النص المفهرس

صفحات 341-360

الجزء الرابع عشر
٣٣٩
باب خيار الشَّرط
حَمْلٌ لو بالفارسيَّةِ، أمَّا في العربيّةِ فإنّهُ يُفرَّقُ فيها بينَ الإِيفاءِ والحمْلِ، والعقدُ يَقتضي الأَوَّلَ
لا الثَّانِيَ فيفسُدُ البيعُ. وشَرطُ حَذْوِ النَّعلِ. وشَرطُ خَرْزِ الْخُفِّ. وَشَرطُ جَعْلٍ رُقعةٍ على ثَوبٍ
اشتَرَاهُ مِن خَلَقائِيٌّ(١). وشَرطُ كَونِ الَّبِ سُداسيًّا؛ فإذا وَجَدَهُ خماسيّاً أخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمنِ أو
تَرَكَ؛ لأَنَّهُ اختلافُ نوعٍ لا جنسٍ فلا يُفسِدُ. وشَرِطُ كَونِ السَّويقِ مَلتوتاً بِمَنِّ سمنٍ. وشَرطُ
كونِ الصَّابونِ مُتَّخَذَاً مِنْ كَذَا جَرَّةً مِنَ الرَّيتِ؛ ففيهما لَو كَانَ يَنظُرُ إلى المبيعِ وقَبَضَهُ، ثمَّ ظهَرَ
أنَّهُ مَّتَّخَذٌ مِنْ أَقَلَّ ◌َمَا ذُكِرَ منَ السَّمنِ أو الزَّيتِ جازَ البيعُ بلا خيارٍ؛ لأنَّ هذا مما يُعرَفُ بالعِيانِ،
فإذا عاَنَهُ انْتَفَى الغَرَرُ، ومثلُهُ ما لو اشْتَرَى قميصاً على أنَّهُ مُتَّخَذٌ مِنْ عَشرةٍ أَذرُعٍ وهو يَنظُرُ إليهِ،
فظَهَرَ مِنْ تسعَةٍ جازَ بلا خیارٍ.
قلتُ: ويُشكِلُ عَليهِ مسألةُ السُّداسيِّ، على أَنَّ كَونَهُ مَّا يُعرَفُ بالعِيانِ غَيْرُ ظاهرٍ إلاّ إذا
فَحُشَ النَّقاوُتُ. وشَرطُ بَيْعِ العبدِ إلَّ إذا قالَ: مِنْ فلانٍ، بأنْ قالَ: بعُتُكَ العبدَ على أنْ تَبِيعَّهُ مِنْ
فلان فإِنَّهُ يَفسُدُ؛ لأَنَّ لهُ طَلَباً. وشَرطُ جَعْلِها بِيعَةً وَالْمُشْترِي ذِمِّيٌّ، بأَنِ اشْتَرَى داراً مِنْ مُسلمٍ على
أَنْ يَتَّخِذَها بِيْعَةً جازَ البيعُ وَبَطَلَ الشَّرِطُ، وَكَذَا بَيْعُ العصيرِ على أنْ يَتَّخِذَهُ خمراً؛ وإنَّما جازَ؛ لأَنَّ
هذا الشَّرطَ لَا يُخرِجُها عَنْ ملكِ المشتري ولا مُطالِبَ لَهُ، بخلافِ اشتراطٍ أَنْ يَجِعَلَها المسلمُ
مَسْجِدً، فإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ مِلكِهِ إلى اللَّهِ تَعَالى، وكَذا بشرطِ أنْ يَجعَلَها ساقيةً أو مَقْبَرَةً للمُسلمينَ،
أو أَنْ يَتَصِدَّقَ بالطَّعامِ على الفُقْراءِ فإِنَّهُ يَفْسُدُ. وشَرطُ رِضا الجيرانِ، بأَنِ اشْتَرَى داراً على أنَّهُ إِنْ
رَضِيَ الجيرانُ أَخَذَها، قال "الصَّفَّارُ": ((لا يجوزُ))، وَقَال "أبو اللَّيثِ"(٢): ((إِنْ سَمَّى الجيرانَ
وقال: إلى ثلاثةِ أَيّامٍ جازَ)). اهـ "ط )(٣) ملخّصاً مَعَ بَعضِ زيادةٍ.
(قولُهُ: ويُشكِلُ عليهِ مسألةُ السُّداسيِّ إلخ) حيثُ لم يُعْصَّلْ فيهِ بِلْ قُلنا بالخيارِ، وقدْ يُدفَعُ
الإشكالُ بأَنَّ النَّفصيلَ فيهِ مَعلومٌ بالأَولى مِن ذِكرِهِ في مسألةِ السَّويقِ والصَّابونِ؛ لأَنَّهُ أقربُ في المعرفةِ
منهما، على أنَّهُ داخلٌ فيما ذَكَرَهُ "الشَّارحُ" عن "الخانَيَّةِ"، تأمَّلْ.
(١) الخَلَقانيّ: بائع الثياب المستعملة أو البالية.
(٢) لم نعثر عليها في "الخزانة" ولا في "عيون المسائل"، ولعلها في "النوازل".
(٣) "ط": كتاب البيوع - باب خيار الشَّرط ٣٩/٣ - ٤٠.

حاشية ابن عابدين
٣٤٠
قسم المعاملات
شَرَطَ أَنَّها مُغَنّةٌ إِنْ للتَّبَرِّي لا يَفسُدُ، وإِنْ الرَّغْبَةِ فَسَدَ، "بدائع"(١). ولو شَرَطَ حَبَلَها
إن الشَّرطُ مِنَ المشتري فَسَدَ، وإِنْ مِنَ البائعِ جازَ؛ لأَنَّ حَبَلَها عَيْبٌ، فَذِكْرُهُ للبَراءَةِ
مِنهُ، حَتَّى لَو كانَ في بَلَدٍ يَرِغَبونَ في شراءِ الإِماءِ للأَولادِ فَسَدَ، "خانَيَّة"(٢). ولَو
شَرَطَ أَنَّها ذاتُ لَبَنٍ جازَ على الأكثرِ.
[مطلب: الضابطُ للأوصافِ المَشْتَرَطَةِ في البيع]
قُلتُ: والضَّابِطُ للأَوصافِ: أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ لا غَرَرَ فيهِ فاشتراطُهُ جائزٌ؛ لا ما فيهِ
غَرَرٌّ، إلَّ أَنْ لا يُرغَبَ فِيهِ، وفي "الخانَّة"(٣) في فَصْلِ الشُّروطِ المُفسِدَةِ: ((متى عَايَنَ
ما يُعرَفُ بالعِيانِ انْتَفَى الغَرَرُ)).
٦٢/٤
[٢٢٨١٠] (قولُهُ: شَرَطَ أَنَّها مُغَنِّيّةٌ) هذه والتي بعدَها تقدَّمتا(٤) في مسائلٍ "الأشباه".
[٢٢٨١١) (قولُهُ: ولو شَرَطَ حَبَلَها) أي: الأَمةِ بخلافِ الشَّاةِ؛ فإنَّهُ مُفسِدٌ كما قدَّمَهُ
"المُصنّفُ))(٥)؛ لأنَّ الولَدَ زيادةٌ مَرغوبةٌ وأَنَّها مَوهومٌ لا يُدرَى وُجُودُها، فلا يَجُوزُ، "خانَّة"(٦).
[٢٢٨١٢) (قولُهُ: على الأكثرِ) أي: على قولِ أكثرِ الفُقْهاءِ.
[٢٢٨١٣) (قولُهُ: لا ما فيهِ غَرَرٌّ كبيعِ الشَّةِ على أَنَّها حاملٌ.
[٢٢٨١٤] (قولُهُ: إِلاَّ أَنْ لا يُرِغَبَ فيهِ) لأَنَّ اشتراطَهُ يَكونُ بمعنى البراءَةِ منْ وُجُودِهِ كما في
حَبَلِ الأَمَةِ.
[٢٢٨١٥) (قولُهُ: ما يُعرَفُ بالعِيانِ) كمسألةِ السَّيقِ والصَّابونِ كما مرَّ(٧) في مسائلِ "الأشباه".
[٢٢٨١٦) (قولُهُ: انْتَفَى الغَرَرُ) فليسَ لَهُ أنْ يَرُدَّهُ إذا ظَهَرَ بخلافِ ما اشتَرَطَ، وَاللَّهُ سبحانهُ أَعَلَم.
(١) "البدائع": كتاب البيوع - فصل: وأمّا شرائطُ الصِّحَّة فأنواع إلخ ١٦٩/٥ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب البيوع - فصل في الشُّروط المفسدة ١٥٥/٢ - ١٥٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الخانية": كتاب البيوع ١٥٩/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) صـ ٣٢٧ - "در".
(٦) "الخانية": كتاب البيوع - فصل في الشُّروط المفسدة ١٥٥/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) المقولة [٢٢٨٠٩] قوله: ((البيعُ لا يَبْطُلُ بالشَّرطِ في اثنينِ وثلاثينَ مَوضِعاً)).

الجزء الرابع عشر
٣٤١
بابُ خيار الرُّؤية
﴿بابُ خيار الرُّؤية﴾
مِن إضافَةِ الْمُسبَّبِ إلى السَّبَبِ، وما قيلَ مِنْ إضافَةِ الشَّيءِ إلى شَرطِهِ ظاهرٌ؛.
﴿بابُ خيار الرُّؤية﴾
قدَّمَهُ على خيارِ العَيبِ؛ لأَنَّهُ يَمنَعُ تمامَ الْحُكمِ وذاكَ يَمنَعُ لُزومَهُ، واللُّزُومُ بعدَ النَّمَامِ.
والرَّدُّ بخيارِ الرُّؤيةِ [٣/ ق،، /ب) فَسخٌ قَبْلَ القَبضِ وبَعدَهُ، ولا يَحتاجُ إلى قَضاءٍ ولا رضا البائعِ،
ويَنَفسِخُ بِقَولِهِ: رَدَدْتُ، إلَّ أَنَّه لا يَصِحُّ الرَّدُّ إلَّ بِعِلمِ البائعِ خلافاً لـ "الثَّانِي"، وهو يَتْبُتُ حُكماً
لا بالشَّرطِ، ولا يَتَوَقَّتُ(١)، ولا يَمنَعُ وقوعَ المِلكِ للمُشتري، حَتَّى لو تَصرَّفَ فيهِ جازَ تَصرُّفُهُ
وبَطَلَ خيارُهُ ولَزِمَهُ الثَّمِنُ، وكَذا لو هَلَكَ فِي يَدِهِ أو صارَ إلى حالٍ لا يَمِلِكُ فَسخَهُ بَطَلَ
خيارُهُ، كذا في "السِّراج"، "بحر "(٢).
١
[٢٢٨١٧] (قولُهُ: مِن إضافَةِ الْمُسبَّبِ إلى السَّبَبِ) الذي ذَكَرَهُ(٣) في "الفتح"(٤)
و"البحر" (٥): ((أَنَّ الرُّؤيةَ شَرطُ ثُبُوتِ الخيارِ، وعَدَمَ الرُّؤيةِ هوَ السَّببُ لْتُبوتِ الخيارِ
عندَ الرُّؤيةِ)) اهـ.
[٢٢٨١٨] (قولُهُ: ظاهرٌ) كَذَا فِي أَغْلَبِ النُّسخِ، ولا يُناسبُهُ النَّعليلُ بعدَهُ، وفي بعضِ النُّسخِ:
﴿بابُ خيار الرُّؤية﴾
(قولُهُ: أنَّ الرُّؤيةَ شَرطُ تُبُوتِ الخيارِ إلخ) هذا ما عَبَّرَ عنهُ "الشَّارحُ" بـ ((قيلَ))، وما قيلَ في جوابِ ما يَرِدُ
على جَعْلِهِ سباً يَصُلُحُ جواباً لِمَا يَرِدُ على جَعِلِهِ شرطً. اهـ، والظَّاهرُ ما في "الفتح".
(١) في "آ": ((ولا يتوقف))، وهو تحريف.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٨/٦.
(٣) في "م": ((ذكر)) بغير هاء.
(٤) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٠/٥.
(٥) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٨/٦.

حاشية ابن عابدين
٣٤٢
قسم المعاملات
لِمَا سَيَجِيءُ(١): أنَّ لَّهُ الرَّدَّ قبلَ الرُّؤيةِ، (هو يَتْبُتُ في) أربَعَةِ مَواضعَ: (الشِّراءِ)
للأعيان (والإجارةِ،.
((ظاهرُ الْبُطلانِ))، وفي بعضِها(٢): ((غَيرُ ظاهرٍ))، وبه عَبَّرَ في "الدُّرِّ المنتقى)"(٣)، وعَزاهُ مع
التَّعليلِ بعدَهُ إلى "البَهَنَسيِّ".
ء
[٢٢٨١٩) (قولُهُ: لِمَا سَيَجِيءُ إلخ) يعني: والشَّيُ لا يَتْبُتُ قبلَ شَرطِهِ، وفيهِ أنَّ هذا يَرِدُ
أيضاً على ما ذكَرَهُ؛ لأنَّ المُسَبَّبَ لا يَتَقدَّمُ على سبِهِ، وسيأتي(٤) جوابُهُ قريباً، وهو أنَّهُ بسبَبٍ
آخَرَ، وبيانُهُ كما قالَ "ح"(٥): ((أَنَّ حَقَّ الفَسخِ قبلَها ليسَ مِنْ نتائجٍ ثُبُوتِ الخيارِ لهُ، بلْ بُحُكمٍ
أنّهُ عقدٌ غيرُ لازمٍ؛ لأَنَّهُ لم يَقَعْ مُبِماً، فجازَ فَسخُهُ لضعفٍ فِيهِ كما حقَّقَهُ في "العنايةِ"(٦)،
وسَيَذْكُرُهُ "الشَّارِحُ"(٧)) اهـ.
1
[٢٢٨٢٠] (قولُهُ: فِي أَرَبَعَةِ مَواضِعَ) أي: لا غَيرِها كما في "الفتح"(٨).
(٢٢٨٢١] (قولُهُ: الشِّراءِ للأعيانِ) أي: اللازمِ تعينُها، ولا تَنْبُتُ دَيناً في الذّمَّةِ، والمرادُ الشِّرَاءُ
الصَّحِيحُ؛ لِما في "البحرِ"(٩) عن "جامعِ الفُصولَين" (١٠): ((أَنَّ خيارَ الرُّؤيةِ وخيارَ العَيْبِ لا(١١)
يَتْبُتَانِ في البيعِ الفاسدِ)) اهـ، أي: لوجوبِ فَسخِهِ بدونهما.
(١) صـ ٣٥٠ - "در".
(٢) كما في نسخة "و".
(٣) "الدر المنتقى": كتاب البيوع - فصل في خيار الرُّؤية ٣٤/٢ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) المقولة [٢٢٨٣٥] قوله: ((لعدمِ لُزُومِ البيعِ)).
(٥) "ح": كتاب البيوع - باب خيار الرؤية ق٢٨٣/ب وما بعدها.
(٦) "العناية": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٢/٥ (هامش "فتح القدير").
(٧) صـ ٣٥٠ _ "در".
(٨) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٣/٥.
(٩) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٩/٦.
(١٠) "جامع الفصولين": الفصل الخامس والعشرون في الخيارات ٢٤٥/١.
(١١) ((لا)) ليست في نسختَي "جامع الفصولين" اللتين بين أيدينا، والصواب إثباتها.

الجزء الرابع عشر
٣٤٣
بابُ خيار الرُّؤية
والقِسمَةِ والصُّلحِ عَنْ دَعْوى المالِ على شَيءٍ بِعَينِهِ)؛ لأنَّ كُلاَّ منها مُعاوَضةٌ، فليسَ
في دُيُونٍ ونُقُودٍ،.
(٢٢٨٢٢) (قولُهُ: والقِسمَةِ) في "الشُّرتُبُلالَّةِ"(١) عَنِ "العُيونِ"(٢): ((أَنَّ قِسمَةَ الأجناسِ المختلفةِ
يَتْبُتُ فيها الخياراتُ الَّلاثُ: خيارُ الشَّرطِ والعَيبِ والرُّؤيةِ، وقسمةَ ذواتِ الأمثالِ كالمكيلاتِ
والموزوناتٍ يَبُتُ فيها خيارُ العيبِ فَقَطْ، وقِسمةَ غَيرِ المِلّاتِ كالَّابِ مِنْ نَوعٍ واحدٍ والبَقَرِ
والغَمِ يَتْبُتُ فيها خيارُ العَيْبِ، وكَذَا الشَّرطُ والرُّؤيةُ على روايةٍ "أبي سُليمانَ"، وهوَ الصَّحِيحُ،
وعَليهِ الفتوى، وعلى روايةٍ "أبي حفصٍ": لا)) اهـ.
[٢٢٨٢٣) (قولُهُ: فليس في دُيُونٍ وَنُقُودٍ) في بعضِ النُّسَخِ: ((فِي دٌيُونِ القَوَدِ))، وفي بعضها:
((فِي دَينِ العُقودِ))، والأُولى أَولى، وعَطفُ النّقودِ على الدُّيُونِ مِنْ عَطْفِ الخاصِّ على العامّ، قال في
"الفتح"(٣): ((وعُرِفَ مِنْ هذا - أي: قَصْرِهِ على المواضعِ الأربعةِ - أَنَّهُ لا يكونُ في الدُّيون،
فلا يكونُ فِي الْمُسلَمِ فيهِ ولا في الأثمانِ الخالصَةِ، أي: كالدَّراهمِ والدَّانِيرِ، بخلافِ ما إذا كانَ المبيعُ
إناءً مِن أحَدِ النَّقْدَينِ فإنَّ فيهِ الخيارَ)) اهـ. قال في "البحر "(٤): ((وأمَّا رأسُ مالِ السَّلَمِ إذا كان عَيْناً
فإِنَّهُ يَتْبُتُ الخيارُ فيهِ للمُسلَمِ إليهِ)).
(قولُهُ: أنَّ قسمَةَ الأجناسِ المختلفةِ يَثبُتُ فيها الخياراتُ الثَّلاثُ إلخ) وقَّدَ "السِّنْدِيُّ" نقلاً عنِ "الرَّحمنيّ)
القِسمَةَ بما إذا كانَتْ بِالَّراضي، وقالَ: ((وإذا كانَتْ بقضاءِ فلا خيارَ لهُ معَ الحُكمِ عليهِ)).
(قولُ "الشَّارحِ": لأَنَّ كُلّ منها مُعاوَضةٌ) مُقتضَى هذا النَّعليلِ أنْ يُرادَ بالصُّلحِ ما كانَ فِيهِ معنى المعاوضةِ،
فلا يكونُ شاملاً لِمَا إذا صالَحَ عنْ دعوى المالِ بعضِهِ مثلاً، فإنُّ ليسَ فيهِ معنى المعاوضَةِ، بلْ هوَ إسقاطٌ، وهذا
هُوَ الْمُتْبَادَرُ مِنْ قَولِهِ في "الفتح": ((والصُّلِحُ عنْ دَعوى المالِ على عَينٍ)) اهـ.
(١) "الشُّرنبلالَيَّة": كتاب القسمة ٤٢١/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) نقول: العزو في "الشُّرنبلالَيَّة" لـ "الفتاوى الصغرى" لا "العيون"، على أنّنا لم نعثر على المسألة في "عيون المسائل"
لأبي اللَّيث السَّمر قنديّ، ولا في "عيون المذاهب" لـ "الكاكيِّ".
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٣/٥.
(٤) "البحر": کتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٨/٦

حاشية ابن عابدين
٣٤٤
قسم المعاملات
وعُقُودٍ لا تَنفَسِخُ بالفَسخِ خيارُ الرُّؤَيةِ، "فتح"(١).
(صَحَّ الشِّرَاءُ والبيعُ لِمَا لم يَرَياهُ، والإشارةُ إليهِ) أي: المبيعِ (أو إلى مكانِهِ شَرطُ الجَوازِ) ..
[٢٢٨٢٤] (قولُهُ: وعُقُودٍ لا تَنَفَسِخُ) قال في "الفتح"(١): ((ومحلُّهُ: كُلُّ ما كانَ فِي عَقَدٍ يَنفَسِخُ
بالفَسخِ، لا فيما لا يَنفَسِخُ كالمهرِ وبَدَلِ الصُّلحِ عَنِ القِصاصِ وبَدَلِ الخُلعِ وإِنْ كَانَتْ أعيانًاً؛ لأَنَّهُ
لا يُفيدُ فيها؛ لأنَّ الرَّدَّ لَمّا لم يُوجِب الانفساخَ بَقِيَ العقدُ قائماً، وقيامُهُ يُوجِبُ المُطالَبَةَ بالعَين لا بما
يُقابِلُها مِنَ القيمةِ، فلو كانَ لهُ أنْ يَرُدَّهُ كانَ لهُ أنْ يَرُدَّهُ أبداً)).
[٢٢٨٢٥) (قولُهُ: لِمَا لم يَرَيَاهُ) أي: العاقدانِ، قال في "البحر"(٢): ((أرادَ بما لم يَرَهُ ما لم يَرَهُ
وقتَ العَقْدِ ولا قَلَهُ، والمرادُ بالرُّؤيةِ: العِلمُ بالمقصودِ مِنْ بابِ عُمومٍ المجازِ، فصارت الرُّؤْيَةُ مِنْ
أفرادِ المعنى المجازيِّ؛ لَيَشْمَلَ(٣) ما إذا كانَ المبيعُ مِمَّا يُعرَفُ بالشَّمِّ كالمِسكِ، وما اشتَرَاهُ بعدَ )
رُؤيتِهِ فَوَجَدَهُ مُتَغِراً، وما اشتَرَاهُ الأعمى، وفي "القُنية"(٤): اشتَرَى ما يُذاقُ، فَذَاقَهُ ليلاً ولم يَرَهُ
سَقَطَ خيارُهُ)) اهـ.
[٢٢٨٢٦) (قولُهُ: أي: المبيعِ) أي: الذي لم يَرياهُ، بأنْ كان مَستوراً.
(قولُهُ: وما اشتَرَاهُ بعدَ رؤيتِهِ فوَجَدَهُ مُتَغِراً إلخ) لأنَّ تلكَ الرُّؤيةَ غيرُ مُعرِّفةٍ للمقصودِ الآنَ، وكَذا شراءُ
الأعمى يَتْبُتُ فيهِ الخيارُ عندَ الوصفِ، فَأُقيمَ فيهِ الوصفُ مُقَامَ الرُّؤيةِ.
(قولُهُ: اشتَرَى ما يُذاقُ، فذاقَهُ ليلاً ولم يَرَهُ سَقَطَ خيارُهُ) يَنبغي أنْ يُقِيَّدَ بما إذا لم تَخْتَلِف القيمةُ عندَ
اختلافٍ ألوانِهِ، ففي السُّكَّرِ حيث اشتَمَلَ على أحَمَرَ وأبيضَ، ثمَّ الأبيضُ مُختلِفُ الأنواعِ، وكلُّ نوعٍ مُختلفُ
القيمةِ، الظَّاهرُ بَبقى الخيارُ لهُ حَتَّى يَراهُ، ولم أرَهُ. اهـ "سندي".
(١) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٣/٥.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٨/٦ - ٢٩.
(٣) في "ب" و"م": ((فيشمل)) بالفاء، وما أثبتناه من بقيَّةِ النسخ هو الموافق لعبارة "البحر".
(٤) "القنية": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ق ١٠٦/أ.

بابُ خيار الرُّؤية
الجزء الرابع عشر
٣٤٥
فَلَو لم يُشِرْ إلى ذلكَ لم يَحُزْ إجماعاً، "فتح" و"بحر "(١)،.
[٢٢٨٢٧] (قولُهُ: فَلَو لم يُشِرْ إلى ذلكَ إلخ) عبارةُ "الفتح"(٢) هكذا: ((وفي "المبسوطِ"(٣):
الإشارةُ إليهِ أو إلى مَكانِهِ شَرطُ الجوازِ؛ فلو لم يُشِرْ إليهِ ولا إلى مكانِهِ لا يجوزُ بالإجماعِ
انتهى. لكنَّ إطلاقَ "الكتابِ"(٤) يَقتضي جوازَ البيعِ، سواءٌ سَمَّى جنسَ المبيعِ أوْ لا، وسَواءٌ
أشارَ إلى مكانهِ أو إليهِ وهُوَ حاضرٌ مستورٌ أَوْ لا، مثلَ أنْ يقول: بِعْتُ منكَ ما في كُمِّي، بل
عامَّةُ المشايخِ قالوا: إطلاقُ الجوابِ يَدُلُّ على الجوازِ عندَهُ، وطائفةٌ قالوا: لا يجوزُ لجهالةِ المبيعِ
مِنْ كُلِّ وَجهٍ، والظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرادَ بالإطلاقِ ما ذَكَرَهُ "شمسُ الأئمَّةِ" وغَيْرُهُ كـ "صاحبِ
الأسرار" و "الذَّخيرةِ"؛ [٣ ق٤١) لُبُعدِ القَولِ بجوازٍ ما لم يُعلَمْ جنسُهُ أصلاً، كأن يقولَ: بعُكَ
شيئاً بعشَرةٍ)) اهـ كلامُ "الفتح".
وحاصلُهُ: التَّوفيقُ بينَ ما قالَهُ عامَّةُ المشايخِ وما قَلَهُ بعضُهم بحَمْلِ إطلاقِ الجوابِ على ما
قالَهُ "شمسُ الأئمَّةِ" وغيرُهُ مِنْ لُزُومِ الإشارةِ إليهِ أو إلى مكانِهِ؛ إذْ لا يَصحُّ بيعُ ما لم يُعلَمْ جنسُهُ
أصلاً، أي: لا بوصفٍ ولا يإشارةٍ، ولذا قالَ "صاحبُ النّهايةِ": ((يعني: شيئاً مسمَّى مَوصوفاً أو
مُشاراً إليهِ أو إلى مكانِهِ، وليسَ فِيهِ غَيْرُهُ بذلكَ الاسمِ)) اهـ. فأفادَ أنَّ لُزُومَ الإشارةِ عندَ عَدَمِ
تسميةِ الجنسِ والوَصفِ، فالَّسميةُ كافيةٌ عنِ الإشارةِ، حَتَّى لو قالَ: بعتُكَ كُرَّ حنطةٍ بَلَدِيَّةٍ بِكَذا
- والكُرُّ في مِلكِهِ مِنْ نَوعٍ واحدٍ في مَوضعٍ واحدٍ - جازَ البيعُ، وكَذا الإضافةُ في مثلٍ: بعتُكَ
عبدي وليسَ لهُ غَيْرُهُ، وذِكرُ الحدودِ في مثْلٍ: بعتُك الأرضَ الفُلاَيَّةَ، والمَدارُ على نَفْئِ الجهالةِ
الفاحشَةِ لَيَصِحَّ البيعُ، كما حقَّقْنا ذلكَ بما لا مَزِيدَ عليهِ أوَّلَ البيوعِ عندَ قولِهِ: ((وشُرِطَ لصحَّتِهِ
٦٣/٤
(١) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٨/٦.
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٠/٥.
(٣) "المبسوط": كتاب البيوع - باب الخيار بغير الشَّرط ٦٨/١٣.
(٤) انظر "الُباب في شرح الكتاب": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٢٤٠/١.

حاشية ابن عابدين
٣٤٦
قسم المعاملات
وفي "حاشيةِ أخي زادَه": ((الأصحُّ الجوازُ))
معرفةُ قَدْرٍ مبيعٍ وَثَمَنٍ))(١)، فَتَذكَّرْهُ بِالْمُراجعةِ، فَإِنَّهُ يَنفَعُكَ هُنَا.
وبهذا التّقريرِ سَقَط ما في "الحواشي السَّعدَّةِ(٢) مِنْ قولِهِ: ((أقولُ: في كونِ الإشارةِ إلى
المبيعِ أو إلى مكانِهِ شَرْطَ الجوازِ - سَّما بالإجماعِ - كلامٌ، فليُتْأمَّلْ)) اهـ؛ لِمَا عَلِمتَ مِنْ أنَّ الإشارةَ
ليستْ شرطً دائماً؛ بلْ عندَ عَدَمٍ مُعرِّفٍ آخَرَ يَرفَعُ الجهالةَ، فافهمْ.
[٢٢٨٢٨) (قولُهُ: وفي "حاشيةِ أخي زادَه") أي: "حاشيتِهِ" على "صَدرِ الشَّريعةِ"(٣)، قالَ في
"الِنَحِ"(٤): ((وفي "حاشية أخي زادَه" ذَكرَ هذا البحثَ، ثُمَّ قالَ: وقالَ عامَّةُ مشايخِنا: إطلاقُ
الجوابِ يَدُلُّ على جَوازِهِ، وهوَ الأصحُّ، وقالَ بعضُهم: لا يجوزُ، وصُحِّحَ، يُؤَيِّدُهُ ما في "جامعِ
الفُصولَين (٥) منَ الفَصلِ الثّالثِ: يُشْتَطُ كونُ المبيعِ حاضراً موجوداً مُهَيَّ مَقدُورَ الَّسليمِ، وما في
"المبسوطِ"(٦): مِنْ أنَّ الإشارةَ إليهِ أو إلى مَكانِهِ شَرطُ الجوازِ، حَتَّى لو لم يُشِرْ إليهِ أو إلى مكانِهِ
لا يجوزُ بالإجماعِ اهـ. وفي "العناية"(٧): قال "القُدوريُّ(٨): مَن اشتَرَى شيئاً لم يَرَهُ فالبيعُ جائزٌ،
1
(قولُ "الشَّارحِ": وفي "حاشيةِ أخي زادَه": الأصحُّ الجوازُ) عبارتُهُ على ما قالَهُ "السِّنديُّ": ((وما في
"المبشوطِ": منْ أنَّ الإِشارةَ إليهِ أو إلى مكانِهِ شَرطُ الجوازِ، حَتَّى لو لم يُشِرْ إليهِ أو إلى مكانِهِ لم يَجُزْ بالإجماعِ،
قِيلَ عليهِ: إنَّ ما ذُكِرَ فِي المُعتَبَراتِ في بابِ الاعتكافِ - : ويَبيعُ وَيَشتري بلا إحضارِ المبيعِ - يَدُلُّ صريحاً على أنَّ
حضورَ المبيعِ وقتّ البيعِ ليسَ بشرطٍ، وَيَرِدُ عليهِ أنَّ قَضَّةً تحكيمِ "جُبيِ" بينَ "عُثمانَ" و"طلحةَ" فِي بَيْحِ الأرضِ
الكائنةِ بَصْرةَ تَدلُّ صريحاً على عَدَمِ اشتراطِ حُضورِ المبيعِ)) اهـ.
(١) المقولة [٢٢٣١٤].
(٢) "الحواشي السَّعدية": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٠/٥ (هامش "فتح القدير").
(٣) المسماة "ذخيرة العقبى"، وانظر ٨٨/١.
(٤) "المنح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٢/ق ٩/أ.
(٥) "جامع الفصولين": من يصلح خصماً لغيره ومن لايصلح إلخ ٢٨/١.
(٦) "المبسوط": كتاب البيوع - باب الخيار بغير الشَّرط ٦٨/١٣.
(٧) "العناية": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٠/٥ (هامش "فتح القدير").
(٨) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٢٤٠/١.

الجزء الرابع عشر
٣٤٧
بابُ خيار الرُّؤية
(وَلَّهُ) أي: للمُشتري (أنْ يَرُدَّهُ إذا رآهُ) إلاَّ إذا حَمَلَهُ البائعُ لبيتِ الْمُشتري؛ فلا يَرُدُّهُ
إذا رآهُ، إلاَّ إذا أعادَهُ إلى البائعِ، "أشباه"(١) ..
معناهُ: أنْ يَقولَ: بعتُكَ الثَّوبَ الذي في كُمِّي هذا، أو هذهِ الجاريةَ الُنقِّبَةَ، وكَذلكَ العينُ الغائبُ
المُشارُ إلى مكانِهِ وليسَ في ذلكَ المكانِ بذلكَ الاسمِ غَيرُ ما سَمَّى، والمكانُ معلومٌ باسمِهِ والعينُ
معلومةٌ، قال "صاحبُ الأسرارِ"؛ لأنَّ كلامَنا في عَينِ هيَ بحالةٍ لو كانَت الرُّؤْيَةُ حاصلةً لكانَ البيعُ
جائزاً)) اهـ ما في "المنَحِ" ملخَّصاً.
ولا يخفى أنَّ حاصلَهُ تَقْبِيدُ إطلاقِ الجوابِ بما قَلَهُ في "المبسوطِ"(٢) وغَيرِهِ كما مرَّ(٣) عنْ
"فتحِ القَدِيرِ"، وهُوَ مَحْمَلُ إطلاقِ المُونِ كعبارةِ "القُدوريِّ" المذكُورةِ.
[٢٢٨٢٩) (قولُهُ: أي: للمُشتري) كانَ يَنبغي لـ "المصنّفِ" الَّصريحُ بِهِ؛ لأَنَّهُ لم يَقدَّمْ لهُ ذِكرٌ
مَعَ إِيهامٍ عَوْدِ الضَّميرِ للبائعِ وإِنْ كانَ يَرتفعُ بقولهِ الآتي(٤): ((ولا خيارَ لبائعٍ)).
[٢٢٨٣٠] (قولُهُ: إذا رآهُ) أي: عَلِمَ بهِ كما قدَّمْناهُ(٥).
[٢٢٨٣١] (قولُهُ: إلاّ إذا حَمَلَهُ البائعُ إلخ) في "البحر "(٦) عَن "جامعِ الفُصولَين (٧): ((شَراهُ
وحَمَلَهُ البائعُ إلى بيتِ المشتري، فرآهُ ليسَ لهُ الرَّدُّ؛ لأَنَّهُ لو رَدَّهُ يَحتاجُ إلى الحملِ، فَيَصيرُ هذا
كَعَيْبٍ حدَثَ عندَ المشتري، ومَؤونةُ رَدِّ المبيعِ بعيبٍ أو بخيارِ شرطٍ أو رُؤيةٍ على المشتري، ولو
شَرَى متاعاً وحَمَلَهُ إلى مَوضعٍ فَلَهُ رَدُّهُ بِعَيْبٍ أو رُؤيةٍ لَو رَدَّهُ إلى مَوضعِ العقدِ، وإلاَّ فلا)) اهـ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع صـ ٢٤٧ -.
(٢) "المبسوط": كتاب البيوع - باب الخيار بغير الشَّرط ٦٨/١٣.
(٣) المقولة [٢٢٨٢٧] قوله: ((فَلَو لم يُشِرْ إلى ذلكَ إلخ)).
(٤) ص ٣٥٤ - "در".
(٥) المقولة [٢٢٨٢٥] قوله: ((لِمَا لم يَرَياهُ)).
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٣٠/٦
(٧) "جامع الفصولين": الفصل الخامس والعشرون في الخيارات ٢٤٧/١.

٣٤٨
حاشية ابن عابدين
قسم المعاملات
(وإنْ رَضِيَ) بالقَولِ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ أنْ يَراهُ؟.
وظاهرُهُ أَنّه إِنَّمَا يَرُدُّهُ لو رَدَّهُ إلى مَوضعِ العَقْدِ فيما لو حَمَلَهُ المشتري بخلافِ البائعِ، وهُوَ خِلافُ
ما نَقْلَهُ "الشَّارِحُ" عنِ "الأشباهِ"، والذيْ يَظهِرُ عَدَمُ الفَرقِ، وأنَّ ما ذَكَرَ (١) - مِنْ قولِهِ: ((لأَنَّهُ لَو
رَدَّهُ إلخ)) - غَيرُ ظاهرٍ؛ لأَنَّهُ لا يُنَاسِبُّهُ قُولُهُ(٢) بعدَهُ: ((ومَؤُونَةُ الرَّدِّ على المشتري))، فافهمْ، ثمَّ
رأيتُ صاحبَ "نُورِ العَينِ"(٣) اعتَرَضَ التَّعليلَ الَذكورَ بما ذَكَرْتُهُ. ثُمَّ إِنَّهُ يُستفادُ مِنْ كلامٍ
"الفُصولَينِ": أنَّ ما أَنفَقَهُ البائعُ على تحميلِهِ إلى منزِلِ المشتري لا يَلزَمُ المشتريَ إذا رَدَّ عليهِ المبيعَ إلى
مَحَلِّ العقدِ؛ لأنَّ البائعَ مُتبرِّعْ بِمَا أَنفَقَهُ؛ لأنَّ الواجبَ عليهِ التَّسليمُ في محلِّ العَقْدِ دونَ الَّحميلِ، وبِهِ
يَظْهَرُ جوابُ حادثَّةِ الفتوى: اشترى حديداً لم يَرَهُ، وشَرَطَ على البائعِ تحميلَهُ إلى بلدةِ المشتري، ثُمَّ
رآهُ فلمْ يَرضَ بِهِ، وأرادَ فَسخَ البيعِ بخيارٍ(٤) الرُّؤيةِ أو بِفَسادِ العقدِ بسببِ الشَّرطِ الَّذكورِ.
والجوابُ: أَنَّهُ يَلزِمُهُ تحميلُهُ إلى بلدةِ البائعِ لِيَرُدَّهُ عليهِ وإنْ كانَ الرَّدُّ بسببِ [٣ ق٤١ /ب] الفَسادِ؛ لِما
صرَّحَ بِهِ في "جامع الفُصولَين"(٥) أيضاً: ((مِنْ أَنَّ مَؤُونَةَ رَدِّ المبيعِ فاسداً بعدَ الفَسخِ على القَاِضِ)).
(٢٢٨٣٢] (قولُهُ: وإنْ رَضِيَ بالقَولِ قَبْلَهُ) قَّدَ بالقَولِ؛ لأنَّه لو أجازَهُ بالفعلِ - بأنْ تَصَرَّفَ فيهِ-
يَزُولُ خيارُهُ كما في "الشُّرِ نِبُالَّةِ "(٦) عن "شَرحِ المجمَع".
١
[٢٢٨٣٣] (قولُهُ: أي: قبلَ أنْ يَراهُ) أشارَ إلى أنَّ الضَّميرَ المذكورَ في ((قِبَلَهُ)) عائدٌ إلى
المعنى المَصْدريِّ لا إلى لَفظِ الرُّؤيةِ المفهومِ مِنْ قَولِهِ: ((إذا رآهُ))؛ لأَنَّهُ مؤنَّثٌ، تأمَّلْ. وأجابَ في
"البحر "(٧): ((بأنَّهُ ذَكَّرَ الضَّميرَ للمَعنى))، أي: لأنَّ الْمُرادَ مِنَ الرُّؤيةِ العِلمُ كما مرَّ(٨).
١
(١) في "آ" و"م": ((ذكره)) بالهاء.
(٢) أي: قولُ صاحبِ "جامع الفصولين" المتقدمُ في هذه المقولة.
(٣) "نور العين": الفصل الرابع والعشرون في الخيارات - خيار الرُّؤية ق ٩٢/ب.
(٤) في "م": ((لخيار)) باللام.
(٥) لم نعثر عليها في مظانها من "جامع الفصولين".
(٦) "الشُّرنبلالَّة": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ١٥٧/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٩/٦.
(٨) المقولة [٢٢٨٢٥] قوله: ((لِمَا لم يَرَياهُ)).

الجزء الرابع عشر
٣٤٩
بابُ خيار الرُّؤية
لأنَّ خيارَهُ مُعلَّقٌ بالرُّؤيةِ بالنِّصِّ،
[٢٢٨٣٤] (قولُهُ: لأنَّ خيارَهُ مُعَلَّقٌ بالرُّؤيةِ بالنَّصِّ) أي: بحديثٍ: ((مَن اشتَرَى
شيئاً لم يَرَهُ فهُو بالخيارِ إذا رآهُ، إنْ شاءَ أَخَذَهُ وإنْ شاءَ تَرَكَهُ))(١)، قالَ في "الدُّرر"(٢):
(١) رواه إسماعيلُ بن عيَّش عن أبي بكر بنِ عبد الرحمن بن أبي مريم عن مكحولٍ رفعَ الحديثَ إلى النبيِ:﴿ٌ بهذا
اللفظ. أخرجه الدار قطني ٤/٣، وابن أبي شيبة ٥/٥، والبيهقي ٥/ ٢٦٨. وقال: هذا مرسلٌ. وابن أبي مريم ضعيفُ
الحديث. وروى داهِرُ بن نوح عن عمرَ بن إبراهيم بن خالد الكُردي حدثنا وهب اليَشكُري عن محمد بن سيرين عن
أبي هريرة قال رسول الله ﴿: ((مَن اشترى شيئاً لم يرَه فهو بالخيارِ إذا رآه)).
قال عُمر الكردي: وأخبرني فُضيل بن عياض عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ مثلَه.
قال عُمر أيضاً: وأخبرني القاسم بن الحكم عن أبي حنيفة عن الهيثم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، عن النبي
* مثله.
أخرجه الدار قطني ٤/٣-٥، ثم قال: عمرُ بنُ إبراهيمَ يقال له الكردي يضع الأحاديث، وأخرجه
البيهقي ٢٦٨/٥، ثم قال: وهذا باطل لا يصح لم يروها غيره، وإنما يُروى عن ابن سيرين موقوفاً من قوله، وداهر بن
نوح؛ قال ابن القطان: لا يُعرف ولعل الجنايةَ منه، قال ابن حجر في "التلخيص" ٦/٣ (١١٣٠): ونقل النووي
اتفاق الحفاظ على تضعيفه، وطريق مكحول المرسلة تجعل ضعفها أمثل من الموصولة اهـ.
ورواه هُشيم عن إسماعيل بن سالم عن الشعبي فيمَن اشترى شيئاً لم ينظر إليه كائناً من كان: هو بالخيار، إن
شاءَ أخذ وإن شاءَ ترك. ورواه هشيم عن يونس عن الحسن، وعن المغيرة عن إبراهيم مثله. وزاد جرير عن المغيرة
((وهو بالخيار)). ورواه ابن عُلَيَّة عن أيوب عن الحسن قال: (( مَن اشترى شيئاً لم يَره فهو بالخيار إذا رآه)).
أخرج ذلك كلَّه ابن أبي شيبة ٥/٥، والدارقطني ٤/٣، والبيهقي ٢٦٨/٥.
وخالفهم ابن سيرين كما رواه هُشيم عن يونس وابن عون عن ابن سيرين قال: إذا وجده كما وُصِف له فهو
جائزٌ ولا خيارَ له. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة والدار قطني.
ومما يُستَدلُّ به لخيار الرؤية: ما رواه ربَاح بن أبي معروف المكي عن ابن أبي مليكةً عن علقمةَ بن وقاص الليثي
قال: اشترى طلحةُ بن عبيد الله من عثمانَ بن عفان مالاً، فقيل لعثمان: إنك قد غُبنتَ، وكان المالُ بالكوفة وهو مالُ
آل طلحةَ الآن بها، فقال عثمان: ليَ الخيارُ؛ لأني بعتُ ما لم أرَ، فقال طلحة: لي الخيار لأني اشتريتُ ما لم أرَ،
فحَكَّما بينهما جُبيرَ بن مُطعِم، فقضى أنَّ الخيارَ لطلحةَ ولا خيارَ لعثمانَ.
أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني" ١٠/٤، والبيهقي ٢٨٦/٥.
قال الطحاوي: والآثارُ في ذلك قد جاءت متواترةً، وإن كان أكثرُها منقطعاً فإنه منقطعٌ لم يضادَّه متصلٌ.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ١٥٧/٢.

حاشية ابن عابدين
٣٥٠
قسم المعاملات
ولا وجودَ للمُعلَّقِ قَبلَ الشَّرطِ (ولو فَسَخَهُ قبلَها) قبلَ الرُّؤيةِ (صَحَّ) فَسخُهُ (في
الأصحِّ) "بحر"(١)؛ لعدمٍ لُزُومِ البيعِ بسببِ جَهالةِ المبيع، فلم يَقَعْ مُنْبَرِماً(٢). (وَيَثبُتُ
الخيارُ) للرُّؤيةِ (مُطلقاً غَيرَ مُؤَقَّتٍ) بِمُدَّةٍ،.
((وفيهِ: أنَّ هذا استدلالٌ بمفهومِ الشَّرطِ، ونحنُ لا نقولُ بهِ)) اهـ.
قلتُ: وجوابُهُ أنَّ الأصلَ في العقدِ اللُّزومُ؛ فلا يَتْبُتُ الخيارُ إلَّ بدليلِهِ، والنَّصُّ إِنَّمَا أَثْبَتَهُ عندَ
الرُّؤيةِ، فَبقى ما وراءَها على الأصلِ، فالحُكمُ ثابتٌ بدليلِ الأصلِ لا بمفهومٍ هذا الشَّرطِ، وهذا
معنى قولِ "الشَّارعِ": ((ولا وجودَ للمُعلَّقِ قبلَ الشَّرطِ))، وقالَ في "الفتح"(٣): ((والمُعلَّقُ بالشَّرطِ
عَدَمٌ قبلَ وُجُودِهِ، والإسقاطُ لا يَتَحقّقُ قبلَ النُّبُوتِ)) اهـ، أي: إذا كان الخيارُ مُعلَّقاً بالرُّؤيةِ كانَ
عَدَماً قبلَها، فلا يَصِحُّ إسقاطُهُ بِالرِّضا، فافهمْ.
[٢٢٨٣٥] (قولُهُ: لعدمٍ لُزُومِ البيعِ) بيانٌ للفَرْقِ بين الفَسخِ والإِجازةِ، فإِنَّها غيرُ لازمةٍ قبلَ
الرُّؤيةِ وهوَ لازمٌّ مع استوائِهما في التَّعليقِ بالشَّرطِ في الحديثِ المارِّ(٤)، وذلكَ أنَّ الفَسخَ لهُ سَبَبٌ
آخَرُ، وهوَ عَدَمُ لُزُومٍ هذا العَقْدِ، وما لا يَلزَمُ فللمُشتري فَسخُهُ، ولم يَتْبُتْ للإجازةِ سَبَبٌ آخَرُ
فَبَقِيَتْ على العَدَمِ.
٦٤/٤
وحاصلُهُ: أَنَّهُ غيرُ لازمٍ قبلَ الرُّؤيةِ لجهالةِ المبيعِ، وإذا رآهُ حدَثَ لهُ سَبَبٌ آخَرُ لعَدَمِ لُرُومِهِ
وهو الرُّؤيةُ، ولا مانعَ من اجتماعِ الأسبابِ على مُسَبَّبٍ واحدٍ، أفادَهُ في "البحر "(٥).
[٢٢٨٣٦] (قولُهُ: غَيْرَ مُؤَقَّتٍ بِمُدَّةٍ تَفسيرٌ للإطلاقِ.
(١) "البخر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٩/٦.
(٢) في "ط": ((منبرها))، وهو خطأ.
(٣) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٢/٥.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٩/٦.

٣٥١
بابُ خيار الرُّؤية
الجزء الرابع عشر
هو الأصحُّ، "عناية"(١)؛ لإطلاق النَّصِّ ما لم يُوجَدْ مُبطِلُهُ، وهوَ مُبطِلُ خيارِ الشَّرْطِ
[٢٢٨٣٧] (قولُهُ: هو الأصحُّ) وقيلَ: مُؤْقَّتٌ بوقتِ إمكانِ الفَسخِ بَعدَ الرُّؤيةِ، حَتّى لَو تمكَّنَ
منهُ ولم يَفْسَخْ سَقَطَ خيارُهُ، "بحر"(٢).
[٢٢٨٣٨] (قولُهُ: وهُوَ مُبطِلُ خيارِ الشَّرطِ) كَتَعُّبٍ فِي يَدِهِ، وتعذُّرِ رَدِّ بعضِهِ، وتَصرُّفٍ
لا يُفْسَخُ كالإعتاقِ وتَوابِعِهِ، أو يُوجِبُ حقّاً للغَيرِ كالبيعِ المطلَقِ، أي: عنْ شَرطِ الخيارِ للبائعِ،
والرَّهنِ والإِجارةِ قبلَ الرُّؤيةِ وبَعدَها، وما لا يُوجِبُ حقّاً للغيرِ كالبيعِ بخيارٍ - أي: للبائعِ- والمساومَةِ
والهبةِ بلا تَسليمٍ يَبطُلُ(٣) بعدَها لا قبلَها، "مُلتقى"(٤). وفي "جامع الفُصولَين" (٥): ((باعَ بخيارٍ لا
يَبطُلُ بهِ خيارُ الرُّؤيةِ إلَّ في روايةٍ، وبخيارِ المشتري يَبطُلُ، وكذا لو باعَ بَيْعاً فاسداً وهلَكَ بعضُ
المبيعِ عندَ الُشتري بَطَلَ خيارُهُ؛ لأنَّ خيارَ الرُّؤْيَةِ يَمنَعُ تمامَ(٦) الصَّفْقَةِ، فإذا تعذَّرَ رَدُّ بعضِهِ بهلاكٍ أو
عيبٍ بِطَلَ خيارُهُ، ولو عَرَضَ بعضَهُ بعدَ الرُّؤيةِ على البَيعِ، أو قالَ: رَضِيتُ ببعضِهِ بِطَلَ خيارُهُ،
وكذا خيارُ العيبِ، وكذا لو رآهُ فقبَضَه رسولُهُ)) اهـ. قال في "نُورِ العَينِ (٧): ((ومسألةُ عَرْضِ بَعضِهِ
على البيعِ ليستْ وِفَاقَّةً؛ لِمَا في "الخانّة "(٨): لَو عَرَضَ بَعضَهُ على البيعِ بَعدَ الرُّؤَيةِ بَطَلَ خيارُهُ
(قولُهُ: والرَّهنِ) الظَّاهِرُ تَقِيدُهُ بالتّسليمِ، فإنّ حينئذٍ يُوجِبُ حقّاً للغَيرِ، وبدونِهِ لا، تأمَّلْ.
(قولُهُ: والمساوَمةِ) أي: عَرضِهِ لْيُباعَ، وأمَّا عَرِضُهُ لِيُقوَّمَ فلا يُبطِلُ خيارَهُ، "حَمَويّ".
(قولُهُ: بَطَلَ إلخ) لعلَّهِ: يَبطُلُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ كذلك في "الملتقى".
(١) "العناية": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٤/٥ (هامش "فتح القدير").
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٩/٦.
(٣) في النسخ جميعها: ((بطل))، وما أثبتناه من عبارة "الملتقى"، وقد نبّه عليه الرافعيُّ رحمه الله.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب البيوع - فصل في خيار الرُّؤية ١٣/٢.
(٥) "جامع الفصولين": الفصل الخامس والعشرون في الخيارات ٢٤٦/١.
(٦) في "ك": ((مِنْ تَمامٍ)).
(٧) "نور العين": الفصل الرابع والعشرون في الخيارات - خيار الرُّؤية ق ٩٢/ب.
(٨) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصل في خيار الرُّؤية ١٨٨/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٣٥٢
قسم المعاملات
مُطلقاً، ومُفيدُ الرِّضَا بَعدَ الرُّؤْيَةِ لا قبلَها، "دُرر".
عندَ "محمَّدٍ" لا عندَ "أبي يُوسف")) اهـ.
قلتُ: صاحبُ "الخانَّةِ" يُقدِّمُ الأَشهَرَ، فَتَدَبَّرْ.
[ ٢٢٨٣٩] (قولُهُ: مُطلقاً) أي: قبلَ الرُّؤيةِ وبعدَها كما علمتَ.
[٢٢٨٤٠] (قولُهُ: ومُفيدُ الرِّضا) نَقْلٌ لعبارةِ "الدُّررِ" بالمعنى؛ لأَنّهُ قالَ (١): ((ويُبِطِلُهُ
ما لا يُوجِبُ حقَّ الغَيْرِ كالبيعِ بالخيارِ، والمساومةِ والهبةِ بلا تَسليمٍ بعدَ الرُّؤيةِ لا قبلَها؛ لأنَّ هذه
التَّصرُّفاتِ لا تَزِيدُ على صريحِ الرِّضا، وهو إنما يُبطِلُهُ بعدَ الرُّؤيةِ، وأمَّا النَّصرُّفاتُ الأُولى فهيَ
أقوى؛ لأنَّ بعضَها لا يَقبَلُ الفسخَ، وبعضَها أو جَبَ حقَّ الغَيرِ فلا يَملِكُ إبطالَهُ))(٢) إهـ.
ثُمَّ اعَلَمْ أَنَّهُ في "الكَنْزِ"(٣) اقْتَصَرَ على قولِهِ: ((وَبطُلُ بما يَبطُلُ بِهِ خيارُ الشَّرِطِ))، فأورَدَ عليهِ
في "البحر"(٤): ((الأخْذَ بالشُّفْعِةِ، والعَرْضَ على البيعِ، والبيعَ بخيارٍ للبائعِ، والإِجارةَ، والإسكانَ بلا
أجرٍ، والرِّضا بالمبيعِ قبلَ الرُّؤيةِ، فإنّها تُبطِلُ خيارَ الشَّرطِ دُونَ خيارِ الرُّؤيةِ)) اهـ، لكنَّ الصَّوَابَ
إسقاطُ قولِهِ: ((والإِجارةَ))، فإنّها تُوجِبُ حقّاً للغَيرِ، وقَدْ عَلَمْتَ أنَّ مسألةَ العَرْضِ خلافَّةٌ. ثُمَّ إِنَّ
ما أورَدَهُ في "البحر" احترَزَ عنهُ "الشَّارِحُ" بقَولِهِ: ((ومُفيدُ الرِّضا بعدَ الرُّؤيةِ لا قَبَلَها))، فإنَّ هذهِ
(قولُهُ: وأمَّا النَّصرُّفاتُ الأُولى إلخ) هيَ ما يُطِلُ خيارَ الشَّرْطِ.
(قولُهُ: وَقَدْ عَلمتَ أنَّ مسألةَ العَرضِ خلافيَّةٌ) الخلافيَّةُ عَرْضُ البعضِ لا الكُلِّ، فإِنَّها بَعدَ الرُّؤيةِ محلٌّ
اتّفاقِ على أنَّها تُبطِلُ كما هوَ ظاهرٌ مَّا ذكَرَهُ "الملتقى" مِن الضَّابِطِ بقولِهِ: ((وما لا يُوجِبُ إلخ))، وإيرادُ
"البحر" في المسألةِ الاتّفاقَّةِ، تأمَّلْ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ١٦٠/٢.
(٢) عبارة "الدرر والغرر": ((فلا يُمكِنُ إبطالُهُ)).
(٣) "انظر شرح العيني على الكنز": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ١٣/٢.
(٤) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٣٠/٦.

٣٥٣
بابُ خيار الرُّؤية
الجزء الرابع عشر
فَلَهُ الأَخْذُ بالشُّفْعةِ ثُمَّ رَدُّ الأوَّلِ بالرُّؤيةِ،.
الأشياءَ لا تُبُطِلُ خيارَ الرُّؤيةِ قبلَ الرُّؤيةِ؛ لأَنَّها تُفيدُ(١) الرِّضا، وصريحُ الرِّضا قبلَها لا يُبطِلُهُ،
فلذا قال: ((بعدَ الرُّؤيةِ لا قَبَلَها))، لكنْ يَبقى إيرادُ "البَحرِ" وارِدًاً على قولِهِ: ((وهوَ مُبطِلُ خيارِ
الشَّرطِ مُطلقاً))، فإنَّ هذهِ الأشياء [٣/ق١/٤٢) تُبطِلُ خيارَ الشَّرْطِ، فيُتَوَهَّمُ أَنَّها تُبطِلُ خيارَ الرُّؤيةِ
قبلَها وبَعدَها مع أنّها لا تُبطِلُهُ قبلَها لِمَا عَلِمتَ، ولا يُفيدُ قولُهُ: ((ومُعيدُ الرِّضا إلخ))؛ لأنَّ
بعضَ ما يُبطِلُ خيارَ الشَّرْطِ يُفيدُ الرِّضا كالعِقِ والبَيعِ ونحوِهما مِنَ النَّصرُّفاتِ، ويُطِلُ خيارَ
الرُّؤيةِ قبلَها وبعدَها.
(تنبيهٌ)
عَدَّ في "البحر "(٢) مَما يُطِلُ خيارَ الرُّؤيةِ قَبْضَ الَبِيعِ، وَنَقْدَ الثَّمنِ بعدَ الرُّؤيةِ - زادَ في "جامع
القُصولَينِ"(٣): ((وكَذا لو رآهُ فَقَبَضَهُ رَسولُهُ)) اهـ ـ وحَمَلَهُ إلى بيتِ المشتري، فإذا رآهُ ليسَ له رَدُّهُ
ما لم يَرُدَّهُ إلى مَوضعِ العَقدِ كما مَرَّ بيانُهُ(٤)، وكَذا لو اشتَرَى أرضاً لم يَرَها وأعارَها فزَرَعها
المستعيرُ، وكَذا لو شَرَى عِدْلَ ثيابٍ فَلَبِسَ واحدً بَطَلَ خيارُهُ في الكُلِّ اهـ.
[٢٢٨٤١] (قولُ: فَلَهُ الأَحْذُ بالشَُّعةِ إلخ) تَفريعٌ على قولِهِ: ((لا قَبَلَها))، أي: إذا كانَ مُفيدُ
الرِّضا لا يُطِلُ خيارَ الرُّؤيةِ قبلَ الرُّؤيةِ فلو شَرَى داراً ولم يَرَها فِيْعَتْ دَارٌ حَنْبِها فَلَهُ أُخْذُ الثَّانِيةِ
بالشُّقعةِ، ولا يَبطُلُ خيارُهُ فِي الأُولى، حَتَّى إذا رآها ولم يَرْضَ بها فَلَهُ رَدُّها بخيارِ الرُّؤيةِ.
(قولُهُ: وكَذَا لو اشتَرَى أرضاً لم يَرَها وأعارَها فَزَرعَها المستعيرُ لتعلُّقِ حقّهِ بالزَّرعِ، فَإِنَّهُ لا يمكنُ
إخراجُها مِن يَدِهِ، وفي "الزَّيلعيِّ": ((وَلَو اشتَرَى أرضاً، فَأَذِنَ للأكَّارِ أنْ يَزرعَها قبلَ الرُّؤيةِ فَزَرَعَها بَطَل؛ لأنَّ فعلَهُ
بأمرِهِ كَفِعلِهِ)) اهـ.
(١) في "ك": ((لا تفيد))، وهو خطأ.
(٢) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٣٠/٦ - ٣١.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الخامس والعشرون في الخيارات ٢٤٦/١.
(٤) قوله: ((كما مرَّ بيانه)) من كلام ابن عابدين رحمه الله، انظر المقولة [٢٢٨٣١] قوله: ((إلاَّ إذا حَمَلَهُ البائعُ إلخ)).

حاشية ابن عابدين
٣٥٤
قسم المعاملات
"دُرر"(١) مِنْ خيارِ الشَّرطِ، فليُحفَظْ. (ويُشتَرَطُ للفَسخِ(٢) عِلْمُ البائعِ) بالفَسخِ
خَوفَ الغَرَرِ (ولا خيارَ لبائعٍ ما لم يَرَهُ) في الأصحّ.
[٢٢٨٤٢] (قولُهُ: "دُرر" مِنْ خيارِ الشَّرطِ) وَكَذا ذَكرَهُ "الشَّارحُ"(٣) هناكَ عن "المعراجِ
بقولِهِ: ((بخلافِ خيارِ رُؤيةٍ وعَيبٍ)).
(تنبيةٌ)
إِنَّمَا عَزا ذلكَ إلى "الدُّررِ" مِنْ خيارِ الشَّرطِ معَ أَنَّهُ في "الدُّررِ" ذكَرَهُ في هذا البابِ (٤) متناً
بقولِهِ: ((كَذَا طَلَبُ الشُّفْعَةِ بما لم يَرَهُ))؛ لأَنَّهُ جَعَلَهُ مُبطِلاً لخيارِ الرُّؤيةِ قَلَ الرُّؤْيّةِ، وهو غَيرُ صحيحٍ.
(٢٢٨٤٣] (قولُهُ: خَوفَ الغَرَرِ) أي: غَرَرِ البائعِ بسببِ اعتمادِهِ على شِرائِهِ، فلا يَطْلُبُ لسلعتِهِ
مُشترياً آخَرَ، "ط)" (٥).
[٢٢٨٤٤] (قولُهُ: ولا خيارَ لبائعٍ ما لم يَرَهُ في الأصحِّ) بأنْ وَرِثَ عَيناً فباعَها لا خيارَ لهُ
بالإجماعِ السُّكوتَيِّ، "دُرّ مُنتقى)"(٦)، أي: وقَعَ الحُكمُ بهِ بمحضَرٍ منَ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ تَعالى
عنهم، ولم يُرْوَ عنْ أحَدٍ منهمْ خلاقُهُ، فكانَ إجماعاً سُكوتيّاً كما بَسَطَهُ في "الفتح"(٧)، وهو قَولُ
(قولُهُ: وهوَ غَيْرُ صَحِيحٍ) فِيهِ نَظَرّ، بل جعَلَهُ هُنَا مُبطِلاً بَعدَها لا قَبَلَها، وَنَصُّهُ: ((وَكَذَا طَلَبُ الشُّفْعَةِ بما
لم يَرَهُ، أي: يُطِلُهُ بعدَ الرُّؤيةِ لا قَبَلَها)) اهـ. وكأنَّ "الْحَشِّيَ" فَهِمَ أنَّ مُرادَ "الغُرَرِ" بـ: ((ما لم يَرَهُ) وقتَ الطَّلبِ
معَ أنَّ مُرادَهُ: لم يَرَهُ وَقتَ البيعِ وطَلَبَ بَعدَ الرُّؤيةِ، كما أفصَح عنهُ في "شرحِهِ"، تأمَّلْ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب خيار الشَّرط والتعيين ١٥٥/٢.
(٢) في "د" و"و": ((لفسخه)).
(٣) صـ ٣١١ - "در".
(٤) انظر "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ١٦٠/٢.
(٥) "ط": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٤٢/٣.
(٦) "الدر المنتقى": كتاب البيوع - فصل في خيار الرُّؤية ٣٥/٢ (هامش "مجمع الأنهر").
(٧) انظر "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٣/٥.

الجزء الرابع عشر
٣٥٥
بابُ خيار الرُّؤية
(وكَفَى رُؤيةُ ما يُؤْذِنُ بالَمَقْصُودِ كَوَجْهِ صُبْرَةٍ.
"الإمامِ" المرجوعُ إليهِ كما في "البحر"(١). وبِهِ ظَهَرَ أنَّ قولَهُ: ((في الأصحِّ)) لا مَحَلَّ لهُ؛ لإِيهامِهِ أنْ
مُقابِلَهُ صحيحٌ، معَ أنَّ ما رجَعَ عنهُ المجتهدُ لم يَبْقَ قولاً لَهُ؛ لأنَّهُ فِي حُكمِ المنسوخِ.
[مطلب: رؤية جميع المبيع غيرُ مشروط]
[٢٢٨٤٥] (قولُهُ: وكَفَى رُؤيةُ ما يُؤْذِنُ بالمقصُودِ) لأنَّ رُؤيةَ جميعِ المبيعِ غَيرُ مشروطٍ لتعذُّرِهِ،
فُيُكَفَى برؤيةِ ما يَدِلُّ على العِلمِ بالمقصودِ، "هداية)(٢). والمرادُ أنَّ رُؤيةَ ذلكَ قبلَ الشِّراءِ كافيةٌ في
سُقوطٍ خيارِهِ بَعدَهُ؛ لأَنَّهُ قد اشتَرَى ما رَأَى فلا خيارَ لَهُ، وليسَ المُرادُ أَنَّهُ لو اشْتَرَى قبلَ الرُّؤيةِ ثُمَّ
رَأَى ذلكَ يَسقُطُ خيارُهُ كما توهَّمَهُ بعضُ الطَّلبةِ، فاستشكلَهُ بأنَّ خيارَ الرُّؤيةِ غَيرُ مؤقّتٍ، وأَنَّهُ إذا
رآهُ بعدَ الشِّراءِ لا يَسْقُطُ إلَّ بقَولٍ أو فعلٍ يدلُّ على الرِّضا، فكيف يَسقُطُ بمجرَّدِ رُؤيةٍ ما يُؤْذِنُ
بالمقصودِ؟! أفادَهُ فِي "النّهر"(٣)، وسيُشِيرُ (٤) إليه "الشَّارِحُ"(٥)، ولا شكَّ أنَّهُ توهُّمٌ ساقطٌ، وإلاَّ لَزِمَ
أنْ لا يَتْبُتَ خيارُ الرُّؤيةِ بعدَ الشِّراءِ إلَّ قبلَ الرُّؤيةِ بعدَهُ، ولا قائلَ بِهِ معَ أنَّ الرُّؤْيَةَ بعدَ الشِّراءِ شَرطُ
تُبُوتِ الخيارِ على ما مَرَّ(٦).
٦٥/٤
[٢٢٨٤٦] (قولُهُ: كَوَجْهِ صُبْرَةٍ) المرادُ بها ما لا تَتَفاوتُ آحادُهُ، قَالَ في "الفتح"(٧): ((فإِنْ دخَلَ
(قولُهُ: والمرادُ أنَّ رؤيةَ ذلكَ قبلَ الشِّراءِ كافيةٌ إلخ) أو المرادُ أنَّ رُؤيةَ ما ذُكِرَ كافٍ في تحقُقِ رؤيةٍ
المبيعِ بُدُونِ تعرُّضٍ لكونِها مُسقِطَةً للخيارِ أوْ لا، فإنَّ هذا أمرٌ آخرُ، وبِدُونِ فرقِ بينَ كونِ رُؤيةِ ما ذُكِرَ
قبلَ الشِّراءِ أو بعدَهُ.
(١) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٢٩/٦.
(٢) "الهداية": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٣٣/٣.
(٣) "النهر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ق ٣٧١/أ.
(٤) في "ك" و"ب" و"م": ((ويشير)).
(٥) صـ ٣٥٩ - وما بعدها "در".
(٦) المقولة [٢٢٨٣٤] قوله: ((لأن خياره معلَّقٌ بالرُّؤية بالنصِّ)).
(٧) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٧/٥ - ٥٣٨ باختصار.

حاشية ابن عابدين
٣٥٦
قسم المعاملات
في البيعِ أشياءُ فإنْ كانَتِ الآحادُ لا تَتَفاوتُ كالمكيلِ والموزونِ - وعلامتُهُ أنْ يُعرَضَ بالنَّموذجِ" -
فُيُكَتَفَى بُرُؤيةٍ واحدٍ منها في سُقُوطِ الخيارِ(١)، إلاَّ إذا كانَ الباقي أردأ ◌َما رأى فحينئذٍ يكونُ لهُ
الخيارُ، يَعني (٢): خيارَ العَيبِ لا خيارَ الرُّؤيةِ، ذكَرَهُ في "الينابيعِ"(٣)، وعلَّلَ في "الكافي": بأنَّهُ إِنَّما
رَضِيَ بالصَِّةِ الَّتي رآها لا بغَيرِها، ومُفَادُهُ أَنَّهُ خيارُ الرُّؤيةِ، وهوَ مُقتضى سَوقِ كلامِ "لُصنّفِ"،
أي: "صاحبِ الهدايةِ"(٤)، والتَّحقيقُ أَنَّهُ خيارُ عيبٍ(٥) إذا كانَ اختلافُ الباقي يُوصِلُهُ إلى حَدِّ
العَيْبِ، وخيارُ رُؤيةٍ إذا كانَ لا يُوصِلُهُ إلى اسمِ المَعيبِ بِلِ الدُّونِ، وقدْ يَجْتَمِعانِ فيما إذا اشْتَرَى ما
لم يَرَهُ، فلم يَقِبِضْهُ حَتّى ذَكَرَ لهُ البائعُ بهِ عيباً ثُمَّ أراهُ المبيعَ في الحالِ)) اهـ، وأقرَّهُ في "البحر"(٦).
والحاصلُ: أَنَّهُ إذا كانَ الباقي أردأ ◌َمّا رأى لا تَكفي رؤيةُ بعضِهِ، أي: لا يَسقُطُ بها الخيارُ
مطلقاً، وإنَّما يَسقُطُ بها خيارُ الرُّؤيةِ فَقَطْ، وَيَبْقَى خيارُ العَيبِ على ما في "الينابيعِ"، أو يَقَى معها
خيارُ الرُّؤيةِ على ما في "الكافي". والتَّحقيقُ النَّفصيلُ، وهو: أنَّهُ إِنْ كانَ الباقي مَعيباً يَبْقَى الخيارانِ،
وإلاَّ فخيارُ الرُّؤيةِ فَقَطْ.
(قولُهُ: وعلامتُهُ أنْ يُعرَضَ بِالنّموذَجِ) في "المصباحِ": ((الأُموذَجُ بضمِّ الهمزةِ: ما يدُلُّ على صفةِ الشَّيءِ،
وهو معرَّبٌ، وفي لُغةٍ: نَمُوذٌَ بفتح النُّون وَالذَّالِ معجمةً مفتوحةً مطلقاً، وقالَ "الصَّغَانِيُّ": النَّموذَجُ: مثالُ
الشَّيءِ الذي يُعمَلُ عليهِ)) اهـ من "البحر".
* قولُهُ: (بالنِّموذجِ)) في "المصباح": ((الأُنموذَج بضمِّ الهمزةِ: ما يدُلُّ على صفةِ الشَّيءٍ، وهو مُعرَّبٌ، وفي لغةٍ:
نَمُوذَج، بفتحِ النُّونِ والذَّالِ المُعجمةِ، وقال "الصَّغَانِيُّ": الصَّوَابُ النّموذَجِ)) اهـ. قلتُ: وهوَ الُسمَّى في عُرفنا
العاينة. اهـ منه. نقول: كذا في هامش "الأصل"، وانظر "تقريرات الرافعي".
(١) في "ب": ((الخبار)) بالباء، وهو خطأ.
(٢) في "ب" و"م": ((أي)) بدل ((يعني)).
(٣) "الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع": لأبي عبد الله محمد بن رمضان الرومي (كان حياً سنة ٦١٦هـ) شرح
"مختصر القدوري". وتقدمت ترجمته ٤٤٩/١.
(٤) "الهداية": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٣٣/٣.
(٥) أي: في بعض الصور كما في "الفتح".
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٣١/٦، نقلاً عن "الفتح".

الجزء الرابع عشر
٣٥٧
بابُ خيار الرُّؤية
وبهذا النَّقريرِ سَقَطَ ما في "النَّهِ"(١) حيثُ قالَ: ((وعندي أنَّ ما في "الكافي" هوَ التَّحقيقُ،
وذلكَ أنَّ هذِهِ الرُّؤيةَ إذا لم تكُنْ كافيةً فما الذي أسقَطَ خيارَ رُؤُيتِهِ حَتّى انتقَلَ مِنْهُ إلى خيارٍ
العَيْبِ؟! فَتَدَبَّرْهُ)) اهـ، وهذا اعتراضٌ على (٤٢٥/٣/ب] ما في "الينابيعِ". والجوابُ: أَنَّها قدْ أسقَطَتْ
خيارَ الرُّؤيةِ، وإنَّما لم تَكنْ كافيةً في لُزُومِ المبيعِ؛ لأَنَّهُ يَبقى معها خيارُ العَيبِ كما قرَّرنا بهِ كلامَ
"الينابيعِ"، وعلمتَ ما هوَ التَّحقيقُ، ثُمَّ قال في "الفتح"(٢): ((ثُمَّ السُّقُوطُ بِرُؤيةِ البعضِ إذا كانَ في
وعاءٍ واحدٍ، فلو في أكثَرَ فقيلَ: كذلكَ، وقيل: لا بُدَّ منْ رُؤيةِ كُلِّ وعاءٍ، والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ
رُؤيةَ البعضِ تُعرِّفُ حالَ الباقي، هذا إذا ظَهَرَ أنَّ ما في الوعاءِ الآخَرِ مثلُهُ أو أجوَدُ، فلو أردأ فهو
على خيارِهِ)) اهـ.
(تنبيةٌ)
قال في "جامع الفُصولَين"(٣): ((فإنْ قالَ المشتري: لم أَجد الباقيَ على تلكَ الصِّفَةِ، وقالَ
البائعُ: هوَ على تلكَ الصِّفَةِ فالقَولُ للبائعِ، والبَِّةُ للمُشتري)) اهـ، ومِثْلُهُ في "الخانَّة"(٤). ولا يَخفى
(قولُهُ: وهذا اعتراضٌ على ما في "الينابيعِ") الذي يظهرُ أنَّ كلامَ "النّهرِ" اعتراضٌ على ما في "الفتح" أيضاً،
لا على ما في "الينابيعِ" فَقَطْ، وذلكَ أنَّ كلامَ "الفتح" يُفيدُ انفرادَ خيارِ العَيبِ حيثُ قالَ: ((إنّه خيارُ عَيْبٍ
إلخ))، فهذِهِ العبارةُ تُفيدُ أنَّ كُلّ منَ الخيارَينِ يَنفَرِدُ، وَقَدْ يَجتمعانِ فَرِدُ عليها ما في "النّهر ": ((أنَّ هذهِ الرُّؤيةَ إذا
" لم تكنْ كافيةً فما الذي أسقَطَ خيارَ رُؤيتهِ؟!))، وقولُهُ في الحاصلِ: ((والنَّحقيقُ النَّفصيلُ إلخ)) خلافُ ما يَدُلُّ
عليهِ كلامُ "الفتح"، وحينئذٍ فلا يَصِحُّ نَفَيُ خيارِ الرُّؤيةِ كما وقَعَ في عبارةِ "الينابيعِ" صراحةً، وكما يدُلُّ عليهِ
كلامُ "الفتح".
(١) "النهر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ق ٣٧١/ب.
(٢) "الفتح": كتاب البيوع - باب خيار الرُّؤية ٥٣٨/٥.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الخامس والعشرون في الخيارات ٢٤٨/١ - ٢٤٩.
(٤) "الخانية": كتاب البيوع - باب الخيار - فصل في خيار الزُّؤية ١٩٠/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٣٥٨
قسم المعاملات
ورَقِيقٍ، و) وَجْهِ (دَّةٍ).
أنَّ هذا إذا(١) هَلَكَ النَّموذجُ الذي رآهُ، وَادَّعَى المشتري مخالفةَ الباقي لَهُ(٢)، أمَّا لَو كانَ موجوداً فإنَّهُ
يُعرَضُ على مَنْ لهُ خِبْرَةٌ بذلكَ فِيَتَّضِحُ الحالُ، لكنْ بَقيَ شيءٌ، وهو أنَّ هذا إنَّما يَظهرُ لو كانَ المبيعُ
حاضراً مستوراً بكِيسٍ أو نحوِهِ، أمَّ لو كانَ غائباً وأحضَر لهُ البائعُ النَّموذجَ وهَلَكَ، ثُمَّ أحضَرَ لهُ
الباقيَ فَادَّعَى المشتري أَنَّهُ ليسَ على الصِّفَةِ التي رآها في النّموذَجِ فينبغي أنْ يَكُونَ القَولُ للمُشتري؛
لأَنَّهُ مُنكِرْ ضِمْناً كونَ ذلكَ هوَ المبيعَ، بخلافِ ما إذا كانَ حاضراً؛ لاتّفاقِهما على أنَّهُ المبيعُ، وإنَّما
الاختلافُ في الصِّفَةِ. وبهذا ظَهَرَ أنَّ ما بَحَثَهُ "الخيرُ الرَّملِيُّ) (٣) في "حواشيهِ على الفُصولَينِ": ((مِنْ
أَنَّهُ لَو هَلَكَ النَّموذجُ فالقَولُ للمُشتري؛ لإنكارِهِ كونَ الباقي هوَ المبيعَ ضِمْناً)) مَحمولٌ على ما لو
كانَ غائباً كما قُلنا، وإلاَّ خالَفَهُ صريحُ المنقولِ كما علمتَ، فاغتنمُ هذا الَّحرير.
[٢٢٨٤٧) (قولُهُ: وَرَقِيقٍ) أي: ووَجْهِ رقيقٍ أو أكثرِه(٤) كما في "السِّرَاجِ"، عبداً كانَ أو أَمَةً؛
لأنَّ سائرَ الأعضاءِ في العبيدِ والإِماءِ تَبَعٌ للوجهِ، ولذا تَفَاوَتَت القيمةُ إذا فُرِضَ تَفَاوُتُ الوَجهِ معَ
تَساوي الأعضاءِ، ودلَّ كلامُهُ أَنَّه لو نَظَرَ لسائرِ أعضائهِ غيرِ الوجهِ لا يَسقطُ خيارُهُ، وِبِهِ صرَّحَ في
"السِّرَاجِ"، "نهر "(٥). ولا تُشْتَرَطُ رُؤيةُ الكَفَّينِ والِّسانِ والأسنانِ والشَّعرِ عندنا، "بحر "(٦).
(قولُهُ: ووَجْهِ رقيقٍ) لا يَظْهَرُ الاكتفاءُ بوَجِهِ الرَّقِيقِ في زمنِنا، ولا بوَجْهِ الدَّأَبَّةِ وكَفَلِها، فإنَّ المقصودَ
لا يُعَلَمُ برؤيةِ ما ذُكِرَ عادةٌ.
(قولُهُ: أو أكثرَ) أي: أكثرِ الوجهِ كما يُفيدُهُ "ط".
(١) في "آ": ((فيما إذا)).
(٢) ((له)) ليست في "م".
(٣) "اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية": الفصل الخامس والعشرون في الخيارات ٢٤٥/١ (هامش " جامع الفصولين").
(٤) في "ك" و"ب" و"م": ((أو أكثرَ)) بغير هاء، وما أثبتناه من "الأصل" و"" هو الصوابُ؛ حيث إنَّ المراد أكثر الوجه، وتدلُّ
عليه عبارة "ط": ((وكذا إذا نظر إلى أكثر الوجه؛ لأنه كرؤية جميعه)) اهـ. وقد نبه عليه الرافعي رحمه الله.
(٥) "النهر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ق ٣٧١/ب.
(٦) "البحر": كتاب البيع - باب خيار الرُّؤية ٣٢/٦.