النص المفهرس

صفحات 241-260

الجزء السادس عشر
٢٣٩
كتابُ الحوالة
ولو باعَ يُجَبَرُ على الأداءِ)). (ولا يَصِحُّ تأجيلُ عَقْدِها) فلو قال: ضَمِنتُ بما لَكَ على
فُلان على أنْ أُحيلَكَ به على فُلانٍ إلى شهرِ انصرَفَ التّأجيلُ إلى الدَّينِ؛
[٢٥٩٠٤) (قولُهُ: ولو باعَ يُجَبَرُ على الأداءِ) لتحقُّقِ الوُجوبِ، "درر"(١).
[٢٥٩٠٥] (قولُهُ: على أنْ أُحيلَكَ به على فُلانٍ) فإنْ أحالَهُ وَقَبِلَ جازَ، وإنْ لم يَقبَلْ بَرِئَ
الكفيلُ عن الضَّمانِ، وإنْ لم يَقبَلْ فُلانٌ فالكفيلُ على ضمانِهِ، وإنْ ماتَ فُلانٌ لم يُطالَبْ بِالمالِ
حتّى يَمضِيَ شهرٌ، هذا حاصلُ ما في "البحر"(٢) عن "المحيط". ووجهُ قولِهِ: ((لم يُطالَبْ
إلخ)) أنّه بموتِ فُلانٍ لم تبقَ الحوالةُ ممكنةً، وقد رَضِيَ الطّالبُ بتأخيرِ المطالَبةِ إلى شهرٍ، فَبَقِيَ
الأجلُ للكفيلِ فلا يُطالَبُ قبلَهُ، وكذا يُقالُ فيما إذا لم يَقبَلْ فُلانٌّ، هذا ما ظهَرَ لي.
[٢٥٩٠٦] (قولُهُ: انصرَفَ التّأجيلُ إلى الدَّينِ إلخ) أي: فلا يُطالَبُ فُلانٌ إلّ بعدَ الشَّهرِ، ولو
انصرَفَ التّأجيلُ إلى العقدِ يصيرُ المعنى: على أنْ أُحيلَكَ حوالةً مُقِيَّدةً بشهرٍ، وذلك لا يَصِحُّ؛
لأَنَّه يُنافِي انتقالَ الدَّينِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، تأمَّلْ.
مطلبٌ في تأجيلِ الحوالةِ
(تنبيةٌ)
قال في "الفتح"(٣): ((تنقَسِمُ الحوالةُ المطلَقَةُ إلى حالَّةٍ ومُؤخَّةٍ، فالحالّةُ: أنْ يُحيلَ الطّالبَ بألفٍ
(قولُهُ: وإنْ لم يَقبَلْ) أي: المكفُولُ له.
(قولُهُ: وإنْ لم يَقبَلْ فُلانٌ فالكفيلُ على ضمانِهِ إلخ) وجهُ عَدَمٍ بُطلانِ الكفالةِ بموتٍ فُلانٍ أو عَدَمِ
قَبُولِهِ الحوالةَ أنَّ الشَّرطَ قَبُولُ الشَّرطِ مِن الطّالبِ لا تحقَّقُهُ خارجاً كما إذا طلّقَها على مالٍ يُشترَطُ قَبُولُهَا
له لا تحقَّقُهُ خارجاً، تأمَّلْ.
(قولُهُ: يصيرُ المعنى: على أنْ أُحيلَكَ حوالةً مُقَّدةً بشهرٍ، وذلك لا يَصِحُّ إلخ) فيه: أَنَّه ليس
الكلامُ في تقييدِ الحوالةِ بمدَّةٍ، بل في تأجيلِها، فالأنسَبُ أنْ يقولَ: حوالةً بعدَ شهرٍ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الحوالة ٣١٠/٢.
(٢) "البحر": كتاب الحوالة ٢٧٦/٦.
(٣) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٥٥/٦.

حاشية ابن عابدين
٢٤٠
قسم المعاملات
لأَنَّه لا يَصِحُّ تأجيلُ عَقْدِ الحوالةِ، "بحر "(١) عن "المحيط ". (وكُرِهَتِ السُّفْتَحَةُ) بِضَمِّ
السِّينِ - وتُفتحُ - وفتحِ التّاءِ،
هي على المُحيلِ حالَّةٌ، فتكونُ على المحتالِ عليه حالَّةً؛ لأنَّ الحوالةَ لتحويلِ الدَّينِ فيتحوَّلُ بصفتِهِ
التي على الأصيلِ. والمؤجَّةُ: أنْ تكونَ الألفُ إلى سنةٍ، فأحالَ بها إلى سنةٍ، ولو أبهَمَها(٢)
لم يذكُرْهُ "محمَّدٌ" ، وقالوا: ينبغي أنْ تُبُتَ مُؤْجَّةً كما في الكفالةِ، فلو ماتَ الْمُحيلُ بَقِيَ الأجلُ،
لا لو ماتَ الُحالُ عليه؛ لاستغنائهِ عن الأجلِ بموتِهِ، فإنْ لم يَتْرُكْ وفاءً رجَعَ الطّالبُ على المُحِيلِ
إلى أجلِهِ؛ لأنَّ الأجلَ سقَطَ حُكماً للحوالةِ وقد انتقَضَتْ بالنَّوَى فينتقِضُ ما فِي ضِمِنِها، كما لو
باعَ المديونُ بدَيْنٍ مُؤخَّلٍ عبداً مِن الطّالبِ، ثُمَّ استُحِقَّ العبدُ عادَ الأجلُ)) اهـ مُلخَّصاً. وقدَّمنا(٣)
قريباً عن "البزّازيَّة": ((لو قَبلَها إلى الحصادِ لا يُجَبَرُ على الإعطاءِ قبلَهُ))، فأفادَ صحَّةَ التّأجيلِ مع
الجهالةِ القريبةِ. وقدَّمنا(٤) التَّصريحَ به في كتابِ الكفالةِ. وشَمِلَ التّأجيلُ القَرْضَ فَيَصِحُّ هنا، ففي
"كافي الحاكم" ما حاصلُهُ: ((لو كان لزيدٍ على عمرٍو ألفٌ قَرْضٌ، ولعمرٍو على بكرِ ألفٌ قَرْضٌ
فأحالَ عمرٌو زيدً بالألفِ على بكرٍ إلى سنةٍ جازَ، وليس لعمرٍو أنْ يأخُذَ بكراً بها، وإنْ أَبرأَهُ
مِنها أو وهَبَها له لم يَجُزْ)) اهـ.
مطلبٌ في السُّفْتَجَةِ وهي البوليصةُ
[٢٥٩٠٧] (قولُهُ: وكُرِهَتِ السُّفْتَجَةُ) واحدةُ السَّفاتِجِ، فارسيٌّ مُعرَّبٌ، أصلُهُ: سُفْتَه،
وهو الشَّيُ المحُكَمُ، سُمِّيَ هذا القَرْضُ به لإحكامِ أمرِهِ كما في "الفتح"(٥) وغيرِهِ.
[٢٥٩٠٨] (قولُهُ: بضَمِّ السِّينِ) أي: وسكونِ الغاءِ كما في "ط)" (٦) عن "الوانيّ".
(١) "البحر": كتاب الحوالة ٢٧٦/٦.
(٢) في "ك" و"م": ((أبهمهما)).
(٣) المقولة [٢٥٩٠٣] قوله: ((ولكنْ لا يُجَبَرُ على البَيعِ)).
(٤) المقولة [٢٥٥٢٩] قوله: ((ولا تَصِحُّ إِنْ عُلّقتْ بغيرِ مُلائمٍ إلخ)).
(٥) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٥٥/٦.
(٦) "ط": كتاب الحوالة ١٧١/٣.

الجزء السادس عشر
٢٤١
کتابُ الحوالة
وهي: إقراضٌ لسُقوطِ خطَرِ الطَّريقِ، فكأنَّه أحالَ الخطَرَ المتوقَّعَ على المُستقرِضِ
فكان في معنى الحوالةِ، وقالوا: إذا لم تكنِ المنفعةُ مشروطةً ولا مُتعارَفةً
فلا بأسَ.
[٢٥٩٠٩] (قولُهُ: وهي: إقراضٌ إلخ) وصورتُها: أنْ يدفَعَ إلى تاجرٍ مالاً قَرْضاً ليدفَعَهُ
إلى صديقِهِ، وإنَّما يدفَعُهُ قَرْضاً لا أمانةً ليستفيدَ به سُقوطَ خطَرِ الطَّريقِ، وقيل: هي أنْ
يُقرِضَ إنساناً لَيَقضِيَّهُ الْمُستقرِضُ في بلدٍ يريدُهُ المقرِضُ؛ ليستفيدَ به سُقوطَ خَطَرِ الطَّريقِ،
"کفایة"(١).
[٢٥٩١٠] (قولُهُ: فكأنَّه أحالَ إلخ) بيانٌ لمناسبةِ المسألةِ بكتابِ الحوالةِ. اهـ "ح"(٢). وفي
"نظم الكنز" لـ "ابن الفصيح":
وَهْيَ إحالةٌ على التَّحقيقِ
وكُرِهَتْ سَفاتِجُ الطَّريقِ
قال شارحُهُ "المقدِسيُّ": ((لأَنَّه [٣/ ١٩٢/) يُحيلُ صديقَهُ عليه، أو مَن يكتبُ إليه)).
[٢٥٩١١] (قولُهُ: وقالوا إلخ) قال في "النَّهر"(٣): ((وإطلاقُ "المصنّف" يُفيدُ إناطَةَ(٤)
الكراهةِ بحرِّ النَّفعِ، سواءٌ كان ذلك مشروطاً أوْ لا، قال "الزَّيلعيُّ))(٥): وقيل: إذا لم تكن
المنفعةُ مشروطةً فلا بأسَ به اهـ. وجَزَمَ بهذا القِيْلِ في "الصُّغْرى" و"الواقعاتِ الْحُسامِيَّة" وفي
"الكفاية" لـ "البيهقيِّ"(٦)، وعلى ذلك جَرَى فِي صَرْفِ "البزّازِيَّة"(٧))) اهـ.
٢٩٥/٤
(١) "الكفاية": كتاب الحوالة ٣٥٥/٦ (ذيل "فتح القدير").
(٢) "ح": كتاب الحوالة ق٣٠٧/أ.
(٣) "النهر": كتاب الحوالة ق٤٢٥ /ب.
(٤) قوله: ((إناطة)) صوابُهُ: نَوْط؛ لأنَّ فعلَه ثلاثيٌّ من باب ((قال)) كما في "المصباح". اهـ مصحِّحا "ب" و"م".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الحوالة ١٧٥/٤.
(٦) عبارة مخطوطة "النهر" التي بين أيدينا: ((وفي الكفالة لـ "الشهيد"))، وهو تحريف، وتقدمت ترجمة "كفاية البيهقي" ١١٧/٦.
(٧) "البزازية": كتاب الصرف ٥/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٢٤٢
قسم المعاملات
وظاهرُ "الفتح " اعتمادُهُ أيضاً حيثُ قال(١): ((وفي "الفتاوى الصُّغْرى" وغيرِها: إنْ كان
السُّفْتَجُ مشروطً في القَرْضِ فهو حرامٌ، والقَرْضُ بهذا الشَّرطِ فاسدٌ وإلّ جازَ، وصورةُ الشَّرطِ
كما في "الواقعات": رجلٌ أَقَرَضَ رجلاً مالاً على أنْ يكُتُبَ له بها إلى بلدٍ كذا فإنَّه لا يَجُوزُ،
وإنْ أقرَضَهُ بلا شرطٍ وكَتَبَ جازَ، وكذا لو قال: اكتُب لي سُفْتَجَةً إلى موضعٍ كذا على أنْ
أُعطِيَكَ هنا فلا خيرَ فيه، وروي عن "ابن عبّاس" رضي الله عنه ذلك(٢). ألا ترَى أَنَّه لو قضاهُ
(١) "الفتح": كتاب الحوالة ٣٥٦/٦.
(٢) روى حَفصُ بن غياثٍ وهُشيمٌ عن حَجّاجِ بنِ أَرْطاةَ عن عطاء بن أبي رباحٍ أنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبير كان يأخُذُ من
قومٍ بمكّةَ دراهمَ، ثُمَّ يكتُبُ بها إلى مصعب بن الزُّبير بالعراق فيأخُذُونَها منه، فسئل ابنُ عبّاسٍ عن ذلك فلم يَرَ به
بأساً، فقيل له: إنْ أَخَذوا أفضلَ من دراهمهم؟ قال: ((لا بأسَ إذا أَخَذُوا بوَزْنِ دراهِمهم)). أخرجه ابنُ أبي شيبةً
في "المصنّف" ١١٩/٥، والبيهقيُّ ٣٥٢/٥.
والحَجّاجُ: صدوقٌ، مُدلِّسٌ، ضعَّفَه بعضُهم.
وروى حَفصُ بن غياثٍ وعيسى بنُ يونُسَ عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ مَوهَب عن حَفاصِ بنِ الْمُعتمِر
عن أبيه أنَّ عليّاً قال: ((لا بأسَ أنْ يُعطِيَ المالَ بالمدينةِ، ويأخُذَ بإفريقيَّةَ)).
قال البيهقيُّ: فإنْ صحَّ ذلك عنه [أي: عن عليّ]، وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما فإنَّما أرادا - والله أعلم -
إذا كان ذلك بغير شرطٍ، والله أعلم اهـ.
وروى حَفصُ بن غياثٍ عن حَجّاجٍ بن أَرْطاةً عن أبي مِسكينٍ وخارجةَ عمَّن حدَّثه عن الحسن بن علي
((أَنّه كان يأخُذُ المالَ بالحجازِ وَيُعطيه بالعراقِ، أو بالعراقِ وَيُعطيه بالحجازِ)).
وروى وكيعٌ وابن عُلَيَّةً عن ابنِ عَونٍ عن محمَّد بن سِيرِينَ قال: ((لا بأسَ بالسُّفْتَحَةِ))، ولفظُ إسماعيلَ:
((أنّه كان لا يَرى بأساً أنْ يدفَعَ الدَّراهمَ بالبصرة، ويأخُذَها بالكوفة)).
وروى شُعبةُ عن الحكمٍ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ قال: لا بأسَ بالسُّفْتَحَة. وكان ميمونُ بنُ أبي شَبِيبٍ يكرَهُها.
أخرج كلَّ ذلك ابنُ أبي شَيبةَ ١١٨/٥ - ١١٩.
وروى حُميدُ بنُ عبد الرَّحمن الرؤاسيُّ عن دينارِ قال: سألتُ الحسنَ: أُعطي الصَّرَّافَ الدِّرهمَ بالبصرة، وآخُذُ
السُّفْتَجَةِ، وَآخُذُ مثلَ دراهمي بالكوفة؟ فقال: ((إنَّمَا يُفْعَلُ ذلك من أجلِ اللُّصوصِ، لا خيرَ في قَرْضٍ جَرَّ منفعةً)).
أخرجه ابنُ أبي شَيبةَ ١٢٠/٥. وروى وكيعٌ وجعفرُ بنُ عَونٍ عن أبي عُميسٍ عن يزيدَ بَنِ جُعْدُبة عن
عُبِيدٍ بن السَّق عن زينب التَّقفيةِ امرأةٍ عبدِ الله أنَّ النّبِيَّ : ﴿ أعطاها جُذَاذَ خمسينَ وَسْقاً تمراً بخيبر وعشرينَ وَسْقاً شعيراً،
قالت: فجاءني عاصمُ بن عَدِيّ في إمارة عمرَ رضي الله عنه، فقال لي: هل لك أنْ أُوتِيَكِ ماَلَك بخيبر هاهنا
بالمدينة فأقبضَه مِنك بكَيلِه بخيبر؟ فقالت: لا حتّى أسألَ عن ذلك، قلت: فذكرتُ ذلك لعمرَ بنِ الخطاب فقال:
((لا تفعلي، فكيف لك بالضَّمان فیما بین ذلك)).
=

الجزء السادس عشر
٢٤٣
کتابُ الحوالة
(فرعٌ) في "النّهرِ"(١)
أحسنَ مِمّا عليه لا يُكرَهُ إذا لم يكنْ مشروطاً، قالوا: إنَّما يَحِلُّ ذلك عندَ عَدَمِ الشَّرطِ إذا
لم يكنْ فيه عُرْفٌ ظاهرٌ، فإنْ كان يُعرَفُ أنَّ ذلك يُفعلُ كذلك فلا)) اهـ.
[٢٥٩١٢] (قولُهُ: فرعٌ إلخ) ذكَرَهُ استطراداً. نَعَمْ ذَكَرَ في "البحر"(٢) و"النّهر)"(٣) عن
"البزّازِيَّة"(٤) ما له مُناسبةٌ هنا، وحاصلُهُ: أنَّ الْمُستقرِضَ لو قضَى أَجْوَدَ مِمّا استقرَضَ يَحِلُّ
بلا شرطٍ، ولو قضَى أَزْيَدَ فيه تفصيلٌ إلخ.
وقدَّمنا (*) في فصلِ القَرْضِ عن "الخانيّة": ((أنَّ الزِّيادةَ إذا كانت تجري بينَ الوزنَينِ - أي: بأنْ
كانت تظهَرُ في ميزانِ دونَ ميزانٍ - جازَ كالدّائِقِ في المائةِ بخلافٍ قَدْرِ درهمٍ، وإنْ لم تَحْرِ:
=
أخرجه البيهقيُّ في "الكبرى" ٣٥٢/٥.
ثم قال البيهقيُّ: وروي فيه حديثٌ مرفوعٌ، وهو ضعيفٌ بمرَّةٍ، فلم أَذكُرْه لضَعْفُه.
ويزيدُ بنُ جُعْدُبَة: قال البخاريُّ وغيرُه: مُنكَرُ الحديث، ورماه مالكٌ بالكَذِب، وقال النَّسائيُّ: متروكٌ.
وقد كَرِهَ ابنُ عباسٍ وغيرُهُ كلَّ قَرْضٍ جَرَّ منفعةً للمُقْرِض.
فروى الأوزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ أَنَّه قال في رجلٍ كان له على رجلٍ
عشرونَ درهماً، فجعَلَ يُهدي إليه، وجعَلَ كلَّما أهدى إليه هديَّةً باعها، حَتّى بَلَغَ ثمنُها ثلاثةَ عشرَ درهماً، فقال
ابنُ عَّاسٍ: ((لا تأخُذْ مِنه إلّ سبعةَ دراهمَ)).
وروى شُعبة عن عمّارِ الدُّهنيِّ عن سالمٍ بن أبي الجَعْد قال: كان لنا جارٌ سَمّاكٌ، عليه لرجلٍ خمسونَ
درهماً، فكان يُهدي إليه السَّمَكَ، فَأَتَّى ابنَ عبّاسٍ فسأله عن ذلك فقال: ((قاصِّهِ بما أَهدَى إليك)). أخرجهما
البيهقيُّ في "الكبرى" ٣٤٩/٥ - ٣٥٠.
وروى حَجّاجُ بنُ أرطاةَ عن عطاءٍ قال: ((كانوا يكرهون كلَّ قَرْضِ جَرَّ منفعةً)).
وكَرِهَه ◌ُبيُّ بِنُ كعبٍ وابنُ مسعودٍ وفَضالةُ بنُ عُبيدٍ وإِبراهيمُ النَّخَعِيُّ والحسن البصريُّ وابنُ سِيرينَ.
أخرج ذلك ابن أبي شيبةَ في "المصنف" ٨٠/٥، والبيهقيُّ ٣٤٩/٥ - ٣٥٠.
وروي مرفوعاً من وجوهٍ ضعيفةٍ.
(١) "النهر": كتاب الحوالة ق٤٢٥/ب.
(٢) انظر "البحر": كتاب الحوالة ٢٧٦/٦.
(٣) انظر "النهر": كتاب الحوالة ق ٤٢٥ /ب.
(٤) انظر "البزازية": كتاب الصرف ٤/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) المقولة [٢٤٢٩٤] قوله: ((وقيلَ: لا)).

حاشية ابن عابدين
٢٤٤
قسم المعاملات
و"البحر"(١) عن صَرْفِ "البزّازِيَّةِ"(٢): ((ولو أنَّ المُستقرِضَ وهَبَ مِنه الزّائدَ لم يَجُزْ؛
لأَنّه مُشاعٌ يَحتمِلُ القِسمةَ)). (ولو توكَّلَ الْمُحيلُ(٣) عن (٤) المحتالِ بِقَبْضِ دَيْنِ الحوالةِ
لم يَصِحَّ). ولو شرَطَ المحتالُ الضَّمانَ على الْمُحيلِ صحَّ ويُطالِبُ آيًَّ شاءَ؛ لأنَّ الحوالةَ
بشرطِ عَدَمٍ براءةِ الْمُحيلِ كفالةٌ، "خانِيَّةً"(٥)،
فإنْ لم يعلَمْ صاحبُها بها تُرَدُّ عليه، وإنْ عَلِمَ وأعطاها اختياراً: فلو كانت الدَّراهمُ لا يضُرُّها
التَّبعيضُ لا تَجُوزُ؛ لأَنَّها هبةُ الْمُشاعِ فيما يَحتمِلُ القِسمةَ، ولو يضُرُّها جازَ، وتكونُ هبةً
المُشاعِ فيما يُقْسَمُ)) اهـ. وعليه فلو قضاهُ مثلَ قَرْضِهِ ثُمَّ زادَهُ درهماً مفروزاً أو أكثرَ جازَ إنْ
لم يكنْ مشروطاً، وقدَّمنا هناك(٦) عن "خُواهَر زاده": ((أَنَّ المنفعةَ في القَرْضِ إذا كانت غيرَ
مشروطةٍ تَجُوزُ بلا خلافٍ)).
[٢٥٩١٣) (قولُهُ: لم يَصِحَّ) لكونِ الْمُحيلِ يعملُ لنفسِهِ ليستفيدَ الإِبراءَ المؤبَّدَ، "بحر "(٧) عند
قولهِ(٨): ((هي نقلُ الدَّينِ))، "ط) (٩). وإذا لم تَصِحَّ لا يُحِبّرُ(١٠) المُحالُ عليه على الدَّفِعِ إليه.
[٢٥٩١٤] (قولُهُ: لأنَّ الحوالةَ إلخ) كما أنَّ الكفالةَ بشرطِ براءةِ الأصيلِ حوالةٌ كما في
"الهداية"(١١) و"الملتقى" (١٢).
(١) "البحر": كتاب الحوالة ٢٧٦/٦.
(٢) "البزازية": كتاب الصرف ٤/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "ط": ((ُحيل)).
(٤) في "و" و"ط": ((على)).
(٥) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل الحوالة ٧٨/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٢٤٣٠٥] قوله: ((يجوزُ، ويُكرَهُ)).
(٧) "البحر": كتاب الحوالة ٢٦٨/٦.
(٨) أي: عند قول صاحب "الكنز".
(٩) "ط": كتاب الحوالة ١٧٢/٣.
(١٠) في "ك": ((لا يبرأ))، وهو تحريف.
(١١) في "م": ((الهدية))، وهو خطأ، وانظر "الهداية": كتاب الكفالة ٩٠/٣.
(١٢) "ملتقى الأبحر": كتاب الكفالة ٥٩/٢.

الجزء السادس عشر
٢٤٥
کتابُ الحوالة
وفيها (١) عن "الثّاني": ((لو غابَ المُحالُ عليه، ثمَّ جاءَ الُحالُ وادَّعَى جُحودَهُ المالَ
لم يُصدَّقْ وإِنْ بَرِهَنَ؛ لأنَّ المشهودَ عليه غائبٌ، فلو حاضراً وجحَدَ الحوالةَ ولا بَيِّنةَ
كان القولُ له، وجُعِلَ جُحودُهُ فَسْخاً)).
(فرعٌ)
الأبُ أو الوصيُّ إذا احتالَ بمالِ اليتيمٍ فإنْ كان خيراً لليتيمٍ بأنْ كان الثّاني
أملاً صحَّ، "سراجيَّة"(٢)، وإلّ لم يَحُزْ كما في مُضاربةِ "الجوهرة"(٣).
[٢٥٩١٥] (قولُهُ: ولا بيِّنَةَ) أي: وحلَفَ الجاحدُ، "ط "(٤).
[٢٥٩١٦] (قولُهُ: وجُعِلَ حُحودُهُ فَسْخاً) هي مسألةُ تَواءٍ (٥) الدِّينِ السّابقةُ (٦) في "المستنِ"،
ومرّ(٧) أنَّ الرُّجوعَ إنّما هو لأنَّ براءةَ الْمُحيلِ مشروطةٌ بسلامةِ حَقِّ الْمُحالِ، "ط)"(٨).
[٢٥٩١٧] (قولُهُ: وإلّ لم يَحُزْ) لأنَّ تصرُّفَهما مُقَّدٌ بشرطِ النَّظرِ، قال في "كافي الحاكم":
((ومِنه ما لو احتالَ إلى أجلٍ، وكذا الوكيلُ إذا لم يُفُوِّضْ إليه الموكّلُ ذلك)) اهـ.
قال في "البحر"(٩) عن "المحيط": ((لكونِهِ إبراءً مُؤْقّاً فُيُعتبرُ بالإِبراءِ المؤَّدِ، وهذا إذا كان
دَيْناً وَرِتَهُ الصَّغِيرُ، وإنْ وجَبَ بِعَقْدِهما جازَ التّأجيلُ عندَهما خلافاً لـ "أبي يوسف")) اهـ.
(١) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل الحوالة ٧٨/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتاوى السراجية": كتاب الحوالة ٣٣١/٢ (هامش "فتاوى قاضي خان")، مقتصراً على ذكر ((الوصيّ))
دون ((الأب)).
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب المضاربة ٣٥٨/١.
(٤) "ط": كتاب الحوالة ١٧٢/٣.
(٥) في "٢" و"م": ((تَوَى)).
(٦) صـ٢٢٣ - وما بعدها "در".
(٧) المقولة [٢٥٨٥٨] قوله: ((لأنَّ براءتَهُ)).
(٨) "ط": كتاب الحوالة ١٧٢/٣.
(٩) "البحر": كتاب الحوالة ٢٧٥/٦.

حاشية ابن عابدين
٢٤٦
قسم المعاملات
قلتُ: ومُفادُهما(١) عَدَمُ الجوازِ لو تساويا أو تقاربا، وبه جزَمَ في "الخانَيَّة"(٢)،
والوجهُ له؛ لأنَّه حينئذٍ اشتغالٌ بما لا يُفيدُ، والعُقودُ إنَّما شُرِعَت للفائدةِ(٣).
[٢٥٩١٨] (قولُهُ: قلتُ: ومُفادُهما) أي: مُفادُ ما في "السِّراحيَّة" وما في "الجوهرة"،
وهذا أحدُ قولينِ حكاهما "المصنّف"(٤) عن "الذَّخيرة"، ثمَّ رجَّحَ ما في "الخانَيَّة" بما ذكَرَهُ
"الشّارعُ"، واللهُ تعالى أعلمُ.
(١) في "و": ((ومفاده)).
(٢) "الخانية": كتاب البيوع - باب في بيع غير المالك - فصلٌ في بيع الوصيّ وشرائه ٢٨٩/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "و" زيادة: ((انتهى. والله أعلم)).
(٤) "المنح": كتاب الحوالة ٢/ق ٥٢/أ.

الجزء السادس عشر
٢٤٧
کتابُ القضاء
﴿كتابُ القضاء﴾
لَمّا كان أكثرُ المنازعاتِ تقَعُ في الدُّيونِ والبِياعاتِ أعقَبَها بما يقطَعُها.
بسم الله الرَّحمنِ الرَّحیمِ
﴿كتابُ القضاء﴾
ترجَمَ له في "الهداية"(١) بـ: ((أدبِ القاضي))، والأدبُ: الخِصالُ الحميدةُ، فذكَرَ ما ينبغي
للقاضي أنْ يفعلَهُ ويكونَ عليه. وهو في الأصلِ مِن الأَذْبِ بسكونِ الدّالِ، وهو الجَمْعُ والدُّعاءُ،
وهو أنْ تجمَعَ النّاسَ وتدعُوَهم إلى طعامِكَ، يُقالُ: أَدَبَ يَأْدِبُ كضَرَبَ يَضْرِبُ [١٩٢٥/٣/ب] إذا
دعا إلى طعامِهِ، سُمِيَت بهِ الخِصالُ الحميدةُ لأَنَّها تدعو إلى الخيرِ، وتمامُهُ في "الفتح"(٢) .
[٢٥٩١٩) (قولُهُ: لَمّا كان إلخ) كذا (٣) في "العناية (٤) و"الفتح"(٥)، وهو صريحٌ في أنَّ المرادَ
بالقضاءِ الحُكمُ، وحينئذٍ فكان ينبغي إيرادُهُ عَقِبَ الدَّعوى، وأيضاً كان ينبغي بياُ وجهِ الّأخيرِ
عمّا قبلَهُ، كذا قيل، ويمكنُ أنْ يُقالَ: أرادوا بيانَ مَن يصلُحُ للقضاءِ - أي: الحُكمِ - لَصِحَّ الدَّعوى
عندَهُ فلا جَرَمَ أَنْ ذُكِرَ قبلَها، ولا خفاءَ أنَّ وجهَ الّخيرِ عمّا قبلَهُ مُستفادٌ مِن أنَّ أكثرَ الُنازعاتِ في
الدُّيونِ، والحوالةُ المطلقةُ مُختصَّةٌ بها، فذُكِرَ بعدَها، "نهر "(٦) .
﴿كتابُ القضاء﴾
(قولُهُ: والحوالةُ المطلقةُ إلخ) أي: ما ينصَرِفُ لها اللَّغظُ عندَ الإطلاقِ، الأعمُّ مِن المطلَقَةِ والمقيّدةِ، والقصدُ
الاحترازُ عن الحوالةِ بمعنى الوكالةِ، فَإِنَّها غيرُ مُختصَّةٍ بالدُّيونِ بخلافِ المقَّدةِ، فإنَّها مُختصَّةٌ بها كالمطلَقَةِ.
(١) "الهداية": ١٠١/٣.
(٢) انظر "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٦/٦.
(٣) في "م": ((كذ))، وهو خطأ.
(٤) "العناية": كتاب أدب القاضي ٣٥٧/٦ (هامش "فتح القدير").
(٥) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٦/٦.
(٦) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٦/أ.

حاشية ابن عابدين
٢٤٨
قسم المعاملات
(هو) بالمدِّ والقَصْرِ(١) لغةً: الحُكمُ، وشرعاً: (فصلُ الخُصوماتِ وقطعُ المنازعاتِ) وقيل
غيرُ ذلك كما بُسِطَ في المطوَّلاتِ.
[٢٥٩٢٠) (قولُهُ: لغةً: الحُكمُ) وأصلُهُ: قضائيٌ؛ لأَنَّه مِن قضَيتُ، إلّ أنَّ الياءَ لَمّا جاءت بعدَ
الألفِ هُمِزَت، والجمعُ: الأقضيةُ ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأَإِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: حَكَمَ، وقد
يكونُ بمعنى الفراغ، تقولُ: قضَيتُ حاجتي، وضربَهَ فقضَى عليه، أي: قَتَلَهُ و﴿قَضَى تَحْبَهُ ﴾
[الأحزاب: ٢٣] ماتَ، وبمعنى الأداء والإنهاءِ، ومِنه قولُهُ تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾
[الحجر: ٦٦] وبمعنى الصُّنْعِ والتَّقديرِ، ومِنه قولُهُ تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [ فصلت: ١٢]، ومِنه
القضاءُ والقَدَرُ، "بحر "(٢) مُلخَّصاً عن "الصَّحاح"(٣).
[٢٥٩٢١) (قولُهُ: وشرعاً: فصلُ الْخُصوماتِ إلخ) عزاهُ في "البحر"(٤) إلى "المحيط"،
ولا بدَّ أنْ يُزادَ فيه: ((على وجهٍ خاصٍّ))، وإلّ دخَلَ فيه نحوُ الصُّلحِ بينَ الخصمينِ.
[مطلب في تعريف القضاء]
[٢٥٩٢٢] (قولُهُ: وقيل غيرُ ذلك) مِنه قولُ العلاّمةِ "قاسمٍ"(٥): ((إِنَّه إنشاءُ إلزامٍ في
مسائلِ الاجتهادِ المتقاربةِ فيما يقَعُ فيه النّزاعُ لَمَصالِحِ الدُّنيا، فخرَجَ القضاءُ على
خلافِ الإجماعِ، وما ليس بحادثةٍ، وما كان مِن العباداتٍ)).
(قولُهُ: فقضَى عليه، أي: قَلَهُ و﴿قَضَى نَحْبَهُ ﴾ ماتَ) كَأَنَّ فَرَغَ مِنه، "بحر".
(قولُهُ: إنشاءُ إلزامٍ في مسائلِ الاجتهادِ المتقاربةِ) عبارةُ "البحر" وغيرِهِ: ((المتقاربٍ))(٦).
(١) في "د" و"و": ((ويقصر)).
(٢) "البحر": كتاب القضاء ٢٧٦/٦ - ٢٧٧.
(٣) "الصحاح": مادة ((قضي)).
(٤) "البحر": كتاب القضاء ٢٧٧/٦.
(٥) لعله في رسالته في قضاء القاضي، وليست بين أيدينا.
(٦) عبارة مطبوعة "البحر" التي بين أيدينا: ((المتقاربة)).

الجزء السادس عشر
٢٤٩
کتابُ القضاء
وأركانُهُ ستَّةٌ.
مطلب في قولهم: القضاءُ مُظهِرٌ لا مُثبت(١)
ومِنه قولُ العلاّمةِ "ابنِ الغَرْسِ": ((إنّه الإلزامُ - في الظّاهِرِ - على صيغةٍ مختصَّةٍ بأمرٍ
ظُنَّ لُومُهُ في الواقعِ شرعاً))، قال: ((فالمرادُ بالإِلزامِ التَّقريرُ التّامُّ . و((في الظّاهِرِ)) فصلٌ
احترَزَ به عن الإلزامِ في نفسِ الأمرِ؛ لأنَّه راجعٌ إلى خطابِ اللهِ تعالى. و((على صيغةٍ
٢٩٦/٤ مُختصَّةٍ)) أي: الشَّرعيَّةِ كألزَمتُ، وقضَيتُ، وحكَمتُ، وأنفَذتُ عليك القضاءَ. و((بأمرِ
ظُنَّ لُومُهُ إلخ)) فصلٌ عن الجَورِ والتّشهِّي. ومعنى ((في الظّاهرِ)) أي: الصُّورةِ الظّاهرةِ،
إشارةً إلى أنَّ القضاءَ مُظهِرٌ في النَّحقيقِ للأمرِ الشَّرعيِّ لا مُثبِتٌ، خلافاً لِما يُتوهَّمُ مِن أَنَّه
مُثبِتٌ، أخذاً مِن قولِ الإِمامِ بنُفوذِهِ ظاهراً وباطناً في العُقودِ والفُسوخِ بشهادةِ الزُّورِ؛ لأنَّ
الأمرَ الشَّرعيَّ في مثلِهِ ثابتٌ تقديراً، والقضاءُ يُقَرِّرُهُ في الظّاهرِ، ولم يُثِتْ أمراً لم يكنْ؛
لأنَّ الشَّرعَ قد يعتبرُ المعدومَ موجوداً والموجودَ معدوماً، كوُجودِ الدُّخولِ حُكماً في إلحاقِ
نسَبٍ وَلَدِ الْمَشرِقِيَّةِ بالمغرِبِيِّ، فأجرَى الممكنَ مُحرَى الواقعِ؛ لئلاّ يهلِكَ الولدُ بانتفاءِ نسِهِ
مع وُجودِ العقدِ الْمُفضي إلى تُبُوتِهِ)) اهـ مُلخَّصاً، وتمامُهُ في رسالتِهِ.
[٢٥٩٢٣) (قولُهُ: وأركانُهُ ستّةٌ إلخ) فيه نظرّ؛ لأنَّ المرادَ بالقضاءِ الحُكمُ كما مرَّ(٢)، والحُكمُ
(قولُهُ: إِنَّهِ الإِلزامُ - في الظّهرِ - على صيغةٍ إلخ) عبارةُ غيرِهِ: ((على صفةٍ إلخ)) بدونٍ ياءٍ. وقولُهُ:
((الَّقريرُ الّامُّ)) أي: سواءً كان إلجاءً إلى فعلٍ، أو تركٍ، أو إظهارٍ ثُبُوتٍ كما في "الحمَويّ" وغيرِهِ.
(قولُهُ: وعلى صيغةٍ مُختصَّةٍ إلخ) عبارةُ "النَّهر ": ((وقولُهُ: على صفةٍ فصلٌ عن مُطلَّقِ الإلزامِ؛ إذ
المعتَبَرُ هنا الإلزامُ بالصِّيغةِ الشَّرعيَّةِ إلخ)).
(قولُهُ: فيه نظرِّ؛ لأنَّ المرادَ بالقضاءِ الحُكمُ كما مرَّ إلخ) القضاءُ المعرَّفُ الذي قيل له: حُكمٌّ فيما
مرَّ ما توفّرَ فيه الأركانُ السِّتُّ، والحُكمُ المعدودُ أَنَّ رُكنٌ بمعنى اللَّفظِ، فلم يلزَمْ في كلامِ "الشّارعِ" أنْ
يكونَ الشَّيُ رُكناً لنفسِهِ، تأمَّلْ.
(١) هذا المطلب من "الأصل"، وليس في باقي النسخ.
(٢) صـ ٢٤٨- "در".

حاشية ابن عابدين
٢٥٠
قسم المعاملات
على ما نظَمَهُ "ابنُ الغَرْسِ" بقولِهِ: [الكامل]
أطرافُ كلِّ قضِيَّةٍ حُكمِيَّةٍ
...
أحدُ السِّنَّةِ المذكورةِ، فيلزَمُ أنْ يكونَ رُكناً لنفسِهِ، فالمناسبُ ما في "البحر"(١): ((مِن أنَّ
رُكَنَهُ ما يدُلُّ عليه مِن قول أو فعلٍ))، ويأتي بيانُهُ(٢).
[٢٥٩٢٤) (قولُهُ: على ما نظَمَهُ) أي: مِن بحرِ الكاملِ، ونصفُ البيتِ الثّاني الحاءُ مِن
((محكومٌ))، "ط"(٣).
[مطلبٌّ: ترجمةُ ابنِ الغَرْس]
[٢٥٩٢٥] (قولُهُ: "ابنُ الغَرْسِ") بالغَينِ المعجمةِ، هو العلاّمةُ "أبو اليُسرِ بدرُ الدَّينِ محمَّدٌ"
الشَّهِيرُ بـ "ابنِ الغَرْسِ"، له شرحٌ على البيتَينِ المذكورَينِ، وهو الرِّسالةُ المشهورةُ المسمّاةُ "الفواكه
البدريَّة في البحث عن أطراف القضايا الحُكمِّيَّة"، وله الشَّرحُ المشهورُ على "شرحِ العقائدِ
النَّسْفَيَّةِ" لـ "النَّفتازانيِّ".
[٢٥٩٢٦) (قولُهُ: أطرافُ كلِّ قضيّةٍ حُكمِّيَّةٍ) الأطرافُ جمعُ طَرَفٍ بِالنَّحْرِيكِ، وَطَرَفُ
الشَّيءٍ مُنتهاهُ. و(قضيّة)) أصلُهُ: قَضَوِيَّة بياءِ النسبةِ إلى القضاءِ، حُذِفَت مِنه الواوُ بعدَ قلبها ألفاً.
و((حُكمِيَّةٍ)) صفةٌ مُخصِّصةٌ؛ لأنَّ القضاءَ يُطلَقُ على (١/١٩٣٥/٣] معانٍ مِنها الحُكمُ كما مرَّ(٤)،
(قولُهُ: وقضيّة أصلُهُ: قضَوِيَّة إلخ) مُقتضى كونِ هذه المادَّةِ ياتَّةً أنَّ أصلَ قضيّة على جعلِ الياءِ
اللّسبةِ: قضائيّة، فحُلِفَت الياءُ الأُولى لاجتماعِ ثلاثةِ أمثالٍ؛ لأنَّ الحرفَ المشدَّدَ بحرفينٍ، ثمَّ حُذِفَت الألف
لالتقاءِ السّاكَنَينِ، ثُمَّ كُسِرَ ما قبلَها لمناسبةِ الياءِ، والمذكورُ في "حاشية الصَّان" مِن القضايا أنّها فعيلة بمعنى
فاعلة، أو مفعولة على الإسنادِ المجازيِّ في الأوَّلِ، ولك اعتبارُ ذلك هنا، فإنَّ الحادثةَ لا بدَّ مِن وُقوعِ قضاءٍ
فيها، فتكونُ مَقْضِيّاً فيها، أو قاضيةً على الإسنادِ المجازيِّ، تأمَّلْ.
(١) "البحر": كتاب القضاء ٢٧٧/٦.
(٢) المقولة [٢٥٩٢٨] قوله: ((حُكمٌ)).
(٣) "ط": كتاب القضاء ١٧٣/٣.
(٤) المقولة [٢٥٩٢٠] قوله: ((لغةً: الحُكمُ)).

٢٥١
کتابُ القضاء
الجزء السادس عشر
ستٌّ يُلُوحُ بِعَدِّها التَّحقيقُ
حُكمٌ
والمرادُ بالقضيّةِ الحادثةُ التي يقَعُ فيها الَّخاصمُ كدعوى بَيْعِ مثلاً، فرُكُها اللَّفظُ الدّالُّ عليها،
ولا تكونُ قضيّةً(١)، أي: منسوبةً إلى القضاءِ والحُكمِ . أي: لا تكونُ محلاًّ لُبُوتِ حَقِّ المُدَّعي
فيها وعَدَمِهِ - إلّ باستجماعِ هذه الشُّروطِ السِّنّةِ التي هي بمنزلةٍ أطرافِ الشَّيءِ المحيطةِ به،
أو أطرافِ الإِنسان، هذا ما ظهَرَ لي، فافهمْ.
[٢٥٩٢٧] (قولُهُ: بِعَدِّها (٢)) بتشديدِ الدّالِ، مصدرُ عَدَّ الشَّيءَ يعُدُّهُ: أحصَى عِدَّةً أفرادِهِ،
و(َيُوحُ)) بمعنى يظهَرُ، و((الَّحقيقُ)) فاعلُهُ.
مطلبٌ في السَّفیدِ
[٢٥٩٢٨] (قولُهُ: حُكُمٌ) تقدَّمَ (٣) تعريفُهُ، وعَلِمتَ أَنَّه قوليٌّ وفعليٌّ، فالقوليُّ مثلُ: ألزمتُ
وقضيتُ مثلاً، وكذا قولُهُ بعدَ إقامةِ البِّنةِ لمعتمدِهِ: أَقِمْهُ واطْلُبِ الذَّهبَ مِنه، وقولُهُ: ثبَتَ عندي
يكفي، وكذا ظهَرَ عندي، أو عَلِمتُ، فهذا كلُّهُ حُكمٌ في المختارِ. زادَ في "الخزانة": ((أو أَشهَدَ
عليه))، وحكى في "الَّمَّةِ"(٤) الخلافَ في ((النُّبُوتِ))، والفتوى على أَنَّه حُكمٌ كما في
"الخانَّةَ" (٥) وغيرِها، وتمامُهُ في "البحر"(٦).
(قولُهُ: زادَ في "الخزانة": أو أَشهَدَ عليه) الذي في "شرح الملتقى" ما نصُّهُ: ((ذَكَرَ "الحَلْوانِيُّ": قولُ
القاضي: ثبَتَ عندي حُكمٌ، وفي "الصُّغرى": أَنَّه حُكمٌ إذا أشهَدَ عليه، وكذا صحَّ عندي، أو ظهَرَ عندي،
أو عَلِمتُ، واختارَ "الأُوْزْ جَنْدِيُّ" أَنَّ لا بدَّ مِن قولِهِ: حَكَمتُ أو ما يجري مَحراهُ، ولا يكونُ قولُهُ: ثَبَتَ
عندي حُكماً)) اهـ. فلعلَّ ما في المحشِّي تحريفٌ.
(١) في "ب": ((قضة)) دون ياء، وهو خطأ.
(٢) ((بعدِّها)) ساقطة من "الأصل".
(٣) المقولة [٢٥٩٢٣] قوله: ((وأركانُهُ ستّةً إلخ)).
(٤) هي "تتمة الفتاوى" لبرهان الدين صاحب "المحيط" (ت٦١٦هـ)، وتقدم الكلام عليها ٣٧٩/١.
(٥) "الخانية": كتاب الدَّعوى والبيّنات - باب الدَّعوى ٣٧٢/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) انظر "البحر": كتاب القضاء ٢٧٧/٦ - ٢٧٨.

حاشية ابن عابدين
٢٥٢
قسم المعاملات
وذكَرَ في "الفواكه البدريّة": ((أَنَّه المذهبُ ولكنَّ عُرْفَ المتشرِّعينَ والموثّقِينَ الآنَ على أنَّه ليس
بُحُكمٍ، ولذا يُقالُ: وَلَمّا ثَبَتَ عندَهُ حَكَمَ، والوجهُ أنْ يُقالَ: إنْ وَقَعَ النُبُوتُ على مُقَدِّماتِ
الحُكمِ كقولِ المسحِّلِ: ثبَتَ عندَهُ جرَيانُ العَينِ في مِلكِ البائعِ إلى حينِ البَيعِ فليس بحُكمٍ إذا
كان المقصودُ مِن الدَّعوى الحُكمَ على البائعِ بِمِلكِ المشتري للعَينِ المبيعةٍ، وإلّ فهو حُكمٌ))،
وتمامُهُ فيها. وفيها أيضاً: ((وأمّا الَّنفيذُ فالأصلُ فيه أنْ يكونَ حُكماً؛ إذ من صِيَغِ القضاءِ قولُهُ:
أَنْفَذتُ عليك القضاءَ، قالوا: وإذا رُفِعَ إليه قضاءُ قاضٍ أَمضاهُ بشروطِهِ، وهذا هو التّفيذُ
الشَّرعيُّ(١)، ومعنى رُفِعَ إليه: حصّلَت عندَهُ فيه خُصومةٌ شرعيَّةٌ، وأمّا التَّنفيذُ المتعارَفُ في
زماننا غالباً فمعناهُ إحاطةُ القاضي الّاني عِلماً بُحُكمِ الأَوَّلِ على وجهِ الَّسليمِ له، ويُسمَّى
اتّصالاً)) اهـ مُلخَّصاً. وسيأتي تمامُ الكلامِ عليه في آخِرِ فصلِ الحبس(٢).
مطلبٌ: أَمْرُ القاضي هل هو حُكمٌ أَوْ لا؟
وأمّا أَمْرُ القاضي فَتَّفقوا على أنَّ أَمْرَهُ بحبسِ المُدَّعَى عليه قضاءٌ بالحَقِّ كأَمْرِهِ بالأَخْذِ مِنه،
وعلى أنَّ أَمْرَهُ بصَرْفِ كذا مِن وقفِ الفقراءِ إلى فقيرٍ مِن قَرابةِ الواقفِ ليس بحُكمٍ، حَتّى لو صرَفَهُ
إلى فقيرٍ آخَرَ صحَّ، واختَلَفُوا في قولِهِ: سلّمِ الدّارَ، وتمامُ الكلامِ عليه في "البحر"(٣) و"النّهر"(٤).
(قولُهُ: والوجهُ أنْ يُقَالَ: إِنْ وقَعَ النُبُوتُ على مُقَدِّماتِ الْحُكمِ إلخ) ومِن ذلك ما ذكَرَهُ "ابنُ الغَرْسِ"(٥)
مِن قولهم: الدَّعوى في العَقارِ لا تَصِحُّ حَتّى يُثبِتَ الْمُدَّعي أنَّ المدَّعى عليه واضعٌ يدَهُ عليه، وهذا النُّبُوتُ ليس
بُحْكمٍ قطعاً، إلى آخِرِ ما ذكَرَهُ مِن الفروعِ المماثلةِ لهذا الفرع، "سنديّ".
(١) في "آ": ((التنفيذ المتعارف الشرعي)) بزيادة ((المتعارف)).
(٢) المقولة [٢٦٢٨٨] قوله: ((لَتَرْكِ ما ذُكِرَ)).
(٣) انظر "البحر": كتاب القضاء ٢٧٨/٦.
(٤) انظر "النهر": كتاب القضاء ق ٤٢٦/أ.
(٥) في مطبوعة "التقريرات": ((الفرس)) بالفاء، وهو خطأ.

الجزء السادس عشر
٢٥٣
کتابُ القضاء
......... ومحكومٌ به، .......
وأطلَقَ "الشّارعُ" في الفروعِ آخِرَ الفصلِ الآتي (١) تُبَعاً لـ "البزّازيّ"(٢): ((أَنَّه حُكمٌ إلّ في
مسألةِ الوقفِ))، وسيأتي(٣) تمامُهُ.
مطلبٌ: الحُكمُ الفعليُّ
وأمّا الحُكمُ الفعليُّ فسيأتي في الفروعِ هناك(٤) أنَّ فعلَ القاضي حُكمٌ إلّ في مسألتينِ،
وحقَّقَ "ابنُ الغَرْسِ" أَنَّه ليس بحُكمٍ، وأطالَ الكلامَ عليه في "البحر"(٥) و"النّهر"(٦)، وسيأتي
توضيحُهُ هناك(٧) إنْ شاءَّ اللهُ تعالى.
[٢٥٩٢٩] (قولُهُ: ومحكومٌ به) وهو أربعةُ أقسامٍ: حَقُّ اللهِ تعالى المحضرُ كحدٌ الزِّنا أو الخمرِ،
وحَقُّ العبدِ المحضُ، وهو ظاهرٌ، وما فيه الحَقّانِ وغَلَّبَ فيه حَقُّ اللهِ تعالى كحدِّ القذفِ أو السَّرقةِ،
أو غَلَبَ فيه حَقُّ العبدِ كالقِصَاصِ والنَّعزيرِ، "ابن الغَرْسِ". وشرطُهُ كونُهُ معلوماً، "بحر "(٨) عن
"البدائع"(٩). وعن هذا فالحُكمُ بالموجَبِ - بفتحِ الجيمِ - لا يكفي ما لم يكنِ الموجَبُ أمراً واحدً
كالحُكمِ بموجَبِ البَيْعِ أو الطَّلاقِ أو العِتاقِ، وهو تُبُوتُ المِلكِ والحرِّيَّةِ وزوالُ العصمةِ، فلو أكثرَ:
فإن استلزَمَ أحدُهما الآخَرَ صحَّ كالحُكمِ على الكفيلِ بالدَّينِ، فإنَّ موجَبَهُ الحُكمُ عليه به وعلى
(قولُهُ: كالحُكمِ على الكفيلِ بالدّينِ إلخ) الأصوبُ ما يأتي في التَّمثيلِ بما إذا ادَّعَى رَبُّ الدِّينِ على
الكفيلِ بدَيْنٍ له على الغائبِ المكفُولِ عنه وطالَبَهُ به فأنكَرَ الدَّينَ، فأثْبَتَهُ وحَكَمَ بموجَبِ ذلك فالموجَبُ
أمرانٍ: لُزومُ الدَّينِ للغائبِ، وَلُزومُ أدائِهِ على الكفيلِ.
(١) صـ ٥٢٣ - "در".
(٢) "البزازية": كتاب أدب القاضي - الفصل الرابع فيما يتعلّق بقضائه ١٥٨/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٢٦٤٤٧] قوله: ((أَمْرُ القاضي حُكمٌ إلخ)).
(٤) صـ ٥١٩ - وما بعدها "در".
(٥) انظر "البحر": كتاب القضاء ٢٧٩/٦.
(٦) انظر "النهر": كتاب القضاء ق٤٢٦/ب.
(٧) المقولة [٢٦٤٤٥] قوله: ((فِعْلُ القاضي حُكمٌ إلخ)).
(٨) "البحر": كتاب القضاء ٢٨١/٦.
(٩) "البدائع": كتاب الدعوى - فصل: وأما الشرائط المصحِّحةُ للدعوى ٢٢٢/٦ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٢٥٤
قسم المعاملات
، ولَهُ، ومَحْ کومٌ علیهِ،.
الأصيلِ الغائبِ، وإلّ فلا، كما لو وقَعَ الَّازِعُ فِي بَيْعِ العَقارِ فحكَمَ شافعيٌّ بموجَبِهِ فإنّه
لا يُثبُتُ بِه مَنْعُ الجارِ عن الشُّفْعَةِ، فللحنفيِّ الحُكمُ بها، وأطالَ في بيانِهِ العلاّمةُ "ابنُ الغَرْسِ"،
٢٩٧/٤ وسيذكرُهُ "الشّارحُ" آخِرَ الفصلِ الآتي (١). لكنَّ هذا في الحقيقةِ راجعٌ إلى اشتراطِ الدَّعوى
في الحُكمِ كما أشارَ إليه في "البحر"(٢)، ويأتي ذِكرُهُ(٣) في الطَّريقِ.
[٢٥٩٣٠] (قولُهُ: وَلَهُ) أي: ومحكومٌ له، وهو الشَّرعُ [١٩٣٥/٣ /ب] كما في حُقوقِهِ المَحْضةِ،
أو التي غلَبَ فيها حَقُّهُ، ولا حاجةَ في ذلك إلى الدَّعوى، بخلافِ ما تمخَّصَ فيها حَقُّ العبدِ
أو غلَبَ، والعبدُ هو المُدَّعي، وعرَّفوهُ بِمَن لا يُحَبَرُ على الخصومةِ إذا ترَكَها، وقيل غيرُ ذلك.
والشَّرطُ فيه بالإجماعِ حَضْرْتُهُ أو حَضْرةُ نائبٍ عنه كوكيلٍ، أو وليٍّ، أو وصيٍّ، فالمحكومُ له
المحجورُ كالغائبِ. اهـ مُلخَّصاً مِن "الفواكه البدريَّة".
[٢٥٩٣١] (قولُ: ومَحْكوٌ عليه) وهو العبدُ دائماً، لكنَّه إمّا مُنْعِيِّنٌ واحداً أو أكثرَ كجماعةٍ
اشْتَرَكوا في قتلٍ فَقُضِيَ عليهم(٤) بالقِصاصِ، أَوْ لا كما في القضاءِ بالحرِّيَّةِ الأصليّةِ، فإنَّه حُكمٌ على
كافّةِ النّاسِ، بخلافِ العارضةِ بالإِعتاقِ فإِنَّه جزئيٌّ. واختَفُوا في الوقفِ، والصَّحيحُ المفتى به أَنَّه
لا يكونُ على الكافَّةِ، فُتُسمَعُ فيه دعوى المِلكِ أو وقفٍ آخَرَ. والمحكومُ عليه في حُقوقِ الشَّرْعِ مَن
(قولُهُ: ولا حاجةَ في ذلك إلى الدَّعوى إلخ) المذكورُ في "السِّديّ": ((أَنَّ ما فيه حَقُّ الشَّرعِ فِمِنه ما لا بدَّ
فيه مِن الدَّعوى كحدِّ القذفِ والسَّرقةِ، ومِنه ما لا يحتاجُ إليها كالاعتدادِ في المنزلِ المضافِ للمُطلَّقةِ سُكنى حالَ
وُجُوب العدَّةِ عليها عندَ إِمكان ذلك)) اهـ.
(١) صـ ٤٢٤- وما بعدها "در".
(٢) "البحر": كتاب القضاء ٢٧٩/٦ - ٢٨٠.
(٣) المقولة [٢٥٩٣٣] قوله: ((وطريقُ)).
(٤) في "الأصل": ((عليه)).

الجزء السادس عشر
٢٥٥
كتابُ القضاء
........ وحاكمٌ، وطريقُ
.
يُسْتَوَفَى مِنْه حَقُّهُ، سواءٌ كان مدَّعَى عليه أوْ لا كما مرَّتِ الإِشارةُ إليه. اهـ مُلخَّصاً مِن
"الفواكه". وسيذكُرُ "المصنّف" آخِرَ الفصلِ الآتي(١) حكايةَ الخلافِ في نفاذِ الحُكمِ على
الغائبِ، ويأتي تحقيقُهُ هناك(٢) إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
[٢٥٩٣٢] (قولُهُ: وحاكمٌ) هو إمّا الإِمامُ، أو القاضي، أو المُحكَّمُ. أمّا الإِمامُ فقال علماؤنا:
حُكُمُ السُّلطانِ العادلِ ينفُذُ(٣)، واخْتَلَفُوا في المرأةِ فيما سوى الحدودِ والقِصاصِ (٤)، وإطلاقُهم
يتناولُ أهلَيَّةً الفاسقِ الجاهلِ(٥)، وفيه بحثٌ. وأمّا المُحكَّمُ فشرطُهُ أهلَّةُ القضاءِ(٦)، ويقضي فيما
سوى الحدودِ والقِصاصٍ(٧)، ثمَّ القاضي تتقيَّدُ وِلايْتُهُ بالزَّمانِ والمكانِ والحوادثِ(٨). اهـ مُلخَّصاً مِن
"الفواكه"، وجميعُ ذلك سيأتي مُفرَّقاً في مواضعِهِ(٩) مع بيانِ بقيَّةِ صفةِ الحاكمِ وشروطِهِ.
[٢٥٩٣٣] (قولُهُ: وطريقٌ) طريقُ القاضي إلى الحُكمِ يَختِلِفُ بحسَبِ اختلافِ المحكومِ به،
والطَّريقُ فيما يرجعُ إلى حُقوقِ العبادِ المحضةِ عبارةٌ عن الدَّعوى والحُجَّةُ، وهي إمّا الِّّنَةُ، أو الإقرارُ،
أو اليمينُ، أو النُّكولُ عنه، أو القَسامةُ، أو عِلمُ القاضي بما يريدُ أنْ يُحِكُمَ به، أو القرائنُ الواضحةُ
(قولُهُ: سواءٌ كان مدَّعَى عليه أوْ لا) فإنَّ بعضَ حُقوقِهِ يُشترَطُ له الدَّعوى فُيُوجَدُ مدَّعَى عليه،
وبعضها لا فلا يُوجَدُ.
(قولُهُ: وهي إمّا البَِّةُ، أو الإقرارُ، أو اليمينُ إلخ) لم يذكُرِ اليمينَ في "الأشباه".
(١) صـ ٤٦٩- وما بعدها "در".
(٢) المقولة [٢٦٣٦١] قوله: ((ولا يُقضَى على غائبٍ)).
(٣) المقولة [٢٦٠٣٣] قوله: ((وإنْ تعَيَّنَ له)).
(٤) المقولة [٢٦٣١٤] قوله: ((وذَكَرَ في "الدُّرر" لِما يَنفُذُ سبعَ صورٍ))، والمقولة [٢٦٥٩٥] قوله: ((يَرَى جوازَهُ)).
(٥) المقولة [٢٦٠٤١] قوله: ((نَفْذَهُ)).
(٦) ص ٥٣٤ - "در".
(٧) صـ ٥٣٧ - وما بعدها "در".
(٨) المقولة [٢٦٤٢٧] قوله: ((ويتخصَّصُ بزمان، ومكان، وخصومةٍ)) و٣٧٢/٤ بولاق.
(٩) انظر الإحالات السابقة.

حاشية ابن عابدين
٢٥٦
قسم المعاملات
التي تُصِيِّرُ الأمرَ في خَيِّزِ المقطوعِ به، فقد قالوا: لو ظهَرَ إنسانٌ مِن دارِ بيدِهِ سكِّينٌ وهو مُتلوّثٌ
بالدَّمِ، سريعُ الحركةِ، عليه أثرُ الخوفِ، فدَخَلُوا الدّارَ على الفَورِ فوَحَدُوا فيها إنساناً مذبوحاً بذلك
الوقتِ ولم يُوجَدْ أحدٌ غيرُ ذلك الخارجِ فإنّه يُؤخَذُ به، وهو ظاهرٌ؛ إذ لا يَمتري أحدٌ في أنَّهَ قاتِلُهُ،
والقولُ بِأَنَّه ذَبَحَهُ آخَرُ ثُمَّ تسَوَّرَ الحائطَ، أو أَنَّه ذبَحَ نفسَهُ احتمالٌ بعيدٌ لا يُلتَفَتُ إليه؛ إذ لم ينشَأُ
عن دليلٍ. اهـ مِن "الفواكه" لـ "ابن الغَرْس"، ثمَّ أطالَ هنا في بيانِ الدَّعوى وتعريفِها وشروطِها إلى
أنْ قال: ((ثُمَّ لا يُشترَطُ في الطَّريقِ إلى الحُكمِ أنْ تكونَ بتمامِها عندَ القاضي الواحدِ، حتّى لو ادَّعى
عندَ نائبِ القاضي وبَرِهَنَ ثُمَّ رُفِعَتِ (١) الحادثةُ إلى القاضي أو بالعكسِ صحَّ، وله أنْ يبنيّ على ما
وقَعَ أوَّلاً ويقضي)) اهـ. وستأتي هذه متناً(٢)، ثمَّ قال في الفصلِ السَّابِعِ: ((وقد اتَّقَ أئمَّةُ الحنفيَّةِ
والشّافعيَّةِ على أَنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ الحُكمِ واعتبارِهِ فِي حُقوقِ العبادِ الدَّعوى الصَّحيحةُ، وأَنَّه لا بدَّ
في ذلك مِن الخصومةِ الشَّرعيَّةِ، وإذا كان القاضي يعلَمُ أنَّ باطنَ الأمرِ ليس كظاهرِهِ، وأَنَّه
لا تخاصمَ ولا تنازعَ في نفسِ الأمرِ بينَ المتداعَينِ ليس له سماعُ هذه الدَّعوى، ولا يُعتبَرُ القضاءُ
المترتّبُ عليها، ولا يَصِحُّ الاحتيالُ لحصولِ القضاءِ بمثلِ ذلك، وأمّا إذا لم يعلَمْ عُذِرَ ونفَذَ قضاؤهُ.
ولَعَمري هذا شيءٌ عَمَّت به البلوى، وبلَغَت شهرةُ اعتبارِهِ الغايةَ القصوى)) اهـ مُلخَّصاً، ونقَلَهُ
"المصنّف" في "المنح"(٣) بتمامِهِ وأقرَّهُ، فراجِعْهُ، وكذا جزَمَ به في فتاواهُ(٤).
(تنبيةٌ)
بَقِيَ طريقُ ثُبُوتِ الحُكمِ، أي: بعدَ وقوعِهِ، وعليه اقتصَرَ في "البحر"(٥) فقال: ((له
وجهان أحدُهما: اعترافُهُ حيثُ كان مولَّى، فلو [٣/ق٢/١٩٤] معزولاً فكواحدٍ مِن الرَّعايا
لا يُقبَلُ قولُهُ إلّ فيما في يدِهِ. الثّاني: الشَّهادةُ على حُكمِهِ بعدَ دعوى صحيحةٍ إنْ لم يكنْ مُنكِراً،
(١) في "الأصل" و"ك" و"ب" و"م": ((وَقَعَت)).
(٢) صـ٤١٣- وما بعدها "در".
(٣) "المنح": كتاب القضاء ٢/ق٥٢/ب.
(٤) "فتاوى المصنف": فصل من كتاب القضاء ق ٥٧/أ.
(٥) "البحر": كتاب القضاء ٢٨١/٦ باختصار.

الجزء السادس عشر
٢٥٧
کتابُ القضاء
(وأهلُهُ أهلُ الشَّهادةِ) أي: أدائها على المسلمينَ، كذا في "الحواشي السَّعَديَّة"(١) ....
أمّا لو شَهِدَا أَنَّه قضَى بكذا، وقال: لم أقضِ لا تُقبَلُ شهادَتُهما خلافاً لـ "محمَّدٍ"، ورجَّحَ في
"جامع الفصولين"(٢) قولَ "محمَّدٍ"؛ لفسادِ قُضاةِ الزَّمانِ)) اهـ. وسيأتي(٣) تمامُ الكلامِ عندَ قولِ
"المصنف": ((ولم يَعْمَلْ بقولِ معزولٍ))، وقد ذكَرَ في "البحر "(٤) فروعاً كثيرةً في أحكامِ القضاءِ
يلزَمُ الوقوفُ عليها.
[٢٥٩٣٤] (قولُهُ: وأهلُهُ(٥) أهلُ الشَّهادةِ) ((أهلُ)) الأوَّلُ خبرٌ مُقَدٌَّ، والّاني مبتدأٌ مُؤخَّرٌ؛ لأنَّ
الجملةَ الخبرِيَّةَ يُحكَمُ فيها بمجهولٍ على معلومٍ، فإذا عُلِمَ ((زيدٌ)) وجُهِلَ قيامُهُ تقولُ: زيدٌ القائمُ،
وإذا عُلِمَ ((قائمٌ (٦))) وجُهِلَ أَنَّه زيدٌ تقولُ: القائمُ زيدٌ، ولذا قالوا: لَمّا كان أوصافُ الشَّهادةِ أشهرَ
عندَ النّاسِ عَرَّفَ أوصافَهُ بأوصافِها. ثُمَّ الصَّميرُ في ((أهلُهُ)) راجعٌ إلى القضاءِ بمعنى مَن يَصِحُّ مِنه،
أوبمعنى مَن تَصِحُّ توليتُهُ كما في "البحر)"(٧).
وحاصلُهُ: أنَّ شروطَ الشَّهادةِ مِن الإِسلامِ، والعقلِ، والبلوغٍ، والحرِيَّةِ، وعَدَمِ العمى، والحدِّ
في قذفٍ شروطٌ لصحَّةٍ توليتِهِ ولصحَّةِ حُكمِهِ بعدَها. ومُقتضاهُ أنَّ تقليدَ الكافرِ لا يَصِحُّ وإِنْ
أُسْلَمَ، قال في "البحر"(٨): ((وفي "الواقعات الحساميّة": الفتوى على أنَّه لا ينعزِلُ بالرِّدَّةِ، فإنَّ الكفرَ
لا يُنافي ابتداءَ القضاءِ في إحدى الرِّوايتينِ، حتّى لو قُلِّدَ الكافرُ ثُمَّ أسلَمَ هل يحتاجُ إلى تقليدٍ آخَرَ؟
٢٩٨/٤ فيه روايتانٍ)) اهـ. قال في "البحر"(٩): ((وبه عُلِمَ أنَّ تقليدَ الكافرِ صحيحٌ وإنْ لم يَصِحَّ قضاؤهُ على
المسلمِ حالَ كفرٍهٍ)) اهـ.
(١) "الحواشي السعدية": كتاب أدب القاضي ٣٥٧/٦ (هامش "فتح القدير").
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يَتَّصل به من عزل قاضٍ أو وصيِّ إلخ ١٩/١.
(٣) صـ٣٢٧ - "در".
(٤) انظر "البحر": كتاب القضاء ٢٨١/٦ وما بعدها.
(٥) في "الأصل" و"ك" و"آ": ((أهله)) دون واو.
(٦) ((قائم)) ساقطة من "ب" و"م".
(٧) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٣/٦.
(٨) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٢/٦.
(٩) "البحر": كتاب القضاء ٢٨٣/٦.

حاشية ابن عابدين
٢٥٨
قسم المعاملات
ويَرِدُ عليه أنَّ الكافرَ يَجُوزُ تقليدُهُ القضاءَ.
وهذا ترجيحٌ لروايةٍ صحَّةِ التَّوليةِ أَخْذَاً مِن كونِ الفتوى على أَنَّه لا ينعزِلُ بالرِّدَّةِ خلافاً لِما مشَى
عليه "المصنّف" في بابِ النَّحكيمِ(١) مِن روايةٍ عَدَمِ الصِّحَّةِ. وفي "الفتح"(٢): ((قُلِّدَ عبدٌ فَعَتَقَ جازَ
قضاؤهُ بتلك الولايةِ بلا حاجةٍ إلى تجديدٍ بخلافٍ توليةٍ صبِيٌّ فأدرَكَ، ولو قُلِّدَ كافرٌ فأسلَمَ قال
"محمَّدٌ): هو على قضائهِ، فصار الكافرُ كالعبدِ، والفرقُ أنَّ كلاّ مِنهما له ولايةٌ وبه مانعٌ، وبالعِنْقِ
والإسلامِ يرتفِعُ، أمّا الصَّبِيُّ فلا ولايةَ له أصلاً، وما في "الفصول(٣): لو قال لصبيِّ أو كافرٍ:
إذا أدرَكتَ فصَلِّ بالنّاسِ أوٍ اقضِ بِينَهم جازَ - لا يُخالِفُ ما ذُكِرَ فِي الصَّبِيِّ؛ لأنَّ هذا تعليقُ
الولايةِ، والمعلَّقُ معدومٌ قبلَ الشَّرطِ، وما تقدَّمَ تنجيزٌ)) اهـ، وبه ظهَرَ أنَّ الأَولى كونُ المرادِ في
مرجِعِ الضَّميرِ مَن يَصِحُّ مِنه القضاءُ، لا مَن تَصِحُّ توليْتُهُ، إلّ أنْ يُرادَ بها الكاملةُ وهي النّافذةُ
الحُكمِ، وأمّا توليةُ الأُطْرُوشِ فسيذكُرُها "الشَّارِحُ(٤).
[٢٥٩٣٥) (قولُهُ: وَيَرِدُ عليه إلخ) أي: على ما في "الحواشي" مِن تقييدِهِ بالمسلمينَ،
فكان عليه إسقاطُهُ ليكونَ المرادُ أداءَها على مَن يُقضَى عليه فيدخُلُ الكافرُ، لكنَّ النَّفسيرَ بالأداءِ
احترازٌ عن التَّحمُّلِ؛ لأَنَّه يَصِحُّ تحمُّلُها حالةَ الكفرِ والرِّقِّ لا أداؤها فُنافي ذلك.
والَّحقيقُ أنْ يُقالَ - كما يُعلَمُ مِمّا قدَّمناهُ(٥) -: إنْ كان المرادُ بمرجِعِ الضَّميرِ مَن تَصِحُّ توليتُهُ
(قولُهُ: وهذا ترجيحٌ لروايةٍ صحَّةِ التَّوليةِ إلخ) ما ذكَرَهُ لا يصلُحُ مُرجِّحاً لروايةِ الصِّحَّةِ، فإنَّه لا يلزمُ
مِن تصحيحِ روايةٍ عَدَمِ عَزْلِهِ بالرِّدَّةِ تصحيحُ روايةٍ صحَّةٍ توليتِهِ؛ إذ يُغتفَرُ في البقاء ما لا يُغتفَرُ في الابتداء.
(قولُهُ: لكنَّ التَّفسيرَ بالأداءِ احترازٌ عن التَّحمُّلِ إلخ) لا يخفَى أَنَّ التّعبيرَ بالأداءِ وإنْ كان احترازاً
عن التَّحمُّلِ ليس فيه مُنافاٌ لكونِ المرادِ أداءَها على مَن يُقضَى عليه، فلا يَتِمُّ ما قالَهُ مِن الاستدراكِ.
(قولُهُ: إنْ كان المرادُ بمرجِعِ الضَّمِيرِ مَن تَصِحُّ توليُهُ إلخ) في التّعبيرِ هنا وفيما سبَقَ مُسامحةٌ، فإنَّ مَن تَصِحُّ
توليتُهُ أو مَن يَصِحُّ مِنه القضاءُ إنَّما هو المرادُ بالأهلِ المضافِ إلى ضميرِ القضاءِ بأحدِ المعنَينِ المذكورَينِ.
(١) صـ ٥٣٥ - "در".
(٢) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٥٧/٦ باختصار.
(٣) انظر "جامع الفصولين": الفصل الأول في القضاء وما يتصل به إلخ ١٥/١ بتصرف.
(٤) ص ٢٧٤ - وما بعدها "در".
(٥) في المقولة السابقة.