النص المفهرس
صفحات 161-180
الجزء الخامس عشر
١٥٧
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
وفي رواية أبي سعيد: كنت أبتاع التّمر من بطن من اليهود يقال لهم: بنو قينقاع، فأبيعه بربح، فبلغ ذلك
=
رسولَ الله ﴿ّ فقال: ((يا عثمانُ! إذا اشتريتَ فاكتَلْ، وإذا بِعْتَ فكِلْ)).
أخرجه أحمد ٦٢/١ و٧٥، وعبد بن حُميد (٥٢)، وابن ماجه (٢٢٣٠) في التّجارات - باب بيع المجازفة، والبزار
في "البحر الزخار" (٣٧٩)، والطّحاوي في "شرح المعاني" ١٧/٤، والبيهقي ٣١٥/٥، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر"
كما في "فتح الباري" ٤٣٦/٤، وأبو بكر المروزي في "مسنده" كما في "تغليق التعليق" ٢٣٩/٣. وعلّقه البخاري في
البيوع - باب الكيل على البائع والمعطي: ويُذكر عن عثمان ... قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن عثمان إلّ
من هذا الوجه بهذا الإسناد. قال ابن حجر: والإسناد السّابق [أي: عن مُنقذ] يَرُدُّ عليه.
قال البيهقي: رواه ابن المبارك والوليد بن مسلم وجماعة من الكبار عن عبد الله بن لهيعة. قال ابن حجر: وفيه
ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث، ولكنه من قديم حديثه. وقد قال أحمد وغيره: إن حديث ابن لهيعة القديم صحيح.
قال ابن حجر: وتابع موسى بن وردان على روايته عن سعيد إسحاق بن أبي فروة وهو أضعف من ابن لهيعة.
فرواه عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان
رضي الله عنه قال: كنت أشتري الأوساق، فأجيء بها إلى سوق كذا، فيأخذونها مني كيلاً، ويربحونني، فذكرت
ذلك لرسول الله ﴿ فقال: ((إذا ابْتَعْتَ كيلاً فاكتَلْ، وإذا بِعْتَ كيلاً فكِلْ)). أخرجه البيهقي ٣١٥/٥.
وروى ابن أبي شيبة حدثنا مروان عن زياد مولى آل سعيد قلت لسعيد ابن المسيب: رجل ابتاع طعاما فاكتاله،
أيصلح لي أن اشتريَه بكيل الرّجل؟ قال: ((لا، حتّى يُكالَ بينَ يديكَ))، وصحَّ عنه أَنَّه قال فيه: ((هذا ربًّا)).
وروى عبد الرّزاق عن معمر عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب قال: ((في السُّنة التي مضت أنَّ مَن ابتاعَ
طعاماً أو وَدَكاً كيلاً أنْ يكتالَهُ قبلَ أنْ يبيعَهُ، فإذا باعَهُ اكتيلَ مِنه أيضاً إذا باعَهُ كيلاً)).
قال البيهقي: وروي من وجه آخر مرسلاً عن عثمان، رواه عبد الله بن محمد بن أسماء عن مهدي بن ميمون
عن مطر الورّاق عن بعض أصحابه أنَّ حكيم بن حزام وعثمان بن عفان كانا يَجلِبانِ الطَّعام من أرض قينقاع إلى
المدينة فيبيعانِه بكيله، فأتى عليهم رسولُ الله ﴿ فقال: ما هذا؟ فقالا: يا رسولَ الله! جلبناهُ مِن أرضٍ كذا وكذا،
ونبيعُهُ بكيلِهِ. قال: لا تفعلا ذلك. إذا اشتريتُما طعاماً فاستوفياهُ، فاذا بِعْتُماهُ فكيلاهُ.
أخرجه البيهقي ٣١٦/٥. ورواه عبد الرّزاق في "المصنف" (١٤٢١٣) أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير
أنَّ عثمان بن عفان وحكيم بن حزام ... نحوه.
ورواه عبد الملك بن أبي غَنِيّة عن الحكم بن عتيبة قال: ((قَدِمَ لعثمانَ طعامٌ على عهدِ النَّبِيِّ: ﴿ فقال: اذهبوا بنا إلى
عثمانَ نُعِينُهُ على بيعِ طعامِهِ، فقام إلى جنبه وعثمانُ يقولُ: في هذه العِرارةِ كذا وكذا، وأبيعُها بكذا وكذا، فقال رسولُ الله ◌ِصَ لُّ
إذا سَمَّيتَ فكِلْ)). أخرجه ابن أبي شيبة ١٥٤/٥.
ورواه محمّد بن حِمير قال: حدّثني الأوزاعي حدثني ثابت بن ثوبان حدثني مكحول عن أبي قتادة قال: كان عثمان
يشتري الطّعام ويبيعُه قبل أن يقبضَه، فقال له رسولُ اللهِرُّ: ((إذا ابْتَعْتَ فاكتَلْ وإذا بعْتَ فكِلْ)) ذكره ابن أبي حاتم في
"العلل" ٣٨٣/١ - ٣٨٤، ثمَّ قال: قال أبي: هذا حديث مُنكَر بهذا الإسناد. قال ابن حجر في "تغليق التعليق": رواته ثقات، إلّ
أنَّ مكحولاً لم يسمع من أبي قتادة. وبمجموع الطُرق يُعرف أنَّ للحديث أصلاً. والله أعلم.
حاشية ابن عابدين
١٥٨
قسم المعاملات
حتى يجريَ فيه الصّاعان: صاعُ البائعِ وصاحُ المشتري)) (١)، وبقولِنا أخَذَ "مالكٌ" و"الشّافعيُّ"
...
(١) روى وكيع وعبيد الله بن موسى عن ابن أبي ليلى عن أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه قال: ((نهى رسولُ الله ◌ُ ◌ّ عن
بيعِ الطَّعامِ حتّى يجري فيه الصّاعانِ صاعُ البائعِ وصاعُ المشتري)).
أخرجه ابن ماجه (٢٢٢٨) في التّجارات - باب الّهي عن بيع الطّعام ما لم يُقْبَضْ، وعبد بن حُميد (١٠٥٩)،
والدار قطنيّ ٨/٣ - وعنه البيهقيّ في "الكبرى" ٣١٦/٥.
قال الزّيلعيّ في "نصب الراية" ٣٤/٤: ورواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، والبزّار في "مسانيدهم" ... ، وهو
معلول بابن أبي ليلى. فمحمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف، سيء الحفظ، مضطرب الحديث.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ١٤/٥ حدّثنا شَريك عن ابن أبي ليلى عن محمّد بن بيان عن ابن عمر ((أنه سُئل عمّن
اشترى الطّعام وقد شهد كيله، قال: لا، حتّى يجريَ فيه الصّاعانِ)).
ورواه مسلم بن أبي مسلم حدّنا مَخْلَد بن الحسين عن هشام عن محمّد بن سيرين عن أبي هريرة قال: ((نھَى
الَّبِيُّ ◌ِ﴿َّ عن بيعِ الطّعامِ حَتّى يجريَ فيه الصّاعانِ، فيكونُ للبائعِ الزّيادةُ وعليه النُّقصائُ)). أخرجه البزّار في "مسنده" كما في
"كشف الأستار" (١٢٦٥)، وأبو يَعْلى في "معجمه" (٢٩٣)، وعنه الخطيب في "تالي التلخيص" (٣٥١)، و"موضح أوهام
الجمع والتفريق" ٤٠٠/٢، والبيهقي ٣١٦/٥. قال البزار: لا نعلمه عن أبي هريرة إلّ من هذا الوجه، تفرّد به مَخْلَد عن
هشام. وقال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٩٩/٤: وفيه مسلم بن أبي مسلم الجرميّ ولم أجد من ترجمه، وبقيّة رجاله رجال
الصحیح. قال ابن حجر في "فتح الباري": إسناده حسن، وقال في "الدراية" ١٥٥/٢: إسناده جيد.
وخالفه أبو بكر بن أبي شيبة ٣٣٨/٥، فرواه عن حفص عن هشام عن الحسن قال: ((نهَى رسولُ الله ... ))، فذكره.
ورواه أيضاً عن عبد الله بن إدريس عن هشام عن ابن سيرين والحسن (( أَنَّهما سُئلا عن الرّجل يشتري الطَّعامَ، يبيعَهُ بكيلِهِ؟
فقالا: لا، حتّى يجريَ فيه الصّاعانِ، فتكونُ له الزِّيادةُ وعليه النّقصادُ)).
وكذلك رواه عبد الرزاق (١٤١١٠) عن هشام والثوري وعبد الکریم نحوه.
ورواه وكيع عن الربيع بن صَبيح عن الحسن به ... أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" ١١٠/٨.
وروى أحمد بن بكر البالسيّ قال: حدّثنا خالد بن يزيد القَسْرِي حدّثنا عبد الله بن عون عن محمّد بن سيرين عن أنس
ابن مالك: ((نهَى رسولُ اللهِلَ ◌ّ عن بيعِ الطَّعامِ حَتّى يجريَ فيه الصّاعانِ، فيكونُ لك زيادتُهُ وعليك نُقصانُهُ)).
أخرجه ابن عديّ في "الكامل" ١٤/٣ ثمَّ قال: وهذا مُنكَرٌ عن ابن عون بهذا الإسناد لا يرويه غير خالد بن يزيد،
وعن خالد أحمد بن بكر البالسيّ. وأخاف أن يكون البلاء من أحمد بن بكر لا من خالد، فإنَّ أحمد ضعيف. وقال في خالد:
وأحاديثه كلها لا يُتَابَع عليها، لا إسناداً ولا متناً.
وقال في ترجمة أحمد البالسيّ: يروي أحاديث منا کیرً عن الثقات، ولعلّ البلاء من خالد بن یزید.
=
الجزء الخامس عشر
١٥٩
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة ١٥/٥ حدّثنا زيد بن الحباب عن سَوادة بن حبان قال: سمعت محمّد بن سيرين
==
وسئل عن رجلين اشترى أحدهما طعاماً والآخر معه، فقال: قد شهدت البيع والقبض، فقال: خذ مني ربحاً وأعطِنيه،
قال: لا، حتّى يجريَ فيه الصّاعان فيكونَ لك زيادتُهُ وعليه نقصانُهُ.
ورواه ابن أبي شيبة ١٥/٥ عن وكيع عن عمر بن حفص قال: سمعت الحسن وسئل عن رجل اشترى طعاماً وهو
ينظر إلی کیله، قال: لا، حتّی یکیلَه.
قال البيهقي: وقد روي ذلك موصولاً من أوجه إذا ضُم بعضها إلى بعض قَويَ مع ما سبق من الحديث الثّابت عن
ابن عمر وابن عباس في هذا الباب وغيرهما.
وهو ما رواه مالك وعبيد الله وجُويرية وموسى بن عقبة وغيرهم عن نافع عن ابن عمر قال: ((كنا نشتري الطّعامَ مِن
الرُّكبانِ جُزافا، فنهانا رسولُ اللهِ ﴿ أَنْ نِبِيعَهُ حَتّى نَنقُلَهُ مِن مكانِهِ)).
أخرجه البخاري (٢١٢٣) و(٢١٢٤) في البيوع - باب ما ذكر في الأسواق، و(٢١٦٦) و(٢١٦٧) باب منتهى
التلقي، ومسلم (١٥٢٧) في البيوع - باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، وأبو داود (٣٤٩٢) و(٣٤٩٣) و(٣٤٩٤)
في البيوع - باب بيع الطعام قبل أن يُستوفى، والنسائي ٢٨٧/٧ في البيوع - باب بيع ما يُشترى من الطَّعام جُزافاً،
وابن ماجه (٢٢٢٩) في التجارات - باب بيع المجازفة، وأحمد ١٤٢/٢، ومالك في "الموطأ" ٦٤١/٢ في البيوع - باب
العِيْنة ما يشبهها، والبيهقي ٣١٤/٥.
و کذلك رواه عبد الله بن دینار وغيره عن ابن عمر.
وروى المعلّى بن هلال الطّحان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، قال رسول اللـه حَ﴾: ((لا يُباعُ طعامٌ حتّى
يُكالَ بالصّاعينِ، صاعِ البائعِ وصاعٍ المشتري)).
أخرجه ابن عديّ كما في "نصب الراية" ٣٥/٤، ولم أجده في "الكامل" لابن عديّ فلعلّه سقط من
النُّسخة المطبوعة !! فقد ترجم للمعلَّى بن هلال، ولم يذكر هذا الحديث له. وقال أحمد: متروكُ الحديث،
حديثه موضوع كذب. وقال يحيى: من المعروفين بالكذب ووضع الحديث. وكذلك كذبه الثّوري وابن عُيينة
وابن المبارك وأبو الوليد والجوزجاني.
قال ابن حجر في "تلخيص الحبير": وإسنادهما [أنس وابن عباس] ضعيف جداً.
والصّواب ما رواه سفيان بن عُبينة والثّوري وأبو عَوانة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال سمعت ابن عباس يقول:
((أمّا الذي نهَى عنه رسولُ اللهِ ﴿ّ فهو الطَّعامُ أنْ يُباعَ حَتّى يُستوفَى)) وربما قال سفيان: ((حَتّى يُكالَ)). قال ابن عباس
برأيه: ولا أحسِبُ كلَّ شيء إلّ مثلَهُ.
أخرجه الشافعي في "السنن المأثورة" (٢٣٤)، والحميديّ في "مسنده" (٥٠٨) - وعنه ابن عبد البر في "التمهيد"
٣٣١/١٣، وأبو داود (٣٤٩٦) في البيوع - باب في بيع الطعام قبل أن يُستوفى، والنسائي ٢٨٦/٧ في البيوع - باب بيع ما
يُشترى من الطعام جزافاً.
حاشية ابن عابدين
١٦٠
قسم المعاملات
وقد صَرَّحُوا بفسادِهِ، وبأَنَّه لا يقالُ لآكِلِهِ: إِنَّه أكَلَ حرامً؛ لعدمِ التّلازم.
.....
و "أحمدُ"، وحينَ عَلََّهُ الفقهاءُ بأَنَّه مِن تمام القَبْضِ أَلْحَقُوا بِمَنْعِ البيع مَنْعَ(١) الأكلِ قبل الكَيْلِ والوَزْنِ
وكلَّ تصرُّفٍ يُبنَى(٢) على الِلْكِ كالهِيَةٍ [٠٣٥/٣ ١/) والوصيَّةِ وما أشَهَهما، ولا خلافَ في أنَّ النَّصَّ
محمولٌ على ما إذا وقَعَ البيعُ مُكايَلَةً، فلو اشتَرَاهُ مُجازفةً له النَّصرُّفُ فيه قبلَ الكَيْلِ، وإذا باعَهُ
مُكَايَلَةً يحتاجُ إلى كَيْلٍ واحدٍ للمُشتري، وتمامُهُ في "الفتح"(٣).
[٢٤١٤٨] (قولُ: وقد صرَّحُوا بفسادِهِ) صرَّحَ "محمَّدٌ" في "الجامع الصَّغِير "(٤) بما نصُّهُ: (("محمَّدٌ"
عن "يعقوب" عن "أبي حنيفة" قال: إذا اشتريتَ شيئاً مما يُكالُ أو يُوزَنُ أو يُعَدُّ، فاشتريتَ ما يُكالُ
كَيْلاً وما يُوزَنُ وَزْناً وما يُعَدُّ عَدَّا فلا تَبِعْهُ حَتّى تَكِيلَهُ وَتَزِنَهُ وتَعُدَّهُ، فإنْ بِعْتَهُ قبلَ أنْ تفعلَ وقد
قَبَضْتَهُ فالبيعُ فاسٌ في الكيلِ والوزنِ)) اهـ "ط )" (٥).
قلت: وظاهرُهُ أنَّ الفاسدَ هو البيعُ الثّاني - وهو بَيْعُ المشتري قبلَ كَثْلِهِ- وأنَّ الأوَّلَ وقَعَ
صحيحاً، لكنَّه يَحِرُمُ عليه النَّصرُّفُ فيه مِن أَكْلٍ أو بَيْعِ حَتّى يَكِيلَهُ، فإذا باعَهُ قبلَ كَثْلِهِ وقَعَ البيعُ
الثّاني فاسداً؛ لِمَا مَرَّ(٦) مِن أنَّ العَّةَ كونُ الكَيْلِ مِن تمامِ القَبْضِ، فإذا باعَهُ قبل كَيْلِهِ فكأَنَّه باعَ قبلَ
القَبْضِ، وَبَيْعُ المنقولِ قبلَ قَبْضِهِ لا يصحُّ، فكانت هذه المسألةُ مِن فروع التي قبلَها، فلذا أعقبها بها
قبلَ ذِكْرِ الَّصرُّف في الّمنِ.
١٦٣/٤
(قولُ "الشّارح": لا يقالُ لآكِلِهِ: إِنَّه أكَلَ حرامً إلخ) قال "الرَّحمتيُّ": ((يعني: إذا كان المقبوضُ قَدْرَ المبيعِ
في نفسِ الأمرِ، أمّا إنْ زادَ فَأَكَلَ الزّائِدَ أَكَلَ حراماً؛ لأَنَّه مِلْكُ البائعِ)) اهـ، وهو وجية، "سنديّ".
(قولُهُ: أَلْحَقُوا بِمِنْعِ البيع مَنْعَ الأكلِ إلخ) هذا الإلحاقُ لا يظهرُ في مثلِ الهبةِ إلّ على قولِ "أبي يوسف"
القائلِ بفسادِها قبلَهُ.
(١) في "الأصل": ((منه))، وهو تحريف.
(٢) في "الأصل": ((يُتَى)).
(٣) انظر "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٣٩/٦ - ١٤٠.
(٤) "الجامع الصغير": كتاب البيوع - باب البيع فيما يكالُ أو يوزن صـ٣٣٥- بتصرف.
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٠/٣.
(٦) في المقولة السابقة.
الجزء الخامس عشر
١٦١
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
كما بسَطَهُ "الكمال"؛ لكونِهِ أَكَلَ مِلْكَهُ (ومِثْلُهُ الموزونُ والمعدودُ) بشرطِ الوَزْنِ والعَدِّ؛
والتَّحقيقُ أنْ يقال: إذا ملَكَ زيدٌ طعاماً بَبَيْعِ مُجازَفَةً أو بارثٍ ونحوِهِ، ثمَّ باعَهُ مِن عمرٍو
مُكَايَةً سقَطَ هنا صاعُ البائع؛ لأنَّ مِلْكَهُ الأوَّلَ لا يتوقَّفُ على الكَيْلِ، وبقيَ الاحتياجُ إلى كَيْلٍ
للمُشتري فقط، فلا يصحُّ بَيْعُهُ مِن عمرٍو بلا كَيْلٍ، فهنا فسَدَ البيعُ الّاني فقط، ثمَّ إذا باعَهُ عمرٌو
مِن بَكْرٍ لا بدَّ مِن كيلٍ آخرَ لَبَكْرٍ، فهنا فسَدَ البيعُ الأَوَّلُ والثّاني؛ لوُجُودِ العِلَّةِ في كلِّ منهما.
[٢٤١٤٩] (قولُهُ: كما بسَطَهُ "الكمال") حيث قال(١): ((ونَصَّ في "الجامع الصَّغير)"(٢) على
أَنَّه لو أكَلَهُ وقد قَبَضَهُ بلا كَيْلٍ لا يقالُ: إِنَّه أكَلَ حراماً؛ لأَنّ أَكَلَ مِلْكَ نفسِهِ، إلّ أَنَّه آثمٌّ؛ لِتَرْكِهِ
ما أُمِرَ به من الكَيْلِ، فكان هذا الكلامُ أصلاً في سائرِ المبيعات بَيْعاً فاسداً إذا قَبَضَها فمَلَكَها ثمّ
أُكَلَها، وتقدَّمَ أَنَّه لا يَحِلُّ أَكْلُ ما اشْتَرَاه شراءً فاسداً، وهذا يُبِّنُ أنْ ليس كلُّ ما لا يَحِلُّ أَكْلُهُ
أنْ يُقالَ فيه: أكَلَ حراماً)) اهـ ما في "الفتح".
وحاصلُهُ: أَنَّه إذا حَرُمَ الفعلُ - وهو الأكلُ - لا يَلزَمُ مِنه أنْ يكونَ أَكَلَ حرامً؛ لأَنَّه قد يكونُ
المأكولُ حراماً كالمينةٍ ومِلْكِ الغيرِ، وقد لا يكونُ حراماً كما هنا، وكالمَشْريِّ فاسداً بعدَ قَبْضِهِ؛
لأَنَّه مِلْكَهُ، ومِثْلُهُ ما لو دخَلَ دارَ الحربِ بأمانٍ وسرَقَ منهم شيئاً وأخرَجَهُ إلى دارِنَا مَلَكَهُ مِلْكاً
خبيثاً، ويجبُ عليهِ رَدُّهُ عليهم، وكذا لو غصَبَ شيئاً واستهلَكَهُ بِخَلْطٍ ونحوِهِ حَتّى مَلَكَهُ ولم يُؤَدِّ
ضمانَهُ يَحرُمُ عليه النَّصرُّفُ فيه بأكلٍ ونحوه وإنْ كان مِلْكَهُ.
[٢٤١٥٠) (قولُهُ: والمعدودُ) أي: الذي لا تتفاوتُ آحادُهُ كالجَوْزِ والبَيْضِ، "فتح"(٣) .
(قولُهُ: فلا يصحُّ بَيْعُهُ مِن عمرٍو بلا كَيْلٍ إلخ) لا وجهَ للقولِ بفسادٍ بَيْعِ زيدٍ لعمرو في هذه الصُّورة؛ لأنَّ
غايةَ الأمرِ أَنَّه باعَ ما ملَكَهُ مُجازَفَةً وَنحوَها ولم يتمَّ قَبْضُ المشتري منه، وهذا لا يقتضي الفسادَ؛ إذ ليس فيه
النّصرُّفُ في المبيعِ قبلَ قَبْضِهِ، بخلافٍ بَيْعِ عمرٍو لَبَكْرٍ، تَأَمَّلْ. نعمْ إذا كان مَلَكَهُ زيدٌ بالبيعِ مُجازَقَةً تتوقّفُ صحَّةُ
بَيْعِهِ على قَبْضِهِ لا علی کَیْلِهِ.
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٠/٦.
(٢) لم نعثر على المسألة في مظانِّها من مطبوعة "الجامع الصغير" التي بين أيدينا.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٠/٦.
حاشية ابن عابدين
١٦٢
قسم المعاملات
لاحتمالِ الزِّيادةِ وهي للبائعِ، بخلافِهِ مُجازَفَةً؛ لأنَّ الكلَّ للمُشتري
وعن "الإِمام": أَنَّه يجوزُ في المعدودِ قبلَ العَدِّ، وهو قولُهما، كذا في "السِّراج"، والأوَّلُ هو أظهرُ
الرِّوايتين عن "الإِمام" كما في "الفتح"(١)، "نهر "(٢).
[٢٤١٥١] (قولُهُ: لاحتمالِ الزِّيادةِ) علَّةٌ لقولِهِ: ((حَرُمَ))، أو لقولِهِ: ((وقد صرَّحُوا بفسادِهِ))،
قال في "الهداية"(٣) بعدَ تعليلِهِ بالنّهىِ المارِّ: ((ولأَنَّه يُحتمَلُ أنْ يزيدَ على المشروطِ، وذلك للبائع،
والتّصرُّفُ في مالِ الغيرِ حرامٌ، فيجبُ الَّحرُّرُ عنه))، قال في "الفتح"(٤): ((وإذا عُرِفَ أنَّ سببَ
النَّهي أمرٌ يَرجِعُ إلى المبيعِ كان البيعُ فاسداً، ونَصَّ على الفسادِ في "الجامع الصَّغير"(٥)) اهـ.
[٢٤١٥٢) (قولُهُ: بخلافِهِ مُجازَفَةٌ) محترزُ قولِهِ: ((بشرطِ الكَيْلِ)) وقولِهِ: ((بشرطِ الوَزْنِ
والعَدِّ))، أي: لو اشتَرَاهُ مُجازَفَةً له أنْ يتصرَّفَ فيه قبلَ الكَيْلِ والوَزْنِ؛ لأنَّ كلَّ المشارِ إليه له،
(قولُهُ: أو لقولِهِ: وقد صرَّحُوا بفسادِهِ) فيه: أنَّ احتمالَ الزِّيادةِ لا يَصْلُحُ علَّةً للفساد؛ إذ غايتُهُ اختلاطُ
المبيعِ بغيره وهو لا يقتضيه، نعم هذا ظاهرٌ بالنّسبةِ للحُرْمةِ؛ إذ لا شكَّ في حُرْمةٍ بَيْعِ وأكلٍ مِلْكِ الغيرِ. والظّاهرُ
أنَّ عَلَّهُ هو النّصرُّفُ في المبيعِ قبلَ القَبْض، ولذا لو ملَكَهُ بِهِيَةٍ أو إرثٍ أو وصِيَّةٍ جاز الَّصرُّفُ قبَلَهُ مع توهُّمٍ
الزِّيادةِ في بعض الصُّور، وكذا الَّصرُّفُ فِي الَّمنِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ جائزٌ مع احتمالِها.
(قولُ "الشّارح": بخلافِهِ مُجازَفَةً إلخ) جعَلَ "الدّاغستانيُّ" المسألةَ على أربعةِ أقسامٍ:
اشتَرَی مُکایَلَةً وباع كذلك.
اشتَرَى مُجازَفَةً وباع كذلك، وحكمُهما ظاهرٌ.
اشْتَرَى مُكايَلَةً وباعِ مُجازَفَةً، وفيها لا يَحتاجُ المشتري الثّاني إلى الكَيْلِ.
اشتَرَى مُجازَفَةً وباع مُكايَلَةً، وفيها يَحتاجُ إلى كَيْلٍ واحدٍ: إمّا كَيْلِ المشتري، أو البائعِ بحضرةٍ
المشتري، وهو تحقيقٌ مفيدٌ للطّالب. اهـ "سنديّ"، تأمَّلْ.
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٠/٦.
(٢) "النهر": كتاب البيع - باب التولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٣٩٢/ب.
(٣) "الهداية": كتاب البيوع - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ٥٩/٣.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوّل إلخ ١٤٠/٦.
(٥) "الجامع الصغير": كتاب البيوع - باب البيع فيما يكالُ أو يوزن صـ٣٣٥ -.
الجزء الخامس عشر
1
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
١٦٣
وقَّدَ بقولِهِ: (غيرُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ) لجوازِ التّصرُّفِ فيهما بعدَ القَبْضِ قبلَ الوَزْنِ ..
أي: الأصلَ والزِّيادةَ، أي: الزِّيادةَ على ما كانَ يَظُنُّهُ: بأن ابتاعَ صُبْرَةً على ظَنِّ أَنَّها عشرةٌ(١) فظهَرَتْ
خمسةَ عشرَ، وتمامُّهُ في "العناية"(٢). ومِثْلُ الشِّرَاءِ مُجازَفَةً ما لو مَلَكَهُ بهِيَةٍ أو إرثٍ أو وصِيَّةٍ - كما مَرَّ(٣) -
أو بزراعةٍ، أو استقرَضَ (٤) حنطةً على أَنَّها كُرٌّ؛ لأنَّ الاستقراضَ وإنْ كان تمليكاً بعِوَضٍ كالشِّراء لكِّه
شراء صورةً عاريةٌ حُكْمً؛ لأنَّ ما يَرُدُّهُ عينُ المقبوض حُكْمً، فكان تمليكاً بلا عِوَضِ حُكْماً كما في
"الفتح "(٥)، ولو باعَ أحدُ هؤلاء مُكَايَةً فلا بدَّ مِن كَيْلِ المشتري وإِنْ سقَطَ كَيْلُ البائعِ كما قدَّمناه (٦).
وفي "الفتح"(٧): ((ولو اشْتَرَاها مُكايَلَةً ثُمَّ باعَها مُجازَفَةً قبلَ الكَيْلِ وبعدَ القَبْضِ لا يجوزُ في ظاهر
الرِّوايةِ؛ لاحتمالِ اختلاطِ مِلْكِ البائعِ بِلْكِ بائعِهِ، وفي "نوادرِ ابنِ سماعةً": يجوز)) اهـ.
وبه ظهَرَ أنَّ قولَهُ: ((بخلافِهِ مُجازَفَةً)) مقيّدٌ بما إذا لم يكن البائعُ اشتَرَى مُكايَلَةً.
[٢٤١٥٣] (قولُهُ: لجوازِ الَّصرُّفِ فيهما بعدَ القَبْضِ قبلَ الوَزْنِ) كذا في "البحر"(٨)
عن "الإيضاح". والظّاهرُ أنَّ هذا مفروضٌ فيما [٢/ ١٠٣ /ب] إذا كان في عَقْدِ صَرْفٍ أو سَلَمٍ،
(قولُهُ: والظّاهرُ أنَّ هذا مفروضٌ فيما إذا كان في عَقْدِ صَرْفٍ إلخ) بل الظّاهرُ الإطلاقُ، وذلك لأنَّالكلامَ
في الَّصرُّفِ في الموزونِ ونحوِهِ بعدَ قَبْضِهِ قبلَ وَزْنِهِ، وأَنَّه لا يجوزُ، ثُمَّلَمّا كانت الدَّراهمُ والدَّنانيرُ لا زيادةً فيها عن
مقدارِها المعلومِ بين النّاس جَوَّزُوا النَّصرُّفَ فيها بعدَ القَبْضِ قبلَ الوَزْنِ لعدمٍ احتمالِ الزِّيادةِ في وزنِها المانعِ مِن
النّصرُّف في غيرِها، وهذه غيرُ مسألةِ الَّصرُّفِ في الثَّمنِ قبل قَبْضِهِ الذي قالوا بجوازِهِ على ما يأتي لعدمِ الغَرَر.
(١) أي: عشرةُ أقفزة.
(٢) انظر "العناية": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٠/٦
(هامش "فتح القدير").
(٣) المقولة [٢٤١٤٦] قوله: ((اشترى مكيلاً إلخ)).
(٤) في "ك": ((أو استقراض)).
(٥) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوّل إلخ ١٤٠/٦.
(٦) المقولة [٢٤١٤٨] قوله: ((وقد صرَّحُوا بفسادِهِ)).
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٠/٦.
(٨) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٩/٦.
حاشية ابن عابدين
١٦٤
قسم المعاملات
كبَيْعِ التّعاطي، فإِنَّه لا يُحتاجُ اني الموزوناتِ إلى وَزْنِ الْمُشتَرَى ثانياً؛ لأَنّه صار بَيْعاً
بالقَبْضِ بعدَ الوزن، "قنية"(١). وعليه الفتوى، "خلاصة"(٢).
(وكَفَى كَيْلُهُ مِن البائعِ بحضرتِهِ) أي: المشتري (بعدَ البيعِ)
وإلّ فالدَّراهمُ والدَّنانيرُ ثمنٌ، ويأتي(٣) أنَّه يجوزُ الَّصرُّفُ في الثَّمنِ قبلَ قَبْضِهِ.
[٢٤١٥٤] (قولُهُ: كَبْعِ الَّعاطي إلخ) عبارةُ "البحر"(٤): ((وهذا كُّهُ في غيرٍ بَيْعِ النَّعاطي، أمّا
هو فقال في "القنية": ولا يحتاجُ إلخ))، وظاهرُ قولِهِ: ((وهذا كُلُّهُ)) أَنَّه لا يتقيَّدُ بالموزوناتِ، بل
التّعاطي في المكيلاتِ والمعدوداتِ كذلك، وهو مُفَادُ الَّعليلِ أيضاً بأنّه صار بَيْعاً بعدَ القَبْضِ، فإنَّه
لا يَخُصُّ الموزوناتِ، لكنْ فيه أنَّ مقتضى هذا أَنَّه لا يصيرُ بَيْعاً قبلَ القَبْضِ، ولعلَّهُ مبنيٌّ على القولِ
بأنّه لا بدَّ فيه مِن القَبْضِ مِن الجانبين، والأصحُّ خلاقُهُ، وعليه فلو دفَعَ الثَّمنَ ولم يَقِبِضْ صَحَّ،
وقدَّمنا (٥) في أوَّلِ البيوعِ عن "القنية": ((دفَعَ إلى بائعِ الحنطةِ خمسةَ دنانيرَ ليأخذَ مِنه حنطةً، وقال
له: بِكُمْ تَبِيعُها؟ فقال: مائةً بدينارِ، فسكَتَ المشتري ثمَّ طَلَبَ منه الحنطةَ ليأخذَها، فقال البائعُ:
غداً أَدفعُ لك، ولم يَجْرِ بينهما بَيْعٌ وذهَبَ المشتري، فجاءَ غداً ليأخذَ الحنطةَ وقد تغيّرَ السِّعرُ فعلى
البائعِ أنْ يدفَعَها بالسِّعرِ الأوَّلِ)) اهـ، وتمامُهُ هناك (٥)، فتأمَّلْ.
[٢٤١٥٥) (قولُهُ: وكَفَى كَيْلُهُ مِن البائعِ بحضرتِهِ) قال في "الخانَّةَ(٦): ((لو اشتَرَى كَيْلّاً
مُكايَةً أو موزوناً مُوازَنَةً، فكالَ البائعُ بحضرةِ المشتري قال الإِمامُ "ابنُ الفضل": يكفيه كَيْلُ البائعِ،
ويجوزُ له أنْ يتصرَّفَ فيه قبلَ أنْ يَكِيلَهُ)) اهـ.
(١) "القنية": كتاب البيوع - باب البيع بشرط الكيل والوزن والذرع وأحكامها ق ١٠٤/ب بتصرف.
(٢) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثاني في قبض المبيع - جنسٌ آخر فيما يكون قبضاً وما لا يكون ق ١٦٥/ب بتصرف.
(٣) المقولة [٢٤١٥٨] قوله: ((ولو كان المكيلُ أو الموزونُ ثمَناً)).
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٩/٦.
(٥) المقولة [٢٢٢٥٢] قوله: ((ولَو التَّعاطي مِنْ أَحَدِ الجانبيَنِ)).
(٦) "الخانية": كتاب البيوع - باب في قبض المبيع وما يجوز من التصرف إلخ ٢٦٤/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الخامس عشر
في التَّصرُّف في المبيع والثَّمن إلخ
١٦٥
لا قبلَهُ أصلاً أو بعدَهُ بِغَيْبِهِ، فلو كِيْلَ بحضرةِ رَجُلٍ فَشَرَاهُ فباعَهُ قبلَ كَيْلِهِ لم يَحُزْ وإن
اكتمالَهُ الثّاني؛ لعدمٍ كَيْلِ الأَوَّلِ، فلم يكن قابضاً، "فتح".
قلت: وأفادَ أنَّ الشَّرْطَ مجرَّدُ الحَضْرَةِ لا الرُّؤْيَةُ لِما في "القنية"(١): ((يَشتري مِن الخَبّازِ خُبْزاً كذا
مَّاً، فَيَزِئُهُ وِفَّةُ سَنَجَاتٍ(٢) ميزانِهِ فِي دَرْبنده(٣) فلا يَراهُ المشتري، أو مِن البائعِ كذا مَّاً، فَيَزِنُهُ فِي
حانوتِهِ ثمَّ يُخرِجُهُ إليه مَوْزوناً لا يجبُ عليه إعادةُ الوَزْنِ، وكذا إذا لم يَعرِفْ عددً(٤) سَنَجَاتِهِ)) اهـ.
[٢٤١٥٦) (قولُهُ: لا قبلَهُ أصلاً إلخ) أي: لو كالَهُ البائعُ قبلَ البيعِ لا يكفي أصلاً، أي: ولو
بحضرةِ المشتري، وكذا لو كلَّهُ بعدَ البيعِ بِغَيْبةِ المشتري؛ لِما علمتَ مِن أنَّ الكَيْلَ مِن تمامِ النَّسليمِ
ولا تسليمَ مع الغَيْبة.
١٦٤/٤
[٢٤١٥٧] (قولُهُ: فلو كِيْلَ إلخ) تفريعٌ على قولِهِ: ((لا قبلَهُ أصلاً))؛ لأنَّ قولَهُ: ((لعدمِ كَيْلٍ
الأوَّلِ)) مبنيٌّ على عدمِ اعتبارِ الكَبْلِ الواقعِ بحضرتِهِ قبلَ شرائِهِ.
ثُمَّ إِنَّ عبارة "الفتح"(٥) هكذا: ((ومن هنا ينشأُ فرٌ، وهو: ما لو كِيْلَ طعامٌ بحضرةِ رجلٍ ثُمَّ
اشتَرَاهُ في المجلسِ ثمَّ باعَهُ مُكاَةً قبل أنْ يكتَالَهُ بعدَ شرائِهِ لا يجوزُ هذا البيعُ سواءٌ اكتالَهُ للمُشتري
مِنه أوْ لا؛ لأَنّه لَمّا لم يَكتَلْ بعد شرائِهِ هو لم يكن قابضاً، فَيْعُهُ بَيْعُ ما لم يُقْبَضْ فلا يجوزُ)) اهـ،
ومثلُهُ في "البحر"(٦) و"المنح"(٧). فقولُهُ: ((سواءٌ اكتالَهُ للمُشتري مِنه أوْ لا إلخ)) صريحٌ في أنَّ فاعلَ
((اكتالَهُ)) هو المشتري الأوَّلُ الذي كِيْلَ الطَّعامُ بحضرتِهِ ثمَّ اشتَرَاهُ ثمَّ باعَهُ. وقولُ "الشّارح":
((وإن اكتالَهُ الثّاني)) صريحٌ في أنَّ فاعلَ ((اكتالَهُ)) هو المشتري الثّاني، وعبارةُ "الفتح" أحسنُ؛
(١) "القنية": كتاب البيوع - باب البيع بشرط الكيل والوزن والذرع وأحكامها ق ١٠٥/أ، نقلاً عن نجم الأئمة البخاري.
(٢) سَنْحَةُ الميزان - فارسيٌّ معرَّب -: ما يُوزنُ به كالرِّطلِ والأُوْقَّةِ، وجمعُها: سَنَجَات وسِنَج. انظر "المصباح" و"المعجم
الوسيط" مادة ((سنج)).
(٣) دَرْبَنْد: كلمةٌ فارسيةٌ معرّبةٌ بمعنى: مضيق. اهـ "الدراري اللامعات في منتخبات اللغات" لمحمد علي الأنسي مادة: ((دربند)).
(٤) عبارة "القنية": ((عِدْل)).
(٥) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤١/٦.
(٦) "البحر": كتاب البيع - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٩/٦.
(٧) "المنح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه إلخ ٢/ق٢٨/أ.
حاشية ابن عابدين
١٦٦
قسم المعاملات
(ولو كان) المكيلُ أو الموزونُ(١) (ثمناً جازَ التّصُّفُ فيه قبلَ كَيْلِهِ ووزنِهِ) لجوازِهِ قبلَ القَبْضِ،
لإفادتِها أنَّ هذا الكَيْلَ الواقِعَ مِن المشتري الأوَّلِ للمُشتري الثّاني لا يَكفيه عن كَيْلِ نفسِهِ لوقوعِهِ
بعدَ بَيْعِهِ للثّاني، فكان بَيْعاً قبلَ القَبْضِ لعدمِ اعتبارِ الكيلِ الواقعِ أَوَّلاً بحضرتِهِ قبلَ شرائِهِ،
وأمّا على عبارةِ "الشّارح" فلا شُبْهةَ في عدمِ الجواز.
ثُمَّ إنَّ ما أفادَهُ كلامُ "الفتح": مِن أنَّ كَيْلَهُ للمشتري منه لا يكفي عن كَيْلِ نفسِهِ ظاهرٌ
للتَّعليلِ الذي ذكرَهُ، لكنَّه مخالفٌ لِما شرَحَ به كلامَ "الهداية" أوَّلاً حيث قال(٢): ((وإِنْ كَلَهُ بعدَ
العَقْدِ بحضرةِ المشتري مرَّةً كَفَاهُ ذلك، حتّى يَحِلُّ للمُشتري النَّصِرُّفُ فيه قبلَ كَيْلِهِ، وعندَ البعضِ
لا بدَّ مِن الكَيْلِ مرَّتين)) اهـ ملخّصاً. فإنَّ قولَهُ: ((كَفَاهُ)) - أي: كَفى البائعَ، وهو المشتري الأوَّلُ -
يفيدُ أَنَّه يَكفيه ذلك عن الكَيْلِ لنفسِهِ، ولعلَّ "الشّارح" لأجلِ ذلك جعَلَ فاعلَ ((اكتالَهُ)) المشتريَ
الثّانيَ، لكنَّ الظّاهرَ عدمُ الاكتفاءِ بذلك الكَيْلِ وإِنْ وقَعَ مِن المشتري الأوَّلِ بعدَ البيعِ لِما ذكرَهُ مِن
التَّعليل، والله سبحانه أعلم.
[٢٤١٥٨) (قولُهُ: ولو كان المكيلُ أو الموزونُ ثمناً) أي: بأن اشتَرَى عبداً مثلاً بكُرِّ بُرٍ أو
برِطْلٍ زيتٍ. ثمَّ لا يخفى أنَّ هذه المسألةَ مِن أفرادِ قولِهِ الآتي (٣): ((وجازَ الّصرُّفُ في الثَّمنِ قبلَ
قَبْضِهِ))، وقد تَبْعَ "المصنّفُ ١ "شيخَهُ(٤) فِي ذِكْرِها هنا.
(قولُهُ: لكنَّه مخالفٌ لِما شرَحَ به كلامَ "الهداية" أوَّلاً إلخ) لا مخالفةَ لِما ذكرَهُ أَوَّلاً، ولا داعيَ
لإرجاعٍ ضميرِ ((كَفَاهُ)) للبائعِ وهو المشتري الأوَّلُ، بل عائدٌ لأقربِ مذكورٍ وهو المشتري الثّاني، ولذا
فرَّعَ عليه قولَهُ: ((حَتّى يَحِلُّ للمشتري النَّصرُّفُ فيه))، وهذه المسألةُ هي مسألةُ "المصنّف"، فإِنَّها هي
المحكيُّ فيها الخلافُ، ومعناها أنَّ المشتريَ بعدما قَبَضَ المبيعَ إذا باعَهُ مُكايَلَةً فكالَهُ بحضرةِ المشتري يُكتَفَى
بذلك عن كَيْلِ المشتري الثّاني، فله النَّصرُّفُ فيه.
(١) في "د" و"و": ((والموزون)) بالواو.
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: من اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤١/٦.
(٣) صـ١٦٨ - وما بعدها "در".
(٤) أي: صاحب "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٢٩/٦.
الجزء الخامس عشر
١٦٧
في التَّصرُّف في المبيع والثَّمن إلخ
فقبلَ الكَيْلِ أَولى (لا) يَحِرُمُ (المذرُوعُ) قبلَ ذَرْعِهِ (وإن اشتَرَاهُ بِشَرْطِهِ، إلاّ إذا أفرَدَ
لكل ذراعِ ثمناً فهو) في حُرْمةِ ما ذُكِرَ (كموزونٍ) والأصلُ ما مَرَّ مِراراً: أنَّ الذَّرْعَ
وَصْفٌ لا قَدْرٌ، فيكونُ كلُّه للمُشتري إلّ إذا كان مقصوداً،
[٢٤١٥٩] (قولُهُ: فقبلَ الكَيْلِ أَولى) لأنَّ الكَيْلَ مِن تمامِ القَبْضِ كما مَرَّ(١).
[٢٤١٦٠] (قولُ: وإن اشتَرَاهُ بِشَرْطِهِ) أي: وإن اشتَرَى المذروعَ بشَرْطِ الذَّرْعِ.
(٢٤١٦] (قولُهُ: في حُرْمةِ ما ذُكِرَ) أي: مِن البيعِ، ولا يصحُّ إرادةُ الأكلِ هنا، وفي حكمٍ
البيعِ كلُّ تصرُّفٍ يَنبني على الِلْكِ، "ط)"(٢).
[٢٤١٦٢] (قولُهُ: والأصلُ ما مَرَّ مِراراً إلخ) مِنها ما قدَّمَهُ(٣) أوَّلَ البيعِ عندَ قوله: ((وإنْ باعَ
صُبْرَةً إِلخ))، وقدَّمنا هناك(٤) وَجْهَ الفَرْقِ بينَ كونِ الذَّرْعِ فِي الْقِيْمَيّاتِ وصفاً وكونِ القَدْرِ بِالكَيْلِ
أو الوزنٍ في الِثْلَّاتِ أصلاً، وهو كونُ [٤٥/٣ ١/١٠) التَّشقيصِ يَضُرُّ الأوَّلَ دون الثّاني إلخ، وذَكَرَ في
"الذَّخيرةِ" الفَرْقَ: ((بأنَّ الدَّرْعَ عبارةٌ عن الزِّيادةِ أو النُّقصانِ في الطُّلِ والعَرْضِ، وذلك وصفٌ)).
[٢٤١٦٣] (قولُهُ: فيكونُ كُلُّه للمُشتري) قال في "الفتح"(٥): ((فلو اشتَرَى ثوباً على أنَّه عشرةُ
أَذرُعِ جاز أنْ يبيعَهُ قبلَ الدَّرْعِ؛ لأَنَّه لو زادَ كان للمُشتري، ولو نقَصَ كان له الخيارُ، فإذا باعَهُ
بلاذَرْعٍ كان مُسقِطً خِيارَهُ على تقديرِ النَّقْصِ، وله ذلك)) اهـ
[٢٤١٦٤] (قولُهُ: إلّ إذا كان مقصوداً) بأنْ أفرَدَ لكلِّ ذراعٍ ثمناً؛ لأَنَّه بذلك التّحَقَ بالقَدْرِ في
حقِّ ازديادِ الثَّمنِ، فصار المبيعُ في هذه الحالةِ هو الَّوبَ المقدَّرَ، وذلك يَظهَرُ بالذَّرْعِ، والقَدْرُ معقودٌ
عليه في المقدَّرات، حتّى يجبُ رَدُّ الزّيادةِ فيما لا يَضُرُّهُ الَّبعيضُ، وَيَلْزَمُهُ الزِّيادةُ مِن الثَّمنِ فيما يَضُرُّهُ
(١) المقولة [٢٤١٤٧] قوله: ((أي: كُرِهَ تحريماً)).
(٢) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠١/٣.
(٣) ١٥٦/١٤ "در".
(٤) المقولة [٢٢٤١٤] قوله: ((لأنَّ الذّرعَ وصفٌ إلخ)).
(٥) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٠/٦.
حاشية ابن عابدين
١٦٨
قسم المعاملات
واستثنى "ابنُ الكمالِ" مِن الموزونِ ما يَضُرُّه التّبعيضُ؛ لأنَّ الوزنَ حينئذٍ فيه وصفٌ.
(وجاز التَّصرُّفُ في الثّمنِ) بِهِبَةٍ أو بَيْعِ أو غيرِهما لو عَيْناً، ..
ويَنْقُصُ مِن ثَمِنِهِ عندَ انتقاصِهِ. اهـ "ط"(١) عن "الزَّيلِعِيِّ)(٢).
[٢٤١٦٥) (قولُهُ: واستثنى "ابنُ الكمالِ" إلخ) أي: بحثً، وما يَضُرُّهُ الَّبعيضُ كمَصُوغٍ، فيجوزُ
الَّصرّفُ فِيه قبلَ وَزْنِهِ ولو اشتَرَاهُ بِشَرْطِهِ، والأولى لـ "الشّارح" ذِكْرُ هذا عندَ قول "المصنّف (٣): ((ومثلُهُ
الموزونُ))، "ط"(٤). وعبارةُ "ابن الكمال" هي قولُهُ بعدَ ذِكْرِ الأصلِ المارّ(٥): ((ولا يخفى أنَّ مُوجَبَ
هذا التَّعليلِ أنْ يُستَثَنَى ما يَضُرُّهُ الَّبعيضُ مِن جنسِ الموزون؛ لأنَّ الوزنَ فيه وصفٌ على ما مَرَّ)) اهـ.
مطلبٌ في بيانِ الثَّمنِ والمبيعِ والدّيْن
[٢٤١٦٦)] (قولُهُ: وجاز الَّصرُّفُ فِي الَّمنِ إلخ) الثَّمِنُ: ما يَثْبُتُ فِي الدِّمَّةِ دَيْناً عندَ المقابلةِ،
وهو النَّقدان والِثْلَّاتُ إذا كانَتْ مُعيَّةً وَقُوِلَتْ بالأعيانِ، أو غيرَ مُعيّنَةٍ وصَحِبَها حرفُ الباء، وأمّا
المبيعُ فهو القِيْمَّاتُ وَالِثْلَّاتُ إذا قُوبِلَتْ بَنَقْدٍ أو بعَيْنِ وهي غيرُ مُعَّنةٍ مثل: اشتريتُ كُرَّبُرِّ بهذا
العبدِ، هذا حاصلُ ما في "الشُّرِ نِبلالَيَّة" (٦) عن "الفتح"(٧)، وسيذكرُهُ "المصنّفُ (٨) في آخرِ الصَّرْف.
[٢٤١٦٧) (قولُهُ: أو غيرِهما) كإجارةٍ ووصيَّةٍ، "منح"(٩).
(قولُهُ: مثل: اشتريتُ كُرَّبُرِّ بهذا العبدِ إلخ) ففي هذا المثالِ الكُرُّ مبيعٌ والعبدُ ثمنٌ، ويُشتَرَطُ له شرائطُ السََّم.
(١) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠١/٣.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب التولية - فصل صحَّ بيع العقار قبل قبضه ٨٢/٤.
(٣) صـ ١٦١ - "در".
(٤) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠١/٣.
(٥) صـ ١٦٧ - "در".
(٦) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - فصلٌ: صحَّ بيع العقار قبل قبضه لا المنقول ١٨٤/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٣٨/٦.
(٨) ص ٥٦٤ - وما بعدها "در".
(٩) "المنح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه إلخ ٢/ق٢٨/أ.
الجزء الخامس عشر
١٦٩
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
أي: مُشاراً إليه، ولو دَيْناً فالتَّصرُّفُ فيه تمليكٌ مِمَّن عليه الدَّيْنُ.
[٢٤١٦٨] (قولُهُ: أي: مُشاراً إليه) هذا النَّفسيرُ لم يَذكُرُه "ابنُ ملكٍ"، بل زادَهُ "الشّارح"،
والمرادُ بالمشارِ إليه ما يَقبَلُ الإِشارةَ، فُوافِقُ تفسيرَ بعضِهم له بالحاضرِ، وذكَرَ "ح"(١): ((أَنّ يَشمَلُ
القِيْمِيَّ وَالِثْلِيَّ غيرَ النَّقدين))، واعترضَهُ "ط)(٢): ((بأَنَّه لا وجه له؛ لأنَّ الباعثَ لـ "الشّارح" على
هذا النَّفسيرِ إدخالُ النَّقدين؛ لأَنَّه يُتوهّمُ مِن العَيْنِ العَرْضُ لْيُقابِلَ قولَهُ: ولو دَيْناً)).
قلت: أنت خبيرٌ بأنَّ دخولَ القِيْميِّ هنا لا وجهَ له أصلاً؛ لأنَّ الكلامَ في الثَّمنِ، وهو ما
يَبْتُ دَيْناً في الذِّمَّة، والقِيْمِيُّ مبيعٌ لا ثمنٌ، وإنما مرادُ "الشّارح" بيانُ أنَّ الثَّمنَ قسمان:
لأَنّه تارةً يكونُ حاضراً كما لو اشتَرَى عبداً بهذا الكُرِّ مِن البُرِّ أو بهذه الدَّراهمِ، فهذا يجوزُ
الَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِهِ بِهِيَةٍ وغيرِها مِن المشتري وغيرِهِ.
١٦٥/٤
وتارةً يكونُ دَيْناً في الذّمَّة كما لو اشتَرَى العبدَ بِكُرِّ بُرِّ أو عشرة دراهمَ في الذّمَّةِ، فهذا يجوزُ
الَّصرُّفُ فيه بتمليكِهِ مِن المشتري فقط؛ لأَنَّه تمليكُ الدَّيْنِ، ولا يصحُّ إلّ ممن هو عليه. ثمَّ لا يخفى أنَّ
الدَّيْنَ قد لا يكونُ ثمناً، فقد ظهَرَ أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً مِن وجهٍ؛ لاجتماعِهما في الشِّراء بدراهمَ
في الذّمَّة، وانفرادِ الّمنِ بالشِّراءِ بعبدٍ، وانفرادِ الدَّيْنِ فِي الّوُّجِ أو الطَّلاقِ على دراهمَ في الذّمَّة.
[٢٤١٦٩] (قولُهُ: فالنَّصرُّفُ فيه تمليكٌ مِمَّن عليه الدَّيْنُ) في بعضِ النُّسخ(٣): ((تمليكُهُ))،
(قولُهُ: واعترضَهُ "ط": بأنّه لا وجه له إلخ) لا يظهرُ الاعتراضُ على "الحلبيِّ"، فإنَّ قَصْدَهُ إنما هو
بيانُ ما يُتوهَّمُ عدمُ دخولِهِ فِي الثَّمنِ، وهو القِيْمِيُّ والِثْلِيُّ غيرُ النَّقْدِ، والنَّقْدُ لا يُتوهَّمُ عدمُ دخولِهِ حتّى
يُحتاجَ لبيانٍ أَنَّه داخلٌ.
(قولُهُ: وانفرادِ الَّمنِ بالشّراءِ بعبدٍ) فيه أنَّه حينئذٍ يكونُ القِيْمِيُّ ثمناً، فيتوجَّهُ إدخالُ "الحلبيِّ" له في كلامٍ
"الشّارح"، ويندفعُ اعتراضُ "المحشِّي" عليه، ولعلّ مرادَ "المحشِّي" أنَّ الَّمِنَ الذي يَتْبُتُ دَيْناً في الذّمَّة، والقِيْميَّ
وإنْ كان يصحُّ جَعُهُ ثمناً كما في بَيْعِ المقايضةِ، إلّ أَنَّه ليس ثمناً مِن كلِّ وجهٍ، فلذا لا يصحُّ إدخالُهُ في الثَّمنِ هنا
لتحقَّقِ كونِهِ مبيعاً مِن وجهٍ، تأمَّلْ. لكنْ علمتَ تحقُقَ كونِهِ ثمناً في غيرِ بَيْعِ المقايضةِ أيضاً كما في المثالِ السّابق.
(١) "ح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٢٩٦/أ.
(٢) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠١/٣.
(٣) كما في نسخة "و".
حاشية ابن عابدين
١٧٠
قسم المعاملات
ولو بعِوَضٍ، ولا يجوزُ مِن غيرِهِ، "ابن ملكٍ" (قبلَ قَبْضِهِ) سواءٌ (تَعَّنَ بالتّعيينِ) كمَكِيلٍ
(أَوْ لا) كنْقُودٍ».
وهي الموافِقَةُ لقولِ "ابنِ ملكٍ": ((فالَّصرُّفُ فيه هو تمليكُهُ إلخ))، أي: أنَّ الَّصرُّفَ فيه الجائزَ هو كذا.
[٣٤١٧٠] (قولُهُ: ولو بعِوَضٍ) كأن اشتَرَى البائعُ مِن المشتري شيئاً بالتَّمنِ الذي له عليه، أو
استأجَرَ به عبداً أو داراً للمُشتري. ومثالُ الَّمليكِ بغيرِ عِوَضٍ هِتُهُ ووصيُّهُ له، "نهر"(١). فإذا وَهَبَ
مِنه الثَّمِنَ مَلَكَهُ بمجرَّدِ الهِبَةِ لعدمِ احتياجِهِ إلى القَبْضِ، وكذا الصَّقة، "ط)(٢) عن "أبي السُّعود)"(٣).
(٢٤١٧١] (قولُهُ: ولا يجوزُ مِن غيرِهِ) أي: لا يجوزُ تمليكُ الدِّينِ مِن غيرِ مَن عليه الدَّيْنُ إلّ إذا
سَلَّطَهُ عليه، واستثنى في "الأشباه(٤) مِن ذلك ثلاثَ صورٍ: الأُولى - إذا سَلَّطَهُ على قَبْضِهِ فيكونُ
وكيلاً قابضاً للمُؤكِّلِ ثمَّ لنفسِهِ، الّانيةُ - الحوالة، الثّالثةُ - الوصيّة.
[٢٤١٧٢) (قولُهُ: كمَكِيلٍ) فإنَّه إذا اشْتَرَى العبدَ بهذا الكُرِّ مِن الْبُرِّ تَعَّنَ ذلك الكُرُّ، فلا يجوزُ
له دَفْعُ كُرِّ غيرِهِ.
مطلبٌ فيما تعَيَّنُ فيه النُّقُودُ وما لا تتعيَّنُ
[٢٤١٧٣] (قولُهُ: كُنُقُودٍ) فإذا اشتَرَى بهذا الدِّرهمٍ له دَفْعُ درهمٍ غيرِهِ، وعدمُ تعُّنِ النَّقْدِ ليس
على إطلاقِهِ، بل ذلك في المعاوضاتِ، وفي العَقْدِ الفاسدِ على إحدى الرِّوايتين، وفي المهرِ ولو بعدَ
الطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وفي النَّذْرِ، والأماناتِ، والهِبَةِ، والصَّدقةِ، والشِّرْكةِ، والمضاربةِ، والغَصْبِ،
(قولُهُ: وفي النَّذْرِ والأماناتِ إلخ) حَقُّهُ أنْ يقولَ بعدَ قولِهِ: ((وفِي الَّذْرِ)): ((ويتعيّنُ في الأماناتِ إلخ))
كما هو عبارةُ "الأشباه" (٥).
(١) "النهر": كتاب البيع - باب التولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٣٩٢/ب بتصرف.
(٢) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠١/٣.
(٣) "فتح المعين": كتاب البيوع - باب التولية والمرابحة - فصل في التصرف في الثمن قبل القبض ٥٩٦/٢.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمع والفرق - القول في الدَّين صـ٤٢٥ - ٤٢٦ -.
(٥) وقد أشار إلى ذلك الإمام البريلوي في "جد الممتار" ق ٢١٤/٤.
في النَّصرُّف في المبيع والثَّمن إلخ
١٧١
الجزء الخامس عشر
فلو باع إبلاًّ بدراهمَ أو بكُرِّ بُرِّ جازَ أَخْذُ بَدَلِهما شيئاً آخرَ (وكذا الحكمُ في كلِّ دَيْنٍ
قبلَ قَبْضِهِ.
والوكالةٍ قبلَ التَّسليمِ أو بعدَهُ، [٣/ق١٠٤/ب] ويتعيّنُ في الصَّرْفِ بعدَ هلاكِهِ(١) وبعدَ هلاكِ المبيع،
وفي الدَّيْنِ المشتركِ، فَيُؤمَرُ بَرَدِّ نصفِ ما قَبَضَ على شريكِهِ، وفيما إذا تبيَّنَ بطلانُ القضاءِ، بأنْ أَقَرَّ
بعدَ الأَخْذِ أَنَّه لم يكن له على خصمِهِ شيءٌ، فَرُدُّ عَيْنَ ما قَبَضَ لو قائماً، وتمامُهُ في "الأشباه)(٢) في
أحكام النَّقْدِ، وقدَّمناه(٣) في أواخرِ البيعِ الفاسد.
[٣٤١٧٤] (قولُهُ: فلو باع إلخ) تفريعٌ على قولِ "المصنّف": ((وجاز الَّصرُّفُ في الثَّمنِ إلخ)).
مطلبٌ في تعريفِ الكُرِّ [والقَفِيزِ والمَكُوكِ]
[٢٤١٧٥] (قولُهُ: أو بكُرِّ بُرِّ الكُرُّ: كَيْلٌ معروفٌ، وهو سِتُّون قفيزاً، والقفيزُ: ثمانيةُ
مكاكيكَ، والمكُّوك: صاعٌ ونصفٌ(٤)، "مصباح"(٥).
[٢٤١٧٦] (قولُهُ: جازَ أَخْذُ بَدَلِهما شيئاً آخرَ) لكنْ بشرطِ أنْ لا يكونَ افتراقاً بدَيْنٍ كما
يأتي(٦) في القَرْض.
[٢٤١٧٧] (قولُهُ: وكذا الحكمُ في كلِّ دَيْنٍ) أي: يجوزُ النَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِهِ لكنْ بشرطِ أنْ
يكونَ تمليكاً مِمَّن عليه بعِوَضٍ أو بدونِهِ كما علمتَ، ولَمّا كان الثَّمنُ أخصَّ مِن الدَّيْنِ مِن وجهٍ
كما قرَّرناه (٧) بَّنَ أنَّ ما عداه مِن الدَّيْنِ مثلُهُ.
(قولُهُ: ويتعَيَّنُ في الصَّرْفِ بعدَ هلاكِهِ إلخ) الذي قدَّمَهُ: بعدَ فسادِهِ.
(١) صوابه: ((بعد فساده)) كما أشار إليه الرافعي والإمام البريلوي في "جد الممتار" ٤/ق ٢١٤.
(٢) انظر "الأشباه والنظائر": الفنّ الثالث: الجمع والفرق صـ٣٧٥ -.
(٣) المقولة [٢٣٦٧٦] قوله: ((بناءً على تعيّنِ الدَّراهِم)).
(٤) المكوك يساوي ٣٫٠٦ كغ على الأَشْهر، وعليه: فالقفيز يساوي ٣٫٠٦ × ٨ = ٢٤,٤٨٠ كغ، وعليه: فالكُرُّ يساوي
٢٤,٤٨٠ × ٦٠ = ١٤٦٨,٨ كغ. هذا عند الجمهور، أمَّا عند الحنفية فالكُرُّ يساوي ٢٣٤٠ كغ. انظر "المكاييل والموازين
الشرعية" للدكتور علي جمعة صـ ٣٩ - ٤٤ - بتصرف، و"الفقه الإسلامي وأدلته" للدكتور وهبة الزحيلي ٧٥/١.
(٥) "المصباح": مادة ((كرر)).
(٦) المقولة [٢٤٢٨٣] قوله: ((بدراهِمَ مقبوضَةٍ)).
(٧) المقولة [٢٤١٦٨] قوله: ((أي: مُشاراً إليه)).
حاشية ابن عابدين
١٧٢
قسم المعاملات
كمَهْرِ وأُجرةٍ وضمانٍ مُتْلَفٍ) وبَدَلِ خُلْعِ وعِثْقِ مالٍ، ومَورُوثٍ، ومُوصَّى به.
والحاصلُ: جوازُ النَّصرُّفِ في الأثمانِ والدّيُونِ كلِّها قبلَ قَبْضِها، "عينيّ"(١) (سوى
صَرْفٍ وَسَلَمٍ).
[٢٤١٧٨] (قولُهُ: كمَهْرِ إلخ) وكذا القَرْضُ، قال في "الجوهرة"(٢): ((وقد قال "الطَّحاويُّ":
إِنَّ القَرْضَ لا يجوزُ التَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِهِ، وهو ليس بصحيحٍ)) اهـ.
[٢٤١٧٩) (قولُهُ: وضمانٍ مُتَلَفٍ) أي: ضمانِهِ بالمثلِ لو مِثْليّاً، وإلّ فبالقيمةِ، فافهم.
[٢٤١٨٠] (قولُهُ: بمالٍ) قَيْدٌ لـ ((خُلْعٍ)) و(عِنْقٍ))؛ لأَنَّهما بدونِ مالٍ لا يكونُ لهما بدلٌ، فافهم.
[٢٤١٨١] (قولُهُ: ومَورُوثٍ ومُوصَّى به) قال "الكمال"(٣): ((وأمّا الميراثُ فَالَّصرُّفُ فيه جائزٌ
قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّ الوارثَ يَخُلُفُ المُورِّثَ في المِلكِ، وكان للميتِ ذلك النَّصرُّفُ، فكذا للوارثِ،
وكذا الموصَى له؛ لأنَّ الوصيّةَ أختُ الميراثِ)) اهـ، ومثلُهُ لـ "الإتقانيِّ"، وهذا كالصَّرِيحِ في جوازِ
تصرُّفِ الوارثِ في الموروثِ وإنْ كان عَيْناً، "ط"(٤).
[٢٤١٨٢] (قولُهُ: سوى صَرْفٍ وسَلَمٍ) سيأتي(٥) في باب السَّلَمِ قولُهُ: ((ولا يجوزُ الَّصرُّفُ
(قولُهُ: وقد قال "الطَّحاويُّ): إنَّ القَرْضَ لا يجوزُ النَّصرُّفُ فيه إلخ) يمكنُ توجيهُ ما قالَهُ "الطَّحاويُّ" بأنْ يُقالَ:
مرادُهُ بالقَرْضِ المالُ المقروضُ، فَإِنَّه لا يَمِلِكُهُ إِلّ بالنَّصرُّفِ على قول "الثّاني" والقَبْضِ على قولِهما، فقبلَ ذلك لا يجوزُ له
الَّصرُّفُ فِيه لعدم مِلْكِهِ، وذكَرَ في "الأشباه": (أَنّهم اختلفوا في القَرْضِ: هل يَمِلِكُ المستقرضُ بالْقَبْضِ أو بِالنّصرُّف؟)).
(قولُهُ: قيدٌ ل: خُلْعِ وعِنْقٍ؛ لأَنَّهما بدونِ مالٍ لا يكونُ لهما بدلٌ، فافهم) اعتراضُ "ط" إنما هو في أنَّ
لغظَ (بدلٌ)) مُسلَّطٌ على العِثْقِ أَيضاً، فلا حاجةً لذِّكْرِ ((مالٍ))، وهو متَّحِةٌ، ولا يصحُّ حينئذٍ جَعْلُ قولِهِ:
((مالٍ)) قَيْداً للخُلْعِ والعِثْقِ للاستغناءِ عنه، تأمَّلْ.
(١) "(رمز الحقائق": كتاب البيوع - باب التولية - فصل في بيان البيع قبل قبض المبيع إلخ ٣٩/٢ بتصرف.
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٢٥٦/١.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٢/٦، وفيه: ((فالصرف))
بدل ((فالتصرف))، وهو خطأ.
(٤) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠١/٣.
(٥) صـ ٣٨٨- وما بعدها "در".
الجزء الخامس عشر
١٧٣
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
فلا يجوزُ أَخْذُ خلافٍ جنسِهِ لفواتِ شَرْطِهِ. (وصَحَّ الزِّيادةُ فيه) ولو مِن غيرِ جنسِهِ في
المجلسِ أو بعدَهُ، مِن المشتري أو وارثِهِ، "خلاصة"(١). ولفظُ "ابنِ ملكٍ" :.
....
للمُسلَمٍ إليه في رأسِ المالِ ولا لِرَبِّ السَّلَمِ فِي الْمُسلَمِ فيه قبلَ قَبْضِهِ بنحوِ بَيْعِ وشِرْكٍ ولو مِمَّن عليه،
ولا شراءُ شَيءٍ مِنَ(٢) المُسلَمِ إليه برأسِ المالِ بعدَ الإِقالةِ قبلَ قَبْضِهِ بحكمِ الإقالةِ، بخلافِ بدلِ
الصَّرْفِ، حيث يجوزُ الاستبدالُ عنه لكنْ بِشَرْطِ قَبْضِهِ في مجلسِ الإقالةِ؛ لجوازِ تصرُّفِهِ فيه، بخلافٍ
السَّلَمِ)) اهـ، وسيأتي(٣) بيانُهُ، ومَرَّتْ(٤) مسألةُ الإقالةِ في بابها.
[٤١٨٣ ٢] (قولُهُ: فلا يجوزُ أَخْذُ خلافِ جنسِهِ) الأولى أنْ يقول: فلا يجوزُ النَّصرُّفُ فيه، "ط)"(٥).
(٢٤١٨٤] (قولُهُ: لقواتِ شَرْطِهِ) وهو القَبْضُ فِي بَدَلِي الصَّرْفِ ورأسِ مالِ السَّلَم قبلَ الافتراق.
(٢٤١٨٥] (قولُهُ: وصَحَّ الزِّيادةُ فيه) قال في "البحر "(٦): ((لو عَبَّرَ باللُزُومِ بدلَ الصِّحَّة لكان
أَولى؛ لأَنّها لازمةٌ، حتّى لو نَدِمَ المشتري بعدما زادَ يُجَبَرُ إذا امتَنَعَ كما في "الخلاصة(٧)) اهـ.
[٢٤١٨٦) (قولُهُ: في المجلسِ) أي: مجلسِ العَقْدِ أو بعدَهُ.
(قولُهُ: ولا شراءُ الْمُسلَمِ إليه برأسِ المالِ إلخ) عبارتُهُ فِي السََّمَ: ((ولا يجوزُ لَرَبِّالسَّلَمِ شراءُ شيءٍ مِن
لَسلَم إليه برأس المال بعدَ الإقالة إلخ)).
(قولُهُ: الأَولى أنْ يقول: فلا يجوزُ الَّصرُّفُ فيه) لأنَّالكلامَ فِي النَّصرُّفِ، لكنَّ صنيعَ "الشّارح" أحسنُ،
فإِنَّه لو قال: فلا يجوزُ النّصرُّفُ فيه لأوهَمَ أَنَّه لو كان البدلُ مُشارً إليه لا يجوزُ أَخْذُ غيرِهِ مِن جنسِهِ لوجودٍ
صورةِ النَّصرُّفِ فيه، فدفَعَ هذا الّوهُّمَ بما قالَهُ.
(١) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثالث عشر في الثمن ق١٦٧/ب بتصرف.
(٢) ((شيءٍ مِن)) ليست في "آ" و"ب" و"م"، والصوابُ إثباتها كما في "الأصل" و"ك"؛ لأنه الموافقُ لما سيأتي في
السلم صـ٣٩٠ - "در"، وانظر "تقريرات" الرّافعيّ رحمه الله.
(٣) المقولة [٢٤٧٩٥] قوله: ((بعد الإقالة)).
(٤) صـ ٦٠ - "در".
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠١/٣.
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٣٠/٦.
(٧) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثالث عشر في الثمن ق ١٦٧/أ.
حاشية ابن عابدين
١٧٤
قسم المعاملات
((أو مِن أجنبيٌ)) (إِنْ) في غيرِ صَرْفٍ و(قَبِلَ البائعُ) في المجلسِ، فلو بعدَهُ بطلتْ،
"خلاصة"(١). وفيها (٢): ((لو نَدِمَ بعدما زادَ أُجبِرَ)) (وكان المبيعُ قائماً) فلا تصحُّ بعدَ
هلاكِهِ ولو حُكْمً على الظّهرِ: بأنْ باعَهُ ثمَّ شَرَاهُ ثمَّ زادَهُ. زاد في "الخلاصة"(٣) ......
[٢٤١٨٧] (قولُهُ: أو مِن أجنبيٍّ) فإنْ زادَ بأمرِ المشتري تجبُ على المشتري لا على الأجنبيِّ
كالصُّلْح، وإنْ بغيرِ أمرِهِ فإِنْ أجازَ المشتري لَزِمَتْهُ، وإنْ لم يُحِزْ بَطَلَتْ، ولو كان حين زادَ ضَمِنَ
عن المشتري أو أضافَها إلى مالِ نفسِهِ لَزِمَتْهُ الرِّيادة، ثمَّ إنْ كان بأمرٍ المشتري رجَعَ، وإلّ فلا،
"بحر "(٤) عن "الخلاصة" (٥).
[٢٤١٨٨] (قولُهُ: في غيرِ صَرْفٍ) يُوهِمُ أنَّ الزِّيادةَ فيه لا تصحُّ مع أَنَّها تصحُّ وتُفسِدُهُ كما
يذكرُهُ قريباً(٦)، وكأنّه حَمَلَ الصِّحَّةَ على الجوازِ والحِلِّ، أو أرادَ مِن عدمِ الصِّحَّةِ في الصَّرْفِ فسادَهُ.
[٢٤١٨٩] (قولُهُ: في المجلسِ) أي: مجلسِ الزِّيادة.
[٢٤١٩٠] (قولُهُ: لو نَدِمَ إلخ) أشار إلى أنَّ الزِّيادةَ لازمةٌ كما مَّ(٧).
[٢٤١٩١] (قولُهُ: على الظّاهرِ) أي: ظاهرِ الرِّوايةِ كما في "الهداية"(٨)، وفي روايةٍ "الحسن":
أَنَّها تصحُّ بعدَ هلاكِ المبيع كما يصحُّ الحَطُّ بعدَ هلاكِهِ.
[٢٤١٩٢) (قولُهُ: بأنْ باعَهُ ثُمَّ شَرَاهُ) مِن صُوَرِ الهلاكِ حُكْمً؛ لأنَّ تبدُّلَ الِلْكِ كتبدُّلِ العينِ،
ولذا يَمَنِعُ بذلك رَدُّهُ بِالعَيْبِ والرُّجُوعُ في الهِبَةِ. وأفاد أنَّه إذا لم يَشتَرِهِ فكذلك بالأَولى.
١٦٦/٤
(١) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثالث عشر في الثمن ق١٦٧/ب بتصرف.
(٢) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثالث عشر في الثمن ق١٦٧/أ، والعبارة فيها: ((ولو قدم المشتري بعدما زاد يخير إذا
امتنع ... ))، وهو تحريف.
(٣) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثالث عشر في الثمن ق١٦٧/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب المرابحة والتولية - فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٣٠/٦ - ١٣١.
(٥) "الخلاصة": كتاب البيوع - الفصل الثالث عشر في الثمن ق١٦٧/ب.
(٦) صـ١٧٩ - وما بعدها "در".
(٧) المقولة [٢٤١٨٥] قوله: ((وصَحَّ الزّيادةُ فيه)).
(٨) "الهداية": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ٦٠/٣.
الجزء الخامس عشر
١٧٥
في التَّصرُّف في المبيع والثّمن إلخ
((وكونُهُ محلاًّ للمُقابلةِ فِي حَقِّ المشتري حقيقةً، فلو باعَ بعدَ القَبْضِ، أو دَّبَّرَ، أو
كاتَبَ، أو ماتَت الشّةُ فزادَ لم يَحُزْ؛ لفواتِ محلِّ البيعِ،
[٢٤١٩٣) (قولُهُ: وكونُهُ) أي: المبيعِ ((محلاًّ للمُقابلةِ))، أي: لمقابلةِ زيادةِ الثَّمنِ، "ط)"(١). قال
" ح"(٢): ((ولا حاجة إليه مع قولِ "الشّارح": ولو حكماً كما لا يخفى)).
[٢٤١٩٤] (قولُهُ: حقيقةً) احترازٌ عمّا إذا خرَجَ عن المحلِيَّة: بأنْ هَلَكَ حقيقةً كموتِ الشّاةِ أو
حكماً كالتَّدبيرِ والكتابة.
[٢٤١٩٥] (قولُهُ: فلو باعَ إلخ) تفريعٌ على قولِهِ: ((فلا تصحُّ بعدَ هلاكِهِ))، وكذا لو وهَبَ
وسلَّمَ، أو طبَخَ اللَّحمَ، أو طحَنَ، أو نسَجَ الغَزْلَ، أو تخمَّرَ العصيرُ، أو أسلَمَ مُشتري الخمرِ ذَمِّياً
لا تصحُّ الرِّيادةُ لفواتٍ محلّ العَقْدِ؛ إذ العَقْدُ لم يَرِدْ على المطحونِ والمنسوجِ، ولهذا يصيرُ الغاصبُ
أحقَّ بهما إذا فعَلَ بالمغصوبِ ذلك، وكذا الزِّيادةُ في المهرِ شَرْطُها بقاءُ الزَّوحِيَّةِ، فلو زادَ بعدَ موتِها
لا يصحُّ. اهـ "فتح"(٣). ورَوَى "الحسنُ" في غيرِ رواية الأصول: ((أنّها تصحُّ بعدَ هلاكِ المبيع))،
وعلى [٣/ق١/١٠٥] هذه الرِّوايةِ تصحُّ الرِّيادةُ في المهرِ بعدَ الموت، "نهر " (٤).
قلت: وهذه خلافُ ظاهرِ الرِّوايةِ كما نَّهَ عليه في "الجوهرة"(٥) وغيرها، والعَجَبُ مِن
"الرَّيلعيِّ" (٦) حيث ذكَرَ: ((أَنَّ الزِّيادَةَ لا تصحُّ بعدَ هلاكِ المبيعِ في ظاهرِ الرِّواية، وأَنَّها تصحُّ في
روايةٍ "النَّوادر"))، ثمَّ ذكَرَ(٩): ((أنَّ الهلاكَ الْحُكْميَّ مُلْحَقٌ بالحقيقيِّ)، ثمَّ قال(٦): ((ولو أعتَقَ المبيعَ،
(قولُهُ: والعَجَبُ مِن "الزَّلعيِّ" حيث ذكَرَ: أنَّ الزِّيادةَ لا تصحُّ إلخ) يُحمَلُ كلامُهُ مِن صحَّةِ الزِّيادةِ بعدَ
الهلاكِ على روايةِ "النّوادر"، ويدلُّ على هذا الحملِ ما ذكرَهُ أوَّلاً.
(١) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٢/٣.
(٢) "ح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٢٩٦/أ.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوّل إلخ ١٤٤/٦.
(٤) "النهر": كتاب البيع - باب التولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ق ٣٩٣/أ.
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية ٢٥٧/١.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب التولية - فصلٌ: صحَّ بيع العقار قبل قبضه ٨٤/٤ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
١٧٦
قسم المعاملات
بخلاف ما لو أَجَّرَ، أو رَهَنَ، أو جَعَلَ الحديدَ سَيْفاً، أو ذَبَحَ الشّةَ؛ لقيامِ الاسمِ والصُّورةِ
وبعضِ المنافع)). (و) صَحَّ (الخَطَّ مِنه) ولو بعدَ هلاكِ المبيعِ وقَبْضِ الثَّمن. (و) الزِّيادةُ
والحَطُّ (يَتَحِقان بأصلِ العَقْدِ)
أو كاتبَهُ، أو دَبَّرَهُ، أو استولَدَ الأَمَةَ، أو تخمَّرَ العصيرُ، أو أخرَجَهُ عن مِلْكِهِ ثُمَّ زادَ عليه جاز عند
"أبي حنيفة" خلافاً لهما، وعلى هذا الخلافِ الزِّيادةُ في مهرِ المرأةِ بعدَ موتها)) اهـ، فليُتْأمَّلْ.
[٢٤١٩٦] (قولُهُ: بخلاف ما لو أَجَّرَ) وكذا لو خاطَ الثَّوبَ، أو قُطِعَتْ يدُ العبدِ وأخَذَ
المشتري الأَرْشَ، "فتح" (١).
[٢٤١٩٧] (قولُهُ: لقيامِ الاسمِ والصُّورةِ) أي: في غيرِ جَعْلِ الحديدِ سَيْفاً، فإنَّ الصُّورةَ تبدَّلَتْ
فيه، "ط" (٢).
[٢٤١٩٨] (قولُهُ: وصَحَّ الحَطُّ مِنه) أي: مِن الَّمنِ، وكذا مِن رأسِ مالِ السَّلَمِ والْمُسلَمِ فيه
كما هو صريحُ كلامِهم، "رمليّ" على "المنح".
[٢٤١٩٩) (قولُهُ: وقَبْضِ الثَّمن) بالجرِّ عطفاً على ((هلاكِ))، وسيأتي(٣) بيانُ الحَطّ بعدَ قَبْضِ
الثَّمنِ عندَ قولِهِ: (ويصحُّ الحَّطُّ مِن المبيعِ إلخ)).
[٢٤٢٠٠) (قولُهُ: يَلْتَحِقان بأصلِ العَقْدِ) هذا لو الحَطُّ مِن غيرِ الوكيلِ، ففي شُفْعة "الخانَّة"(٤).
((الوكيلُ بالبيعِ إذا باعَ الدّارَ بألفٍ ثمَّ حَطَّ عن المشتري مائةً صَحَّ وضَمِنَ المائةَ للآمِرِ، وبَرِىَ المشتري
عنها، ويأخذُ الشَّفيعُ الدّارَ بالألفِ؛ لأنَّ حَطَّ الوكيلِ لا يَلْتَحِقُ بأصلِ العَقْد)).
(قولُهُ: وكذا لو خاطَ الّوبَ إلخ) أي: مِن غيرٍ قَطْعٍ، وإلاّ فبالخياطةِ معه ينقطعُ حَقُّ المالكِ فِي الغَصْبِ، وذَكَرَ
في "البحر" مِن المواضعِ التي تصحُّ زيادةُ الَّمنِ فيها: ((ما لو كان المبيعُ كِرْباسً فخاطَهُ خريطةً مِن غيرِ أنْ يقطعَهُ)).
(قولُ "الشّارح": ولو بعدَ هلاكِ المبيعِ إلخ) لأنَّ الحَطَّ إسقاطٌ محضرٌ، فلا يُشترَطُ لصحَّتِهِ قيامُ العَقْد، "زيلعيّ".
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل: ومن اشترى شيئاً مما ينقل ويحوَّل إلخ ١٤٤/٦ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب البيوع - باب المرابحة والتولية - فصل في التصرف في المبيع والثمن إلخ ١٠٢/٣.
(٣) ص ١٨١ - "در".
(٤) "الخانية": كتاب الشفعة - فصلٌ في ترتيب الشفعاء ٥٤٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").