النص المفهرس

صفحات 101-120

الجزء السادس عشر
٩٩
کتاب الكفالة
(ولا تَصِحُّ) إِنْ عُلِّقَتْ (ب) غيرِ مُلائمٍ (نحوِ: إِنْ هَبَّتِ الرِّيحُ أو جاءَ المطرُ) لأَنَّه
تعليقٌ بالخَطَرِ، فتبطُلُ ولا يلزَمُ المالُ،
مطلبٌ في تعليقِ الكفالةِ بشرطِ غيرِ مُلائمٍ وفي تأجيلِها
[٢٥٥٢٩] (قولُهُ: ولا تَصِحُّ إنْ عُلّقَتْ بغيرِ مُلائمٍ إلخ) اعلَمْ أنَّ هاهنا مسألتينِ، إحداهما:
تأجيلُ الكفالةِ إلى أجلٍ مجهولِ، فإنْ كان [١٧١٥/٣ /ب] مجهُولاً جهالةً مُتفاحشةً كقولِهِ: كَفَلتُ لك
بزيدٍ، أو: كَفَلتُ بما لَكَ(١) عليه، إلى أنْ يُهُبَّ الرِّيحُ، أو: إلى أنْ يجيءَ المطرُ لا يَصِحُّ، ولكنْ
تثبتُ الكفالةُ ويبطُلُ الأَجلُ. ومثلُهُ: إلى قُدومٍ زيدٍ وهو غيرُ مكفُولٍ به، وإنْ كان مجهُولاً جهالةً
غيرَ مُتفاحشةٍ مثلَ: إلى الحصادِ، أو الدِّياسِ، أو المهرجانِ، أو العطاءِ، أو صومِ النَّصارى جازَتِ
الكفالةُ والتّأجيلُ، وكذلك الحوالةُ. ومثلُهُ: إلى أنْ يَقدَمَ المكفُولُ به مِن سفرِهِ، صرَّحَ بذلك كلِّهِ
في "كافي الحاكم"، وكذا في "الفتح"(٢) وغيرِهِ بلا حكاية خلافٍ، وهذا لا نزاعَ فيه.
المسألةُ الثّانيةُ: تعليقُ الكفالةِ بالشَّرطِ، وهذا لا يُخُلُو إمّا أنْ يكونَ شرطاً مُلائماً أوْ لا،
ففي الأوَّلِ تَصِحُّ الكفالةُ والتَّعليقُ وقد مرَّ(٣)، وفي الثّاني - وهو النَّعليقُ بشرطٍ غيرِ مُلائٍ مثلُ
أنْ يقولَ: إذا هَبَّت الرِّيحُ، أو: إذا جاءَ المطرُ، أو: إذا قَدِمَ فُلانٌ الأجنبيُّ فأنا كفيلٌ بنفسِ فُلانٍ،
أو: بما لَكَ عليه - فالكفالةُ باطلةٌ كما نقلَهُ في "الفتح"(٤) عن "المبسوط )" (٥) و"الخانَّة"(٦)، وصرَّحَ
به أيضاً في "النّهاية" و"المعراج" و"العناية"(٧) و"شرح الوقاية"(٨)، ومثلُهُ في "أجناس الّاطفيِّ"
حيث قال: ((كلُّ موضعٍ أضافَ الصَّمانَ إلى ما هو سببٌ للزومِ المالِ فذلك جائزٌ، وكلُّ موضعٍ
(١) في "م": ((بمله))، وهو خطأ.
(٢) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٢/٦.
(٣) المقولة [٢٥٥١٦] قوله: ((أو عُلُقتْ بشرطٍ صريحٍ)) وما بعدها.
(٤) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٢/٦.
(٥) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب الكفالة بما لا يجوز ١٠٣/٢٠ بتصرف.
(٦) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة ٥٣/٣ باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "العناية": كتاب الكفالة ٣٠٢/٦ (هامش "فتح القدير").
(٨) "شرح الوقاية": كتاب الكفالة ٥٢/٢ (هامش "كشف الحقائق").

حاشية ابن عابدين
١٠٠
قسم المعاملات
أضافَ الضَّمانَ إلى ما ليس بسببٍ لُّزُومِ فذلك الضَّمَادُ(١) باطلٌ كقولِهِ: إِنْ هَبَّتِ الرِّيحُ فمالَكَ على
فُلانِ فعليَّ)) اهـ. وحزَمَ بذلك "الزَّيلِعِيُّ) (٢) وصاحبُ "البحرِ"(٣) و "الَّهِ"(٤) و"المنحِ"(٥)، ولكنْ وقَعَ في
كثيرٍ مِن الكتبِ أَنَّه يبطُلُ الَّعليقُ وَتَصِحُّ الكفالةُ ويلزَمُ المالُ حالاً، مِنها: "حاشية الهداية(٦) للخبّازِيِّ"
و"غاية البيان" وكذا "الكفاية" لـ "البيهقيّ" حيثُ قال: ((فإِنْ قال: إذا هَبَّتِ الرِّيحُ، أو: دخَلَ زيدٌ الدّارَ
فالكفالةُ جائزةٌ والشَّرِطُ باطلٌ والمالُ حالٌ))، وكذا في "شرح العيون لأبي الَّيث"(٧) و"المختار"(٨).
ووقَعَ اختلافٌ فِي نُسَخِ "الهداية" ونُسَخِ "الكنز"، ففي بعضِها كالأوَّلِ، وفي بعضِها كالّاني (٩)، وقد
مالَ إلى الثّاني العلاّمةُ "الطَّرَسوسيُّ" في "أنتفع الوسائل"(١٠) وأَرجَعَ ما مرَّ (١) عن "الخانَيَّة" وغيرِها
إليه. ورَدَّ عليه العلاّمةُ "الشُّر نبُلاليُّ" في رسالةٍ خاصَّةٍ (١٢) وادَّعَى أنَّ ما في "الخَبّازِيَّة"(١٣) مُؤْوَّلٌ
وأَرجعَهُ إلى ما في "الخانيَّة" وغيرِها، ورَدَّ أيضاً(١٤) على قولِ "الدُّرر"(١٥): ((إنَّ في المسألةِ قولينٍ)).
(١) ((الضمان)) ليست في "م".
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الكفالة ١٥٤/٤.
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٢٤٠/٦ - ٢٤١.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٧/ب.
(٥) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق ٤٦ /ب.
(٦) وهي حواشٍ لأبي محمد عمر بن محمد الخَّازيّ (ت ٦٩١هـ)، وتقدمت ترجمتها ٣٧٤/١.
(٧) المسمى "حصر المسائل وقصر الدلائل" لأبي الفتح محمد بن عبد الحميد، علاء الدين الأُسْمَنْديّ السمر قندي المعروف بالعلاء
العالم (ت٥٥٢هـ) وهو شرح "عيون المسائل" لأبي الليث السمر قنديّ (ت٣٧٣ هـ). انظر "كشف الظنون" ١١٨٧/٢،
"الجواهر المضية" ٢٠٨/٣، "الأعلام" ١٨٧/٦.
(٨) انظر "الاختيار": كتاب الكفالة ١٧١/٢.
(٩) الذي في نسختنا من "الهداية" و"الكنز" هو القول الثاني. انظر "الهداية": كتاب الكفالة ٩٠/٣، و"شرح العيني
على الكنز": كتاب الكفالة ٧٢/٢.
(١٠) "أنفع الوسائل": مسألة الكفالة المعلّقة بالشرط وتحرير الكلام فيها صـ٢٧٩ - ٢٨٠ -.
(١١) في هذه المقولة.
(١٢) هي الرسالة السادسة والثلاثون المسماة: "بسط المقالة في تحقيق تأجيل وتعليق الكفالة" ق ٢٣١/ب (ضمن "رسائل
الشرنبلالي"). ("إيضاح المكنون" ١٨٢/١، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ١٧٤/١).
(١٣) في "الأصل": (("الخانية"))، وهو تحريف.
(١٤) "الشرنبلالية": كتاب الكفالة ٢٩٩/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(١٥) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٢٩٩/٢ بتصرف.

الجزء السادس عشر
٠١٠١
كتاب الكفالة
وما في "الهداية" سَهْوٌ كما حرَّرَهُ " ابنُ الكمالِ". نَعَمْ لو جعَلَهُ أَجَلاً صحَّتْ وَلَزِمَ
المالُ الحالِ، فليُحفظْ. (ولا) تَصِحُّ أيضاً (بجهالةِ المكفُولِ عنه).
أقولُ: والإنصافُ ما في "الدُّرر"؛ لأنَّ ارتكابَ تأويلِ هذه العباراتِ وإرجاعَ بعضِها
إلى البعضِ يحتاجُ إلى نهايةِ التَّكُلُّفِ والتَّعسُّفِ، والأَولى اتّباعُ ما مَشَى عليه جمهورُ "شرّاح
الهداية"(١) و"شرّاح الكنز)"(٢) وغيرُهم تَبَعاً لـ "المبسوط" و"الخانيَّة" مِن بُطلانِ الكفالةِ.
[٢٥٥٣٠) (قولُهُ: وما في "الهداية") حيث قال: ((لا يَصِحُّ النَّعليقُ بمجرَّدِ الشَّرطِ كقولِهِ:
إِنْ هَّتِ الرِّيحُ أو جاءَ المطرُ، إلّا أنَّه تَصِحُّ الكفالةُ ويَحِبُ المالُ حالاً؛ لأنَّ الكفالةَ لَمّا صحَّ
تعليقُها بالشَّرطِ لا تبطُلُ بالشُّروطِ الفاسدةِ كالطَّلاقِ والعِتَاقِ))، وتَبِعَهُ صاحبُ "الكافي"،
لكنْ في بعضِ نُسَخِ "الهداية"(٣) بعدَ قولِهِ: ((أو جاءَ المطرُ)): ((وكذا إذا جعَلَ واحداً مِنها
أجلاً))، وحينئذٍ فقولُهُ: ((إلّ أَنَّه تَصِحُّ الكفالةُ إلخ)) راجعٌ إلى مسألةِ الأجلِ فقط، ولا يُنافيهِ
قولُهُ: ((لأنَّ الكفالةَ لَمّا صحَّ تعليقُها بالشَّرِطِ إلخ))؛ لأنَّ المرادَ به الشَّرطُ الملائمُ، وقد أطالَ
الكلامَ على تأويلِ عبارةِ "الهداية" في "البحر"(٤) و"النّهر"(٥) وغيرِهما.
[٢٥٥٣١) (قولُهُ: نَعَمْ لو جِعَلَهُ أجَلاً) أي: بأنْ قال: إلى هُبُوبِ الرِّيحِ أو مَجيءِ المطرِ
ونحوَهُ مِمّا هو مجهُولٌ جهالةٌ مُتفاحشةً، فيبطُلُ النَّأجيلُ وَتَصِحُّ الكفالةُ، بخلافِ ما كانت
جهالتُهُ غيرَ مُتفاحشةٍ كالحصادِ ونحوِهِ، فإنَّها تَصِحُّ إلى الأجلِ كما قدَّمناهُ(٦) آنفاً.
٢٦٦/٤
(قولُهُ: والإنصافُ ما في "الدُّرر"؛ لأنَّ ارتكابَ تأويلِ هذه العباراتِ وإرجاعَ بعضِها إلى البعضِ
يحتاجُ إلى نهايةِ الَّكُلُّفِ إلخ) لا يظهرُ وجهٌ للقولِ بصحَّةِ الكفالةِ وبطلانِ التَّعليقِ، فإنَّه يُخرِجُ العِلَّةَ عنْ
العِلِيَّةِ، فالمتعَيِّنُ إرجاعُ الثّاني إلى الأوَّلِ .
(١) انظر كتاب الكفالة في "البناية": ٥٦٢/٧، و"الفتح": ٣٠٢/٦، و"العناية": ٣٠١/٦، و"الكفاية": ٣٠٢/٦ - ٣٠٣.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الكفالة ٧٢/٢، و"تبيين الحقائق": كتاب الكفالة ١٥٤/٤، و"البحر": كتاب
الكفالة ٢٤١/٦.
(٣) ومنها النسخة التي بين أيدينا: كتاب الكفالة ٩٠/٣.
(٤) انظر "البحر": كتاب الكفالة ٢٤١/٦.
(٥) انظر "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٧/ب.
(٦) المقولة [٢٥٥٢٩] قوله: ((ولا تَصِحُّ إنْ عُلّقَتْ بغيرِ مُلائمٍ إلخ)).

حاشية ابن عابدين
١٠٢
قسم المعاملات
في تعليقٍ وإضافةٍ، لا تخييرِ كـ: كَفَلتُ بما لَكَ على فُلانِ أو فُلانِ فَتَصِحُّ،
٠
[٢٥٥٣٢] (قولُهُ: في تعليقٍ) نحوُ: إِنْ غصّبَكَ إنسانٌ شيئاً فأنا كفيلٌ. اهـ "ح"(١). ويُستثَنَى
مِنه ما سيأتي متناً آخِرَ البابِ(٢)، وهو ما لو قال له: اسلُكْ هذا الطَّريقَ إلخ، وسيأتي(٣) بيانُهُ.
[٢٥٥٣٣] (قولُهُ: وإضافةٍ) نحوُ: ما ذابَ لك على النّاسِ فعليَّ. اهـ "ح"(٤). وقد صرَّحَ
أيضاً في "الفتح"(٥): ((بأنَّه مِن جهالةِ المضمُونِ في الإضافةِ)).
قلتُ: ووجهُهُ أنَّ ((ما ذابَ)) ماضٍ أُريدَ به المستقبَلُ كما يأتي(٦)، فكان مضافاً إلى
المستقبَلِ معنّى، وعن هذا جعَلَ في [٣/ ق١/١٧٢] "الفصول العماديّة" المعلَّقَ مِن المضافِ؛ لأنَّ
المعلِّقَ واقعٌ في المستقبلِ أيضاً. وقدَّمنا(٧) أنَّه في "الهداية" جعَلَ: ((ما بايعتَ فُلاناً)) مِن
المعَلَّقِ؛ لأنَّه في حُكمِهِ مِن حيثُ وقُوعُ كلِّ مِنهما في المستقبلِ، وبه ظهَرَ أنَّ كلاَّ مِنهما يُطلَقُ
على الآخَرِ نظراً إلى المعنى، وأمّا بالنّظرِ إلى اللَّفظِ فما صُرِّحَ فيه بأداةِ الشَّرطِ فهو مُعلَّقٌ
وغيرُهُ مُضافٌ، وهو الأوضحُ، فلذا غايرَ بينَهما تَبَعاً لـ "الفتح"، فافهمْ.
[٢٥٥٣٤) (قولُهُ: لا تخييرٍ) بالخاءِ المعجمةِ، وسَمّاهُ تخييراً لكونِ المكفُولِ(٨) له مُخيَّراً كما
ذكَرَهُ، لكنَّ الواقِعَ في عبارةِ "الفتح"(٩) وغيرِهِ: ((تنجيزٍ)) بالجيمِ والزّي، وهو الأصوبُ؛ لأنَّ
المرادَ به الحالُ المقابِلُ للتّعليقِ والإضافةِ المرادِ بهما المستقبَلُ، ووجهُ جوازِ جهالةِ المكفُولِ عنه في
التّنجيزِ دونَ التَّعليقِ - كما في "الفتح"(٩) -: ((أنَّ القياسَ يأَبَى جوازَ إضافةِ الكفالةِ؛ لأنَّها تمليكٌ
(١) "ح": كتاب الكفالة ق ٣٠٤/ب.
(٢) صـ ١٨٢ - "در".
(٣) المقولة [٢٥٧٣٩] قوله: ((فإنَّه أمنٌ)) وما بعدها.
(٤) "ح": كتاب الكفالة ق ٣٠٤/ب باختصار.
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٠/٦.
(٦) المقولة [٢٥٥٤١] قوله: ((أي: ما ثبَتَ)).
(٧) المقولة [٢٥٥١٦] قوله: ((أَو عُلِّقَتْ بشرطٍ صريحٍ)).
(٨) ((المكفول)) ساقطة من "الأصل".
(٩) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٠/٦.

الجزء السادس عشر
١٠٣
كتاب الكفالة
والتَّعيينُ للمكفُول له؛ لأَنَّه صاحبُ الحَقِّ، (ولا بجهالةِ المكفُول له) وبه
في حَقِّ الطّالبِ، وإنَّما حُوِّرَتِ استحساناً للتَّعاملِ، والتَّعاملُ فيما إذا كان المكفُولُ عنه
معلُوماً، فبقيَ المجهُولُ على القياسِ)).
[٢٥٥٣٥] (قولُهُ: والنَّعيينُ للمكفُولِ له؛ لأَنَّه صاحبُ الحَقِّ) كذا في "البحر "(١) عندَ قولِهِ:
((وبالمالِ ولو مجهُولاً))، وتَبِعَهُ في "النَّهر"(٢)، لكنْ جعَلَ في "الفتح"(٣) الخِيارَ للكفيلِ، ونصُّهُ:
((ولو قال لرجلٍ (٤): كَفَلتُ بما لَكَ على فُلانٍ أو ما لَكَ على فُلانِ رجلٍ آخَرَ جازَ؛ لأَنَّها
جهالةُ المكفُولِ عنه في غيرِ تعليقٍ، ويكونُ الخِيارُ للكفيلِ)) اهـ. ومثلُهُ ما في "كافي الحاكم":
((لو قال: أنا كفيلٌ بفُلانِ أو فُلانٍ كان جائزاً يدفَعُ أَيّهما شاءَ الكفيلُ فيبرَأُ عن الكفالةِ))، ثمَّ
قال: ((وإذا كفَلَ بنفسِ رجلٍ أو بما عليه وهو مائةُ درهمٍ كان جائزًاً، وكان عليه أيُّ ذلك
شاءَ الكفيلُ، وأَّهما دفَعَ فهو بريءٌ)) اهـ. وبه عُلِمَ أنَّ ما هنا قولٌ آخَرُ أو سَبْقُ قلمٍ.
[٢٥٥٣٦] (قولُهُ: ولا بجهالةِ المكفُولِ له) يُستثنَى مِنه الكفالةُ في شِرْكةِ المفاوضةِ، فإنَّها تَصِحُّ
مع جهالةِ المكفُولِ له؛ لُبُوتِها ضمناً لا صريحاً كما ذكَرَهُ في "الفتح"(٥) مِن كتابِ الشِّرْكةِ.
[٢٥٥٣٧] (قولُهُ: وبه) أي: ولا تَصِحُّ بجهالةِ المكفُولِ به، والمرادُ هنا النّفسُ لا المالُ؛ لِما تقدَّمَ(٦)
مِن أنَّ جهالةَ المالِ غيرُ مانعةٍ مِن صحَّةِ الكفالةِ، والقرينةُ على ذلك الاستدراكُ. اه "ح"(٧).
قلتُ: والظّاهرُ أنَّ المانعَ هنا جهالةٌ مُتفاحشةٌ لِمَا عَلِمتَ آنفاً مِن قولِ "الكافي": ((لو
قال: أنا كفيلٌ بِفُلانِ أو فُلانٍ جازَ))، تأمَّلْ.
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٥/٦.
(٢) "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٦/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٠/٦.
(٤) في النسخ جميعها: ((رجلٌ))، وما أثبتناه من "الفتح".
(٥) "الفتح": كتاب الشركة - فصل: لا تنعقد الشركة إلخ ٣٩٦/٥.
(٦) صـ٧٤ - وما بعدها "در".
(٧) "ح": كتاب الكفالة ق ٣٠٤/ب.

حاشية ابن عابدين
١٠٤
قسم المعاملات
مُطلقاً. نَعَمْ لو قال: كَفَلتُ رجلاً أعرِفُهُ بوجههِ لا باسمِهِ جازَ، وأيُّ رجلٍ أَتَّى به
وحَلَفَ أَنَّه هو بَرِئَ، "بزّزيَّةِ"(١). وفي "السِّراحيَّةً"(٢): ((قال لضيفِهِ وهو يخافُ على
دأَّتِهِ مِن الذّئبِ: إِنْ أَكَلَ الذّئبُ حمارَكَ فأنا ضامنٌ فأكلَهُ الذّئبُ لم يَضْمَنْ)) (نحوُ: ما
ذابَ) أي: ما ثبَتَ (لك على النّاسِ أو) على (أحدٍ مِنهم فعليَّ)
[٢٥٥٣٨) (قولُهُ: مُطلقاً) أي: سواءٌ كانت في تعليقٍ، أو إضافةٍ، أو تنجيزِ، قال في
"الفتح"(٣): ((والحاصلُ أنَّ جهالةَ المكفُولِ له تَمنَعُ صحَّةَ الكفالةِ مُطلقاً، وجهالةَ المَكْفُول به
لا تَمنَعُها مُطلقاً، وجهالةَ المكفُولِ عنه في التّعليقِ والإضافةِ تَمنَعُ صحَّةَ الكفالةِ، وفي التَّحِيزِ
لا تَمنَعُ)) اهـ. ومرادُهُ بالمكفُولِ به المالُ عكسَ ما في "الشَّرح".
[٢٥٥٣٩) (قولُهُ: جازَ) لأنَّ الجهالةَ في الإقرارِ لا تَمنَعُ صحَّتَهُ، "بحر "(٤) عن "البزّزِيَّة"(٥).
وذكَرَ (٦) عنها (٧) أيضاً: ((لو شَهِدا(٨) على رجلٍ أَنَّ كَفَلَ بنفسِ رجلٍ نعِفُهُ(٩) بوجهِهِ إنْ جاءَ به
لكنْ لا نعرِفُهُ باسمِهِ جازَ)).
[٢٥٥٤٠) (قولُهُ: لم يَضْمَنْ) لأنَّ فعلَهُ خُبَارٌ كما مرَّ(١٠) في: ((إِنْ أكلَكَ سبعٌ)).
(٢٥٥٤١) (قولُهُ: أي: ما تَبَتَ) قال في "المنصوريَّة"(١١): ((الذَّوْبُ واللُّزومُ يُرادُ بهما
القضاءُ، فما لم يُقْضَ بالمكفُولِ به بعدَ الكفالةِ على المكفُولِ عنه لا يلزمُ الكفيلَ، وهذا في غیرِ
(١) "البزازية": كتاب الكفالة - الفصل الخامس في تكفيل الحاكم ٢٣/٦ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتاوى السراجية": كتاب الكفالة - باب الكفالة بالمال ٣٢٥/٢ (هامش "الفتاوى الخانية").
(٣) "الفتح": كتاب الكفالة ٣٠٠/٦.
(٤) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٥/٦.
(٥) "البزازية": كتاب الكفالة - الفصل الخامس في تكفيل الحاكم ٢٣/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٥/٦.
(٧) "البزازية": كتاب الكفالة - الفصل الخامس في تكفيل الحاكم ٢٣/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) في "م": ((شهد))، وهو تحريف.
(٩) في مطبوعة "البزازية": ((يعرفه)) بالياء.
(١٠) المقولة [٢٥٥٢٤] قوله: ((بخلافِ إنْ أكلَكَ سبعٌ)).
(١١) تقدمت ترجمتها ٥٣٦/١.

الجزء السادس عشر
١٠٥
کتاب الكفالة
مثالٌ للأوَّلِ، ونحوُهُ: ما بايعتَ به أحداً مِن النّاسِ، "معين المفتي"(١) (أو: ما ذابَ) عليك
(للّاسِ أو لأحدٍ مِنهم عليك فعليَّ) مثالٌ للثّاني، (ولا) تَصِحُّ (بنفسِ حَدٍّ وقِصاصٍ) لأنَّ
النِّيَابَةَ لا تجري في العُقوباتِ، (ولا بحملِ دَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُستأجَرةٍ له، وخدمةِ عبدٍ مُعَيَّنِ
مُستأجَرٍ لها) أي: للخدمةِ؛
عُرْفِ أهلِ الكوفةِ، أمّا عُرْقُنا فالذَّوْبُ واللُّزُومُ عبارةٌ عن الوُجُوبِ فَيَجِبُ المالُ وإِنْ لم يُقْضَ
به)). اهـ "ط" (٢). وهذا - أي: ما ذابَ - ماضٍ أُريدَ به المستقبَلُ كما في "الهداية"(٣)، وسيذكرُهُ
"الشّارحُ"(٤) أيضاً، أي: لأَنَّه في معنى الشَّرطِ كما تقدَّمَ(٥)، فلا يلزَمُ الكفيلَ ما لم يُقْضَ به على
الأصيلِ بعدَ الكفالةِ، لكنّه هنا لا يلزَمُهُ شيءٌ؛ لجهالةِ المكفُولِ عنه.
[٤٢ ٢٥٥) (قولُهُ: مثالٌ للأوَّلِ) وهو جهالةِ المكفُولِ عنه.
[٤٣ ٢٥٥] (قولُهُ: ونحوُهُ: ما بايعتَ إلخ) أي: هو مثالٌ للأوَّلِ أيضاً.
[٢٥٥٤٤] (قولُهُ: مثالٌ للثّاني) أي: جهالةِ المكفُولِ له.
[٢٥٥٤٥)] (قولُهُ: ولا تَصِحُّ بنفسِ حَدِّ وقِصاصٍ) أمّا لو كفَلَ بنفسِ مَن عليه الحَدُّ تَصِحُّ، لكنَّ
هذا في الحُدودِ التي فيها للعبادِ حَقٌّ كحَدِّ القذفِ، بخلافِ الحُدودِ الخالصةِ كما تقدَّمَ(٦) بيانُهُ.
[٢٥٥٤٦] (قولُهُ: مُستأجَرةٍ له) أي: للحملِ .
(قولُهُ: فلا يلزَمُ الكفيلَ ما لم يُقْضَ إلخ) إنَّما يظهَرُ على الأوَّلِ لا الثّاني.
(١) في "ب" و"أ": ((الفتوى)) وما أثبتناه من "د" و"و" هو الاسم الذي عرف به الكتاب للمصنف التمرتاشي كما في مصادر
ترجمته، واسم الكتاب كاملاً "معين المفتي على جواب المستفتي". انظر "كشف الظنون" ١٧٤٦/٢ و"خلاصة الأثر" ١٨/٤.
(٢) "ط": كتاب الكفالة ١٥٣/٣.
(٣) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٠/٣.
(٤) في هذه الصحيفة "در".
(٥) المقولة [٢٥٥٣٣] قوله: ((وإضافةٍ)).
(٦) المقولة [٢٥٤٦١] قوله: ((وظاهرُ كلامِهم)) وما بعدها.

حاشية ابن عابدين
١٠٦
قسم المعاملات
لأَنَّه يلزَمُ تغييرُ المعقُودِ عليه - بخلافٍ غيرِ الْمُعَيَّنِ؛ لوُجوبِ مُطلقِ الفعلِ - لا التّسليمُ،
(ولا بمبيعٍ) قبلَ قَبْضِهِ (ومرهُونٍ وأمانةٍ) بأعيانِها،
[٢٥٥٤٧) (قولُهُ: لأَنَّه يلزَمُ إلخ) قال في "الدُّرر"(١): ((لأَنَّه [٣/ق١٧٢ /ب] استُحِقَّ عليه
الحملُ على داَةٍ مُعَّنةٍ، والكفيلُ لو أعطَى دابَّةً مِن عندِهِ لا يستَحِقُّ الأُحرةَ؛ لأَنَّه أتَى بغيرِ
المعقُودِ عليه، ألا يُرَى(٢) أنَّ المؤجِّرَ لو حملَهُ على دابَّةٍ أُخرى لا يستَحِقُّ الأُجرةَ فصار عاجزاً
ضرورةً، وكذا العبدُ للخدمةِ، بخلاف ما إذا كانتِ الدّأَبَّةُ غيرَ مُعَّنةٍ؛ لأنَّ الواجبَ على
المؤجِّرِ الحملُ مُطلقً، والكفيلُ يَقْدِرُ عليه بأنْ يحمِلَ على دابَّةِ نفسِهِ)) اهـ.
[٢٥٥٤٨] (قولُهُ: لا النَّسليمُ) لأَنَّه لو كان الواجبُ التَّسليمَ لَزِمَ صِحَّةُ الكفالةِ في المعَّنَةِ
أيضاً؛ لأنَّ الكفالةَ بتسليمِها صحيحةٌ كما يأتي(٣).
٢٦٧/٤
[٢٥٥٤٩] (قولُهُ: ولا بمبيعٍ قَبْلَ قَبْضِهِ) بأنْ يقولَ للمشتري: إنْ هَلَكَ المبيعُ فعليَّ،
"درر "(٤)؛ لأنَّ ماليّتَهُ غيرُ مضمونةٍ على الأصيلِ، فإنّه لو هَلَكَ ينفَسِخُ البيعُ وَيَحِبُ رَدُّ الثَّمَنِ
كما ذكَرَهُ "صدرُ الشَّريعة" (٥).
[٢٥٥٥٠) (قولُهُ: ومرهُونٍ وأمانةٍ) اعَلَمْ أنَّ الأعيانَ إمّا مضمُونَةٌ على الأصيلِ أو أمانةٌ، فالّاني
كالوديعةٍ، ومالِ المضاربةِ، والشِّرْكةِ، والعاريَةِ، والمستأجَرِ في يدِ المستأجرِ، والمضمُونَةُ إِمّا بغيرِها
كالمبيعِ قَبْلَ القَبْضِ، والرَّهنِ، فَإِنَّهما مضمُونانِ بِالَّمنِ والدَّينِ، وإِمّا بنفسِها كالمبيعِ فاسداً والمقُبُوضِ
على سَوْمِ الشِّراءِ، والمغصُوبِ، ونحوِهِ مِمّا تَجِبُ قيمتُهُ عندَ الهلاكِ، وهذا تَصِحُّ الكفالةُ به
(١) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠٠/٢.
(٢) في "م": ((ألا ترى)).
(٣) ص ١٠٧ - "در".
(٤) كذا في النسخ جميعها، ولم نعثر على النقل في "الدرر والغرر"، وعزاه ابنُ عابدين رحمه الله في مسوَّدته إلى "النهر"،
والمسألة فیه: کتاب الكفالة ق٤١٩ /ب.
(٥) "شرح الوقاية": كتاب الكفالة ٥٤/٢ (هامش "كشف الحقائق").

الجزء السادس عشر
١٠٧
كتاب الكفالة
فلو بتسليمِها صحَّ في الكلِّ، "درر"(١). ورجَّحَهُ "الكمالُ"(٢).
كما يذكرُهُ "المصنّفُ"(٣) دونَ الأَوَّلِينِ لفَقْدِ شرطِها، وهو أنْ يكونَ المكفُولُ مضمُوناً على الأصيلِ
لا يَخرُجُ عنه إلاّ بدَفْعِ عِهِ أو بدلِهِ، هذا خلاصةُ ما في "البحر "(٤) وغيرِهِ.
(٢٥٥٥١] (قولُ: فلو بتسليمِها صحَّ في الكلِّ) أي: في الأماناتِ، والمبيعِ، والمرهُونِ، فإذا
كانت قائمةً وجَبَ تسليمُها، وإنْ هَكَتْ لم يَجِبْ على الكفيلِ شيءٌ كالكفيلِ بالنَّفْسِ، وقيل: إنْ
وجَبَ تسليمُها على الأصيلِ كالعاريَةِ والإِجارةِ جازَتِ الكفالةُ بتسليمِها وإلّ فلا، "درر"(٥). أي:
وإِنْ لم يَجِبْ تسليمُها على الأصيلِ كالوديعةِ، ومالِ الْمُضاربةِ، والشِّرَكةِ فلا تَجُوزُ؛ لأنَّ الواجبَ
عليه عَدَمُ المنعِ عندَ الطَّبِ لا الرَُّّ، وهذا النَّفْصِيلُ جِزَمَ به "شرّاحُ الهداية)"(٦).
[٢٥٥٥٢] (قولُهُ: ورجَّحَهُ "الكمالُ") أي: رجَّحَ ما في "الدُّرر" مِن صحَّتِها في تسليمٍ
الأماناتِ كغيرِها، وحاصلُ ما ذكَرَهُ: ((الوجهُ عندي صحَّةُ الكفالةِ بتسليمِ الأمانةِ؛ إذ لا شكَّ في
وُجُوبِ رَدِّها عندَ الطَّلبِ، غيرَ أنَّه في الوديعةِ وأخويها يكونُ بالنَّخليةِ، وفي غيرِها بحملِ المردُودِ إلى
رَبِّهِ، قال في "الذَّخيرة": الكفالةُ بتمكينِ المودِعِ مِن الأَخْذِ صحيحةٌ)) اهـ، وما ذكَرَهُ
"السَّرَخْسيُّ)(٧): ((مِن أنَّ الكفالةَ بتسليمِ العاريَةِ باطلةٌ)) فهو باطلٌ؛ لِما في "الجامع الصَّغِير)(٨)
و"المبسوط" أنّها صحيحةٌ، ونصَّ "القُدُورِيُّ)(٩): ((أَنَّها بتسليمِ المبيعِ جائزةٌ))، وأقرَّهُ في "الفتح"(١٠)،
(١) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠١/٢ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٣/٦.
(٣) صـ ١١٠ - "در".
(٤) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٠/٦.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠١/٢.
(٦) انظر "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٣/٦، و"العناية": كتاب الكفالة ٣١٢/٦ (هامش "فتح القدير").
(٧) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب الكفالة بما لا يجوز ١٠٢/٢٠ بتصرف.
(٨) لم نعثر عليها في مظانها من مطبوعة "الجامع الصغير" التي بين أيدينا.
(٩) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الكفالة ١٥٣/٢ بتصرف.
(١٠) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٣/٦.

حاشية ابن عابدين
١٠٨
قسم المعاملات
فلو هلَكَ المستأجَرُ مثلاً لا شيءَ عليه كـ: كفيلِ النّفسِ، (وصحَّ) أيضاً (لو) المكفُولُ به
(ثَمَناً) لكونِهِ دَيناً صحيحاً على المشتري،
وانتصَرَ له في "العناية"(١): ((بأَنَّه لعلَّهُ الطَّلَعَ على روايةٍ أقوى مِن ذلك فاختارَها))، واعترضَهُ
في "النَّهر"(٢): ((بأَنَّه أمرٌ موهُوٌ))، قال في "البحر"(٣): ((ورَدُّهُ على "السَّرَخْسيِّ" مأخُوذٌ مِن
"معراج الدِّراية"، ويساعدُهُ قولُ "الزَّيلعيِّ)"(٤): ويَجُوزُ في الكلِّ أنْ يتكفِّلَ بتسليمِ العينِ
مضمُونَةً أو أمانةً، وقيل: إنْ كان تسليمُهُ واجباً على الأصيلِ كالعاريَةِ والإجارةِ جازَ وإلّ
فلا، فأفادَ أنَّ النَّفصيلَ بينَ أمانةٍ وأمانةٍ ضعيفٌ)) اهـ.
(٢٥٥٥٣] (قولُهُ: فلو هلَكَ المستأجَرُ) بفتحِ الجيمِ، قال في "الفتح"(٥): ((ولو عجَزَ - أي: عن
الّسليمِ - بأنْ ماتَ العبدُ المبيعُ، أو المستأجَرُ، أو الرَّهِنُ انفسُخَتِ الكفالةُ على وزانِ كفالةِ النَّفْسٍ)).
[٢٥٥٥٤) (قولُهُ: وصحَّ لو ثَمَناً) أي: صحَّ تكفُّهُ الثَّمَنَ عن المشتري. واحترَزَ به عن
تكفُّلِ المبيعِ عن البائعِ فإنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مضمُونٌ بغيرِهِ وهو الثَّمَنُ كما تقدَّمَ (٦). والمرادُ
بقولِهِ: ((لو ثَمَناً)) أَي: ثَمَنَ مبيعٍ بَيْعاً صحيحاً؛ لِما في "النّهر"(٧) عن "الَّتَار خانَّةً"(٨): ((لو ظهَرَ
فسادُ البيعِ رجَعَ الكفيلُ بما أدّاهُ على البائعِ، وإنْ شاءَ على المشتري، ولو فسَدَ بعدَ صحَّتِهِ بأنْ
أَحَقا به شرطاً فاسداً فالرُّجوعُ للمشتري على البائعِ، يعني: والكفيلُ يرجِعُ بما أدّاهُ على المشتري،
(١) "العناية": كتاب الكفالة ٣١٢/٦ (هامش "فتح القدير").
(٢) "النهر": كتاب الكفالة ق٤١٩/ب.
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٠/٦ - ٢٥١.
(٤) "تبیین الحقائق": کتاب الكفالة ١٥٨/٤ باختصار.
(٥) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٣/٦.
(٦) المقولة [٢٥٥٠٦] قوله: ((أي: إنْ بايعتَهُ فعليَّ، لا: ما اشتريتَّهُ)).
(٧) "النهر": کتاب الكفالة ق٤١٩ /ب.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الكفالة والضمان - الفصل الثاني عشر في الكفالة تبطل عن الكفيل إلخ ٤/ق٢١٦/أ باختصار.

الجزء السادس عشر
١٠٩
كتاب الكفالة
إلّا أنْ يكونَ صبيّاً محجُوراً عليه فلا يلزَمُ الكفيلَ تَبَعاً للأصيلِ، "خانَيَّة"(١).
وكأنَّ الفرقَ بينَهما أنَّه بظُهورِ الفسادِ تبيَّنَ أنَّ البائعَ أخَذَ شيئاً لايستحِقُّهُ فيرجِعُ الكفيلُ
عليه، وإنْ أَحَقا به شرطاً فاسداً لم يتبيَّنْ أنَّ البائعَ حينَ [٢/ ١٧٣٥ )] قَبَضَهُ قَبَضَ شيئاً
لا يستحِقُهُ)) اهـ. وفيه(٢) أيضاً: ((وقالوا: لو استُحِقَّ المبيعُ بَرِئَ الكفيلُ بالثَّمَنِ ولو كانتِ
الكفالةُ لغريمِ البائعِ، ولو رُدَّ عليه بعيبٍ بقضاءٍ أو بغيرِهِ، أو خِيارِ رؤيةٍ أو شرطٍ بَرِئَ الكفيلُ
إلّ أنْ تكونَ الكفالةُ لغريمٍ فلا يبرأُ. والفرقُ بينَهما فيما يظهرُ أَنَّه مع الاستحقاقِ تَبَّنَ أنَّ الثَّمَنَ
غيرُ واجبٍ على المشتري، وفي الرَّدِّ بالعيبِ ونحوِهِ وجَبَ المسقط بعدَ ما تعلّقَ حَقُّ الغريمِ به، فلا
یسري علیہ)) اهـ.
[٢٥٥٥٥) (قولُهُ: إلّ أنْ يكونَ إلخ) قال في "النَّهر"(٢): ((وقدَّمنا أَنَّه لو كَفَلَ عن صبيٌّ
ثَّمَنَ مَتَاعٍ اشتراهُ لا يلزَمُ الكفيلَ شيءٌ، ولو كفَلَ بالدَّرَكِ بعدَ قَبْضِ الصَّبِيِّ الثَّمَنَ لا يَجُوزُ،
وإنْ قبلَهُ جازَ)) اهـ. ومسألةُ الدَّرَكِ فيما لو كان الصَّبيُّ بائعً، وهو الذي قدَّمَهُ في "النّهر)"(٣)
عندَ قولِ "الكنز": ((إذا كان ديناً صحيحاً)).
(قولُهُ: لم يتبَّنْ أنَّ البائعَ حينَ قَبَضَهُ قَبَضَ شيئاً لا يستحِقُّهُ) يُفيدُ أنَّ إلحاقَ الشَّرطِ بعدَ قَبْضِ البائعِ
الثَّمَنَ مِن الكفيلِ، وأَنَّه لو أُلْحِقَ قبلَ قَبْضِهِ يكونُ للكفيلِ الرُّجوعُ على البائعِ.
(قولُهُ: ولو كَفَلَ بالدَّرَكِ بعدَ قَبْضِ الصَّبِيِّ الثَّمَنَ لا يَجُوزُ إلخ) عَلَّهُ في "البحر" نقلاً عن "الخانَّة"
بقولِهِ: ((لكونِهِ كَفَلَ بما ليس بمضمُونٍ على الأصيلٍ)) اهـ. مع أنَّ هذه العِلَّةَ موجُودٌ فيما لو كفَلَ قبلَ
قَبْضِهِ الثَّمَنَ. ولعلَّ وجهَها أنْ يُجعَلَ الضّامنُ مُستقرِضاً مِن الدّافعِ، والصَّبِيُّ نائبٌ عنه في القَبْضِ اهـ. ثمَّ
رأيتُ "السِّنديّ" نقَلَ المسألةَ عن "قاضيخان" قبيلَ كفالةِ الرَّجلينِ وعلَّلَها بما ذكرنا.
(١) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - فصل في الكفالة بالمال ٦٧/٣ بتصرف.
(٢) "النهر": کتاب الكفالة ق٤١٩/ب.
(٣) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٦/أ.

حاشية ابن عابدين
١١٠
قسم المعاملات
(و) كذا لو (مغصُوباً أو مقبوضاً على سَوْمِ الشِّراءِ) إنْ سُمِّيَ الثَّمَنُ وإلّ فهو أمانةٌ كما
مرَّ(١)، (ومَبِيعاً فاسِداً) وبدَلَ(٢) صُلْحٍ عن دَمٍ، وخُلْعٍ، ومَهْرٍ، "خانَّةَ"(٣). والأصلُ أَنّها
تَصِحُّ بالأعيانِ المضمونةِ بنفسِها، لا بغيرِها ولا بالأماناتِ،
[٢٥٥٥٦] (قولُهُ: وكذا لو مغصُوباً إلخ) لأنَّ هذه الأعيانَ مضمونةٌ بنفسِها على الأصيلِ،
فيلزَمُ الضّامنَ إحضارُها وتسليمُها، وعندَ الهلاكِ تَجِبُ قيمتُها، وإنْ مُستهلكةً فالضَّمانُ
لقيمتِها، "نهر"(٤). بخلافِ الأعيانِ المضمونةِ بغيرِها كالمبيعِ، والرَّهنِ، وبخلافِ الأماناتِ على ما
تقدَّمَ، "زيلعيّ "(٥).
[٢٥٥٥٧] (قولُهُ: وإلّ فهو أمانةٌ كما مرَّ) أي: في البُوعِ، وإذا كان أمانةً لا يكونُ مِن
هذا النَّوعِ، بل مِن نوعِ الأماناتٍ، وقد مرَّ(٦) حُكمُها.
[٢٥٥٥٨) (قولُهُ: وبدَلَ صُلْحٍ عن دَمٍ) أي: لو كان البدَلُ عبداً مثلاً فكفَلَ به إنسانٌ
صحَّت، فإِنْ هَلَكَ قبلَ القَبْضِ فعليه قيمتُهُ، ("بحر "(٧). وتقييدُهُ بالدَّمِ يُفيدُ أنَّ الكفالةَ ببدَلِ الصُّلْحِ
في المالِ لا تَصِحُّ؛ لأَنَّه إذا هَكَ انفسَخَ لكونِهِ كالبيعِ، "ط)(٨).
[٢٥٥٥٩] (قولُهُ: وخُلْعٍ) عطفٌ على ((صُلْحٍ)) أي: وبدَلَ خُلْعٍ.
[٢٥٥٦٠] (قولُهُ: ومَهْرٍ) أي: وبدَلَ مَهْرٍ، فَتَصِحُّ الكفالةُ في هذه المواضعِ بالعينِ كعبدٍ مثلاً؛
لأَنَّ هذه الأشياءَ لا تبطُلُ بهلاكِ العينِ كما في "البحر "(٩).
٢٦٨/٤
(١) ٢٧٤/١٤ وما بعدها "در".
(٢) في "و": ((أو بدل)).
(٣) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - فصل في الكفالة بالمال ٦٧/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤١٩/ب.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الكفالة ١٥٨/٤.
(٦) المقولة [٢٥٥٥٠] قوله: ((ومرهُونٍ وأمانةٍ)) وما بعدها.
(٧) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥١/٦.
(٨) "ط": كتاب الكفالة ١٥٣/٣.
(٩) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥١/٦.

الجزء السادس عشر
١١١
كتاب الكفالة
(و) لا تَصِحُّ الكفالةُ بنَوعَيها (بلا قُبُولِ الطّالبِ) أو نائبهِ ولو فُضُوليّاً (في مجلسِ العَقْدِ)،
[٢٥٥٦١] (قوله: بِنوعَيها) أي: بالنَّفسِ والمالِ .
[٢٥٥٦٢] (قوله: ولو فُضوليّاً) أي: ويتوقَّفُ على إجازةِ الطَّالبِ، وبِهِ ظَهرَ أنَّ شَرطَ
الصِّحةِ مُطلقُ القَبولِ، وأمَّا قَبُولُ الطَّالبِ بخصوصِهِ فهو شَرطُ النَّفَاذِ كما أفادَهُ "ابنُ الكمال"،
وفي "كافي الحاكم": ((اكفُلْ بكذا عن فلانِ لفلان، فقال: قد فعلتُ والطَّالبُ غائبٌ، ثُمَّ
قَدِمَ فَرضِيَ بذلكَ جازَ؛ لأَنَّه خَاطَبَ بِهِ مُخاطِبٌ وإنْ لم يَكُنْ وَكِيلاً، وللكفيلِ أنْ يَخرُجَ
مِنَ الكَفالةِ قَبْلَ قُدومِ الطَّلبِ)). وفي "البحر"(١) عن "السراج": ((لوقال: ضَمِنتُ ما لفُلانِ
على فُلانٍ وهما غائبانٍ فَقَبِلَ فُضُوليٌّ، ثمَّ بَلَغَهما وأجازا، فإِنْ أجابَ المطُلُوبُ أوَّلاً ثمَّ
الطّالبُ جازَتْ وكانت كفالةً بالأمرِ، وإِنْ بالعكسِ كانت بلا أمرٍ، وإنْ لم يَقبَلْ فُضُوليٌّ لم
تَجُزْ مُطلقاً، وإنْ كان الطّالبُ حاضراً وقَبِلَ ورضِيَ المطلُوبُ فإنْ رَضِيَ قبلَ قُبُولِ الطّالبِ
رجَعَ عليه، وإنْ بعدَهُ فلا)) اهـ. وعلَّلَهُ في "الخانِيَّةِ"(٢): ((بأنَّ الكفالةَ تَمَّتْ - أي: بِقُبُولِ
الطّالبِ - أوَّلاً ونَفَذتْ وَلَزِمَ المالُ الكفيلَ فلا تتغيّرُ بإجازةِ المطُلُوبِ)) اهـ وبه عُلِمَ أنَّ إجازةَ
المطُلُوبِ قبلَ قَبُولِ الطّالبِ بمنزلةِ الأمرِ بالكفالةِ، فللكفيلِ الرُّجوعُ بما ضَمِنَ، فَتَبَّهُ لذلك.
مطلبٌ في ضمانِ الَهْرِ
(تنبيةٌ)
قدَّمنا (٣) أَنَّه لو كَفَلَ رجلٌ لصبيٌّ صحَّ بِقَبُولِهِ لو مأذوناً، وإلّ فبقَبُولِ ولَيِّهِ، أو قَبُولِ أجنبيّ
وإجازةٍ وَلِيِّهِ، وإنْ لم يَقبَلْ عنه أحدٌ فعلى الخلافِ، أي: فعندَهما لا يَصِحُّ. وعليه: فلو ضَمِنَ
للصَّغيرةِ مَهْرَها لم يَصِحَّ إلّ بقَبُولٍ كما ذُكِرَ، وهذا لو أجنبيّاً، ففي بابِ الأولياءِ مِن "الخانَّة "(٤).
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٢/٦ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - فصل في الكفالة بالمال ٦٣/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٢٥٤٨٠] قوله: ((فَتَصِحُّ به)).
(٤) "الخانية": كتاب النكاح - الباب الأول فيما يتعلق به انعقاد النكاح ٣٥٧/١ - ٣٥٨ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
١١٢
قسم المعاملات
وجوَّزَها "الثّاني" بلا قَبُولِ، وبه يفتى، "درر"(١) و"بزّازِيَّة"(٢)، وأقرَّهُ في "البحر"(٣)، وبه قالتٍ
الأئمَّةُ الثّلاثةُ(٤). لكنْ نَقِّلَ "المصنّفُ "(٥) عن "الطَّرَسُوسيِّ(٦): ((أَنَّ الفتوى على
قولِهما))، واختارَهُ الشَّيخُ "قاسمٌ"، هذا حُكُمُ الإنشاءِ. (ولو أخبَرَ عنها) بأنْ قال:
أنا كفيلٌ بِمَا لِفُلانٍ على فُلانِ (حالَ غَيْبةِ الطّالبِ، أو كَفَلَ.
((زوَّجَ صغيرتَهُ وضَمِنَ لها مَهْرَها عن الزَّوجِ صحَّ إنْ لم يكنْ في مرضٍ موتِهِ، فإذا بلَغَتْ وَضَمَّنَتِ
الأبَ لم يَرجِعْ على الزَّوجِ إلّ إذا كان بأمرِهِ، وإِنْ زوَّجَ ابْنَهُ الصَّغيرَ وضَمِنَ عنه الَهْرَ في صحَّتِهِ
جازَ، وَيَرجِعُ بما ضَمِنَ في مالِ الصَّغِيرِ قياساً، وفي الاستحسانِ لا يَرجِعُ))، وتمامُهُ هناك.
[٢٥٥٦٣) (قولُهُ: واختارَهُ الشَّيخُ "قاسمٌ)(٧)) حيث نقَلَ اختيارَ ذلك عن أهلِ التَّرجيحِ
كـ "المحبوبيِّ" و"النَّسفيِّ" وغيرِ هما، وأقرَّهُ "الرَّمليُّ"، وظاهرُ "الهداية "(٨) ترجيحُهُ؛ لتأخيرِهِ(٩)
دليلَهما، وعليه المُتُونُ.
[٢٥٥٦٤] (قولُهُ: ولو أخبَرَ عنها إلخ) [١٧٣٥/٣/ب) بيانٌ لاستثناءِ مسألتينِ مِن قولِهِ: ((ولا تَصِحُّ
بلا قَبُولِ(١٠) الطّالبِ))، وفي استثناءِ الأُولى نظَرٌ كما يظهَرُ مِن التَّعليلِ.
[٢٥٥٦٥) (قولُهُ: بِمَا لِفُلانٍ) الأَولى جَعْلُ ((ما)) موصولةً وجَعْلُ اللّمِ مُتَّصلّةً بـ ((فُلانٍ))
على أنَّها جارَّةٌ كما يوجَدُ في بعضِ النُّسَخِ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الكفالة ٣٠١/٢.
(٢) "البزازية": كتاب الكفالة - الفصل الأول في المقدمة - نوع في ألفاظه ٦/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٢/٦.
(٤) انظر "نهاية المحتاج": كتاب الحوالة - باب الضمان الشامل للكفالة ٤٣٨/٤ وهو الأصح من مذهب الشافعيِّ، وفي قولٍ
يشترط قبوله. وانظر "المغني" لابن قدامة: كتاب الحوالة والضمان - باب الضمان - الأمور التي تعتبر لصحة الضمان ٣٥١/٦،
و"حاشية الدسوقي": باب الضمان ٣٣٤/٣.
(٥) "المنح": كتاب الكفالة ٢/ق٤٧ /ب.
(٦) "أنفع الوسائل": مسألة قبول الكفالة في مجلس العقد إلخ صـ٢٧٦ -.
(٧) "التصحيح والترجيح": كتاب الكفالة صـ٢٩٤ -.
(٨) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٣/٣.
(٩) ((لتأخيره)) ليست في "الأصل".
(١٠) في "م": ((قول))، وهو خطأ.

الجزء السادس عشر
١١٣
کتاب الكفالة
وارثُ المريضِ) الَلِيءٍ(١) (عنه) بأمرِهِ بأنْ يقولَ المريضُ لوارثِهِ: تكفَّلْ عَنّي بما عليَّ مِن
الدَّينِ فَكَفَلَ به مع غَيْبَةِ الغُرَماءِ (صحَّ) في الصُّورتينِ بلا قَبُولِ اتفاقاً استحساناً؛ لأنّها
وصيّةٌ، فلو قال لأجنبيٌّ لم يَصِحَّ، وقيل: يَصِحُّ، "شرح مجمع". وفي "الفتح"(٢) :......
[٢٥٥٦٦) (قولُهُ: وارثُ المريضِ) قَيَّدَ به لأَنّه لو قال هذا في الصِّحَّةِ لم يَحُزْ ولم يلزَمِ
الكفيلَ شيءٌ، وهذا قولُ "محمَّدٍ"، وهو قولُ "أبي يوسفَ" الأوَّلُ، ثمَّ رجَعَ وقال: الكفالةُ
جائزةٌ، "كافي". وجزَمَ بالأوَّلِ في "الفتح"(٣) عن "المبسوط "(٤).
[٢٥٥٦٧] (قولُهُ: الَلِيءٍ) أي: الذي عندَهُ ما يَفي بدَينِهِ.
[٢٥٥٦٨] (قولُهُ: لأَنّها وصيّةٌ) تعليلٌ للثّانيةِ، وتَرَكَ تعليلَ الأُولى لظُهورِهِ، فإنَّ الإخبارَ عن
العَقْدِ إخبارٌ عن رُكنيهِ الإِيجابِ والقَبُولِ. اهـ "ح"(٥). فليست في الحقيقةِ كفالةٌ بلا قَبُولِ.
وما ذكَرَه(٦) في وجهِ الاستحسانِ: ((مِن أَنَّها وصيّةٌ)) هو أحدُ وجهينِ في "الهداية"، قال(٧):
((ولهذا تَصِحُّ وإنْ لم يُسَمِّ المكفُولَ لهم، وإِنَّمَا تَصِحُّ إذا كان له مالٌ. الوجهُ الَّاني: أنَّ المريضَ
قائمٌ مَقامَ الطّالبِ؛ لحاجتِهِ إليه تفريغاً لذمَّتِهِ وفيه نَفْعٌ للطّالبِ، فصار كما إذا حضَرَ بنفسِهِ)).
فعلى الأوَّلِ هي وصيّةٌ لا كفالةٌ، وعلى الثّاني بالعكسِ، واعترَضَ الأوَّلَ بأَنَّه يلزَمُ عَدَمُ الفرقِ بينَ
حالِ الصِّحَّةِ والمرضِ إلّ أنْ يؤوَّلَ بأنَّه في معنى الوصيَّةِ، وفيه بُعْدٌ. واعترَضَ الثّانيَ في "البحر "(٨).
((بأنَّه لا فائدةَ في الكفالةِ؛ لأَنّ حيثُ اشْتَرَطنا وُجودَ المالِ فالوارثُ يُطالَبُ به على كلِّ حالٍ))،
(١) في "ب" و"ط": ((الَلِيِّ)).
(٢) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٦/٦.
(٣) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٥/٦.
(٤) "المبسوط": كتاب الكفالة - باب ما يصدق فيه الدافع من قضاء الدين ٨٤/٢٠ بتصرف.
(٥) "ح": كتاب الكفالة ق ٣٠٤/ب.
(٦) أي: الشارح، وفي "الأصل" و"ك" و"ب": ((ذَكَرَ)).
(٧) "الهداية": كتاب الكفالة ٩٣/٣ بتصرف.
(٨) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٢/٦ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
١١٤
قسم المعاملات
((الصِّحَّةُ أوجهُ))، وحقَّقَ (١) أنَّها كفالةٌ، لكنْ يَرِدُ عليه توقّفُها على المالِ. ولو له
مالٌ غائبٌ(٢): هل يُؤمَرُ الغَرِيمُ بانتظارِهِ؟ أو يُطالِبُ الكَفِيلَ؟
وأجابَ في "الَّهر "(٣): ((بأنَّ فائدَتَهُ تظهَرُ في تفريغِ ذمَّتِهِ))، تأمَّلْ. قال في "النَّهر "(٤):
((والاستثناءُ على الأوَّلِ مُنقطِعٌ، وعلى الثّاني مُتَّصلٌ ولذا كان أرجحَ، إلّ أنَّ مُقتضاهُ مُطالبةُ
الوارثِ وإنْ لم يكنْ للمَيْتِ مالٌ)) اهـ.
قلتُ: الظّهرُ أنَّ هذا وصيّةٌ مِن وجهٍ وكفالةٌ مِن وجهٍ فُيُراعَى الشََّهُ مِن الطَّرفينِ؛ لأَنّهم
ذكَرُوا للاستحسان وجهينِ مُتنافيينٍ، فَعُلِمَ أنَّ المرادَ مُراعاتُهما بالقَدْرِ الممكنِ وإلّ لَزِمَ إلغاؤهما.
[٢٥٥٦٩) (قولُهُ: الصِّحَّةُ أوجهُ) أيَّدَهُ في "الحواشي السَّعَدَّةِ(٥): ((بأنَّ الوارثَ حيثُ كان
مُطالَباً بالدَّينِ في الجملةِ كان فيه شُبهَةُ الكفالةِ عن نفسِهِ في الجملةِ، فكان ينبغي أنْ لا تَجُوزَ
كفالتُهُ، فإذا جازَتْ لِما مرّ في الوجهينِ فكفالةُ الأجنبيِّ وهي سالمٌ عن هذا المانعِ أَولى أنْ
تَصِحّ)) اهـ. وأقرَّهُ في "النَّهر )"(٦).
[٢٥٥٧٠] (قولُهُ: وحقَّقَ أنَّها كفالةٌ) أي: وبنَى عليه صحََّها مِن الأجنبيِّ، لكنْ يَرِدُ عليه
إلغاءُ أحدٍ وجهي الاستحسانِ. وإذا مَشينا على ما قُلنا مِن إعمالِ الوجهينِ وتوفيرِ الشَّبَهِينِ
بالوصيَّةِ والكفالةِ لم يضُرَّنا؛ لأنَّ الأجنبيَّ يَصِحُّ كونُهُ وصيّاً وكونُهُ كفيلاً.
[٢٥٥٧١] (قولُهُ: لكنْ يَرِدُ عليه توقُّقُها على المالِ) حيثُ فَّدَ بكونِ المريضِ مَلًّ، والكفالةُ
عن المريضِ لا تتوقّفُ على المالِ.
قلتُ: وهذا واردٌ على كونِها كفالةً مِن كلِّ وجهٍ، وقد عَلِمتَ أنَّ لها شَبَهِينٍ، واشتراطُ
المالِ مبنيٌّ على شَبَهِ الوصيّةِ كما أنَّ اشتراطَ المرضِ مبنيٌّ على شَبَهِ الكفالةِ دونَ الوصيَّةِ.
(١) أي: صاحب "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٦/٦.
(٢) في "و": ((على غائب)) .
(٣) قوله: ((في "النهر")) ليست في "م"، والنقل في "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢٠/أ.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢٠/ب.
(٥) "الحواشي السعدية": كتاب الكفالة ٣١٦/٦ - ٣١٧ بتصرف (هامش "فتح القدير").
(٦) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢٠ /ب.

الجزء السادس عشر
١١٥
كتاب الكفالة
لم أرَهُ، وينبغي على أَنَّه وصيَّةٌ أنْ ينتظِرَ لا على أنَّها كفالةٌ. وقَّدنا بأمرِهِ لأنَّ تَبَرُّعَ
الوارثِ بضمانِهِ فِي غَيْتِهِم لا يَصِحُّ، وروى "الحسنُ" الصِّحَّةَ، ولو ضَمِنَهُ بعدَ موتِهِ
صحَّ، "سراج". ولعلَّهُ قولُ "الثّاني" لِما مرَّ، "نهر "(١). وفي "البزّزيَّة"(٢): ((اختَلَفا في
الإخبارِ والإنشاءِ فالقولُ للمُخبرِ))
[٢٥٥٧٢] (قولُهُ: لم أرَهُ) أصلُ النَّوقُّفِ لصاحبِ "البحر " (٣)، والجوابُ لصاحبِ "النَّهر"،
ولا يَخْفَى عَدَمُ إفادتِهِ رَفْعَ الَتَّقُّفِ؛ لأنَّ مبنى التَّوَقُّفِ وُجودُ الشََّهِينِ، نَعَمْ، على ما حقَّقَهُ في
"الفتح"(٤): ((مِن أَنَّها كفالةٌ حقيقةً)) لا يَنتَظِرُ، لكنْ عَلِمتَ ما فيه. وقد يقالُ: إنَّ اشتراطَ
المالِ مبنيٌّ على شَبَهِ الوصيّةِ دونَ الكفالةِ كما عَلِمتَ، وبه يظهَرُ أَنَّه ليس المرادُ دَفْعَ الوَرَثةِ
مِن مالِهم، بل مِن مالِ الَّيْتِ، وذلك يُفيدُ الانتظارَ، ويُفيدُ أيضاً أنَّه لو هَلَكَ المالُ بعدَ الموتِ
لا يلزَمُ الوَرَنَةَ، ولم أرَهُ صريحاً.
٢٦٩/٤
[٢٥٥٧٣] (قولُهُ: ولو ضَمِنَهُ) أي: لو ضَمِنَ الوراثُ المريضَ الَلِيَّ بعدَ موتِهِ فِي غَيْبَةِ الطّالبِ.
[٢٥٥٧٤) (قولُهُ: ولعلَّهُ قولُ "الثّاني" لِما مرَّ) أي: مِن تجويزِهِ الكفالةَ بلا قُبُولِ، وهذا
الحَمَلُ مُتَعِيِّنٌ؛ لأَنَّها إذا لم تَصِحَّ عندَهما في حالِ الصِّحَّةِ لا تَصِحُّ بعدَ الموتِ بالأولى؛ ولأنَّ
وجهَ كونِها كفالةً في المَرَضِ قيامُ المريضِ مَقامَ الطّالبِ في القَبُولِ.
[٢٥٥٧٥) (قولُ: اختَلَفا في الإخبارِ والإنشاءِ) راجعٌ لمسألةِ "المصنّفِ" الأُولى، أي: إذا
قال: أنا كفيلُ زيدٍ (٣/ق١/١٧٤] فقال الطّالبُ: كنتَ مُخبِراً بذلك فلا يحتاجُ لقَبُولي، وقال
الكفيل: كنتُ مُنشِئاً للكفالةِ، فالقولُ للمُخبِرِ؛ لأَنَّه يدَّعي الصِّحَّةَ والآخَرُ الفسادَ، كذا في
"شرح الجامع" لـ "قاضي خان"(٥).
(١) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢٠/ب بتصرف.
(٢) "البزازية": كتاب الكفالة - الفصل الأول في المقدمة - نوع آخر ٦/٦ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٢/٦ - ٢٥٣.
(٤) "الفتح": كتاب الكفالة ٣١٦/٦.
(٥) "شرح الجامع الصغير": كتاب الكفالة - باب الكفالة بالنفس ٢/ق ٨٣/ب.

حاشية ابن عابدين
١١٦
قسم المعاملات
(و) لا تَصِحُّ (بِدَينٍ) ساقطٍ ولو مِن وارثٍ (عن مَيْتٍ مُفلِسٍ) إلّ إذا كان به كفيلٌ أو
مے
رهنّ "مُعراج"، أو ظهَرَ له مالٌ فَتَصِحُّ بِقَدْرِهِ، "ابن مَلَكٍ"، أو لَحِقَهُ دَينٌ بعدَ موتِهِ
فَتَصِحُّ الكفالةُ به؛ بأنْ حفَرَ بئراً على الطَّريقِ فَتَلِفَ به شيءٌ بعدَ موتِهِ لَزِمَهُ ضمانُ المالِ
في مالِهِ وضمانُ النَّفسِ على عاقلِهِ؛ لُبُوتِ الدَّينِ مُستِداً إلى وقتِ السَّببِ، وهو الحَفْرُ
الّبتُ حالَ قِيامِ الذِّمَّةِ، "بحر".
[٢٥٥٧٦) (قولُهُ: بدَينِ ساقطٍ) أي: بسببِ موتِهِ مُفلِساً.
[٢٥٥٧٧] (قولُهُ: عن مَيْتٍ(١) مُفلِسٍ) هو مَن ماتَ ولا تَرِكةَ له ولا كفيلَ عنه، "بحر "(٢).
[٢٥٥٧٨] (قولُهُ: إلّ إذا كان به كفيلٌ أو رهنٌ) استثناءٌ مِن قولِهِ: ((ساقطٍ))، ولو حذَفَ
((ساقطٍ)) أوَّلاً ثمَّ عَلَّلَ بقولِهِ: (لأَنَّه يسقُطُ بموتِهِ)) ثُمَّ استثَنَى مِنه لكان أوضَحَ، يعني: أنَّ الدَّينَ
يسقُطُ عن الَيْتِ المُفلِسِ إلّ إذا كان به كفيلٌ حالَ حياتِهِ أو رهنٌ، قال في "البحر"(٢): ((قَّدَ
بالكفالةِ بعدَ موتِهِ لأَنّه لو كَفَلَ في حياتِهِ ثُمَّ ماتَ مُعلِساً لم تبطُلِ الكفالةُ، وكذا لو كان به رهنٌ
ثَّ ماتَ مُعلِساً لا يبطُلُ الرَّهِنُ؛ لأنَّ سُقوطَ الدَّينِ في أحكامِ الدُّنيا في حَقِّهِ الضَّرورةِ فَتَقَدَّرُ
بقَدْرِها، فأبقيناهُ فِي حَقِّ الكفيلِ والرَّهنِ لِعَدَمِ الضَّرورةِ، كذا في "المعراج")). ولا يلزَمُ مِمّا ذُكِرَ
صحَّةُ الكفالةِ بِه حينئذٍ؛ للاستغناءِ عنها بالكفيلِ وبَيْعِ الرَّهنِ، "ط)(٣).
[٢٥٥٧٩] (قولُهُ: أو ظهَرَ له مالٌ) في "كافي الحاكم": ((لو ترَكَ الَيْتُ شيئاً لا يفي لَزِمَ
الكفيلَ بِقَدْرِهِ)).
[٢٥٥٨٠] (قولُهُ: على الطَّريقِ) المرادُ به الحَفْرُ في غيرِ مِلْكِهِ.
[٢٥٥٨١) (قولُهُ: لَزِمَهُ ضمانُ المالِ في مالِهِ وضمانُ النَّفْسِ على عاقلِهِ) هذا زيادةٌ مِن
"الشّارحِ" على ما في "البحر".
[٢٥٥٨٢) (قولُهُ: وهو الحَفْرُ الثّابتُ حالَ قيامِ الذّمَّةِ) والمستندُ يثبتُ أوَّلاً في الحالِ، ويلزَمُهُ
(١) في "الأصل": ((عن دين))، وهو تحريف.
(٢) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٣/٦.
(٣) "ط": كتاب الكفالة ١٥٤/٣.

الجزء السادس عشر
١١٧
كتاب الكفالة
وهذا عندَهُ، وصحَّحاها مُطلقاً، وبه قالتِ "الثَّلاثةُ"(١)، ولو تبَرَّعَ به أحدٌ صحَّ
إجماعاً، (و) لا تَصِحُّ كفالةُ الوكيلِ (بالثَّمَنِ للمُوكِّلِ)
اعتبارُ قوَّتِها حينئذٍ به لكونِهِ محلَّ الاستيفاءِ، "بحر "(٢) عن "التَّحرير"(٣)، أي: ويَلْزَمُ ثُبُوتَهُ في
الحالِ اعتبارُ قوَّةِ الذّمَّةِ حينَ تُبُوتِهِ به، أي بالدّينِ. وقولُهُ: ((لكونِهِ محلَّ الاستيفاءِ)) زيادةٌ مِنْ
"البحر" على ما في "التّحرِير".
(٢٥٥٨٣] (قولُهُ: وهذا) الإشارةُ إلى ما في "المتنِ".
[٢٥٥٨٤] (قولُهُ: مُطلقاً ) أي: ظهَرَ له مالٌ أَوْ لا.
[٢٥٥٨٥) (قولُهُ: ولو تَبَرَّعَ به) أي: بالدَّينِ، أي: بإيفائهٍ.
[٢٥٥٨٦] (قولُهُ: صحَّ إجماعاً) لأَنّه عندَ "الإِمامِ" وإنْ سقَطَ لكنَّ سُقوطَهُ بالنّسبةِ إلى مَن
هو عليه لا بالنّسبةِ إلى مَن هو له، فإذا كان باقياً في حَقِّهِ حَلَّ له أَخْذُهُ.
[٢٥٥٨٧] (قولُهُ: ولا تَصِحُّ كفالةُ الوكيلِ بِالثَّمَنِ) وكذا عكسُهُ وهو توكيلُ الكفيل
بِقَبْضِ الَّمَنِ كما سيأتي في الوكالةِ(٤)، "بحر "(٥). قَّدَ بالوكيلٍ لأنَّ الرَّسولَ بالبيعِ يَصِحُّ ضمانُهُ
الثَّمَنَ عن المشتري، ومثلُهُ الوكيلُ بَيْعِ الغنائمِ عن الإمامِ؛ لأَنَّه كالرَّسولِ. وقَّدَ بالثَّمَنِ لأنَّ
الوكيلَ بتزويجِ المرأةِ لو ضَمِنَ لها المَهْرَ صحَّ؛ لكونِهِ سفيراً ومُعبِّراً، "بحر "(٦). وقَّدَ بالكفالةِ
لأَنَّه لو تَبَرَّعَ بأداءِ الثَّمَنِ عن المشتري صحَّ كما في "النَّهر"(٧) عن "الخانَةِ"(٨).
(١) انظر: "حاشية الدسوقي": باب في الضمان وأحكامه ٥١٢/٣، و"الشرح الكبير": باب الضمان ٣٦٦/٦ (ذيل
"المغني")، و"تكملة المجموع شرح المهذب": كتاب الضمان - فرع في أركان الضمان ١٥٧/١٣.
(٢) "البحر": كتاب الكفالة ٢٣٥/٦.
(٣) "التحرير": المقالة الثانية: الباب الأول - الفصل الرابع في المحكوم عليه - مسألة: مانعو تكليف المُحالِ على أنَّ
شرطَ التكليفِ فهمُهُ صـ ٢٨٢ -.
(٤) نقول: في النسخ جميعها: ((الكفالة))، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لعبارة "البحر"، والمسألة مذكورة في وكالة
"البحر" في موضعين ١٨٠/٧، ١٨٢.
(٥) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٤/٦ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٣/٦.
(٧) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢٠/ب.
(٨) "الخانية": كتاب الكفالة والحوالة - فصل في الكفالة بمال ٦٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
١١٨
قسم المعاملات
فيما وُكِّلَ بَيْعِهِ؛ لأنَّ حَقَّ القَبْض له بالأصالةِ فيصيرُ ضامناً لنفسِهِ. ومُفادُهُ: أنَّ الوَصِيَّ
والنّاظرَ لا يَصِحُّ ضمانُهما الثَّمَنَ عن المشتري فيما باعاهُ؛ لأنَّ القَبْضَ لهما، ولذا لو أَبرآهُ
عن الثَّمَنِ صِحَّ وضَمِنا، (و) لا تَصِحُّ كفالةُ المضارِبِ (لَرَبِّ المالِ به) أي: بالثّمَنِ؛ لِما
مرَّ، ولأنَّ الثَّمَنَ أمانةٌ عندَهما، فالضَّمانُ تغييرٌ لُحُكمِ الشَّرِعِ،
[٢٥٥٨٨] (قولُهُ: فيما وُكِّلَ بَيْعِهِ) الأَولى أنْ يقولَ: أي: ثَمَنِ ما وُكِّلَ بَيْعِهِ. فَّدَ به لأنَّ
الوكيلَ بِقَبْضِ الثَّمَنِ لو كَفَلَ به يَصِحُّ كما في "البحر"(١).
[٢٥٥٨٩) (قولُهُ: لأنَّ حَقَّ القَبْضِ له بالأصالةِ) ولذا لا يبطُلُ بموتِ الموكِّلِ وبِعَزْلِهِ،
وجازَ أنْ يكونَ المؤكَّلُ وكيلاً عنه في القَبْضِ، وللوكيلِ عَزَّلُهُ، وتمامُهُ في "البحر"(٢).
[٢٥٥٩٠] (قولُهُ: ومُفادُهُ إلخ) هو لصاحبِ "البحر "(٣)، وتَبِعَهُ في "النَّهر " (٤).
[٢٥٥٩١] (قولُهُ: لو أَبرآهُ) بعدِّ الهمزةِ بضميرِ الَّثنيةِ.
[٢٥٥٩٢] (قولُهُ: لِما مرَّ) أي: في الوكيلِ مِن قولهِ(٥): ((لأنَّ حَقَّ القَبْضِ له إلخ)).
(٢٥٥٩٣) (قولُهُ: ولأنَّ الثَّمَنَ إلخ) ذكَرَهُ " الزَّيلعِيُّ))(٦). وقولُهُ: ((أمانةٌ عندَهما)) أي: عندَ
الوكيلِ والمضارِبِ، وهذا بعدَ القَبْضِ، أشارَ به إلى أنَّه لا فرقَ في عَدَمٍ صحَّةِ الكفالةِ بينَ أنْ
تكونَ قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ أو بعدَهُ. ووجهُ الأوَّلِ ما مرَّ(٧)، ووجهُ الثّاني أنَّ الثَّمَنَ بعدَ قَبْضِهِ أمانةٌ
عندَهما غيرُ مضمونةٍ، والكفالةُ غرامةٌ، وفي ذلك تغييرٌ لُحُكمِ الشَّرعِ بِعَدَمِ ضمانِهِ بسلا تَعَدِّ،
وأيضاً كفالتُهما لِمَا قَبَضاهُ كفالةُ الكفيلِ عن نفسِهِ، وأمّا ما مرَّ(٨) مِن صحَّةِ الكفالةِ بتسليمٍ
الأمانةِ فذاك في كفالةٍ مَن ليستِ الأمانةُ عندَهُ.
(١) "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٣/٦ - ٢٥٤.
(٢) انظر "البحر": كتاب الكفالة ٢٥٣/٦.
(٣) "البحر": كتاب الكفالة ٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤ بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب الكفالة ق ٤٢٠/ب.
(٥) في أول هذه الصحيفة.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الكفالة ١٦٠/٤.
(٧) المقولة [٢٥٥٤٩] قوله: ((ولا يمبيعٍ قَبْلَ قَبْضِهِ)) والتي بعدها.
(٨) المقولة [٢٥٥٥١] قوله: ((فلو بتسليمِها صحّ في الكلِّ)).