النص المفهرس
صفحات 301-320
الجزء الخامس عشر
٢٩٧
باب الاستحقاق
وعلى مَن تَلَقَّى) ذو اليدِ (المِلكَ مِنه)
[٢٤٥٣٠] (قولُهُ: وعلى مَن تَلَقَّى ذو اليدِ المِلكَ مِنه) هذا مشروطٌ بما إذا ادَّعَى ذو اليدِ الشِّراءَ
مِنه، ففي "البحر"(١) عن "الخلاصة"(٢): ((إذا قال المشتري في جوابِ دَعْوى المِلكِ: هذا مِلكي
لأَنّي شَرَيْتُهُ مِن فلانٍ صار البائعُ مَقضيّاً عليه، ويَرجِعُ المشتري عليه بالثَّمَنِ، أمّا إِنْ قال في الجوابِ:
مِلكي، ولم يَزِدِ عليه لا يصيرُ البائعُ مَقضيّاً عليه، والإرثُ كالشِّراءِ، نَصَّ عليه في "الجامع
الكبير"(٣). وصُوَرَتُهُ: دارٌ بيدِ رجلٍ يدَّعي أنَّها له، فجاءً آخَرُ وَادَّعَى أَنّها له وقُضِيَ له بها، فجاءَ
أخو المقضيِّ عليه وادَّعَى أَنَّها كانَتْ لأبيهِ تَرَكَها ميراثاً له وللمقضيِّ عليه يُقضَى للأخِ المدَّعِي
بنصفِها(٤)؛ لأنَّ ذاك لم يَقُل: مِلكي لأَنّي وَرِثُها مِن أبي ليصيرَ الأَخُ مَقضّاً عليه، وكذا لو أقرَّ
الأخُ المقضيُّ عليه أنَّه وَرِثَها مِن أبيهِ بعدَ (٣/ ق ١٢٠/أ) إنكارِهِ وإقامةِ البِّنَةِ، ولو أقرَّ بالإرثِ قبلَ إقامةٍ
البِّنَةِ لا تُسمَعُ دَعْوِى الأَخِ)) اهـ. قال(٥): ((وذكَرَ قبَلَّهُ (٦): إذا صارَ الْمُوَرِّثُ(٧) مَقضيّاً عليه في
محدُودٍ فماتَ، فادَّعَى وارتُهُ ذلك المحدُودَ: إن ادَّعَى الإرثَ مِن هذا المُوَرِّثِ لا تُسمَعُ، وإن ادَّعَى
مُطلقاً تُسمَعُ، وإنْ كان الموَرِّثُ مُدَّعياً وقُضِيَ له، ثمَّ بعدَ موتِهِ الدَّعَى المقضيُّ عليه على وارثٍ
المقضيِّ له هذا المحدُودَ مُطلقاً لا تُسمَعُ)) اهـ.
(فر
في "البزّازيَّة"(٨): ((مسلمٌ باعَ عبداً مِن نصرانيٌّ، فاستحقَّهُ نصرانيٌّ بشهادةِ نصرائّينِ
لا يُقضَى له؛ لأنّه لو قُضِيَ له لَرجَعَ بالثَّمَنِ على المسلمِ)).
(١) "البحر": كتاب البيع - باب الاستحقاق ١٥١/٦ - ١٥٢ باختصار.
(٢) "الخلاصة": كتاب القضاء - الفصل الرابع في القضاء بعلم القاضي - جنس آخر ق ٢٠٠/ب بتصرف.
(٣) "الجامع الكبير": كتاب الدعوى - باب من الدعوى أيضاً صـ١١٥ - ١١٦ -.
(٤) قال أبو الوفاء الأفغاني في هامشه على "الجامع الكبير" صـ ١١٦ -: ((كذا في الأصل، وفي نسخة "العَّابي": يقضي
الأستاذ بثلاثة أرباعها للأجنبي، وبربعها لأخ ذي اليد، ولا شيء لذي اليد. ثم شَرَحَ المسألةَ وأثبتها، فالصواب
هنا: بربعها، والله أعلم)) انتهى كلام أبي الوفاء.
(٥) أي: صاحب "البحر": ١٥٢/٦.
(٦) أي: صاحب "الخلاصة": ق ٢٠٠/ب.
(٧) في "ك": ((الوارث))، وهو تحريف، وفي "آ": ((الموروث)).
(٨) "البزازية": كتاب الشهادات - الفصل الثاني فيما يقبل وما لا يقبل - نوع في الشهادة على النفي ٢٦٥/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٢٩٨
قسم المعاملات
ولو مُوَرِّتَهُ، فَيَتعدَّى إلى بقيَّةِ الورَثةِ، "أشباه"(١). (فلا تُسمَعُ دَعْوى المِلكِ مِنهم)
للحكمِ عليهم (بل دَعْوِى النّاجِ،.
[٢٤٥٣١] (قولُهُ: ولو مُوَرِّثَهُ) الضَّميرُ عائدٌ على ((مَن)) في قولِهِ: ((وعلى مَن تَلَقَّى
المِلكَ مِنه)) أي: لو اشتراهُ ذو اليدِ مِن موَرِِّهِ فالحكمُ عليه بالاستحقاقِ حكمٌ على الموَرِّثِ،
فلاتُسمَعُ دَعْوى بقيَّةِ الورثَّةِ على المستحِقِّ بالإِرثِ(٢).
(٢٤٥٣٢) (قولُهُ: فلا تُسمَعُ دَعْوى المِلكِ مِنهم) تفريعٌ على قولِهِ: ((والحكمُ به حكمٌ على
ذي اليدِ إلخ))، "درر"(٣). وأَتَّى بضميرِ الجمعِ إشارةً إلى شُمُولِ ما لو تعدَّدَ البيعُ مِن واحدٍ إلى
آخَرَ وهكذا، ولذا قال في "الدُّرر"(٣): ((بلا واسطةٍ أو وسايطَ))، وفرَّعَ في "الغرر "(٤) على ذلك
أيضاً: ((أَنَّه لا تُعادُ البَِّةُ للرُّجوعِ))، قال في "شرحه"(٤): ((يعني: إذا كان الحكمُ للمستَحِقِّ حكماً
على الباعةِ، فإذا أرادَ واحدٌ مِن المشترينَ أنْ يَرجِعَ على بائعِهِ بالثَّمَنِ لا يَحتاجُ إلى إعادةِ البِّنَةِ)).
[٢٤٥٣٣) (قولُهُ: بل دَعْوَى النّاجِ) عبارةُ "الغرر "(٥): ((بل دَعْوى النّاجِ أو تَلقّي المِلكِ
مِن المستَحِقِّ))، قال في شرحِهِ "الدُّرر"(٥): ((بأنْ يقولَ بائعٌ مِن الباعةِ حينَ رُجِعَ عليه
بالثَّمَنِ: أنا لا أُعطي الثَّمَنَ؛ لأنَّ المسْتَحِقَّ كاذبٌ؛ لأنَّ المبيعَ نُتِجَ في مِلكي أو مِلكِ بائعي بلا
واسطةٍ أو بها، فُتُسمَعُ دَعْوَاهُ، وَيَبطُلُ الحكمُ إِنْ أَثْبَتَ، أو يقولَ: أنا لا أُعطي الثَّمَنَ؛ لأَّي اشْتَرِيْتُهُ
(قولُهُ: الضَّمِيرُ عائدٌ على ((مَن)) إلخ) لعلَّهُ أرادَ به ضميرَ (كان) المقدَّرةِ، وأمّا ضميرُ ((مُوَرِّثَهُ))
فعائدٌ لذي الیدِ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ ٢٥٨ - ٢٥٩ - بتصرف.
(٢) في "٢": ((بذلك الإرث)) بدل ز(بالإِرث)).
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩٠/٢.
(٤) انظر "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩١/٢.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩٠/٢ - ١٩١.
الجزء الخامس عشر
٢٩٩
باب الاستحقاق
مِن المستَحِقِّ، فَتُسمَعُ أيضاً)) اهـ. وأفادَ كلامُهُ أَنَّه لا يُشترَطُ لإثباتِ النّاجِ حضُورُ المستَحِقِّ
كما أجابَ به في "الحامديَّة"(١) وقال(١): ((إِنَّه مُقْتضَى ما أَفَتَى به في "الخيريَّة" في بابِ الإقالةِ(٢)
موافِقاً لِما في "العماديَّة": مِن أنَّ هذا القولَ أظهَرُ وأشبَهُ، لكنْ في "البزّازِيَّة"(٣): أنَّ الاشتراطَ
هو الأظهَرُ والأشبَهُ)).
قلتُ: وعبارةُ "البزّازِيَّة"(٣): ((وعندَ "محمَّدٍ" - وهو اختيارُ "شمس الإسلام"(٤) -: يُقبَلُ
بلا حَضرتِهِ؛ لأنَّ الرُّجوعَ بالثَّمَنِ أمرٌ يَخُصُّ المشتريَّ، فاكُفِيَ بحضورِهِ، واختيارُ "صاحبِ
المنظومة "(٥) - وهو قياسُ قولِهما، وهو الأَظهَرُ والأشبهُ - عَدَمُ القُبُولِ بلا حُضورِ المستَحِقِّ)) اهـ. لكنْ
في "الذَّخيرة": ((قيلَ: على قولِ "محمَّدٍ" و"أبي يوسف" الآخَرِ يُشترَطُ، وعلى قياسِ قولِ "أبي
حنيفةً" و"أبي يوسف" الأوَّلِ لا يُشترَطُ، وهذا القولُ أَشبَهُ وَأظهَرُ)) اهـ. وهكذا عزاهُ في
"العماديَّة" إلى "الذَّخيرة" و"المحيط "(٦)، ومثلُهُ في "جامع الفصولين(٧) و"نور العين"(٨). فالظّاهرُ أنَّ
ما في "البزّازيَّ" مِن العكسِ سَبْقُ قلمٍ كما حرَّرناهُ في "تنقيح الحامديَّة"(٩)، فتَبَّهْ لذلك. واخْتُلِفَ في
اشتراطِ حضرةِ المبيعِ، وأقْتَى "ظهيرُ الدِّين" بعدمِهِ كما سنذكرُهُ(١٠).
(١) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٢٧٢/١ بتصرف.
(٢) نقول: قوله: ((في باب الإقالة)) من كلام ابن عابدين رحمه الله وليس من "الحامدية"، وما أفتى به في "الخيرية"
ليس في باب الإقالة، بل في باب الاستحقاق ٢٤٢/١.
(٣) "البزازية": كتاب الدعوى - الفصل الخامس عشر في بقية مسائل الدفع والتناقض - نوع فيمن يشترط حضرته ٤٠٧/٥.
(٤) هو محمود بن عبد العزيز، شمس الإسلام الأُوْزْجَنْدِيّ، جدُّ قاضيخان، ويلقب أيضاً بـ شمس الأئمة وشيخ
الإسلام. ("الجواهر المضية" ٤٤٦/٣، ١٤٣/٤، "الفوائد البهية" صـ ٢٠٩-).
(٥) انظر "حقائق المنظومة النسفية": كتاب الدعوى ق ٢١٧/أ.
(٦) "المحيط البرهاني" كتاب القضاء - الفصل الثلاثون في بيان من يشترط حضرته لسماع الخصومة والبينة ٣/ق١١١/أ.
(٧) "جامع الفصولين": الفصل الثالث فيمن يصلح خصماً لغيره ومن لا يصلح ٢٨/١.
(٨) "نور العين": الفصل الثالث فيمن يصلح خصماً لغيره ومن لا يصلح ق ١٥/ب.
(٩) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٢٧٢/١ - ٢٧٣.
(١٠) المقولة [٢٤٥٥٤] قوله: ((ويَثْبتِ رُجُوعُ المشْتَري على بائِعِه بالثّمَن إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٣٠٠
قسم المعاملات
ولا يَرجِعُ) أحدٌ من المشترِينَ (على بائعِهِ ما لم يُرجَعْ عليه، ولا على الكفيلِ ما
لم يُقْضَ على المكفُولِ عنه)
[٢٤٥٣٤) (قولُهُ: ما لم يُرجَعْ عليه) فليس للمشتري الأوسطِ أنْ يَرجِعَ على بائعِهِ قبلَ أنْ يَرجِعَ
عليه المشتري الأخيرُ، "درر"(١). وأفادَ أَنَّه لا يُشترَطُ إلزامُ القاضي البائعَ بِالثَّمَنِ، بل له الرُّجوعُ على بائِعِهِ
بدونِهِ، وهو قولُ "محمَّدٍ" المفتَى به كما عَلِمتَ، ثُمَّ إِنَّمَا يَتْبُتُ له الرُّجوعُ إذا لَمْ يُْرِئَهُ البائعُ عن الَّمَنِ قبلَ
الاستحقاق، فلو أبرأَهُ البائعُ ثُمَّ اسْتُحِقَّ المبيعُ مِن يدِهِ لا يَرجِعُ على بائِعِهِ بالثَّمَنِ؛ لأَنَّه لا ثَمَنَ له على
بائعِهِ. وكذلك بقيّةُ الباعةِ لا يَرجِعُ بعضُهم على بعضٍ، "ذخيرة"، أي: لتَعذُِّ القضاءِ على الذي أَبرَأَ
مُشْتَرِيَهُ، "جامع الفصولين(٢). ثمَّ نقَلَ فيه (٢): ((أنَّ في رُجوعِ بِقَيَّةِ الباعةِ بعضِهِم على بعضِ خلافاً بينَ
المتأخّرِينَ))، وأمّا لو أَبْرَأَ المشتري البائعَ بعدَ الحكمِ له بالرُّجُوعٍ فيأتي قريباً(٣) أنّه لا يَمْنَعُ.
[٢٤٥٣٥) (قولُهُ: ولا على الكفيلِ) أي: الضّامنِ بالدَّرَكِ، "درر "(٤)، أي: ضامنِ الثَّمَنِ عندَ
استحقاقِ المبيعِ.
[٢٤٥٣٦) (قولُهُ: ما لم يُقْضَ على المكفُولِ عنه) اعتُرِضَ بأنَّ المكفُولَ عنه - وهو البائعُ - صار
مَقضّاً عليه بالقضاءِ على المشتري الأخيرِ؛ لِما عَلِمتَ مِن أنَّ الحكمَ بالاستحقاقِ حكمٌ على ذي
اليدِ وعلى مَن تَلَقَّى المِلكَ مِنه، وقبلَ القضاءِ لا مُطالبةَ لأحدٍ.
قلتُ: هذا اشتباهٌ، فإنَّ المرادَ بالقضاءِ هنا القضاءُ على المكفُولِ عنه بالثَّمَنِ، والقضاءُ السّابقُ
قضاءٌ بالاستحقاق، والمسألةُ ستأتي [٣/ق١٢٠/ب] متناً(٥) في الكفالةِ قبيلَ بابِ كفالةِ الرَّجلينِ،
ونَصُّها: ((ولا يُؤخَّذُ ضامنُ الدَّرَكِ إذا استُحِقَّ المبيعُ قبلَ القضاءِ على البائعِ بالثَّمَنِ)) اهـ. وهي
١٩٢/٤ في "الهداية"(٦) و"الكنز"(٧) وغيرِهِما، وعلََّهُ في "الهداية" هناك(٨) بقولِهِ: ((لأَنَّ بمجرَّدِ الاستحقاق
(١) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩١/٢.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥١/١.
(٣) المقولة [٢٤٥٣٩] قوله: ((ولو صَالَح بشَيءٍ إلخ)).
(٤) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩١/٢.
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٢٥٧٢٣] قوله: ((إذا استحق المبيع قبل القضاء على البائع)).
(٦) "الهداية": كتاب الكفالة - فصل في الضمان ٩٦/٣.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب أحكام الكفالة - فصل في مسائل متفرقة ٧٨/٢.
(٨) "الهداية": كتاب الكفالة - فصل في الضمان ٩٦/٣.
الجزء الخامس عشر
٣٠١
باب الاستحقاق
لئلاّ يَجتمِعَ ثَمَنانِ في مِلكِ واحدٍ؛ لأنَّ بدَلَ المسْتَحَقِّ مملوكٌ، ولو صالَحَ بشيءٍ قليلٍ
أو أَبْرَأَ عن ثَمِنِهِ بعدَ الحكمٍ له برُجُوعٍ عليه فلبائعِهِ أنْ يَرجِعَ على بائعِهِ أيضاً؛ لزَوال
البدَلِ عن مِلكِهِ».
لا يَنْتَقِضُ البيعُ على ظاهرِ الرِّوايةِ ما لم يُقَضَ له بالثَّمَنِ على البائعِ، فلم يَحِبْ على الأصيلِ رَدُّ
الثَّمَنِ، فلا يَحِبُ على الكفيلٍ)) اهـ، فافهمْ، لكنْ عَلِمتَ مِمّا قَرَّرْناهُ(١) أنَّ العَقْدَ يَتْقِضُ بَفَسْخِ
العاقدَينِ، وبالرُّجوعِ بالنَّمَنِ على البائعِ بدونِ قضاءٍ، وأَنَّه ليس المرادُ قَصْرَ الفَسْخِ على واحدٍ مِمّا
ذُكِرَ، وإذا انفسَخَ العَقْدُ بواحدٍ مِنها وجَبَ على الأصيلِ - وهو البائعُ - رَدُّ الثَّمَنِ على المشتري،
فَيَجِبُ على الكفيلِ أيضاً ولو بدونِ قضاءٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قولُ "محمَّدٍ" المفْتَى به الماءُ(١) آنفاً.
[٢٤٥٣٧] (قولُهُ: لئلاّ يَجتمِعَ ثَمَنانٍ إلخ) علَّةٌ لقولِهِ: ((ولا يَرجِعُ أحدٌ إلخ)) كما أفادَهُ في
"الدُّرر" (٢). قال "ط"(٣): ((وهذا الَّعليلُ يَظهَرُ في غيرِ المشتري الأخيرِ وغيرِ البائعِ الأَوَّلِ، فَظهَرُ في الباعةِ
المتوسِّطينَ، فإنَّ عندَ كلِّ مِنهم ثَمَنَاً، فلو رجَعَ بالثَّمَنِ قبلَ أنْ يُرجَعَ عليه اجتمَعَ فِي مِلكِهِ ثَّمَنَانٍ)) اهـ.
[٢٤٥٣٨] (قولُهُ: لأنَّ بدَلَ المسْتَحَقِّ مملوكٌ) أي: ثَمِنَهُ باقٍ على مِلكِ البائعِ، وعَبََّ عنه بالبدَلِ
ليَشْمَلَ ما لو كان قِيْمَيّاً. وهذا بيانٌ لوجهِ اجتماعِ الثَّمْنَينِ فِي رُجوعِ أحدِهم قبلَ الرُّجوعِ عليه.
[٢٤٥٣٩] (قولُهُ: ولو صالَحَ بشيءٍ إلخ) عبارةُ "جامع الفصولين"(٤): ((المشتري لو رجَعَ على
(قولُ "الشّارحِ": لزَوالِ البدَلِ عن مِلكِهِ إلخ) لأَنَّه لَمّا أبرَهُ مِنه بعدَ الحكمِ فكأَنَّه أخَذَهُ مِنه. اهـ
"سنديّ". وكذلك يقالُ في الصُّلحِ، فإنّه أَخْذٌ لبعضٍ حَقِّهِ وإسقاطٌ للباقي، وإذا كان بدَلُ الصُّلحِ شيئاً
آخَرَ يكونُ أَخْذُهُ كَأَخْذِ الثَّمَنِ عِينِهِ.
(١) المقولة [٢٤٥٢٧] قوله: ((والنّاقلُ لا يُوجِبُ فَسْخَ العَقْدِ)).
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩١/٢.
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١١٤/٣.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥١/١ - ١٥٢.
حاشية ابن عابدين
٣٠٢
قسم المعاملات
ولو حُكِمَ للمُستَحِقِّ فصالَحَ المشتريَ لم يَرجِعْ؛ لأنّه بالصُّلحِ أبطَلَ حَقَّ الرُّجوعِ،
وتمامُهُ في "جامع الفصولين".
بائعِهِ، وصالَحَ البائعَ على شيءٍ قليلٍ فلبائعِهِ أنْ يَرجِعَ على بائعِهِ بَتَمِنِهِ، وكذا لو أَبرَأَهُ المشتري عن
ثَمِهِ بعدَ الحكمِ له بُرُجوعٍ عليه فلبائعِهِ أنْ يَرجِعَ على بائعِهِ أيضاً؛ إذ المانعُ اجتماعُ البدَلِ وَالُبدَلِ في
مِلكِ واحدٍ ولم يوجَد؛ لزَوالِ المبدَلِ عن مِلكِهِ. ولو حُكِمَ للمستَحِقِّ وصالَحَ المشتريَ ليأخُذَ
المشتري بعضَ الثَّمَنِ مِن المسْتَحِقِّ، ويدفَعَ المبيعَ إلى المستَحِقِّ ليس له أنْ يَرجِعَ على بائعِهِ بِثَمِنِهِ؛ لأَنَّه
بالصُّلِحِ أبطَلَ حَقَّ الرُّجوعِ)) اهـ.
قلتُ: وما ذكرَهُ في الإِبراءِ إِنَّما هو في إبراءِ المشتري البائعَ، وأمّا لو أَبْرَأَ البائعُ المشتريّ عن
الثَّمَنِ قبلَ الاستحقاقِ فقَدَّمنا (١) آنفاً أَنَّه يَمنِعُ الرُّجوعُ. ثمَّ قال في "الفصولين"(٢): ((فلو أثَّتَهُ
- أي الاستحقاقَ - وحُكِمَ له، فدفَعَ إليه شيئاً وأمسَكَ المبيعَ يَصِيرُ هذا شراءً للمبيعِ مِن المستَحِقِّ،
فينبغي أنْ يَتْبُتَ له الرُّجوعُ على بائِعِهِ)) اهـ.
[٢٤٥٤٠) (قولُهُ: فصالَحَ المشتريَ) أي: دفَعَ المستَحِقُّ إلى المشتري بعضَ الثَّمَنِ صُلحاً عن
دَعْوى المشتري نِتاجاً عندَ بائِعِهِ أو نحوَهُ مِمّا يُبطِلُ الاستحقاقَ لم يُرجِعْ على بائعِهِ بالثّمَنِ؛ لأنَّ
صُلحَهُ مع المستَحِقِّ على بعضِ الثَّمَنِ أسقَطَ حَقَّهُ في الرُّجوعِ، وهذا بخلافِ العكسِ، وهو ما إذا
دَفَعَ المشتري إلى المسْتَحِقِّ شيئاً وأمسَكَ المبيعَ؛ لأَنَّه صار مُشترِياً مِن المستَحِقِّ فلا يَبطُلُ حَقُّ
رُجوعِهِ كما عَلِمتَ، وهذه المسألةُ هي الآتيةُ(٣) عن نظم "المحبّة"، ولا يَخْفَى ظُهُورُ الفَرْقِ بِينَها
وبينَ الأُولى كما أفادَهُ "ط " (٤)، فافهمْ.
(١) المقولة [٢٤٥٣٤] قوله: ((ما لم يَرْجِعْ عليه)).
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٢/١.
(٣) صـ٣٣٧ - وما بعدها "در".
(٤) "ط": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١١٤/٣.
الجزء الخامس عشر
٣٠٣
باب الاستحقاق
(والمُبطِلُ يُوجِبُهُ) أي: يُوجِبُ فَسْخَ العُقُودِ اتّفاقً (ولكلّ(١) واحدٍ مِن الباعةِ الرُّجوعُ على
بائعِهِ وإنْ لم يُرجَعْ عليه، ويَرجِعُ) هو أيضاً كذلك (على الكفيلِ ولو قبلَ القضاءِ عليه)
لَعَدَمِ اجتماعِ الثَّمْنَينِ (٢)؛ إذ بدَلُ الحُرِّ لا يُملَكُ (والحكمُ بالحرِّيَّةِ الأصليَّةِ حكمٌ على
الكافّةِ) مِن النّاسِ، سواءٌ كان بسِّةٍ، أو بقولِهِ: أنا حُرٌّ ..
[٢٤٥٤١] (قولُهُ: يُوجِبُ فَسْخَ العُقُودِ) أي: الجاريةِ بينَ الباعةِ بلا حاجةٍ في انفِساخِ كلٌّ مِنها
إلى حكم القاضي، "درر"(٣).
[٢٤٥٤٢] (قولُهُ: ولكلٍّ واحدٍ إلخ) فلو أقامَ العبدُ بيِّنَةً أَنَّه حُرُّ الأصلِ أو أَنَّه كان عبداً لفُلان
فأعتَقَهُ، أو أقامَ رجلٌ البيّنةَ أَنَّه عبدُهُ دَّرَهُ، فَقُضِيَ بشيءٍ مِن ذلك فلكلِّ واحدٍ أنْ يَرجِعَ على بائعِهِ قبلَ
ء
القضاء عليه. وكذا المشتري يَرجِعُ على الكفيلِ قبلَ الرُّجوعِ عليه، "هنديَّةُ"(٤) عن "الحاوي" (٥).
(٢٤٥٤٣] (قولُهُ: وإنْ لم يُرجَعْ عليه) بصيغةِ المجهولِ، أي: وإنْ لم يَحصُل الرُّجوعُ عليه، "درر"(٦).
[٢٤٥٤٤) (قولُهُ: وَيَرجِعُ هو أيضاً)(٧) أي: يَرجِعُ مَن له الرُّجوعُ على الكفيلِ بالدَّرَكِ أيضاً،
أي: كما له الرُّجوعُ على بائعِهِ. وقولُهُ: ((كذلك)) يُغني عنه قولُ "المصنّف": ((ولو قبلَ القضاءِ
عليه))، أي: قبلَ القضاءِ على المكفُولِ عنه بالثَّمَنِ.
[٢٤٥٤٥] (قولُهُ: والحكمُ بالحرِّيَّةِ الأصلِيَّةِ إلخ) هذه الجملةُ في موقعِ التعليلِ لِما قبلَها، واحتَرَزَ
بالأصلَيَّةِ عن العارضةِ بعِتقٍ ونحوِهِ؛ لأنَّها تأتي(٨).
[٢٤٥٤٦] (قولُهُ: أو بقولِهِ: أنا حُرٍّ صورتُهُ: ادَّعَى أَنَّه عبدُهُ، فقال المدَّعَى عليه: أنا حُرُّ الأصلِ،
(١) في "و": ((فلكل)).
(٢) في "و": ((اجتماع ثمنين)) .
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩٠/٢.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب البيوع - الباب الرابع عشر في المرابحة والتولية والوضيعة - مطلب: الصلح عن دعوى المجهول جائز ١٦٨/٣.
(٥) لم نعثر على المسألة في مظانها من "الحاوي القدسي".
(٦) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩٠/٢.
(٧) وردت هذه المقولة في "الأصل" و"ك" و"آ" بعد المقولة التالية ((قوله: والحكمُ بالحريَّةِ الأصليّةِ إلخ))، وهو خلاف
نسق كلام الشارح.
(٨) المقولة [٢٤٥٥٣] قوله: ((والقضاءُ يتعدَّى إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٣٠٤
قسم المعاملات
إذا لم يَسْبِقْ مِنه إقرارٌ بالرِّقِّ، "أشباه"(١). (فلا تُسمَعُ دَعْوى المِلكِ مِن أحدٍ، وكذا العِتَقُ
وفُروعُهُ) بمنزلةِ حرِّيَّةِ الأَصلِ (وأمّا) الحكمُ بالعِقِ (في المِلكِ المؤَرَّخِ فـ) -على الكافَّةِ (مِن)
وقتِ (التّاريخِ) و (لا) يكونُ قضاءً (قبلَه) كما بسَطَهُ "منلا خسرو"(٢) و"يعقوب
باشا"(٣)، فاحفَظْهُ، فإنَّ أكثرَ الكتبِ عنه خاليةٌ.
ولم يَسْبِقْ مِنه إقرارٌ بالرِّقِّ، وعجَزَ المدَّعي عن البِّنةِ حكَمَ القاضي بالحرِّيَّةِ الأصليَّةِ، وكان حكمُهُ
بها حكماً على العامَّةِ. اهـ "ح(٤).
[٢٤٥٤٧) (قولُهُ: إذا لم يَسِبِقْ مِنه إقرارٌ بالرِّقِ) أي: ولو حكماً كسُكُوتِهِ عندَ البيعِ مع انقيادِهِ
كما سيأتي(٥)، وتُسمَعُ دَعْواهُ الحرّيّةَ بعدَ اعترافِهِ بالرِّقِّ إذا بَرهَنَ كما [٣/ ق١٢١/أ) سيأتي(٦).
[٢٤٥٤٨] (قولُهُ: وكذا العِقُ وفُروعُهُ) عطفٌ على قولِهِ: ((والحكمُ بالحرِّيَّةِ الأَصلَيَّةِ))، أي:
إذا ادَّعَى أَنَّه كان عبدَ فُلانٍ فأعتَقَهُ، أو ادَّعَى رجلٌ أَنَّه عبدُهُ دَبَّرَهُ، أو أَنَّها أَمْتُهُ استَولَدَها وحُكِمَ
بذلك فهو حكمٌ على الكافَّةِ، فلا تُسمَعُ دَعْوى أحدٍ عليه بذلك. ونقَلَ "الحَمَويُّ(٧) عن بعضِهم:
((أنَّ هذا بعدَ تُبُوتِ مِلكِ المُعِقِ، وإلّ فقد يُعِقُ الإنسانُ ما لا يَمِلِكُهُ)).
[٢٤٥٤٩] (قولُهُ: وأمّا الحكمُ بالعِقِ في المِلكِ المؤَرَّخِ إلخ) يعني: إذا قال زيدٌ لَبَكْرِ: إِنَّك(٨)
عبدي مَلكنُكَ مُنذ خمسةِ أعوامٍ، فقال بَكْرٌ: إنّي كنتُ عبدَ بِشْرٍ، مَلَكَني مُنذ سنَّةِ أعوامٍ فَأَعتَقَنِي،
(قولُهُ: وكان حكمُهُ بها حكماً على العامَّةِ) لم يَظهَرْ وجهُ كونِهِ على العامَّةِ، وقال "عبدُ الحليم": ((تمامُ
تحقيقِ هذه المسألةِ في "مشتمل الأحكام"))، فليُنظَرْ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ٢٥٩ - بتصرف.
(٢) انظر "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩٠/٢.
(٣) المراد به حاشيته المسماة بـ "اليعقوبية" على شرح صدر الشريعة الثاني على "الوقاية"، وانظر تعليقنا المتقدم ٥٧٤/١.
(٤) "ح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ق٢٩٩/ب.
(٥) المقولة [٢٤٥٨٧] قوله: ((وكذا الحُرِّيَّةُ)).
(٦) المقولة [٢٤٥٤٩] قوله: ((وأمَّا الحكمُ بالعتق في المِلكِ المؤَرَّخ إلخ)).
(٧) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي ٣٢٠/٢.
(٨) في "ك": ((أنت)) بدل ((إنك)).
الجزء الخامس عشر
٣٠٥
باب الاستحقاق
(و) اختَلَفُوا في (القضاء بالوقف، قيل: كالحرِّيَّةِ، وقيل: لا) فَتُسمَعُ فيه دَعْوى مِلكٍ
آخَرَ أو وقفٍ(١) آخَرَ (وهو المختارُ) وصحَّحَهُ "العماديُّ". وفي "الأشباه"(٢) .......
وبَرَهَنَ عليه اندفَعَ دَعْوى زيدٍ. ثُمَّ إذا قال عمرٌو لَبَكْرٍ: إِنَّك عبدي مَلكُتُكَ مُنذ سبعة أعوامٍ
وأنت مِلكي الآنَ فَبَرَهَنَ عليه تُقْبَلُ، ويُفسَخُ الحكمُ بحرَّيْتِهِ، ويُجعَلُ مِلكاً لعمرٍو، "درر)"(٣).
وكذا الحكمُ بالمِلكِ على المستحَقِّ مِنه حكمٌ على الباعةِ مِن وقتِ التّاريخِ كما في "الخانَيَّة" (٤).
وفي "المقدِسيِّ": ((شَراها مُنذ شهرينٍ، فأقامَ رجلٌ بِّنّةً أَنَّها له مُنذ شهرٍ يُقضَى بها له ولا
يُقْضَى على بائعِهِ. بَرِهَنَتْ أَمَّةٌ في يدِ مُشتَرٍ أخيرٍ على أنَّها مُعَتَقَةُ فُلانٍ، أو مُدبَرْتُهُ، أو أمُّ وَلَدِهِ
رجَعَ الكلُّ إلّ مَن كان قبلَ فُلانٍ))، "سائحانيّ".
[٢٤٥٥٠] (قولُهُ: قيل: كالحرِّيَّةِ) أَفَتَى به المولَى "أبو السُّعود"، وحزَمَ به في "المحِّيَّةُ"(٥)،
ورجَّحَهُ "المصنّفُ"(٦) في كتابِ الوقفِ كما قدَّمَهُ "الشّارِحُ(٧) أوَّلَ الوقفِ.
١٩٣/٤
[٢٤٥٥١] (قولُهُ: وهو المختارُ) في "الفواكه البدريَّة" لـ "ابنِ الغَرْسِ"(٨): ((وهو الصَّحيحُ)) اهـ.
واقتصَرَ عليه في "الخانّة"(٩) في بابِ ما يُبطِلُ دعوى المدَّعي، واستدَلَّ له فكان مختارَهُ.
[٢٤٥٥٢] (قولُهُ: وصحَّحهُ "العماديُّ") نقَلَ "الرَّمليُّ) (١٠) عن "المصنّف" عبارةَ "الفصول العمادّة"
(١) في "و": ((ووقف)) بالواو.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي صـ٢٥٨ -.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٩٠/٢.
(٤) لم نعثر على المسألة في مظانّها من مطبوعة "الخانية" التي بين أيدينا.
(٥) "المنظومة المحبية": كتاب القضاء صـ٣٥ -.
(٦) "المنح": كتاب الوقف ١/ق٢٦٨/أ.
(٧) ٣٩٤/١٣ "در".
(٨) في "ب": ((الفرس)) بالفاء، وهو خطأ.
(٩) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات ٤٤١/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١٠) لم نعثر عليه في حاشيته على "جامع الفصولين".
حاشية ابن عابدين
٣٠٦
قسم المعاملات
((القضاءُ يَتعدَّى في أربعٍ: حُرِّيَّةٍ، وَنَسَبٍ، ونكاحٍ، وولاءٍ، وفي الوقفِ يَقْتصِرُ على
الأصحِّ)).
وليس فيها تصحيحٌ أصلاً(١)، بل مجرَّدُ حكايةِ الأَوَّلِ عِن "الحَلوانيّ)) (٢) و"السُّغديِّ"(٣)، والّاني عن
"أبي الَّيثِ" (٤) و"الصَّدرِ الشَّهيدِ" اهـ. وفي "جامع الفصولين" (٥): ((القضاءُ بالوقفيَّةِ، قيل: يكونُ
على النّاسِ كافّةً، وقيل: لا)).
[٢٤٥٥٣] (قولُهُ: القضاءُ يَتَعدَّى إلخ) فإذا قُضِيَ بواحدةٍ مِنها لا تُسمَعُ دعوى آخَرَ. وأرادَ
بالحرِّيَّةِ ما يَشْمَلُ العارضةَ كالعِقِ. وَيَحري في النّكاحِ ما جرَى في المِلكِ المؤَرَّخِ، فُتُسمَعُ دعوى غيرِهِ
على نكاحِها قبلَ التّاريخِ لا بعدَه كما استنَبَطَهُ "والدُ محشِّي مسكينٍ"(٦) مِن كلامِ "الدُّرر" المارِّ(٧).
قال "الحَمَويُ)(٨): ((وُزادُ على الأربعِ ما في "معين الحكّام)" (٩): لو أحضَرَ رجلاً وادَّعَى عليه حَقّاً
لموكِلِهِ، وأقامَ البِّنَةَ على أنّه وكُلُهُ في استيفاءِ حُقوقِهِ والخُصومةِ في ذلك قُبلَت ويُقضَى بالوكالةِ،
ويكونُ قضاءً على كافَّةِ النّاسِ؛ لأَنّه ادَّعَى عليه حقّاً بسببِ الوكالةِ، فكان إثباتُ السَّبِ عليه إثباتاً
على الكافَّةِ، حتى لو أحضَرَ آخَرَ وادَّعَى عليه حقّاً لا يُكلَّفُ إعادةَ البِّنَةِ على الوكالةِ)) اهـ.
(١) نقول: ما في "منح" المصنف يتفق وقولَ الشارح الحصكفي: ((وصححه العمادي))، فالذي في "المنح" من كتاب الوقف
١/ق٢٦٨/أ: ((وبه كان يفتي شيخ الإسلام أبو السعود العمادي مفتي الديار الرومية، وينبغي أن يفتى به ويعوَّل عليه))،
وفي "المنح" أيضاً من باب الاستحقاق ٢/ق٣٣/ب: ((وقال مولانا في "بحره": وصحح العمادي في "الفصول" أن القضاء به
ليس قضاءً على الكافة .. إلخ)).
(٢) أي: شمس الأئمة في "فوائده"، كما في "المنح".
(٣) أي: ركن الإسلام عليّ السُّغديّ كما في "المنح"، ولم نعثر على النقل في "النتف".
(٤) لم نعثر عليه في "خزانة الفقه" ولا في "عيون المسائل".
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الثالث عشر في دعوى الوقف والشهادة عليه ١٢٧/١ باختصار.
(٦) انظر "فتح المعين": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٦٠٧/٢.
(٧) ص ٣٠٤ - "در".
(٨) "غمز عيون البصائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب القضاء والشهادات والدعاوي ٣١٨/٢.
(٩) "معين الحكام": الفصل الرابع في تقسيم المدعى عليهم وما يسمع من بيناتهم وما لا يسمع منها صـ ٧١ -.
الجزء الخامس عشر
٣٠٧
باب الاستحقاق
(وَيَتْبُتُ رُجوعُ المشتري على بائعِهِ بالثَّمَنِ.
[٢٤٥٥٤] (قولُهُ: وَيَتْبُتُ رُجوعُ المشتري على بائعِهِ بالثَّمَنِ إلخ) أشارَ إلى أنَّ الاستحقاقَ
لابدَّ أنْ يَرِدَ على ما كان مِلكَ البائعِ لُيُرجَعَ عليه، ففي "الجامع الكبير"(١): ((لوِ اشْتَرَى ثوباً
فقطَعَهُ وخاطَهُ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ بالبَِّةِ لا يَرجِعُ المشتري على البائعِ بالثَّمَنِ))؛ لأنَّ الاستحقاقَ ما وَرَدَ
على مِلكِهِ؛ لأَنَّه لو كان مِلكَهُ(٢) في الأصلِ انقطَعَ بالقَطعِ والخياطةِ، كمَن غصَبَهُ فقطَعَهُ وخاطَهُ
مَلكَهُ، فالأصلُ أنَّ الاستحقاقَ إذا ورَدَ على مِلكِ البائعِ الكائنِ مِن الأصلِ يُرجَعُ عليه، وإنْ وَرَدَ
عليه بعدَما صار إلى حالٍ لو كان غَصْباً مَلكَهُ به لا يَرجِعُ؛ لأَنَّه متيقَّنُ الكذبِ. وعُرِفَ أنَّ المعنى
أنْ يستحِقَّهُ باسمِ القميصِ، فلو بَرهَنَ أنَّه كان له قبلَ هذه الصِّفةِ رجَعَ المشتري بالثَّمَنِ، وعلى
هذا: لو اشتَرَى حنطةً وطحَنَها ثمَّ اسْتُحِقَّ الدَّقيقُ، ولو قال: كانت لي قبلَ الطَّحنِ يَرجِعُ، وكذا
لو شَرَى لحماً فشواهُ. اهـ "فتح"(٣) مُلخَّصاً.
وأطلَقَ "المصنّف" الرُّجوعَ فشَمِلَ: ما إذا كان الشِّراءُ فاسداً كما في "جامع الفصولين (٤).
وما إذا كان عالِماً بكونِهِ مِلكَ المستَحِقِّ كما سيذكرُهُ "المصنّف" (٥). وما لو أَبرأَ البائعُ
المشتريَ(٦) عن ثَمِنِهِ، فللبائعِ الرُّجوعُ على بائعِهِ لو الإبراءُ بعدَ الحكمِ لا قبلَهُ كما مرَّ(٧). وما لو
ماتَ بائعُهُ ولا وارثَ له، فالقاضي يَنْصِبُ عنه وصيّاً لِيَرجِعَ المشتري عليه. وما إذا زعَمَ بائعُهُ أَنَّه
(قولُهُ: أشارَ إلى أنَّ الاستحقاقَ لا بدَّ أنْ يَرِدَ إلخ) ليس في كلامِ "المصنّف" ما يدُلُّ على هذه الإشارةِ.
(قولُهُ: وما لو أَبرأَ البائعُ المشتريَ عن ثَمِنِهِ إلخ) لعلَّ في العبارةِ قَلْباً، وأصلُها: أَبرأَ المشتري البائعَ
إلخ، فإنَّه هو الذي مرَّ أَنَّه لا يَمنَعُ الرُّجوعَ بخلافِ إبراءِ البائعِ للمشتري، فإِنَّه يَمنَعُ الرُّجوعَ.
(١) "الجامع الكبير": كتاب البيوع - باب من الاستحقاق في البيع إلخ صـ٢١٩ -.
(٢) قوله: ((لأنه لو كان مِلكَهُ إلخ))، هكذا بخطه ولعله سقط من قلمه واو قبل ((لو)) والأصل ((لأنه ولو كان إلخ))
فتأمل اهـ مصحِّحا "ب" و"م".
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٦/٦.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٠/١.
(٥) صـ ٣٣١ - "در".
(٦) بل صورة هذه المسألة: ((لو أبرأ المشتري البائع عن ثمنه إلخ))، وهو الذي مرَّ في المقولة [٢٤٥٣٩]، ففي عبارة
المحشي هنا قَلْبٌ، وقد أشار إلى ذلك الرافعي رحمه الله.
(٧) المقولة [٢٤٥٣٩] قوله: ((ولو صالَحَ بشيءٍ إلخ)).
٣٠٨
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
إذا كان الاستحقاقُ بالبِّنةِ) لِماسيجيءُ(١) أنَّها حُجَّةٌ متعديَّةٌ.
نُتِجَ في مِلكِهِ وعجَزَ عن إثباتِهِ وأَخَذَ مِنه الَّمَنَ، فله الرُّجوعُ؛ على بائِعِهِ؛ لأَنَّه لَمّا حُكِمَ عليه التحَقَ
دعواهُ بالعَدَمِ، وكذا لوزعَمَ أَنَّه ليس له الرُّجوعُ؛ لإنكارِهِ البيعَ؛ لأَنَّه لَمّا حُكِمَ عليه بِّةٍ التحَقَ زعمُهُ
بالعَدَمِ. وما لو ألزَمَ القاضي البائعَ بِدَفْعِ الثَّمَنِ أَوَلاً كما مرَّ( ٢). وما لو أحالَ البائعُ رجلاً بالثَّمَنِ
[٣/ ق١٢١/ ب] على المشتري وأدَّى إليه، ثمَّ اسْتُحِقَّت الدّارُ، فإنّه يَرجِعُ على البائعِ لا على المُحالِ وإِنْ لم
يَظفَرْ بالبائعِ. وما إذا كان البائعُ وكيلاً فللمشتري مُطالبتُهُ بِالثَّمَنِ مِن مَالِهِ، ولا يَنتظِرُ إنْ كان دفَعَ
الَّمَنَ إليه، وإِنْ كان دفَعَهُ للموكّلِ يَنتظِرُ أَخْذَهُ مِن الموكّلِ. وما إذا قال البائعُ للمشتري: قد عَلِمتَ
أنَّ الشُّهودَ شَهِدُوا بزُورٍ وأنَّ المبيعَ لي فصدَّقَهُ المشتري، فإنّه يَرجِعُ عليه بالَّمَنِ؛ لأَنَّه لم يَسْلَمْ له
المبيعُ، فلا يَحِلُّ للبائعِ أَخْذُ الثَّمَنِ وقد استُحِقَّ المبيعُ اهـ. مُلخَّصاً، كلُّ ذلك مِن "الذَّخيرة".
(تنبيةٌ)
إذا ادَّعَى المشتري استحقاقَ المبيعِ على بائعِهِ لَيَرجِعَ بَتَمِنِهِ فلا بدَّ أنْ يُفسِّرَ الاستحقاقَ ويُبِّنَ
سَبَهُ، فلو بَيَّنَهُ وأنكَرَ البائعُ البيعَ فَأَبَتَهُ المشتري رجَعَ بَثَمِنِهِ، وقيل: يُشترَطُ حضرةُ المبيعِ لسماعٍ
لبِّنةٍ، وقيل: لا، وبه أفتَى "ظهيرُ الدِّين المرغينانِيُّ". فلو ذكَرَ شِيَةَ العبدِ وصفتَهُ وقدَّرَ ثَمَنَهُ كَفَى،
"جامع الفصولين(٣)، وفيه(٤): ((أنَّ للمستَحَقِّ عليه تحليفَ المستَحِقِّ باللهِ ما باعَهُ، ولا وهَبَهُ،
ولا تَصدَّقَ به، ولا خرَجَ عن مِلكِهِ بوجهٍ مِن الوُجوهِ))، وتمامُهُ فيه.
(فرعٌ)
استأجَرَ حماراً، فادَّعاهُ رجلٌ ولم يُصدِّقْهُ أَنَّه مستأجِرٌ، واستحقَّهُ عليه، لا يَرجِعُ الآخِرُ على
بائعِهِ؛ لأنَّ هذا الاستحقاقَ ظلمٌ؛ لأَنَّه لم يَقَعْ على خصمٍ، "ذخيرة".
[٢٤٥٥٥] (قولُهُ: إذا كان الاستحقاقُ بالبِّةِ) فلو أخَذَ المسْتَحِقُّ العَينَ مِن المشتري بلا حكمٍ،
(١) صـ ٣١٠ - "در".
(٢) المقولة [٢٤٥٢٧] قوله: ((والنّاقلُ لا يُوجبُ فَسْخَ العَقْدِ)).
(٣) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥١/١ بتصرف.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٦/١.
الجزء الخامس عشر
٣٠٩
باب الاستحقاق
(أمّا إذا كان) الاستحقاقُ (بإقرارِ المشتري أو بُنُكُولِهِ).
فهلَكَ فالوجهُ في رُجوعِ المشتري على بائعِهِ أنْ يدَّعيَ على المستَحِقِّ أَنَّكَ قَبَضْتَهُ مِنِّي بلا حكمٍ وكان
مِلكي، وقد هَلَكَ في يدِكَ فأدٌّ إليَّ قيمتَهُ، فُيُبَرِهِنُ أَنَّه له، فيَرجِعُ المشتري على بائِعِهِ بِثَمِنِهِ،
" جامع الفصولين(١). ومفهومُهُ أَنَّه لو لم يَهلِك فللمشتَرَى مِنه استردادُهُ حتّى يُرِهِنَ فيَرجعَ المشتري
على بائعِهِ إنْ لم يُقِرَّ المشتري أوَّلاً بأَنَّه للمستَحِقِّ. وفي "الفصولين" أيضً(١): ((أخذَهُ بلا حكمٍ، فقال
المشتري لبائعِهِ: أخذَهُ المسْتَحِقُّ مِنِّي بلا حكمٍ فأدِّ ثَمنَهُ إليَّ فأدّاهُ، ثمَّ بَرهَنَ على المستَحَقِّ أَنَّه له في
غَيْبةِ المشتري صحَّ؛ لانفساخِ البيعِ بينَه وبينَ المشتري بتراضِيهما، فبقيَ على مِلكِ البائعِ، ولم يَصِحَّ
الاستحقاقُ)) اهـ. واحترزَ بقولِهِ: ((بلا حكمٍ)) عمّا إذا كان بحكمٍ ولم يَرجِعِ المشتري على بائعِهِ
بالثّمَنِ، فإِنَّه لاَيَصِحُّ مع غَيبةِ المشتري؛ لعَدَمِ انفساخِ البيعِ بالاستحقاقِ، "رمليّ (٢).
١٩٤/٤
[٢٤٥٥٦] (قولُهُ: بإقرارِ المشتري) ولو عدَّ المشتري شُهودَ المسْتَحِقِّ قال "أبو يوسف": أَسألُ
عنهما، فإِنْ عُدِّلا رَجَعَ بالثَّمَنِ وإلّ فلا؛ لأنّه كإقرارٍ، "ذخيرة".
(قولُهُ: واحتَرَزَ بقولِهِ: ((بلاحكمٍ)) عمّا إذا كان بحكمٍ ولم يَرجِع إلخ) الظّاهرُ: أنَّ المناسبَ في التّعبيرِ أنْ
يقولَ: واحترزَ بقولِهِ: ((بلا حكمٍ)) عمّا إذا كان بحكمٍ، فإِنَّه لا تَصِحُّ دعواهُ ولا بُرهانُهُ أَنَّه له؛ لأنَّه صار محكوماً
عليه. وبقولِهِ: ((فَأَدّاهُ)) عمّا إذا لم يُؤدِّهِ إلخ، فإنَّ "الفصولين)" قَّدَ المسألةَ بقيدَينِ هما: عَدَمُ الحكمِ، وتأديةُ الَّمَنِ،
فالمناسبُ بيانُ مُحَتَرَزِهما، تأمَّلْ. وعبارةُ "الرَّمليّ" - كما نقَلَهُ "المحشِّي" عنه - بزيادةِ قولِهِ عَقِيَهُ: ((بل على ظاهرٍ
الرِّوايةِ لا يَنفسِخُ ما لم يُفْسَخ، وعلى ما ذكرَهُ "ت"(٣) عن "محمَّدٍ": لا يَنَفسِخُ ما لم يأخُذِ العَينَ بقضاءٍ، وبهذا
ظهَرَ جوابُ حادثةِ الفتوى: اسْتُحِقَّ بحكمٍ وأخذَهُ المستَحِقُّ، ولم يَرجِعِ المشتري بالثَّمَنِ على بائعِهِ ولم يَفْسَخ،
فادَّعَى البائعُ على المستَحِقِّ مع غَيِبةِ المشترى التّقِّيَ أو النَّاجَ عندَ بائِهِ، وَيَظهَرُ أَنَّه لا يُقْبَلُ؛ لِعَدَمِ انفساخِ البيعِ
على ظاهرِ الرِّوايةِ، وعلى ما صُحِّحَ أيضاً مِن أَنَّه لا يَنفسِخُ حتى يَرجِعَ المشتري على بائعِهِ بالثّمَنِ)) اهـ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٤/١.
(٢) "اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٤/١ (هامش
"جامع الفصولين").
(٣) أي: في "الزيادات".
حاشية ابن عابدين
٣١٠
قسم المعاملات
أو بإقرارِ وكيلِ المشتري بالخصومةِ، أو بُكُولِهِ فلا) رُجوعَ؛ لأَنَّه حُجَّةٌ قاصرةٌ (و)
الأصلُ أنَّ (البَِّةَ حُجَّةٌ متعديَّةٌ) تَظهَرُ فِي حَقِّ كافَّةِ النّاسِ، لكنْ لا في كلِّ شيءٍ ....
[٢٤٥٥٧] (قولُهُ: أو بُنُكُولِهِ) كأنْ طَلَبَ المسْتَحِقُّ تَحليفَهُ على أنّك لا تعلَمُ أنَّ المبيعَ مِلكي.
[٢٤٥٥٨) (قولُ: فلا رُجوعَ) فلو بَرهَنَ المشتري أنَّ الدّارَ مِلكُ المستَحِقِّ لِيَرجِعَ بَثَمِنِهِ على
بائِعِهِ لا يُقبَلُ؛ للتّاقضِ؛ لأَنَّه لَمّا أقدَمَ على الشِّراءِ فقد أقرَّ أَنَّه مِلكُ البائعِ، فإذا ادَّعَى لغيرِهِ كان
تناقضاً يَمِنَعُ دعوى المِلكِ؛ ولأَنَّه إثباتُ ما هو ثابتٌ بإقرارِهِ فَلَغا، أمّا لو بَرهَنَ على إقرارِ البائعِ أنَّه
للمستَحِقِّ يُقبَلُ؛ لِعَدَمِ التَّنَاقضِ؛ وأَنَّه إثباتُ ما ليس بثابتٍ، ولو لا بَيِّنَةَ له فله تَحليفُ البائعِ باللهِ
ماهو للمدَّعي؛ لأنّه لو أقرَّ لزِمَهُ، "جامع الفصولين"(١). نَعَمْ، لو أقرَّ به للمستَحِقِّ، ثمَّ بَرهَنَ على
أنَّ الأَمَةَ حُرَّةُ الأَصلِ وهي تدَّعي، أو أنَّها(٢) مِلكُ فُلانٍ وهو أعتَقَها أو دَبَّرَها أو استَولدَها قبلَ
الشِّراءِ تُقبَلُ وَيَرجِعُ بالثَّمَنِ؛ لأنَّ الَّاقضَ في دعوى الحَرِّيَّةِ وُروِها لا يَضُرُّ، "فتح"(٢). قال في
"النّهر"(٤): ((وظاهرٌ أنَّ قولَهُ: وهي تدَّعي اتّفاقِيٌّ)).
(قولُهُ: قولُهُ أو بُكُولِهِ) فيه: أنَّ اليمينَ لا تَجري فيها النِّيَابَةُ، فكيف يتأتّى النُّكُولُ مِن وكيلٍ
المشتري بالخصُومةِ؟! تأمَّلْ. نَعَمْ في أواخِرِ فنِّ الفُروقِ مِنْ "الأشباه": ((أَنَّ الوصيّ إذا باعَ شيئاً مِن
الَّرِكَةِ، فادَّعى المشتري أَنَّ مَعيبٌ ولا بَيِّنَةَ فَإِنَّه يَحِلِفُ على البَناتِ، بخلافِ الوكيلِ يَحِلِفُ على العِلمِ)) اهـ.
وذلك أنَّ الوصيَّ ضَمِنَ بنفسِهِ السّلامَةَ للمبيعِ فَيَحِلِفُ على البتاتِ، والوكيلُ ليس كذلك فَيَحِلِفُ على نفيٍ
العِلمِ كما في شرحِها، وما في "المصنّف" ليس مِن هذا القبيلِ.
(قولُهُ: أمّا لو بَرهَنَ على إقرارِ البائعِ إلخ) الظّاهرُ: أنَّ المرادَ إقرارُهُ بعدَ البيعِ كما تقدَّمَ فِي فَضْلٍ
الفُضُوليِّ، كما أنَّ مقتضَى ما تقدَّمَ ليس له تَحليفُ البائعِ؛ لعَدَمِ صِحَّةِ الدَّعوى؛ لتناقضِهِ بدونِ ما يرفعُهُ.
نَعَمْ في صورةٍ دعوى الإقرارِ له تَحليفُهُ؛ لصحَّةِ الدَّعوى.
(١) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥١/١.
(٢) قوله: ((وهي تدَّعي، أو أنها إلخ))، هكذا بخطه ولعلَّ الصواب إسقاط كلمة ((أو)) كما لا يخفى. اهـ مصحِّحا "ب" و"م".
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٧/٦ بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب البيع - باب الاستحقاق ق٣٩٨/أ.
الجزء الخامس عشر
٣١١
باب الاستحقاق
كما هو ظاهرُ كلامِ "الزَّيلعيِّ" و"العينيِّ"(١)، بل في ◌ِتقِ ونحوِهِ كما مرَّ(٢)، ذكَرَهُ
"المصنّف" (٣)، (لا الإقرارُ) بل هو حُجَّةٌ قاصرةٌ على المُقِرِّ؛ لعَدَمِ ولايَتِهِ على غيرِهِ، .......
[٢٤٥٥٩] (قولُهُ: كما هو ظاهرُ كلامِ "الزَّلعيِّ") حيث قال(٤): ((لأنَّ البِّنَةَ لا تَصيرُ حُجَّةً إِلّ
بقضاءِ القاضي، وللقاضي ولايةٌ عامَّةٌ فَيَنفُذُ قضاؤهُ في حَقِّ الكافّةِ، والإقرارُ حُجَّةٌ بنفسِهِ لا يَتَوقّفُ
على القضاءِ، وللمُقِرِّ ولايةٌ على نفسِهِ دونَ غيرِهِ فيقتصرُ عليه)) اهـ. قال "ط (٥): ((وحَمَلَهُ
"الرَّمليُّ" في "حاشية المنح"(٦) على بعضِ القضايا، أو يُرادُ بالكافَّةِ كلُّ مَن يَتَعدَّى إليه حكمُ القاضي
في تلك القضيَّةِ، لا كافَّةُ النّاسِ اهـ. وحينئذٍ فلا حاجةً للاستدراكِ)) اهـ.
[٢٤٥٦٠) (قولُهُ: ونحوِهِ) مِن فُروِهِ، وكوَلاءٍ، ونكاحٍ، ونَسَبٍ، "ط)(٧).
(قولُ "المصنّف": لا الإقرارُ) وكذلك النُّكُولُ، ففي "شرح الزِّيادات" مِن الْبُيُوعِ مِن بابِ ما يُقِرُّ به
المشتري فَيَرجِعُ على مَن باعَهُ: ((النُّكُولُ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الّاكلِ خاصَّةً؛ لأَنّه بَذْلٌ أو إقرارٌ، فلا يَتَعدَّى إلى غيرِهِ
إلّ إذا كان مُضطرّاً إلى النُّكُولِ، فَتَعدَّى إلى مَن جاءَ الاضطرارُ مِن قِبَلِهِ)) اهـ.
(قولُ "الشّارحِ": بل هو حُجَّةٌ قاصرةٌ إلخ) ومِن ذلك ما في أوَّلِ دعوى "تتمَّة الفتاوى": ((عينٌ في يدٍ
آخَرَ ادَّعَى آخَرُ أَنَّه مِلكُهُ اشتَرَاهُ مِن فُلانِ الغائبِ وصدَّقهُ بذلك ذو اليدِ، فالقاضي لا يأمرُهُ بالتّسليمِ إلى
المدَّعي حتّى لا يكونَ قضاءً على الغائبِ بالشِّراءِ بإقرارِهِ، وهي عجيبةٌ في "أدب القاضي" أحالَهُ إلى بابِ
اليمينِ، ولم أجدهُ ثَمَّةَ)) اهـ. وذكَرَ "الأَنْقِرَويُّ" في البابِ الخامسِ مِن الدَّعوى هذه المسألةَ عن "قاضيخان".
(١) "رمز الحقائق": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٤٦/٢.
(٢) صـ ٣٠٦ - "در".
(٣) "المنح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٢/ق٣٣/ب.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٩٩/٤.
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١١٥/٣.
(٦) في النسخ جميعها: ((المنهج))، وما أثبتناه من "ط" هو الصواب.
(٧) "ط": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١١٥/٣.
حاشية ابن عابدين
٣١٢
قسم المعاملات
بقيَ لو اجتمعا فإِنْ ثَبَتَ الحَقُّ بهما قُضِيَ بالإقرارِ إلاّ عندَ الحاجةِ
[٢٤٥٦١] (قولُهُ: فإنْ تَبَتَ الحَقُّ بهما) الظّاهرُ أَنَّه احترازٌ عمّا لو سَبَقَ الحكمُ بالبِّنّةِ عَقِبَ الإنكارِ
ثُمَّ أقرَّ، بخلافِ العكسِ؛ لأَنَّ بعدَ الحكمِ للمستَحِقِّ بإقرارِ المشتري لا يَصِحُّ الحكمُ بعدَه بالبِّةِ، بخلافٍ
ما إذا كان قبلَ الحكمِ بشيءٍ مِنهما، بأنْ بَرَهَنَ ثمَّ أقرَّ المشتري أو بالعكسِ، فإِنَّه يُجعَلُ الحكمُ قضاءً
بالبِّنةِ عندَ الحاجةِ إلى الرُّجوعِ كما هنا وإنْ [٣/ ١٢٢) أمكَنَ جَعُلُهُ قضاءً بالإِقرارِ، فافهمْ. وعلى هذا
حَمَلَ في "الفتح"(١) ما في "فتاوى رشيد الدِّينَ"(٢): ((مِن أَنَّه لو أقرَّ ومع ذلك بَرهَنَ المستَحِقُّ وأثبتَ
عليه بالبِّةِ رجَعَ؛ لأنَّ القضاءَ وقَعَ بالبِّنَةٍ لا بالإقرار))(٣). ثمَّ ذكَرَ "رشيد الدِّين" في كتابِ الدَّعوى:
((لو ادَّعَى عَيْناً وبَرهَنَ، وقبلَ أنْ يُقضَى له أقرَّ له المدَّعَى عليه اختَلَفُوا، فقيل: يَقضي بالإقرارِ،
وقيل: بالبِّةِ، والأوَّلُ أَظهَرُ وَأَقَرَبُ للصَّابِ)) اهـ. قال في "الفتح"(٤): ((وهذا يُناقضُ ما قبلَهُ، إلاَّ
أنْ يُخَصَّ ذاك بعارضِ الحاجةِ إلى الرُّجوعِ، فَتحصَّلُ أَنَّه إذا ثبَتَ الحَقُّ بهما يَقضي بالإقرارِ على ما
جعَلَهُ الأَظهَرَ وإنْ سبقَتَهُ إِقامةُ البِّنَةِ مع تمكَّنِ القاضي مِن اعتبارِهِ قضاءً بالبَِّةِ، وعندَ تَحقُّقِ حاجةٍ
الخصمِ إليه ينبغي اعتبارُهُ قضاءً بها؛ ليندَفِعَ الضَّررُ عنه بالرُّجوعِ)) اهـ مُلخَّصاً.
قلتُ: ويؤيِّدُ هذا الَّوفيقَ أَنَّه في "جامع الفصولين" (٥) نقَلَ عبارةَ "رشيد الدِّين" الأُولى معلّلَةً
بالحاجةِ، وذكَرَ في "نور العين"(٦): ((أنَّ هذا أظهَرُ)) وحقَّقَ ذلك، فراجِعْهُ. والظّهرُ أنَّ مثلَ ما هنا
ما لو باعَ شيئاً كان اشْتَراهُ ثمَّ رُدَّ عليه بعيبٍ قديمٍ وأقرَّ به، وبَرهَنَ عليه المشتري وقُضِيَ بذلك،
يُجعَلُ قضاءً بالبِّنةِ؛ لحاجتِهِ إلى الرُّجوعِ على بائعِهِ بخِيارِ العيبِ.
(قولُهُ: بخلافِ العكسِ إلخ) فإنّه لا شكَّ أنَّ القضاءَ إنَّما هو بالإقرارِ، فلا يَصِحُّ الاحترازُ عنه.
(قولُهُ: لا بالاستحقاقِ) حقُّهُ: ((الإقرارِ))، كما هو عبارةُ "الفتح".
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٧/٦.
(٢) تقدمت ترجمتها ٥٠٣/١٣.
(٣) في النسخ جميعها: ((لا بالاستحقاق))، وما أثبتناه من "الفتح" هو الصواب، وأشار إليه "الرافعي" رحمه الله، ومثله
في "جامع الفصولين".
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٨/٦.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٥٥/١ - ١٥٦.
(٦) "نور العين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق بهما إلخ ق ٦٣/ب.
الجزء الخامس عشر
٣١٣
باب الاستحقاق
فبالبِّنةِ أَولى، "فتح"(١) و"نهر "(٢). (فلو استُحِقَّت مَبيعةٌ وَلَدَت) عندَ المشتري
لا باستيلادِهِ (بِّنةٍ يَتَبَعُها ولَدُها بشرطِ القضاء به).
[٢٤٥٦٢] (قولُهُ: فبالبَِّةِ أَولى) أي: فاعتبارُ القضاءِ بالبَِّةِ أَولى.
(٢٤٥٦٣] (قولُهُ: فلو استُحِقَّت مَبِيعَةٌ ولَدَت) يَشْمَلُ الدّابَّةَ إذا وَلَدَت عندَ المشتري أولاداً كما
في "نور العين"(٣) عن "جامع الفتاوى"(٤).
[٢٤٥٦٤] (قولُهُ: لا باستيلادِهِ) قَّدَ به لمكانٍ قولِهِ: ((يَتَبَعُها ولَدُها))، وإلّ فاستيلادُ المشتري
لا يَمِنَعُ استحقاقَ الوَلَدِ بالبَِّةِ، لكنَّه لا يَتَبَعُها، بل يكونُ وَلَدُ المشتري حُرَّاً بالقيمةِ كما نَّه عليه بعدَه.
[٢٤٥٦٥] (قولُهُ: يَتْبَعُها ولَدُها) وكذا أَرْشُها، "فتح "(٥). قال(٦): ((ولا خُصوصيَّةَ للولَدِ، بل
زوائدُ المبيعِ كُلُّها على التّفصيلِ)) اهـ. أي: التَّفصيلِ بينَ كونِ الاستحقاقِ بالبَِّةِ أو بالإقرارِ، وبينَ
دعوى المُقَرِّ له الزّوائدَ وعدَمِها، وسيذكُرُ "الشّارِحُ(٧) الزّوائدَ آخِراً.
[٢٤٥٦٦] (قولُهُ: بشرطِ القضاءِ به) لأنّه أصلٌ يومَ القضاءِ؛ لانفصالِهِ واستقلالِهِ، فلا بدَّ مِن
الحكمِ به، وهو الأصَحُّ في المذهبِ، "فتح"(٨). قال في "الهداية" (٩): ((وإليه تُشيرُ المسائلُ، فإنَّ
القاضيَ إذا لم يَعَلَم بالزّوائدِ قال "محمَّدٌ": لا تَدخُلُ الزّوائدُ في الحكمِ، وكذا الوَلَدُ إذا كان في یدِ
غيرِهِ لا يَدخُلُ تحتَ الحكمِ بِالأُمِّتَبَعاً)) اهـ. والظّاهِرُ أنَّ الأَرْشَ لا يَدخُلُ تَبَعاً.
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٨/٦ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب البيع - باب الاستحقاق ق٣٩٧/ب، نقلاً عن "الفتح".
(٣) "نور العين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق بهما إلخ ق ٦٦/أ.
(٤) لم نعثر على المسألة في مظانّها من "جامع الفتاوى" لـ قرق أمير الحميديّ.
(٥) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٢/٦.
(٦) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق: ١٨٣/٦ بتصرف.
(٧) صـ ٣١٦ - "در".
(٨) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٣/٦.
(٩) "الهداية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٦٧/٣.
حاشية ابن عابدين
٣١٤
قسم المعاملات
أي: بالولَدِ فِي الأَصَحِّ، "زيلعيّ"(١). وكلامُ "البزّازيِّ" يُفيدُ تقييدَهُ بما إذا سكَتَ
الشُّهودُ، فلو بَّنَا أَنَّه لذي اليَدِ، أو قالوا: لا نَدري لا يُقضَى به، "نهر"(٢). ثمَّ استيلادُهُ
لا يَمْنَعُ استحقاقَ الولَدِ بالبِّنَةِ، فيكونُ ولَدَ المغرُورِ حُرًَّ.
[٢٤٥٦٧) (قولُهُ: فِي الأَصَحِّ) مقابلُهُ ما قيل: إنَّه إذا قَضَى القاضي بالأمِّ يَصيرُ مَقضيّاً به أيضاً
تَبَعاً كما في "الفتح"(٣).
[٢٤٥٦٨] (قولُهُ: وكلامُ "البزّازيّ" يُفيدُ تقييدَهُ) أي: تقييدَ القضاءِ بالولَدِ للمستَحِقِّ، وأخَذَ
ذلك في "النّهر" مِن قولِ "البزّزيِّ (٤): ((شَهِدوا(٥) على رجلٍ في يدِهِ جاريةٌ أَنَّها لهذا المدَّعي،
ثُمَّ غابا أو ماتا ولها ولَدٌ في يدِ المدَّعَى عليه يدَّعي أنّه له، وبَرهَنَ على ذلك لا يَلتَفِتُ الحاكمُ إلى
بُرهاِهِ، ويقضي بالولَدِ للمدَّعي، فإِنْ حضَرَ الشُّهودُ وقالوا: الوَلَدُ للمدَّعَى عليه ضَمِنَ الشُّهودُ
قيمةَ الوَلَدِ كأَنَّهم(٦) رجَعُوا، فإنْ كانوا حُضوراً وسألَهم عن الوَلَدِ، فإِنْ قالوا: إنَّه للمدَّعَى عليه،
أو لا ندري لِمَنِ الولَدُ يقضي بالأمِّ للمدَّعي دونَ الوَلَدِ)) اهـ.
[٢٤٥٦٩] (قولُهُ: بما إذا سكَتَ الشُّهودُ) أي: عن كونِهِ لذي اليدِ، وكذا بالأَولى إذا قالوا:
إنّه للمستحِقِّ.
[٢٤٥٧٠] (قولُهُ: ثمَّ استيلادُهُ) أي: استيلادُ المشتري.
مطلبٌ في ولَدِ المغرُورِ
[٢٤٥٧١] (قولُهُ: فيكونُ وَلَدَ المغرُورِ) الأولى أنْ يقولَ: ولكنْ يكونُ إلخ؛ لأنَّ قولَهُ:
((لا يَمنَعُ إلخ)) يُتَوهَّمُ مِنه أنَّه يَتْبَعُها كما إذا كان لا باستيلادِهِ، فيناسبُهُ الاستدراكُ بأَنَّه
١٩٥/٤
(١) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٠٠/٤ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب البيع - باب الاستحقاق ق٣٩٨/ب بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٣/٦.
(٤) "البزازية": كتاب الدعوى - الفصل الأول في معرفة الخصم والتناقض والدفع - نوع في التناقض ٣١٨/٥ بتصرف
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) كذا في النسخ جميعها بضمير الجماعة، وعبارة "النهر" و"البزازية": ((شهدا)) بضمير التثنية.
(٦) عبارة "النهر": ((لأنهم)).
الجزء الخامس عشر
٣١٥
باب الاستحقاق
بالقيمةَ لمستحِقِهِ
يكونُ وَلَدَ المغرُورِ، أي: يكونُ لذي اليدِ حُرًّ؛ لأنَّ وَطأهُ كان في المِلكِ ظاهراً، وعليه للمستَحِقِّ
القيمةُ، أي: يومَ الخُصومةِ كما سيذكرُهُ(١) في بابِ دعوى الَّسَبِ.
مطلبٌ: لا يَرجِعُ على بائعِهِ بالعُقْرِ ولا بأجرةِ الدّارِ التي ظهَرَت وقفاً
قال في "جامع الفصولين"(٢): ((ولو أَولَدَها على هبةٍ، أو صدَقةٍ، أو شراءٍ، أو وصيّةٍ أُخَذَ
المسْتَحِقُّ الأَمَةَ وقيمةَ الولَدِ؛ إذِ الموجِبُ للغُرورِ مِلكُ مُطلَقِ الاستباحةِ في الظَّاهرِ وقد وُجِدَ،
ويَرجِعُ الأَبُ على البائعِ بِثَمَنِها وبقيمةٍ وَلَدِها لا بالعُقْرِ عندَنا، ولا يَرجِعُ على الواهبِ والمتصدِّقِ
والمُوصِي بقيمةِ الولَدِ عندَنا. ولو باعَها المشتري الأوَّلُ فَأَوَلَدَها الثّاني فاسْتُحِقَّت يَرجِعُ المشتري
الثّاني على الأوَّلِ بِالثَّمَنِ (٣/ ١٢٢٢ /ب] وبقيمةِ الولَدِ، ولا يَرجِعُ الأوَّلُ على بائعِهِ إلاَّ بالثَّمَنِ عندَه،
وعندَهما يَرجِعُ بقيمةِ الولَدِ أيضاً. ونظيرُهُ أنَّ المشتريَ الثّانِيَ لو وجَدَ عَيباً وقد تعذّرَ رَدُّهُ لعيبٍ
حدَثَ فَيَرجِعُ على بائعِهِ بنَقْصِ العيبِ، وبائعُهُ لا يَرجِعُ به على بائعِهِ عندَه خلافاً لهما)).
(تنبيةٌ)
إنَّما لم يَرجِعِ المشتري بالعُقْرِ لأَنَّه بدَلُ منفعةٍ اسْتَوفاها لنفسِهِ، وجزاءٌ على فعلِهِ، ومثلُهُ ما لو
نقَصَتِ الأرضُ المستحَقَّةُ بالزِّراعةِ وضَمِنَ نُقْصانَها لا يَرجِعُ به على بائعِهِ، وبه ظهَرَ جوابُ حادثةِ
الفتوى: فيمَن اشتَرَى داراً فظهَرَت وَقفاً وضمَّنَهُ ناظرُ الوقفِ أجرتَها، فأجبتُ بأنّه لا يَرجِعُ
بالأجرةِ على البائعِ خلافاً لِما أفْتَى به بعضُ علماءِ مصرَ القاهرةِ في زماننا مستدِلاً بقولِهِم: الغُرُورُ
في ضِمْنِ عقدِ المعاوضةِ يُوجِبُ الرُّجوعَ. ولا يَخْفَى أَنَّه غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّه إنَّما يَرجِعُ بما يمكنُ
تسليمُهُ كما يأتي (٣) بيانُهُ، وبما ليس جزاءً لفعلِهِ كما عَلِمتَ.
[٢٤٥٧٢] (قولُهُ: بالقيمةِ لمستَحِقْهِ) أي: مضمُوناً بها للمستَحِقِّ، والمرادُ: القيمةُ يومَ الخُصومةِ
كما ذكرَهُ في بابِ دعوى النَّسَبِ (٤).
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٠٥٠] قوله: ((يومَ الخُصومةِ)).
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السادس عشر في الاستحقاق والغرور وما يتعلق به ١٦١/١ باختصار.
(٣) المقولة [٢٤٥٩٠] قوله: ((لزيدٍ)).
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٠٥٠] قوله: ((يومَ الخصومةِ)).
حاشية ابن عابدين
٣١٦
قسم المعاملات
كما مرَّ في بابِ دعوى النَّسَبِ، (وإنْ أقرَّ ذو اليَدِ (بها) لرجل (لا) يَتَبَعُها فيأخُذُها
وحدَها، والفرقُ ما مرَّ(١) مِن الأصلِ، وهذا إذا لم يَدَّعِهِ المُقَرُّ له فلو ادَّعاهُ يَتَبَعُها(٢)،
وكذا سائرُ الزّوائدِ. نَعَمْ لاضمانَ بهلاكِها كزوائدِ المغصُوبِ،.
[٢٤٥٧٣] (قولُهُ: كما مرَّ) صوابُهُ كما يأتي (٣).
[٢٤٥٧٤] (قولُهُ: والفرقُ ما مرَّ) قال في "الهداية"(٤): ((ووجهُ الفرق: أنَّ البَِّةَ حُجَّةٌ مُطلَقَةٌ،
فإِنَّها كاسمِها مبَِّةٌ، فيظهَرُ بها مِلكُهُ مِن الأصلِ، والولَدُ كان مَتَّصلاً بها فيكونُ له، أمّا الإِقرارُ
حُجَّةٌ قاصرةٌ يَتْبُتُ المِلكُ فِي الْمُخَبَرِ به ضرورةَ صحَّةِ الأخبارِ وقد اندفَعَتْ(٥) بإثباتِهِ بعدَ الانفصال،
فلا يكونُ الوَلَدُ له)).
[٢٤٥٧٥] (قولُهُ: يَتَبَعُها) لأنَّ الظّاهِرَ أَنَّه له، "زيلعيّ"(٦) عن "النهاية". ومقتضَى الفرقِ المذكُورِ
أَنَّه لا يكونُ له كما في "الفتح"(٧).
[٢٤٥٧٦] (قولُهُ: وكذا) أي: كالولَدِ في التّفصيلِ المذكُورِ كما مرَّ(٨).
[٢٤٥٧٧] (قولُهُ: نَعَمْ لا ضمانَ بهلاكِها) أي: هلاكِ الزّوائدِ، ومِنه موتُ الولَدِ، واحتُرِزَ عن
استهلا کِها فتُضمَنُ به.
(قولُهُ: ومقتضَى الفرقِ المذكُورِ أَنَّ لا يكونُ له) وأيضاً على النَّقييدِ المذكُورِ لا يَتأَنَّى الفرقُ بينَ
القضاء بالبِّنةِ والإقرارِ؛ إذ لا يمكنُ القاضيَ القضاءُ بالوَلَدِ بدونٍ أنْ يدَّعيَهُ المدَّعي، سواءٌ أقرَّ المدَّعَى عليه
بالأمِّ، أو أقامَ المدَّعي بيِّنةً عليها.
(١) صـ ٣١٠ - "در".
(٢) في "د" و"و": ((تبعها)).
(٣) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٠٥٠] قوله: ((يومَ الْخُصومةِ)).
(٤) "الهداية": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ٦٧/٣.
(٥) نقول: وفي النسخ جميعها: ((وقد حصلت)) بدل ((وقد اندفعت))، وما أثبتناه من عبارة "الهداية" وشروحها هو
الصواب، والله أعلم، قال اللكنوي في "حاشيته" على "الهداية" ٢٠٦/٥: ((وقد اندفعت، أي: الضرورةُ)).
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٠٠/٤.
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - باب الاستحقاق ١٨٢/٦.
(٨) المقولة [٢٤٥٦٣] قوله: ((فلو استُحِقَّت مَبيعةٌ ولَدَت)) وما بعدها.