النص المفهرس
صفحات 541-560
الجزء الرابع عشر
٥٣٩
باب البيع الفاسد
(بَطَلَ بَيْعُ ما ليس بمالٍ) والمالُ(١) ما يَمِيلُ إليه الطَّبْعُ، وَيَحري فيه البَذْلُ والَنعُ،
"درر" (٢).
[٢٣٢٥٦] (قولُهُ: بَطَلَ بَيْعُ ما ليس بمالٍ) أي: ما ليس بمالِ في سائرِ الأديانِ بقرينةِ قولِهِ(٣).
((والبَيعُ بِهِ))، فإنَّ ما يُبطِلُ - سواءٌ كان مَبِيعاً أو ثَمَناً - ما ليس بمالِ أصلاً، بخلافِ نحوٍ
الخمرِ، فإنَّ بَيْعَهُ باطِلٌ إذا تعَّنَ كونُهُ مَبِيعاً، أمّا لو أمكنَ اعتبارُهُ ثَمَناً فَبَيْعُهُ فاسِدٌ كما عَلِمَتَهُ
مِن الضّابطِ المذكورِ آنِفاً (٤)؛ لأنَّ البَيعَ وإنْ كان مَبناهُ على البَدَلَيْنِ لكنَّ الأصلَ فيه الَبِيعُ دونَ
الثَّمَنِ، ولذا يَنفَسِخُ البَيعُ بهلاكِ المبيعِ دونَ الثَّمَنِ، ولأنَّ الثَّمَنَ غيرُ مقصودٍ، بل هو وسيلةٌ إلى
المقصودِ وهو الانتفاعُ بالأعيانِ.
مطلبٌ في تعريفِ المالِ [والمالِ المتقوِّم]
[٢٣٢٥٧] (قولُهُ: والمالُ) أي: مِن حيث هو، لا المذكورُ قبلَهُ؛ لأنَّ التَّعريفَ المذكورَ
يدخُلُ فيه الخمرُ، فهي مالٌ وإنْ لم تكنْ مُتَقوِّمةً، ولذا قال بعدَهُ(٥): ((وَبَطَلَ بَيْعُ مالٍ غيرِ
مُتقوِّمٍ كخَمْرٍ وخِنزيٍ))، فإنَّ المتقوِّمَ هو المالُ المباحُ الانتفاعُ به شَرْعاً، وقدَّمنا (٦) أوَّلَ البُوعِ
تعريفَ المالِ بما يَمِيلُ إِليهِ الطَّبعُ ويُمكِنُ ادِّخارُهُ لوقتِ الحاجةِ، وأَنَّه خرَجَ بالادِّخارِ المنفعةُ،
فهي مِلْكٌ لا مالٌ؛ لأنَّ الِلْكَ ما مِن شأنِهِ أنْ يُتَصرَّفَ فيه بوَصفِ الاختصاصِ كما في "التَّلويحِ"،
وعلى تقديرِ الزِّيادةِ قد وُجِدَ في الضّابِطِ الثّاني ما لم يُوجَدْ في الأوَّلِ، وهو بيانُ ما إذا كان الثَّمَنُ غيرَ
مالٍ في دِينٍ مِن الأديانِ، إلّ أنْ يُقالَ: إنَّ رُكنَ البَيعِ حينئذٍ لم يُوجَدْ؛ لأَنَّه مُبادَلةُ مالٍ بمالٍ.
(١) في "د" و"و" و"ط": ((المال)) بدون واو.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٨/٢.
(٣) ص ٥٤٢ - "در".
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) ص ٥٥٤ - "در".
(٦) المقولة [٢٢١٦٩] قوله: ((مالاً أُوْ لا إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٥٤٠
قسم المعاملات
فخرَجَ التّرابُ ونحوُهُ (كالدَّمِ) المسفوحِ، فجازَ بَيْعُ كَبِدٍ وطِحالِ (والَيْتِةِ) سِوى
سَمَكٍ وجَرادٍ، ولا فَرْقَ فِي حَقِّ المسلِمِ بينَ.
فالأَولى ما في "الدُّررِ"(١) مِن قولِهِ: ((المالُ موجودٌ يَمِيلُ إليه الطَّبْعُ إلخ))، فإِنَّه يخرُجُ
١٠٠/٤ بالموجودِ المنفعةُ، فافهمْ. ولا يَرِدُ أنَّ المنفعةَ تُملَكُ بالإِجارةِ؛ لأنَّ ذلك تمليكٌ لا بَيْعٌ حقيقةً،
ولذا قالوا: إنَّ الإجارةَ بَيْعُ المنافِعِ حُكْماً، أي: أنَّ فيها حُكْمَ البَيعِ - وهو النَّمليكُ -
لا حقيقتَهُ، فاغتِمْ هذا التَّحرير.
[٢٣٢٥٨] (قولُهُ: فخرَجَ الُّرابُ) أي: القليلُ ما دامَ في مَحلِّهِ، وإلّ فقد يَعرِضُ له بالنَّقلِ
ما يصيرُ به مالاً معتبراً، ومِثْلُهُ الماءُ، وخرَجَ أيضاً نحوُ حبَّةٍ مِن حِنطةٍ، والعَذِرَةُ الخالصةُ،
بخلافِ المخلوطةِ بتُرابٍ، ولذا جازَ بَيْعُها كسِرْقِينٍ كما يأتي(٢)، وخرَجَ أيضاً المنفعةُ على ما
ذكرنا آنفاً (٣).
[٢٣٢٥٩) (قولُهُ: وَالَيْتِةِ) بفتحِ الميمِ وسُكونِ الياءِ: التي ماتَتْ حَتْفَ أَنْفِها لا بسببٍ،
وبتشديدِ الياءِ المكسورةِ: التي لم تُمُتْ حَتْفَ أَنفِها، بل بسببٍ غيرِ الذَّكَاةِ كالمُنْخَِقةِ والمَوْقُوذةِ،
"نوح أفندي"، ولم أَرَ هذا الفَرْقَ في "القاموس (٤) ولا في "المصباحِ"(٥) ولا غيرِهما (٦)، فراجعْهُ.
[٢٣٢٦٠] (قولُهُ: ولا فَرْقَ في حَقِّ المسلِمِ إلخ) أمّا فِي حَقِّ الذّمِّيِّ فُيُرادُ بها الأوَّلُ، وأمّا
الثّاني فاختلَفَتْ عباراتُهُم فيه، ففي "النَّجنيسِ" جعَلَهُ قِسماً مِن الصَّحيحِ؛ لأَنَّهم يَدِينونَهُ،
ولم يَحْكِ خلافاً، وجعَلَهُ في "الإيضاحِ" قولَ "أبي يوسفَ"، وعندَ "محمَّدٍ" لا يجوزُ، وجَزَمَ
(١) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٨/٢.
(٢) صـ ٥٦٣ - "در".
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) انظر "القاموس": مادة ((موت)).
(٥) انظر "المصباح": مادة ((موت)).
(٦) نقول: ولم نقف أيضاً على هذا الفرق في "العين" و"تهذيب اللغة" و"المغرب" و"اللسان" و"تاج العروس".
الجزء الرابع عشر
٥٤١
باب البیع الفاسد
التي ماتَتْ حَتْفَ أَنفِها أو بَخَيِقِ ونحوِهِ (والحُرِّ،
في "الذَّخيرةِ" بفسادِهِ، وجعَلَهُ في "البحرِ" مِن اختلافِ الرِّوايَتَينِ، "نهر" (١). وعبارةُ
"البحرِ"(٢): ((وحاصلُهُ: [٣/ ق٤ ٦/ب] أنَّ فيما لم يَمُتْ حَتْفَ أَنفِهِ بل بسببٍ غيرِ الذَّكاةِ
روايتينِ بالنّسبةِ إلى الكافرِ: في روايةٍ الجوازُ، وفي روايةٍ الفسادُ، وأمّا البُطلانُ فلا، وأمّا
في حَقّنا فالكُلُّ سواءٌ)) اهـ. وذكَرَ "ط)(٣): ((أَنَّ عدمَ الفَرْقِ فِي حَقّنا في المُنْخَيِقةِ مثلاً
إذا قُوبِلَتْ بدراهمَ حَتّى تَعَّنَ كونُها مَبِيعاً، أمّا إذا قُوِلَتْ بِعَيْنِ أمكَّنَ اعتبارُها ثَمَناً
فكان فاسِداً بالنَّظرِ إلى العِوَضِ الآخَرِ (٤) باطِلاً بالنَّظرِ إليها، وهذا ما اقتَضاهُ الصّابِطُ
السّابقُ)) اهـ.
(٢٣٢٦١) (قولُهُ: التي ماتَتْ حَتْفَ أَنْفِها) الحَتْفُ: الهلاكُ، يقالُ: ماتَ حَنْفَ أَنْفِهِ إذا
ماتَ بغيرِ ضَرْبٍ ولا قتْلٍ، ومعناه: أنْ يَمُوتَ على فِراشِهِ، فَتَنَفَّسَ حتّى يَنقَضِيَ رَمَقُهُ، ولهذا
خُصَّ الأَنْفُ، "مصباح"(٥).
[٢٣٢٦٢) (قولُهُ: أو بَخَنِقِ) مِثلُ كَتِفٍ، ويُسكّنُ تخفيفاً، "مصباح"(٦).
(١) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٠/أ.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٧٧/٦ ..
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٣/٣.
(٤) في هامش "م": ((قولُهُ: فكانَ فاسِداً بالنّظَرِ إلى العِوَضِ الآخَرِ)) أي: العَينِ التي هي مالٌ عندنا، وقولُهُ: ((باطِلاً بالنَّظَرِ
إليها)) أي: المُنخنقةِ، ووَجهُ ذلكَ: أنَّ الَبِيعَ والثّمنَ إذا كان كُلٌّ منهما عَيناً يَصِحُّ أنْ يكونَ كُلٌّ منهما ثَمَناً ومَبِيعاً؛ حتّى
يَثْبُتُ خيارُ الرُّجوعِ فيهما، فباعتبارِ كونِ العَينِ - التي هي مالٌ عندنا - مبيعاً يكونُ البَيعُ فاسداً؛ لحُصولِ الخَلَلِ فِي الّمن،
وباعتبارِ كَونِ المنخنقةِ هِيَ الَبِيعَ يكونُ البيعُ باطلاً؛ لحصولِ الخَلَلِ في الَحلِّ. قال شيخُنا: وإنَّما يتمُّ ما قالَهُ "ط" إذا ثبتَ
ماليّةُ المُنخنقةِ فِي شَرِعِهِم بأَن تَدَيَّنَ ذلك نَبِيٌّ، ولا نَظَرَ لاعتقادِهم أَصلاً؛ لأنّهم رُبَّما يعتقدونَ غَيرَ دينِ أنبيائهم، أَلا تَرَى
أَنَّهم يَعتقدونَ بنبرَّةِ عيسى عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولم يَتَديَّنْ ذلكَ نَبِيٌّ قَطُّ اهـ.
(٥) "المصباح": مادة ((حتف)) بتصرف.
(٦) "المصباح": مادة ((خنق)).
قسم المعاملات
حاشية ابن عابدين
٥٤٢
والبيعُ به) أي: جَعْلُهُ ثَمَّناً بإدخالِ الباءِ عليه؛ لأنَّ رُكنَ البيعِ مُبادَلةُ المالِ بالمالِ ولم يُوجَدْ ..
(تنبيةٌ)
لم يذكروا حُكمَ دُودَةِ القِرْمِزِ، أمّا إذا كانَتْ حَّةً فينبغي جَرَيانُ الخِلافِ الآتي(١) في دُودٍ
القَزِّ وبِزْرِهِ وَبَيْضِهِ، وأمّا إذا كانَتْ مَيْنَةً -وهو الغالبُ، فإِنَّها على ما بَلَغَنَا تُخَذَقُ فِي الكِلْسِ أو
الخَلِّ - فمُقْتَضَى ما مَرَّ(٢) بُطْلانُ بَيْعِها بالدَّراهمِ؛ لأَنَّها مَيْنَةٌ، وقد ذكَرَ سيِّدي "عبدُ الغنيِّ
الّابُسيُّ" في رسالةٍ(٣): ((أَنَّ بَيْعَها باطِلٌ، وأَنَّه لا يَضْمَنُ مُتِلِفُها؛ لأَنَّها غيرُ مالٍ)).
قلتُ: وفيه أنَّها مِن أَعَزِّ الأموالِ اليومَ، ويَصدُقُ عليها تعريفُ المالِ المتقدِّمُ (٤)، ويحتاجُ
إليها النّاسُ كثيراً في الصَِّاغِ وغيرِهِ، فينبغي جوازُ بَيْعِها كبَيْعِ السِّرْقِينِ والعَذِرَةِ الْمُخْتِلِطةِ
بالتّرابِ كما يأتي (*)، مع أنَّ هذه الدُّودةَ إنْ لم يكنْ لها نَفْسٌ سائلةٌ تكونُ مَيْتُها طاهرةً
كالذُّبابِ والْبَعُوضِ وإنْ لم يَجُزْ أكلُها، وسيأتي(٦) أنَّ جوازَ البَيعِ يَدُورُ مع حِلِّ الانتفاعِ،
وأَنَّه يجوزُ بَيْعُ العَلَقِ للحاجةِ مع أَنَّه مِن الهَوامِّ وَبَيْعُها باطِلٌ، وكذا بَيْعُ الحَيّاتِ للَّداوي، وفي
"القنيةِ"(٧): ((وَبَيْعُ غيرِ السَّمكِ مِن دَوابِ البحرِ لو له ثَمَنٌ كالسَّقْقُورِ وجُلودِ الخَرِّ ونحوِها
يجوزُ، وإلاّ فلا، وحَمَلُ الماءِ قيل: يجوزُ حيًّ لا مَيْتً، و"الحسنُ" أطلَقَ الجوازَ)) اهـ، فتأمَّل.
ويأتي(٨) له مزيدُ بيانٍ عندَ الكلامِ على بَيْعِ دُودِ القَزِّ وَالعَلَقِ.
[٢٣٢٦٣] (قولُهُ: والبيعُ به) أي: بما ليس بمال.
(١) ص ٥٩٩ - وما بعدها "در".
(٢) صـ ٥٤٠ - "در".
(٣) لم نهتد لمعرفتها.
(٤) المقولة [٢٣٢٥٧] قوله: ((والمالُ)).
(٥) صـ ٥٦٥ - وما بعدها "در".
(٦) صـ ٦٠١ - وما بعدها "در"
(٧) "القنية": كتاب البيوع - باب فيما يجوز بيعه وما لا يجوز ق ١٠٢/أ.
(٨) المقولة [٢٣٤٠٤] قوله: ((أي: الإِبِريسَمِ)) وما بعدها.
الجزء الرابع عشر
٥٤٣
باب البیع الفاسد
(والمعدومِ كَبَيْعِ حَقِّ التَّعَلِّي) أي: عُلْوٍ سَقَطَ؛ لأنّه معدومٌ،
.
[٢٣٢٦٤) (قولُهُ: والمعدومِ كبَيْعِ حَقِّ النَّعَلِّي) قال في "الفتح"(١): ((وإذا كان السُّفْلُ
لرجلٍ وعُلْوُهُ لآخَرَ، فسَقَطا أو سَقَطَ العُلْوُ وحدَهُ، فباعَ صاحبُ العُلْوِ عُلْوَهُ لم يَحُزْ؛ لأنَّ
المبيعَ حينئذٍ ليس إلّ حقَّ التَّعَلِّي، وحَقُّ النَّعَلِّي ليس بمالٍ؛ لأنَّ المالَ عَيْنٌ يُمكِنُ إِحرازُها
وإمساكُها، ولا هو حَقٌّ مُتعلِّقٌ بالمالِ، بل هو حَقٌّ مُتعلِّقٌ بِالهواءِ، وليس الهواءُ مالاً يُباعُ،
والمبيعُ لا بدَّ أنْ يكونَ أحدَهُما، بخلافِ الشِّربِ حيث يجوزُ بَيْعُهُ تَبَعاً للأرضِ، فلو باعَهُ قبلَ
سُقُوطِهِ جاز، فإنْ سِقَطَ قبلَ القَبْضِ بِطَلَ البَيعُ؛ لهلاكِ المبيعِ قبلَ القَبْضِ)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ بَيْعَ العُلْوِ صحيحٌ قبلَ سُقُوطِهِ لا بعدَهُ؛ لأنَّ بَيْعَهُ بعدَ سُقُوطِهِ بَيْعٌ لَحَقِّ
الَّعَلِّي وهو ليس بحالٍ، ولذا عَّرَ في "الكنزِ"(٢) بقولِهِ: ((وعُلْوِ سقَطَ))، وعبَّرَ في "الدُّرِ"(٣)
بَحَقِّ التَّعَلِّي؛ لأَنَّه المرادُ مِن قولِ "الكنزِ": ((وعُلْوِ سقَطَ)) كما عَلِمتَهُ مِن عبارةِ "الفتحِ"؛
فالمرادُ مِن العِبارتَينِ واحدٌ؛ فلذا فسَّرَ "الشّارعُ" إِحداهُما بالأُخرى دَفْعاً لِما يُوهَّمُ مِن
اختلافِ المرادِ مِنهما، فافهمْ.
(تنبيةٌ)
لو كان العُلْوُ لصاحبِ السُّفْلِ فقال: بِعُكَ عُلْوَ هذا السُّغْلِ بكذا صَحَّ، ويكونُ سَطحُ
السُّغْلِ لصاحبِ السُّفْلِ وللمُشتري حَقُّ القَرارِ، حَتّى لو انهَدَمَ العُلْوُ كان له أنْ يَبنيَ عليه عُلْواً
آخَرَ مثلَ الأوّلِ؛ لأنَّ السُّفْلَ اسمٌ لمبنِيِّ مُسَقَّفٍ، فكان سَطِحُ السُّفْلِ سَقْفاً للسُّفْلِ، "خانَّةِ "(٤).
[٥ ٢٣٢٦) (قولُهُ: لأَنَّه معدوٌ) يُغني عنه قولُ "المصنْفِ": ((والمعدومِ))، أفادَهُ "ط)"(٥).
(قولُهُ: ولا هو حَقٌّ مُتَعلّقٌ بِالمالِ) بخلافِ حَقِّ الْمُرُورِ على روايةٍ جوازٍ بَيْعِهِ؛ لأَنَّه مُتعلِّقٌ بِرَقَبَةٍ
الأرضِ وهي مالٌ، "زيلعيّ".
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٤/٦ - ٦٥ بتصرف.
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢٧/٢.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٧٣/٢.
(٤) "الخانية": كتاب البيوع - باب ما يدخل في البيع من غير ذكره إلخ ٢٣٦/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٤/٣.
حاشية ابن عابدين
٥٤٤
قسم المعاملات
ومِنه بَيْعُ ما أَصلُهُ غائبٌ كحَزَرِ وفُحْلٍ، أو بَعضُهُ معدومٌ(١) كوَرْدٍ ویاسَمِينِ وَوَرَقٍ
فِرْصادٍ، وجَوَّزَهُ "مالكٌ))(٢) لَتَعامُلِ النّاسِ، وبه أَفَتَى بَعضُ مَشايخِنا.
[٢٣٢٦٦] (قولُهُ: ومِنه) أي: مِن بَيْعِ المعدومِ.
[٢٣٢٦٧) (قولُهُ: بَيْعُ ما أَصلُهُ غائبٌ) أي: ما يَنْبُتُ في باطِنِ الأرضِ، وهذا إذا كان
لم يَنْبُتْ، أَو نَبَتَ ولم يُعَلَمْ وُجودُهُ وقتَ البَيعِ، وإلّ جازَ بَيْعُهُ كما يأتي(٣) قريباً.
[٢٣٢٦٨) (قولُهُ: وفُحْلٍ) بضمِّ الفاءِ وبضمَّتَيْنِ، "قاموس"(٤).
[٢٣٢٦٩) (قولُهُ: كوَرْدٍ وياسَمِينٍ) فَإِنَّه يُخْرُجُ بالتّدريجِ، "ط)"(٥).
[٢٣٢٧٠] (قولُهُ: ووَرَقِ فِرْصادٍ) قيل: هو النُّوتُ الأحمرُ، وقال "أبو عُبيدٍ"(٦): ((هو
التُّوتُ))، وفي "التَّهذيبِ"(٧): ((قال "اللَّيْثُ"(٨): الفِرْصادُ شَجَرٌ معروفٌ))، "مصباح"(٩).
[٢٣٢٧١) (قولُهُ: وبه أَفَتَى بَعضُ مَشائخِنا) بالياءِ في ((مَشايخَ)) لا بالهمزةِ (١٠)، قال
(قولُهُ: أو نَبَتَ ولم يُعَلَمْ وُجودُهُ إلخ) وذلك لأنَّ الأَصلَ العَدَمُ، فكان معدوماً حُكْمً، "سِنديّ". لكنْ
سيأتي أَنَّه إذا سَهُلَ الاطّلاعُ عليه يجوزُ، بخلافِ ما لا يَسهُلُ كالحَمْلِ كما ذكَرَهُ عند قولِهِ: ((وَبَيْعُ الحَمْلِ)).
(قولُهُ: فإنّه يُخْرُجُ بِالَّريجِ، "ط(١) فالبَيْعُ في المعدومِ باطِلٌ لكونِهِ معدوماً، وفي الموجودِ لكونِهِ بَيْعاً
بالحِصَّةِ ابتداءً، وينبغي أنْ يكونَ فاسِداً في الموجودِ؛ لأنَّ الفسادَ لوَصْفِهِ. انتهى "رحمتيّ". اهـ "سِنديّ".
(١) في "و": ((أو بعضُهُ تَبَعاً مَعدُومٌ))، بزيادة ((تبعاً)).
(٢) "التاج والإكليل": كتاب البيوع ٢٩٤/٤ (هامش "مواهب الجليل").
(٣) المقولة [٢٣٢٧٢] قوله: ((هذا إذا نَبَتَ إلخ)) وما بعدها.
(٤) "القاموس": مادة ((فجل)).
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٤/٣.
(٦) تقدمت ترجمته ٥٥١/١.
(٧) "تهذيب اللغة": باب الرباعي من حرف الصاد - مادة ((فرصد)) ٢٦٨/١٢.
(٨) هو الليث بن المظفر، ويقال له: الليث بن نصر، والليث بن رافع، وتقدَّمت ترجمته ٣٣٨/١.
(٩) "المصباح": مادة ((فرصد)).
(١٠) انظر "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" بتحقيق الشيخ "عبد الفتاح أبو غدة" رحمه الله تعالى صـ ٤٦ - وما بعدها،
فقد حقّق في المسألة فأفاد وأجاد.
الجزء الرابع عشر
٥٤٥
باب البيع الفاسد
عَمَلاً بالاستِحسان، هذا (١) إذا نَبَتَ ولم يُعلَمْ وُجودُهُ، فإِذا (٢) عُلِمَ جازَ وله خِيارُ
الرُّؤيةِ، وتكفي رُؤيةُ البعضِ عندَهُما، وعليه الفتوى، "شرح مجمعٍ".
١٠١/٤ "القُهستانيُ) (٣): ((وَأَفَتَى "الفَضِلِيُّ"(٤) وغيرُهُ بجوازِهِ بتبعَيَّةِ الموجودِ إذا كان أكثَرَ مِن
المعدومِ)). اهـ "ط" (٥). [٣/ق ١/٦٥]
قلتُ: وهو روايةٌ عن "محمَّدٍ"، وقدَّمنا الكلامَ عليه في فصلِ ما يدخُلُ تَبَعاً(٦).
مطلبٌ في بَيْعِ المُغَيَّبِ في الأرضِ
[٢٣٢٧٢) (قولُهُ: هذا إذا نَبَتَ إلخ) الإشارةُ إلى قولِهِ: ((ما أَصْلُهُ غائبٌ))، وكان الأَولى
أنْ يقولَ: هذا إذا لم يَنْبُتْ أو نَبَتَ ولم يُعلَمْ وجودُهُ، فإِنَّه لا يجوزُ بَيْعُهُ فيهما كما في "ط"(٧)
عن "الهنديَّة"(٨).
(٢٣٢٧٣) (قولُهُ: وله خِيارُ الرُّؤيةِ إلخ) قال في "الهنديَّة"(٩): ((إنْ كان المبيعُ في الأرضِ
مِمّا يُكَالُ أو يُوزَنُ بعدَ القَلْعِ كالنُّومِ والجَزَرِ والبَصَلِ، فَقَلَعَ المشتري شيئاً بإذنِ البائعِ أو قَلَعَ
البائعُ إنْ كان المقلوعُ مِمّا يدخُلُ تحتَ الكَيْلِ أو الوَزْنِ إذا رَأَى المقلوعَ ورَضِيَ به لَزِمَ البَيعُ
في الكُلِّ، وتكونُ (١٠) رُؤيةُ البعضِ كرُؤيةِ الكُلِّ إذا وَجَدَ الباقيَ كذلك، وإنْ كان المقلوعُ
شيئاً يسيراً لا يدخُلُ تحتَ الوَزْنِ لا يَبطُلُ خِيَارُهُ)). قال في "البحرِ"(١١): ((وإِنْ كان يُباعُ
(١) في "د" و"و": ((وهذا)) بالواو.
(٢) في "د": ((فإنْ)).
(٣) "جامع الرموز": كتاب البيع ٦/٢.
(٤) في النسخ جميعها: ((العقيلي))، وما أثبتناه من "القهستانيِّ" و"ط"، وتقدَّمت ترجمة الفَضْليِّ ٤٣٠/١.
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٤/٣.
(٦) المقولة [٢٢٤٨٨] قوله: ((ولا يدخلُ الزرعُ إلخ)).
(٧) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٤/٣.
(٨) "الفتاوى الهندية": كتاب البيوع - الفصل الثاني فيما تكون رؤية بعضه كرؤية الكل إلخ ٦٥/٣.
(٩) "الفتاوى الهندية": كتاب البيوع - الفصل الثاني فيما تكون رؤية بعضه كرؤية الكل إلخ ٦٤/٣.
(١٠) في "الأصل" و"ك" و"آ": ((ويكون)) بالياء، وكذا في "ط"، وما أثبتناه من "ب" و"م" هو الموافق لما في "الهندية".
(١١) "البحر": كتاب البيع - فصل: يدخل البناء والمفاتيح في بيع الدار ٣٢٦/٥ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٥٤٦
قسم المعاملات
(والمضامينِ) ما في ظُهُورِ الآباءِ مِن الَنِيِّ (والَلاقيحِ) جمعُ مَلْقُوحةٍ: ما في البَطنِ مِن الجَنِينِ
بعدَ القَلْعِ عَدَداً كالفُحلٍ، فَقَلَعَ البائعُ أو فَلَعَ الْمُشتري بإذنِ البائعِ لا يَلْزَمُهُ الكُلُّ؛ لأَنّه مِن
العَدَدَّاتِ المُتفاوتةِ بمنزلةِ النِّيَابِ والعَبِيدِ، وإِنْ قَلَعَهُ بلا إذنِ البائعِ لَزِمَهُ الكُلُّ إلّ أنْ يكونَ ذلك
شيئاً يسيراً، وإنْ أَبَى كُلٌّ القَلْعَ تبرَّعَ مُتْبِرِّعْ بِالقَلْعِ أو فَسَخَ القاضي العَقْدَ)) اهـ "ط)" (١).
مطلبٌ فِي بَيْعِ أَصلِ الفِصِفِصَةِ
قلتُ: بقيَ شَيءٌ لم أَرَ مَنْ نَبَّهَ عليهِ، وهو ما يكونُ أَصُهُ تحتَ الأَرضِ وَيَبْقَى سِنينَ مُتُعدِّدةً
مِثل: الفِصِفِصَةِ، تُزَرَعُ في أَرضِ الوَقْفِ وتكونُ كالكِرْدَارِ(٢) للمُستأجِرِ في زمانِنا، فإذا باعَ ذلك
الأَصلَ وعُلِمَ وجودُهُ في الأرضِ صَحَّبَيْعُهُ، لكنَّهُ لا يُرى ولا يُقَصَدُ قَلْعُهُ؛ لأَنَّه أُعِدَّ للبقاءِ، فهل
للمُشتري فَسْخُ البَيعِ بخيارِ الرُّؤْيِ؟ الظّهرُ: نَعَمْ؛ لأنَّ خِيارَ الرُّؤْيةِ يَثبُتُ قبلَ الرُّؤيةِ، تأمَّلْ.
[٢٣٢٧٤) (قولُهُ: ما في ظُهُورِ الآباءِ مِن الَنِيِّ مُوافَقٌ لِما في "الدُّرر"(٢) و"المنح"(٤)،
وعبارةُ "البحرِ"(٥): ((المضامينُ جمعُ مَضْمُونةٍ: ما فِي أَصلابِ الإِبِلِ، والملاقيحُ جَمعُ
مَلقُوحٍ: ما في بُطُونِها، وقيل بالعكسٍ)).
[٢٣٢٧٥) (قولُهُ: والملاقيحِ إلخ) يجبُ أنْ يُحمَلَ هاهنا على ما سيكونُ(٦)، وإلّ
كان حَمْلاً، وسيأتي أنَّ بَيْعَ الحَمْلِ فَاسِدٌ لا باطِلٌ، "درر"(٧).
قلتُ: وفي فسادِهِ كلامٌ سيأتي(٨).
(١) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٤/٣.
(٢) الكِرْدَار: هو أن يُحدِثَ المزارعُ في الأرض بناءً أو غِراساً أو كِبْساً بالتّراب، وقد مرَّ بيانه ٥٢٩/١٣.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٨/٢.
(٤) "المنح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق ١٤ /ب.
(٥) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٠/٦.
(٦) في هامش "م": ((قولُهُ: على ما سيكونُ)) أي: ما سَيَكُونُ مِنَ الَنِيِّ الواقعِ في الرَّحِمِ قبلَ أنْ يَكُونَ عَلَقَةً أو مُضْغَةً
مما لا يَصِدُقُ عليهِ اسمُ الحَمْلِ، وإلاَّ كان حَمْلاً اهـ.
(٧) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٨/٢، وفيه: ((وإلّ ما كان حَملاً))، بزيادة ((ما))، وهو خطأ.
(٨) المقولة [٢٣٣٥٣] قوله: ((جَزَمَ في "البحرِ" يُطْلانِهِ)).
الجزء الرابع عشر
٥٤٧
باب البيع الفاسد
(والنِّتَاجِ) بكسرِ النُّونِ: حَبَلُ الْحَبَلَةِ، أي: نِتاجُ النّاجِ لدَّةٍ أو آدميٌّ (وَبَيْعُ أَمَةٍ تَبِيَّنَ
أَنَّه) ذَكَّرَ الضَّميرَ لتذكيرِ الخبرِ (عَبْدٌ وعكسُهُ)
[٢٣٢٧٦) (قولُهُ: والنّاجِ بكسرِ النُّونِ) كذا ضَبَطَهُ "لنَّويُّ) (١)، واختارَهُ المُصنّفُ - يعني: "صاحبَ
الدُّرر"(٢) - وضَّبَطَهُ "الكاكيُّ" بفتحِ النُّونِ، وهو مصدرُ: نُتِحَتِ الَّاقَةُ على البناءِ للمفعولِ، والمرادُ به
هنا الَتُوجُ، وفسَّرَهُ "الزَّيلِعِيُّ) (٣) و"الرّازِيُّ(٤) و"مِسكينٌ)(٥) بِجَبَلِ الحَبَةِ، وَتَبِعَهم المصنّفُ، "نوح".
[٢٣٢٧٧) (قولُهُ: حَبَلُ الْحَبَلَةِ) بالفتحتَينِ فيهِما، قال في "المغربِ"(٦): ((مَصدرُ حَبِلَتِ المرأةُ
حَبَلاً فهي حُبَلَى، سُمِّيَ به المحمولُ كما سُمِّيَ بالَحَملِ، وإِنَّمَا أُدخِلَ عليه الّاءُ للإشعارِ بمعنى
الأُنُوثَةِ؛ لأنَّ معناهُ النَّهيُّ عن بَيْعِ ما سوف يَحمِلُهُ الْجَنينُ إنْ كان أُنثى، ومَن رَوَى: الْحَبَلَةَ
بكسرِ الباءِ فقد أخطّاً)) اهـ "نوح".
[٢٣٢٧٨] (قولُهُ: وَبَيْعُ أَمَةٍ إلخ) علَّهُ في "الدُّررِ"(٧): ((بأنّه بَيْعُ مَعدُومٍ))، ومقتضاهُ أنْ
يكونَ معطوفاً على قولِهِ(٨): ((حَقِّ التَّعَلِّي)) أو قولِهِ: ((والنّتاجِ))، فكان الواجبُ إسقاطَ
لفظِ ((بَيْعُ))، "نوح".
[٢٣٢٧٩] (قولُهُ: ذَكَّرَ الضَّميرَ) أي: أَتَّى به مُذكَّرً مع أنَّ الأَمَةَ مُؤنَتَّةٌ مُراعاةً لتذكيرِ الْخَبَرِ
وهو ((عَبْدٌ))، أو باعتبارِ الواقعِ.
[٢٣٢٨٠) (قولُهُ: وعكسُهُ) بالرَّفْعِ عطفاً على قولِهِ: (بَيْعُ)) وبالجرِّ عطفاً على ((أَمَةٍ))، "ط) (٩).
(١) نقول: نقله شرّاج "المنهاج" عن خطّ المصنّفِ "النووي" رحمه الله. انظر "حواشي تحفة المحتاج": باب في البيوع
المنهي عنها ٢٩٣/٤، و"نهاية المحتاج": ٤٤٨/٣.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٨/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٦/٤.
(٤) هو يوسف بن محمود بن محمد جمال الدين - وقيل: عز الدين - الطّهْراني الرازي (ت٧٩٤هـ)، له مختصر شرح
الزيلعي على "كنز الدقائق"، سماه "كشف الدقائق". ("كشف الظنون" ١٥١٦/٢، "الأعلام" ٢٥٣/٨).
(٥) "شرح منلا مسكين": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد صـ١٧٦ -.
(٦) "المغرب": مادة ((حبل)).
(٧) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٨/٢.
(٨) صـ ٥٤٣ - "در".
(٩) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٤/٣.
حاشية ابن عابدين
٥٤٨
قسم المعاملات
بخلافِ البَهائمِ. والأصلُ: أنَّ الذِّكَرَ والأُنثَى مِن بَنِي آدَمَ جِنسانِ حُكْماً فَيَبطُلُ،
وفي سائرِ الحَيَواناتِ جِنْسٌ واحدٌ، فيصحُّ وَيَتخيَّرُ؛ لفواتِ الوَصفِ (ومَتروكِ
التَّسميةِ عَمْداً) ..
[٢٣٢٨١] (قولُهُ: بخلافِ البَهائمِ) كما إذا باع كَبْشاً فإذا هو نَعجَةٌ، حيث يَنعقِدُ البَيعُ
وَيَتَخَّرُ، "بحر"(١).
مطلبٌ فيما إذا اجْتَمَعَت الإشارةُ مع التَّسميةِ
[٢٣٢٨٢) (قولُهُ: والأَصْلُ إلخ) قال في "الهدايةِ"(٢): ((والفَرْقُ يَبْتَنِي على الأصلِ الذي
ذَكَرناهُ في النّكاحِ لـ "محمَّدٍ" رحمهُ اللهُ تعالى، وهو أنَّ الإشارةَ مع النَّسميةِ إذا اجتمَعَتا ففي
مُخْتِفَي الجنسِ يتعلَّقُ العَقْدُ بِالُسمَّى وَيَبطُلُ لانعِدامِهِ، وفي مُتَّحدَي الجِنْسِ يتعلَّقُ بالمشارِ إليه
ويَنعقِدُ لوُجُودِهِ، ويتخَّرُ لفَواتِ الوَصفِ، كمَن اشترى عَبْدً على أَنَّه خبّارٌ فإذا هو كاتِبٌ، وفي
مسألتِنا الذَّكَرُ والأُنثَى مِن بني آدمَ جِنْسانِ للَّاوُتِ فِي الأَغراضِ، وفي الحَيَواناتِ جِنْسٌ
واحدٌ للَّقارُبِ فيها)) اهـ. قال في "البحرِ"(٣): ((والأَصلُ المذكورُ مُنَّفقٌ عليه هنا، ويجري
في سائرِ العُقُودِ مِن النّكاحِ، والإِجارةِ، والصُّلحِ عن دَمِ العَمْدِ، والخُلْعِ، والعِثْقِ على مالٍ. وبِهِ
ظهَرَ أنَّ الذَّكَرَ والأُنثَى فِي الآدَميِّ جنسانٍ في الفِقْهِ وإِنِ اتَّحَدا جِنساً في الَنطِقِ؛ لأَنَّه الذّاتِيُّ المَقُولُ
على كثيرِينَ مُخْتِفِينَ بِمُمٍِّ داخلٍ، وفي الفِقْهِ: الَقُولُ على كثيرِينَ لا يَتَفَاوَتُ الغَرَضُ (٣/ق٦٥ /ب]
(قولُهُ: وفي الفِقْهِ: الَقُولُ إلخ) وقال في "النَّهِ" مِن المهرِ: ((الجنسُ عندَ "أبي حنيفة" هو: الكُلّيُّ
المَقُولُ على كثيرِينَ مُتَّحِدِي الصُّورةِ والمعنى، وعندَ "أبي يوسف": المَقُولُ على كثيرِينَ مُخْتِفِينَ
بالأحكامِ، وعندَ "محمَّدٍ": مُختِفِينَ بالمقاصِدِ)) اهـ، وتمامُ ما يتعلَّقُ بذلك في "الفتحِ" مِن المَهرِ.
(١) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٩/٦.
(٢) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٦/٣ - ٤٧.
(٣) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٨٩/٦ بتصرف.
٥٤٩
باب البيع الفاسد
الجزء الرابع عشر
ولو مِن كافرٍ، "بزّازيَّةَ"(١). وكذا ما ضُمَّ إليه؛ ..
1
.
مِنها فاحِشاً))، قال في "الفتحِ"(٢): ((ومِن المُختَلِفَي الجنسِ ما إذا باعَ فَصَّاً على أَنَّه ياقوتٌ فإذا
هو زُجاجٌ فالبيعُ باطِلٌ، ولو باعَهُ ليلاً على أنَّه ياقوتٌ أحمرُ فَظهَرَ أصفَرَ صَحَّ البَيعُ ويُخَيَّرُ)).
[٢٣٢٨٣] (قولُهُ: ولو مِن كافرٍ) نقَلَهُ في "البحرِ"(٢) أيضاً عن "البزّازيَّةِ" وأقرَّهُ.
قلتُ: وينبغي أنْ يجريَ فيه الخلافُ المارُّ(٤) فيما ماتَتْ بسببٍ غيرِ الذَّبْحِ مِمّا يَدِينُ به أهلُ الذِّمَّةِ،
بل هذا بالأولى؛ لأَنْه مِمّا يَدِينُ به بعضُ المجتهِدِينَ، وكونُ حُرمتِهِ بالنَّصِّ لا يقتضي بُطْلانَ بَيْعِهِ
بينَ أهلِ الدِّمَّةِ؛ لأنَّ حُرمةَ المُنْخَيِقَةِ بالنَّصِّ أيضاً، ولَمّا اعتَقَدوا حِلَّها لم نَحْكُمْ يُطْلانِ بَيْعِها
بينَهُم، نَعَمْ لو باعَ متروكَ النَّسميةِ عَمْداً مُسلِمٌ يقولُ بحِلِّهِ كشافعيِّ نَحكُمُ بِيُطْلانِ بَيْعِهِ؛ لأَنَّه
مُتٌِ لأحكامِنا ومُعتَقِدٌ لِبُطْلانِ ما خالَفَ النَّصَّ، فُلزِمُهُ بُيُطْلانِ البَيعِ بالنَّصِّ بخلافِ أهلِ الدّمَّةِ؟
لأَنّا أُمِرنا بتَرْكِهم وما يَدِينونَ، فيكونُ بَيْعُهُ بِينَهُم صحيحاً أو فاسِدً لا باطِلاً كما مَرَّ(٤)، ويُؤَيِّدُهُ
ما مَرَّ(٥) في شِرْكَةِ الْمُفَاوَضةِ مِن عَدَمِ صِحَّتْها بينَ مُسلِمٍ وذِمِّيِّ؛ لِعَدَمِ الّساوي في النَّصرُّفِ،
١٠٢/٤ وَتَصِحُّ بِينَ حَفِيٌّ وشافِعِيِّ وإنْ كان يَتَصرَّفُ في متروكِ الَّسميةِ، وعَلَّلُوهُ بأنَّ ولايةَ الإلزامِ قائمةٌ،
ومعناهُ ما ذَكَرنا، فتدبّرْ.
/٢٣٢٨٤ ] (قولُهُ: وكذا ما ضُمَّ إليه) قال في "النَّهِ"(٦): ((ومَتروكُ الَّسميةِ عَمْداً كالذي ماتَ
(قولُهُ: وينبغي أنْ يجريَ فيه الخلافُ المارُّ إلخ) الظّاهرُ: أنَّ المرادَ بقولِ "الشّارحِ": ((ولو مِن
كافرٍ)) أنَّ المسلمَ باعَهُ مِن كافٍ، وَأَنَّه لا يَعْثِرُ مُعَتَقِدُهُ جوازَهُ.
(١) "البزازية": كتاب البيوع - الفصل الثالث فيما يجوز بيعه وما لا يجوز ٣٧٢/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٨/٦.
(٣) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٧٧/٦.
(٤) المقولة [٢٣٢٦٠] قوله: ((ولافَرْقَ في حقِّ المسلمِ إلخ)).
(٥) ٢٨٠/١٣ "در".
(٦) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٠/أ.
حاشية ابن عابدين
٥٥٠
قسم المعاملات
لأنَّ حُرمَتَهُ بِالنَّصِّ (وَبَيْعُ الكِرابِ وكَرْيِ الأَنهارِ) لأَنَّهُ ليس بمالٍ مُتْقَوِّمٍ، بخلافِ بناءِ
وشَحَرٍ، فَيَصِحُّ إذا لم يُشتَرَطْ تَرِكُها، "ولو الجيّة". (وما في حُكمِهِ) أي: حُكمِ ما
ليس بحالٍ (كَأُمِّ الوَلَدِ والمكاتَبِ والمُدَّرِ المطلَقِ)
حَتْفَ أَنْفِهِ، حتّى يَسرِي الفَسادُ إلى ما ضُمَّ إليه، وكان ينبغي أنْ لا يَسرِيَ؛ لأَنَّه مُحتهَدٌ فيه
كالُدَّرِ، فَيَنعقِدُ فيه البيعُ بالقضاءِ، وأجابَ في "الكافي": بأنَّ حُرمَتَهُ منصوصٌ عليها، فلا يُعتبَرُ
خلافُهُ، ولا يَنفُذُ بالقضاءِ)).
[٢٣٢٨٥) (قولُهُ: وَيْعُ الكِرابِ وكَرْيِ الأَنهارِ) في "المصباحِ"(١): ((كَرَبتُ الأرضَ مِن بابِ
قَلَ كِراباً بالكسرِ: قَلَبْتُها للحَرْثِ))، وفيه(٢) أيضاً: ((كَرَى النّهرَ كَرْياً مِن بَابِ رَمَى: حَفَرَ فيه
حُفْرَةً جديدةً)).
[ ٢٣٢٨٦] (قولُهُ: "ولو الجِيَّة") قال فيها (٣): ((ولو كان لرَجُلٍ عِمارةٌ في أرضِ رَجُلٍ
فباعَهَا إِنْ كان بناءً أو أشجاراً جازَ بَيْعُهُ إذا لم يُشتَرَطْ تَرِكُها، وإنْ كِراباً أو كَرْيَ الأنهارِ
ونحوَهُ فلم يكنْ ذلك بمالٍ ولا بمعنى مالٍ لا يجوزُ)) اهـ، يعني: يَبطُلُ، فإنَّه داخِلٌ تحتَ قولِنا:
بَطَلَ بَيْعُ ما ليس بمالٍ كما لا يخفى، وبعدمِ الجوازِ في الكِرابِ وكَرْيِ الأنهارِ ونحوِ ذلك
صرَّحَ في "الخانيّة"(٤) مُعلِّلاً: ((بأَنَّه ليس بمالٍ مُتْقَوٍِّ))، "منح"(٥). وتَقَدَّمَتِ المسألةُ أوَّلَ
الْبُيُوعِ(٦) مع الكلامِ على مَشَدِّ الْمُسكَةِ وَبَيْعِ البَراءاتِ(٧) والجامِكَّةِ(٨) والنّزولِ عن الوظائفِ،
(١) "المصباح": مادة ((کرب)).
(٢) "المصباح": مادة ((كري)).
(٣) لم نعثر على المسألة في مظانها من مخطوطة "الولوالجية" التي بين أيدينا، ولا في مطبوعتها.
(٤) "الخانية": كتاب البيوع - فصل في بيع الزروع والثمار ٢٥١/٢.
(٥) "المنح": کتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٢/ق ١٤ /ب.
(٦) صـ ٥٧ - "در".
(٧) في "الأصل" و"ك" و"آ" و"ب": ((البراوات)) بالواو، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لما تقدَّم في المقولة
[٢٢٢٦٢]، وشَرَحَها ابنُ عابدين هناك.
(٨) تقدَّم بيانها ٦٥٤/١٣ .
الجزء الرابع عشر
٥٥١
باب البيع الفاسد
فإنَّ بَيْعَ هؤلاءِ باطِلٌ، أي: بَقاءً -فلم يُملَكُوا بالقَبْضِ(١) - لا ابتداءً، فصَحَّ بَيْعُهُم مِن
أَنْفُسِهِم(٢)، وبَيْعُ قِنَّ ضُمَّ إليهم، "درر"(٣).
وأشبَعْنا الكلامَ على ذلك كلّهِ.
[٢٣٢٨٧) (قولُهُ: فإنَّ بَيْعَ هؤلاءِ باطِلٌ) كذا في "الهدايةِ"(٤)، وأُورِدَ أَنَّه لو كان باطِلاً لسَرَى
البطلانُ إلى ما ضُمَّ إليهم كالمَضْمُومِ إلى الحُرِّ، وسيأتي(٥) أَنَّه لا يَسرِي، وقال بعضُهم: فاسِدٌ،
وأُورِدَ أَنَّه يَلَمُ أنْ يُملَكوا بالقَبْضِ مع أنّهم لم يُملَكوا به اتفاقاً، وأُجِيبَ عنهما بادِّعاءِ الَّخصيصِ،
وهو أنَّ مِن الباطِلِ ما لا يَسري حُكمُهُ إلى المضمومِ لضَعْفِهِ، ومِن الفاسِدِ ما لا يُملَكُ بالقَبْضِ،
وذكَرَ في "الفتح"(٦): ((أَنَّ الحقَّ أَنَّه باطِلٌ ولا تخصيصَ؛ لجوازِ تَخَلَّفِ بعضِ الأفرادِ لِخُصُوصَّةٍ)).
(قولُ "الشّارِحِ": فصَحَّ بَيْعُهم مِن أَنفُسِهِم إلخ) قال "البِرِجَنديُّ": ((ليس ذلك بَيْعٍ حقيقةً، وإنَّما هو
إعتاقٌ على مالٍ، فلا يَرِدُ نَقْضاً انتهى)) اهـ "سِنديّ".
(قولُهُ: وذكَرَ في "الفتح": أنَّ الحقَّ أَنَّه باطِلٌ إلخ) قال في "الفتحِ" جواباً عن الإيرادِ الأوَّلِ الوارِدِ على
قولِ "الهداية" بالبطلانِ: ((وأُجِيبَ: بأنَّ المرادَ مِن قولِهِ: باطِلٌ أَنَّهم لا يُمَكون بالقَبْضِ كما لا يُمَلَكُ الحُرُّ،
فكان مِثْلَهُ؛ فلو قال: فاسِدٌ ظُنَّ أَنّهم يُمَكون، وأمّا تَمَلُّكُ القِنِّ الْمَضْمُومِ إليهم فِلِدُخُولِهم في البيعِ لصلاحيتهم
لذلك، بدليلٍ جوازٍ بَيْعِ الُدَّرِ مِن نَفْسِهِ، ولذا لو قَضَى قاضٍ بجوازٍ بَيْعِهِ نَفَذَ، وكذا أُمُّ الولدِ عندَ "الشَّيخَينِ"
(١) في هامش "م": ((قولُ "الشَّارِحِ": فَلَمْ يُملَكوا بالقَبضِ)) أي: لأنَّ استحقاقَ العتقِ قد تَبَتَ في حقٍّ أُمِّالولَدِ بقَولِهِ
عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أَعتَقَها ولدُها))، وسَبَبُ الحرِّيةِ انعَقَدَ في حقِّ المُدَِّ في الحالِ لِبُطلانِ الأَهلِيَّةِ بعدَ الموتِ،
والمكاتبُ استحقَّ يَداً على نَفْسِهِ لازِمةً في حقِّ المولى، ولَو تَبتَ الِلْكُ بالبيعِ لبَطلَ ذلكَ كُلُهُ. اهـ عَن "أبي السُّعودِ".
(٢) في هامش "٢": ((قَولُ "الشَّارِح": فصحَّ بَيْعُهم منْ أَنفسِهِم)) قال "البرجنديّ" في "شَرح النّقَايَةُ": ((ولا يَرِدُ على هذا بَیعُ
المديَِّ مِن نَفْسِهِ أو بَيْعُ أُمِّالوَلَدِ مِن نَفسِها؛ لأنّه ليس بَيْعاً حَقِيقَةً بلْ إِعتاقٌ على مالٍ، فلا يَرِدُ نَقضاً)) اهـ.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٨/٢ - ١٦٩ بتصرف.
(٤) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٢/٣.
(٥) المقولة [٢٣٤٩٤] قوله: ((ولمكانِ الاجتهادِ)).
(٦) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٧/٦.
حاشية ابن عابدين
٥٥٢
قسم المعاملات
وقولُ "ابنِ الكمالِ": ((َبَيْعُ هَؤُلاءِ باطلٌ موقوفٌ)) ضعَّفَهُ في "البحرِ"(١): ((بأنَّ الْمُرجَّحَ
اشتراطُ رِضا المكاتَبِ قبلَ البَيعِ، وعدمُ نَفَاذِ القَضاءِ بَيْعِ أُمِّ الولدِ(٣))،
قلتُ: وما ذكَرَهُ "الشّارعُ" يَصِلُحُ بياناً للخُصُوصِيَّةِ، وذلك أنَّ بَيْعَ الْحُرِّ بَاطِلٌ ابتداءً وبقاءً؛
لعدمٍ مَحَلِّتِهِ للبيعِ أصلاً بُبُوتِ حقيقةِ الحُرَّّةِ، وَبَيْعَ هؤلاءِ باطِلٌ بقاءً لِحَقِّ الحُرِّيَّةِ - فِذا لم يُمَلَكُوا
بالقَبْضِ - لا ايِداءً؛ لعدمٍ حَقِيقِها، فلذا جازَ بَيْعُهم مِن أَنفُسِهِم، ولا يَزَمُ بُطْلانُ بَيْعِ قِنَّ ضُمَّ إليهم؛
لأَنّهم دخلوا في البيعِ ابتداءً؛ لكَونِهِم مَحَلّ له في الجملةِ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنه لَتَعلّقِ حَقِّهم، فَبَقِيَ القِنُّ
بحِصَّتِهِ مِن الثَّمَنِ، وتمامُهُ في "الدُّرر"(٣).
[٢٣٢٨٨] (قولُهُ: وقولُ "ابنِ الكمالِ") عبارتُهُ: ((البَيعُ في هؤلاءِ باطِلٌ موقوفٌ: يَنْقِلِبُ جائزاً
بالرِّضا في المكاَتَبِ، وبالقضاءِ في الآخرينَ؛ لقيامِ الماليّةِ)) اهـ.
[٢٣٢٨٩) (قولُهُ: قبلَ البيعِ) وَتَنَفسِخُ الكتابَةُ فِي ضِمِنِهِ؛ لأنَّ اللُّزومَ كان لِحَقِّهِ وقد رَضِيَ
بإسقاطِهِ، أمّا إذا باعَهُ بغيرِ رِضاهُ فأجازَهُ لم يَحُرْ روايةً واحدةً؛ لأنَّ إجازتَهُ لم تَتَضمَّنْ فَسْخَ
في أصحِّ الرِّوايتَينِ، وهذا الجوابُ رُبَّما يُوهِمُ أَنَّه بَيْعٌ فاسِدٌ، ولكنَّهُ خُصَّ حُكمُ الفاسِدِ بعدمِ الملكِ
بالقَبْضِ. والحقُّ أَنَّه لا حاجةَ إلى الحُكمِ بالتَّخصيصِ، فهو باطلٌ، وحُكمُهُ كَحُكمِهِ، وجازَ أنْ يَتَخَلَّفَ
أفرادُ نوعٍ شَرعيّ في الحُكمِ الشَّرِعِيِّ لِخُصُوصِيَّةٍ)) اهـ، فتأمَّل.
(١) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٧٨/٦ بتصرف.
(٢) في هامش "م": ((قَولُ "الشَّارِحِ": وعَدَمُ نفاذِ القَضاءِ بَيعِ أُمِّالولد)) قال "البَدرُ العَينِيُّ": ((هذهِ المَسأَلَةُ كانَتْ مختلفاً فيها في
الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وكانَ "عُمرُ" لا يُحِزُ بَيْعَها، وكانَ "عليٌّ" يُحِزُ بِيعَها، ثمَّ أَجمَعَ الَّابِعونَ على عَدَمٍ جَوازٍ بَيعها، فإِذا قَضَى
قاضٍ بعدَ ذلكَ بجوازٍ بَيْعِها هلْ يَقَعُ ذلكَ في مَوضعِ الإِجماعِ أو في مَوضِعِ الخلافِ؟ وذلكَ بناءً على أنَّ الإِجماعَ المتأخّرَ هَلْ
يَرفَعُ الخلافَ السَّابِقَ أو لا، فعندَ البَعضِ: لا يَرفَعُ الخلافَ السَّابِقَ، وعندنا: يَنعقدُ ويرتَفِعُ الخلافُ السَّابقُ، وقد استدلَّ
صاحبُ "الَّقويمِ" على هذا بقَولِهِ: وقد رَوَى "محمَّدُ بنُ الحَسَنِ" عَنْهِمْ جَميعً: أنَّالقاضيَ إذا قَضَى بَيْعِ أُمِّالولَدِ لم يجزْ، وفي
"ُصولِ الأُسْتِروشَنِيّ": وفي قَضاءِ القاضي بَيَعِ أُمِّ الولَدِ روايتانِ أَظهرُهُما: أنّه لا يَنفُذُ، وفي قَضاءِ "الجامِعِ": أَنَّهُ يَتَوقّفُ على
إمضاءٍ قاضٍ آخَرَ، إِن أَمضاهُ نَفَذَ، وإِنْ أَبِطَلَهُ بَطَلَ، وهذا أَوجَهُ الَّقاويلٍ)) اهـ. "ط" عَنْ أَبِي السُّعودِ".
(٣) انظر: "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ١٦٩/٢.
الجزء الرابع عشر
٥٥٣
باب البیع الفاسد
وصَحَّحَ في "الفتح"(١) نَفَاذَهُ.
قلتُ: الأَوجَهُ تَوَقُّفُهُ على قضاءٍ آخَرَ إِمضاءً أو رَدّاً، "عينيّ))(٢)
الكتابةِ قبلَ العَقْدِ، كذا في "السِّراجِ"، وفي "الخانيّة"(٣): ((لو بِيْعَ بغيرِ رِضاهُ فأجازَ بَيْعَ مَولاهُ
لم يَنفُذْ في الصَّحيحِ مِن الرِّوايةِ، وعليهِ عامَّةُ المشايخِ))، "نهر"(٤).
قلتُ: لكنْ ذَكَرَ في "الهداية"(٥) آخِرَ البابِ فيما لو جَمَعَ بينَ عَبدٍ ومُدَّرٍ - وَتَبْعَهُ في
"البحرِ"(٦) و "الفتحِ"(٧) - : ((أَنَّ البَيعَ في هؤلاءِ موقوفٌ، وقد دَخُلُوا تحتَ العَقْدِ؛ لقِيامِ المالِيَّةِ،
ولهذا يَنْفُذُ في المكاَتَبِ بِرِضاهُ فِي الأصحِّ، وفي المُدَبَّرِ بقضاءِ القاضي، وكذا في أُمِّالولدِ عندَ
"أبي حنيفةً" و"أبي يوسفَ")) اهـ. فقولُهُ: ((موقوفٌ)) [٣/ق ١/٦٦] مُخالِفٌ لقولِهِ هنا:
((باطِلٌ))، وقولُهُ: ((يَنفُذُ في المكاتَبِ برِضاهُ في الأصحِّ)) مُخالِفٌ للمذكورِ عن "السِّراجِ"
و"الخانيَّةِ"، وبهذا يتأَيَّدُ ما ذكَرَهُ "ابنُ الكمالِ"، وقد يُجابُ بأنَّ قولَهُ: ((يَنْفُذُ فِي الْمُكاتَبِ
برِضاهُ في الأصحّ)) أي: رِضاهُ وقتَ البَيعِ، فيكونُ موقوفاً في الابتداءِ على رِضاهُ، فلو لم
يَرْضَ كان باطِلاً، وبهذا تنتفي المخالَفةُ بينَ كلامَيهِ، لكنَّ هذا الجوابَ لا يتأَنَّى في عبارةٍ
"ابنِ الكمالِ"، فتأمَّلْ.
[٢٣٢٩٠] (قولُهُ: قلتُ: الأَوجَهُ إلخ) أي: إذا قَضَى بِنَفَاذِ بَيْعِ أُمِّ الولدِ قاضٍ يَراهُ لا يَنفُذُ
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٧/٦.
(٢) "رمز الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٣٠/٢ بتصرف.
(٣) "الخانية": كتاب الدعوى والبِّنات - باب ما يبطل دعوى المدَّعي قبل القضاء أو بعده - فصل فيما يقضى في
المجتهدات إلخ ٤٥٧/٢ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٤) "النھر": کتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٠/ب.
(٥) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٥٠/٣.
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٩٨/٦.
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٩٠/٦.
حاشية ابن عابدين
٥٥٤
قسم المعاملات
و"نهر"(١)، فليُّكُنِ التَّوفيقَ. وفي "السِّرَاجِ": ((وَلَدُ هؤلاءِ كَهُمْ، وبَيْعُ مُبعَّضٍ كحُرِّ)).
(و) بَطَلَ (بَيْعُ مالٍ غيرِ مُنقوِّمٍ) أي: غيرِ مُباحِ الانتفاعِ به، "ابن كمالٍ"، فليُحفَظْ.
(كخَمْرٍ وخِنزيرٍ ومَيْنَةٍ لم تَمُتْ حَتْفَ أَفِها) بل بالَخَيْقِ.
فإذا رُفِعَ إلى قاضٍ آخَرَ فَأَمضاهُ نَفَذَ الأَوَّلُ، وإِنْ رَدَّهُ ارْتَدَّ، وقدَّمنا (٢) تحقيقَ ذلك في بابِ الاستيلاد.
(٢٣٢٩١] (قولُهُ: فلَيَكُن التَّوفيقَ) بَحَمْلِ ما في "البحرِ" على ما قبلَ الإمضاءِ، وما في "الفتحِ"
علی ما بعدَهُ.
[مطلب: إدخالُ الكاف على الضمير المنفصل قليلٌ]
[٢٣٢٩٢] (قولُهُ: وَلَدُ هؤلاءِ كَهُمْ) أي: وَلَدُ أُمِّ الوَلَدِ مِن غيرِ سَيِّدِها، بأنْ زَوَّجَها فوَلَدَتْ
بعدَما وَلَدَتْ مِن سِّدِها، وكذا وَلَدُ الُدَّرِ أو المكاَتَبِ(٣) المولودُ بعدَ الَّدبيرِ والكتابةِ، وَقَولُهُ:
((كَهُمْ)) أي: في حُكمِهِم، وفيه إدخالُ الكافِ على الضَّميرِ، وهو قليلٌ (٤).
(٢٣٢٩٣) (قولُهُ: وَبَيْعُ مُبْعَّضٍ) أي: مُعتَقِ البعضِ كَبِيْعِ الخُرِّ.
(٢٣٢٩٤) (قولُهُ: "ابن كمالٍ) ونصُّهُ: ((النَّقْوُّمُ - على ما ذَكَرَ في "الََّويحِ"(٥) - ضَرْبانِ:
عُرْبٌّ: وهو بالإِحرازِ، فغيرُ المُحرَزِ كالصَّيدِ والحشيشِ ليس بِمُتَقَوِّمٍ. وشَرْعيٌّ: وهو بإباحةِ الانتفاعِ
بِهِ، وهو المرادُ ها هنا مَنفياً)) اهـ، أي: هو المرادُ بالتَّقَوُّمِ المَنِفِيِّ هنا.
[٢٣٢٩٥] (قولُهُ: كخَمْرٍ) قَّدَ بها لأنَّ بَيْعَ ما سواها مِن الأشرِبِةِ المُحرَّمَةِ جائزٌ عندَهُ خلافاً
لهما، كذا في "البدائعِ"(٦)، "نَھر"(٧).
[٢٣٢٩٦] (قولُهُ: ومَيْنَةٍ لم تَمُتْ حَتْفَ أَنفِها) هذا في حَقِّ المُسلِمِ، أمّا الذِّمِّيُّ ففي روايةٍ: بَيْعُها
(١) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٠/ب.
(٢) المقولة [١٧٠١٢] قوله: ((لم يَنْفُذ)).
(٣) في "ك" و"آ": ((والمكاتب)) بالواو بدل ((أو)).
(٤) سيأتي في المقولة [٢٣٩٨٠] من كلام "ابن عابدين" نقلاً عن "الحَمَويّ" أنه مختص بالضرورة، وانظر "شرح ابن
عقيل" ١٠/٢ - ١٤.
(٥) لم نعثر على النصّ في مظانه من نسخة "التلويح" التي بين أيدينا.
(٦) "البدائع": كتاب البيوع - فصل: وأمَّا الذي يرجع إلى نفس المعقود عليه إلخ ١٤٤/٥.
(٧) "النهر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ق ٣٨٠/ب.
الجزء الرابع عشر
٥٥٥
باب البيع الفاسد
ونحوهِ، فإنّها مالٌ عندَ الذِّمِّيِّ كخَمرٍ وخِنزيرٍ. وهذا إنْ بِعَتْ (بالثَّمَنِ) - أي: بالدّيْنِ
كدراهمَ ودَنانيرَ ومَكيلٍ ومَوزونٍ - بَطَلَ في الكُلِّ،
صحيحٌ، وفي أُخرى: فاسِدٌ كما قدَّمناهُ(١) عن "البحرِ"، وظاهرُهُ أنَّ اخْتِلافَ الرِّوايةِ في الَيْنَةِ
فقط، أمّا الخَمرُ فصحیحٌ.
[٢٣٢٩٧] (قولُهُ: ونحوِهِ) كالجَرْحِ والضَّرْبِ مِن أسبابِ الموتِ سِوى الذَّكَاةِ الشَّرعيَّةِ.
[٢٣٢٩٨) (قولُهُ: فإِنَّها) أي: الَيْنَةَ المذكورةَ، أمّا التي ماتَتْ حَتْفَ أَنفِها فهي غيرُ مالٍ عندَ
الكُلِّ، فلذا بَطَلَ بَيْعُها فِي حَقِّ الْكُلِّ كما مَرَّ(٢).
[٢٣٢٩٩] (قولُهُ: وهذا) أي: الحُكمُ المذكورُ بُطْلانِ البَيعِ بلا تفصيلٍ.
[٢٣٣٠٠) (قولُهُ: أي: بالدّينِ) أي: ما يصحُّ أنْ يَنْبُتَ دَيْناً في الذِّمَّةِ، قال "ابنُ كمال": ((إنّما
قال: بالدّيْنِ دونَ الَّمَنِ لأَنَّ الدَّيْنَ أَعَمُّ منه، والمُعْتَرُ الْمُقَابَلُ بِهِ دُونَ النَّمَنِ)) ..
١٠٣/٤
(٢٣٣٠١] (قولُهُ: بَطَلَ في الكُلِّ) لأنَّ المبيعَ هو الأصلُ، وليس مَحَلاَّ للتَّمليكِ فِبَطَلَ
فيه، فكذا في الثَّمَنِ، بخلافِ ما إذا كان الثَّمَنُ عَيْناً، فإنَّه مَبيعٌ مِن وَجْهٍ مقصودٍ
بالتَّمِلُّكِ(٣)، ولكنْ فَسَدَتِ التَّسميةُ فوَحَبَتْ قِيْمَتُهُ دونَ الَخَمْرِ الْمُسمَّى.
(قولُهُ: قال "ابنُ كمالٍ": إنَّما قال: بالدّيْنِ دونَ الثَّمَنِ إلخ) عبارةُ "ابنِ الكمال": ((وَيْعُ مالٍ غيرِ
مُتقوِّمٍ كخَمرٍ وخِنزيرٍ بالدَّينِ. إِنَّما قال: بالدّينِ دونَ الثَّمَنِ لأَنَّ الدَّينَ أَعَمُّ منه، والمعتبَرُ المقابلةُ به دونَ
الثَّمَنِ على ما أفصَحَ عنه "صاحبُ الهدايةِ" حيث قال: وأمّا بَيْعُ الخمرِ والخِنْزِيرِ فإنْ كان قُوِلَ بالدّينِ
كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ فالبَيعُ باطِلٌّ، وإنْ كان قُوِيِلَ بِعَيْنٍ مُعَيَّنٍ فَالبَيعُ فَاسِدٌ، حتّى يَمِلِكُ ما قابَلَهُ وإنْ كان
لا يَمَلِكُ عَيْنَ الخمرِ والخِنْزِيرِ)) اهـ.
(١) المقولة [٢٣٢٦٠] قوله: ((ولا فَرْقَ في حَقِّ المسلِمِ إلخ)).
(٢) صـ ٥٤٠ - وما بعدها "در".
(٣) في "ك": ((بالتمليك)).
حاشية ابن عابدين
٥٥٦
قسم المعاملات
وإِنْ بِيعَتْ بَعَينِ كَعَرْضٍ بَطَلَ في الْخَمْرِ وَفَسَدَ في العَرْضِ، فَيَمِلِكُهُ بالقَبْضِ بِقِيْمِتِهِ،
"ابن كمال".
(و) بَطَلَ (بَيْعُ قِنِّ ضُمَّ إلى حُرِّ، وَذَكَيَّةٍ ضُمَّتْ إلى مَيْنَةٍ ماتَتْ حَتْفَ أَنفِها) قَيَّدَ به
لتكونَ كالحُرِّ (وإنْ سَمَّى ثَمَنَ كُلِّ) أي: فصَّلَ الثَّمَنَ خلافاً لهما، ومَبَنَى الخلافِ
أنَّ الصَّفقةَ لا تتعدَّدُ بمجرَّدٍ تفصيلِ الثّمَنِ،
[٢٣٣٠٢] (قولُهُ: بَطَلَ في الخَمرِ) أي: وفي أَخَويهِ كما يُستَفادُ مِن "المتن"
و "الزَّيلعيِّ"(١)، "سائِحانيّ". قال في "البحرِ"(٢): ((والحاصِلُ أنَّ بَيْعَ الَخَمرِ بَاطِلٌ مُطلقاً،
وإنَّما الكلامُ فيما قابَلَهُ، فإنْ دَيْناً كان باطِلاً أيضاً، وإنْ عَرْضاً كان فاسِداً))، ثمَّ قال(٢):
((وقَيَّدْنا بالُسلِمِ لأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ لا يُمنَعونَ مِن بَيْعِها؛ لاعتقادِهمُ الحِلَّ والنَّموُّلَ، وقد
أُمِرْنا بِتَرْكِهم وما يَدِينونَ، كذا في "البدائعِ"(٣))) اهـ مُلخَّصاً. وظاهرُهُ الْحُكمُ بصحَّةٍ
بَيْعِها فيما بينَهُم ولو بِيعَتْ بالثَّمَنِ، وَيَشْهَدُ له فُروعٌ ذكَرَها بعدَهُ.
(٢٣٣٠٣] (قولُهُ: بِقِيْمِ) لم يَذْكُر "ابنُ الكمالِ"(٤) القِيْمَةَ وإنْ كانَتْ مُرادةٌ، "ط) (٥).
[٢٣٣٠٤) (قولُهُ: ضُمَّ إلى حُرٍّ ولو مُبعَّضاً كمُعَتَقِ البَعضِ كما مَرَّ(٦) في بابِ عِنْقِ الْبَعضِ.
[٢٣٣٠٥] (قولُهُ: لتكونَ كالحُرِّ) أي: فلا تكونُ مالاً أصلاً، أمّا لو ماَتَتْ بَخَيِقٍ أو نحوِهِ فهي
مالٌ غيرُ مُتْقَوِّمٍ كما مَرَّ( ٧) آنفاً، فينبغي أنْ يَصِحَّ الْبَيعُ فيما ضُمَّ إليها كَبْعِ قِنْ ضُمَّ إلى مُدَّرٍ، تأمَّلْ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٤/٤.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب البيع الفاسد ٧٧/٦.
(٣) "البدائع": كتاب البيوع - فصلٌ: وأمَّا الذي يرجع إلى نفس المعقود عليه إلخ ١٤٣/٥.
(٤) في "ب" و"م": ((ابن كمال))، وما أثبتناه من "الأصل" و"ك" و"آ" هو الموافق لما في "ط".
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٦٦/٣.
(٦) المقولة [١٦٦٣١] قوله: ((بَطَلَ فيهما)).
(٧) المقولة [٢٣٢٦٠] قوله: ((ولا فَرْقَ في حَقِّ المسلِم إلخ)) وما بعدها.
باب البيع الفاسد
الجزء الرابع عشر
٥٥٧
بل لابُدَّ مِن تكرارِ(١) لفظِ العَقْدِ عندَهُ خلافاً لهما، وظاهرُ "النِّهاية" يُفيدُ أَنَّه فاسِدٌ.
[٢٣٣٠٦) (قولُهُ: خلافاً لهما) فعندَهُما إذا فَصَّلَ ثَمَنَ كُلِّ جازَ في القِنِّ والذَّكَّةِ بحِصَّتِهما(٢)
مِن الثَّمَنِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ(٣) تَصِيرُ مُتَعدِّدةً معنَّى، فلا يَسرِي الفَسادُ مِن إحداهما(٤) إلى الأُخرى.
[٢٣٣٠٧) (قولُهُ: وظاهرُ "النّهاية" يُفيدُ أنَّه فَاسِدٌ) أي: ما ضُمَّ إلى الحُرِّ والَيْنَةِ، وهو
القِنُّ والذَّكَيَّةُ، وعَزَاهُ "القُهِستانيُّ)) (٥) لـ "المحيطِ"(٦) و"المبسوطِ"(٧) وغيرِهما. والظّاهرُ أنَّ
المرادَ بالفاسِدِ الباطِلُ، فُوافِقُ ما في "الهدايةِ (٨) وغيرِها مِن التّصريحِ بالبطلانِ، تأمَّلْ.
(قولُهُ: والظّاهرُ أنَّ المرادَ بالغاسِدِ الباطِلُ إلخ) التَّعليلُ للمسألةِ بأنَّ فيه بَيْعاً بالحِصَّةِ ابتداءً، وبأنَّ قُبُولَ العَقْدِ
في الحُرِّ والَيْئَةِ شَرطُ الجوازِ في العبدِ والذَّكَيَّةِ يَقضِي بَحَمْلِ الْبُطلانِ المصرَّحِ به في "الهداية" وغيرِها على الفسادِ،
وأيضاً الخَلَلُ هنا في الذَّكَيَّةِ والعبدِ إِنَّما جاء مِن خارجٍ عنهما، ومُقْتَضَى ذلك الفسادُ لا البُطلانُ كما يُعلَمُ مِن
الضّابِطِ، تأمَّلْ.
(١) في "د" و"و": ((تكرر)).
(٢) في "م": ((بحصتها)).
(٣) في هامش "م": ((قوله: لأنَّ الصَّفْقَةَ إلخ))، وللإمامِ: أنَّ الصَّفْقَةَ مُتَّحِدَّةٌ، والحُرُّ والميتةُ لا يَدخلانِ تحتَ العَقدِ؛
لأَنَّهما ليسا بمالٍ، فكانَ القَبولُ في الْحُرِّ والميتةِ شَرطاً للبيعِ في القِنِّ والذَّكَّةِ، وهو شَرطٌ فاسِدٌ، فَيَبطلُ البيعُ في القِنِّ
والذِّكَيَّةِ، اهـ "طَ" عن العلاّمَةِ "نُوحِ أَفَنديّ"، لكِنَّ مُقْتَضَى قَولِهِ: ((فَكانَ القَبولُ إلخ)) أنْ يَكونَ البيعُ فاسداً
لا باطلاً، فيُوافِقُ ظاهرَ "النّهايَةِ"، ولعلَّ في المسألةِ قَولينٍ، ولا حاجَةَ إلى حَملِ "المحشِّي" الفسادَ في عبارَةِ "النّهَايَةِ"
وغَيْرِها على الْبُطلانِ، على أنَّ تَعليلَهم الْبُطلانَ - بأَنَّهُ بَيْعٌ بالحِصَّةِ ابتداءً - يَقْتَضِي الفَسادَ أَيضاً؛ لأَنَّ بَيعَ الحِصَّةِ
ليس فيه إلاَّ الخَلَلُ في الثّمن، وهو يَقْتَضِيِ الفَسادَ، فالظَّاهرُ: أنْ يُحمَلَ البُطلانُ على الفَسادِ لا العَكسِ اهـ.
(٤) في "ك" و"آ": ((أحدهما)).
(٥) "جامع الرموز": كتاب البيع - فصل البيع الباطل والفاسد ١٩/٢.
(٦) "المحيط البرهاني": كتاب البيع - الفصل السادس فيما يجوز وما لا يجوز بيعه ٣/ق٥٨/أ.
(٧) "المبسوط": كتاب البيوع - باب البيوع الفاسدة ٣/١٣.
(٨) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٢/٣.
حاشية ابن عابدين
٥٥٨
قسم المعاملات
(بخلافِ بَيْعِ قِنَّ ضُمَّ إِلى مُدٍَّ) أو نحوِهٍ(١)، فإنَّه يصحُّ.
[٢٣٣٠٨) (قولُهُ: بخلافٍ بَيْعِ قِنِّ ضُمَّ إِلى مُدَّرٍ) كمُكَاتَبٍ وأمِّ ولدٍ كما في "الفتح"(٢)،
أي: فَيَصِحُّ في القِنِّ بحِصَّتِهِ؛ لأنَّ المُدَّرَ مَحَلٌّ للبيعِ عندَ البعضِ، فَيَدخُلُ فِي العَقْدِ ثُمَّ يَخْرُجُ،
فَيكونُ البَيعُ بالحِصَّةِ في البقاءِ (٣) دونَ الابتداءِ، وفائدةُ ذلك تصحيحُ كلامِ العاقِلِ مع رعايةِ حَقِّ
الْمُدَبَِّ، "ابن كمالٍ".
قلتُ: ومعنى البيعِ بالخِصَّةِ بقاءً [٣ ق٦٦/ب] أَنَّه لَمّا خَرَجَ المُدَبَّرُ صار القِنُّ مَبِيعاً بحِصَِّهِ مِن
الثَّمَنِ، بِأنْ يُقْسَمَ الثَّمَنُ على قِيْمِهِ وقِيْمَةِ المُدَّرِ، فما أصابَ القِنَّ فهو ثَمَنُهُ، وهذا بخلافٍ ضَمِّ القِنِّ
إلى الحُرِّ، فإنَّ فيه البَيعَ بالحِصَّةِ ابتداءً؛ لأنَّ الحُرَّ لم يَدخُلْ فِي العَقْدِ لعدمِ مالِيَتِهِ.
(تنبيةٌ)
تقدَّمَ(٤) أنَّ بَيْعَ الْمُدَّرِ ونحوِهِ باطِلٌ؛ لعدمٍ دُخولِهِ في العَقْدِ، وها هنا إنَّمَا دَخَلَ لتصحيحِ العَقْدِ فيما
ضُمَّ إليهِ، قال في "الهدايةِ"(٥) هناك: ((فصار كمالِ المشتري، لا يَدخُلُ في حُكْمٍ عَقْدِهِ بانفرادِهِ،
وإِنَّمَا يَتْبُتُ حُكُمُ الدُّخولِ فيما ضُمَّ إليه)) اهـ، أي: إذا ضَمَّ البائعُ إليه مالَ نفسِهِ وباعَهُما له صَفِقةً
واحدةً يجوزُ البيعُ في الَمَضْمُومِ بالحِصَّةِ مِن الَّمَنِ المُسمَّى على الأصحِّ وإِنْ قيل: إنّه لا يَصِحُّ أصلاً
"(٦)
في شيءٍ، "فتح"(٦).
مطلبٌ فيما إذا اشتَرَى أحدُ الشَّرِيكَينِ جميعَ الدّارِ الْمُشتَرَكَةِ مِن شَرِيكِهِ
قلتُ: عُلِمَ مِن هذا ما يَقَعُ كثيراً، وهو أنَّ أحدَ الشَّرِيكَينِ في دارٍ ونحوِها يشتري مِن شَرِیکِهِ
(١) في "د" و"و": ((ونحوه)) بالواو.
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٧/٦.
(٣) في "ك": ((الباقي))، وهو خطأ.
(٤) صـ ٥٥٠ - "در".
(٥) "الهداية": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٣/٣.
(٦) "الفتح": كتاب البيوع - باب البيع الفاسد ٤٩/٦.