظُهورِ أسبابِ
الحُكمِ وخفاءِ أسبابِ الشَّهادةِ)) اهـ. وهو وجيةٌ، ولذا قَّدَ "ابنُ وهبانَ" صحَّةَ القضاء بما إذا كان
بشهادةِ العُدولِ بِمَحضرٍ مِن الّاسِ كما مرَّ(٥)؛ لتنتفيَ التَّهَمَةُ بمعاينةِ أسبابِ الحُكمِ.
ويظهَرُ لي أنَّه ينبغي أنْ يَصِحَّ الحُكمُ عندَنا في هذه الصُّورةِ حتّى على القولِ بَعَدَمٍ قُبُولٍ
شهادةِ العَدُوِّ، فتأمَّلْ.
[٢٥٩٦٢] (قولُهُ: ومِن خَطِّهِ نقَلتُ) الجارُّ والمجرورُ مُتعلقٌ بقولِهِ: ((نقَلتُ)). وقولُهُ: ((أَنَّه
لو قضَى إلخ)) مفعولُ ((نقَلتُ))، أو بدلٌ مِن الضَّميرِ المجرورِ في قولِهِ: ((وبه أفتى))، وجملةُ
((ومِن خَطِّهِ نقَلتُ)) مُعترِضٌ، أو هي خبرٌ مُقَدٌَّ وجملةُ ((أَنَّه لو قضَى إلخ)) مبتدأٌ مُؤخَّرٌ،
واقتصَرَ "ط"(٦) على الأخيرِ.
[٢٥٩٦٣] (قولُهُ: وفي "شرح الوهبائيّة" لـ "الشُّرنبلاليّ" إلخ) أصلُهُ لناظِمها، ونقَلَهُ العلاّمةُ
"عبدُ البَرِّ"(٧) عنه، ونصُّهُ: ((قال - أي: "ابنُ وهبانَ" -: وقد يَتوهَّمُ بعضُ المتفقّهةِ مِن الشُّهودِ أنَّ
مَن خاصمَ شخصاً في حَقٍّ أوٍ ادَّعَى عليه يصيرُ عدُوَّهُ فَيَشهدونَ بينَهما بالعداوةِ وليس كذلك،
وإنَّما تتْبُتُ بنحوِ إلخ)) اهـ.
(١) "فتاوى الرملي": كتاب الشهادات - باب الدعوى والبينات ١٧٣/٤ - ١٧٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الكبرى الفقهية" لابن حجر).
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشهادات - عدم جواز شهادة الرجل على الرجل بينهما عداوة إلخ ٣١٩/١.
(٣) لم نعثر عليها في القسم المطبوع من كتابه "فتح العزيز شرح الوجيز". وتقدمت ترجمة الرافعي ٢٦١/١.
(٤) لم نقف على النّقل في كتابيه: "الأحكام السلطانية" و"الحاوي الكبير". والماورديُّ هو أبو الحسن عليّ بن محمد
(ت ٤٥٠هـ). ("طبقات السبكي" ٢٦٧/٥).
(٥) صـ ٢٦٧ - "در".
(٦) "ط": كتاب القضاء ١٧٥/٣.
(٧) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشهادات - عدم جواز شهادة الرجل على الرجل بينهما عداوة إلخ ٣١٩/١.

الجزء السادس عشر
٢٧١
کتابُ القضاء
نَعَمْ هي تَمنَعُ الشَّهادةَ فيما وقَعَت فيه المخاصمةُ كشهادةٍ وكيل فيما وُكِّلَ فيه،
ووصي، وشريكٍ. (والفاسقُ لا يصلُحُ مُفتياً)؛ لأنَّ الفتوى مِن أمورِ الدِّينِ،
والفاسقُ لا يُقبَلُ قولُهُ في الدِّياناتِ، "ابن مَلَكٍ"،
قلتُ: لكنْ قد عَلِمتَ أنَّ مُختارَ "ابنٍ وهبانَ" أنَّ العَداوَةَ لا تَمنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ إلّ إذا
فسَقَ بها، فعُلِمَ أَنَّها قد تكونُ مُفسِّقةً وقد لا تكونُ، فقولُهُ: ((وإنَّما تثبُتُ إلخ)) [٥/٣ ١٩٦/أ)
يريدُ به العداوةَ المانعةَ، وهي المُفسِّقةُ، ولا يخفَى أنَّ هذه تَمنَعُ القُبُولَ على العَدُوِّ وعلى غيرِهِ،
وسيأتي تمامُ الكلامِ على هذه المسألةِ في الشَّهاداتِ (١) إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
[٢٥٩٦٤] (قولُهُ: ووصيٍّ) أي: فيما أُوصِيَ عليه. وقولُهُ: ((وشريكٍ)) أي: فيما هو مِن
مالِ الشِّرْكةِ، "ط" (٢).
[مطلبٌ: لا يُعتمَدُ على فتوى المفتي الفاسقِ مُطلَقاً]
[٢٥٩٦٥] (قولُهُ: والفاسقُ لا يصلُحُ مُفتياً) أي: لا يُعتمَدُ على فتواهُ، وظاهرُ قولِ "المجمع":
((لا يُستفتَى)) أنّه لا يَحِلُّ استفتاؤهُ، ويُؤَيِّدُهُ قولُ "ابنِ الهمامِ" في "التحرير"(٣): ((الاتفاقُ على
حِلِّ استفتاءٍ(٤) مَن عُرِفَ مِن أهلِ العِلمِ بالاجتهادِ والعَدالةِ، أو رآهُ مُنتصباً والنّاسُ يستفتونَهُ
مُعظِّمينَ لَه، وعلى امتناعِهِ إِنْ ظَنَّ عَدَمَ أحدِهما))، أي: عَدَمَ الاجتهادِ أو العدالةِ كما في
"شرحِهِ"(٥). ولكنَّ اشتراطَ الاجتهادِ مبنيٌّ على اصطلاحِ الأصولّيِّين: أنَّ المفتيَ المجتهدُ، أي:
الذي يُفتي بمذهبِهِ، وأنَّ غيرَهُ ليس بمُفتٍ، بل هو ناقلٌ كما سيأتي(٦)، والّاني هو المرادُ هنا بدليلٍ
ما سيأتي مِن أنَّ اجتهادَهُ شرطُ الأَولَويَّةِ، ولأنَّ المجتهدَ مفقودٌ اليومَ.
(قولُهُ: ولا يخفَى أنَّ هذه تَمنَعُ القُبُولَ على العَدُوِّ وعلى غيرِهِ) لكنَّ مَنْعَ القُبُولِ على عدُوِّهِ بمعنى
عَدَمِ النّفاذِ لو قضَى بها، وعلى غيرِهِ بمعنى أنَّ القاضيَ لا يَحِلُّ له قُبُولُها، ولو قَبِلَها وقضَى بها نفَذَ حُكمُهُ.
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٩٨٠] قوله: ((وعدوِّ إلخ)) وما بعدها.
(٢) "ط": كتاب القضاء ١٧٥/٣.
(٣) "التحرير": المقالة الثالثة - مسألة: الاتفاق على حِلِّ استفتاء مَنْ عُرِفَ من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة إلخ صـ٥٤٩ ..
(٤) في "الأصل": ((استفتائه)).
(٥) "التقرير والتحبير": المقالة الثالثة - مسألةٌ: الاتفاق على حِلِّ استفتاء مَنْ عُرِفَ من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة إلخ ٣٤٥/٣.
(٦) المقولة [٢٥٩٨٢] قوله: ((ولا يُخَيَّرُ إلاَّ إذا كان مجتهداً)).

حاشية ابن عابدين
٢٧٢
قسم المعاملات
زاد "العينيُّ"(١): ((واختارَهُ كثيرٌ مِن المتأخّرِينَ))، وجزَمَ به صاحبُ "المجمع" في "متِهِ"،
وله في "شرحِهِ" عباراتٌ بليغٌ، وهو قولُ الأئمَّةِ الثَّلاثةِ(٢) أيضاً، وظاهرُ ما في "التّحرير":
((أَنّه لا يَحِلُّ استفتَاؤُهُ اتَّفاقاً)) كما بسَطَهُ "المصنّف"(٣)، (وقيل: نَعَمْ) يصلُحُ، وبه جزَمَ
في "الكنز"؛ لأنّه يجتهدُ
والحاصلُ: أَنَّه لا يُعتمَدُ على فتوى المفتي الفاسقِ مُطلقاً.
[٢٥٩٦٦] (قولُهُ: وله في "شرحِهِ" عباراتٌ بليغةٌ) حيثُ قال: ((إِنَّ أَولى ما يُستَنزَلُ به
فيضُ الرَّحِمةِ الإِلهيةِ في تحقيقِ الواقعاتِ الشَّرعيَّةِ طاعةُ اللهِ عزَّ وجلَّ، والنَّمسُّكُ بحبلِ النَّقوى،
قال اللهُ تعالى: ﴿ وَأَنَّقُواْ اللّه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ومَنِ اعتمَدَ على رأيهِ وذِهِنِهِ في
استخراجِ دقائقِ الفقهِ وكنوزِهِ - وهو في المعاصي حقيقٌ بإنزالِ الخِذلانِ - فقد اعتمَدَ على ما لا يُعتمَدُ
عليه ﴿ وَمَنْ أََّجْعَلِ اللَّهُلَهُ نُورًا فَمَا لَهُمِن ◌ُورٍ﴾ [النور: ٤٠])) اهـ.
[٢٥٩٦٧] (قولُهُ: وظاهرُ ما في "التَّحرير") بل هو صريحُهُ كما سَمِعتَ (٤).
[٢٥٩٦٨] (قولُهُ: وبه جزَمَ في "الكنز") حيثُ قال(٥): ((والفاسقُ يصلُحُ مُفتياً،
وقيل: لا))، فجزَمَ بالأوَّلِ ونسَبَ الثّانيَ إلى قائِهِ بصيغةِ التَّمريضِ، فافهمْ.
[٢٥٩٦٩] (قولُهُ: لأَنَّه يجتهدُ إلخ) هذا النَّعليلُ لا يظهَرُ في زمانِنا؛ لأَنَّه قد يُعرِضُ عن
النَّصِّ الضَّروريِّ قصدً لغرضٍ فاسدٍ، وربَّما عُورِضَ بالنَّصِّ فيدَّعي فسادَ النَّصِّ، "ط)" (٦).
(قولُهُ: بل هو صريحُهُ كما سَمِعتَ) يُقالُ: إنَّ قولَهُ: ((وعلى امتناعِهِ إلخ)) يحتمِلُ أنْ يكونَ خبرَ
مبتدأٍ تقديرُهُ: والعملُ على امتناعٍ إلخ، وليس معطُوفاً على قولِهِ: ((على حِلِّ إلخ))، والقرينةُ على هذا
الاحتمالِ ذِكرُ غيرِهِ الخلافَ في هذه المسألةِ، تأمَّلْ.
(١) "رمز الحقائق": كتاب القضاء ٨٣/٢.
(٢) انظر "مواهب الجليل": باب القضاء ٨٧/٦، "نهاية المحتاج": كتاب القضاء ٢٣٨/٨، "المغني": كتاب القضاء - شروط
القاضي ٥٠٢/١٣ - ٥٠٣
(٣) انظر "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٣/أ.
(٤) المقولة [٢٥٩٦٥] قوله: ((والفاسقُ لا يصلُحُ مُفتياً)).
(٥) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء ٨٣/٢.
(٦) "ط": كتاب القضاء ١٧٥/٣.

الجزء السادس عشر
٢٧٣
کتابُ القضاء
حَذارَ نسبةِ الخطأِ، ولا خلافَ في اشتراطِ إسلامِهِ وعقلِهِ، وشرَطَ بعضُهم تيقُظَهُ،
لا حُرَيْتَهُ وذُكورتَهُ(١) ونُطقَهُ،
[٢٥٩٧٠] (قولُهُ: حَذارَ نسبةِ الخطأِ) الأولى أنْ يقولَ: حَذَرَ؛ لِما في "القاموس"(٢):
((وحَذَارِ حَذارٍ، وقد يُنوَّنُ الثّاني، أي: احذَرْ))، "ط"(٣).
[مطلب: يشترط في المفتي أن يكون متيقّظاً يَعلم حِيلَ النَّاس ودسائسَهم]
[٢٥٩٧١] (قولُهُ: وشرَطَ بعضُهم تيقُظَهُ) احترازاً عمَّن غَلَبَ عليه الغَفَلَةُ والسَّهُ.
٣٠١/٤
قلتُ: وهذا شرطٌ لازمٌ في زمانِنا، فإنَّ العادةَ اليومَ أنَّ مَن صار (٤) بيدِهِ فتوى المفتي استطالَ
على خصمِهِ وقهَرَهُ بمجرَّدٍ قولِهِ: أفتاني المفتي بأنَّ الحَقَّ معي، والخصمُ جاهلٌ لا يدري ما في
الفتوى، فلا بدَّ أنْ يكونَ المفتي مُتْيقظاً يَعلَمُ حِيَّلَ النّاسِ ودسائسَهم، فإذا جاءَهُ(٥) السّائلُ يُقرِّرُهُ مِن
لسانِهِ، ولا يقولُ له: إنْ كان كذا فالحَقُّ معك، وإنْ كان كذا فالحَقُّ مع خصمِك؛ لأَنَّه يختارُ
لنفسِهِ ما ينفعُهُ ولا يعجِزُ عن إثباتِهِ بشاهدَي زُورٍ، بلِ الأحسنُ أنْ يجمعَ بينَه وبينَ خصمِهِ، فإذا
ظهَرَ له الحَقُّ مع أحدِهما كَتَبَ الفتوى لصاحبِ الحَقِّ، وليحَتَرِزْ مِن الوكلاءِ في الخصوماتِ، فإنَّ
أحدَهم لا يرضَى إلّ بإثباتِ دعواه لموكِّهِ بأيِّ وجهٍ أمكنَ، ولهم مهارةٌ في الحِيَلِ والتّزويرِ وَقَلْبِ
الكلامِ وتصويرِ الباطلِ بصورةِ الحَقِّ، فإذا أخَذَ الفتوى قهَرَ خصمَهُ ووصَلَ إلى غرَضِهِ الفاسدِ،
فلا يَحِلُّ للمُفتي أنْ يُعِينَهُ على ضلالِهِ، وقد قالوا: مَن جهِلَ بأهلِ زمانِهِ(٦) فهو جاهلٌ، وقد يَسألُ
عن أمرٍ شرعيٍّ وتدُلُّ القرائنُ للمُفتي المتيقّظِ أنَّ مرادَهُ التَّوصُّلُ به إلى غرَضٍ فاسدٍ كما شاهدناهُ كثيراً.
والحاصلُ: أنَّ غفلَةَ المفتي يلزَمُ مِنها ضررٌ عظيمٌ في هذا الزَّمانِ، واللهُ تعالى المستعان.
(٢٥٩٧٢] (قولُهُ: لا حُرِّيَتَهُ إلخ) أي: فهو كالرّاوي، لا كالشّاهدِ والقاضي، ولذا تَصِحُّ
فتواهُ لِمَن لا تُقبَلُ شهادتُهُ له.
(١) في "د" و"و": ((وذكوريته))، وفي "ط": ((وذكوته)) دون راء، وهو خطأ.
(٢) "القاموس": مادة ((حذر)).
(٣) "ط": كتاب القضاء ١٧٥/٣ بتصرف.
(٤) ((صار)) ليست في "الأصل".
(٥) في "م": ((جاهه))، وهو خطأ.
(٦) في "الأصل": ((زماننا)).

حاشية ابن عابدين
٢٧٤
قسم المعاملات
فَيَصِحُّ إفتاءُ الأخرسِ (١) لا قضاؤهُ، (ويُكتَفَى بالإشارةِ مِنه لا مِن القاضي)؛ للُزُومِ صيغةٍ
مخصوصةٍ كـ: حكمتُ وألزمتُ بعدَ دعوى صحيحةٍ، وأمّا الأطرشُ - وهو مَن يسمَعُ
الصَّوتَ القويَّ - فالأصحُّ الصِّحَّةُ، بخلافِ الأصمِّ.
[٢٥٩٧٣) (قولُهُ: فَيَصِحُّ إفتاءُ الأخرسِ) أي: حيثُ فُهِمَت إشارتُهُ، بل يَجُوزُ أَنْ يعمَلَ
بإشارةِ النّطقِ كما في "الهنديَّة"(٢)، وأفادَهُ عمومُ قولِ "المصنّف": ((ويُكتَفَى بالإشارةِ
مِنْه))، "ط"(٣). [٣/ق ١٩٦/ب]
[٢٥٩٧٤) (قولُهُ: فالأصحُّ الصِّحَّةُ) لأَنَّه يُفرِّقُ بينَ المُدَّعي والُدَّعَى عليه، وقيل: لا يَجُوزُ؛
لأَنَّه لا يسمَعُ الإقرارَ، فَيُضِّعُ حُقوقَ النّاسِ بخلافِ الأصمِّ، وهكذا فصَّلَ "شارح الوهبانَّة" (٤)،
وينبغي أنَّ الحُكمَ كذلك في المفتي.
فإن قلتَ: قد يُفرَّقُ بينَهما بأنَّ المفتيَ يقرأُ صورةَ الاستفتاءِ ويكُتُبُ جوابَهُ فلا يحتاجُ
إلى السَّماعِ.
قلتُ: الظّاهرُ مِن كلامِهِم عَدَمُ الاكتفاءِ بهذا في القاضي، مع أنَّه يمكنُ أنْ يُكتَبَ له
جوابُ الخصمينِ، فكذا في المفتي، ويمكنُ الفرقُ بأنَّ القضاءَ لا بدَّ له مِن صيغةٍ مخصوصةٍ بعدَ
دعوى صحيحةٍ، فُيُحتاطُ فيه، بخلافِ الإفتاءِ، فإنَّه إفادةُ الحُكمِ الشَّرعيِّ ولو بالإشارةِ، فلا
يُشترَطُ فِيه السَّماعُ. اهـ "منح"(٥) مُلخَّصاً.
قلتُ: لا شكَّ أنَّه إذا كُتِبَ له وأجابَ عنه جازَ العملُ بفتواهُ، وأمّا إذا كان منصوباً
للفتوى يأتيهِ عامَّةُ النّاسِ ويسألونَهُ مِن نساءٍ وأعرابٍ وغيرِهم فلا بدَّ أنْ يكونَ صحيحَ السَّمعِ،
(١) في "ط": ((لأخرس)).
(٢) "الفتاوى الهندية": كتاب أدب القاضي - الباب الأول في تفسير معنى الأدب والقضاء إلخ ٣٠٩/٣.
(٣) "ط": كتاب القضاء ١٧٦/٣.
(٤) في "م": ((الوهانية)) دون الباء، وهو خطأ، انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب أدب القاضي - مسألة جواز تولية
الطُّرْش ٢٨٩/١.
(٥) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٢/ب.

الجزء السادس عشر
٢٧٥
كتابُ القضاء
(ويفتي القاضي) ولو في مجلس القضاءِ، وهو الصَّحيحُ(١) (مَن لم يُخاصِمْ إليه)،
"ظهيريَّةٌ"، وسيتْضِحُ .
لأَنَّه لا يُمكنُ كلَّ سائلٍ أنْ يكُتُبَ له سؤالَهُ، وقد يحضُرُ إليه الخصمانِ ويتكلّمُ أحدُهما بما
يكونُ فيه الحَقُّ عليه لا له، والمفتي لم يسمَعْ ذلك مِنه فُيُفتيهِ على ما سَمِعَ مِن بعضِ كلامِهِ
فُيُضِعُ حَقَّ خصمِهِ، وهذا قد شاهدتُهُ كثيراً، فلا ينبغي التّردُّدُ في أَنَّه لا يصلُحُ أنْ يكونَ مُفتياً
عاماً ينتظِرُ القاضي جوابَهُ ليحكُمَ به، فإنَّ ضررَ مثلِ هذا أعظمُ مِن نفعِهِ، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
[مطلب: هل يفتي القاضي؟]
[٢٥٩٧٥) (قولُهُ: ويفتي القاضي إلخ) في "الظَّهيريَّة"(٢): ((ولا بأسَ للقاضي أنْ يُفتَيَ مَن
لم يُخاصِمْ إليه، ولا يُفتي أحدَ الخصمينِ فيما خُوصِمَ إليه)) اهـ "بحر"(٣). وفي "الخلاصة"(٤):
((القاضي هل يُفتي؟ فيه أقاويلُ، والصَّحيحُ أَنَّه لا بأسَ به في مجلسِ القضاءِ وغيرِهِ في
الدِّياناتِ والمعاملاتِ)) اهـ. ويُمكِنُ حَمْلُهُ على مَن لم يُخاصِمْ إليه فيوافِقُ ما في "الظَّهِيرِيَّة"،
ومِن ثَمَّ عوَّلنا عليه في هذا المختصر، "منح"(٥). وقد جَمَعَ "الشّارعُ" بينَ العبارتينِ بهذا
الحَمْلِ. وفي "كافي الحاكم": ((وأكرَهُ للقاضي أنْ يُفتَيَ في القضاءِ للخصومِ كراهةَ أنْ يعلَمَ
خصمُهُ قولَهُ، فيتحرَّزَ مِنه بالباطلِ)) اهـ.
[٢٥٩٧٦) (قولُهُ: وسيتَّضِحُ) لعلَّهُ أرادَ به مسألةَ النَّسويةِ(٦)، تأمَّلْ.
(قولُهُ: وقد جَمَعَ "الشّارعُ" بينَ العبارتينِ إلخ) أي: "المصنّفُ" في شرحِهِ لا شارحُ "الدُّرّ"، فإنّه
لم يتعرَّضْ لِما في "الخلاصة"، ولا لحملِهِ على مَن لم يُخاصِمْ إليه.
(١) في "و"زيادة: (("درر")) بعد قوله: ((وهو الصحيح))، ولم نقف على المسألة في "الدرر" والتصحيح الموجود في
الشرح هو لـ"الخلاصة".
(٢) "الظهيرية": كتاب الدعوى والبينات - الفصل السادس فيما ينبغي للقاضي أن يعمل في تقلد القضاء إلخ ق٣١٧/ب.
(٣) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٧/٦.
(٤) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الثاني في أدب القضاة والحكام - الجنس الأول في المقدمة ق١٩٥/ب.
(٥) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق ٥٣/أ.
(٦) انظر مسألة التسوية في ٣٤٣ - وما بعدها "در".
؟

حاشية ابن عابدين
٢٧٦
قسم المعاملات
(ويأخُذُ) القاضي كالمفتي (بقولِ "أبي حنيفةً" على الإطلاقِ، ثُمَّ بقولِ "أبي يوسفَ، ثُمَّ
بقولِ "محمَّدٍ"، ثمَّ بقولِ "زُفَرَ" و"الحسنِ بنِ زيادٍ")، وهو الأصحُّ، "منية" و"سراحيَّةِ"(١)،
وعبارة "النّهر": ((ثم بقولِ "الحسنِ"))، فتبَّه. وصحَّحَ في "الحاوي" اعتبارَ قوَّةِ الْمُدرَكِ،
مطلبٌ: يُفتَى بقولِ "الإمامِ" على الإطلاق
[مطلب: الفتوى على قول "أبي يوسف" فيما يتعلق بالقضاء]
[٢٥٩٧٧] (قولُهُ: على الإطلاقِ) أي: سواءٌ كان معه أحدُ أصحابهِ أو انفرَدَ، لكنْ
سيأتي قبيلَ الفصلِ (٢) أنَّ الفتوى على قولِ "أبي يوسفَ" فيما يتعلَّقُ بالقضاء؛ لزيادةِ تجربتِهِ.
[٢٥٩٧٨] (قولُهُ: وهو الأصحُّ) مُقابلُهُ ما يأتي(٣) عن "الحاوي" وما في "جامع الفصولين"(٤).
((مِن أَنَّه لو معه أحدُ صاحبيهِ أخَذَ بقولِهِ، وإنْ خالفاهُ قيل: كذلك، وقيل: يُخيّرُ إلّ فيما كان
الاختلافُ بحسَبِ تغُّرِ الزَّمانِ كالحُكمِ بظاهرِ العَدالةِ، وفيما أجمَعَ المتأخّرُونَ عليه كالمزارعةِ
والمعاملةِ فيختارُ قولَهما)).
[٢٥٩٧٩] (قولُهُ: وعبارةُ "النَّهر" إلخ) أي: لإفادةِ أنَّ رتبةَ "الحسنِ" بعدَ "زُفَرَ"، بخلافٍ عبارةٍ
"المصنّف" ، فإنَّ عطفَهُ بالواوِ يُفيدُ أَنَّهما في رتبةٍ واحدةٍ، وعبارةُ "المصنّف" هي المشهورةُ في الكتبِ.
[٢٥٩٨٠] (قولُهُ: وصحَّحَ في "الحاوي") أي: "الحاوي القدسيّ"(٥)، وهذا فيما إذا خالَفَ
"الصّاحبان" "الإِمامَ". والمرادُ بـ ((قوَّةِ المُدرَكِ)) قوَّةُ الدَّليلِ، أُطلِقَ عليه المُدرَكُ لأَنَّه مَحلُّ إدراكِ
الحُكمِ؛ لأنَّ الحُكمَ يُؤْخَذُ مِنْه.
(قولُهُ: لكنْ سيأتي قبيلَ الفصلِ إلخ) لا حاجةً لهذا الاستدراكِ، فإنَّ كلامَ "المصنّف" مُقَّدٌ بما إذا
لم يُوجَدْ ترجيحٌ لخلافِ هذا التّرتيبِ كما يأتي.
(١) "الفتاوى السراجية": كتاب أدب المفتي والتنبيه على الجواب ٤٨١/٢ (هامش "فتاوى قاضي خان").
(٢) صـ٣٤٩ - "در".
(٣) في هذه الصحيفة "در".
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يتصل به من عزل قاضٍ أو وصيّ إلخ ١٢/١ باختصار.
(٥) "الحاوي القدسي": فصل إذا اختلفت الروايات ق٢١٣/ب.

الجزء السادس عشر
٢٧٧
كتابُ القضاء
والأوَّلُ أَضْبَطُ، "نهر"(١). (ولا يُخَيَّرُ إلاّ إذا كان(٢) مجتهداً)،
[٢٥٩٨١] (قولُهُ: والأوَّلُ أَضَبَطُ) لأنَّ ما في "الحاوي"(٣) خاصٌّ فيمَن له اطِّلاٌ على
الكتابِ والسُّةِ، وصار له ملَكَةُ النّظرِ في الأدلةِ واستنباطِ الأحكامِ مِنها، وذلك هو المجتهدُ
المطلَقُ أو المقيَّدُ(٤)، بخلافِ الأوَّلِ، فإنَّه يمكنُ لِمَن هو دونَ ذلك.
[٢٥٩٨٢] (قولُهُ: ولا يُخيَّرُ إلّ إذا كان مجتهداً) أي: لا يَجُوزُ له مُخالَفةُ التَّرتيبِ
المذكورِ إلّ إذا كان له ملَكَةٌ يَقتدِرُ بها على الاطّلاعِ على قوَّةِ المُدرَكِ، وبهذا رجَعَ القولُ
الأوَّلُ إلى ما في "الحاوي": ((مِن أنَّ العِبرةَ في المفتي المجتهدِ لقوَّةِ الْمُدرَكِ))، نَعَمْ فيه زيادةُ
تفصيلٍ سكَتَ عنه "الحاوي"، فقد اتَّفَقَ القولانِ على أنَّ الأصحَّ هو أنَّ المجتهدَ في المذهبِ
مِن المشايخِ الذين هم أصحابُ الَّرجيحِ لا يلزَمُهُ الأَخْذُ بقولِ "الإمامِ" على الإطلاقِ، بل
عليه النّظرُ في الدَّليلِ، وترجيحُ ما رجَحَ عندَه دليلُهُ، ونحن نَتِبِعُ ما رجَّحوهُ واعتمدوه كما لو
أفْتَوا في حياتِهم كما حقَّقَهُ "الشّارحُ" في أوَّلِ الكتابِ(٥) نقلاً عن العلاّمةِ [٥/٣ ١٩٧ /أ] "قاسمٍ"،
ويأتي (٦) قريباً عن "الملتقط "(٧): ((أَنَّه إنْ لم يكنْ مجتهداً فعليه تقليدُهم واتّباعُ رأيهم، فإذا
٣٠٢/٤ قضَى بخلافِهِ لا ينفُذُ حُكمُهُ)). وفي "فتاوى ابنِ الشِّلْبِيِّ": ((لا يُعدَلُ عن قولِ "الإمامِ" إلّ إذا
صرَّحَ أحدٌ مِن المشايخِ بأنَّ الفتوى على قولِ غيرِهِ)).
(قولُهُ: وبهذا رجَعَ القولُ الأَوَّلُ إلى ما في "الحاوي": مِن أنَّ العِبرةَ إلخ) فيه تأمُّلٌ، وذلك أنَّ كلامَهُ
في خُصوصِ ما إذا كان "الإِمامُ" في جانبٍ و"صاحباهُ" في جانبٍ كما ذكَرَهُ عنه، ونقَلَهُ أيضاً "ط"، وكلامُ
"المصنّف" أعمُّ مِن ذلك، وعبارةُ "ط": ((قال في "البحر"، وصحَّحَ في "الحاوي القدسيّ": أنَّ "الإمامَ" إذا
كان في جانبٍ وهما في جانبٍ أنَّ الاعتبارَ لقوَّةِ المُدرَكِ)) اهـ.
(١) "النهر": کتاب القضاء ق٤٢٧ /ب باختصار.
(٢) في "د" و"و": ((ولا يُخَيَّرُ إذا لم يكن مجتهداً)) ..
(٣) في "ك": (("الحاوي القدسي")).
(٤) انظر مقدمة "طبقات الفقهاء" المنسوبة لطاش كبرى زاده صـ٧ - وما بعدها، ومقدمة "الدر المختار" ٢٥١/١ وما بعدها.
(٥) ٢٤١/١ وما بعدها "در".
(٦) صـ ٢٨٠ - "در".
(٧) "الملتقط": كتاب أدب القاضي - مطلب إذا أشكل الأمر على القاضي إلخ صـ٣٦٧ -.

حاشية ابن عابدين
٢٧٨
قسم المعاملات
بلِ المقلِّدُ متى خالَفَ مُعتمَدَ مذهبهِ لا ينفُذُ حُكمُهُ ويُنقَضُ، هو (١) المختارُ للفتوى
كما بسَطَهُ "المصنّف" في "فتاويه"(٢) وغيرُهُ، وقدَّمناهُ(٣) أوَّلَ(٤) الكتابِ، وسيجيءُ.
وفي "القُهِستانيِّ" (٥) وغيرِهِ: ((اعلَمْ أنَّ في(٦) كُلِّ موضعٍ قالوا: الرّأيُّ فيه للقاضي
وُ
وبهذا سقَطَ ما بَحَنَّهُ في "البحر "(٧): ((مِن أنَّ علينا الإفتاءَ بقولِ "الإِمامِ" وإن أفتى المشايخ
بخلافِهِ))، وقد اعترَضَهُ مُحشِّيهِ "الخيرُ الرَّمليُّ" بما معناه: ((أنَّ المفتيَ حقيقةً هو المجتهدُ، وأمّا غيرُهُ
فناقلٌ لقولِ المجتهدِ، فكيف يَجِبُ علينا الإفتاءُ بقولِ "الإمامِ" وإنْ أفتى المشايخُ بخلافِهِ ونحن
إنّما نحكي فتواهم لا غيرَ؟)) اهـ. وتمامُ أبحاثِ هذه المسألةِ حرَّرناهُ في منظومتنا في "رسم المفتي"
وفي "شرحِها"(٨)، وقدَّمنا بعضَهُ في أوَّلِ الكتابِ (٩)، واللهُ الهادي إلى الصَّوَابِ، فافهمُ.
(٢٥٩٨٣) (قولُهُ: مُعتمَدَ مذهبِهِ) أي: الذي اعتمَدَهُ مشايخُ المذهبِ، سواءٌ وافَقَ قولَ
"الإِمامِ" أو خالَفَهُ كما قرَّرناه(١٠) آنفاً.
[٢٥٩٨٤) (قولُهُ: وسيجيءُ) أي: بعدَ أسطُرٍ(١١) عن "الملتقط"، وكذا في الفصلِ الآتي(١٢)
عندَ قولِهِ: ((قضَى في مجتهدٍ فیه)).
[٢٥٩٨٥) (قولُ: اعلمْ أنَّ في كلِّ موضعٍ قالوا: الرّأيُ فيه للقاضي إلخ) أقولُ: قد عَدَّ في "الأشباه"(١٣)
(١) في "د": ((وهو)).
(٢) "فتاوى المصنف": فصل من كتاب القضاء ق ٥٦/أ.
(٣) ٢٤٧/١ "در".
(٤) في "و": ((في أول)).
(٥) "جامع الرموز": كتاب القضاء ٢٢٣/٢، نقلاً عن "الواقعات الحسامية".
(٦) ((في)) ليست في "د" و"و".
(٧) "البحر": كتاب القضاء ٢٩٣/٦.
(٨) انظر "عقود رسم المفتي": ٢٦/١ (ضمن مجموع "رسائل ابن عابدين").
(٩) المقولة [٤٦٨] قوله: ((والأصحُّ كما في "السراجيَّة")) وما بعدها.
(١٠) في المقولة السابقة.
(١١) صـ ٢٨٠ - "در".
(١٢) صـ ٤٦٤- وما بعدها "در".
(١٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ ٢٧٢ -.