النص المفهرس

صفحات 401-420

الجزء الخامس عشر
٣٩٧
باب السّكم
(بخلافِ كِيلِهِ في ظَرفِ المشتري بأمرِهِ) فإِنَّ قَبْضٌ؛ لأنَّ حَقَّهُ فِي العَيْنِ، والأوَّلُ في الذِّمَّةِ.
(كيلُ العَينِ) المشتراةِ (ثمَّ) كيلُ (الدَّينِ) المسْلَمِ فيه وجعلُهُما (في ظَرفِ المشتري
قَبْضٌ بأمرِهِ) لتَبَعَّةِ الدَّينِ للعَيْنِ (وعكسُهُ) وهو كيلُ الدَّينِ أوَّلاً (لا) يكونُ قَبْضاً،
وخَيَّاهُ بينَ نَقْضِ البيعِ والشّرْكةِ. (أسلَمَ امَةً فِي كُِّ بُرِّ
وفي مسألةِ البيعِ يكونُ المشتري استَعَارَ ظَرفَ البائعِ ولم يَقِضْهُ فلا يصيرُ بيدِهِ، فكذا ما يقَعُ فيه،
فصار كما لو أمرَهُ أَنْ يَكِيلَهُ في ناحيةٍ مِن بيتِ البائعِ؛ لأنَّ البيتَ بنواحيهِ في يدِ البائعِ، "بحر "(١).
[٢٤٨١٦] (قولُهُ: لأنَّ حَقَّهُ فِي العَيْنِ) لأَنَّ مَلَكَهُ بنفسِ الشِّرَاءِ، فَيَصِحُّ أمرُهُ لمصادفِتِهِ مِلكَهُ،
فيكونُ قابضاً بجعِهِ فِي الظَّرفِ، ويكونُ البائعُ وكيلاً في إمساكِ الظَّرفِ، فيكونُ الظَّرْفُ والواقعُ
فيه في يدِ المشتري حكماً، قال في "الهداية"(٢): ((ألا ترَى أَنَّه لو أمرَهُ بالطَّحنِ كان الطَّحينُ في
السَّلَمِ للمسْلَمِ إليه وفي الشِّراءِ للمشتري لصحَّةٍ الأمر وكذا إذا (٣) أمَرَهُ أنْ يَصُّبَّهُ في البحرِ: في
السَّلَمِ يَهلِكُ مِن مالِ المسْلَمِ إليه، وفي الشِّرَاءِ مِن مالِ المشتري)) اهـ. قال في "النّهر "(٤): ((وَأُورِدَ
أَنَّه لو وكَّلَ البائعَ بالقَبْضِ صريحاً لم يَصِحَّ، فَعَدَمُ الصِّحَّةِ هنا أَولى، وأُجِيبَ بأَنَّه لَمّا صحَّ أمرُهُ
الكونِهِ مالِكاً صار وكيلاً له ضرورةً، وكم مِن شيءٍ يَتْبُتُ ضِمْناً لا قَصْداً)).
[٢٤٨١٧] (قولُهُ: كيلُ العَينِ) مبتدأٌ، و ((جعلُّهُما)) معطُوفٌ عليه، وقولُهُ: ((قَبْضٌ))
خبرُهُ. وصورةُ المسألةِ: رجلٌ أسلَمَ في كُرِّ حنطةٍ، فلمّا حَلَّ الأَجَلُ اشْتَرَى رَبُّ السَّلَمِ مِن
المسْلَمِ إليه كُرَّ حنطةٍ بعينِها، ودفَعَ رَبُّ السَّلَمِ ظَرِفاً إلى المسْلَمِ إليهِ لَيَجعَلَ الكُرَّ المسْلَمَ فيه
والكُرَّ المشترَى في ذلك الظَّرفِ، فإنْ بدَأ بكيلِ العَينِ المشترَى في الظَّرفِ صار قابضاً للعَينِ؛
لصحَّةِ الأمرِ فيه، وللدَّينِ المسْلَمِ فيه؛ لمصادفتِهِ مِلكَهُ، كمَنِ استقرَضَ حنطةً وأمَرَ المُقرِضَ أنْ
(١) "البحر": کتاب البيع - باب السلم ١٨٢/٦ باختصار.
(٢) "الهداية": كتاب البيوع - باب السلم ٧٦/٣.
(٣) في "الأصل": ((لو)) بدل ((إذا)).
(٤) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٣ /ب.

حاشية ابن عابدين
٣٩٨
قسم المعاملات
(وَقُبِضَتْ، فَتَقايَلا) السَّلَمَ (فماتَتْ) قبلَ قَبْضِها بحكمِ الإقالةِ (بقيَ) عَقْدُ الإقالةِ (أو
ماتَتْ فَتَقايَلًا صَحَّ) لبقاءِ المعقُودِ عليه، وهو المسْلَمُ فيه (وعليه قِيْمَتُها يومَ القَبْضِ
فيهما) في المسألتين؛ لأنّه سببُ الضَّمان
٠
يزرَعَها في أرضِهِ، وإنْ بدَأ بالدّينِ لم يَصِرْ قابضاً لشيءٍ مِنهما، أمّا الدَّينُ فلعَدَمِ صحَّةِ الأمرِ
فيه، وأمّا العَينُ فلأَنَّه خَلَطَهُ بِلكِهِ قبلَ الَّسليمِ، فصار مُستهلِكاً عندَ "أبي حنيفةً" فَيَنتقِضُ البيعُ،
وهذا الخَلطُ غيرُ مَرضِيٍّ به؛ لجوازٍ أنْ يكونَ مرادُهُ البدايةَ بالعَينِ، وعندَهما بالخِيارِ: إنْ شاءَ
نقَضَ البيعَ، وإنْ شاءَ شارَكَهُ في المخُلُوطِ؛ لأنَّ الْخَلطَ ليس باستهلاكٍ عندَهما، "درر"(١).
[٢٤٨١٨] (قولُهُ: وَقُبِضَتْ) أي: قَبَضَها المسْلَمُ إليه، قال في "النّهر"(٢): ((قَيَّدَ بذلك لأَنّهما لو
تفرَّقًا لا عن قَبْضِها لم تَصِحَّ الإِقالةُ؛ لِعَدَمٍ صحَّةِ السََّمِ)).
[٢٤٨١٩] (قولُهُ: قبلَ قَبْضِها) أي: قبلَ أنْ يَقِضَها رَبُّ السَّلَمِ بسببِ الإقالةِ.
[٢٤٨٢٠] (قولُهُ: أو ماتَتْ) عطفٌ على قولِهِ السّابقِ: ((فَتَقَايَلا))، فيكونُ الموتُ بعدَ القَبْضِ.
[٢٤٨٢١) (قولُهُ: صحَّ) أي: عقدُ الإقالةِ.
[٢٤٨٢٢] (قولُهُ: لبقاءِ المعقُودِ عليه) لأنَّ الجاريةَ رأسُ المالِ، وهو في حكمِ الثَّمنِ في العقدِ،
والمبيعُ هو المسْلَمُ فيه، وصحَّةُ الإقالةِ تَعْتمِدُ قيامَ المبيعِ لا الثَّمَنِ كما مرَّ، فهلاكُ الأَمَةِ لا يُغيِّرُ حالَ
الإقالةِ مِن البقاءِ في الأُولى والصِّحَّةِ في الثّانيةِ، "درر)"(٣).
(٢٤٨٢٣] (قولُهُ: وعليه قِيْمُتُها) لأَنّه إذا اتفسَخَ العقدُ في المسْلَمِ فيه انفسَخَ في الجاريةِ تَبَعاً،
فوجَبَ عليه رَدُّها وقد عجَزَ عنه، فوجَبَ رَدُّ قِيْمتِها، "درر)"(٣).
(١) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب السلم ١٩٧/٢.
(٢) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٤/أ.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب السلم ١٩٧/٢.

الجزء الخامس عشر
٣٩٩
باب السَّم
(كذا) الحكمُ في (المقايضةِ، بخلافِ الشِّراءِ بالثّمنِ فيهما) لأنَّ الأمَةَ أصلٌ في البيعِ(١).
والحاصلُ: جوازُ الإقالةِ في السَّلَمِ قبلَ هلاكِ الجاريةِ وبعدَه بخلافِ البيعِ. (تَقَايَلا البيعَ
في عبدٍ فَأَبَقَ) بعدَ الإقالةِ (مِن يدِ المشتري فإنْ لم يَقدِرْ على تسليمِهِ) للبائعِ (بطَلَت
الإقالةُ والبيعُ بحالِهِ) "قنية"(٢). (والقولُ لِمُدَّعي الرَّداءةِ والتّأجيلِ، لا لِنافي الوصفِ)
[٢٤٨٢٤] (قولُهُ: كذا الحكمُ في المقايضةِ) هي بَيْعُ العَيْنِ بالعَيْنِ، فَتَبْقَى الإِقالةُ وتَصِحُّ بعدَ
هلاكِ أحدِ العِوَضينِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما مبيعٌ مِن وجهٍ وَثَمِنٌ مِن وجهٍ، ففي الباقي يُعتبَرُ
المبيعيَّةُ، وفي الهالِكِ الثَّمِنَّةُ، "درر"(٣).
[٢٤٨٢٥) (قولُهُ: بخلافِ الشِّراءِ بالثَّمنِ فيهما) أي: في المسألتينِ، فإذا اشتَرَى أَمَةً بألفٍ فَتَقايَلا
فماتَتْ [١٣٢٥/٢ / ب] في يدِ المشتري بطَّلَت الإقالةُ، ولو تَقَايَلا بعدَ موتِها فالإقالةُ باطلةٌ؛ لأنَّ الأَمَةَ هي
الأصلُ في البيعِ(٤)، فلا تَبَقَى بعدَ هلاكِها، فلا تَصِحُّ الإقالةُ ابتداءً ولا تَبْقَى انتهاءً لعَدَمٍ مَحلَّها، "درر"(٥).
[٢٤٨٢٦) (قولُهُ: في السَّلَمِ) أي: وفي المقايضةِ.
[٢٤٨٢٧] (قولُهُ: بخلافِ البيعِ) أي: بالثّمنِ.
[٢٤٨٢٨] (قولُهُ: تَقايَلا البيعَ إلخ) تقدَّمَت(٦) هذه المسألةُ في بابِ الإِقالةِ مَتناً.
[٢٤٨٢٩] (قولُهُ: والقولُ لِمُدَّعي الرَّداءةِ) هذا صادقٌ بما إذا قال أحدُهما: شَرَطنا رديئاً،
فقال الآخَرُ: لم نَشرِطْ شيئاً، وبما إذا ادَّعَى الآخَرُ اشتراطَ الجَودةِ، وقال الآخَرُ: إنّا شَرَطنا رديئاً،
والمرادُ الأوَّلُ، ولذا أردَقَهُ بقولِهِ: ((لا لِنافي الوصفِ والأَجَلِ))، ولإفادةِ أنَّ الرَّداءةَ مثالٌ،
(قولُهُ: والمرادُ الأوَّلُ) ولا يَصِحُّ إرادةُ الثّاني، فإنَّ مُوجَبَ الاختلافِ فيه هو التَّحالفُ؛ لأنَّ الوصفَ
جارٍ مَجَرَى الأصلِ كما في "النّهر".
(١) في "د": ((المبيع)).
(٢) "القنية": كتاب البيوع - باب في الإقالة ق ١١١/ب، نقلاً عن برهان الدين صاحب "المحيط".
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب السلم ١٩٧/٢.
(٤) في "م": ((المبيع)).
(٥) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب السلم ١٩٧/٢.
(٦) صـ ٨٨ - "در".

حاشية ابن عابدين
٤٠٠
قسم المعاملات
وهو الرَّداءةُ (والأَجَلِ) والأصلُ: أنَّ مَن خرَجَ كلامُهُ تَعَنْتَ فالقولُ لصاحبهِ بالاتّفاق،
حتّى لو قال أحدُهما: شَرَطنا جِيِّدً، وقال الآخَرُ: لم نَشرِطْ شيئاً فالحكمُ كذلك، "نهر"(١).
والظّاهرُ أنَّ القولَ إنّما يُقبَلُ مع اليمينِ، وقد صرَّحَ به في مسألةِ الأَجَلِ الآتيةِ(٢)، ولا فَرْقَ يَظهَرُ.
[٢٤٨٣٠] (قولُهُ: وهو الرَّداءةُ) أي: مثلاً.
(٢٤٨٣١] (قولُهُ: والأَجَلِ) بالجرِّ عطفاً على ((الوصفٍ))، والأَجَلُ: مُدَّةُ الشَّيءِ، والمرادُ به هنا
النَّجيلُ، وهو تحديدُ الأحَلِ بقرينةِ التّعبيرِ به قبلَهُ، وادَّعَى في "البحر"(٣): ((أَنَّه يَتْعَيّنُ كونُ الَّأْجِيلِ
بمعنى الأَجَلِ مجازاً بدليلٍ ما بعدَه))، ويَظهَرُ أنَّ المتعِيِّنَ العكسُ كما قُلنا؛ لأنَّ المرادَ الاختلافُ في
أصلِ التّأجيلِ لا في مقدارِ الأَجَلِ، وَيُؤْيِّدُهُ قولُ "المصنّف" بعدَه(٤): ((ولو اختَلَفا في مقدارِهِ)).
[٢٤٨٣٢) (قولُهُ: والأصلُ: أنَّ مَن خَرَجَ كلامُهُ تَعنّاً) بأنْ يُنكِرَ ما يَنفعُهُ، كأنْ قال المسْلَمُ
إليه: شَرَطتُ لك رديئاً، وقال رَبُّ السَّلَمِ: لم نَشترِطْ شيئاً، فالقولُ للمسْلَمِ إليه؛ لأنَّ رَبَّ السَّلَمِ
مُتَعِنّتٌ في إنكارِ الصِّحَّةِ؛ لأنَّ المسْلَمَ فِيه يَرْبُو على رأسِ المالِ في العادةِ، وكذا لو قال رَبُّ السَّلَمِ:
كان له أَجَلٌ وَأَنكَرَ المسْلَمُ إليه، فهو مُتُعّتٌ في إنكارِهِ حَقًّ له وهو الأَجَلُ كما في "الهداية" (٥).
(قولُهُ: فهو مُتعنّتٌ في إنكارِهِ حَقّاً له إلخ) فإنْ قلتَ: المسْلَمُ إليه ليس بِمُتَعَنْتٍ؛ لأَنَّه يدَّعي فسادَ
العقدِ وفيه نفعُهُ؛ لأَنَّه لا يَلْزَمُهُ المسْلَمُ فيه بسببِ فسادِ العقدِ، بل يَجِبُ عليه رَدُّ رأسِ المالِ وهو أقلُّ مِن
المسْلَمِ فيه عادةً، فوجَبَ أنْ يكونَ القولُ له؛ لإنكارِهِ. قُلنا: الفسادُ بسببِ عَدَمِ الأَحَلِ مختلَفٌ فيه بينَ
العلماءِ، فلم يُتِيقَّن بالفسادِ، فلا يُعتَبَرُ النَّعُ فِي سُقوطِ المسْلَمِ فيه عنه، بخلافِ عَدَمِ الوصفِ عندَهما؛ لأنَّ
الفسادَ فيه قطعيٌّ، فُيُعتبرُ إنكارُ المسْلَمِ إليه في الوصفِ؛ لأَنَّه ليس بِمُتَعَنْتٍ؛ لأنَّ فيه نفعَهُ بِسُقُوطِ المسْلَمِ
فيه ورَدِّ رأسِ المالِ، بخلافِ إنكارِ رَبِّ المسْلَمِ فيه؛ لأنَّه مُتَعَنّتٌ حيث يُنكِرُ وحُوبَ حَقِّهِ وهو المسْلَمُ فيه؛
لأَنَّه يَزِيدُ على رأسِ المالِ عادةً. اهـ "سنديّ".
(١) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٤ /أ.
(٢) في هذه الصحيفة، وما بعدها "در".
(٣) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٨٥/٦.
(٤) صـ ٤٠١ - "در".
(٥) "الهداية": كتاب البيوع - باب السلم ٧٧/٣.

الجزء الخامس عشر
٤٠١
باب السَّم
وإِنْ خَرَجَ خُصُومَةً ووقَعَ الاتّفاقُ على عَقْدٍ واحدٍ فالقولُ لِمُدَّعي الصِّحَّةِ عندَهما،
وعندَه للمُنكِرِ، (ولو اختَلَفا في مقدارِهِ فالقولُ للطّالبِ مع يمينِهِ) لإنكارِهِ الزِّيادةَ
(وأيُّ بَرِهَنَ(١) قُبلَ، وإنْ بَرِهَنَا قُضِيَ سِّنةِ المطُلُوبِ) لإثباتِها الزِّيادةَ،.
٢١١/٤
[٢٤٨٣٣] (قولُهُ: وإِنْ خَرَجَ خُصُومةً) بأنْ أنكَرَ ما يَضُرُّهُ كعكسِ التّصويرِ في المسألتينِ فالقولُ
لِمُدَّعي الصِّحَّةِ عندَه، وهو رَبُّ السَّلَمِ فِي الأُولى، والمسْلَمُ إليه في الثّانيةِ، وعندَهما الحكمُ كالأوَّلِ
كما قرَّرَهُ في "الهداية"(٢) وغيرها.
[٢٤٨٣٤] (قولُهُ: ووقَعَ الاتّفاقُ على عَقْدٍ واحدٍ) احترازٌ عمّا إذا لم يَتَّفِقا على عَقْدٍ واحدٍ
كما لو قال رَبُّ المالِ للمُضارِبِ: شَرَطتُ لك نصفَ الرِّبْحِ إلّ عشرةً، وقال المضارِبُ: بل
شَرَطتَ لي نصفَ الرِّيحِ فإنَّ القولَ لِرَبِّ المالِ؛ لأَنَّه يُنكِرُ استحقاقَ زيادةِ الرِّحِ وإِنْ تَضْمَّنَ ذلك
إنكارَ الصِّحَّةِ، هذا عندَهما، وأمّا عندَه فلأنَّ عَقْدَ المضارَبةِ إذا صَحَّ كان شِرْكةً، وإذا فسَدَ صار
إجارةً، فلم يَفِقًا على عَقْدٍ واحدٍ، فإنَّ مُدَّعيَ الفسادِ يدَّعي إجارةً، ومُدَّعيَ الصِّحَّةِ يدَّعي
الشِّرْكَةَ، فكان اختلافُهما في نوعِ العَقْدِ، بخلافِ السَّلَمِ، فإنَّ السَّلَمَ الحالَّ - وهو ما يدَّعيهِ مُنكِرُ
الأَجَلِ - سَلَمٌ فاسدٌ لا عَقْدٌ آخَرُ، ولهذا يَحَنَثُ في يمينِهِ: لا يُسْلِمُ في شيءٍ، فقد اتَّفقا على عَقْدٍ
واحدٍ واخْتَلَفا في صحَّتِهِ، فالقولُ لِمُدَّعي الصِّحَّةِ، وتمامُهُ في "الفتح"(٣).
[٢٤٨٣٥] (قولُهُ: فالقولُ لِمُدَّعي الصِّحَّةِ عندَهما، وعندَه للمُنكِرِ) كذا في بعضِ النِّسَخِ، وهو
سبقُ قلمٍ، وعبارةُ "الهداية(٤) وغيرِها: ((فالقولُ لِمُدَّعي الصِّحَّةِ عندَه، وعندَهما للمُنكِرِ))، وهو
كذلك في بعضِ النُسخِ.
[٢٤٨٣٦] (قولُهُ: فالقولُ للطّالبِ) أي: رَبِّ السَّلَمِ، فإنَّه يُطالِبُ المسْلَمَ إليه بالمسْلَمِ فيه.
[٤٨٣٧ ٢] (قولُهُ: وأيُّ بَرِهَنَ قُبِلَ) لكنَّ بُرهانَ رَبِّ السَّلَمِ وحدَهُ مُؤكّدٌ لقولِهِ لا مُثبتٌ؛ لأنَّ
القولَ له بدونِهِ، بخلافٍ بُرهانِ المسْلَمِ إليه وحدَهُ، ولذا قُضِيَ بِّتِهِ إذا بَرهنا معاً.
(١) في "ط": ((وأيُّ برهانٍ قُبِلَ)).
(٢) "الهداية": كتاب البيوع - باب السلم ٧٧/٣.
(٣) انظر "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٣٨/٦ - ٢٣٩.
(٤) "الهداية": كتاب البيوع - باب السلم ٧٧/٣.

حاشية ابن عابدين
٤٠٢
قسم المعاملات
(وإنْ) اختَلَفا (في مُضيِّهِ فالقولُ للمطُلُوبِ) أي: المسْلَمِ إليه بيمينِهِ، إلّ أنْ يُبرِهِنَ
الآخَرُ، وإِنْ بَرهنا فبِّنةُ المطُلُوبِ، ولو اختَلَفا في السَّلَمِ تَحالَفا استحساناً، "فتح"(١).
[٢٤٨٣٨] (قولُهُ: فالقولُ للمطُلُوبِ) لإنكارِهِ تَوجُّهَ المطالبةِ، "بحر "(٢).
[٢٤٨٣٩] (قولُ: وإنْ بَرهنا فِّةُ المطُلُوبِ) لإثباتِها زيادةَ الأَجَلِ، فالقولُ قولُهُ والبَِّةُ بَيِّتُهُ، "بحر"(٢).
[٢٤٨٤٠) (قولُهُ: ولو اختَلَفا في السَّلَمِ تَحالَفا استحساناً) أي: ويُبدأُ بيمينِ الطّالبِ، وأيٌّ
بَرِهَنَ قُبِلَ، وإِنْ بَرِهنا قُبرهانُ الطّالبِ، والمسألةُ على أوجهٍ؛ لأنَّ رأسَ المالِ إمّا عَيْنٌ أو دَينٌ،
وعلى كلِّ إمّا أنْ يَتَّفِقا عليه ويَخْتَلِفا في المسْلَمِ فيه، أو بالعكسِ، أو يَخْتَلِفا فيهما، فإنْ كان عَيناً
واختَلَفا في المسْلَمِ فيه فقط كقولِهِ: هذا الّوبُ فِي كُرِّ حنطةٍ، وقال الآخَرُ: في نصفِ كُرِّ، أو في
شعيرِ، أو حنطةٍ رديئةٍ وبَرهنا قُدِّمَ الطّلبُ، وإنْ اختَلَفا في رأسِ المالِ فقط هل هو ثوبٌ، أو عبدٌ؟
أو فيهما وبَرهنا قُضِيَ بالسَّلَمِينِ، وإنْ كان دراهمَ وأَّفقا فيه فقط يُقضَى للطّالبِ بِسَلَمٍ واحدٍ
عندَ "الّاني" خلافاً لـ "محمَّدٍ" ، وكذا لوِ الاختلافُ في المسْلَمِ فيه فقط، ولو فيهما كقولِهِ: عشَرةُ
دراهمَ في كُرَّي حنطةٍ، وقال الآخَرُ: خمسةَ عشرَ في كُرِّ وَبَرهنا فعندَ "الثّاني" تَتْبُتُ الزِّيادةُ،
فَيَجِبُ خمسةَ عشرَ فِي كُرَّينٍ، وعندَ "محمَّدِ" يُقضَى بِالعَقْدِينِ. اهـ "فتح" مُلخَّصاً.
(قولُهُ: ويُبدأُ بيمينِ الطّالبِ إلخ) وجهُهُ: أنَّ أوَّلَ التَّسليمينِ مِنه، وهو قولُ "محمَّدٍ" و"أبي يوسف"
آخِراً، وقال أوّلاً: يُبدَأُ بيمينِ المطُلُوبِ؛ لأَنَّه أوَّلُ المنكِرَينِ.
(قولُهُ: "فتح" مُلخَّصاً) في "المنبع": ((الأصلُ لـ "محمَّدٍ" في جنسِ هذه المسائلِ أنْ يُقضَى بِسَلَمِينِ
ما أمكنَ، وإنْ لم يمكنْ لضرورةٍ قُضِيَ بِسَلَمٍ واحدٍ، وإنَّما كان الأصلُ القضاءَ بعقدينٍ لأَنَّه اجتمَعَ ما
يُوجِبُ القضاءَ بعقدينٍ - فإنَّ كلَّ يَدَّعي عقدً غيرَ ما يدَّعيه الآخَرُ، فإنَّ العقدَ على الحنطةِ مثلاً غيرُ العقدِ
على الشَّعِيرِ - وما يُوجِبُ القضاءَ بعقدٍ واحدٍ، فإنَّهما مع اختلافِهما اتَّقًا على أنَّه لم يَحْرِ بينَهما إلّ عقدٌ
واحدٌ، فكان القضاءُ بعقدينٍ - وفيه عمَلٌ بالبِّتَينِ وبدعوى العقدينِ صورةً - أَولِى مِن القضاءِ بعقدٍ واحدٍ، وفيه
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٤٠/٦.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٨٤/٦.

الجزء الخامس عشر
٤٠٣
باب السَّم
(والاستصناعُ) هو طلَبُ عَمَلِ الصَّنَعةِ
مطلبٌ في الاستصناعِ
[٢٤٨٤١] (قولُهُ: هو لغةً: طَلَبُ الصَّعةِ(١) أي: أنْ يَطُلُبَ مِن الصّانعِ العمَلَ، ففي
"القاموس"(٢): ((الصِّناعةُ ككِتابةٍ: حِرْفَةُ الصّانِعِ، وعَمَلُهُ: الصَّنْعَةُ)) اهـ. فالصَّنْعَةُ عملُ الصّانعِ في
صناعتِهِ، أي: حِرفِتِهِ. وأمّا شرعاً فهو: طلَبُ العملِ مِنه في شيءٍ خاصٍّ على وجهٍ مَخْصُوصٍ يُعلَمُ
مِمّا يأتي(٣). وفي "البدائع"(٤): ((مِن شروطِهِ: بيانُ جنسِ المصنُوعِ، ونوعِهِ، وقَدْرِهِ، وصفتِهِ، وأنْ
يكونَ مِمّا فيه تعاملٌ، وأنْ لا يكونَ مُؤخَّلاً وإلّ كان سَلَماً، وعندَهما المؤجَّلُ استصناعٌ إلّ إذا
كان مِمّا لا يَجُوزُ فيه الاستصناعُ، فَيَنقِبُ سَلَماً في قولِهم جميعاً)).
تعطيلُ إحدى البِّنَتَينِ. إذا ثبَتَ هذا فنقولُ: ما داما في المجلسِ أمكنَ القضاءُ في العقدينِ بعشرينَ في كلِّ
عقدٍ بعشرةٍ؛ إذ يمكنُهُ أنْ يَنْقُدَ رأسَ المالِ لكلِّ عقدٍ في مجلسِهِ، أمّا إذا تفرَّقًا عنه وقد نقَدَ رَبُّ السَّلَمِ عِشَرةً
لا غيرَ لا يمكنُ القضاءُ بعقدينٍ؛ لأَنَّه تعذَّرَ نقدُ رأسِ المالِ في أحدِهما بعدَ التَّفرُّقِ فُيُقضَى بِّةِ رَبِّالسَّلَمِ؛
لأنَّ رَبَّ السَّلَمِ بِّتِ يُثِبِتُ الحقَّ لنفسِهِ، والمسْلَمُ إليه يُثبِتُ الحقَّ لغيرِهِ، والأصلُ عندَهما القضاءُ بسَلَمٍ واحدٍ
إلّ إذا تعذَّرَ فِيُقَضَى بِسَلَمِينٍ، وإنَّما كان الأصلُ هو القضاءَ بسَلَمٍ واحدٍ تقليلاً لِما يأباهُ القياسُ؛ لأنَّ
القياسَ يأبى جوازَهُ؛ لأَنَّه بيعُ ما ليس عندَ الإنسانِ. إذا تَبَتَ هذا فنقولُ: القضاءُ بعقدٍ واحدٍ هنا ممكنٌ
بَرَدِّ بِيّةِ المسْلَمِ إليه؛ لأنَّ بَيِّتَهُ قَامَتْ على إثباتِ العشَرةِ لنفسِهِ، وعلى إثباتِ الشَّعِيرِ لغيرِهِ، والعشَرةُ ثابتةٌ
له بإقرارِ رَبِّ السَّلَمِ، فلا تُقبَلُ بَيِّتُهُ مِن هذا الوجهِ، وكذا لا تُقبَلُ بيُِّهُ على إثباتِ الشَّعِيرِ؛ لأنَّ البِّنَةَ
على الشَّعيرِ قامَتْ على إثباتِ ما أقرَّ به للغيرِ، والبِّنَةُ على إثباتِ ما يُقِرُّ به الإنسانُ لغيرِهِ غيرُ مقُبُولةٍ،
فإنَّ مَن أقرَّ لإنسانِ بشيءٍ وكذَّبَهُ المُقَرُّ له فقال المُقِرُّ: أنا أقيمُ البَِّةَ على ذلك لا تُقْبَلُ بيِّتُهُ، فهو معنى
قولِهِ: أمكَنَ رَدُّ بَِّةِ المسْلَمِ إليه، فيمكنُ القضاءُ بعقدٍ واحدٍ بِّنَةِ رَبِّ السَّلَمِ مِن هذا الوجهِ، فَيُقضَى به.
الجملةُ مِن "الذَّخيرة")) اهـ. وتمامُ تحقيقِ هذه المسألةِ فيه، فانظُرْهُ.
(١) قوله: ((قوله: هو لغةً: طلبُ الصَّعةِ)) هكذا بخطّه، مع أنَّ الذي في نسخ الشارح: ((هو طلبُ عملِ الصَّنَعةِ))، فلعلها
نسخة أخرى، وليحرَّر. اهـ مصحِّحا "ب" و"م".
(٢) "القاموس": مادة ((صنع)).
(٣) في المقولات الآتية.
(٤) "البدائع": كتاب البيوع - فصل: وأمّا الذي يرجع إلى المسلم فيه ٢٠٩/٥ - ٢١٠ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤٠٤
قسم المعاملات
(بِأَجَلٍ) ذُكِرَ على سبيلِ الاستمهالِ لا الاستعجالِ، فإنّه لا يصيرُ سَلَمَاً (سَلَمٌّ) فُتُعتبرُ شرائطُهُ
[٢٤٨٤٢] (قولُهُ: بأَجَلٍ) مُتَعلّقٌ بمحذوفِ حالِ مِن ((الاستصناعُ))، لكنْ فيه مجيءُ الحالِ مِن
المبتدأ وهو ضعيفٌ، ولا يَصِحُّ كونُهُ خبراً؛ لأَنَّه لاَ يُفيدُ، بل الخبرُ هو قولُهُ: ((سَلَمٌ))، والمرادُ
بالأَجَلِ ما تقدَّمَ (١)، وهو شهرٌ فما فوقَهُ، [١٣٣٥/٣/) قال "المصنّف"(٢): ((قَدنا الأَجَلَ بذلك لأَنَّه إذا
كان أقلَّ مِن شهر كان استصناعاً إِنْ جَرَى فيه تعاملٌ، وإلّ ففاسدٌ إنْ ذكَرَهُ على وجهِ الاستمهال،
وإنْ كان للاستعجال - بأنْ قال: على أنْ تَفرُغَ مِنه غداً أو بعدَ غدٍ - كان صحيحاً)) اهـ، ومثلُهُ في
"البحر"(٣) وغيرهٍ، وسيذكُرُهُ "الشَّارِحُ (٤).
(٢٤٨٤٣] (قولُهُ: ذُكِرَ على سبيلِ الاستمهالِ إلخ) كان الواجبُ عَدَمَ ذكرِ هذه الجملةِ؛ لِما
عَلِمتَ(٥) مِن أنَّ المؤجَّلَ بشهرٍ فأكثرَ سَلَمٌ، والمؤجَّلَ بدُونِهِ إنْ لم يَحْرِ فيه تعاملٌ فهو استصناعٌ
فاسدٌ، إلّ إذا ذُكِرَ الأَجَلُ للاستعجالِ فصحيحٌ كما أفادَهُ "ط "(٦)، وقد تَبَعَ "الشّارِحُ" "ابنَ كمالِ".
[٢٤٨٤٤] (قولُهُ: سَلَمٌ) أي: فلا يَبقَى استصناعاً كما في "الَّار خانَّة"(٧)، فلذا قَال
"الشّارحُ": ((فُعتَبَرُ شرائطُهُ)) أي: شرائطُ السَّلَمِ، ولهذا لم يكنْ فيه خِيارٌ مع أنَّ الاستصناعَ
فيه خِيارٌ؛ لكونِهِ عَقْداً غيرَ لازمٍ كما يأتي(٨) تحريرُهُ.
(قولُهُ: كان الواجبُ عَدَمَ ذكرِ هذه الجملةِ إلخ) يقالُ: إنَّ المدَّةَ إذا ذُكِرَتْ على وجهِ الاستعجالِ
لم يُوجَدِ التَّأجيلُ الذي هو شرطُ السَّلَّمِ، فقد فاتَ شرطُهُ، فلا يكونُ سَلَماً، فصَحَّ أنَّ ذِكرَها على سبيلٍ
الاستمهالِ شرطٌ لكونِهِ سَلَماً، ولا يَكفي ذكرُها على وجهِ الاستعجالِ؛ لعَدَمٍ تَحقُّقِ التَّأجيلِ، ولا يُفهَمُ مِنْ
قولهم: ((شرطُهُ التّأجيلُ)) إلّ ذِكرُ المدَّةِ على وجهِ الاستمهالِ، وذِكرُهم هذا التَّفصيلَ فيما إذا كانت المدَّةُ
أقلَّ مِن شهرٍ لا يُنافِي جَرَيَانَهُ فِي السَّلَمِ أيضاً، تأمَّلْ.
(١) ص ٣٧٤ - ٣٧٥ - "در".
(٢) "المنح": كتاب البيوع - باب السلم ٢/ق٣٨/أ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٨٦/٦.
(٤) صـ ٤١١ - "در".
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "ط": كتاب البيوع - باب السلم ١٢٦/٣.
(٧) "التاتر خانية": كتاب البيوع - الفصل الخامس والعشرون في الاستصناع ٤ /ق ١٦٤/ب.
(٨) المقولة [٢٤٨٥٢] قوله: ((فُيُجَبَرُ الصَّانِعُ على عَمَلِهِ)).

الجزء الخامس عشر
٤٠٥
باب السَّم
(جَرَى فيه تعاملٌ أم لا) وقالا: الأوَّلُ استصناعٌ (وبدونِهِ) أي: الأَجَلِ (فيما فيه تعاملُ)
الّاسِ (كخُفِّ وَقُمْقُمَةٍ وطَسْتٍ) بمهملةٍ، وذكَرَهُ في "المغرب" في الشِّينِ(١) المعجمةِ» ...
[٢٤٨٤٥] (قولُهُ: جَرَى فيه تعاملٌ) كخُفِّ، وطَسْتٍ، وَقُمْقُمَةٍ ونحوِها، "درر "(٢).
[٢٤٨٤٦] (قولُهُ: أم لا) كالَّابِ ونحوِها، "درر"(٢).
[٢٤٨٤٧] (قولُهُ: وقالا: الأوَّلُ) أي: ما فيه تعاملٌ ((استصناعٌ))؛ لأنَّ اللَّفظَ حقيقةٌ
للاستصناعِ، فُيُحَافَظُ على قضَّتِهِ وَيُحمَلُ الأَجَلُ على التَّعجيلِ، بخلافِ ما لا تعاملَ فيه؛ لأَنَّه
استصناعٌ فاسدٌ، فَيُحمَلُ على السَّلَمِ الصَّحيحِ. وله أنَّه دَينٌ يَحتمِلُ السَّلَمَ، وجوازُ السَّلَمِ بإجماعٍ
لا شُبهةَ فيه، وفي تعامُلِهِمُ الاستصناعَ نوعُ شُبهةٍ، فكان الحملُ على السَّلَمِ أَولى، "هداية"(٣).
[٢٤٨٤٨] (قولُهُ: وبدونِهِ) مُتعلّقٌ بقولِهِ: ((صحَّ)) الآتي (٤)، ومقابلُ هذا قولُهُ بعدُ (٥):
((ولم يَصِحَّ فيما لم يُتُعامَلْ به)).
[٢٤٨٤٩] (قولُهُ: وذكَرَهُ في "المغرب" في الشِّينِ المعجمةِ(٦)) هو خلاف ما في "الصَّحاح"(٧)،
(قولُهُ: مُتعلّقٌ بقولِهِ: صحَّ الآتي إلخ) والظّاهرُ أنَّ ضميرَ (بدونِهِ)) راجعٌ لِلأَجَلِ السّابقِ الذي هو
أَجَلُ السَّلَمِ، وهو صادقٌ بِعَدَمِ أَجَلٍ أصلاً، وبأَحَلٍ أقلَّ مِن أَحَلِ السَّلَمِ، ففي الصُّورتينِ يَصِحُّ بَيْعاً، إلّ أنَّ
مفهُومَ قولِهِ: ((فيما فيه تعامل)) غيرُ معمُولٍ بإطلاقِهِ، فإنَّه إذا كان لا تعاملَ وذُكِرَتِ المدَّةُ على وجهِ
الاستعجال كان صحيحاً، تأمَّلْ. وهذا موافقٌ لكلامِ "الشّارحِ" الآتي، لكنْ يُخالِفُهُ ما في "الزَّيلعيِّ":
((مِن أنَّ الاستصناعَ فيما لا تعاملَ فيه لا يَجُوزُ إجماعاً)).
(١) في "و": ((بالشين)) .
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب السلم ١٩٧/٢.
(٣) "الهداية": كتاب البيوع - باب السلم ٧٨/٣.
(٤) صـ ٦ ٤٠ - "در".
(٥) صـ٤١٠- "در".
(٦) الذي في مطبوعة "المغرب" التي بين أيدينا بالسين المهملة، مادة ((طست))، فليتنبه، وعليه فهو موافقٌ لما في
"الصحاح" و"القاموس" و"المصباح".
(٧) "الصحاح": مادة ((طست)).

حاشية ابن عابدين
٤٠٦
قسم المعاملات
وقد يقالُ: طُسُوتٌ (صحَّ) الاستصناعُ (بَيْعاً لا عِدَةً) على الصَّحيحِ، ثمَّ فرَّعَ عليه بقولِهِ:
:ـ
و "القاموس"(١)، و"المصباح"(٢).
[٢٤٨٥٠] (قولُهُ: وقد يقالُ) أي: في جمعِهِ، وبيانُهُ ما في "المصباح"(٢): ((الطَّسْتُ: قال
"ابنُ قتيبةَ"(٣): أصلُها طَسرٌّ، فأُبدِلَتْ مِن أحدِ المضعَّفَينِ تاءٌ؛ لأَنَّه يقالُ في جمعِها: طِساسٌ، كسَهْمٍ
وسِهامٍ، وجُمِعَتْ أيضاً على طُسُوسٍ باعتبارِ الأصلِ، وعلى ◌ُسُوتٍ باعتبارِ اللَّفْظِ)).
٢١٢/٤
[٢٤٨٥١) (قولُهُ: بَيْعاً لا عِدَةً) أي: صحَّ على أنّه بَيْعٌ، لا على أنَّه مُواعَدَةٌ ثُمَّ يَنعقِدُ عندَ
الفراغِ بَيْعاً بالتَّعاطي؛ إذ لو كان كذلك لم يَخْتَصَّ بما فيه تعاملٌ، وتمامُهُ في "البحر "(٤). قال
في "النّهر" (٥): ((وأُورِدَ: أنَّ بُطلانَهُ بموتِ الصّانِعِ يُنافي كونَهُ بَيْعاً. وأُجيبَ: بأنَّه إنَّما بطَلَ
بموتِهِ لشَّبَهِهِ بالإِجارةِ، وفي "الذَّخيرة": هو إجارةٌ ابتداءً بيعٌ انتهاءً، لكنْ قبلَ التَّسليمِ لا عندَ
التَّسليمِ، وأُورِدَ: أنَّه لو انعقَدَ إجارةً لأُجِرَ الصّائعُ على العملِ والمستصنِعُ على إعطاءِ
المسمَّى، وأُجيبَ: بأَنَّه إنَّما لا يُحَبَرُ لأَنَّه لا يمكنُهُ إلّ بإتلافِ عَيْنٍ له مِن قَطْعِ الأديمِ ونحوِهِ،
والإجارةُ تُفسَخُ بهذا العُذْرِ، ألا ترَى أنَّ الزَّرّاعَ له أنْ لا يعمَلَ إذا كان البَذْرُ مِن جهتِهِ؟
وكذا رَبُّ الأرضِ)) اهـ، ومثلُهُ في "البحر"(٦) و"الفتح"(٧) و"الزَّيلعيِّ)(٨).
(قولُهُ: وأُجيبَ بأَنَّه إنَّما لا يُجَبَرُ لأَنَّه لا يمكنُهُ إلخ) هذا إنَّما أفادَ عَدَمَ خَبْرِ الصّانَعِ، ووجهُ عَدَمِ
حَبْرِ المستصِيْعِ أَنَّه يَتْبُتُ له خِيارُ الرُّؤيةِ، فباعتبارِهِ يكونُ له الفَسْخُ. اهـ مِن "الزَّيلعيِّ".
(١) "القاموس": مادة ((طست))، قال صاحب "القاموس": ((وحكي بالشين المعجمة)).
(٢) "المصباح": مادة ((طست)).
(٣) "أدب الكاتب": باب ما يُعَرَفُ واحده ويُشكِلُ جمعه صـ١٠٦-، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّيْنَوَري
(ت ٢٧٦ هـ) من أئمة الأدب. ("وفيات الأعيان" ٤٢/٣، "إنباه الرواة" ١٤٣/٢).
(٤) انظر "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٨٥/٦ وما بعدها.
(٥) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٤ /ب.
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب السلم ١٨٦/٦.
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٤٥/٦.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب السلم ١٢٤/٤.

٤٠٧
الجزء الخامس عشر
باب السلم
....
فُيُحَبَرُ الصّائعُ على عملِهِ ولا يَرجِعُ (الآمِرُ عنه) ولو كان عِدَةً لَمَا لَزْمَ،
[٢٤٨٥٢] (قولُهُ: فُيُحِبَرُ الصّائعُ على عمِلِهِ) تَبِعَ في ذلك "الدُّرر"(١) و"مختصرَ الوقاية"(٢)،
وهو مُخالِفٌ لِما ذكرناهُ آنفاً(٣) عن عِدَّةِ كتبٍ مِن أَنَّه لا حَبْرَ فيه، ولقولِ "البحر "(٤):
((وحكمُهُ الجوازُ دونَ اللُّومِ، ولذا قُلنا: للصّانِعِ أنْ يبيعَ المصنُوعَ قبلَ أنْ يراهُ المستصِنِعُ؛ لأنَّ
العَقْدَ غيرُ لازمٍ)) اهـ. ولما في "البدائع"(٥): ((وأَمّا صفَتُهُ فهي أَنَّه عَقْدٌ غيرُ لازمٍ قبلَ العملِ مِن
الجانبينِ بلا خلافٍ، حتّى كان لكلِّ واحدٍ مِنهما خِيارُ الامتناعِ مِن العملِ كالبيعِ بالخِيارِ
للمتبايعَينِ، فإنَّ لكلِّ مِنهما الفَسْخَ، وأمّا بعدَ الفراغِ مِن العملِ قبلَ أنْ يراهُ المستصنِعُ فكذلك،
حتّى كان للصّانِعِ أنْ يبيعَهُ مِمّن شاءَ، وأمّا إذا أحضرَهُ الصّائعُ على الصِّفةِ المشروطةِ سَقَطَ
خِيارُهُ، وللمُستصنِعِ الخِيارُ، هذا جوابُ "ظاهر الرِّواية"، ورُوِيَ عنه ثُبُوتُهُ لهما، وعن "الثّاني"
عَدَمُهُ لهما، والصَّحيحُ الأوَّلُ)) اهـ. وقال أيضاً (٦): ((ولكلِّ واحدٍ مِنهما الامتناعُ مِن العملِ قبلَ
العملِ بالاتّفاقِ، ثُمَّ إذا صار سَلَماً يُراعَى فيه شرائطُ السَّلَمِ، فإنْ وُجِدَت صحَّ، وإلّ لا)) اهـ.
وقال أيضاً(٦): ((فإنْ ضرَبَ له أجلاً صار سَلَماً، حتّى يُعتبَرُ فيه شرائطُ السَّلَمِ، ولا خِيارَ
لواحدٍ مِنهما إذا سَلَّمَ الصّائعُ المصنُوعَ على الوجهِ الذي عليه في السَّلَمِ)) اهـ. وذكَرَ في "كافي
الحاكم": ((أنَّ للصّانِعِ بَيْعَهُ قبلَ أنْ يراهُ المستصنِعُ))، ثمَّ ذكَرَ: ((أنَّ الاستصناعَ لا يَصِحُّ في الّوبِ،
(قولُهُ: وهو مُخالِفٌ لِما ذكرناهُ آنفاً إلخ) قد يقالُ في تصحيحِ كلامٍ "المصنّف" في ذاتِهِ: إنَّ قولَهُ:
((فُيُحَبَرُ إلخ)) ليس تفريعاً على ما قبلَه، بل على سابقِهِ وهو مسألةُ السَّلَمِ بقرينةٍ ما ذكَرَهُ بعدَهُ، والأَولى
تقديمُ هذا التَّفريعِ دَفْعاً للتَّهُّمِ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب السلم ١٩٨/٢.
(٢) "مختصر الوقاية": كتاب البيوع - فصل في السلم صـ٩٨ -.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) "البحر": کتاب البيع - باب السلم ١٨٦/٦ باختصار.
(٥) "البدائع": کتاب الاستصناع ٣/٥ - ٤ باختصار.
(٦) "البدائع": كتاب الاستصناع ٣/٥.

حاشية ابن عابدين
٤٠٨
قسم المعاملات
وأَنَّه لو ضرَبَ له أَجَلاً وعجَّلَ الَّمِنَ جازَ وكان سَلَماً، ولا خِيارَ له فيه)) اهـ. وفي "الَّار خانيَّةَ" (١).
((ولا يُجَبَرُ المستصنِعُ على إعطاءِ الدَّراهمِ وإنْ شرَطَ تعجيلَهُ، هذا إذا لم يَضرِبْ له أَجَلاً، فإنْ ضرَبَ
قال "أبو حنيفةً": يصيرُ سَلَماً ولا يَبقَى استصناعاً، حتّى يُشترَطُ فيه شرائطُ السَّلَمِ)) اهـ.
فقد ظهَرَ لك بهذه النُّقولِ أنَّ الاستصناعَ لا حَبْرَ فيه إلّ إذا كان مُؤْجَّلاً بشهرٍ فأكثرَ فيصيرُ
سَلَماً، وهو عَقْدٌ لازمٌ يُحَبَرُ عليه ولا خيارَ فيه، وبه عُلِمَ أنَّ قولَ "المصنّف": ((فُيُحِبَرُ الصّائعُ على
عملِهِ ولا يَرجِعُ الآمِرُ عنه)) إنَّما هو فيما إذا صار سَلَماً، فكان عليه ذكرُهُ قبلَ قولِهِ: ((وبدونِهِ))،
وإلاّ فهو مناقضٌ لِما ذَكَرَ بعدَه مِن إثباتِ الخِيارِ [٣/ ١٣٣/ ب] للآمِرِ، ومِن أنَّ المعقُودَ عليه العَيْنُ
لا العملُ، فإذا لم يكنِ العملُ معقُودًاً عليه كيف يُحبَرُ عليه؟! وأمّا ما في "الهداية"(٢) عن
"المبسوط"(٣): ((مِن أَنَّه لا خِيارَ للصّانِعِ في الأصحِّ) فذاك بعدَما صنَعَهُ ورآهُ الآمِرُ كما صرَّحَ به في
"الفتح"(٤)، وهو ما مرَّ(٥) عن "البدائع". والظّاهرُ أنَّ هذا مَنشَأُ توهُّمِ "المصنّف" وغيرِهِ كما يأتي(٦).
وبعدَ تحريري لهذا المقامِ رأيتُ موافقتَهُ في الفصلِ الرّابعِ والعشرينَ مِن "نور العين إصلاح جامع
الفصولين"، حيث قال(٧) بعدَ أنْ أكثرَ مِن النَّقلِ في إثباتِ الخِيارِ في الاستصناعِ: ((فَظهَرَ أنَّ
قولَ "الدُّرر" تَبَعاً لـ "خزانة المفتي": إنَّ الصّانِعَ يُجَبَرُ على عملِهِ والآمِرُ لا يَرجِعُ عنه سهوٌ
ظاهرٌ)) اهـ، فاغتنمْ هذا التَّحريرَ، وللهِ الحمدُ.
(١) "التاتر خانية": كتاب البيوع - الفصل الخامس والعشرون في الاستصناع ٤/ق ١٦٤/ب.
(٢) "الهداية": كتاب البيوع باب السلم ٧٨/٣.
(٣) "المبسوط": كتاب الاجارات - باب: الرجلُ يستصنع الشيء ٩٠/١٥.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٤٥/٦.
(٥) في هذه المقولة.
(٦) المقولة [٢٤٨٥٩] قوله: ((ومُفادُهُ إلخ)).
(٧) "نور العين": الفصل الرابع والعشرون في الخيارات - خيار الرؤية - مسائل الاستصناع ق ٩٤/ب، وعزاه إلى ابن الهمام.

الجزء الخامس عشر
٤٠٩
باب السَّم
(والمبيعُ هو العَيْنُ لا عملُهُ) خلافاً لـ "البَرْدَعيِّ"، (فإِنْ جاءَ) الصّائِعُ (بمصنوعٍ غيرِهِ أو مصنوعِهِ
قبلَ العَقْدِ) فَأخَذَهُ (صحَّ) ولو كان المبيعُ عملَهُ لَما صحَّ، (ولا يَتَعَّنُ) المبيعُ (له) أي: للآمِرِ
(بلا رِضاهُ، فصحَّ بَيْعُ الصّانعِ) لمصنوعِهِ (قبلَ رُؤيةِ آمِرِهِ) ولو تَعَّنَ له لَما صحَّ بَيْعُهُ، (وله)
أي: للآمِرِ (أَخذُهُ وَتَرَكُهُ) بخِيارِ الرِّؤيةِ، ومُفادُهُ: أَنَّه لا خِيارَ للصّائِعِ بعدَ رؤيةِ المصنُوعِ له،
[٢٤٨٥٣] (قولُهُ: والمبيعُ هو العَيْنُ لا عملُهُ) أي: أَنَّه بَيْعُ عَيْنٍ موصُوفةٍ فِي الدِّمَّةِ لا بَيْعُ
عملٍ، أي: لا إجارةٌ على العملِ، لكنْ قدَّمنا (١): أَنَّه إجارةٌ ابتداءً بَيْعٌ انتهاءً، تأمَّلْ.
مطلبٌ: ترجمةُ "البَرْدَعِيِّ"
[٢٤٨٥٤] (قولُهُ: خلافاً لـ "البَرْدَعيِّ") بالباءِ الموحَّدَةِ وسكونِ الرّاءِ وفتحِ الدّالِ المهملةِ وفي
آخرِهِ عَيْنٌ مهملةٌ: نِسْبَةٌ إلى بَردَعَةَ، بلدةٌ مِن أقصى بلادٍ أَذْرَبِيجانَ، وهو "أحمدُ بنُ الحسينِ"،
أبو سعيدٍ، مِن الفقهاءِ الكبارِ، قُتِلَ في وقعةِ القَرامطةِ مع الحاجِّ سنةَ سبعَ عشرةَ وثلثِمائةٍ. وتمامُ
ترجمتِهِ في "طبقات عبد القادر"(٢).
[٢٤٨٥٥] (قولُهُ: بمصنُوعٍ غيرِهِ) أي: بما صنَعَهُ غيرُهُ.
[٢٤٨٥٦] (قولُهُ: فَأَخَذَهُ) أي: الآمِرُ.
[٢٤٨٥٧] (قولُهُ: بلا رِضاهُ) أي: رِضا الآمِرِ أو رِضا الصّانعِ.
[٢٤٨٥٨) (قولُهُ: قبلَ رُؤيةِ آمِرِهِ) الأَولى: قبلَ اختيارِهِ؛ لأنَّ مدارَ تعيّنِهِ له على اختيارِهِ،
وهو يَتحقَّقُ بِقَبْضِهِ قبلَ الرُّؤيةِ، "ابن كمالٍ".
[٢٤٨٥٩] (قولُهُ: ومُفَادُهُ إلخ) قدَّمنا(٣) النَّصريحَ بهذا المفادِ عن "البدائع"، وعلَّلَهُ: ((بأنَّ
(قولُهُ: الأَولى: قبلَ اختيارِهِ إلخ) مقتضَى قولِ "البدائع": ((لأَنَّه بإحضارِهِ إلخ)) إبقاءُ الرُّؤيةِ على
حالِها وصحَّةُ التَّعبيرِ بها؛ إذ بإحضارِهِ سِقَطَ خِيارُهُ وبقيَ خِيارُ الآخَرِ، فلو كان المدارُ على الاختيارِ لجازَ
له النَّصرُّفُ فيه بعدَ سقوطِ خِيارِهِ بالرُّؤيةِ، تأمَّلْ.
(١) المقولة [٢٤٨٥١] قوله: ((بيعاً لا عِدَةً)).
(٢) انظر "الجواهر المضية" ١٦٣/١.
(٣) المقولة [٢٤٨٥٢] قوله: ((فُجَبَرُ الصّائعُ على عملِهِ)).

حاشية ابن عابدين
٤١٠
قسم المعاملات
وهو الأصحُّ، "نهر"(١). (ولم يَصِحَّ فيما لم يُتعامَلْ فيه(٢) كالثّوبِ إلّ بَأَجَلِ كما مرَّ)
الصّانِعَ بائعٌ ما لم يرَهُ ولا خِيارَ له، ولأَنَّه بإحضارِهِ أسقَطَ خِيارَ نفسِهِ الذي كان له قبلَهُ، فبقيَ
خِيارُ صاحبِهِ على حالِهِ)) اهـ. وفي "الفتح"(٣): ((وأمّا بعدَما رآهُ فالأصحُّ أنَّه لا خِيارَ للصّانعِ،
بل إذا قَبِلَهُ المستصنِعُ أُجبِرَ على دَفْعِهِ له؛ لأَنَّ بالآخِرةِ بائعٌ)) اهـ. وهذا هو المرادُ مِن نَفْي الخِيارِ
في "المبسوط"(٤)، فقولُ "المصنّف" في "المنح"(٥): ((ولا خِيارَ للصّانعِ - كذا ذكَرَهُ في "المبسوط" -
فُيُحَبَرُ على العملِ؛ لأنَّه باعَ ما لم يرَهُ إلخ)) صوابُهُ أنْ يقولَ: فُيُحبَرُ على التَّسليمِ؛ لأنَّ الكلامَ
بعدَ العملِ، وأيضاً فالتّعليلُ لا يُوافِقُ المعَلَّلَ على ما فَهِمَهُ، وهذا هو مَنشأُ مَا ذَكَرَهُ في "مَتِهِ"
أوّلاً (٦)، وقد عَلِمتَ تصريحَ كتبِ المذهبِ بُبُوتِ الخِيارِ قبلَ العملِ، وفي "كافي الحاكم" الذي
٢١٣/٤ هو متنُ "المبسوط" ما نصُّهُ: ((والمستصنِعُ بالخِيارِ إذا رآهُ مَفرُوغاً مِنه، وإذا رآهُ فليس للصّانعِ
مَنْعُهُ وَلا بَيْعُهُ، وإِنْ باعَهُ الصّانِعُ قبلَ أنْ يراهُ جازَ بَيْعُهُ)).
[٢٤٨٦٠] (قولُهُ: وهو الأصحُّ) وهو ظاهرُ الرِّوايةِ، وعنه تُبُوتُ الخِيارِ لهما، وعن
"الثّاني" عَدَمُهُ لهما كما مَرَّ(٧) عن "البدائع".
(٢٤٨٦١] (قولُهُ: إلّ بَأَجَلٍ كما مرَّ)(٨) أي: بِأَجَلٍ مُماثِلٍ؛ لِما مرَّ(٩) في السَّلَمِ: ((مِن أنَّ
أقَلَّهُ شهرٌ))، فيكونُ سَلَماً بشروطِهِ.
(قولُهُ: فَالنَّعَليلُ لا يُوافِقُ المعلّلَ على ما فَهِمَهُ إلخ) فيه تأمُّلٌ ظاهرٌ، بل هو مُوافِقٌ للمعلَّلِ على ما فَهِمَهُ.
(١) "النهر": كتاب البيع - باب السلم ق ٤٠٤/ب.
(٢) في "د": ((لم يتعامل به))، وفي "و": ((لا يتعامل فيه)).
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب السلم ٢٤٥/٦.
(٤) "المبسوط": كتاب الإِجارات - باب: الرجلُ يستصنع الشيء ٩٠/١٥.
(٥) "المنح": كتاب البيوع - باب السلم ٢/ق٣٨/ب.
(٦) صـ ٤٠٧ - "در".
(٧) المقولة [٢٤٨٥٢] قوله: ((فُجبَرُ الصّانِعُ على عَمَلِهِ)).
(٨) ص ٤٠٤ - "در".
(٩) ص ٣٧٤ - ٣٧٥ - "در".

الجزء الخامس عشر
٤١١
باب السَّم
فإنْ لم يَصِحَّ(١) فسَدَ إِنْ ذُكِرَ الأَجَلُ على وجهِ الاستمهال، وإنْ للاستعجال
كـ: عَلَى أنْ تَفَرُغَهُ غداً كان صحيحاً.
(فرعٌ) السَّلَمُ في الدِّبْسِ لا يَجُوزُ؛ لِما في إجارةِ "جواهر الفتاوى": ((لو جُعِلَ
الدِّبسُ أُجرةً لا يَجُوزُ؛ لأَنَّه ليس بمثليٌّ؛ لأنَّ الَّارَ عَمِلَت فيه، ولذا لا يَجُوزُ السَّلَمُ
فيه، فلا يَجِبُ في الذِّمَّةِ،
[٢٤٨٦٢] (قولُهُ: فإنْ لم يَصِحَّ(٢) أي: الأَجَلُ لعَقْدِ السَّلَمِ، بأنْ كان أقلَّ مِن شهرٍ.
[٢٤٨٦٣] (قولُهُ: وإنْ للاستعجالِ) أي: بأنْ لم يَقصِدْ به التَّأجيلَ والاستمهالَ، بل قصَدَ به
الاستعجالَ بلا إمهالٍ. وظاهرُهُ: أَنَّه لو لم يَذكُرْ أجَلاً أصلاً فيما لم يَجْرِ فيه تعاملٌ صحَّ، لكنَّه
خلافُ ما يُفهَمُ مِن "المعنِ"، ولم أرَهُ صريحاً، فتأمَّلْ.
[٢٤٨٦٤) (قولُهُ: في الدّبْسِ) بكسرٍ(٢) وبكسرتينٍ: عسلُ الَّمرِ وعسلُ النَّحلِ، "قاموس(٤).
والمشهُورُ الآنَ: أَنَّه ما يُخرَجُ مِن العِنَبِ.
[٢٤٨٦٥] (قولُهُ: ولذا) أي: لكونِ الَّارِ عَمِلَت فيه فصار غيرَ مِثْلِيِّ ((لا يَجُوزُ السَّلَمُ
فيه)). وظاهرُهُ: أنَّ السَّلَمَ لا يَجُوزُ إلّ في الِثْلِيِّ مع أَنَّه يَجُوزُ في النِّابِ والْبُسُطِ والحُصُرِ
ونحوِها كما مرَّ(٥)، أفادَهُ "ط" (٦).
(قولُهُ: وظاهرُهُ: أنَّ السَّلَمَ لا يَجُوزُ إلّ فِي الِثْلِيِّ إلخ) عَدَمُ جوازِ السَّلَمِ لا لأَنَّه قِيْمِيٌّ فقط، بل لأنَّ
النّارَ عَمِلَتْ فيه، ولا يمكنُ ضبطُهُ حينئذٍ، تأمَّلْ.
(١) في "د" و"و": ((لم يصلح)).
(٢) في "الأصل" و"آ": ((لم يصلح))، وهو موافق لنسخة "د" و"و" كما رأيت، وقد أشار إليه البريلوي في "جد الممتار"
ورجحه ٤/ق٢٢٢.
(٣) في "٢": ((بكسر الدال)).
(٤) "القاموس": مادة ((دبس)).
(٥) المقولة [٢٤٦٩٥] قوله: ((وذَرْعِيٌّ كثوبٍ إلخ)).
(٦) "ط": كتاب البيوع - باب السلم ١٢٦/٣.

حاشية ابن عابدين
٤١٢
قسم المعاملات
حتى لو كان عَيْناً جازَ)). قلتُ: وسيجيءُ(١) في الغصبِ أنَّ الرُّبَّ، والقَطْرَ،
واللّحمَ، والفَحْمَ، والآجُرَّ، والصّابونَ، والعُصْفُرَ، والسِّرْقِينَ، والجُلُودَ، والصَّرْمَ،
وبُرَّ مَخلُوطً(٢) بشعيرٍ فِيْمِيٌّ، فليُحفَظْ (٢).
[٢٤٨٦٦] (قولُهُ: حتّى لو كان عَيْناً) أي: لو جعَلَ الأُجرَةَ دِبْساً مُعَّناً.
[٢٤٨٦٧] (قولُهُ: الرُّبَّ) دِيسُ الرُّطَبِ إذا طُبِخَ، "مصباح"(٤).
[٢٤٨٦٨] (قولُهُ: والقَطْرَ) نوعٌ مِن عسلِ القَصَبِ، قال "المؤلّف" في الغصبِ(٥): ((إِنَّ
كلاَّ مِنهما يَتفاوَتُ بالصَّنعةِ، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ فيهما، ولا يَثْبُتُ فِي الدِّمَّةِ))، "ط)" (٦).
[٢٤٨٦٩] (قولُهُ: واللَّحمَ) ولو نِيْئاً، ذكَرَهُ "المؤلّف" في الغصبِ(٧)، وتقدَّمَ (٨) الكلامُ فيه.
[٢٤٨٧٠] (قولُهُ: والآجُرَّ، والصّابونَ) لاختلافِهما في الطَّخِ.
[٢٤٨٧١] (قولُهُ: والصَّرْمَ) بالفتحِ: الجلدُ، "مصباح"(٩). وقدَّمنا(١٠) أوَّلَ البابِ عن "الفتح":
((أَنَّه يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْجُلُودِ إذا بُيِّنَ ما يَقَعُ به الضَّبِطُ)).
[٢٤٨٧٢] (قولُهُ: وبُرٍّ مخلُوطٌ) الأصوبُ: ((وبُرَّاً مخلُوطاً)) عطفاً على ((الرُّبَّ))
المنصُوبِ. نَعَم، الرَّفْعُ جائزٌ على القولِ بجوازِ العطفِ بالرَّفْعِ على محلِّ اسمٍ (إِنَّ) قبلَ
استكمالِ العملِ، فافهمْ، والله سبحانه أعلم. [٣/ق٢/١٣٤)
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٣١٢٠٦] قوله: ((ورُبِّ وَقَطْرٍ)) وما بعدها.
(٢) في "د" و"و" و"ب": ((وبُرِّ مخلوطٌ)) بالرفع، وما أثبتناه من "ط" هو الصواب، وعلى نسخ الرفع كَتَبَ ابنُ عابدين
مقولته رقم [٢٤٨٧٢].
(٣) في "و" زيادة: ((والله أعلم)).
(٤) "المصباح": مادة ((ربب)).
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٣١٢٠٧] قوله: ((يتفاوَتُ بالصَّنْعَةِ)).
(٦) "ط": كتاب البيوع - باب السلم ١٢٦/٣.
(٧) انظر "الدر" عند المقولة [٣١٢٠٩] قوله: ((ولو نِيئاً)).
(٨) المقولة [٢٤٧٣٠] قوله: ((وفي العينيِّ إلخ)).
(٩) "المصباح": مادة ((صرم)).
(١٠) المقولة [٢٤٦٩٥] قوله: ((وذَرْعِيِّ كثوبٍ إلخ)).

الجزء الخامس عشر
٤١٣
باب المتفرقات
﴿بابُ المتفرِّقات
مِن أبوابها، وعَّرَ في "الكنز"(١) بـ ((مسائلُ منْتُورٌ))، وفي "الدُّرر"(٢) بـ ((مسائلُ
شتّى))، والمعنى واحدٌ.
(اشْتَرَى ثوراً أو فَرَساً مِن خَزَفٍ ل) أَجْلِ (استئناسِ الصَّبِيِّ لا يَصِحُّ، و) لا قِيْمةً له،
ولا يَضْمَنُ (٣) مُتِفُهُ، وقيل بخلافِهِ) يَصِحُّ وَيَضْمَنُ، "قنية"(٤).
﴿بابُ المتفرِّقَات﴾
جَرَتْ عادتُهم أنَّ المسائلَ التي تَشُدُّ عنِ الأبوابِ المتقدِّمةِ فلم تُذكَرْ فيها يَجمعُونَها بعدُ
ويُسمُّونَها بأحدِ هذه الأسماءِ، "ط)" (٥).
[٢٤٨٧٣] (قولُهُ: بـ: مسائلُ منْتُورةٌ) شُبِّهَتْ بالمُورِ مِن الذَّهبِ أو الفضَّةِ لنفاستِها، وهو
بالرَّفْعِ على الحكايةِ، "ط)"(٦). ويَجُوزُ الجرُّ.
[٢٤٨٧٤) (قولُهُ: مِن خَرَفٍ) أي: طينٍ، قال "ط)" (٦): ((قَّدَ به لأَنَّها لو كانَتْ مِن خَشَبٍ
أو صُفْرٍ جازَ اتّفاقاً فيما يظهَرُ؛ لإمكانِ الانتفاعِ بها، وحَرِّرْهُ)) اهـ، وهو ظاهرٌ.
[٢٤٨٧٥] (قولُهُ: ولا يَضْمَنُ مُتِلِفُهُ) كأنَّه لأَنَّه آلةُ لَهوٍ، ولا يقالُ فيها نحوُ ما قيلَ في
عُودِ اللَّهوِ مِن أَنَّه يُضمَنُ حَشَباً لا مُهيًّ على أحدِ القولينِ؛ لأَنَّه لا قِيْمَةَ لهذه الأشياءِ إذا قُطِعَ
النَّظرُ عن الَّلهِّي بها، "ط)" (٦).
[٢٤٨٧٦] (قولُهُ: وقيل بخلافِهِ) يُشعِرُ بضعفِهِ مع أنَّ "المصنّف" نقلَهُ عن "القنية"، وفي "القنية"
(١) نقول: ليس في متن "الكنز" و"شروحه" التي بين أيدينا التعبير بـ: (مسائل منثورة)، والذي فيها التعبير إما بـ: (باب
المتفرقات)، أو (فصل في المتفرقات)، أو (المتفرقات)، فلتراجع.
(٢) "الدرر والغرر": ١٩٨/٢.
(٣) في "د" و"ب" و"ط": ((فلا يضمن)) بالفاء، وما أثبتناه من "و" هو الموافق لعبارة ابن عابدين رحمه الله في مقولته.
(٤) "القنية": كتاب البيوع - باب فيما يجوز بيعه وما لا يجوز ق ١٠٢/أ، نقلاً عن نجم الأئمة البخاري وظهير الدين المرغيناني
ورمزٍ آخر لم يتبين لنا المراد منه.
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب المتفرقات ١٢٦/٣.
(٦) "ط": كتاب البيوع - باب المتفرقات ١٢٧/٣.

حاشية ابن عابدين
٤١٤
قسم المعاملات
وفي آخرِ حظرِ "المجتبى" عن "أبي يوسف": ((يَجُوزُ بيعُ اللَّعبةِ، وأنْ يلعَبَ بها
الصِّبيانُ)). (وصحَّ بيعُ الكلبِ) ولو عَقُوراً (والفهدِ) والفيلِ والقردِ (والسِّبَاعِ) بسائرِ
أنواعِها حتّى الهرَّةِ، وكذا الطُّورُ.
لم يُعبِّرْ عنه بـ ((قيل))، بل رمَزَ للأوَّلِ ثُمَّ للثّاني(١).
[٢٤٨٧٧] (قولُهُ: عن "أبي يوسف") أي: ناقلاً عن "أبي يوسف". وظاهرُهُ أَنَّه قولُهُ لا روايةٌ
عنه حتّى يُقَالَ: إنَّ هذا يُشعِرُ بضعفِهِ، ونِسبْتُهُ إلى "أبي يوسف" لا تدُلُّ على أنَّ "الإِمامَ" يُخالِفُهُ؟
لاحتمال أنْ لا(٢) يكونَ له في المسألةِ قولٌ، فافهمْ.
[٢٤٨٧٨] (قولُهُ: ولو عَقُوراً) فيه كلامٌ يأتي(٢).
[٢٤٨٧٩] (قولُهُ: والغيلِ) هذا بالإجماعِ؛ لأنَّه مُنتفَعٌ به حقيقةً، مباحُ الانتفاعِ به شرعاً على
الإِطلاق، فكان مالاً، "بحر "(٤) عن "البدائع"(٥)، أي: يُنتَفَعُ به للقتالِ والحَملِ، وَيُنتَفَعُ بعظمِهِ.
[٢٤٨٨٠] (قولُهُ: والقردِ) فيه قولانٍ كما يأتي(٦).
[٢٤٨٨١) (قولُهُ: والسِّاعِ) وكذا يَجُوزُ بِيعُ لحمِها بعدَ الَّذكيةِ لإطعامِ كلبٍ أو سِنَّورِ بخلافٍ
لحمِ الخنزيرِ؛ لأنّه لا يَجُوزُ إطعامُ، "محيط ". لكنْ على أصحِّ التَّصحيحينِ - مِن أنَّ الذَّكاةَ الشَّرعيَّةَ
لا تُطَهِّرُ إلَّ الجلدَ دونَ اللَّحمِ - لا يَصِحُّ بِيعُ اللَّحْمِ، "شُرُ بِلالَّةُ(٧).
[٢٤٨٨٢] (قولُهُ: حتّى الهرَّةِ) لأَنّها تَصطادُ الفأرَ والهَوامَّ المؤذيةَ، فهي مُنتَفَعٌ بها، "فتح "(٨).
(٢٤٨٨٣] (قولُهُ: وكذا الطُّورُ) أي: الجوارحُ، "درر"(٩).
(١) رمز للأول بـ "نج" "طم"، والثاني بـ"طب" دون نقطة تحتية، ورَمْزُ "نج" عندَهُ لنجم الأئمة البخاري، ولم نهتد لمعرفة
المراد من رمزيه الآخرين.
(٢) ((لا)) ساقطة من "م".
(٣) المقولة [٢٤٨٨٤] قوله: ((عُلَّمَت أَوْ لا)).
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب المتفرقات ١٨٨/٦.
(٥) "البدائع": كتاب البيوع - فصل: وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع ١٤٣/٥ - ١٤٤.
(٦) المقولة [٢٤٨٨٤] قوله: ((عُلّمت أوْ لا)).
(٧) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - باب السلم ١٩٨/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٨) "الفتح": كتاب البيوع - مسائل منثورة ٢٤٦/٦.
(٩) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - مسائل شتى ١٩٨/٢.

الجزء الخامس عشر
٤١٥
باب المتفرقات
(عُلِّمَتِ أوْ لا) سِوى الخنزيرِ، وهو المختارُ؛ للانتفاعِ بها وبجلدِها كما قدَّمناهُ(١) في
البيعِ الفاسدِ. والتّمَسْخُرُ بالقردِ وإنْ كان حراماً لا يَمْنَعُ بَيْعَهُ، بل يُكرَه(٢) كبيعِ
العصيرِ(٣)، "شرح وهبانيَّة" (٤).
[٢٤٨٨٤] (قولُهُ: عُلِّمَتِ أوْ لا) تصريحٌ بما فُهِمَ مِن عبارةِ "محمَّدٍ" في "الأصلِ"(٥)، وبه صرَّحَ
في "الهداية"(٦) أيضاً، لكن في "البحر)"(٧) عن "المبسوط "(٨): ((أَنَّه لا يَجُوزُ بيعُ الكلبِ العَقُورِ الذي
لا يَقبَلُ التّعليمَ فِي الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وهكذا نقولُ في الأسدِ: إنْ كان يَقبَلُ الَّعلِيمَ وَيُصطادُ
به يَجُوزُ بِيعُهُ، وإلّ فلا، والفهدُ والبازيُّ يَقِبَلانِ الَّعليمَ، فَيَجُوزُ بيعُهما على كلِّ حالٍ)) اهـ. قال
في "الفتح"(٩): ((فعَلَى هذا لا يَجُوزُ بيعُ النَّمِرِ بحالٍ؛ لأَنَّه لِشَرَاسِهِ (١٠) لا يَقبَلُ الَّعلِيمَ، وفي بيعِ القردِ
روايتانِ)) اهـ. وجهُ روايةِ الجوازِ - وهو الأصحُّ، "زيلعيّ)" (١١) - أَنَّه يُمكِنُ الانتفاعُ بجلدِهِ، وهو وجهُ
ما في "المتنِ" أيضاً، وصحَّحَ في "البدائع"(١٢) عَدَمَ الجوازِ؛ لأَنَّه لا يُشترَى للانتفاعِ بجلدِهِ عادةً،
بل للَّهِّي به، وهو حرامٌ. اهـ "بحر "(١٣).
١١٩(١٤)
قلتُ: وظاهرُهُ أَنَّه لولا قَصْدُ الَّلهِّي به لجازَ بيعُهُ. ثمَّ إِنَّه يَرِدُ عليه ما ذكرَهُ "الشّارحُ"
عن "شرح الوهبانَّة": ((مِن أنَّ هذا لا يقتضي عَدَمَ صحَّةِ البيعِ بل كراهتَهُ)).
(١) ٦٠٣/١٤ "در".
(٢) في "ب" و"ط": ((يكرهه))، وما أثبتناه من "د" و"و" هو الصواب الموافق لما في "تفصيل عقد الفرائد".
(٣) أي: ممن يُعْلَم أنّه يَتَّخِذُهُ خمراً.
(٤) في "و": (("شروح وهبانية"))، وانظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب البيع ٢٧٥/١ بتصرف.
(٥) لم نقف عليه في مطبوعة "الأصل" التي بين أيدينا.
(٦) "الهداية": كتاب البيوع - مسائل منثورة ٧٩/٣ بتصرف.
(٧) "البحر": كتاب البيع - باب المتفرقات ١٨٧/٦.
(٨) "المبسوط": كتاب الصيد ٢٣٥/١١ بتصرف.
(٩) "الفتح": كتاب البيوع - مسائل منثورة ٢٤٥/٦ بتصرف.
(١٠) في هامش "الأصل": ((قوله: ((لشراسته)) أي: لسوء خُلُقه، وبابه طَرِبَ. اهـ "مختار")).
(١١) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب المتفرقات ١٢٦/٤ بتصرف.
(١٢) "البدائع": كتاب البيوع - فصل: وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع ١٤٣/٥.
(١٣) "البحر": كتاب البيع - باب المتفرقات ١٨٧/٦.
(١٤) في الصحيفة نفسها "در".

حاشية ابن عابدين
٤١٦
قسم المعاملات
(فرعٌ) لا ينبغي اتّخاذُ كلبٍ إلّ لخوفِ لصٍّ أو غيرِهِ فلا بأسَ به (١)، ومثلُهُ
سائرُ السِّبَاعِ، "عينيّ"(٢). وجازَ اقتناؤهُ لصيدٍ، وحراسةِ ماشيةٍ، وزرعٍ إجماعاً ......
والحاصل: أنَّ المتونَ على جوازِ بيعِ ما سوى الخنزيرِ مُطلقاً، وصحَّحَ "السَّرَخْسِيُّ" الَّقِيدَ بالمعَلَّمِ مِنها.
(٢٤٨٨٥] (قولُهُ: لا ينبغي اتّخاذُ كلبٍ إلخ) الأحسنُ عبارةُ "الفتح"(٢): ((وأمّا اقتناؤهُ
للصَّيدِ وحراسةِ الماشيةِ والْبُيُوتِ والزَّرعِ فَيَجُوزُ بالإجماعِ، لكنْ لا ينبغي أنْ يَتَّخِذَهُ في دارِهِ إلّ إِنْ
خافَ لُصوصاً أو أعداءً؛ للحديثِ الصَّحيحِ(٤): ((مَن اقتَنَى كلباً إلاّ كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ نقَصَ
مِن أجرِهِ كلَّ يومٍ قيراطانٍ)))).
٢١٤/٤
(١) ((به)) ليست في "د" و"و".
(٢) "رمز الحقائق": كتاب البيوع - باب السلم - مسائل متفرقة ٥٨/٢.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - مسائل منثورة ٢٤٦/٦.
(٤) رواه مالك وأيّوب وعبيد الله واللّيث وغيرهم، كلُّهم عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً فذكره .
أخرجه مالك في "الموطأ" ٩٦٩/٢ في الاستئذان - باب ما جاء في أمر الكلاب، والبخاريّ (٥٤٨٢) في
الذّبائح والصّيد - باب من اقتنَى كلباً، ومسلم (١٥٧٤) في البيوع - باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نَسْخِهِ .. ،
والترمذيّ (١٤٨٧) في الأحكام - باب من أمسك كلباً ما يَنْقُصُ من أجره؟، والنسائيّ في "المجتبى" ١٨٨/٧،
و"الكبرى" (٤٧٩٧) في الصّيد - الرُّخصة في إمساك الكلب للصّيد، وأحمد ٤/٢ و٥ و٢٢ و١٠١ و١١٣، وابن
أبي شيبة ٦٤١/٤، وأبو يَعْلى (٥٨٠٥) و(٥٨١٠)، وأبو عَوانة (٥٣٠٠)، والطّحاويّ في "شرح المعاني"
٥٥/٤، والبيهقيّ في "الكبرى" ٨/٦-٩.
ورواه الزُّهريّ وحنظلة بن أبي سفيان وعمر بن حمزة ومحمّد بنُ أبي حَرْملة وغيرهم عن سالم عن أبيه نحوه، زاد
حَنظلة: وقال سالم: وكان أبو هريرة يقول: ((أو كلبَ حَرْثٍ))، وكان صاحبَ حَرْث. وبعضُهم يقول: ((قيراط)).
أخرجه البخاريّ (٥٤٨١)، ومسلم (١٥٧٤)، والنسائيّ في "المجتبى" ١٨٨/٧ و١٨٩، و"الكبرى" (٤٧٩٥) و(٤٧٩٨)،
وأحمد ٨/٢ و٤٧ و٦٠ و١٤٧ و١٥٦، وابن أبي شيبة ٦٤١/٤ و٣٩٦/٨، والحُميديّ (٦٤٥)، وأبو يَعْلى (٥٤١٨)
و(٥٥٣٨) و(٥٥٥٢)، والطحاويّ ٥٥/٤، والطبرانيّ في "الكبير" (١٣١٩٣) و(١٣٢٠٤) و(١٣٢٠٦)، والبيهقيّ ٩/٦.
وروى سفيان وإسماعيل بن جعفرٍ وعبد العزيز بن مسلم كلّهم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر نحوه.
أخرجه البخاريّ (٥٤٨٠)، ومسلم (١٥٧٤)، وأحمد ٣٧/٢ و٦٠، وابن أبي شيبة ٦٤١/٤ و٣٩٦/٨،
والحُميديّ (٦٤٦)، والدارميّ (٢٠٠٤)، والطحاويّ ٥٥/٤، والبيهقيّ ٩/٦.
ورواه حمّاد بن زید عن عمرو بن دینار عن ابن عمر به . ورواه شُعبة وهمّام عن قتادة عن أبي الحکم عن ابن عمر به . =