النص المفهرس

صفحات 141-160

الجزء السادس عشر
١٣٩
كتاب الكفالة
فليُحفظْ. وفي "القنية"(١): ((طالَبَ الدّائنُ الكفيلَ، فقال له: اصبرْ حتّى يجيءَ الأصيلُ،
فقال: لا تعلُّقَ لي عليه، إنَّما تعلُّقي عليك، هل يبرأُ؟ أجابَ: نَعَمْ، وقيل: لا، وهو
المختارُ)). (وإذا حَلَّ) الدَّينُ المؤجَّلُ (على الكفيلِ بموتِهِ لا يَحِلُّ على الأصيلِ)، .....
[٢٥٦٣٩] (قولُهُ: فليُحفظْ) بل الواجبُ حِفْظُ ما في كتبِ المذهبِ؛ لأنَّ هذا سَبْقُ نظر
فلا يُحفظُ ولا يُلحظُ.
[٢٥٦٤٠] (قولُهُ: وهو المختارُ) لأنَّ النّاسَ لا يريدونَ نفيَ النَّعلُّقِ أصلاً(٢)، وإنَّما يريدونَ
نَفيَ التَّعُقِ الحسِّيِّ، وإِنَّي لا أتعلَّقُ به تعلُّقَ المطالبةِ. اهـ "ح"(٣)، على أنَّ إبراءَ الأصيلِ يتوقّفُ
علی قُبُولِهِ ولم يُوجَدْ.
[٢٥٦٤١) (قولُهُ: وإذا حلَّ الدّينُ المؤجَّلُ إلخ) أفادَ أنَّ الدّينَ يحلُّ بموتِ الكفيلِ، كما صرّح
به في "الغرر"(٤) و"شرح الوهبانية"(٥) عن "المبسوط" (٦)، وعلَّله في "المنح"(٧) عن "الولوالجية"(٨)
((بأنَّ الأجلَ يَسقطُ بموتٍ مَنْ له الأجلُ)).
[٤٢ ٢٥٦] (قولُهُ: لا يَحِلُّ على الأصيلِ) وكذا إذا عجَّلَ الكفيلُ الدَّينَ حالَ حیاتِهِ لا یرجِعُ
على المطلوبِ إلّ عندَ حُلولِ الأجلِ عندَ عُلمائنا الثَّلاثةِ، وهو نظيرُ ما لو كفَلَ بالزُّيُوفِ وأدَّى
الجيادَ، "تتار خانيَّة"(٩).
(قولُهُ: على أنَّ إبراءَ الأصيلِ يتوقّفُ على قَبُولِهِ إلخ) عَلِمتَ أنَّ شرطَ القَبُولِ ليس على ظاهرِهِ، بل
المرادُ أَنَّه يُشترَطُ عَدَمُ الرَّدِّ فيدخُلُ فيه السُّكوتُ.
(١) "القنية": كتاب الكفالة - باب أداء الأصيل إلى الكفيل ق١٥٧/ب بتصرف، نقلاً عن بكر خواهر زاده.
(٢) أي: ((بالبراءة أو الدفع، وإلا لم يكن له طلبٌ على الكفيل)). انظر "ط" ١٥٧/٣.
(٣) "ح": كتاب الكفالة ق ٣٠٥/أ.
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٤/٢.
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الكفالة والحوالة ٢٨٢/١.
(٦) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب بطلان المال عن الكفيل من غير أداء ولا إبراء ٩٨/٢٠.
(٧) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق٤٨/ب.
(٨) "الولوالجية": كتاب الكفالة والحوالة - الفصل الثاني فيما يكون مؤجلاً في حقّ الكفيل وفيما لا يكون إلخ ٣٩٧/٤.
(٩) "التاتر خانية": كتاب الكفالة - الفصل الخامس في الكفالة بالمال ٤/ق ٢٠٥/أ.
'T-

حاشية ابن عابدين
١٤٠
قسم المعاملات
فلو أدّاهُ وارِثُهُ لم يرجعْ لو الكفالةُ بأمرِهِ إلّ إلى أجلِهِ خلافاً لـ "زُفَرَ"، (كما لا يَحِلُّ)
المؤجَّلُ (على الكفيلِ) اتّفاقاً (إذا حَلَّ على الأصيلِ به) أي: بموتِهِ، ولو ماتا خُيِّرَ الطّالبُ،
"درر"(١). (صالَحَ أحدُهما رَبَّ المالِ عن ألفٍ) الدَّينِ (على نصفِهِ) مثلاً (بَرِئا، إلّ) أنَّ
المسألةَ مرَّعَةٌ، فإذا شرَطَ براءتَهما أو براءة الأصيلِ أو سكَتَ بَرِئا، و(إذا شرَطَ براءةً
الکفیلِ وحده)
[٤٣ ٢٥٦] (قولُهُ: خُيَِّ الطّالبُ) أي: في أَخْذِهِ مِن أيِّ التَّرِكَتَينِ شاءَ؛ لأنَّ دَيْنَهُ ثابتٌ
على كلِّ واحدٍ مِنهما كما في حالِ الحياةِ، "درر" (٢).
[٢٥٦٤٤] (قولُهُ: مثلاً) فالنّصفُ غيرُ قیدٍ.
[٢٥٦٤٥) (قولُهُ: بَرِئا) أي: الأصيلُ والكفيلُ؛ لأَنَّه أضافَ الصُّلحَ إلى الألفِ الدَّينِ،
وهو على الأصيلِ، فيبرأُ عن خمسمائةٍ، وبراءُتُهُ تُوجِبُ براءةَ الكفيلِ، "درر"(٣).
[٢٥٦٤٦) (قولُهُ: وإذا شرَطَ براءةً الكفيلِ وحدَه إلخ) ليس المرادُ أنَّ الطّالبَ يأخُذُ البدَلَ
في مُقابلةِ إبراءِ الكفيلِ عنها، وإنَّما المرادُ أنَّ ما أخَذَهُ مِن الكفيلِ محسوبٌ مِن أصلِ دَيْنِهِ،
ويرجِعُ بالباقي على الأصيلِ، "بحر "(٤). ونَبََّ بذلك على الفرقِ بينَ هذه وبينَ المسألةِ التي عَقِبَها
كما يأتي(٥)، ويوضِّحُهُ ما في "الفتح"(٦) عن "المبسوط (٧): ((لو صالَحَهُ على مائة درهمٍ على
أنَّ إبراءَ الكفيلِ خاصَّةً مِن الباقي رجَعَ الكفيلُ على الأصيلِ بمائةٍ، وَرجَعَ الطّالبُ على الأصيلِ
بتسعمائةٍ؛ لأنَّ إبراءَ الكفيلِ يكونُ فَسْخاً للكفالةِ، ولا يكونُ إسقاطً لأصلِ الدَّينِ)) اهـ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٤/٢ بتصرف.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٤/٢.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٣/٢.
(٤) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٨/٦.
(٥) المقولة [٢٥٦٥٤] قوله: ((صالَحَ الكفيلُ الطَّالبَ إلخ)).
(٦) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٩/٦ باختصار.
(٧) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب صلح الكفالة ٥٨/٢٠.

الجزء السادس عشر
١٤١
كتاب الكفالة
كانت فَسْخاً للكفالةِ، لا إسقاطاً لأصلِ الدَّينِ (فيبرأُ هو) وحدَه عن خمسمائةٍ (دونَ
الأصيلِ) فتبقى عليه الألفُ، فيرجعُ عليه الطّالبُ بخمسمائةٍ، والكفيلُ بخمسمائةٍ لو
بأمرِهِ، ولو صالَحَ على جنسٍ آخَرَ رجَعَ بالألفِ
[٢٥٦٤٧) (قولُهُ: كانت فَسْخاً للكفالةِ) هذه عبارةُ "المبسوط" كما عَلِمتَ، أي: أنَّ البراءة
عن باقي الدَّينِ التي تضمّنَها عَقْدُ الصُّلحِ تتضمَّنُ فَسْخَ الكفالةِ؛ لسُقوطِ المطالبةِ عن الكفيلِ بهذا
الشَّرطِ، ولا يسقُطُ بها أصلُ الدَّينِ؛ إذ لو سقَطَ لم يبقَ للطّالبِ على المطلوبِ شيءٌ مع أنّه
يُطالبُ بالنّصفِ الباقي، بخلافِ الصُّورِ الّلاثِ، فإِنَّ مطالبتَهُ سَقَطَتْ عنهما جميعاً.
[٢٥٦٤٨] (قولُهُ: فيبرأُ هو) أي: الكفيلُ وحدَه عن خمسمائةٍ، وهي التي سقَطَتْ بِعَقْدِ
الصُّلحِ، وكذا عن التي دفَعَها بدلاً عن الصُّلحِ، وهو ظاهرٌ؛ لأنَّ الصُّلحَ على بعضِ الدَّينِ
أَخْذٌ لبعضِ حَقِّهِ وإبراءٌ عن الباقي، فحيثُ أَخَذَ الطّالبُ مِن الكفيلِ بعضَ حَقِّهِ وأبرأَهُ عن
باقيهِ فقد سقَطَتِ المطالبةُ عنه أصلاً، وبراءةُ الكفيلِ لا تُوجِبُ براءةً الأصيلِ، فلذا قال:
((دونَ الأصيل))
[٤٩ ٢٥٦] (قولُهُ: والكفيلُ بخمسمائةٍ) أي: ويرجِعُ الكفيلُ على الأصيلِ بخمسمائةٍ،
وهي التي أدّاها للطّالبِ بدَّلَ الصُّلحِ فِي الصُّورِ الأربعِ.
[٢٥٦٥٠) (قولُهُ: لو بأمرِهِ) أي: يرجِعُ بها لو كَفَلَ عنه بأمرِهِ، وإلّ فلا رُجوعَ له.
[٢٥٦٥١) (قولُهُ: على جنسٍ آخَرَ) مفهومُ قولِهِ: ((على نصفِهِ)) اهـ "ح"(١).
[٢٥٦٥٢] (قولُهُ: رجَعَ بالألفِ) لأنَّ الصُّلحَ بجنسٍ آخَرَ مُبادلةٌ فَيَملِكُ الدَّينَ فیرجعُ
يجميعِ الألفِ، "فتح"(٢).
(قولُهُ: أي: أنَّ البراءةَ عن باقي الدَّينِ إلخ) أي: للكفيلِ.
(١) "ح": كتاب الكفالة ق ٣٠٥/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٨/٦.

حاشية ابن عابدين
١٤٢
قسم المعاملات
كما مرَّ. (صالَحَ الكفيلُ الطّالِبَ على شيءٍ لِيُبْرِئَهُ عَنِ الكفالةِ لم يَصِحَّ) الصُّلحُ، (ولا
يَجِبُ المالُ على الكفيلِ) "خانيَّةً"(١).
وكذا يرجِعُ بجميعِ الألفِ لو صالَحَهُ على خمسمائةٍ على أنْ يَهَبَ له الباقي كما في "الفتح"(٢)
أيضاً، ومثلُهُ في الكافي".
[٢٥٦٥٣] (قولُهُ: كما مرَّ) الأَوْلى أنْ يقولَ: لِما مرَّ(٣)، أي: مِن أَنَّه يَملِكُ الدَّينَ بالأداءِ.
[٢٥٦٥٤] (قولُهُ: صالَحَ الكفيلُ الطّالبَ إلخ) في "الهداية"(٤): ((ولو كان صالَحَهُ
عمّا استوجبَ بالكفالةِ لا يبرأُ الأصيلُ؛ لأنَّ هذا إبراءُ الكفيلِ عن المطالبةِ)) اهـ.
ومقتضاهُ صحَّةُ الصُّلحِ ولُزومُ المالِ وسُقوطُ المطالبةِ عن الكفيلِ دونَ الأصيلِ، [٣/ ق١/١٧٨]
وهو خلافُ ما ذكَرَهُ "المصنّف" تَبَعاً لـ "الخانَيَّة"، إلّ أنْ يُحمَلَ على الكفالةِ بالنَّفسِ؛
لِمَا في "الَّتَار خانيَّةً"(٥): ((الكفيلُ بالنَّفْسِ إذا صالَحَ الطّالبَ على خمسمائةِ دينارٍ على أنْ أبْرَأَهُ
(قولُهُ: الأَوْلى أنْ يقولَ: لِما مرَّ إلخ) لعلَّ الأَوْلى أنْ يقولَ: كما مرَّ، أي: مِن أَنَّه إذا أدَّى بغيرِ ما
ضَمِنَ إلخ، فإنَّه يُفيدُ أنَّه إذا أدَّى مِن جنسٍ آخَرَ رجَعَ بما ضَمِنَ.
(قولُهُ: ومقتضاهُ صحَّةُ الصُّلحِ ولُزومُ المالِ إلخ) لا يخفى أنَّ عبارةَ "الهداية " إنَّما تُفيدُ عَدَمَ براءةٍ
الأصيلِ بإبراءِ الكفيلِ الحاصلِ مِن هذا الصُّلحِ، ولا تعرُّضَ فيها لصحَّتِهِ ولُزومِ المالِ، فليست مُخالِفَةً لِما
في "الخانَيَّة"، ولا شكَّ في عَدَمِ صحَّتِهِ وعَدَمِ لُزومِ المالِ في الكفالتينِ كما يُعيدُهُ إطلاقُ عبارَتِي "الخانَيَّة"
و"الهنديَّة"، وما نقَلَهُ عن "النّار خانَّة" لا يُفيدُ التَّفرقةَ بينَ الكفالتينِ، بل غايةُ ما أفادَهُ براءةُ الكفيلِ إذا
كان مع كفالةِ النَّفسِ كفالةُ مالٍ، وعَدَمُ جوازِهِ وعَدَمُ البراءةِ في كفالةِ النَّسِ المجرّدةِ، تأمَّلْ.
(١) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل في تسليم نفس المكفول به ٥٩/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٨/٦.
(٣) ص ١٢٤ - و١٢٧ - "در".
(٤) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٢/٣.
(٥) "التاترخانية": كتاب الكفالة - الفصل العاشر في براءة الكفيل بإبراء أو بغير إبراء إلخ ٤/ق ٢١٤/ب بتصرف.

الجزء السادس عشر
١٤٣
كتاب الكفالة
وهو بإطلاقِهِ يَعُمُّ الكفالةَ بالمالِ والنّفسِ، "بحر"(١). (قال الطّالبُ للكفيلِ: بَرِئتَ إليَّ مِن المالِ)
٢٧٥/٤
مِن الكفالةِ بالنَّفسِ لا يَجُوزُ ولا يبرَأُ عنها، فلو كان كفيلاً بالنَّفْسِ والمالِ على إنسانٍ واحدٍ
بَرِئَ)) اهـ. وفي "الهنديَّة"(٢) عن "الذَّخيرة": ((صالَحَ على مالِ لإسقاطِ الكفالةِ لا يَصِحُّ أَخْذُ المالِ،
وهل تسقُطُ الكفالةُ بِالنَّفْسِ؟ فيه روايتانِ، في روايةٍ تسقُطُ، وبه يفتى)) اهـ. وحينئذٍ فُيُحمَلُ ما
في "الهداية" على الكفالةِ بالمالِ توفيقاً بينَ الكلامَينِ، تأمَّلْ.
ثُمَّ لا يخفى أنَّ الفرقَ بينَ هذه المسألةِ والتي قبلَها في "المتنِ" - وهي الرّابعةُ(٣) - هو أنَّ هذه
في الصُّلحِ عن الكفالةِ، والتي قبلَها في الصُّلِحِ عن المالِ المكفُولِ به، فالمالُ هنا في مُقابلةِ الإِبراءِ
عن الكفالةِ، وهناك في مُقابلةِ الإِبراءِ عن المالِ الباقي كما مرَّ(٤) في عبارةِ "المبسوط". ومِن
العَجَبِ ما في "النّهاية"، حيثُ جعَلَ عبارةَ "المبسوط" المارَّةَ تصويراً لِما ذَكَرَهُ هنا في "الهداية"،
فإِنَّه عكَسَ الموضوعَ؛ لأنَّ كلامَ "المبسوط" مفروضٌ في الصُّلحِ على إبراءِ الكفيلِ فقط عن
المالِ، وهو الصُّورةُ الرّابعةُ المذكورةُ في كلامٍ "المصنّفِ"، وكلامُ "الهدايةِ" في الصّلحِ على إبراءٍ
الكفيلِ عن المطالبةِ، ولم أَرَ مَن نَّهَ على ذلك، مع أنه نَقَله في "البحر "(٥) وغيره، وأُقَرّوه عليه،
نَعَمْ، ربما يُشعِرُ كلامُ "الفتح"(٦) بأنّه لم يرضَ به، فراجعْه.
[٢٥٦٥٥] (قوله: وهو بإطلاقه يَعُمُّ الكفالةَ بالمالِ والنَّفسِ) قد عَلِمْتَ ما فيه.
[٢٥٦٥٦] (قوله: بَرِئْتَ إليَّ) متعلّقٌ بمحذوفٍ حالٍ، أي: حالَ كونِكَ مؤدِّياً إليَّ كما
في "شرح مسكينٍ"(٧)، أي: فهو براءةُ استيفاء لا براءةُ إسقاطٍ.
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٨/٦.
(٢) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلح - الباب الحادي والعشرون في المتفرقات ٢٨٥/٤ بتصرف.
(٣) أي: قوله: ((وإذا شرط براءة الكفيل وحده)).
(٤) المقولة [٢٥٦٤٦] قوله: ((وإذا شرّطَ براءةَ الكفيلِ وحدَه إلخ)).
(٥) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٨/٦.
(٦) أي: المار في المقولة [٢٥٦٥٢] قوله: ((رجَعَ بالألف)).
(٧) "شرح منلا مسكين على الكنز": كتاب الكفالة صـ١٩٢ -.

حاشية ابن عابدين
١٤٤
قسم المعاملات
الذي كفَلْتَ به (رجَعَ) الكفيلُ بالمالِ (على المطلوبِ إذا كانتِ) الكفالةُ (بأمرِهِ) لإقرارِهِ
بالقَبْضِ، ومُفادُهُ: براءةُ المطلوبِ للطّالبِ؛ لإقرارِهِ كالكفيلِ (وفي) قولِهِ: للكفيلِ (بَرِئْتَ)
بلا: ((إليَّ)) (أو: أَبْرَأْتُكَ لا) رُجوعَ، كقولِهِ: أنت في حِلِّ؛ لأَنّه إبراءٌ لا إقرارٌ بالقَبْضِ
(خلافاً لـ "أبي يوسف" في الأوَّلِ) أي: بَرِئتَ، فإنّه جعَلَهُ كالأوَّلِ، أي: إليّ، قيل: وهو
قولُ "الإِمامِ"، واختارَهُ في "الهداية"(١)، وهو أقرَبُ الاحتمالينِ فكان أَوْلى،.
[٢٥٦٥٧) (قولُهُ: لإقرارِهِ بالقَبْضِ) لأنَّ مُفادَ هذا الَّركيبِ براءةٌ مِن المالِ مَبَدؤُها مِن الكفيلِ
ومُنتهاها صاحبُ الدَّينِ، وهذا هو معنى الإقرارِ بالقَبْضِ مِن الكفيلِ، فكأنَّه قال: دفَعتَ إليّ.
[٢٥٦٥٨) (قولُهُ: ومُعادُهُ) أي: مُفَادُ الَّعليلِ المذكورِ، وهذا الكلامُ لصاحبِ "البحر "(٢).
[٢٥٦٥٩) (قولُهُ: براءةُ المطلوبِ) أي: المديونِ. ((للطّالبِ)) أي: الدّائنٍ، يعني أنَّه يُفيدُ
أنَّ المطلوبَ يبرأُ مِن المطالبةِ التي كانت للطّالبِ عليه، وكذا يبرأُ مِنها الكفيلُ فلا مُطالبةَ له
على واحدٍ مِنهما؛ لإقرارِهِ بالقَبْضِ؛ إذ لا يستَحِقُّ القَبْضَ أكثرَ مِن مرَّةٍ واحدةٍ.
[٢٥٦٦٠] (قولُهُ: لا رُجوعَ) أي: للكفيلِ على المطلوبِ. نَعَمْ للطّالبِ أنْ يأخُذَ المطلوبَ
بالمالِ كما في "الكافي" لـ "الحاكم".
(٢٥٦٦١) (قولُهُ: لأَنَّه إبراءٌ) تعليلٌ لعَدَمِ الرُّجوعِ في الصُّورِ الثَّلاثِ؛ إذ ليس فيها ما
يُفيدُ القَبْضَ ليكونَ إقراراً به، بل هو مُحتمِلٌ للإبراءِ بسبب القَبْضِ وللإسقاطِ، فلا يثُبُتُ
القَبْضُ بالشَّكِّ.
[٢٥٦٦٢] (قولُهُ: أي: إليَّ) المرادُ: بَرِئتَ إليَّ.
[٢٥٦٦٣] (قولُهُ: وهو أقرَبُ الاحتمالينِ) أي: احتمالِ أَنَّه براءةُ قَبْضٍ، واحتمالِ أنَّه
براءةُ إسقاطٍ، ووجهُ الأقربَّةِ ما في "الفتح"(٢) مِن قولِهِ: ((لأَنَّه إقرارٌ ببراءةٍ ابتداؤُها مِن الكفيلِ
(١) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٢/٣.
(٢) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٨/٦.
(٣) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٠/٦.

الجزء السادس عشر
١٤٥
كتاب الكفالة
"نهر"(١) معزّاً لـ "العناية"(٢). وأجْمَعُوا على (٣) أَنَّه لو كتَبَهُ فِي الصَّكِّ كان إقراراً
بالقَبْضِ عملاً بالعُرْفِ. (وهذا) كلُّهُ (مع غَيْبَةِ الطّالبِ،.
المخاطَبِ. وحاصلُهُ: إثباتُ البراءةِ مِنه على الخُصوصِ، مثلُ: قمتُ وقعدتُ، والبراءةُ
الكائنةُ مِنه خاصَّةً كالإيفاءِ*، بخلافِ البراءةِ بالإبراءِ فإنّها لا تتحقَّقُ بفعلِ الكفيلِ بل
بفعلِ الطّالبِ، فلا تكونُ حينئذٍ مضافةً إلى الكفيلِ، وما قالَهُ "محمَّدٌ" - أي: مِن أَنَّه لا
يُثبُتُ القَبْضُ بالشَّكِّ - إنَّما يَتِمُّ إذا كان الاحتمالانِ مُتساويَينٍ)) اهـ. وهذا أيضاً ترجيحٌ
مِنْه لقولِ "أبي يوسفَ".
[٢٥٦٦٤] (قولُهُ: لو كتَبَهُ فِي الصَّكِّ) بأنْ كَتَبَ: بَرِئَّ الكفيلُ مِن الدَّراهمِ التي كفَلَ
بها، "بحر"(٤).
[٢٥٦٦٥] (قولُهُ: عملاً بالعُرْفِ) فإنَّ العُرْفَ بينَ النّاسِ أَنَّ الصَّكَّ يُكتَبُ على الطّالبِ
بالبراءةِ إذا حصَلَتْ بالإِيفاءِ، وإن حصَلَتْ بالإِبراءِ لا يُكتَبُ الصَّكُّ عليه فجُعِلَتْ إقراراً بالقَبْضِ
عُرْفً، ولا غُرْفَ عندَ الإِبراءِ، "فتح"(٥).
[٢٥٦٦٦) (قولُهُ: وهذا كلُّهُ إلخ) عزاهُ في "فتح القدير"(٥) إلى "شروح الجامع الصَّغير)"(٦)،
(قولُهُ: وهذا أيضاً ترجيحٌ مِنه لقولِ "أبي يوسفَ") لكنْ في "السِّنديّ" عن "النّهر": ((واختارَ
"المصنّف" قولَ "محمَّدٍ"؛ لأنَّ الفتوى عليه)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٩/أ.
(٢) "العناية": كتاب الكفالة ٣١٠/٦ (هامش "فتح القدير").
(٣) ((على)) ليست في "د" و"و".
قوله: ((كالإيفاء)) كذا رأيته في نسختين من نسخ "الفتح"، ولعلَّ الأولى: بالإِيفاء اهـ منه.
(٤) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٩/٦.
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٠/٦.
(٦) انظر "شرح قاضي خان على الجامع الصغير": كتاب الكفالة - باب الكفالة بالمال ٢/ق ٨٢/أ.

حاشية ابن عابدين
١٤٦
قسم المعاملات
ومع حَضْرِهِ يُرجَعُ إليه في البيانِ) لمرادِهِ اتّفاقً؛ لأنَّه الْمُحمِلُ،
وجزَمَ به في "الملتقى"(١) و"الدُّرر" (٢)، وأقرَّهُ "الشُّرِ نِبُلالِيُّ" (٣)، وكذا "الزَّيلعيُّ"(٤) و"ابنُ
كمالٍ"، فتعبيرُ "البحر"(٥) عنه بـ: ((قيل)) غيرُ ظاهرٍ، فافهمْ. والإشارةُ إلى جميعِ الألفاظِ المارَّةِ،
قال في "البحر"(٦) عن "النّهاية": ((حتّى في: بَرِئتَ إليَّ؛ لاحتمالٍ: أَنِّي(٧) أَبِرَأْتُكَ مجازاً، وإنْ
كان بعيداً في الاستعمالِ)) اهـ. قال في "النّهر"(٨): ((والظّاهرُ أنَّ في لفظِ الحِلِّ لا يرجِعُ إليه؛
لظهورِ أَنَّه [٣/ ١٧٨٥ /ب] مسامحةٌ، لا أَنَّه أخَذَ مِنه شيئاً)) اهـ.
قلتُ: وفيه نظرٌ يظهَرُ بأدَنَى نظرٍ.
[٢٥٦٦٧] (قولُهُ: لمرادِهِ) متعلّقٌ بـ ((البَيانِ))، أي: يُسألُ: هل أردتَ القَبْضَ أوْ لا؟
[٢٥٦٦٨] (قولُهُ: لأَنَّه الْمُحمِلُ) بكسرٍ ثالثِهِ، اسمُ فاعلٍ، أي: فإنَّ الأصلَ في الإجمال أنْ
يُرجَعَ فيه إلى المُحمِلِ. والمرادُ بالمُحمَلِ هنا ما يحتاجُ إلى تأمُّلٍ ويحتمِلُ المجازَ - وإنْ كان بعيداً - لا
حقيقةُ الْمُحمَلِ، يعني: يُرجَعُ إليه إذا كان حاضراً لإزالةِ الاحتمالاتِ، خُصوصً إنْ كان العُرْفُ
في ذلك اللَّفظِ مُشترَكاً، مِنهم مَن يَقصِدُ القَبْضَ، ومِنهم مَن يَقصِدُ الإِبراءَ، "فتح"(٩).
(قولُهُ: لا حقيقةُ الْمُحمَلِ) المحمَلُ: ما توارَدَتْ فيه المعاني على اللَّفَظِ بلا ترجيحٍ لأحدِها. اهـ "منار".
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب الكفالة ٦٠/٢.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٣/٢.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الكفالة ٣٠٣/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الكفالة ١٥٨/٤.
(٥) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٨/٦.
(٦) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٩/٦.
(٧) في "ك" و"آ" و"ب" و"م": ((لأني))، ومثله عبارة "البحر"، وما أثبتناه من "الأصل".
(٨) "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٩/أ.
(٩) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٠/٦ باختصار.

الجزء السادس عشر
١٤٧
كتاب الكفالة
ومثلُ الكفالةِ الحوالةُ. (وبطَلَ تعليقُ البراءةِ مِن الكفالةِ (١).
[٢٥٦٦٩) (قولُهُ: ومثلُ الكفالةِ الحوالةُ) في "كافي الحاكم": ((والمُحتالُ عليه في جميعِ
ذلك كالكفيل)) اهـ. قال "ط)"(٢): ((فإنْ قال المُحالُ للمُحتالِ عليه: بَرِئتَ إليَّ رَجَعَ
المُحتالُ عليه على الْمُحيلِ، وإنْ قال: أَبرأتُكَ لا، واختُلِفَ فيما إذا قال: بَرِئتَ فقط)) اهـ.
وإنَّما يرجِعُ إذا لم يكنْ للمُحيلِ دَيْنٌ على المُحتالِ عليه.
مطلبٌ فِي بُطلانِ تعليقِ البراءةِ مِن الكفالةِ بالشَّرطِ
[٢٥٦٧٠) (قولُهُ: وبطَلَ تعليقُ البراءةِ مِن الكفالةِ بالشَّرطِ) أي: لِما فيه مِن معنى
التَّمليكِ، ويُروى أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ عليه المطالبةَ دون الدَّينِ فِي الصَّحيحِ فكان إسقاطاً محضاً
كالطَّلاق، "هداية"(٣). وظاهرُهُ ترجيحُ عَدَمٍ بُطلاِهِ بناءً على الصَّحِيحِ، "بحر "(٤).
(قولُهُ: لِما فيه مِن معنى النَّمليكِ) قال "الزَّيلعيُّ" عندَ قولِ "الكنز": ((وبطَلَ تعليقُ إلخ)): ((لأنَّ في
الإبراءِ معنى التَّمليكِ كالإِبراءِ عن الدَّينِ، وهذا على قولِ مَن يقولُ بُبُوتِ الدَّينِ على الكفيلِ ظاهرٌ، وكذا
على قولٍ مَن يقولُ بُوتِ المطالبةِ لا غيرَ؛ لأنَّ فيها تمليكَ المطالبةِ وهي كالدَّينِ؛ لأَنَّها وسيلةٌ إليه،
والَّمليكُ لا يَقبَلُ النَّعليقَ بِالشَّرطِ، وقيل: يَصِحُّ؛ لأَنَّ الّابتَ على الكفيلِ المطالبةُ دونَ الدَّينِ فِي الصَّحيحِ،
فكان إسقاطً محضاً كالطَّلَاقِ والعِتاقِ، ولهذا لا يرتدُّ إبراءُ الكفيلِ بالرَّدِّ؛ لأنَّ الإسقاطَ يَتِمُّ بالمُسقِطِ،
بخلافِ التّأخيرِ عن الكفيلِ حيثُ يرتدُّ بالرَّدِّ؛ لأَنّه ليس بإسقاطٍ، بل هو خالصُ حَقِّ المطلوبِ فيرتدُّ به،
بخلافِ الإِبراءِ عن الدَّينِ؛ لأنَّ فيه معنى النَّمليكِ)) اهـ.
(قولُهُ: وظاهرُهُ ترجيحُ عَدَمٍ بُطلانِهِ إلخ) أي: حيثُ أَخَّرَ دليلَ هذه الرِّوايةِ كما هو عادةُ "الهداية"
مِن تأخيرِ دليلِ الرّاجحِ.
(١) ((من الكفالة)) ليس في "د".
(٢) "ط": كتاب الكفالة ١٥٨/٣.
(٣) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٢/٣.
(٤) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٩/٦.

حاشية ابن عابدين
١٤٨
قسم المعاملات
بالشَّرطِ) الغيرِ الْمُلائمِ
قلتُ: ولذا قال في متنِ "الملتقى"(١): ((والمختارُ الصِّحَّةُ)). واعلَم أنَّ إضافتهُ ((تعليقُ))
إلى ((البراءةٍ)) مِن إضافةِ الصِّفةِ إلى موصوفِها، والمعنى: وبطَلَتِ البراءةُ المعلّقةُ بالشَّرطِ، وإذا
بطّلَتِ البراءةُ مِن الكفالةِ تبقى الكفالةُ على أصلِها، فللطّلبِ مُطالبةُ الكفيلِ بدليلِ التَّعليلِ،
فليس المرادُ بُطلانَ تعليقِ البراءةِ؛ لأَنَّه يلزَمُ مِنه بقاءُ البراءةِ صحيحةٌ مُنجَّزةً، وتبطُلُ الكفالةُ
بها، ولا يُناسِبُّهُ العِلَّةُ المذكورةُ؛ لأنَّ نفسَ التَّعليقِ ليس فيه معنى التَّمليكِ، بل الذي فيه معنى
التَّعليكِ هو البراءةُ المعلّقةُ فتبطُلُ. ثمّ رأيتُ بخطٌ بعضِ العلماءِ على نُسخٍ قديمةٍ مِن "شرح
المجمع" ما نصُّهُ: ((معناهُ أنَّ الكفالةَ جائزةٌ والشَّرطَ باطلٌ)) اهـ. وهذا عَيْنُ مَا قُلُهُ.
٢٧٦/٤
[٢٥٦٧١) (قولُهُ: بالشَّرطِ الغيرِ الملائمِ) نحوُ: إذا جاءً غدٌ فأنت بريءٌ مِن المالِ، ومثالُ
الملائمِ ما لو كفَلَ بالمالِ أو بالنَّفسِ وقال: إنْ وافيتَ به غداً فأنت بريءٌ مِن المالِ، فوافاهُ مِن الغدِ
فهو بريءٌ مِن المالِ، كذا في "العناية"(٢). اهـ "ح"(٣). وفي "البحر"(٤) عن "المعراج": ((الغيرُ
الملائمِ هو: ما لا مَنفعةَ فيه للطّالبِ أصلاًّ كدُخولِ الدّارِ ومجيءِ الغدِ؛ لأَنَّه غيرُ مُتَعارَفٍ)) اهـ.
قلتُ: وسُئلتُ عمَّن قال: كَفَلْتُهُ على أنَّك إنْ طالبتَني به قبلَ حُلولِ الأجلِ فلا كفالةَ
لي، ويظهَرُ لي أنَّه مِن غيرِ الملائمِ، فليُتْأَمَّلْ.
(قولُهُ: واعلم أنَّ إضافَتَهُ ((تعليقُ)) إلى ((البراءةِ)) مِن إضافةِ الصِّفةِ إلخ) ما ذكَرَهُ هنا غيرُ متعِيِّنٍ،
بل هو خلافُ المتبادرِ مِن نسبةِ الْبُطلانِ إلى التَّعليقِ، والتَّعليلُ المذكورُ يُناسِبُهُ كما هو ظاهرٌ لِمَن تأمَّلَ،
ولا يلزَمُ مِن القولِ بُطلاِهِ صِحَّةُ البراءةِ وأَنَّها تكونُ مُنجَّزَةً كما هو ظاهرٌ أيضاً.
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب الكفالة ٦٠/٢.
(٢) "العناية": كتاب الكفالة ٣١١/٦ (هامش "فتح القدير").
(٣) "ح": كتاب الكفالة ق ٣٠٥/أ.
(٤) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٩/٦ بتصرف.

الجزء السادس عشر
١٤٩
كتاب الكفالة
على ما اختارَهُ في "الفتح" و"المعراج"،
[٢٥٦٧٢] (قولُهُ: على ما اختارَهُ في "الفتح" و"المعراج") أقولُ: الذي في "الفتح"(١) هكذا:
((قولُهُ: ولا يَجُوزُ تعليقُ الإِبراءِ مِن الكفالةِ بالشَّرطِ، أي: بالشَّرطِ المتعارَفِ، مثلُ أنْ يقولَ: إِنْ
عجَّلْتَ ليَ البعضَ أو دفَعتَ البعضَ فقد أَبْرَأْتُكَ مِن الكفالةِ، أمّا غيرُ المتعارَفِ فلا يَجُوزُ))، ثمَّ
قال(١): ((ويُروى أَنَّه يَجُوزُ، وهو أوجَهُ إلخ)). فهذا شرحٌ لعبارةِ "الهداية" التي قدَّمناها(٢) آنفاً،
وقدَّمنا (٢) أنَّ ظاهرَ ما في "الهداية" ترجيحُ الرِّوايةِ الثّانيةِ، وأَنَّه اختارَها في متنِ "الملتقى"، وكذلك
اختارَها في "الفتح" كما تَرَى، والمتبادِرُ مِن كلامِ "الفتح" أنَّ المرادَ بهذه الرِّوايةِ جوازُ الشَّرطِ
المتعارَفِ؛ لأَنّه قَّدَ روايةَ عَدَمِ الجوازِ بالشَّرطِ المتعارَفِ، وذكَرَ أنَّ غيرَ المتعارَفِ لا يَجُوزُ، وهو
تصريحٌ بما فَهِمَ بِالأَولى، ثمَّ ذكَرَ مقابلَ الرِّوايةِ الأُولى وهي روايةُ الجوازِ، فَعُلِمَ أنَّ المرادَ بها
الشَّرطُ المتعارَفُ أيضاً، وأنَّ غيرَ المتعارَفِ لا يَجُوزُ أصلاً، ويحتمِلُ أنْ يكونَ قولُهُ: ((ويُروى أَنَّه
يَجُوزُ)) أي: إذا كان الشَّرطُ غيرَ مُتعارَفٍ، ويلزَمُ مِنه جوازُ المتعارَفِ بالأَوْلِى، فعلى الاحتمالِ
الأوَّلِ يكونُ قد اختارَ في "الفتح" جوازَ التَّعليقِ بالشَّرطِ المتعارَفِ، وعلى الثّاني اختار جوازَهُ
مُطلقاً، وهذا الاحتمالُ أَظهَرُ؛ لأَنَّه حيثُ قَّدَ روايةَ [١٧٩٥/٣/) عَدَمِ الجوازِ بالمتعارَفِ عُلِمَ أنَّ غيرَ
المتعارَفِ لا يَجُوزُ بِالأَوْلى، ثمَّ اختارَ مقابلَ هذه الرِّوايةِ، وهو روايةُ الجوازِ، أي: مُطلقاً، فكان
على "الشّارحِ" أنْ يقولَ: ((وبطَلَ تعليقُ البراءةِ مِن الكفالةِ بالشَّرطِ ولو مُلائماً، ورُويَ جوازُهُ
مُطلقاً، واختارَهُ في "الفتح")). نَعَمْ ذَكَرَ في "الدُّرر)"(٣) عن "العناية "(٤) قولاً ثالثاً، وهو عَدَمُ جوازٍ
التَّعليقِ بالشَّرطِ لو غيرَ مُتعارَفٍ والجوازُ لو مُتعارَفاً. وذكَرَ في "المعراج" هذا القولَ
وجعَلَهُ محملَ الرِّوايتينِ، وأقرَّهُ في "البحر "(٥)، وقال: ((إِنَّ قولَ "الكنز": وبطَلَ التَّعليقُ محمولٌ
(١) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١١/٦.
(٢) المقولة [٢٥٦٧٠] قوله: ((وبطَلَ تعليقُ البراءةِ مِن الكفالةِ بالشَّرطِ)).
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٤/٢.
(٤) "العناية": كتاب الكفالة ٣١١/٦ (هامش "فتح القدير").
(٥) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٩/٦.

١٥٠
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
وأقرَّهُ "المصنف" هنا وفي (١) المتفرِّقاتٍ، لكنْ في "النّهر"(٢): ((ظاهرُ "الزَّيلعيِّ"(٣) وغيرِهِ
ترجيحُ الإطلاقِ)).
على غيرِ المتعارَفٍ))، وتَبِعَهُ "الشّارحُ". لكنْ لا يخفى أنَّ كلامَ "الفتح" مُخالِفٌ لهذا
التَّوفيقِ؛ لأَنَّ حَمَلَ بُطلانَ التَّعليقِ على الشَّرطِ المتعارَفِ كما عَلِمتَ، فكيف يُنسَبُ إليه ما
ذكَرَهُ "الشّارحُ"؟! فافهمْ.
[٢٥٦٧٣)] (قولُهُ: وأقرَّهُ "المصنّف") أي: في "شرحِهِ"(٤) في هذا المحلِّ، أي: أقرَّ ما في
"المعراج" مِن التَّفصيلِ والتَّوفيقِ.
[٢٥٦٧٤) (قولُهُ: والمتفرِّقاتٍ) أي: مُتَفرِّقَاتِ الْبُيوعِ في بحثِ ما يبطُلُ تعليقُهُ(٥).
[٢٥٦٧٥) (قولُهُ: ترجيحُ الإِطلاقِ) أي: روايةِ بُطلانِ التِّعليقِ المتبادرِ مِنها الإطلاقُ عمّا
فصَّلَهُ في "المعراج"، وفي كونِ "الزَّيلعيِّ" رجَّحَ ذلك نظرٌ، بل كلامُهُ قريبٌ مِن كلامٍ "الهداية"
المارِّ(٦)، فراجعْهُ.
(قولُهُ: فكيف يُنسَبُ إليه ما ذكَرَهُ "الشّارحُ"؟!) قد عَلِمتَ أنَّ "الفتح" إنَّما اختارَ الرِّوايةَ الثّانيةَ، وكأنَّ
"الشّارحَ" فَهِمَ مِن عبارةٍ "الفتح" الاحتمالَ الأَوَّلَ فِي الرِّوايةِ الثّانيةِ فصحَّ نسبةُ ما ذكَرَهُ "الشَّارِحُ" إليه، تأمَّلْ.
(قولُهُ: بل كلامُهُ قريبٌ مِن كلامِ "الهداية" المارِّ، فراجِعْهُ) قد سَمِعتَ عبارةَ "الزَّيلعيِّ" فَتَأمَّلْها
تَجِدْها كما قال في "النَّهر".
(١) ((في)) ليست في "ب" و"ط".
(٢) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٩/أ.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الكفالة ١٥٨/٤.
(٤) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق ٤٩/أ.
(٥) "المنح": كتاب البيوع - باب المتفرقات ٢/ق ٤٠/ب.
(٦) المقولة [٢٥٦٧٠] قوله: ((وبطَلَ تعليقُ البراءةِ مِن الكفالةِ بالشَّرطِ)).

الجزء السادس عشر
١٥١
كتاب الكفالة
قَّدَ بكفالةِ المالِ لأنَّ في كفالةِ النّفسِ تفصيلاً مبسوطً(١) في "الخانيّة". (لا يستردُّ أصيلٌ
ما أدَّى إلى الكفيلِ)
[٢٥٦٧٦) (قولُهُ: فَيَّدَ بكفالةِ المال(٢)) أي: باعتبارِ أنَّ الكلامَ فيها، وإلّ فلم يذكُرِ القيدَ
في "المتنِ" كـ "الكنز"(٣). اه "ح" (٤).
[٢٥٦٧٧) (قولُهُ: مبسوطً في "الخانِيَّةُ "(٥)) حاصلُهُ: ((أَنَّ تعليقَ البراءةِ مِن الكفالةِ بالنَّفْسِ
على وُجوهٍ: في وجهٍ تَصِحُّ البراءةُ ويبطُلُ الشَّرطُ كما إذا أَبْرَأَ الطّالبُ الكفيلَ على أنَّ يعطيَهُ
الكفيلُ عشْرةَ دراهمَ، وفي وجهٍ يصحّانِ كما إذا كان كفيلاً بالمالِ أيضاً وشرَطَ الطّالبُ عليه
أنْ يدفَعَ المالَ ويبرئُهُ مِن الكفالةِ بِالنَّفْسِ، وفي وجهٍ يبطُلانِ كما إذا شرَطَ الطّالبُ على الكفيلِ
بالنَّسِ أنْ يدفَعَ إليه المالَ ويَرجِعَ به على المطلوبِ)) اهـ.
[٢٥٦٧٨] (قولُهُ: لا يسترِدُّ أصيلٌ إلخ) أي: إذا دفَعَ الأصيلُ - وهو المديونُ - إلى
الكفيلِ المالَ المكفُولَ به ليس للأصيلِ أنْ يسترِدَّهُ مِن الكفيلِ وإِذْ لم يُعطِهِ الكفيلُ إلى الطّالبِ،
(قولُهُ: مبسوطً في "الخانيَّة"، حاصلُهُ إلخ) فيه: أنَّ ما ذكَرَهُ في "الخانيّة" إنَّما هو في تقييدِ البراءةِ عن
كفالةِ النَّفسِ بشرطٍ، لا في تعليقِها به الذي الكلامُ فيه. والظّاهرُ مِن عَلَّةِ بُطلانِ التَّعليقِ في كفالةِ المالِ أنَّ
كفالةَ النَّفسِ كذلك لا يَصِحُّ تعليقُ الإبراءِ عنها، ومسألةُ النَّقييدِ بشرطٍ شيءٌ آخرُ ليس الكلامُ فيه، على أنَّ
كلامَ "المصنّف" ليس فيه تقييدٌ بكفالةِ المالِ وإِنْ قال "السِّنديُّ": إنَّه باعتبارِ أنَّ الكلامَ فيها تَبَعاً لـ "الحلبيِّ"،
و"الشّارحُ" تبعَ فيما فَعَلَهُ "البحر".
(١) في "و": ((مذكوراً)) بدل ((مبسوطاً)).
(٢) في النسخ جميعها: ((قَّدَ بكفالةِ النَّفسِ))، وما أثبتناه هو المراد الموافق لنسخ "الدر"، وأشار إليه مصحِّحا "ب" و"م".
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الكفالة ٧٢/٢.
(٤) "ح": كتاب الكفالة ق٣٠٥/أ - ب.
(٥) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - مسائل في تسليم نفس المكفول به ٥٩/٣ - ٦٠ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
١٥٢
قسم المعاملات
قال في "الَّهر"(١): ((لأَنَّه - أي: الكفيلَ - مَلَكَهُ بالاقتضاءِ، وبه ظهَرَ أنَّ الكفالةَ تُوجِبُ دَيْناً للطّالبِ
على الأصيلِ(٢) ودَيْناً للكفيلِ على الأصيلِ، لكنَّ دَيْنَ الطّالبِ حالٌ ودَيْنَ الكفيلِ مؤجَّلٌ إلى وقتٍ
الأداءِ، ولذا لو أخَذَ الكفيلُ مِن الأصيلِ رهناً، أو أَبرأهُ، أو وهَبَ مِنه الدَّينَ صحَّ فلا يرجِعُ بأدائِهِ،
كذا في "النّهاية". ولا يُنافِيهِ ما مرَّ مِن أنَّ الرّاجحَ أنَّ الكفالةَ ضَمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ في المطالبةِ؛ لأنَّ الضَّمَّ
إنَّما هو بالنّسبةِ إلى الطّالبِ، وهذا لايُنافي أنْ يكونَ للكفيلِ دَيْنٌ على المكفُولِ عنه كما لا يخفى،
وعلى هذا فالكفالةُ بالأمرِ تُوجِبُ تُبُوتَ دَيْنَيْنِ وثلاثٍ مُطالباتٍ تُعرَفُ بِالَُِّّ)) اهـ ما في "الَّهر".
أي: دَيْنٍ ومُطالبةٍ حَالَّينِ للطّالبِ على الأصيلِ، ودَيْنٍ ومُطالبةٍ مؤخَّرينٍ للكفيلِ على الأصيلِ
أيضاً، ومُطالبةٍ فقط للطّالبِ على الكفيلِ بناءً على الرّاجحِ مِن أَنَّها الضَّمُّ في المطالبةِ.
(تنبيةٌ)
نقَلَ "محشِّي مسكينِ"(٣) عن "الحمَويِّ" عن "المفتاح(٤): ((أنَّ عَدَمَ الاستردادِ مقيَّدٌ بما
إذا لم يُؤخِّرْهُ الطّالبُ عن الأصيلِ أو الكفيلِ، فإنْ أَخْرَهُ له أنْ يسترِدَّهُ)) اهـ.
قلتُ: لكنَّ قولَهُ: ((أو الكفيلٍ)) لم يظهَرْ لي وجهُهُ، تأمَّلْ.
٢٧٧/٤
(قولُهُ: أنَّ الكفالةَ تُوجِبُ دَيْناً للطّلبِ إلخ) أي: يتحقَّقُ معها ما ذُكِرَ، لا أنَّها هي الموجبةُ لذلك،
والشّاهدُ في قولِهِ: ((ودَيْناً للكفيلِ على الأصيلِ)) فإنَّه هو الذي يظهَرُ مِن قولِهِ: ((لأَنَّ مَلَكَهُ بالاقتضاءِ)).
(قولُهُ: تُوجِبُ دَيْناً للطّالبِ على الكفيلِ) حَقُّهُ: ((على الأصيلِ)) كما يُفيدُهُ آخِرُ عبارتِهِ،
والطّالبُ لا يَجِبُ له على الكفيلِ إلّ المطالبةُ.
(١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢١/أ باختصار.
(٢) في النسخ جميعها: ((الكفيل))، ومثله عبارة "النهر" وما أثبتناه هو المراد، وقد نَبَّه عليه الرافعيُّ رحمه الله.
(٣) "فتح المعين": كتاب الكفالة ١٤/٣.
(٤) لعله "مفتاح السعادة" للشِّرْوانيّ (توفي قبل ٩٩٢هـ)، وتقدمت ترجمته ٦٨٩/١.

الجزء السادس عشر
١٥٣
كتاب الكفالة
بأمرِهِ ليدفَعَهُ للطّالبِ(١)
[٢٥٦٧٩] (قولُهُ: بأمرِهِ) متعلّقٌ بـ: ((الكفيلِ)) احترازاً عن الكفيلِ بلا أمرٍ كما يأتي(٢)،
قال في "الَنَّهر"(٣): ((فَيَّد به في "الهداية"(٤)، ولا بدَّ مِنه)).
[٢٥٦٨٠] (قولُهُ: ليدفَعَهُ للطّالبِ) متعلِّقٌّ بـ: ((أدَّى)). واعلَم أنَّ ما مرَّ(٥) مِن أنَّ الكفيلَ
مَلَكَ المؤدَّى فذلك فيما إذا دفَعَهُ إليه الأصيلُ على وجهِ القضاءِ بأنْ قال له: إنِّي لا آمَنُ أنْ
يأخُذَ مِنك الطّالبُ حَقَّهُ فأنا أقضيكَ المالَ قبلَ أنْ تؤدِّيَهُ، بخلاف ما إذا كان الدَّفْعُ على وجهِ
الرِّسالةِ بأنْ قال المطلوبُ للكفيلِ: خُذْ [٢/ ١٧٩٥ /ب] هذا المالَ وادفَعْهُ إلى الطّالبِ، حيثُ لا
يصيرُ المؤدَّى مِلكاً للكفيلِ، بل هو أمانةٌ في يدِهِ، لكنْ لا يكونُ للمطلوبِ أنْ يسترِدَّهُ مِن
الكفيلِ؛ لأَنَّه تعلَّقَ به حَقُّ الطّالبِ، كذا في "الكافي". لكنْ ذَكَرَ في "الكبرى": ((أَنَّ له
الاستردادَ، وأَنَّه أشارَ إليه في "الأصلِ"(٦)))، كذا في "الكفاية شرح الهداية"(٧). وما نقّلَهُ عن
"الكافي" نقَلَ "ط "(٨) مثلَهُ عن "العناية"(٩) و"المعراج"، وعليه مشَى في "البحر"(١٠) و"النّهر)"(١١)،
والمرادُ "بالكافي" "كافي النَّسفيّ"، أمّا "كافي الحاكم الشَّهيد" الذي جَمَعَ كُتبَ ظاهرِ الرِّوايةِ،
(١) في "و": ((إلى الطالب)).
(٢) المقولة [٢٥٦٨٣] قوله: ((لأَنَّه حينئذٍ)).
(٣) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢١/أ.
(٤) "الهداية": كتاب الكفالة ٩١/٣.
(٥) المقولة [٢٥٦٧٨] قوله: ((لا يستردُّ أصيلٌ إلخ)).
(٦) كتاب الكفالة ليس في القسم المطبوع من "الأصل".
(٧) "الكفاية": كتاب الكفالة ٣٢١/٦ (ذيل "فتح القدير").
(٨) "ط": كتاب الكفالة ١٥٨/٣.
(٩) "العناية": كتاب الكفالة ٣١٩/٦ (هامش "فتح القدير").
(١٠) "البحر": كتاب الكفالة - فصل: ولو أعطى المطلوب الكفيل إلخ ٢٥٥/٦.
(١١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢١/أ.

حاشية ابن عابدين
١٥٤
قسم المعاملات
فإنَّه أشارَ فيه أيضاً إلى أنَّ له الاستردادَ لو دفَعَهُ على وجهِ الرِّسالةِ، فإنَّه ذكَرَ أَنَّه لو قِبَضَهُ على
وجهِ القضاءِ فله النَّصرُّفُ فيه وله رِبْحُهُ؛ لأَنَّه له، ولو هَلَكَ مِنه ضَمِنَهُ، ولو قَبَضَهُ على وجهِ
الرِّسالةِ فهلَكَ كان مؤتَمَناً ويرجعُ به على (١) الأصيلِ، ولو لم يَهلِكْ فَعَمِلَ به ورَبِحَ تصدَّقَ
بالرِّيحِ؛ لأنَّه غاصبٌ، وكذا في "الهداية"(٢) إشارةٌ إليه، حيثُ ذكَرَ أوَّلاً أَنَّه إذا قضاهُ لا يسترِدُّ،
ثُمَّ قال(٢): ((بخلاف ما إذا كان الدَّفعُ على وجهِ الرِّسالةِ؛ لأَنَّه تمخَّضَ أمانةً في يدِهِ))، فدَلَّ
كلامُهُ على أنَّ عَدَمَ الاستردادِ في الأداءِ على وجهِ القضاءِ لا الرِّسالةِ، حيثُ جعَلَهُ في الرِّسالةِ
محضَ أمانةٍ، والأمانةُ مُستَرَدَّةٌ. ونقَلَ "ط)"(٣) عن "غاية البيان": ((أنَّ له الاستردادَ))، قال(٣):
((ومثلُهُ في "صدر الشَّريعة"(٤)، وقال في "اليعقوبِيَّة": إنَّه الظّاهرُ؛ لأَنّه أمانةٌ محضةٌ، ويدُ الرَّسُولِ
يدُ المرسِلِ، فكأنَّه لم يَقِضْهُ، فلا يُعتبرُ حَقُّ الطّالبِ، وهو المتبادِرُ مِن "الهداية")) اهـ.
قلتُ: وهو المتبادرُ أيضاً مِمّا في المتونِ مِن أَنَّ الرِّيحَ يَطيبُ له، فإنّه دليلٌ على أنَّ المرادَ الأداءُ
على وجهِ القضاءِ، وقولُ "الشّارِحِ" تَبَعَ لـ "الدُّرر"(٥): ((ليدفَعَهُ للطّالبِ)) ظاهرُهُ الدَّفْعُ على وجهِ
الرِّسالةِ، وهو موافِقٌ لِما في "كافي النَّسفيّ" وغيرِهِ، ويُفهَمُ مِنه أنَّه في الدَّعِ على وجهِ القضاءِ له
(قولُهُ: فإنّه أشارَ فيه أيضاً إلى أنَّ له الاستردادَ إلخ) ليس في عبارةِ "الكافي" هذه ما يدُلُّ على أنَّ
له الاستردادَ، وهلاكُهُ على الأصيلِ وعَدَمُ طِيبِ الرِّيحِ للكفيلِ لا يدُلُّ على ذلك، ويُقال: هو وإنْ كان
أمانةً تعلَّقَ بهِ حَقُّ الغيرِ.
(قولُهُ: على وجهِ القضاءِ له إلخ) لعلَّهُ: ليس له إلخ.
(١) ((على)) ساقطة من "الأصل".
(٢) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٣/٣.
(٣) "ط": کتاب الكفالة ١٥٨/٣ بتصرف، نقلاً عن سريّ الدین.
(٤) "شرح الوقاية": كتاب الكفالة ٥٥/٢ (هامش "كشف الحقائق").
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٤/٢.

الجزء السادس عشر
١٥٥
كتاب الكفالة
(وإنْ لم يُعطِهِ طالِبَهُ)، ولا يعمَلُ نهيُهُ عن الأداءِ لو كفيلاً بأمرِهِ، وإلّ عَمِلَ؛ لأنّه
حينئذٍ يَملِكُ الاستردادَ، "بحر"، وأقرَّهُ "المصنّف" (١)،
ذلك بالأَوْلى(٢)، ويمكنُ حملُهُ على ما في "كافي الحاكم" وغيرِهِ بأنْ يكونَ المرادُ أنَّه لم يصرِّح له
بأَنَّه يدفَعُهُ للطّالبِ، بل أضمَرَ ذلك في نفسِهِ وقتَ الأداءِ، ففي "الشُّر ◌ُبُلاليّة"(٣) عن "القنية (٤):
((لو أطَلَقَ عندَ الدَّفْعِ فلم يُبِّنْ أَنَّه على وجهِ القضاءِ أو الرِّسالةِ يقَعُ عن القضاءِ))، فافهمْ.
(تنبيةٌ)
لو قضَى المطلوبُ الدَّينَ إلى الطّلبِ فللمطلوبِ أنْ يرجعَ على الكفيلِ بما أعطاهُ كما في
"الكافي" وغيره.
[٢٥٦٨١) (قولُهُ: وإنْ لم يُعطِهِ طالِبَهُ) ((إِنْ)) وصلَّةٌ، و((طالِبَهُ)) بكسرِ اللّمِ، بزِنَةٍ
اسمِ الفاعلِ، مضافٌ للضَّميرِ، وهو المفعولُ الثّاني لـ ((يُعطِهِ(٥))).
[٢٥٦٨٢) (قولُهُ: ولا يعمَلُ نهيُهُ إلخ) هذا ما أجابَ به في "البحر "(٦)، حيثُ قال:
((وقد سُئلتُ عمّا إذا دفَعَ المديونُ الدَّينَ للكفيلِ ليؤدَِّهُ إلى الطّالبِ ثُمَّ نَهاهُ عن الأداءِ، هل
يعمَلُ نهيُهُ؟ فأجبتُ: إنْ كان كفيلاً بالأمرِ لم يعمَلْ نهيُهُ؛ لأَنَّه لا يَملِكُ الاستردادَ، وإلّ
عَمِلَ؛ لأَنَّه يَملِكُهُ)) اهـ.
قلتُ: وظاهرُ قولِهِ: ((ليؤدِّيَهُ)) أنَّ الدَّفعَ على وجهِ الرسالةِ فهو مبنيٌّ على ما في
"كافي النَّسفيّ".
[٢٥٦٨٣] (قولُهُ: لأَنّه حينئذٍ) أي: حينَ إذ كان كفيلاً بلا أمرٍ يَملِكُ الأصيلُ الاستردادَ؛
(١) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق٤٩ /ب.
(٢) نقول: بل حقُّ العبارة: ((ليس له ذلك بالأَوْلى))، ومفاد العبارة: أن الأصيل إذا كان لا يستردُّ المال من الكفيل إذا كان
دَفَعَه له على وجه الرسالة فبالأوْلى أن لا يستردَّهُ إذا كان دَفَعه له على وجه القضاء، وقد نَّه عليه الرافعيّ رحمه الله.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الكفالة ٣٠٤/٢ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "القنية": كتاب الكفالة - باب أداء الأصيل إلى الكفيل ق١٥٧/ب بتصرف، نقلاً عن إسماعيل المتكلم وسيف
الدین السائلي.
(٥) في "الأصل" و"ك" و"آ": ((ليعطيه)) بالياء، وهو تحريف.
(٦) "البحر": كتاب الكفالة - فصل: ولو أعطى المطلوب الكفيل إلخ ٢٥٥/٦.

حاشية ابن عابدين
١٥٦
قسم المعاملات
لكنَّه قدَّمَ قبلَهُ ما يُخالِفُهُ، فَلُيُحرَّرْ. (وإنْ رَبِحَ) الكفيلُ (به طابَ له)؛ لأَنَّه نَماءُ مِلْكِهِ
حيثُ قَبَضَهُ على وجهِ الاقتضاءِ، فلو على وجهِ الرِّسالةِ فلا؛ لتَمخُّصِهِ أمانةً.
لأَنَّ الكفيلَ لا دَيْنَ له عليه فلم يَملِكِ المؤدَّى، بل هو في يدِهِ محضُ أمانةٍ، كما إذا أدّاهُ
الأصيلُ إليه على وجهِ الرِّسالةِ وكانتِ الكفالةُ بالأمرِ على ما مرَّ(١)، بل هذا بالأَوْلى؛ لِما
عَلِمتَ مِن أَنَّه هنا لا دَيْنَ له أصلاً.
[٢٥٦٨٤] (قولُهُ: لكنَّه قدَّمَ(٢) قبلَهُ ما يُخالِفُهُ) لعلَّ مرادَهُ بالمخالفةِ أنَّ "المصنّف" لم يُقَيِّدْ
"مَتَنَّهُ" يكونِ الكفيلِ كفيلاً بالأمرٍ، وفرَّقَ هنا بينَ كونِهِ بالأمرِ فلا يعمَلُ نهيُهُ وإلّ عَمِلَ،
لكنْ في "شرح المصنّف"(٣) إشارةٌ إلى أنَّ مرادَهُ في "المتنِ" الكفيلُ بالأمرِ، وقد عَلِمتَ أنَّ هذا
القيدَ لا بدَّ مِنه فلا مُخالفةَ.
[٢٥٦٨٥] (قولُهُ: حيثُ قَبَضَهُ على وجهِ الاقتضاءِ) تقييدٌ لـ "المتنِ" ولتعليلِهِ بأَنَّه نماءُ
مِلْكِهِ، وصرَّحَ بعدَهُ بمفهومِهِ، وعبارةُ "الهداية"(٤): ((فإِنْ رَبِحَ الكفيلُ فيه فهو له، لا يتصدَّقُ
به؛ لأَنَّه مَلَكَهُ حينَ قبَضَهُ، وهذا إذا قضَى الدَّينَ ظاهرٌ، وكذا إذا قضاهُ المطلوبُ بنفسِهِ وثبَتَ
له استردادُ ما دفَعَ للكفيلِ، [٣/ ق ١٨٠/أ) وإنَّما حَكَمِنَا بُبُوتِ مِلكِهِ إذا قضاهُ المطلوبُ بنفسِهِ
لأنَّ الكفيلَ وجَبَ له بمجرَّدِ الكفالةِ على الأصيلِ مثلُ ما وجَبَ للطّالبِ على الكفيلِ، وهو
المطالبةُ)) اهـ موضّحاً مِن "الفتح"(٥)، وتمامُهُ فيه.
(قولُهُ: لأنَّ الكفيلَ وجَبَ له بمجرَّدِ الكفالةِ على الأصيلِ مثلُ ما وجَبَ للطّالبِ على الكفيلِ،
وهو المطالبةُ) مقتضى ما سبقَ أنَّ الكفيلَ وجَبَ له على الأصيلِ دَيْنٌ، وهذا هو الذي يُفيدُ له في المقبوضِ المِلكَ
لا المطالبةَ، لكنَّ عبارةَ "الفتح": (( لأَنَّ وجَبَ له على الأصيلِ مثلُ ما وجَبَ للطّلبِ على الكفيلِ، وهو المطالبةُ،
لكنْ أُخْرَتْ مطالبةُ الكفيلِ إلى أدائِهِ فنزَلَ ما للكفيلِ على الأصيلِ مَنزلَةَ الدَّينِ المؤجَّلِ إلخ)).
(١) المقولة [٢٥٦٨٠] قوله: ((ليدفَعَهُ للطَّالبِ)).
(٢) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق ٤٩/أ.
(٣) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق٤٩ /ب.
(٤) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٣/٣ بتصرف.
(٥) انظر "الفتح": كتاب الكفالة ٣٢٠/٦ - ٣٢١.

الجزء السادس عشر
١٥٧
كتاب الكفالة
خلافاً لـ "الثّاني"،
[٢٥٦٨٦] (قولُهُ: خلافاً لـ "الثّاني") أي: "أبي يوسف"، فعندَهُ يَطيبُ له كمَن غصَبَ مِن إنسان
ورَبِحَ فيه يتصدَّقُ بالرِّيحِ عندَهما؛ لأَنّه استفادَهُ مِن أصلٍ خبيثٍ، ويَطيبُ له عندَهُ مُستدِلاً بحديثٍ (١):
(١) اختَلَفَ أهلُ العلمِ فِي صِحّةِ هذا الحديثِ؛ معَ تَلَقِّي الفُقَهاءِ له بالقَبُولِ.
روى ابنُ أبي ذئبٍ عن مَخْلدِ بنِ خُفافٍ بِنِ إيماءِ بنِ رَحْضةَ الغِفاريِّ قال: كان بيني وبين شُرَكَاءَ لي عبدٌ
فاحتويناهُ بيننا وكان بعضُ الشُّرَكاءِ غائباً، فَقَدِمَ وَأَبَى أَنْ يُجيزَهُ، فخاصَمَنا إلى هشامٍ، في رواية ابنِ إسماعيلَ، وفي
روايةٍ: فخاصَمَنا إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيز، فقضَى بَرَدِّ الغُلامِ والخَراجِ، وكان الخَراجُ بلِّغَ ألفاً، فأتيتُ غُرْوَةَ بنَ الزُّبِيرِ
فأخبرتُه، فحدَّثَنِي عُرْوةُ عن عائشةَ أنَّ رسولَ الله ﴿ قضَى في مثلِ هذا أنَّ الخَراجَ بالضَّمان، قال: فعجَّتُ إلى عمرَ
فأخبرتُه ما أخبَرَنِي عُرْوةُ عن عائشةَ عن النِِّّ لَ﴿، فقال عمرُ: فما أيسر عليَّ مِن قضاءٍ قَضَيْتُه، واللهُ يعلَمُ أنّي لم أُرِدْ
فيه إلّ الحَقِّ، فَلَغني فيه سنّةٌ عن رسولِ الله ◌ِ﴿ه فأرُدُّ قضاءَ عمرَ وَأُنْفِذُ سنَّةَ رسولِ الله ◌ِ﴿ل، فراحَ إليه عُرْوةُ، فقضَى
لي أنْ آخُذَ الخَراجَ مِن الذي قضَى به عليَّ له. وبعضُهم يَرويه مُختصَراً دونَ ذِكْرِ الْقِصَّةِ.
أخرجه أبو داودَ (٣٥٠٨) في البيوع - باب مَنِ اشْتَرَى عبداً فاستعمَلَه ثمَّ وَجَدَ به عيباً، والتّرمذيُّ (١٢٨٥)
في البيوع - باب مَن يشتري العبدَ ويستغِلَّه ثمَّ يَجِدُ به عيباً، والنِّسائيُّ في "المجتبى" ٢٥٥/٧، و"الكبرى" (٦٠٨١)
في البيوع - الخَراج بالضَّمان، وابنُ ماجَه (٢٢٤٢) في التّجارات - باب الخَراج بالضَّمان، والشّافعيُّ كما في "مسنده"
١٨٩/١ و٢٤٣، وعبدُ الرَّاق في "المصنف" (١٤٧٧٧)، وأحمدُ بنُ حنبلَ ٤٩/٦ و٢٣٧، وإسحاقُ بنُ راهُويَه
(٧٥٠) و(٧٧٥) و(٧٧٦)، وأبو بكر بنُ أبي شَيبةَ ٣٧٣/٤، وأبو عُبيدٍ في "الأموال" صـ٨٠-، وابنُ الجارود
(٦٢٧)، وأبو عَوانةَ (٥٤٩٥) و(٥٤٩٦)، وأبو يَعْلى (٤٥٣٧) و(٤٥٧٥)، والطَّحاوِيُّ ٢١/٤، والبغويُّ في
"مسند عليٍّ بن الجَعْد" (٢٨١١) و(٢٨١٢)، وأبو داودَ الطَّيالسيُّ (١٤٦٤)، وابنُ عَدِيٌّ في "الكامل" ٤٤٤/٦،
وابنُ حبّانَ كما في "الإِحسان" (٤٩٢٨)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" ٢٣١/٤، وتّامٌ في "الفوائد" كما في "الرَّوض
البسّام" (٦٩١) و(٦٩٢)، والحاكمُ في "المستدرك" ١٥/٢، وابنُ عبدِ البَرِّ ١٨/ ٢٠٦.
قال الطَّحاويُّ: عَمِلَتْ بِهِ العُلَماءُ.
قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِن غيرِ هذا الوَجْهِ، والعَمَلُ على هذا عندَ أهل
العلمِ. وتفسيرُ ((الْخَرَاجُ بالضَّمانِ)) هو الرَّجلُ يشتري العبدَ فَيَستغِلُّهُ، ثمَّ يَجِدُ بِه عَيْباً فيَردُّهُ على البائعِ فَالغَلَةُ
للمشتري؛ لأنَّ العبدَ لو هَلَكَ هَلَكَ مِن مالِ المشتري، ونحوُ هذا مِن المسائلِ يكونُ فيه الخَراجُ بالضَّمان.
ومَخْلِدُ بنُ خُفافٍ: هو ابنُ إِماءِ بنِ رَخَّضةَ الغِفاريُّ، قال ابنُ وضّاح: مَخْلِدٌ مَدَنِيٌّ ثقةٌ، وذَكَرَه ابنُ حبّانَ في
"الثّقات". وصحَّح هذا الحديثَ ابنُ القَطّان.
وقال البخاريُّ وَتَبَعَه ابنُ عَدِيُّ: معروفٌ بهذا الحديثِ، لا يُعرَفُ له غيرُه.
وسأل التّرمذيُّ في "العِلَل الكبير" ٥١٣/١ - ٥١٤ البخاريَّ عن هذا الحديث فقال: مَخْلُدُ بنُ خُفافٍ لا أعرِفُ
له غيرَ هذا الحديث، وهذا حديثٌ مُنكَرٌ. وقال البخاريُّ: مَخْلِدٌ فيه نظرٌ.
قال ابنُ أبي خاتمٍ في "الجرح والتعديل" ٣٤٧/٨: سئل أبي عنه فقال: لم يَروِ عنه غيرُ ابنِ أبي ذئبٍ، وليس
هذا إسنادً تقومُ به الحُجُّةُ، غيرَ أَنّي أقولُ به؛ لأَنَّه أصلَحُ مِن آراءِ الرِّجال.
==

حاشية ابن عابدين
١٥٨
قسم المعاملات
قال ابنُ حَجَرِ في "التَّهذيب" ٤١/٤: وفي سماع ابنِ أبي ذئبٍ مِنه عندي نظرٌ. وقال ابنُ حزمٍ في "المحلّى"
==
٢٥٠/٥: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ راويَه مَخْلدُ بنُ خُفافٍ، وهو مجهولٌ. وقال في "الإحكام" ٣٥٦/٧: لا تقومُ بمثله حُجَّةٌ؛ لأنَّ
مَخْلداً ومسلماً ليسا بقوّيِّين.
قال ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" ٤٤٥/٦: وكنّا نظُنُّ أنَّ هذا الحديثَ لم يَروِهِ عن مَخْلٍ غيرُ ابنِ أبي ذئبٍ كما ذكَرَه
البخاريُّ أيضاً، حَتّى حدَّثَنَهُ الوشّاءُ عن البالسيِّ عن الهيثمِ بنِ جميلٍ عن يزيدَ بنِ عياضٍ عن مَخْلِدِ بنِ خُفافٍ عن عُرْوةً
عن عائشةَ قالت: ((قضَى رسولُ الله ﴿ّ أنَّ الْخَرَاجَ بالضَّمان)). ويزيدُ بنُ عِياض: قال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديث، وقال
يحيى: ليس بثقةٍ، ورماه مالكٌ بالكَذِب، وقال النَّسائيُّ وغيرُه: متروكٌ.
قال العُقيليُّ: وتابعه [مخلداً] الزنجي بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بهذا أيضاً، وهذا الإسنادُ فيه ضَعْفٌ.
وروى مسلمُ بنُ خالدِ الرِّنجِيُّ عن هشامٍ بنِ غُرْوَةَ عن أبيه عن عائشةَ أنَّ رجلاً اشتَرَى عبداً فاستغلِّه، ثمَّ ظهَرَ منه
على عيبٍ، فخاصمَ فيه إلى رسولِ الله ﴿ فقضى له برَدِّه، فقال البائع: يا رسولَ الله إنّه قد أخَذَ خَرَاجَه. فقال
رسولُ الله ◌َ ﴾: ((الْخَرَاجُ بِالضَّمان)). وبعضُهم يَرويه دونَ القِصَّة، وبعضُهم يقولُ: ((الغُلَّةُ بالضّمان)).
أخرجه أبو داودَ (٣٥١٠) في البيوع - باب مَن اشتَرَى عبداً فاستعمَلَه ثمَّ وجَدَ به عيباً، وابنُ ماجَه (٢٢٤٣)
في التِّجارات - باب الخَرَاجِ بالضَّمان، وابنُ الجارود في "المنتقى" (٦٢٦)، وأحمدُ ٨٠/٦ ١١٦، والدّار قطنيُّ ٥٣/٣،
وابنُ زَنْجُويَه في "الأموال" (٢٨١)، والطَّحاويُّ في "شرح المعاني" ٢١/٤ و٢٢، وأبو عَوانةَ (٥٤٩٤)، وأبو يَعْلى
(٤ ٤٦١)، وابنُ حبّانَ في "صحيحه" كما في "الإحسان" (٤٩٢٧)، والحاكمُ في "المستدرك" ١٤/٢ - ١٥، والبيهقيُّ
في "المعرفة" (١١٣٥٠) و(١١٣٥٢)، وابنُ عبدِ البَرِّ في "التمهيد" ٢٠٦/١٨ و٢٠٧، والبَغويُّ في "شرح السنة"
(٢١١٨)، وابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشقَ" ٣٦٠/٣٢.
قال الطَّحاويُّ: تَلَقِّى العُلَماءُ هذا الخَرَ بِالقَبُولِ.
قال البخاريُّ في "التّاريخ" ٢٤٣/١: وقال مسلمُ بنُ خالدٍ عن هشامٍ بنِ عُرْوةً عن أبيه عن عائشةَ عنِ الَّبِيِّ ◌ِ لٌ:
((الَخَرَاجُ بالضَّمان))، ولا يَصِحُّ اهـ. وسأل الّمذيُّ في "العِلَل الكبير" ٥١٤/١ البخاريَّ عنه، فقال: إنَّما رواه مسلمُ بنُ
خالدٍ الزِّنْجيُّ، ومسلمٌ: ذاهبُ الحديث اهـ.
ومسلمُ بنُ خالدِ الرِّنْجِيُّ الفقيهُ المكِيُّ: قال ابنُ مَعينٍ: ثقةٌ، وقال: ليس به بأسٌ، وقال: صالحُ الحديث، وقال:
ضعيفٌ، وقال الدّار قطنيُّ: ثقةٌ، وقال ابنُ الَدينيِّ: ليس بشيءٍ، وقال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديث، وقال أبو حاتمٍ: ليس
بذاك القويِّ، مُنكَرُ الحديث، يُكتَبُ حديثُه ولا يُحتَجُّ به، تَعرِّفُ وتُنْكِرُ. فلا يُحتمَلُ مِنه مثلُ هذا عن عُرْوةَ. وقال أبو
داودَ: هذا إسنادٌ ليس بذاك. قال المنذريُّ في "مختصر أبي داودَ" ١٦١/٥: يُشيرُ إلى ما أشار إليه البخاريُّ مِن تضعيفِ
مسلمٍ بنِ خالدٍ الرِّنْجِيِّ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: وهذا يُعرَفُ بمسلمٍ بنِ خالدٍ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، وقد رواه بعضُ الضُّعفاءِ
أيضاً عن هشامٍ بِنِ عُرْوةً.
وروى أبو سَلَمَةَ يحيى بنُ خَلَفٍ عن عمرَ بنِ عليَّ المُقَدَّميِّ عن هشامٍ بنِ عُرْوةً عن أبيه عن عائشةَ: ((أنَّ
رسولَ اللهِ﴿ قَضَى أنَّ الخَراجَ بِالضَّمان)).
أخرجه التّرمذيُّ (١٢٨٦) في البيوع - باب فيمَن يشتري العبدَ ويستغلُهُ ثُمَّ يَجِدُ به عيباً، وابنُ عَدِيٍّ في
"الكامل" ٤٥/٥، والبيهقيُّ في "الكبرى" ٣٢٢/٥، و"معرفة السنن" (١١٣٥٦).
=