النص المفهرس
صفحات 561-580
الجزء الرابع عشر
٥٥٩
باب البیع الفاسد
(أو قِنِّ غيرِهِ، ومِلكٍ ضُمَّ إلى وَقْفٍ) غيرِ المسجدِ العامِرِ فإنَّه كالحُرِّ، بخلافِ الغامِرِ
- بالُعجَمَةِ - الخَرابِ(١) فكمُدَبَّرِ، "أشباه"(٢) مِن قاعدةٍ: إذا اجتَمَعَ الحرامُ والحلالُ ..
جَمِيعَ الدّارِ بِثَمَنِ معلومٍ، فإِنَّه يَصِحُّ على الأصحِّ بحصَّةٍ شَرِيكِهِ مِن الثَّمَنِ، وهي حادثةُ الفَتْوى،
فلتُحفَظْ. وأَصرَحُ مِن ذلك ما سيأتي(٣) في المرابحةِ في مسألةِ شراءِ رَبِّ المالِ مِن المُضارِبِ مع
أنَّ الكُلَّ مَالُهُ.
/٢٣٣٠٩] (قولُهُ: أو قِنِّ غيرِهِ) معطوفٌ على ((مُدَبَّرٍ)).
/٢٣٣١٠] (قولُهُ: فإنَّه) أي: المسجدَ العامرَ.
٢٣٣١١١) (قولُهُ: بخلافِ الغامِرِ - بالمُعجَمَةِ - الخَرَابِ) يحرِّ ((الخَرابِ)) على أَنَّه بدلٌ مِن
(الغامِرِ))، وكان الأَولى أنْ يقولَ: وغيرِهِ، أي: مِن سائرِ الأوقافِ.
وحاصلُهُ: أنَّ المسجدَ قبلَ حَرَابِهِ كالحُرِّ ليس بمالٍ مِن كُلِّ وَجهٍ، بخلافِهِ بعدَ خَرابِهِ؛
الجوازِ بَيْعِهِ إذا خَرِبَ في أحدِ القولينِ، فصار مُحتهَداً فيه كالمُدَّرِ، فَيَصِحُّ بَيْعُ ما ضُمَّ إليه،
ومثلُهُ سائرُ الأوقافِ ولو عامِرَةً، فإنَّه يجوزُ بَيْعُها عندَ الحنابلةِ(٤) لِيُشتَرَى بِثَمَنِها ما هو خَيْرٌ
مِنها كما في "المعراج".
مطلبٌ فِي بُطلانِ بَيْعِ الوَقفِ وصحَّةِ بَيْعِ المِلكِ المضمومِ إليه
[٢٣٣١٢] (قولُهُ: فكمُدٍَّ) أي: فهو باطِلٌ أيضاً، قال في "الشُّر ◌ُلالَةِ "(٥): ((صَرَّحَ - رحمهُ اللهُ
تَعالى - بُطْلانِ بَيْعِ الوَقفِ، وأحسَنَ بذلك إذ جعَلَهُ في قِسْمِ البَيعِ الباطِلِ؛ إذ لا خلافَ
(قولُهُ: أي: فهو باطلٌ أيضاً) لكنَّ المرادَ لـ "الشّارحِ": أنَّ المسجدَ الغامِرَ حُكمُهُ كالمُدَّرِ مِن جهةِ أنَّ بَيْعَهُ
مُحْتَهَدٌ فيه، فإذا ضُمَّ إلى مِلكِ في البَيعِ لا يَبطُلُ في المِلكِ كما إذا ضُمَّ إلى مُدٍَّ فيه.
(١) ((الخراب)) ساقطة من "ط".
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية، القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام صـ١٢٦ -.
(٣) المقولة [٢٤٠٦٥] قوله: ((وكذا عكسُهُ)).
(٤) انظر "المغني" لابن قدامة: ٦٠٥/٧ وما بعدها.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٩/٢ (هامش "الدرر والغرر").
حاشية ابن عابدين
٥٦٠
قسم المعاملات
(ولو محكُوماً به) في الأصحِّ، خِلافً لِمَا أَفَتَى به المنلا "أبو السُّعود "،.
فِي بُطْلانِ بَيْعِ الوَقفِ؛ لأَنَّه لا يَقبَلُ التَّمليكَ والتَّمُلُّكَ، وَلِطَ مَن جَعَلَهُ فاسِداً وأَقْتَى به مِن عُلَماءِ
القَرْنِ العاشِ، ورُدَّ كلامُهُ مُجُملةِ رسائلَ، ولنا فيه رسالةٌ هي "حسامُ الْحُكّامِ"(١) مُتضمِّنَةٌ لبيانٍ
فسادٍ قولِهِ وبُطلانِ فَتْوَاهُ)) اهـ. والغالِطُ المذكورُ هو قاضي القضاةِ "نورُ الدِّينِ الطَّرابُسيُّ"(٢)
والعلاَّمةُ "أحمدُ بنُ يُونُسَ الشَّلْبِيُّ) (٣) كما ذكَرَهُ "الشُّرُ بلاليُّ" في "رسالتِهِ" المذكورةِ.
(٢٣٣١٣) (قولُهُ: ولو محكُوماً به إلخ) قال في "النَّهِ (٤): ((تكميلٌ: قد عَلِمْتَ أنَّ الأصحّ
في الجَمْعِ بِينَ الوَقْفِ والمِلكِ أنَّه يَصِحُّ في المِلكِ، وقَّدَهُ بعضُ مَوالي الرُّومِ - هو مولانا "أبو
السُّعودِ" جامعُ أشتاتِ العُلُومِ تغمَّدَهُ اللهُ تعالى برضوانِهِ - بما إذا لم يُحكَمْ بُزُومِهِ؛ فَأَفَتَى بفسادٍ
البيعِ في هذهِ الصُّورةِ، ووافَقَهُ بعضُ عُلَماءِ العصرِ مِن المصرِيِّينَ، ومِنهم شيخُنا "الأَخُ"(٥)، إلّ
أَنَّه قال في "شرحِهِ"(٦) هنا: يَرِدُ عليه ما صرَّحَ به "قاضي خان"(٧) مِن أنَّ الوَقْفَ بعدَ القضاءِ
(قولُهُ: إلّ أَنَّه قال في "شرحِهِ" هنا: يَرِدُ عليه ما صرَّحَ به "قاضيخان" مِن أنَّ الوَقْفَ إلخ) قال في
"حاشيةِ البحرِ" نقلاً عن "الرَّمليّ": ((يمكنُ حَمْلُ القضاءِ في كلام "قاضيخان" على القضاءِ بِصِحَّتِهِ لا بُلُزُومِهِ،
(١) رسالة "حسام الحكّام المحقّين لصدِّ البغاة المعتدين عن أوقاف المسلمين". انظر "إيضاح المكنون" ٤٠٢/١.
(٢) هو من علماء القرن العاشر، أخذ عنه الفقة جماعةٌ منهم الشيخ بشر المصري (ت بعد ٩٦٠هـ) والشيخ حسن السُّهاوي
المصري، والشيخ محمد الإمام المصري (توفي بعد ٩٩٣هـ)، وحَضَرَ جنازةً الشيخ محمد أبي السعود الجارحي المصري
(ت٩٢٩هـ). وتقدم [٢١٨٨٢] أن الشلبي أحمد بن يونس (ت٩٤٧هـ) تلميذه. وانظر "الكواكب السائرة" ٤٩/١،
١٢٨/٢، ١٤٣،٨٢/٣.
(٣) لم نعثر عليها في "حاشية الشِّلْبِيّ" على "تبيين الحقائق".
(٤) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٦/أ.
(٥) "فتاوى ابن نجيم": كتاب البيع صـ ١٠٢- (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٨/٦ بتصرف.
(٧) "الخانية": كتاب الدعوى والبينات - باب ما يبطل دعوى المدعي قبل القضاء أو بعده ٤٤١/٢ (هامش "الفتاوى
الهندية").
الجزء الرابع عشر
٥٦١
باب البيع الفاسد
فَيَصِحُّ بحِصَّتِهِ في القِنِّ وعبدِهِ والمِلكِ؛ لأَنَّها مالٌ في الجملةِ، ولو باعَ قَرِيةً ولم
يَستَثْنِ المساجدَ والمقابرَ.
تُسمَعُ دَعْوى المِلكِ فيه، وليس هو كالحُرِّ، بدليلِ أَنَّه لو ضُمَّ إلى مِلْكٍ لا يَفْسُهُ(١) البَيعُ في المِلكِ،
وهكذا في "الظَّهيريَّةِ"(٢)، وهذا لا يُمكِنُ تأويلُهُ، فَوَحَبَ الرُّجُوعُ(٣) إلى الحَقِّ وهو إطلاقُ الوَقْفِ؛
لأَنَّه بعدَ القَضاءِ وإِنْ صار لازِماً بالإجماعِ لكنَّهُ يَقبَلُ البَيعَ بعدَ لُزُومِهِ إمّا بشرطِ الاستِدالِ على
المُغْتَى به مِن قولِ "أبي يوسف"، أو بوُرُودٍ غَصبٍ عليه ولا يُمكِّنُ انتزاعُهُ ونحوِ ذلك، واللهُ المُوفّقُ
للصَّوَابِ، وإليه الَرجِعُ والمآبُ)) اهـ.
١٠٤/٤
والحاصلُ: أنَّ ها هنا مسألتينِ:
الأُولى: أنَّ بَيْعَ الوَقفِ باطِلٌ ولو غيرَ مسجدٍ خلافاً لِمَنِ أفْتَى بفسادِهِ، لكنَّ المسجدَ
العامِرَ كالحُرِّ وغيرَهُ كالمُدَّرِ.
المسألةُ الثّانيةُ: أَنَّه إذا كان كالُدَبَّرِ يكونُ بَيْعُ ما ضُمَّ إليه صحيحاً ولو كان الوَقفُ
محكوماً بُزُومِهِ، خِلافً لِما أفتى به المُفتي "أبو السُّعود".
[٢٣٣١٤) (قولُهُ: فَيَصِحُّ) تفريعٌ على قولِ "المصنّفِ": ((فَيَصِحُّ إلخ)) على وَجِهِ الَّرتيبِ.
[٢٣٣١٥] (قولُهُ: لأَنّها) أي: المدَّرَ وقِنَّ الغيرِ والوَقفَ.
فلا يَرِدُ ما أفَتَى بِهِ مفتي الروم. قلتُ: هو مُطلَقٌ، فُحمَلُ على الكاملِ، وهو القضاءُ بُلُزُومِهِ، ولأنَّ فِي حَمْلِهِ
على القضاءِ بُزُومِهِ فائدةً، بخلافٍ حَمْلِهِ على القضاءِ بالصِّحَّةِ، فإِنَّه لا فائدةً فيه؛ لأَنَّه صحيحٌ بدوِهِ)) اهـ.
(قولُهُ: تفريعٌ على قولِ "المصنّفِ": فَيَصِحُّ إلخ على وَجِهِ التِّرتيبِ) الأنسَبُ أَنَّ يقولُ: تفريعٌ على
قولهِ: ((بخلافٍ قِنِّ ضُمَّ إلخ))(٤)، وقولُهُ: ((فَيَصِحُّ إلخ)) تفريعٌ على وَجهِ إلخ.
(١) في "٢": ((إلى مِلْكِ الغَيرِ لا يَفْسُدُ)).
(٢) "الظهيرية": كتاب الدعاوي والبينات - الفصل الثالث في بيان ما يقع به التناقض وتندفع به الدعوى ق ٣٠٩/آ - ب.
(٣) في "آ": ((الرجوع عنه إلى)).
(٤) عبارة "الدُّرّ": ((بخلافٍ بَيْعِ قِنٌّ ضُمَّ)).
حاشية ابن عابدين
٥٦٢
قسم المعاملات
لم يَصِحَّ، "عينيّ"(١). (كما بَطَلَ بَيْعُ صَبِيٌّ لا يَعقِلُ ومجنونٍ) شيئاً، وبَولِ (ورَجِيعِ
آدميٌّ لم يَغْلِبْ عليه التّرابُ)
[ ٢٣٣١٦) (قولُهُ: لم يَصِحَّ) لِما مَرَّ (٢) مِن أنَّ المسجدَ العامِرَ كالحُرِّ؛ فَبطُلُ بَيْعُ مَا ضُمَّ
إليه، لكنْ نقَلَ في "البحرِ"(٣) عن "المحيطِ": ((أَنَّ الأصحَّ الصِّحَّةُ في المِلكِ؛ لأنَّ ما فيها مِن
المساجدِ والمقابرِ مُستَثَنَّى عادةً)) اهـ، أي: فلم يُوجَدْ ضَمُّ المِلكِ إلى المسجدِ، بل البَيعُ واقِعٌ
على المِلكِ وحدَهُ.
[٢٣٣١٧] (قولُهُ: لا يَعقِلُ) قَّدَ به لأنَّ الصَّبيَّ العاقِلَ إذا باعَ أو اشتَرَى انعَقَدَ بَيْعُهُ وشراؤُهُ
موقوفاً على إجازةٍ وَلِيِّهِ إنْ كان لنفسِهِ، ونافِذًا بلا عُهْدٍ عليه إنْ كان لغيرِهِ بطريقِ الوكالة(٤)،
"ط"(٥) عن "المنحِ"(٦). وهذا إذا باعَ الصَّبيُّ العاقلُ مالَهُ أو اشتَرَى بِدُونٍ غَبنِ فَاحِشٍ، [٣/ ق٧/٦٧]
وإلّ لم يَتَوقَّفْ؛ لأَنَّه حينئذٍ لا يَصِحُّ مِن وليِّهِ عليه كما يأتي(٧)، فلا يَصِحُّ مِنه بالأَولى.
[٢٣٣١٨] (قولُهُ: شيئاً) قدَّرَهُ للإشارة إلى أنَّ الإضافةَ في بَيْعِ صَبيَّ مِن إضافةِ المصدرِ إلى
فاعلِهِ، "ط" (٨).
(قولُهُ: بطريقِ الولاية إلخ) عبارةُ "ط": ((الوكالة)).
(١) "رمز الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٣٠/٢.
(٢) المقولة [٢٣٣١٠] قوله: ((فإنه)).
(٣) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٨/٦.
(٤) في النسخ جميعها: ((الولاية))، وما أثبتناه من "ط" و"المنح" هو الصوابُ؛ حيث إنَّ الفرض أنه باع أو اشترى
لغيره لا لنفسه، فلا معنى للولاية، وقد أشار الرافعي إلى ذلك.
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٦/٣.
(٦) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق ١٥/أ.
(٧) المقولة [٢٣٧٧١] قوله: ((بخلاف ما لو طلق مثلاً)).
(٨) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٦/٣.
الجزء الرابع عشر
٥٦٣
باب البيع الفاسد
فلو مغلوباً به جازَ(١) كسِرْقِينِ وَبَعْرٍ، واكتَفَى في "البحرِ" بُمجرَّدٍ خَلْطِهِ بترابٍ
(وشَعْرِ الإنسانِ) لكرامةِ الآدميِّ ولو كافراً،
[٢٣٣١٩] (قولُهُ: جازَ) أي: بَيْعُهُ، "ط"(٢).
٢٣٣٢٠١] (قولُهُ: كسِرْقِينٍ وبَعْرٍ) في "القاموس"(٣): ((السِّرْجِينُ والسِّرْقِينُ بكسرِهما:
مُعرَّبًا سَرْكِينٍ بالفتحِ))، وفسَّرَهُ في "المصباح"(٤) بالزِّبْلِ، قال "ط "(٥): ((والمرادُ أَنَّه يجوزُ
بَيْعُهما ولو خالِصَينِ)) اهـ. وفي "البحرِ"(٦) عن "السِّراجِ": ((ويجوزُ بَيْعُ السِّرْقِينِ وَالْبَعْرِ
والانتفاعُ به والوُقُودُ بِهِ)).
( ٢٣٣٢١) (قولُهُ: واكتَفَى في "البحرِ") حيث قال(٧) - كما نقَلَهُ عنه في "المنحِ"(٨) - :
((ولم يَنعقِدْ بَيْعُ النَّحْلِ ودُودِ القَرِّ إلّ تَبَعاً، ولا بَيْعُ العَذِرةِ خالِصَةً، بخلافٍ بَيْعِ السِّرْقِينِ
والمخلُوطةِ بترابٍ)) اهـ.
/٢٣٣٢٢] (قولُهُ: وشَعْرِ الإِنسانِ) ولا يجوزُ الانتفاعُ به؛ لحديثِ: ((لَعَنَ اللَّهُ الواصِلةَ
(قولُ "الشّارح": واكتَفَى في "البحرِ" إلخ) لكنْ بَحَمْلٍ إطلاقِ "البحرِ" على ما إذا غَلَبَ التُّرابُ تَزُولُ
المخالفةُ بِينَهُ وبينَ ما في "المصنّف" ، إلّ أنَّ ما ذكَرُوهُ في توجيهِ صِحَّةِ البَيعِ مع الخَلْطِ يُفيدُ إطلاقَ الجوازِ مِن أنَّ
جوازَ البيعِ يَتْبَعُ حِلَّ الانتفاعِ، وبالخَلْطِ يَحِلُّ الانتفاعُ به.
(١) في هامش "م": ((قولُ "الشَّارحِ": فلو مغلوباً به جازَ)) فيه: أنَّ العَذِرَةَ وَحدَها والتَّرابَ وحدَهُ لَيسا بمال، فكيف
حدثتِ المالِيَّةُ باجتماعهما؟ قلتُ: إنَّ جوازَ البَيعِ يَتَبَعِ حِلَّ الانتفاعِ، وبالخَلطِ يَحِلُّ الانتفاعُ وبِدُونِهِ لا. اهـ "ط".
(٢) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٦/٣.
(٣) "القاموس": مادة ((سرجن))، وانظر مادة ((سرق)).
(٤) "المصباح": مادة ((سرج)).
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٦/٣.
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٧٧/٦.
(٧) "البحر": كتاب البيع ٢٨٠/٥.
(٨) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق ١٥/أ.
حاشية ابن عابدين
٥٦٤
قسم المعاملات
والمستوصِلةَ)(١)، وإنَّما يُرخَّصُ(٢) فيما يُتَّخَذُ مِن الوَبَرِ، فَيَزِيدُ فِي قُرُونِ النّساءِ وَذَوائِهنَّ،
(١) روى عَمرُو بنُ مرة وإبراهيمُ بنُ نافعٍ وأبان بنُ صالح، كلُّهُم عن الحسنِ بن مُسلم بنِ يَنَّق عن صفيةً بنتِ شيبةً
عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ جاريةً من الأنصار تزَوَّجتْ، وأنها مَرِضَتْ فتمعَّطَ شَعرها، فأرادوا أن يصلوها،
فسألوا النبي ﴿ فقال: ((لَعَن الله الواصِلَة والمستَوصِلَة)).
أخرجه البخاري (٥٩٣٤) في اللباس باب وصلِ الشعر، ومسلم (٢١٢٣) في اللباس باب تحريم فعل الواصلة
والمستَوصِلة، والنَّسَائِيُّ في "المحتبى" ١٤٦/٨ في الزينة - المستوصلة، وأحمد ١١١/٦ و١١٦ و٢٢٨ و٢٣٤، والطيالسيّ في
"مسنده" (١٥٦٤)، وابنُ أبي شيبة ٧٦/٦ في اللباس والزينة - في واصلة الشعر، والبَغَوي في "الجعدِيَّات" (١١٤)،
والطحاوي في "بيان المشكل" (١١٢٩)، وابنُ حِبَّان (٥٥١٤) و(٥٥١٦)، والبيهقي في "الكبرى" ٤٢٦/٢.
وروى خَوَّات بنُ صالح عن عمَّتِه أمِّ عمرٍو بنت خَوَّات أنَّ امرأةً قالت لعائشة ... فذكرتْ نحوَ ما تقَدَّم إلاَّ أنَّه
مَوقُوفٌ على عائشةَ. أخرجه أحمد ١١٦/٦، والطّبرانيّ في "الأوسط" (٤٩٦٠)، و "الدعاء" (٢١٥٧).
وروى أبَانُ بنُ صَمعَة عن أمِّه عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ((نهى رسولُ اللهِ لَ﴿ه عن الوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوشِمَةِ،
والوَاصِلَة والمُستوصِلَة، والنَّامِصة والمُنمِّصة)). أخرجه أحمد ٢٥٧/٦، والنِّسَائي في "المجتبى" ١٤٧/٨، و"الكبرى"
(٩٣٨٣) و(٩٣٨٨)، والطبراني في "الدعاء" (٢١٦٠).
وروَتْ ذلك أمُّ نهار بنتُ دفّاعِ، حدثتني آمِنهُ [أو أُمَيَّة] بنتُ عبد الله عنْ عائِشةً نحوَه، وزادت: ((والقَاشِرة
والمقشورة)). أخرجه أحمد ٢٥٠/٦، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٤١٠)، والطبراني في "الدعاء" (٢١٥٨).
أمَّا شريك النَّخَعي فرواه عن هِشامٍ بنِ عروةً عن أبيه عن عائشةَ بهِ. أخرجه أحمد ١١١/٦، وكأنّه روى هذا
عن هِشَامٍ بَعدَ اختلاطه، فَقَد رواه أيضاً عن هِشَامٍ عن امرأتِه فاطمةَ بنتِ المنذر عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رضي
الله عنهما عن النبي ﴿، وهو الصَّوَاب عن هِشام، وكذلك رواه الأئمةُ عنه؛ شُعبة ووكِيع وسفْيَان بن عُيينة
ومَعمَر وأبو مُعَاوية وعَبْدَة بن سُليمَان وعبد الله بن نُمير ويحيى بن سَالم وأنس بن عياض وغيرهم.
أخرجه البخاري (٥٩٣٦) و(٥٩٤١) باب الموصولة، ومسلم باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (٢١٢٢)، والنَّسَائي في
"المجتبى" ١٤٥/٨، و"الكبرى" (٩٣٧٤) في الزينة - الواصلة، وابنُ ماجَه (١٩٨٨) في النكاح باب الواصلة والواشمة، وأحمد
١١١/٦، والشافعي في "مسنده" ١٨٧/٢، والحميدي (٣٢١)، وعبدُ الرزاق (٥٠٩٧)، وابنُ أبي شيبة ٧٥/٦ في اللباس
والزينة - في واصلة الشعر، والبَغَوي في "الجعديات" (١٥٩٨) و(٢٢٩٨)، والطحاوي في "بيان المشكل" (١١٣٠) و(١١٣١)،
والطبراني في "الكبير" ٣٠٦/٢٤ - ٣١١)، وفي "الدعاء" (٢١٦٢ - ٢١٦٦)، و"الأوسط" (٨٦٨٨)، والبيهقي في "السنن"
٤٢٦/٢.
وكذلك رواه ابنُ إسحاق عن فاطمةً عن أسماءَ بهِ. أخرجه الطحاوي في "بيان المشكل" (١١٣٢)، والطبراني
٢٤/(٣٤٧ - ٣٤٩)، و"الدعاء" (٢١٦٧)، وأكثر المحققين على صحة سماع ابن إسحاق من فاطمة بنت المنذر.
وفي الباب عن ابنِ عمرَ وجَابٍ ومُعاويةَ وأبي هريرةَ وابنِ عباسٍ وأبي أُمَامَةَ رضي الله عنهم.
(٢) في هامش "م": ((قولُهُ: وإنَّما يُرّخَّصُ إلخ)) كالاستثناءِ مِنَ الحديثِ؛ إذ ظاهرُهُ عُمومُ اللَّعنةِ للواصلَةِ والْمُستَوصلَةِ،
فاستَثنى منهُ الواصلةَ بما يُتَّخَذُ من وبَرِ الإِبلِ فإنّه جائِزٌ اهـ.
الجزء الرابع عشر
٥٦٥
باب البيع الفاسد
ذكَرَهُ "المصنّفُ" وغيرُهُ في بحثِ شَعْرِ الخِنْزِيرِ (وبَيْعُ ما ليس في مِلكِهِ).
"هداية"(١).
(فرعٌ)
لو أَخَذَ شَعْرَ النَّبِيِّ :﴿ مِمَّن عندَهُ وأعطاهُ هديَّةً عظيمةً لا على وَجْهِ البَيعِ فلا بأسَ
بِهِ، "سائِحانيّ" عن "الفتاوى الهنديَّة"(٢).
مطلبٌ: الآدميُّ مُكرَّمٌ شَرْعاً ولو كافراً
[٢٣٣٢٣] (قولُهُ: ذكَرَهُ "المصنّفُ") حيث قال(٣): ((والآدميُّ مُكرَّمٌ شَرْعاً وإنْ كان
كافراً، فإيرادُ العَقْدِ عليه وابتِذالُهُ به وإِلحاقُهُ بالجماداتِ إذلالٌ له)) اهـ، أي: وهو غيرُ
جائزٍ، وبعضُهُ فِي حُكمِهِ، وصَرَّحَ في "فتحِ القديرِ"(٤) يُبُطْلَانِهِ، "ط " (٥).
قلتُ: وفيه أنَّه يجوزُ استِرقاقُ الحَربِيِّ وبَيْعُهُ وشِراؤُهُ وإِذْ أسلَمَ بعدَ الاسترقاقِ، إلّ
أنْ يُجابَ بأنَّ المرادَ تكريمُ صُورَتِهِ وخِلْقِتِهِ، ولذا لم يَحُزْ كَسْرُ عِظامٍ مَيْتٍ كافٍ، وليس ذلك
مَحَلَّ الاسترقاقِ والبَيعِ والشّراءِ، بل مَحُّهُ الَّمْسُ الحَيَوانِيَّةُ؛ فلذا لا يَمِلِكُ بَيْعَ لَبَنِ أَمَّتِهِ في ظاهرِ
الرِّوايةِ كما سيأتي(٦)، فليُتْأمَّلُ.
[٢٣٣٢٤) (قولُهُ: وَبَيْعُ ما ليس في مِلكِهِ) فيه أنَّه يَشمَلُ بَيْعَ مِلكِ الغيرِ بوكالةٍ
أو بدُونِها، مع أنَّ الأوَّلَ صحيحٌ نافِذٌ والثّانيَ صحيحٌ موقوفٌ، وقد يُحابُ بأنَّ المرادَ
بَيْعُ مَا سَيَمِلِكُهُ قبلَ مِلكِهِ له، ثمَّ رأيتُهُ كذلك في "الفتحِ"(٧) في أوَّلِ فصلٍ بَيْعِ الغُضُوليِّ،
(١) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٦/٣.
(٢) "الفتاوى الهندية": كتاب البيوع - الباب التاسع فيما يجوز بيعه وما لا يجوز فيه - الفصل الخامس في بيع المحرم
الصيد وفي بيع المحرمات ١١٦/٣، نقلاً عن "السراجية".
(٣) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق ١٥/أ.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٣/٦.
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٦/٣.
(٦) المقولة [٢٣٤٤٠] قوله: ((على الأَظْهَرِ)).
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - فصل في بيع الفضولي ١٨٨/٦.
حاشية ابن عابدين
٥٦٦
قسم المعاملات
لُطلانِ بَيْعِ المعدومِ وما له خَطَرُ العَدَمِ (لا بطريقِ السَّلَمِ) فإنّه صحيحٌ؛ لأنّه عليه
الصَّلاةُ والسَّلامُ (نَهَى عن بَيْعِ ما ليس عندَ الإنسانِ، وَرَحْصَ فِي السَّلَمِ) (١).
(و) بَطَلَ (بَيْعٌ صُرِّحَ بِنَفْىِ الثَّمَنِ فيه).
وذكَرَ (٢): ((أنَّ سببَ النَّهيِ في الحديثِ(٣) ذلك)).
٢٣٣٢٥١ ] (قولُهُ: لِبُطلانٍ بَيْعِ المعدومِ) إذ مِن شَرْطِ المعقُودِ عليه أنْ يكونَ موجوداً مالاً مُتقوِّماً
مَملُوكاً في نفسِهِ، وأنْ يكونَ مِلكَ البائعِ فيما يَبِيعُهُ لنفسِهِ، وأنْ يكونَ مَقدُورَ الَّسليمِ، "منح"(٤).
/٢٣٣٢٦] (قولُهُ: وما له خَطَرُ العَدَم) كالحَمْلِ وَاللَّبَنِ في الضَّرعِ(٥)، فإِنَّه على
احتِمالِ عدمِ الوُجودِ، وأمّا بَيْعُ نِتاجِ النّاجِ فهو مِن أمثلةِ المعدُومِ، فافهمْ.
٢٣٣٢٧١ ] (قولُهُ: لا بطريقِ السَّلَمِ) فلو بطريقِ السَّلَمِ جازَ، وكذا لو باعَ ما غَصَبَهُ
ثُمَّ أَدَّى ضَمانَهُ كما قدَّمناهُ(٦) أوَّلَ الْبُوعِ.
(قولُهُ: وذكَرَ: أنَّ سببَ الّهي في الحديثِ ذلك) الأَولى أنْ يقولَ: يُفيدُ ذلك، كما هو عبارةُ "الفتح"، وذلك
أنّه في "الفتح" قال: ((وقال "الشّافعيُّ": لا يَنعقِدُ، أي: بَيْعُ الفُضُولِيِّ؛ لأَنَّه لم يَصدُرْ عن ولايةٍ شرعيَّةٍ؛ لأَنّها بالمِلكِ
أو إِذْنِ المالكِ وقد فُقِدا، ولا انعقادَ إلّ بالقدرةِ الشَّرْعَّةِ، فصار كبيْعِ الآبِقِ والطّيرِ في الهواءِ في عدمِ القدرة على
الّسليمِ، وطلاقِ الصَّيِّ العاقلِ في عدمِ الولايةِ، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لحكيمٍ بِنِ حِزامٍ: (لا تَبَعْ ما ليس عندَكَ)).
قلنا: المرادُ البَيْعُ الذي تَجِي فِيه الْمُطالَبةُ مِن الطَرفَينِ وهو الّافِذُ، والمرادُ أَنَّه يَبِيعُهُ ثُمَّ يَشْتَرِيِهِ فُسلّمُهُ بحُكمٍ ذلك
العَقْدِ)). ثمَّ قال: ((وسببُ النَّهْيِ يُفيدُ هذا، وهو قولُ حكيمٍ:(يا رسولَ الله، إنَّالرَّجُلَ يأتيني فَيَطُلُبُ مِنِي سِلْعَةً
ليسَتْ عندي فَأَبِيعُها مِنه، ثمَّ أدخُلُ السُّوقَ فَأَشتَرِيها فأُسلِّمُها)، فقال: (لا تَبِعْ ما ليس عندَكَ)))) اهـ.
(١) تقدم تخريجه في المقولة [٢٢٥٠٥].
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - فصل في بيع الفضولي ١٨٨/٦.
(٣) أي: المتقدم في المقولة [٢٣٣٢٢] قوله: ((وشعرِ الإنسانِ)).
(٤) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق ١٥/ب.
(٥) في هامش "م": ((قوله: واللَّبَنِ في الضَّرعِ)) أي: وكذا التَّمرُ والزَّرِعُ قبلَ الظُّهورِ، والبِزِرُ في البِطّيخِ، والّوى في
الّمرِ، واللّحمُ في الشَّةِ الحَّةِ، والشَّحمُ والآليةُ فيها، وأكارعُها ورأسُها، والشِّيرَجُ في السِّمسِمِ. اهـ "ط".
(٦) المقولة [٢٢١٨٧] قوله: ((وشَرطُهُ: أَهلِيَّةُ المتعاقِدَينِ)).
الجزء الرابع عشر
٥٦٧
باب البيع الفاسد
لانعِدامِ الرُّكنِ وهو المالُ.
(و) البَيعُ الباطِلُ (حُكمُهُ عَدَمُ مِلْكِ المشتري إيّاهُ) إذا قَبَضَهُ (فلا ضمانَ لو هَلَكَ)
المبيعُ (عندَهُ) لأنَّه أمانةٌ، وصحَّحَ في "القنيةِ"(١) ضَمانَهُ، قيل: وعليه الفتوى،
[٢٣٣٢٨) (قولُهُ: لا نعِدامِ الرُّكنِ وهو المالُ) أي: مِن أحدِ الجانبَينِ، فلم يكنْ بَيْعاً،
وقيل: يَنعقِدُ؛ لأنَّ نَفْيُهُ لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ نَفْيُ العَقْدِ، فصار كأَنَّه سَكَتَ عن ذِكْرِ الثَّمَنِ، وفيه
يَنْعَقِّدُ الْبَيعُ ويَتْبُتُ المِلكُ بِالقَبْضِ كما يأتي قريباً، أفادَهُ في "الدُّرر)"(٢).
١ ٢٣٣٢٩] (قولُهُ: لأَنَّه أمانةٌ) وذلك لأنَّ العَقْدَ إذا بطَلَ بقيَ مُجرَّدُ القَبْضِ بِإِذْنِ المالِكِ،
وهو لا يُوجِبُ الضَّمانَ إلّ بالتَّعدِّي، "درر" (٢).
٢٣٣٣٠١] (قولُهُ: وصحَّحَ في "القنيةِ" ضَمانَهُ إلخ) قال في "الدُّرر)"(٢): ((وقيل: يكونُ
مضموناً؛ لأَنّه يصيرُ كالمقبوضِ على سَوْمِ الشّراءِ، وهو أنْ يُسمِّىَ الثَّمَنَ فيقولَ: اذهَبْ بهذا، فإنْ
رَضِيتَ به اشتريتَهُ بِما ذُكِرَ، أمّا إذا لم يُسَمِِّ فذهَبَ به فهلَكَ عندَهُ لا يَضمَنُ، نَصَّ عليه الفقيهُ
"أبو اللَّيثِ"(٣)، قيل: وعليه الفتوى، كذا في "العنايةِ"(٤))) اهـ. قال في "العَزْمَيَّة": ((الذي يَظهَرُ
مِن "شروح الهدايةِ"(٥) عَوْدُ الضَّمِيرَينِ في: ((عليه)) و((عليه)) إلى أنَّ حُكمَ المقبوضِ على
سَوْمِ الشِّراءِ ذلك تعويلاً على كلامِ "الفقيهِ"، إِلّ(٦) أنَّ القولَ الثّانيَ في مسألِنا مُرجَّحٌ على القولِ
(قولُهُ: إلّ أنَّ القولَ الثّانيَ في مسألِنا مُرجَّحٌ إلخ) لعلَّ أصل العبارة: لا أنَّ إلخ؛ ليُناسِبَ الاستدراكَ
بما قالَهُ "النّهر "، ولُنظَرْ عبارةُ "العَزْمِيَّة"، ثمَّ رأيتُ عبارةَ "العَزْميَّةِ" هكذا: ((لا أنَّ القولَ الثّانيَ في مسألتِنا
مُرجَّحٌ على القولِ الأَوَّلِ))، وفي بعضِ نُسَخِها: ((لأنَّ القولَ إلخ)).
(١) "القنية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد وأحكامه ق ١٠٤/أ.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٩/٢.
(٣) "عيون المسائل": المسألة (٦٧٩) ١٣٣/٢ بتصرف.
(٤) "العناية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٤/٦ (هامش "فتح القدير").
(٥) انظر "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٤/٦، و"البناية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٩٠/٧.
(٦) في "الأصل" و"آ" و"ك": ((لا أن))، وهو خطأ.
حاشية ابن عابدين
٥٦٨
قسم المعاملات
وفيها(١): ((َيْعُ الحَرْبِيِّ أباهُ أو ابنَهُ قيل: باطِلٌ، وقيل: فاسِدٌ))، وفي وَصاياها(٢): ((َبَيْعُ
الوَصِيِّ مالَ اليتيمِ بِغَيْنٍ فَاحِشٍ باطِلٌ، وقيل: فَاسِدٌ، ورُجِّحَ))، وفي "النَّتَفِ"(٣):
الأوَّلِ)) اهـ، لكنْ في "النَّهرِ"(٤): ((واختارَ "السَّرَخْسيُّ" (٥) وغيرُهُ أنْ (٦) يكونَ مَضْمُوناً
بالمِثْلِ أو بالقِيْمةِ؛ لأَنَّه لا يكونُ أَدَنَى حالاً مِن المقبوضِ على سَوْمِ الشِّراءِ، وهو قولُ
"الأئمَّةِ الثَّلاثة"، وفي "القنيةِ"(٧): أَنَّه الصَّحيحُ؛ لكونِهِ قَبَضَهُ لنفسِهِ، فَشَابَهَ الغَصْبَ،
وقيل: الأوَّلُ قولُ "أبي حنيفةً"، والثّاني قولُهُما))، وتمامُهُ فيه.
( ٢٣٣٣١) (قولُهُ: بغَبْنٍ فَاحِشٍ) المشهورُ في تفسيرِهِ أَنَّ ما لا يَدخُلُ تحتَ تَقْوِيمِ المُقَوِّمِينَ.
[٢٣٣٣٢] (قوله: ورُجِّحَ) رجَّحَهُ في "البحرِ"(٨) حيث قال: ((ينبغي أنْ يجريَ القَوْلانِ فِي بَيْعِ
الوَقْفِ المشرُوطِ استبدالُهُ أو الخرابِ الذي جازَ استبدالُهُ إذا بِيْعَ بِغَيْنٍ فَاحِشٍ، وينبغي ترجيحُ الثّاني
فيهما؛ لأَنَّه إذا مُلِكَ بِالقَبْضِ وَجَبَتْ قِيْمْتُهُ، فلا ضَرَرَ على اليتيمِ والوَقْفِ)) [٣/ ق٦٧ / ب] اهـ.
١٠٥/٤
قلتُ: وينبغي ترجيحُ الأوَّلِ حيث لَزِمَ الضَّرَرُ (٩)، بأنْ كان المشتري مُعلِساً أو مُماطِلاً، تأمَّلْ.
(١) نقول: نَقَلَ صاحبُ "النهر" هذه المسألةَ عن أوَّل سِيَرِ "القنية"، ولم نعثر عليها في "القنية" في كتاب السِّيَر ولا في
مظانّها الأخرى، على أنَّ صاحبَ "البحر" نَقَلَ هذه المسألة عن أوَّل سِيَرِ "اليتيمة" لا "القنية"، فليتأمَّل، انظر
"البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٧٨/٦، و"النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨١/أ.
(٢) "القنية": كتاب الوصايا - باب تصرُّف الأب والأم والوصيّ في مال الصغير ق ١٧٠/ب.
(٣) "النُّتف": العقود المسماة - عقود التمليك - عقد البيع - أنواع البيوع الفاسدة ٤٦٨/١ باختصار.
(٤) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٠/ب.
(٥) "شرح السِّير الكبير": باب شراء العبد الذي يؤخذ بالقيمة ١٣٧٤/٤ - ١٣٧٥.
(٦) في "الأصل" و"ك" و"أ": ((أنه)).
(٧) "القنية": كتاب البيوع - باب في أحكام البيوع الفاسدة ق ١٠٤/ب بتصرف.
(٨) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ١٠٠/٦.
(٩) في هامش"م": ((قوله: حيثُ لزمَ الضَّررُ)) أي: إذا تَبَّنَ لُومُ الضَّررِ بِإفلاسِ المشتري أو مَطْلِهِ؛ فَيَكونُ هذا تَقِيداً
لترجيحِ العلاَّمةِ صاحبِ "البحرِ" اهـ.
الجزء الرابع عشر
٥٦٩
باب البيع الفاسد
(َبَيْعُ المضطَرِّ وشِراؤُهُ فَاسِدٌ)).
(وفَسَدَ) بَيْعُ (ما سُكِتَ) أي: وقَعَ السُّكوتُ (فيه عن الثَّمَنِ) كَبَيْعِهِ بقِيْمِتِهِ (و) فَسَدَ
(بَيْعُ عَرْضٍ) هو المتاعُ القِيْمِيُّ، "ابن كمالٍ" (نخَمٍ
مطلبٌ: بَيْعُ الْمُضطرِّ وشِراؤُهُ فَاسِدٌ
(٢٣٣٣٣) (قولُهُ: بَيْعُ المضطَرِّ وشِراؤُهُ فَاسِدٌ) هو أنْ يُضطَرَّ الرَّجُلُ إلى طعامٍ أو شرابٍ
أو لِباسٍ أو غيرِها، ولا يَبِيعَها البائعُ إلّ بأكثرَ مِن ثَمَنِها بكثيرٍ، وكذلك في الشِّراءِ منه،
كذا في "المنحِ"(١). اهـ "ح"(٢). وفيه لَفٌّ ونَشْرٌ غيرُ مُرتَّبٍ؛ لأنَّ قولَهُ: ((وكذا في الشِّراءِ
مِنه)) - أي: مِن الْمُضطَرِّ - مِثالٌ لَبَيْعِ المُضطَرِّ، أي: بأنِ اضطُرَّ إلى بَيْعِ شيءٍ مِن مالِهِ ولم يَرْضَ
المشتري إلّ بشرائِهِ بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ. ومثالُهُ: ما لو ألزَمَهُ القاضي بَبْعِ مالِهِ لإيفاءِ دَيْنِهِ،
أو أُلزِمَ الدِّمِّيُّ بَيْعِ(٣) مُصحَفٍ أو عبدٍ مُسلِمٍ وتَحوِ ذلك، لكنْ سَيَذْكُرُ "المصِّغُْ(٤) في الإكراهِ:
(لو صادَرَهُ السُّلطانُ ولم يُعَيِّنْ بَيْعَ مالِهِ فباعَ صَحَّ))، قال "الشّارحُ" هناك(٤): ((والحِيْلةُ أنْ يقولَ:
مِن أين أُعطِي؟ فإذا قال الظّالِمُ: بِعْ كذا فقد صار مُكرَهاً فيه)) اهـ فأفادَ أَنَّه بُمُحرَّدِ المصادَرةِ لا
يكونُ مُكرَهً، بل يَصِحُّ بَيْعُهُ إِلَّ إذا أمَرَهُ بالبَيعِ مع أنَّه بدُونِ أَمْرٍ مُضطَرُّ إلى البَيعِ حيث لا يُمكِنُهُ
غيرُهُ، وقد يُجابُ بأنَّ هذا ليس فيه أنَّه باعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عن ثَمَنِ المثلِ، نعم العبارةُ مُطلَقَةٌ، فَيُمكِنُ
تقييدُها بأنّه إنَّما يَصِحُّ لو باعَ بَثَمَنِ المثلِ أو غَبْنٍ يسيرٍ توفيقاً بينَ العبارتينِ، فَتَأْمَّلْ.
مطلبٌ في البيعِ الفاسِدِ
[٢٣٣٣٤] (قولُهُ: وَفَسَدَ إلخ) شُروعٌ في البَيعِ الفاسِدِ بعدَ الفراغِ مِن الباطِلِ وحُكمِهِ.
[٢٣٣٣٥] (قولُهُ: ما سُكِتَ فيه عن الثَّمَنِ) لأَنَّ مُطلَقَ البيعِ يقتضي الْمُعاوَضَةَ، فإذا سَكَتَ
كان غَرَضُهُ القِيْمَةَ، فكأنَّه باعَ بَقِيْمُتِهِ، فِيَفسُدُ ولا يَبطُلُ، "درر"(٥)، أي: بخلاف ما إذا صرَّحَ
(١) "المنح": کتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق ١٥ /ب.
(٢) "ح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ق٢٨٨/ب.
(٣) في "ب": ((بيع)).
(٤) انظر الدر عند المقولة [٣٠٧٥٩] قوله: ((صادرَهُ السُّلطانُ)) وما بعدها.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٩/٢.
حاشية ابن عابدين
٥٧٠
قسم المعاملات
وعكسُهُ) فَيَنعقِدُ في العَرْضِ لا الَخَمرِ كما مَرَّ. (و) فَسَدَ (بَيْعُهُ) أي: العَرْضِ (بِأُمِّ
الولدِ والمكاَتَبِ والُدَبَّرِ، حَتّى لو تَقابَضا مَلَكَ الْمُشتري) للعَرْضِ (العَرْضَ) لِما مَرَّ
أَنّهم مالٌ في الجملةِ.
(و) فَسَدَ (بَيْعُ سَمَكٍ لم يُصَدْ) لو بالعَرْضِ، وإلّ فباطِلٌ لعدمِ المِلكِ،.
بَنَفْىِ الثَّمَنِ كما قدَّمَهُ(١) قريباً.
/٢٣٣٣٦] (قولُهُ: وعكسُهُ) أي: بَيْعُ الخَمرِ بِالعَرْضِ، بأنْ أدخَلَ الباءَ على العَرْضِ، فَيَنْعِقِدُ في
العَرْضِ، أي: لأَنَّ أمكْنَ اعتبارُ الخَمَرِ ثَمَناً وهي مالٌ في الجملةِ، بخلافٍ بَيْعِ العَرْضِ بدمٍ أو مَيْئَةٍ.
[٢٣٣٣٧] (قولُهُ: كما مَرَّ) أي: في قولِهِ(٢): ((وإنْ بِيعَتْ بَعَينِ كَعَرْضٍ بَطَلَ فِي الْخَمْرِ وَفَسَدَ
في العَرْضِ، فَيَمِلِكُهُ بِالقَبْضِ بِقِيْمِهِ))، وهذا في حَقِّ المُسِلِمِ كما قدَّمْنَاهُ(٣).
٢٣٣٣٨٩] (قولُهُ: مَلَّكَ الْمُشتري للعَرْضِ) قَّدَ به لأَنَّ الْمُشترِيَ لأُمِّ الولدِ وأَخَوَيها
لا يَمِلِكُهم بالقَبْضِ؛ لِبُطلانٍ بَيْعِهم بقاءً كما مَرَّ(٤).
٢٣٣٣٩٠] (قولُهُ: لِمَا مَرَّ(٥) أنَّهم مالٌ في الجملةِ) أي: فَيَدخُلُون في العَقْدِ، ولذا لا يَبطُلُ
العَقْدُ فيما ضُمَّ إلى واحدٍ مِنهم وِبِيْعَ مَعَهُمْ، ولو كانوا كالحُرِّ لبطَلَ كما في "الدُّرِ"(٦).
[٢٣٣٤٠ ] (قولُهُ: وَفَسَدَ بَيْعُ سَمَكٍ لم يُصَدْ لو بالعَرْضِ إلخ) ظاهرُهُ أنَّ الفاسِدَ بَيْعُ
السَّمَكِ وأَنَّه يُمَلَكُ بالقَبْضِ، وفيه أنَّ بَيْعَ ما ليس في مِلْكِهِ باطِلٌ كما تقدَّمَ(٧)؛ لأَنَّه بَيْعُ
المعدومِ، والمعدومُ ليس بمالٍ؛ فينبغي أنْ يكونَ بَيْعُهُ باطِلاً، وأنْ يكونَ الفاسِدُ هو بَيْعَ العَرْضِ؛
لأَنَّه مَبيعٌ مِن وَجٍْ وإنْ دَخَلَتْ عليه الباءُ، ويكونُ السَّمَكُ ثَمَناً، فيصيرُ كأَنَّه باعَ العَرْضَ
(١ ) صـ ٥٦٦ - "در"
(٢) صـ ٥٥٦ - "در".
(٣) المقولة [٢٣٣٠٢] قوله: ((بَطَلَ في الْخَمْرِ)).
(٤) صـ ٥٥٠ - وما بعدها "در".
(٥) صـ ٥٦١ - "در".
(٦) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٠/٢.
(٧) صـ ٥٦٥ - "در".
الجزء الرابع عشر
٥٧١
باب البيع الفاسد
"(صدر الشَّريعة" (أو صِيْدَ ثمَّ أُلقِيَ في مكانٍ لا يُؤخَذُ منه إلّ بحِيْلَةٍ) للعَجزِ عن
التَّسليمِ (وإنْ أُخِذَ بدُونِها صَحَّ) وله خِيارُ الرُّؤيةِ.
وسَكَتَ عن الثَّمَنِ أو باعَهُ بأمِّ الولدِ، بل يمكنُ أنْ يُقالَ: إِنَّ بَيْعَ العَرْضِ أيضاً باطِلٌ؛ لأنَّ
السَّمَكَ ليس بمالٍ، فيكونُ كَبَيْعِ العَرْضِ بَيْئَةٍ أو دمٍ، لكِنَّ جَعْلَهُ كأمِّ الولدِ أَظهَرُ؛ لأنّه
مالٌ في الجملةِ، فإنَّه لو صادَهُ بعدَهُ مَلَكَهُ، نعم هذا يَظْهَرُ لو باعَ سَمَكَةً بَعَيْنِها قبلَ
صَيْدِها، أمّا لو كانَتْ غيرَ مُعيّنةٍ ثُمَّ صادَ سَمَكَةً لم تَكُنْ عَيْنَ ما جُعِلَتْ ثَمَنَ العَرْضِ
حتّى يُقالَ: إنَّها مُلِكَتْ بالصَّيْدِ.
والحاصلُ: أَنَّه لو باعَ سَمَكَةً مُطلَقَةً بِعَرْضٍ ينبغي أنْ يكونَ البَيعُ باطِلاَّ مِن
الجانبَينِ، كَبَيْعِ مَيْنَةٍ بِعَرْضٍ أو عكسِهِ، ولو كانَت السَّمَكَةُ مُعَيَّنَةً بَطَلَ فيها؛ لأنَّها غيرُ
مَمُلُوكةٍ، وفَسَدَ فِي العَرْضِ؛ لأنَّ السَّمَكَةَ مالٌ فِي الْجُمْلَةِ، ومِثْلُها ما لو كان البَيعُ على
لحمٍ سَمَكٍ؛ لأَنَّه مِثليٌّ، ولو باعَها بدراهمَ بَطَلَ البَيعُ؛ لتعين كونِها مَبِيعةً وهي غيرُ
مَمُلُوكةٍ، هذا ما ظهَرَ لي في تقريرِ هذا المحلِّ، ولم أَرَ مَن تعرَّضَ لشيءٍ مِنه.
(٢٣٣٤١) (قولُهُ: "صدر الشَّريعة") حيث قال(١): ((السَّمَكُ(٢) الذي لم يُصَدْ ينبغي
أنْ يكونَ البَيعُ باطِلاً(٣) إذا كان بالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، ويكونَ فاسِداً إذا كان بالعَرْضِ؛
لأَنّه مالٌ غيرُ مُتَقَوِّمٍ؛ لأنَّ النَّقَوُّمَ بالإحرازِ والإِحرازُ مُنْتَفٍ)).
[٢٣٣٤٢) (قولُهُ: وله خِيارُ الرُّؤيةِ) ولا يُعتَدُّ بِرُؤَيتِهِ وهو في الماءِ؛ لأَنَّه يَتَفاوَتُ في
الماءِ وخارِجَهُ، "شُرُ نبلاليَّةً"(٤).
(١) "شرح الوقاية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧/٢ (هامش "كشف الحقائق").
(٢) في "م": ((ففي السمك)).
(٣) في "٢": ((باطلاً فيه)).
(٤) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٠/٢ (هامش "الدرر والغرر")، نقلاً عن "تبيين الحقائق".
حاشية ابن عابدين
٥٧٢
قسم المعاملات
(إلّ إذا دَخَلَ بنفسِهِ ولم يَسُدَّ مَدَخَلَهُ) فلو سَدَّهُ مَلَكَهُ(١)، ولم تَجُزْ إجارةُ بِرْكَةٍ ليُصادَ
مِنها السَّمَكُ، "بحر "(٢).
(٢٣٣٤٣) (قولُهُ: إلّ إذا دَخَلَ بنفسِهِ إلخ) استثناءٌ مُنقطِعٌ مِن قولِهِ: ((وإِنْ أُخِذَ بدُونِها
صَحَّ))، يعني: أَنَّه لو صِيْدَ فَأُلقِيَ في مكانٍ يُؤْخَذُ مِنه بدونِ حِيْلٍ كان صحيحاً، وأمّا إذا دَخَلَ
بنفسِهِ ولم يُسَدَّ مَدخَلُهُ يكونُ باطِلاً؛ لعدمِ المِلكِ بقرينةِ قولِهِ: ((فلو سَدَّهُ مَلَكَهُ))، فافهم.
٢٣٣٤٤٦] (قولُهُ: فلو سَدََّ مَلَكَهُ) أي: فَيَصِحُّ بَيْعُهُ إِنْ أمكَنَ أخْذُهُ بلا حِيْلةٍ، وإلّ فلا؛ لعدمِ
القُدرةِ على الَّسليمِ.
والحاصلُ - كما في "الفتح"(٣) -: ((أَنَّهُ إذا دخَلَ السَّمَكُ فِي حَظِيرةٍ فإمّا أنْ يُعِدَّها
لذلك أوْ لا، ففي الأوَّلِ يَملِكُهُ وليس لأحدٍ أَخْذُهُ، ثمَّ إِنْ أمكَنَ أخْذُهُ بلا حِيْلةٍ جازَ بَيْعُهُ؛
لأَنَّه مَمُلُوكٌ مقدورُ (٢/٦٨٥/٣) الَّسليمِ، وإلّ لم يَجُزْ؛ لعدمِ القُدرةِ على التَّسليمِ، وفي الثّاني
لا يَمِلِكُهُ، فلا يجوزُ بَيْعُهُ لعدمِ المِلكِ، إلاّ أنْ يَسُدَّ الْحَظِيرَةَ إذا دَخَلَ؛ فحينئذٍ يَمِلِكُهُ، ثمَّ إنْ
أمكَنَ أخْذُهُ بلا حِيْلةٍ جازَ بَيْعُهُ، وإلّ فلا. وإنْ لم يُعِدَّها لذلك لكنَّه أخَذَهُ وأرسَلَهُ فيها
مَلَكَهُ، فإنْ أمِكَنَ أخْذُهُ بلا حِيْلةٍ جازَ بَيْعُهُ؛ لأَنَّه مقدورُ التَّسليمِ، أو بِيْلةٍ لم يَجُزْ؛ لأَنَّه وإنْ
كان مَملُوكاً فليس مقدورَ النِّسليمِ)) اهـ.
مطلبٌ في حُكمٍ إيجارِ البِرَكِ للاصطِیادِ
[٢٣٣٤٥] (قولُهُ: ولم تَجُزْ إجارةُ بِركَةٍ إلخ) قال في "النَّهرِ"(٤): ((اعلَمْ أَنَّ فِي مِصْرَ
١٠٦/١ برَكاً صغيرةً كبِرْكَةِ الفَهّادَةِ تَجتمِعُ فيها الأسماكُ، هل تجوزُ إجارتُها لصَيْدِ السَّمَكِ مِنها؟
(١) في هامش "(": ((قولُ "الشَّارح": فلو سَدَّهُ مَلَكهُ)) أي: لأنَّ السَّدَّ فِعلٌ اختياريٌّ مُوجِبٌ للمِلْكِ، كما لو وَقِعَ في
شَبَكَتِهِ، وفي "شَرحِ الوافي": ((لا يجوز بَيْعُهُ؛ لأَنَّ السَّدَّ ليسَ بإحرازٍ، فصارَ كَطَيْرٍ وَقَعَ في بَيتِ إِنسانٍ فَسَدَّ البابَ
والكُوَّةَ، فَإِنَّه لا يَصيرُ محِزً له ما لم يَأْخُذْهُ)) اهـ. "ط" عَنْ "نوح أَفَندي".
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٩/٦.
(٤) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨١/أ، وفيه: ((اعلم أنَّ في المِصْرِ ... )).
الجزء الرابع عشر
٥٧٣
باب البیع الفاسد
...
نقَلَ في "البحرِ"(١) عن "الإيضاحِ" عدمَ جَوازِها، ونقَلَ أوَّلاً عن "أبي يوسفَ" في كتابٍ
"الخراج"(٢) عن "أبي الزِّنادِ" قال: ((كتبتُ إلى "عُمَرَ بنِ عبد العزيزِ(٣)" في بُحَيرةٍ يَجتمِعُ فيها
(قولُهُ: ونقَلَ أوَّلاً عن "أبي يوسفَ" في كتابِ "الخراجِ" عن "أبي الزِّنَادِ" إلخ) الذي يُفيدُهُ كلامُ فُقَهَاِنا أنَّ
كُلاَّ مِن إجارةِ البِرَكِ للاصطِيادِ وَبَيْعِ السَّمَكِ في الماءِ غيرُ جائزٍ شَرْعاً، وما نقَلَهُ في كتابِ "الخراج" عن "عمر"
و"عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ" مِن الجوازِ فيهما مُقَابِلٌ للمَذْهَبِ ومُبَايِنٌّ له، ولم يَذكُرْه "أبو يوسف" في كتابِ "الخراجُ
على أنَّه هو المذهبُ، بل على أَنَّه مُقَائِلٌ له، وعبارتُهُ: ((وسألتَ يا أميرَ المؤمنين عن بَيْعِ السَّمَكِ في الآجامِ ومَوضِعٍ
مُستَقَعِ الماءِ، فلا يجوزُ بَيْعُ السَّمَكِ في الماءِ؛ لأَنَّهَ غَرَرٌ، وهو لَلَّذِي يَصِيدُهُ، فإنْ كان يُؤْخَذُ باليدِ مِن غيرِ أنْ يُصطادَ
فلا بأسَ بَسْعِهِ، ومَثَلُهُ إذا كان يُؤْخَذُ مِن غَيرِ صَيْدٍ كَمَثَلِ سَمَكٍ فِي جُبِّ، وإلّ فإذا كان لا يُؤْخَذُ إلَّ بَصَيْدٍ فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ ظَبِيٍ فِي الْبَرِِّ أو طَيرٍ فِي السَّماءِ، ولا يجوزُ بَيْعُ ذلك؛ لأَنَّهِ غَرَرٌ، وهو للَّذي صادَهُ. وقد رَخْصَ فِي بَيْعِ
السَّمَكِ في الآجامِ أقوامٌ، فكان الصَّابَ عندنا في قولِ مَنْ كَرِهَهُ. حدَّنا "العَلاءُ بنُ المسْيِّبِ" عن "الحارثِ" عن
"عُمَرَ بِنِ الخطّابِ" رضي الله عنه أَنَّه قال: ((لا تُبَايِعُوا السَّمَكَ في الماءِ؛ لأَنَّهَ غَرَرٌ). وحدَّثَنَا "يَزِيدُ بنُ أبي زيادٍ" عن
"الْسِّبِ بنِ رافِعٍ" عن "عبدِ الله بنِ مسعودٍ " أنّه قال: ((لا تَبِيعُوا السَّمَكَ في الماءِ، فَإِنَّهَ غَرَرٌ)). قال: وحدَّنَا "عبدُ اللهِ
ابنُ عليّ" عن "إسحاقَ بنِ عبدِ الله" عن "أبي الزِّنادِ" قال: ((كتبتُ إلى "عمرَ بنِ عبدِ العزيز" فِي بُحَيِرةٍ يَحتمِعُ فيها
السَّمَثُ بأرضِ العراقِ أُوَاجِرُها؟ فَكَتَبَ: أنِ افْعُلُوا). قال: وحدَّنا "أبو حنيفةً" رضي الله تعالى عنه عن "حَمّادِ"
قال: طَلْتُ إلى "عبدِ الحميد بنِ عبدِ الرَّحمن"، فَكَتَبَ إلى "عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ" يسألُهُ عن بَيْعِ صَيْدِ الآجامِ، فَكَنَبَ
إليه "عمرُ": (أَنْ لا بأسَ به)، وسَمّاهُ الْحَبْسَ. قال: وحدَّنا "الحسنُ بنُ عِمارةً" عن "الحَكَم [عن](٤) إبراهيم" قال:
(إِنِ اشْتَرِيَتَهُ صَيْداً مَحصُورً ورأيتَ بعضَهُ فلا بأسَ). وقد بلَغَنا عن "عليّ بنِ أبي طالبٍ" رضي الله عنه أَنَّه ((وضَعَ
على أَجَمَةِ بُرْس أربعةَ آلافِ درهمٍ، وكَتَبَ لهم كتاباً في قطعةِ أَدَمٍ)، وإنَّما دفَعَها إليهم على مُعامَلةٍ فِي قَصَبِها.
(١) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦.
(٢) "الخراج": فصل في بيع السمك في الآجام صـ ٨٧ -.
(٣) نقول: الذي في النسخ و"البحر" و"النهر": ((عمر بن الخطاب))، وما أثبتناه من كتاب "الخراج" هو الصوابُ،
وقد أشار إليه الرافعي رحمه الله.
(٤) في مطبوعة التقريرات: ((الحكم بن إبراهيم))، ومثله في كتاب "الخراج" طبعة بولاق، وما أثبتناه من مطبوعة
"الخراج" التي بين أيدينا هو الصواب، والحكم هو: ابن عُتَبَة، وإبراهيمُ هو: النخعيُّ.
حاشية ابن عابدين
٥٧٤
قسم المعاملات
السَّمَكُ بأرضِ العِراقِ أنْ يُؤْجِّرَها (١)، فَكَتَبَ إليَّ: أنِ افْعَلُوا)). وما في "الإيضاحِ" بالقواعِدِ
الفِقْهِيَّةِ أَلَيَقُ)) اهـ. ونقَلَ في "البحرِ"(٢) أيضاً عن "أبي يوسفَ" عن "أبي حنيفةً" عن "حَمّادٍ"
عن "عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ": ((أَنَّه كَتَبَ إلى "عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ" يسألُهُ عن ◌َبْعِ صَيْدٍ
الآجامِ، فَكَتَبَ إليه "عُمَرُ": أَنَّه لا بأسَ بِهِ، وسَمّاهُ الَحَبْسَ)) اهـ، ثمَّ قال في "البحرِ"(٢):
((فعلى هذا لا يجوزُ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الآجامِ إلاّ إذا كان في أرضٍ بَيتِ المالِ، ويُلحَقُ به أرضُ
الوَقْفِ))، وقال "الخيرُ الرَّمليُّ": ((أقولُ: الذي عُلِمَ مِمّا تقدَّمَ عدمُ جوازِ البَيعِ مُطلقاً؛ سواءٌ
كان في بحرٍ أو نهرٍ أو أَجَمَةٍ، وهو بإطلاقِهِ أَعَمُّ مِن أنْ يكونَ في أرضِ بيتِ المالِ أو أرضٍ
الوَقْفِ، وما تقدَّمَ عن كتابِ "الخراجِ" غيرُ بعيدٍ أيضاً عن القواعِدِ، ومَرجِعُهُ إلى إجارةٍ
موضعٍ مخصوصٍ لمنفعةٍ مَعُلُومةٍ هي الاصطِيادُ، وما حَدَّثَ به "أبو حنيفةً" عن "حمّادٍ" مُشكِلٌ،
قال "أبو يوسف": حدَّثنا "ابنُ أبي ليلى" عن "عامرِ الشَّعْبِيِّ" قال: (نَهَى النّبِيُّل ◌ِ﴿ عن بَيْعِ الغَرَر)))) اهـ. ثُمَّ
ذكَرَ ما نقَلَهُ في "البحر" عن كتابِ "الخراج" عن "العُمَرَينِ"، فما ذكَرَهُ عنهما إنَّما ذَكَرَهُ على أنّه مُقابِلٌ
لِما ذَكَرَهُ أوّلاً أَنَّه المذهبُ، لا على أنَّه هو المذهبُ، فتأمَّلْ. ويُقالُ: مَن أجازَ البَيعَ يُجِيزُ الإجارةَ أيضاً،
لكنَّ ما عزاهُ في "البحر" لـ "عمرَ بنِ الخطّابِ" عزاهُ في كتابِ "الخراجِ" لـ "عمرَ بنِ عبدِ العزيز". وقال في
"شرح الملتقى": ((ما ذكَرَهُ في "البحر" مِن جوازِ الإجارةِ لصَّيْدِ السَّمَكِ يُنافيهِ ما في إجاراتِ "البزّازِيَّة"
حيث قال: الإجارةُ إذا وقَعَتْ على العَيْنِ لا تجوزُ؛ فلا يصحُّ إجارةُ الآجامِ والخِياضِ لصَيْدِ السَّمَكِ وَرَفْعِ
القَصَبِ وَقَطْعِ الخَطَبِ، أَو لسَقْيِ أرضِهِ أو غَنَمِهِ، وكذا إجارةُ الَرِعَى، والحِيْلةُ في الكلّ: أنْ يَستأجرَ
مَوضِعاً معلوماً لعَطَنِ الماشيةِ وسَيْحِ الماءِ والمرعَى)) اهـ. وهكذا ذكَرَهُ "قاضيخان" أيضاً، وقال: ((لأنَّ
الإِجارةَ ما وُضِعَتْ لِلكِ العَيْنِ)) اهـ.
(قولُهُ: أنْ يُؤْجِّرَها إلخ) عبارةُ كتابِ "الخراجِ": ((أُنُوَاحِرُها إلخ)).
(١) في "م": ((أنؤجِّرها))، وما أثبتناه من سائر النسخ موافق لما في "البحر" و"النهر"، وعبارة الخراج: ((أنؤاجرها))،
وأشار إليه الرافعي رحمه الله.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦.
الجزء الرابع عشر
٥٧٥
باب البیع الفاسد
(و) بَيْعُ (طَيرِ في الهواءِ(١) لا يَرجِعُ) بعدَ إرسالِهِ مِن يَدِهِ، أمّا قبلَ صَيْدِهِ فباطِلٌ
أصلاً(٢)؛ لعدمِ المِلكِ (وإنْ) كان (يَطِيرُ ويَرجِعُ) كالحَمامِ ..
فإنَّه بَيْعُ السَّمَكِ قبلَ الصَّيْدِ، ويُجابُ بأنّه في آجامٍ هُيِّئَتْ لذلك وكان السَّمَكُ فيها مَقدُورَ
التّسليمِ، فتأمَّلْ واعتَنِ بهذا التَّحريرِ، فإنَّ المسألةَ كثيرةُ الوُقُوعِ وَيَكثُرُ السُّؤَالُ عنها)) اهـ.
لكنَّ قولَهُ: ((غيرُ بعيدٍ إلخ)) فيه نَظَرّ؛ لأنَّ الإجارةَ واقِعةٌ على استِهلاكِ العَيْنِ، وسيأتي(٣)
التَّصريحُ بِأَنَّه لا يَصِحُّ إجارةُ الَراعي، وهذا كذلك، ولذا حزَمَ "المقدسيُّ" بعدمِ الصِّحَّةِ
واعترَضَ "البحرَ" بما قُلنا، والله تعالى أعلمُ.
[٢٣٣٤٦] (قولُهُ: وَبَيْعُ طَيرٍ) جَمعُ طائِرٍ، وقد يَقَعُ على الواحدِ، والجمعُ طُيُورٌ
وأَطيارٌ، "بحر "(٤) عن "القاموسِ"(٥).
[٢٣٣٤٧) (قولُهُ: لا يَرجِعُ بعدَ إرسالِهِ مِن يَدِهِ) أشارَ إلى أنَّ مَمُلُوكٌ له، ولكنَّ عِلَّةَ
الفسادِ كونُهُ غيرَ مَقدُورِ التَّسليمِ، فلو سَلَّمَهُ بعدَ البَيعِ لا يَعودُ إلى الجوازِ عندَ مشايخٍ
بَلْخٍ، وعلى قولِ "الكرخيِّ" يَعودُ، وكذا عن "الطَّحاويِّ"، وأطلَقَهُ فشَمِلَ ما إذا كان
الطَّيرُ مَبِيعاً أو ثَمَنَاً، "بحر "(٦).
[٢٣٣٤٨] (قولُهُ: أمّا قبلَ صَيْدِهِ فباطِلٌ أصلاً) ينبغي أنْ يجريَ فيه الكلامُ الذي
ذكرناهُ(٧) في السَّمَكِ.
(١) في هامش "(": ((قولُ "الشَّارح": في الهواءِ)) هو بالَدّ: الجِسْمُ الْمُسخِّرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ، والجمعُ أَهْوِيَةٌ، وقَد
قيلَ: إِنَّه الدُّنيا، ويُقالُ على الشَّيءِ الخالي، والهوى بالقَصرِ: مَيلُ النّفْسِ نَحوَ الشَّيءٍ، ثمَّ استعمِلَ في مَيلٍ مَذمومٍ،
يُقالُ: اتَّبَعَ هَواهُ، وهو مِن أَهلِ الهَوَى. اهـ "نُوحِ أَفنديّ".
(٢) في "د" و"و": ((أصلاً فباطلٌ)).
(٣) صـ ٥٩٣ - "در".
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦.
(٥) "القاموس": مادة ((طير)).
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦.
(٧) انظر المقولة [٢٣٣٤٠] قوله: ((وفَسَدَ بيعُ سمكٍ لم يُصَدْ لو بالعَرْضِ إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٥٧٦
قسم المعاملات
(صَحَّ) وقيل: لا، ورَجَّحَهُ في "النّهرِ"(١)
[ ٢٣٣٤٩] (قولُهُ: صَحَّ) ذكَرَهُ في "الهدايةِ"(٢) و"الخانَيَّةِ"(٣)، وكذا في "الذَّخيرةِ" عن
"المنتقَى"، "بحر "(٤). قال في "الفتح"(٥): ((لأنَّ المعلومَ عادةً كالواقِعِ، وتجويزُ كونِها لا تعودُ
أو عُرُوضُ عدمٍ عَوْدِها لا يَمِنَعُ جوازَ البَيعِ كتجويزِ هلاكِ المبيعِ قبلَ القَبْضِ، ثُمَّ إذا عَرَضَ
الهلاكُ انفَسَخَ، كذا هنا إذا فُرِضَ وُقُوعُ عدمِ المُعتادِ مِن عَوْدِها قبلَ القَبْضِ انْفَسَخْ)) اهـ.
[٢٣٣٥٠) (قولُهُ: وقيل: لا) في "البحرِ"(٦) و"الشُّرُ بِلالَةِ "(٧): ((أَنَّه ظاهرُ الرِّوايةِ)).
[٢٣٣٥١] (قولُهُ: ورَجَّحَهُ في "النّهرِ") حيث ذكَرَ ما مَرَّ(٨) عن "الفتحِ"، ثمَّ قال:
((وأقولُ: فيه نَظَرّ؛ لأنَّ مِن شُرُوطِ صحَّةِ البَيعِ القُدرةَ على النَّسليمِ عَقِيَهُ، ولذا لم يَحُزْ بَيْعُ
الآبِقِ)) اهـ. قال "ح"(٩): ((أَقولُ: فَرْقٌ ما بينَ الحَمامِ والآبِقِ، فإنَّ العادةَ لم تَقْضِ بِعَوْدِهِ
غالباً بخلافِ الحَمامِ، وما ادَّعاهُ مِن اشتراطِ القُدرةِ على الَّسليمِ عَقِبَهُ إنْ أرادَ به القُدرةَ
حقيقةً فهو ممنوعٌ، وإلّ لاشتُرِطَ حُضُورُ المبيعِ مجلسَ العَقْدِ، وأحدٌ لا يقولُ بِهِ، وإنْ أرادَ به
القُدرةَ حُكْماً - كما ذكَرَهُ بعدَ هذا - فما نحنُ فيه كذلك؛ لُحُكمِ العادةِ بَعَوْدِهِ)) اهـ.
قلتُ: وهو وَجيةٌ، فهو نَظيرُ العبدِ الْمُرسَلِ في حاجةِ الْمَولى، فإِنَّه يجوزُ بَيْعُهُ، وعلَّلُوهُ بأنّه
مقدُورُ الَّسليمِ وقتَ العَقْدِ حُكْمً؛ إذ الظّهرُ عَوْدُهُ، ولو أَبَقَ بعدَ البَيعِ قبلَ القَبْضِ خُيَِّ المشتري
في فَسْخِ العَقْدِ كما في "البحرِ"(١٠)، وهنا كذلك، لكنْ لِيُنظَرْ متى يُحكَمُ بِفَسْخِ العَقْدِ لعدمٍ
عَوْدِ ذلك الطّائِرِ؟ فإنَّه ما دامَ مُحَتَمَلَ الحياةِ يُحتَمَلُ عَودُهُ.
(١) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨١/أ.
(٢) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٥/٣.
(٣) "الخانية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٥٢/٢-١٥٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦.
(٥) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٨/٦ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦، وعبارته: ((وهو الظاهر)).
(٧) "الشرنبلالية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٠/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٨) في المقولة السابقة.
(٩) "ح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ق ٢٨٩/أ.
(١٠) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٦/٦.
الجزء الرابع عشر
٥٧٧
باب البيع الفاسد
(و) بَيْعُ (الحَمْلِ) أي: الجَنِينِ، وجَزَمَ في "البحرِ"(١) يُطلانِهِ كالنّاجِ.
(تنبيةٌ)
في "الذَّخيرة": ((باعَ بُرجَ حَمامٍ فإِنْ ليلاً جازَ، ولو نهاراً فلا؛ لأنَّ بعضَهُ يكونُ
خارجَ البيتِ، فلا يُمكِنُ أَخْذُهُ إلاّ بالاحتيالِ)) اهـ. والظّاهرُ: أَنَّ مَبنيٌّ على ظاهرِ الرِّوايةِ،
تأمَّلْ. وفيه أَلَغَزَ بعضُهم فقال: [خفيف]
حائِزَ السَّبْقِ مُفرَداً لا يُحارَى (٣/ق٦٨/ب]
يا إماماً في فِقْهِ نُعمانَ أضحَى
أيُّ بيتٍ يجوزُ بَيْعُكَ إِيّا
هُ بَيلٍ ولا يجوزُ نَهارا
[٢٣٣٥٢) (قولُهُ: وَبَيْعُ الحَمْلِ) بسكونِ الميمِ.
[٢٣٣٥٣) (قولُهُ: وَجَزَمَ في "البحرِ"(١) يُطلاِهِ) لَنَهْهِ وَ﴿ عن المضامينِ والمَلاقِيحِ وحَبَلِ الْحَة(٢)،
(١) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦.
(٢) روى عمرُ بنُ قَيْسٍ وصَالِحُ بنُ أبي الأخضر عن الزهرِيِّ عن سعيدِ بنِ المسيب عن أبي هُرِيرَة ◌َُ بِهِ مَرفُوعاً.
أخرجه البَزَّارُ كما في "كشف الأستار" (١٢٦٨)، وذكره الدَّارَقطني في "العلل" ١٨٣/٩، ثم قال البَزَّارُ: لا
نعلم أحَداً رواه هكذا إلاَّ صَالح ولم يكن بالحافِظ، وقال في "المجمع": فِيه صالح بن أبي الأخضر وهو ضَعيف.
وخالفهُما مَعمَر ومَالك والزبيدي والأوزاعي فرَوَوه عن الزهريِّ عن ابنِ المسيب أنه سُئل عن الحيوان
بالحيوان نسيئة فقال: ((لا رِبا في الحيوان، وقد نُهي عن المضامين والملاقيح وحَبَلِ الحَبلة)).
أخرجه عبدُ الرزاق (١٤١٣٧)، والمروزي في "السنة" (٢٠٦) و(٢١٠) و(٢١١) و(٢١٢)، ومالك في
"الموطأ" ٦٥٤/٢ - وعنه الشَّافعي في "الأم" ٣٧/٣ و١١٨، والبيهقي في "الكبرى" ٢٨٧/٥ و٣٤١.
قال الدار قطنيُّ: والصَّحِيحُ غيرُ مرفوع من قول سعيدٍ غيرُ متصل، بل رواهُ يوسف بنُ الماجشُون عن الزهريِّ
مرسَلاً عن النبيِ :﴿. أخرجه المروَزِي (٢٠٩).
ورواه إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ عن داودَ بنِ الحصَين عن عكرمة عن ابنِ عباسٍ ◌َُ ((أَنَّ النبيِ ◌ْ نَهَى عن
الملاقيح والمضامين وحَبَلِ الحَبَلَةِ)). أخرجه البَزَّرُ كما في "كشف الأستار" (١٢٦٨)، والطبراني في "الكبير"
(١١٥٨١). قال البزار: لا نعلمه عن ابنِ عباسٍ ﴾ إلاَّ بهذا الإسناد. قال الهيثمي في "المجمع": فيه إبراهيمُ بنُ
إسماعيلَ بنِ أبي حبيبة، وثَّقَه أحمد وضَعَّفَه جِمُهُورُ الأئمّة. ورواه عيسى بنُ أبي عيسى الحَنَّاط [متروك] عن عمرٍو
ابنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه بِهِ. أخرجه ابنُ عَدي في "الكَامِل" ٢٤٧/٥.
أما النهي عن بَيْعِ حَبَلِ الْخَلَةِ: فقد رُوِي من غَيرِ طَرِيقٍ عن ابنِ عُمَرَ تَلُ.
فأخرجه عبدُ الرزاق في "المصنف" (١٤١٤٠) أخبرنا مَعمَر وابنُ عُينَة عن أيوبَ عن سعيدِ بنِ جُبير عن ابنِ عمرَ نَّته
عن النبي # مثلَ حديث ابنِ المسيّب السابق.
حاشية ابن عابدين
٥٧٨
قسم المعاملات
بينما أخرجه البَغَوي في "الجعديات" (١٢١٢) من طريقٍ مَعمَر وابن عُيِينَة ووُهَيب، كلُّهم عن أيوبَ بهذا إلاَّ
أَنّهُم اقْتَصَرُوا على ((نَهى عن حَبَلِ الْحَبَةِ))، وهو الذي أخرجه أحمد ١٠/٢- ١١، والحُميدي (٦٨٩)، والنِّسَائِي
في "المجتبى" ٢٩٣/٧، و "الكبرى" (٦٢١٧)، وابنُ ماجه (٢١٩٧)، والبيهقي في "المعرفة" (١١٤٦١)، كُلّهُم عن
سفيانَ بِنِ عُيِينَة عن أيوبَ بهذا الإِسَنَاد، ولم يَذْكُرْ سِوى ((حَبَلِ الْحَبَلَة)).
وكذلك روَاه حَمَّد بنُ سَلمةَ عن أيوبَ. أخرجه أبو يعلى (٥٦٥٣)، ورواه عبد الواحد بنُ غياث عن حمادِ
ابنِ سَلَمَةَ عن أيوبَ عن سعيد ونافع عن ابنِ عمرَ ◌ّ بِهِ. أخرجه البغوي في "الجعديات" (١٢١٣). وقال
الترمذي: وروى عبد الوهاب الثّقَفِي وغيرُه عن أيوبَ عن سعيد ونافع عن ابنِ عمرَ ◌َُه، وهذا أصح.
ورواه ابنُ عُلَيَّة عن أيوب عن سعيد ونافع عن ابنِ عمرَ رَّه. أخرجه الشافعي في "السنن" (٢٣٣)، وابنُ حِبّان
(٤٩٤٦)، وكذا المروَزِي في "السنة" (٢١٦) إلا أنه عن نافعٍ فَقَط.
أما حماد بن زيد: فأخرجه الترمذي (١٢٢٩) في البيوع باب بيع حَبَل الحبلة، والمروزي في "السنة" (٢١٣) عنه عن
نافع عن ابن عمرَ رَّه بهِ: قال البغوي: ورواه حماد بن زيد عن أيوبَ بالشك، ثم أخرجه (١٢٠٩) عن أحمدَ بنِ إبراهيم
الموصلي عن حمادٍ عن أيوبَ عن سعيد، قال حماد: ولا أدري عن ابنِ عباس أم لا؟ ورواه (١٢١٠) عن أبي الرَّبيع عنه عن
أيوبَ عن سعيدٍ مرسَلاً. وكذلك أخرجه المروَزِي في "السنة" (٢١٥) عن محمد بنِ عُبيد بنِ حِسَاب عن حمادٍ بهِ. ورواه
البَغَوي في "الجعْدِيات" (١٢١١) عن عَارم عنه عن أيوبَ عن سعيد عن ابنِ عباس. ولم يشك. وكذلك رواه عفّاذُ عن
حماد حِفظي عن أيوب بهِ. وأخرجه المروَزِي (٢١٤) عن أبي كامل عن حماد عن أيوبَ عن سعيد عن ابنِ عباس بهِ.
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٩٩٩) عن موسى بنِ هارونَ عنه عن حماد عن سِمَاك بنِ عَطِية عن أيوبَ عن نافعٍ عن
ابنِ عمرَ بهِ، ثم قال: لم يروِه عن حماد إلا أبو كامل! ولعل هذا الخطأ من قِبل موسى، والله أعلم.
أما شُعبة: فرواه عنه عثمان بنُ عمرَ عن أيوبَ عن سعيد عن ابنِ عمرَ. أخرجه البَغَوِي (١٢٠٨)، والخطِيبُ في
"تاريخه"٤٣٢/٨. ورواه غُندَر عنه عن أيوبَ عن سعيد عن ابنِ عباس. أخرجه أحمد ٢٤٠/١، والنِّسَائِي في "المجتبى"
٢٩٣/٧، و "الكبرى" (٦٢١٦)، والبَغَوِي (١٢٠٧)، وابنُ أبي حاتم في "العلل" ٣٩١/١، وقال: وهو الصَّحِيح.
هذا، ورواه مالك عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ بهِ. أخرجه في "الموطأ" ٣٠/٢-٣١، وعنه أحمد ٥٦/١ و٦٣/٢ ١٠٨،
والشَّافِعِي في "السنن المأثورة" (٢٣٢)، والبخاري (٢١٤٣) في البيوع باب بيع الغرر وحَبَل الحبَلَة، وأبو داود (٣٣٨٠) في
البيوع باب في بيع الغرر، والنسائي في "المجتبى" ٢٩٣/٧، و"الكبرى" (٦٢٢١) في البيوع - تفسير حَبَل الحَبَّة، وابنُ
الجارود في "المنتقى" (٥٩١)، والمروزي في "السنة" (٢١٩)، وأبو يَعلى (٥٨٢١)، وابنُ حِّان (٤٩٤٧)، وأبو نُعَيم في
"الحلية" ٣٥٢/٦، وأبو عَوَانة (٤٨٨٤) و(٤٨٨٥)، والبيهقي في "الكبرى" ٣٤٠/٥، و"معرفة السنن" (١١٤٥٨).
وكذلك رواه عُبيد الله وجُوَيرِية والليثُ ومحمدُ بن إسحاقَ ويونسُ بن عُبَيد كلُّهُم عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ بَّه قال:
((كان أهلُ الجاهلية يبتاعون لحمَ الجَزُور إلى حَبَل الحَبَلَة))، قال: وحَبَلُ الحَبَلَة أن تُنتِجِ الناقة ما في بطنها ثُمَّ تُنتجَ التي نَتَحت،
فنهاهم رسول الله ﴿ عن ذلك، هذا لفظ عُبيد الله. ولفظ جُويرِية: وفسَّرِه نافع إلى أن تُنتجِ الناقةُ ما في بطنها.
أخرجه أحمد ١٥/٢ و٧٦ و٨٠ و١٤٤ و١٥٥، والبخاري (٢٢٥٦) في السلم باب السلم إلى أن تنتج الناقة
و(٣٨٤٣) في مَنَاقب الأنصار باب أيام الجاهلية، ومسلم (١٥١٤) في البيوع باب تحريم بيع حَبَل الحَبَلَة، وأبو داود
(٣٣٨١)، والنِّسَائِيّ في "المجتبى" ٢٩٣/٧، و "الكبرى" (٦٢٢٠) باب بيع حَبَل الحبلة، والمروَزِي في "السنة" (٢١٨)
و(٢٢٠)، وعبدُ بنُ حميدٍ (٧٤٦)، وأبو عَوَانَة (٤٨٨٢) و(٤٨٨٦)، وابن حِيَّان في "المجروحين" ١٥٩/١، والبيهقيّ =