النص المفهرس

صفحات 701-720

الجزء الثالث عشر
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
٧٠١ -
وهو فقيرٌ، كُلّفَ أنْ يُبَرْهِنَ على الفقرِ وأَنَّه من أقاربِ الواقفِ، وأَنَّه لا أحدَ تَجبُ عليه نفقتُهُ ويُنفَقُ
عليه، والفقرُ وإنْ كانَ أمراً أصلَّا يَتْبُتُ بظاهرِ الحالِ لكنَّ الظَّاهرَ يكفي للدَّفِعِ لا للاستحقاقِ، وإنَّا
شُرِطَ عدمُ الْمُنْفِقِ؛ لأَنَّه بالإنفاقِ عليه يُعَدُّ غنيًّا في بابِ الوقفِ، وشُرِطَ لزومُهُ؛ لأَنَّه لو لم يَكُنْ
واجباً عليه فالظَّاهرُ تركُ الإنفاق فيكونُ فقيراً، قالَ "هلال": ولا بدَّ أيضاً أنْ يَسألَ عنهُ في السِّرِّ ثُمَّ
يستحلقَهُ: باللهِ ما لكَ مالٌ ولا لَكَ أحدٌ تَجِبُ نفقتُكَ عليه، وإنْ برهنَ على ما ذكرْنَا فأخبرَ عدلان
بغناهُ فهما أَولى، والخبرُ والشَّهادةُ هنا سواءٌ؛ لأَنَّه ليسَ بشهادةٍ حقيقةً بل هو خبرٌ، ولو قالا:
لا نَعَلَمُ أحداً تَحِبُ نفقْتُهُ عليهِ كَفَى، ولو زَعَمَ البعضُ أَنَّه غنيٌّ: إن ادَّعى أنَّ له مالاً يصيرُ به غنيّا
له أنْ يُحلّفَهُ على أنَّه ليسَ بغنيٌّ، وليسَ له تحليفُ المُنَولّي؛ لأَنَّه لو أقرَّ لا يلزمُ شيءٌ، فإذا أنكرَ
لا يُحلَّفُ، والخصمُ في ذلكَ هو الواقفُ لو حيًّا، وإلاَّ فمَن الوقفُ(١) في يدِهِ، ولو أحدَ الوصيّينِ دونَ
الوارثِ وأصحابِ الوقفِ: فإِنْ بَرِهَنَ على المُتَولِّي بأَنَّه قريبُ الواقفِ لا يُقبَلُ حَتَّى يُبَرْهِنَ على نَسَبٍ
معلومٍ كالأُخُوَّةِ لأبوينٍ أو لأبٍ أو لأَمِّ، لا على الأُخُرَّةِ المُطْقَةِ أو العُمُومَةِ، وإنْ قالوا: لا نَعَلَمُ له وارثاً
آخرَ أعطاهُ، وإلَّ يتَأَنَّى زماناً ثُمَّ يَدفَعُ إليه، ويأخذُ كفيلاً عندَهما كما في الميراثِ، وإذا أرادَ الرَّجلُ
إثباتَ قرابةٍ ولدِهِ أو فقرِهِ فله ذلكَ لو صغيراً، بخلافِ الكبارِ فإنَّهم يُثبتونَ فقرَهم بأنفسِهم، ووَصِيُّ
الأبِ مِثُلُهُ، فإنْ لم يكونا فللأمِّ أو العمِّ إثباتُ ذلكَ لو الصَّغِيرُ فِي حِجْرِهما استحساناً؛ لأَنَّه تمخَّضَ
نَفْعاً له فأشبهَ قَبَولَ الهبةِ)). اهـ مُلخَّصاً. وتمامُ الفروعِ فيها (٢) فراجعْها، وسيأتي(٣) آخرَ الفصلِ الآتي
(قولُهُ: والخصمُ في ذلكَ هو الواقفُ إلخ) عبارةُ "البزَّازِيَّة": ((فإن ادَّعى أحدٌ أنّه من القرائبِ: إن
الواقفُ حيًّا فهو الخصمُ؛ لأنَّ الوقفَ والغلّةَ في يدِهِ والمدَّعِ يدَّعي عليه حقًّا، وإنْ ماتَ فخصمُهُ الوصيُّ
الَّذِي الوَقْفُ في يدِهِ إلخ)). وقالَ في "الإسعاف" من فصلِ إثباتِ قومٍ مشاركةَ القرائبِ: ((والخصمُ في
ذلكَ وَصِيُّ الواقفِ أو هو إنْ كانَ موجوداً)) اهـ.
(١) في "٢": ((وإلا ضمن الوقف))، وهو تحريف.
(٢) انظر "البزازية": كتاب الوقف - الفصل السادس في الوقف على الفقراء إلخ ٢٧٧/٦ وما بعدها، (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٢١٩٤٩] قوله: ((أو بالأقرب فالأقرب)).

حاشية ابن عابدين
٧٠٢ - فصل: يراعى شرط الواقف في إجارته
مِنْ حينِ الوقفِ عليه، "فتاوى ابنِ نجيم"(١): وفيها (٢): ((سُئل: عمَّن شَرَطَ السُّكْنِى
لزوجتِهِ فلانةٍ بعدَ وفاتِهِ ما دامت عَزَباً، فماتَ وتزوَّجَت وطُلِّقَت، هل يَنقَطِعُ حقُّها
بالتّزويجِ؟ أجابَ: نَعَمْ)). قلتُ: وكذا الوَقْفُ على أُمَّهاتِ أولادِهِ إِلَّ مَن تزوَّجَ، أو
على بني فلانٍ إلاّ مَن خرَجَ من هذهِ البلدةِ، فخَرَجَ بعضُهم ثُمَّ عادَ، أو على بني فلانٍ
ثَمّن تعلَّمَ العِلْمَ، فَتَركَ بعضُهم ثُمَّ اشَغَلَ بهِ ...
ما له تعلُّقٌّ بما هنا.
( ٢١٨٣١) (قولُهُ: مِنْ حينِ الوقفِ عليه) أي: من حينِ وجودِ شرطِ كونِه من أهلِ
الوقفِ: وهو الفَقْرُ والقَرَابُهُ، لا مِنْ حينِ القضاءِ، قَالَ في "الإسعاف"(٣): ((فإنْ شهدا له
بالفقرِ بعدَ مجيءِ الغَلَّةِ لا يَدخُلُ [٣/ ق١٤٩ / ب] فيها، وإنَّا يَدخُلُ فيما يَحدُثُ منها بعدَ الشَّهادةِ
إلاَّ أنْ يشهدا له في وقتٍ ويُسِنِدا فقرَهُ إلى زمنٍ سابقٍ فإنّه يَقْضِي له بالاستحقاقِ مِنْ مبدأٍ
الزَّمنِ الأوَّلِ وإنْ طالَ)) اهـ.
مطلبٌ: إذا قالَ (٤): ما دامَت عَزَباً فتزوَّجَت وطُلّقَتْ يَنقَطِعُ حقُّها
٢١٨٣٢١ ] (قولُهُ: أجابَ: نَعَمُ) أي: يَنقَطِعُ حقُّها بالتَّزوُّجِ إلَّ أَنْ يَشْتَرِطَ: أنَّ مَن ماتَ زوجُها
أو طَلَّقَها عادَ حقُّها، "إسعاف"(٥) و"فتح"(٦)، وفي "لسان الحكّامِ" لـ "ابن الشِّحْنة": أنَّ جدَّهُ
أجابَ كذلكَ، وأنَّ "الكافِيَجِيَّ" خالفَهُ وقالَ: يَعُودُ الدَّوامُ كما كانَ بالفِراقِ، ووَقَعَ النِزَاعُ بِينَ
يدي السُّلطانِ، وأنَّ جدَّهُ أخرجَ النَّقُولَ فوافقَهُ الحاضرونَ.
(١) "فتاوى ابن خيم": كتاب الوقف صـ ٩٩-١٠٠ - بتصرف (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٢) "فتاوى ابن خيم": كتاب الوقف صـ٩٩ - بتصرف (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٣) "الإسعاف": باب الوقف على أهل بيته وآله وجنسه إلخ - فصل في الوقف على فقراء قرابته إلخ صـ ١٢٠ -.
(٤) في "الأصل": ((قالت)).
(٥) "الإسعاف": باب الوقف على أهل بيته وآله وجنسه إلخ - فصل في وقف داره على سكنى أولاده صـ ١٢٤ - بتصرف.
(٦) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٩/٥ بتصرف.

الجزء الثالث عشر
٧٠٣
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
فلا شيءَ له إلاَّ أنْ يَشْرِطَ(١) أَنَّه لو عادَ فَلَهُ، فليُحفظ، "خزانة المفتين". وفي "الوهبانيةِ"(٢).
[٢١٨٣٣) (قولُهُ: فلا شيءَ له إلاَّ أنْ يَشْرِطَ إلخ) بخلاف ما لو وَقَفَ على مَن يَسكُنُ بغدادَ
من فقراءٍ قرائِتِهِ، فانتقلَ بعضُهم وسَكَنَ الكوفةَ ثُمَّ عادَ إليها وسَكَنَ، فإنَّه يَعُودُ حقُّهُ(٣)؛ لأنَّ النَّظَرَ
ها هنا إلى حالِهِم يومَ قِسْمةِ علَّةِ الوقفِ، ألا ترى أنَّه لو افتقرَ الأغنياءُ(٤) واستغنى الفقراءُ تكونُ
الغَلَّةُ لَمن افتقرَ دونَ مَن استغنى، ولو لم يُنظَرْ إلى حالِهِم يومَ القِسْمَةِ لربَّما لَزِمَ دَفْعُ الغَلَّةِ إلى الأغنياءِ
دونَ الفقراءِ، وتمامُهُ في "الإسعاف" (٥)، فافهم.
(قولُهُ: ألا ترى أنَّه لو افتقرَ الأغنياءُ واستغنى الفقراءُ إلخ) نصُّ عبارةِ "الإسعاف" - بعدَ قولِهِ: يومَ قِسْمةِ
غَلَّةِ الوقفِ -: ((ألا ترى أنَّه لو وَقَفَ على فقراءٍ قرابِهِ وكانَ فيهم فقراءُ وأغنياءُ فتكونُ الغَلَّةُ للفقراءِ، ثُمَّ لو
افتقرَ إلخ))، تأمَّل.
(قولُهُ: وتمامُهُ فِي "الإسعاف") ثمَّ ذَكَرَ بعدَ هذهِ المسألةِ ما لفظُهُ: ((ولو وَقَفَ على أقاربِهِ المقيمينَ في البلدةِ
إِلَّ مَنْ خَرَجَ منها فإِنَّه لا يعودُ حقُّهُ إذا عادَ؛ لأَنَّه استثنى الموصوفَ بهذهِ الصِّقَةِ فلا يَدخُلُ تحتَ الشَّرطِ، ولو
وَقَفَ على أقارِبِهِ المقيمينَ في بلدةِ كذا وآخرُهُ للفقراءِ، ثُمَّ أرادَ أقاربُهُ الانتقالَ من تلكَ البلدةِ، هل يُحرَمونَ من
غَلَّةِ هذا الوقفِ؟ قالَ الفقيهُ "أبو بكر البلحيُّ": إنْ كانَ أقاربُهُ في تلكَ البلدةِ يُحصَوْنَ ويُحاطُ بهم عددٌ فإنَّ
وظيفتَهم وحقّهم تدورُ معَهم أينما داروا، وإنْ كانوا لا يُحصَونَ فكلُّ مَنِ انتقلَ منهم من تلكَ البلدةِ انقطعَت
وظيفتُهُ من الوقفِ، وَيُعطَى مَن كانَ مقيماً بها، فإنْ رجعوا وأقاموا بها رجعَت إليهم الغَلَّةُ في المستقبلٍ)) اهـ.
فأنتَ ترى أنَّ ما ذكرَهُ "الإسعاف" مُنافٍ لِما في "الخزانة"، وما ذكرَهُ "ط" عن "البحر" - بقولِهِ: ((وكذا لو
شَرَطَ أنَّ مَن انتقلَ من قرابِهِ من بغدادَ لا حقَّ له اعتُبرَ، لكنْ هنا إذا عادَ إلى بغدادَ رُدَّ إلى الوقفِ)). اهـــ مُنَافٍ
لِما ذكرَهُ "الشَّارِحُ" بقولِهِ: ((أو على بني فلانٍ إلخ))، فانظرِ الفرقَ بينَ هذهِ المسائلِ.
(١) في "ط": ((إن شرط)).
(٢) أي في شرحها انظر "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الوقف ق ١٧١ /أ.
(٣) في هامش "م": ((قوله: فإنَّه يعودُ حقّهُ إلخٍ)) صرَّح في "البحر" بعدم العَوْدِ فيما لو وقفَ على فقراءٍ قرابِهِ المقيمين
ببلدة كذا فخرجَ بعضُهم قال: لا يعودُ حقِّه بالعَوْد، فلعلَّه يفرّقُ بين الفعل واسم الفاعل، وقد أشكلت الفروع في
هذا المحلِّ وتضاربت تضارباً كلّاً فَلْيُحرَّر اهـ.
(٤) في هامش "م": ((قوله: ألا ترى أنّه لو افتقر إلخ)) عبارة الإسعاف: ((ألا ترى أنّه لو وقفَ على فقراء قرابتِهِ
وفيهم الغنيُّ والفقيرُ تصرفُ الغَلَّة للفقير، ثُمَّ إِنَّه لو افتقر الأغنياء إلخ)) اهـ.
(٥) انظر "الإسعاف": باب ذكر الوقف على أولاده إلخ - فصل فيما لو شَرَطَ في الوقف على أولاده إلخ صـ ١١١ -.

حاشية ابن عابدين
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
٧٠٤ -
((قَضَى بدخولِ وَلَدِ البنتِ بعدَ مُضِيٍّ سنِينَ فِلهُ غَلَّةُ الآتي لا الماضي لو مُستَهْلَكَةً)).
وَقَفَ على بنيهِ وله ولدٌ واحدٌ فله النّصْفُ والباقي للفقراءِ، أو(١) على ولدِهِ، له الكلُّ؛ ...
مطلبٌ فيما إذا قضى بدخولِ ولدِ البنتِ
[٢١٨٣٤] (قولُهُ: قَضَى بدخولِ وَلَدِ البنتِ) أي: في صورةِ الوقفِ على أولادٍ أولادِهِ.
[٢١٨٣٥) (قولُهُ: لا الماضي لو مُستهلَكَةً) لأنَّ الحكمَ وإنْ كانَ يستندُ إلى وقتِ الوقفِ لكنْ
في حقِّ الموجودِ وقتَ الحكمِ، وغَلاَّتُ تلكَ السِّينَ معدومةٌ، كالحكمِ بفسادِ النّكاحِ بغيرٍ وليّ
لا يظهرُ في الوَطَآتِ الماضيةِ والمهرِ، حَتَّى لو كانَت غَلَّتُ السِّنينَ الماضيةِ قائمةً يستحقُّ أولادُ
البناتِ حصََّهم منها، "شرح الوهبائيّة"(٢) عن "القنية"(٢) مُلخَّصاً، لكنْ تقدَّمَ (٤) آنفاً في الوقفِ
الفقراء قرانِتِهِ أَنَّه من قَضَى له استحقَّهُ من حينِ الوقفِ عليه، وفي قضاءِ "الخيريَّة (*): ((لو تَبَتَ أنَّ
الوقفَ سويَّةٌ بينَ زيدٍ وعمرو، وكانَ زيدٌ يتناولُ زيادةً عمَّا يخصُّهُ مدَّةَ سنين، أجابَ: لعمروِ الرُّجوعُ
عليه بما تناولَهُ زائداً عن حقِّهِ المدَّةَ الماضيةَ، والقضاءُ هنا مُظِهِرٌ ومُعِينٌ؛ لكونِهِ كاشفاً فَيَسْتَنِدُ،
لا مُثبِتٌ وعاملٌ حَتّى يقتصرَ كما قرَّرَهُ أصحابُ الأصولِ والفروعِ أيضاً)) اهـ.
مطلبٌ: أثبتَ واحدٌ أنّه من الذُّرِيَّةِ يَرجِعُ بما يخصُّهُ في الماضي
وفي "فتاوى ابنِ نجِيمٌ"(٦): ((سُئِلَ عن واقفٍ وقفَ على ذريَتِهِ، ففرَّقَ النَّاظِرُ الغَلَّةَ سنينَ على
جماعةٍ منهم، ثمَّ أثبتَ واحدٌ أَنَّه منهم وقَضَى به على النَّاظِرِ فطالبَهُ بما يخصُّهُ في الماضي، فهل
له ذلكَ؟ أجابَ: بِأَنَّه إنْ دَفَعَ إلى الجماعةِ بغيرِ قضاءٍ رَجَعَ بما يخصُّهُ على النَّاظِ، وإلاَّ رجعَ
على الجماعةِ أخذاً من مسألةِ الوصيِّ: إذا قَضَى دَيْنَ الميْتِ بجميعِ التِّركةِ ثُمَّ ظَهَرَ دينٌ آخرُ عليه
(١) في "ط": ((و)).
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الوقف ق ١٧١/أ.
(٣) "القنية": كتاب الوقف - باب في مسائل متفرقة ق ٩٤/أ.
(٤ ) ص ٧٠١ -٧٠٢ - "در".
(٥) "الفتاوى الخيرية": ١٥/٢ بتصرف.
(٦) لم نعثر عليها في نسخة "الفتاوى الزينية" التي بين أيدينا.

الجزء الثالث عشر
٧٠٥
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
-
لأَنّه مُفرَدٌ مُضافٌ فَعُمُّ.
٤٢٧/٣ فإنَّهم قالوا: إنْ دَفَعَ بغيرِ قضاءٍ رَجَعَ الدَّائنُ عليه، وإلاَّ على القابضينَ، ولا يُعارِضُهُ ما في
"القنية"(١): لو قَضَى بدخولِ أولادِ البناتِ إلخ؛ لأنَّ دخولَهم مُختَلَفٌ فيه، بخلافِ ما نحنُ فيه؟
للأّفَاقِ)) اهـ. وذُكِرَ ذلكَ بعينِهِ في "فتاوى الحانوتيّ"،
وحاصلُهُ: أنَّ في دخولِ أولادِ البناتِ في الوقفِ على أولادٍ أولادِهِ خلافاً كما سيأتي(٢)
تحريرُهُ، فإذا قَضَى بدخولِهِم فإِنَّه وإِنْ وَقَعَ دخولُهم مُستِدً إلى وقتِ الوقفِ، لكنْ بسببِ الاختلافِ
صارَ الحكمُ مُثبتاً حقَّهم الآنَ في الغَلَّةِ القائمةِ، فلهم علَّهُ سنةِ الحكمِ وعلَّةُ السِّنِينَ الماضيةِ إذا كانَت
قائمةً؛ للاستنادِ، دونَ الْمُسْتَهَلَكَةِ؛ لشبهةِ الاقتصارِ، بخلافٍ مَن لم يَقَعْ خلافٌ في دخولِهِ ثُمَّ أَثْتَ
دخولَهُ فإنَّ القضاءَ به مُظهِرٌ أَنَّه منهم لا مُثِتٌّ، فَيَسْتَنِدُ ولا يَقْتَصِرُ كما مرَّ(٢)، فتدَبَّر.
[٢١٨٣٦] (قولُهُ: لأَنّه مُفرَدٌ مُضافٌ فَيَعُمُّ) أي: الواحدَ والأكثرَ، بخلافِ ((بنِيهِ))، وعبارةٌ
"الإسعاف"(٤): ((لأنَّ أقلَّ الجمعِ هنا اثنانٍ، واسمُ الولدِ يَصدُقُ على الواحدِ، فلهذا اختلفا
في الحكمِ)) اهـ.
مطلبٌ: مَن وقفَ على أولادِهِ هل يَشْمَلُ الواحدَ أَوْ لا؟
(تنبيةٌ)
في "البحر "(٥): ((ولو وَقَفَ على أولادِهِ وليسَ له إلاَّ واحدٌ أو على بنيهِ وليسَ له إلاَّ ابنٌ
واحدٌ كانَ النّصفُ له والنِّصفُ للفقراءِ، هكذا سوَّى بينَهما في "الخانَيَّة"(٦)، وفرَّقَ بينَهما
(١) "القنية": كتاب الوقف - باب في مسائل متفرقة ق ٩٤/أ.
(٢) المقولة [٢١٨٨٢] قوله: ((ولو على أولاده إلخ)).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "الإسعاف": باب ذكر الوقف على أولاده وأولاد أولاده ونسله صـ١٠٥ -.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٩/٥.
(٦) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يَقِفُ أرضَه على نفسه وأولاده إلخ - فصل في الوقف على الأولاد إلخ ٣٢٣/٣
(هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
فصل: يراعى شرط الواقف في إجارته
٧٠٦ _
في "فتح القدير"(١) فقالَ: في الأولادِ: يَسْتَحِقُّ الواحدُ الكلَّ، وفي البنينَ: لا يَسْتَحِقُّ الكلَّ، وقالَ:
كأنّه مبنيٌّ على العُرفِ، وقد علمتَ أنَّ المنقولَ خلافُهُ)) اهـ.
قلتُ: والحاصلُ: أَنَّه لا فرقَ بينَ أولادِهِ وبنيهِ في أنَّ الواحدَ يستحقُّ النّصفَ فقط؛
لأنَّ اللَّفْظَ [٣/ ق١٥٠/ أ) جمعٌ أَقُّهُ في الوقفِ اثنانِ كالوصيَّةِ، بخلافٍ ولدِهِ فإنَّ الواحدَ يستحقُّ الكلَّ
لِما مرَّ(٢)، وما ذكرَهُ في "الفتح" مَشَى عليه في أيمانِ "الأشباه"(٣) حيثُ قالَ: ((الجمعُ لا يكونُ
للواحدِ إِلاَّ في مسائلَ: وَقَفَ على أولادِهِ وليسَ له إلاَّ واحدٌ فله كلُّ الغَلَّةِ، بخلافِ ((بنيِهِ)) إلخ))،
وقالَ في "الدُّرِّ المنتقى"(٤) آخرَ الوقفِ: ((وأمَّا ما في "الأشباه" فقد عزاهُ لـ "العمدة"، وكذا ذكرَهُ
في "الَّار خانَّةٌ"(٥) وغيرِها، فلم يبقَ الكلامُ إلَّ في التَّوْفيقِ، فأقولُ وبِاللهِ الَّوفيقُ: قد لاحَ لي أنَّه
لا يَبْعُدُ أنْ يُحمَلَ كلامُ "الخانيَّة" على ما إذا وَقَفَ على أولادِهِ - وله ولدانٍ - ثمَّ على الفقراءِ فماتَ
واحدٌ وَبَقِيَ واحدٌ وقتَ وجودِ الغَّةِ كما يفيدُهُ قولُهُ: وله ولدٌ وقتَ وجودِ الغَلَّةِ، فيندفعُ عن
"الأشباه" الاشتباهُ، فتدَبَّر ولا قوَّةً إلاَّ باللهِ)) اهـ.
(قولُهُ: قد لاحَ لي أنَّه لا يَبْعُدُ أنْ يُحمَلَ كلامُ "الخانيَّة" على ما إذا وَقَفَ على أولادِهِ وله ولدان
إلخ) هذا الحَمْلُ وإنْ كانَ صحيحاً في عبارةِ "الخانَيَّة"، لكنْ تَبَقَى التَّفرقةُ في عبارةِ "الأشباه" بينَ أولادِهِ
وبنيهِ غيرَ مستقيمةٍ، حيثُ كانَ كلامُهُ مبنيًّا على أنّه لم يُوحَدْ له ابتداءً إلاَّ ولدٌ واحدٌ.
(١) "الفتح": كتاب الوقف - الفصل الثاني في الموقوف عليه ٤٥٢/٥.
(٢) ص ٧٠٤-٧٠٥ - "در".
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد صـ ٢١٤ -.
(٤) "الدر المنتقى": فصلٌ: إذا بنى مسجداً لا يزول مِنْكُهُ ٧٥٧/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل التاسع في الوقف على ولده وولد ولده ونَسْلِهِ ٧٦٨/٥-٧٦٩ نقلاً
عن "المحيط".

الجزء الثالث عشر
٧٠٧
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
قلتُ: ويكفي في التَّوفيقِ ما مرَّ(١) عن "الفتح" من ابتنائِهِ على العُرفِ؛ إذ لا شكَّ أنَّ مَن
وَقَفَ على أولادِهِ وأولادِهم يريدُ أنَّه لو بَقِيَ منهم واحدٌ يأخذُ الوقفَ كلَّهُ، وبما تقرَّرَ علمتَ أنَّ ما
في "الفتح" منقولٌ أيضاً.
(قولُهُ: قلتُ: ويكفي في التّوفيقِ ما مرَّ عن "الفتح" من ابتنائِهِ على العُرفِ إلخ) قالَ "الخصَّاف" في
البابِ الثَّالثَ عشرَ: ((فَإِنْ قالَ: على ولدِ زيدٍ وعلى ولدِ عمرٍو ومِن بعدِهم على المساكينِ، وكانَ لزيدٍ
ولدٌ ولم يكنْ لعمرٍو ولدٌ، إنَّ الغلّةَ كلَّها لولدِ زيدٍ، فإذا انقرضوا صارَت للمساكينِ)) اهـ. وذَكَرَ
"المحشِّي" في الأيمانِ: ((أَنَّ الجمعَ المضافَ يُرادُ به الجنسُ الصَّادقُ بالواحدِ والأكثرِ، ولا يُرادُ به في
العُرفِ الجمعُ))، وذكرَ نحوَهُ "الطَّحطاويُّ" في "حاشيتِهِ"، وما ذكراهُ شاملٌ لِما إذا كانَ الجمعُ بصيغةٍ من
صيغِ الجمعِ أو كانَ جمعً بحرفِ الجمعِ كالواوٍ. وفي وقفِ "هلال" من بابِ الرَّحِلِ يَقِفُ أرضاً على نفسِهِ
ما نصُّهُ: ((قالَ: أوصيتُ بثلثِ مالي لفلان وفلانٍ فماتَ أحدُهما قبلَ موتِ الْمُوصِي للباقي منهما نصفُ
الثُّلثِ، ولو قالَ: قد أوصيتُ بثلثِ مالي لفلانٍ ولولدِهِ فماتَ ولدُهُ قبلَ موتِ الْمُوصِي إِنَّ الثَّلثَ كلَّهُ
للباقي، فكذلك الواقفُ إذا أشركَ معَ نفسِهِ قوماً معلومينَ أبطلتُ من ذلكَ ما وَقَفَ على نفسِهِ وأجزتُ
الباقي، وإذا أشركَ معَ نفسِهِ قوماً ليسوا بمعلومينَ أبطلتُ الوقفَ أجمعَ، ألا ترى أنَّ مِنْ قولِنا في رجلٍ
قالَ: أرضي صدقةٌ موقوفةٌ على فلانٍ وعلى ولدِهِ ونَسِلِهِ فانقرضوا فلم يبقَ غيرُ فلانٍ: إنَّ الوقفَ كلَّهُ له،
ولو قالَ: قد جعلتُها صدقةً على ولدي أو: على أولادي وعلى قرابتي وعليَّ، قالَ: الوقفُ لا يجوزُ،
قلتُ: أرأيتَ لو قالَ: صدقةٌ موقوفةٌ على نفسي وعلى المساكينِ، قالَ: النّصفُ من الوقفِ جائزٌ صحيحٌ،
وهو النّصفُ الَّذي للمساكينِ، والنّصفُ الَّذي وقَفَهُ على نفسِهِ باطلٌ)) اهـ. وفي "الإسعاف": ((ولو أقرَّ
الرجلينِ بأرضٍ في يدِهِ أَنَّها وقفٌ عليهما وعلى أولادِهما ونَسْلِهما أبداً، ثمَّ مِن بعدِهم على المساكينِ،
فصدَّقَهُ أحدُهُما وكذَّبَهُ الآخرُ ولا أولادَ لهما يكونُ نصفُها وقفاً على المُصَدِّقِ منهما، والنّصفُ الآخرُ
للمساكينِ، ولو رَجَعَ الْمُنكِرُ إلى النَّصديقِ رجعَتِ الغَلَّةُ إليه)) اهـ.
(١) في هذه المقولة.

٧٠٨ - فصل: يراعى شرط الواقف في إجارته
حاشية ابن عابدين
للمُتَوَلِّيِ الإِقالةُ لو خيراً. آجَرَ بَعْرضٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ،
مطلبٌ في إقالةِ الْمُتَولِّي عقدَ الإجارةِ
٢١٨٣٧١) (قولُهُ: للمُنَولِّي الإِقالةُ لو خيراً) كذا في "البحر"(١) عن "جامع الفصولَين" (٢)، وقالَ
في "الأشباه"(٣): ((إقالةُ النَّاظرِ عقدَ الإجارةِ جائزةٌ إلَّ في مسألتينِ: الأُولى: إذا كانَ العاقدُ ناظراً قبلَهُ
كما فُهِمَ من تعليلِهم. الثّانيةُ: إذا كانَ النَّاظرُ تعجَّلَ الأجرةَ كما في "القنية"(٤)، ومَشَى عليه "ابنُ
وهبان"(٥)) اهـ. لكنْ في "شرح الوهبانيَّة" للشُّرُ بلاليِّ: ((أَقولُ: هذا ليسَ فيه تحريرٌ، فإنَّ قبضَ
الأجرةِ وعدمَهُ ليسَ فيه نَظَرٌ للخيرِ وعدمِهِ، بل النّظَرُ إلَّا هو لِما فيه مصلحةٌ، وهو الَّذي في "البحر"
عن "جامع الفصولَين": الْمُتَولِّي يَملِكُ الإقالةَ لو خيراً. وإطلاقُ يَشْمَلُ القبضَ وعدمَهُ، وَيَشْمَلُ إقالةً
عقدِ ناظرٍ قبلَهُ، وَيُؤْيِّدُهُ مسألةٌ هي: لو باعَ القيِّمُ داراً اشتراها بمالِ الوقفِ فله أنْ يُقِيلَ البيعَ معَ
المشتري إذا لم يكنِ البيعُ بأكثرَ من ثمنِ المثلِ، وكذا إذا عُزِلَ ونُصِبَ غيرُهُ فللمنصوبِ إِقالُهُ
بلا خلافٍ، كذا في "البحر" (٦). وفي "الأشباه"(٧): المُتَولِّي على الوقفِ لو آجَرَ الوقفَ ثُمَّ أقالَ
ولا مصلحةً لم يَجُزْ على الوقفِ. فالمنظورُ إليه المصلحةُ وعدمُها، ولذا قالَ في "الدُّرر"(٨): إذا باعَ
الْمُتَولِّي أو الوصيُّ شيئاً بأكثرَ من قِيمِتِهِ لا تجوزُ إِقَالُهُ اهـ. معَ أنَّ المبيعَ إذا عادَ ترجِعُ ماليُّهُ على ما
كانَت عليه، والعينُ الْمُؤخَّرَةُ لا تُبقي الأجرةَ بُضيِّ الزَّمنِ إلَّ بالاستئجارِ فيفوتُ النَّفْعُ الَّذِي لَزِمَ
بالاستئجارِ، فكانَ عدمُ صحَّةِ الإقالةِ مع فواتِ النَّمْعِ ألزمَ من إقالةِ البيعِ، خصوصاً وقد تَرْبُو المضرَّةُ
باحتياجِ العينِ الَّتي كانَت مُؤَخَّرَةً لمؤْوَنَةٍ كطعامٍ ومَرَمَّةٍ بها)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٩/٥.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل السابع والعشرون في تصرُّفات الأب والوصيِّ والقاضي إلخ ٢٥/٢.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ ٢٢٤ -.
(٤) "القنية": كتاب الوقف - باب في تصرُّفات القيِّم في الأوقاف ق ٩٢/أ.
(٥) والبيت ساقط من نسخة "منظومة الوهبانية" التي بين أيدينا، وانظره في "تفصيل عقد الفرائد": ق ١٧٤/ب.
(٦) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٩/٥.
(٧) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب البيوع صـ ٢٤٨ -.
(٨) "الدرر والغرر": كتاب البيوع - باب الإقالة ١٧٩/٢.

الجزء الثالث عشر
٧٠٩
فصل : یراعی شرط الواقف في إجارته
-
وخصَّاهُ بالنِّقودِ. للمُستأجر غَرْسُ الشَّجِرِ بلا إذنِ النَّاظرِ إذا لم يَضُرَّ بالأرضِ،
وليسَ له الحَفْرُ إلَّ بإذنٍ، وَيَأذَنُ لو خيراً، وإلاّ لا،
[٢١٨٣٨] (قولُهُ: وخصَّاهُ بالنُّقودِ) بناءً على أنَّ النَّاظرَ وكيلٌ يتصرَّفُ بالعَرْضِ وبالنّقْدِ
وبالنَّسيئةِ عندَهُ، وعندَهما: بالنّقودِ كما سيأتي(١) في كتابِ الوكالةِ، كذا قيلَ، والمسألةُ نظمَها
في "الوهبانَّة"(٢).
مطلبٌ: للمُستأجِرِ غَرْسُ الشَّجِ
[٢١٨٣٩] (قولُهُ: للمُستأجِرٍ غَرْسُ الشَّحرِ إلخ) كذا في "الوهبائَّة"(٢)، وأصلُهُ في "القنية"(٣):
((يجوزُ للمُستأجِرِ غَرْسُ الأشجارِ والكُرُومٍ في الأراضي الموقوفةِ إذا لم يَضُرَّ بالأرضِ بدونِ صريحٍ
الإذنِ من المُتَولِّي دونَ حَفْرِ الِحِياضِ.
مطلبٌ: إنَّما يَحِلُّ للمُتَولَّ الإذنُ فيما يزيدُ الوقفُ به خيراً
وإنَّما يحلُّ للمُتَوِّي الإِذنُ فيما يزيدُ الوقفُ به خيراً))، ثُمَّ قالَ(٣): ((قلتُ: وهذا إذا لم يكنْ
لهم حقُّ قرارِ العِمارةِ فيها، أمَّا إذا كانَ يجوزُ الحَفْرُ والغَرْسُ والحائطُ من ترابِها؛ لوجودِ الإِذنِ في
مثلِها دلالةٌ)) اهـ. ولا يخفى أنَّ قولَهُ: ((قلتُ إلخ)) مَحِلُُّ: عندَ عدمِ الضَّررِ بالأرضِ كما يُعلَمُ
بالأَولى من قولِهِ: ((وإنَّا يَجِلُّ إلخ)). ثُمَّ اعلمْ أنَّ العادةَ في زمانِنا أنَّ النَّظَرَ لا يُمَكِّنُ الْمُستَاحِرَ من
الغَرْسِ إلَّ بإذنِهِ إذا لم يَكُنْ له في الأرضِ حقُّ القرارِ المسمَّى بِمَشَدِّ الْمُسْكَةِ، فينبغي أنَّه لا يَمِلِكُ(٤)
ذلكَ بدون إذنِهِ ولا سيَّما وفيه ضَرَرٌ على الوقفِ؛ لأنَّ الأنفعَ أنْ يَغرِسَ النَّاظِرُ للوقفِ أو يأذنَ
٤٢٨/٣ للمستأجر بالمناصبةِ، وهي: أنْ يَغْرِسَ على أنَّ الغِراسَ بينَهُ وبينَ الوقفِ كما هو العادةُ، ولا شكَّ أنّه
أنفعُ من غَرْسِهِ لنفسِهِ فقط.
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧٤٠٠] قوله: ((وصحَّ بيعه بما قلَّ أو كثر إلخ)).
(٢) "الوهبانية": فصل من كتاب الوقف صـ ٤٧ - (هامش "المنظومة المحببة").
(٣) "القنية": كتاب الوقف - فصل في مسائل متفرقة ق ٩٤/أ.
(٤) في "ك": ((لا يمكن)).

حاشية ابن عابدين
٧١٠
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
وما بناهُ مُستأجرٌ أو غَرَسَهُ فله ما لم يَنْوِهِ للوقفِ، والْمُتَولِّي بناؤُهُ وغَرْسُهُ للوقفِ ..
مطلبٌ في حُكم بناء المستأجر في الوقف بلا إذن
[٢١٨٤٠) (قولُهُ: وما بناهُ مُستأجرٌ أو غَرَسَهُ فله) أي: إذا بناهُ من مالِهِ بلا إذنِ النَّاظرِ، ثمَّ إذا
لم يَضُرَّ رفْعُهُ بالبناءِ القديمِ رَفَعَهُ، وإِنْ ضَرَّ فهو المُضِّعُ مَلَهُ فليتربَّص إلى أنْ [٣/ ق١٥٠ / ب] يتخلَّصَ
من تحتِ البناءِ ثُمَّ يأخذُهُ، ولا يكونُ بناؤُهُ مانعاً من صحَّةِ الإِحارةِ من غيرِهِ؛ إذ لا يَدَ له عليه
حيثُ لا يَمِلِكُ رفعَهُ، ولوِ اصطلحوا على أنْ يجعلَهُ للوقفِ بثمنٍ لا يُجاوزُ أقلَّ القيمتينِ مَنَزُوعاً أو
مبنيًّا فيه صَحَّ، "جامع الفصولَين"(١)، وفي "حاشيتِهِ للخير الرَّمَلِيِّ)(٢): ((أقولُ: ظاهرُهُ: اشتراطُ
الرِّضى؛ إذِ الصُّلِحُ لا يكونُ إلَّ عنه، معَ أَنَّهم صرَّحوا في الإجارةِ إذا مضَت المدَّهُ وكانَ القَلْعُ يَضُرُّ
بالأرضِ يتمَّكُهُ المُؤْجِّرُ بأقلّ القيمتينِ جَبْراً، وإطلاقُهُ يقتضي عدمَ الغرقِ بينَ الوقفِ والِلْكِ؛ إذ لا
وجه للفرقِ بينَهما في ذلكَ، فُيُحمَلُ الصُّلحُ في كلامِهِ على مجرَّدِ الإخبارِ بالصِّحَّةِ، لا على أَنَّه
شرطٌ مُتَعِّنٌ في ذلكَ)) اهـ. وفي "الخانّة) (٣): ((طَرَحَ فيها السِّرِقِينَ وغَرَسَ الأشجارَ ثُمَّ ماتَ
فالأشجارُ لورثتِهِ ويُؤمَرُونَ بقَلْعِها، ولا رجوعَ لهم بما زادَ السِّرقينُ في الأرضِ عندَنا)) اهـ.
وقدَّمنا(٤) مسألةَ استبقاءٍ المستأجرِ العمارةَ في الأرضِ الْمُحَتَكْرَةِ قبلَ الفصلِ عندَ قولِ "الشَّارحِ":
((وأمَّا الزِّيادةُ في الأرضِ المحتكرةِ))، وقدَّمنا (٥) مسألةَ العِمارةِ بإذنِ النَّاظرِ عندَ مسألةِ الاستبدالِ.
مطلبٌ في حكمٍ بناءِ الْمُتَولِّي وغيرِهِ في أرضِ الوقفِ
[٢١٨٤١) (قولُهُ: والمُتَولِّي بناؤُهُ إلخ) اعلمْ أنَّ البناءَ في أرضِ الوقفِ فيه تفصيلٌ: فإنْ كانَ الباني
(١) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الإحكامات - أحكام العمارة في ملك الغير إلخ ٢٢٣/٢.
(٢) حاشية "الخير الرملي على جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الإحكامات - أحكام العمارة في ملك الغير إلخ
٢٢٣/٢ "ذيل جامع الفصولين"، وهي: لخير الدين بن أحمد بن نور الدين الأيوبيّ الرَّمليّ (ت١٠٨١ هـ) على "جامع
الفصولين" لمحمود بن إسرائيل الشهير بابن قاضي سماوْنَه (ت٨٢٣هـ)، ("كشف الظنون" ٥٦٦/١، "خلاصة الأثر"
١٣٤/٢، "هدية العارفين" ٤١٠/٢،٣٥٨/١).
(٣) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ - فصل في الأشجار ٣١٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) المقولة [٢١٥٣٩] وما بعدها.
(٥) المقولة [٢١٧٨٣] قوله: ((والاستدانة القرض والشِّراء نسيئة)).

الجزء الثالث عشر
٧١١
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
ما لم يُشهِدْ أَنَّه لنفسِهِ قَبْلَهُ،
الْتَوِّيَ عليه: فإنْ كانَ بمالِ الوقفِ فهو وقفٌ سواءٌ بناهُ للوقفِ أو لنفسِهِ أو أطلقَ، وإنْ مِنْ مالِهِ
للوقفِ أو أطلقَ فهو وقفٌ، إلاَّ إذا كانَ هو الواقفَ وأطلقَ فهو له كما في "الذَّخيرة": وإنْ بناهُ من
مالِهِ لنفسِهِ وأشهدَ أَنَّه له فهو له كما في "القنية"(١) و"المجتبى". وإنْ لم يكنْ مُتَولّاً: فإنْ بنى بإذن
المُتَولِّي لِيرَحِعَ فهو وَقْفٌ، وإلاّ فإنْ بنى للوقفِ فوقفٌ، وإنْ لنفسِهِ أو أطلقَ فله رفعُهُ إنْ لم يَضُرَّ،
وتمامُهُ في "ط)" (٢) عن "الأشباه"(٣) و"حواشيها"(٤)، وفي "الخانَّةَ"(٥): ((ولو غَرَسَ في المسجدِ
يكونُ للمسجدِ؛ لأَنَّه لا يَغْرِسُ فيه لنفسِهِ)).
[٢١٨٤٢) (قولُهُ: ما لم يُشهِدْ أَنَّه لنفسِهِ قَبْلَهُ) أي: قبلَ البناءِ، وهو متعلّقٌ بـ: ((يُشهِدْ))، وهذا
إذا بناهُ من مالِهِ كما عُلِمَ ◌َّا مَرَّ(٦) قبلَهُ، وَقَّدَ بالإِشهادِ تَبَعاً لـ "جامع الفصولَين(٧) وغيرِهِ، لكنْ
صرَّحَ "الخصَّاف (٨) بأنَّ القولَ قولُهُ إذا اختلَفَ هو وأهلُ الوقفِ، بأنْ قالَ: زرعتُها لنفسي بَبَذْري
ونفقتي، وقالوا: بل لنا؛ لأنَّ البَذْرَ له فما حَدَثَ منه فهو له بمنزلةِ الواقفِ فيما يزرَعُ له، قالَ
"الخصَّاف"(٩): ((وأرى إخراجَهُ من يدِهِ بما فَعَلَ ويضمَنُ نقصانَ الأرضِ)). اهـ. ومثلُهُ في
"الخالنَّة"(١٠)، وهو صريحٌ أيضاً بأنَّه (١١) يكونُ خِيانةً منه يَسْتَحِقُّ بها العَزْلَ، وكأنَّهُ في "البحر"(١٢)
(١) "القنية": كتاب الوقف - باب فيما يتعلّق بعمارة الوقف والبناء ق ٩٣/ب.
(٢) انظر "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط المواقف ٥٦٦/٢.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٢٣-٢٢٤ - بتصرف.
(٤) انظر "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف ٢٢١/٢ بتصرف.
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرَّجل يجعل داره مسجداً إلخ - فصل في الأشجار ٣١٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) "جامع الفصولين": الفصل السابع والعشرون في تصرُّفات الأب والوصيِّ والقاضي والمتولّي إلخ ٢٩/٢.
(٨) "أحكام الأوقاف": باب الرَّجل يجعل أرضاً له صدقة موقوفة إلخ صـ٢٦٨ - بتصرف.
(٩) "أحكام الأوقاف": باب الرَّجل يجعل أرضاً له صدقةً موقوفةً إلخ صـ٢٦٩ - بتصرف.
(١٠) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يقف أرضه على نفسه وأولاده ــ فصل في إجارة الأوقاف ومزارعتها
٣٣٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(١١) في "آ": ((بأن)).
(١٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٦١/٥.

حاشية ابن عابدين
فصل: يراعى شرط الواقف في إجارته
-
٧١٢
ولو آجَرَ لابِنِهِ لم يَجُزْ، خلافاً لهما،.
لم يرَهُ حيثُ قالَ: ((وينبغي أنْ يكونَ خِيانةٌ))، وقدَّمنا(١) عندَ قولِهِ: ((ويُنزَعُ وجوباً لو خائناً))
عن "شرح الأشباه" لـ "البيري": ((أَنَّه يُؤْخَذُ ثَمّا ذكرْناهُ أنَّ النَّاظِرَ لَوْ سَكَنَ دارَ الوقفِ ولو بأجرٍ
المثلِ للقاضي عزلُهُ؛ لأَنَّه نصَّ في "خزانة الأكمل": أنّه لا يجوزُ له السُّكْنى ولو بأجرِ المثلٍ)).
مطلبٌّ: لو آجرَ الْتَولِّي لابنِهِ أو أبيهِ لم يَجُزْ إلاَّ بأكثرَ من أجرِ المِثلِ
(٢١٨٤٣) (قولُهُ: ولو آجَرَ لاينِهِ) أي: الكبيرِ؛ إذِ الصَّغِيرُ تَبَعٌ له، "شرح الوهبائَّة"(٢)، وفي
" جامع الفصولَين(٣): ((لو باعَ القيِّمُ مالَ الوقفِ أو آجرَ ثَمن لا تُقبَلُ شهادتُهُ له لم يَحُزْ عندَ
"أبي حنيفة"، وكذا الوصِيُّ، وقيلَ: الوَصِيُّ كمُضارِبٍ))، وفيه (٣): ((المتَولِّي إذا آجَرَ دارَ الوقفِ منِ
اينِهِ البالغِ أو أبيهِ لم يَحُزْ عندَ "أبي حنيفة" إلاّ بأكثرَ من أجرِ المثلِ، كبيعِ الوَصِيِّ، لو بمثلٍ قيمتِهِ صحّ
عندَهما، ولو خيراً لليتيمِ صحَّ عندَ "أبي حنيفة"، وكذا مُتَولٌ آجَرَ من نفسِهِ لو خيراً صحَّ، وإلاَّ لا،
ومعنى الخيرِ مرَّ في بيعِ الوَصِيِّ من نفسِهِ، وبه يُفْتَى)) اهـ.
والّذي مرَّ هو قولُهُ(٤) في شراءِ مالِ الصَّغيرِ: ((جازَ للوَصِيِّ ذلكَ لو خيراً، وتفسيرُهُ: أنْ
يأخذَ بخمسةَ عشرَ ما يساوي عشرةً، أو يبيعَ منه بعشرةٍ ما يساوي خمسةَ عشرَ، وبه يُفتَى)) اهـ.
(قولُهُ: وقيلَ: الوَصِيُّ كمُضارِبٍ إلخ) في "الذَّخيرة ": ((أنَّ مِنَ المشايخِ مَن قَالَ بجوازٍ إجارةِ
الْتَوِّي لاينِهِ، وقاسَهُ على الْمُضارِبِ إذا أجَّرَ من هؤلاءِ فإِنَّه يجوزُ بلا خلافٍ)). اهـ "سنديّ". وذَكَرَ
"المحشِّي" في كتابِ المضاربةِ عندَ قولِهِ: ((وَيَمِلِكُ الْمُضارِبُ البيعَ إلخ)): الإطلاقُ مُشعِرٌ بجوازٍ تجارتِهِ معَ كلِّ
أحدٍ، لكنْ في "النّظمِ": ((أَنّ لا يَتَّجِرُ معَ امرأتِهِ وولدِ الكبيرِ العاقلِ ووالديهِ عندَهُ، خلافاً لهما، ولا يشتري
من عبدِهِ المأذونِ، وقيلَ: من مكاتِبِهِ بالاتفاقِ)). اهـ فتأمَّل.
(قولُهُ: وكذا مُتَولِّ آجَرَ من نفسِهِ إلخ) ما ذكرَهُ مَحَلُّ اتفاقٍ.
(١) المقولة [٢١٤٩٨].
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الوقف ق ١٧٥/ب - ق ١٧٦/أ بتصرُّف.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل السابع والعشرون في تصرُّفات الأب والوصيِّ والقاضي والمتولّي إلخ ٢٧/٢.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل السابع والعشرون في تصرُّفات الأب والوصيِّ والقاضي والمتولّي إلخ ٢٠/٢.

الجزء الثالث عشر
٧١٣ -
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
كعبدِهِ اتّفاقً، هذا (١) لو باشرَ بنفسِهِ، فلوِ القاضيَ صَحَّ، وكذا الوَصِيُّ».
[٢١٨٤٤) (قولُهُ: كعبدِهِ اتّفاقاً) وكذا لو لنفسِهِ.
[٢١٨٤٥] (قولُهُ: هذا لو باشرَ بنفسِهِ) أمَّا لو ذَهَبَ إلى القاضي فآجرَهُ صَحَّ، "شرح
الوهبانَّة"(٢) عن "الخانَيَّة"(٣).
قلتُ: ويُشكِلُ عليه ما مرَّ(٤) - عندَ قولِهِ: ((ولايةُ نَصْبِ القيِّمِ إلى الواقفِ، ثمَّ لوصيِّهِ،
ثُمَّ للقاضي)) -: من أنَّ القاضيَ لا يَمِلِكُ النَّصرُّفَ معَ وجودِ المُتَولِّي، والجوابُ: أَنَّه لا يَملِكُ
ذلكَ على ما فيه من النّزاعِ عندَ صحَّةٍ تصرُّفِ الْمُتَولِّي بنفسِهِ، وهنا لا يَصِحُّ، وقدَّمنا(٥) عندَ
الكلامِ على قطعِ [٣/ق ١/١٥١] الجهاتِ لَّعميرِ: أنَّ المُتَوّيَ لو عَمِلَ كالفاعلِ والبنَّاءِ فله قَدْرُ
أجرتِه لو أمرَهُ الحاكمُ، وإلاَّ فلا؛ إذ لا يصلُحُ(٦) مُؤَجِّراً ومُستأحِراً، وهذه العلَّةُ جاريةٌ هنا،
وقدَّمنا(٧) أيضاً أوَّلَ الفصلِ: إذا شَرَطَ الواقفُ أنْ لا تُؤْجَّرَ الأرضُ أكثرَ من سنةٍ وكانَت
إجارتُها أكثرَ أنفعَ للفقراءِ فليسَ للقَيِّمِ أنْ يُؤخِّرَها أكثرَ بل يَرَفِعُ الأمرَ للقاضِي لُيُؤَجِّرَها؛ لأنَّ
له ولايةَ النَّظَرِ للفقراءِ، فافهم.
(٢١٨٤٦] (قولُهُ: وكذا الوَصِيُّ) أي: من قِبَلِ الأَبِ، بخلافِ وَصيِّ القاضي، فإنَّه لا يَصِحُّ بِيعُهُ
ولا شراؤُهُ مالَ اليتيمِ ولو خيراً كما سيأتي(٨) في بابِهِ، والإِجارةُ: بيعُ المنافعِ، أفادَهُ "ط)(٩).
(١) في "د" و"ط": ((وهذا)).
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الوقف ق ١٧٦/أ.
(٣) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في إجارة الأوقاف ومزارعتها ٣٣٤/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) المقولة [٢١٧٠٢] قوله: ((بعد موت الواقف إلخ)).
(٥) المقولة [٢١٤٢٧] قوله: ((فُعطى المشروط له)).
(٦) في "آ": ((يصحّ)).
(٧) المقولة [٢١٥٩٢] قوله: ((فلم يزد القيِّم إلخ)).
(٨) انظر "الدر" عند المقولة [٣٦٧٠٢] قوله: ((وإن باع الوصي)).
(٩) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦٦/٢.

فصل: يراعى شرط الواقف في إجارته
٧١٤ -
حاشية ابن عابدين
بخلافِ الوكيلِ. وَقَفَ على أصحابِ الحديثِ لا يَدخُلُ فيه الشَّافِعِيُّ إذا لم يَكُنْ في
طَلَبِ الحديثِ، ويَدخُلُ الحنفيُّ كانَ في طلبِهِ أَوْ لا، "بزَّازِيَّةِ"(١) . أي: لكونِهِ يَعمَلُ
بالمُرسَلِ، ويُقدِّمُ خبرَ الواحدِ على القياسِ،.
[٢١٨٤٧) (قولُهُ: بخلافِ الوكيلٍ) فإنَّه لا يَعْقِدُ معَ مَن تُرَدُّ شهادتُهُ له للَّهَمَةِ عندَ "الإِمامِ"،
إلاَّ إذا أطلقَ له الُوَكِّلُ كما سيأتي(٢) في بابها، أفادَهُ "ط)" (٣).
[٢١٨٤٨) (قولُهُ: أي: لكونِهِ يَعمَلُ بِالُْرسَلِ) هو: مَن سَقَطَ(٤) منه الصَّحَابِيُّ، "ط)(٥)، وهذا
الَّعليلُ ذكَرَهُ في "شرح الوهبانيَّة"(٦) بقولِه: ((وفي حفظي تعليلُهُ بكونِهِ يعمَلُ إلخ، ولكنّي لم أَظْفَرْ
به الآنَ)) اهـ.
٤٢٩/٣
قلتُ: ووجهُهُ: أَنَّه عَمِلَ بكلِّ الأحاديثِ حيثُ لم يَتْرُكِ العملَ بهذينٍ، فصارَ أحقَّ بإطلاقٍ
هذا اللَّفْظِ عليه، والظَّاهرُ: أنَّ هذا عندَ عدمِ العُرفِ، أمّا إذا تُعُورِفَ إطلاقُهُ على مَن غَلَبَ عليه هذا
العلمُ حَتَّى اشتهرَ به وصارَ يُطلَقُ عليه أَنَّه من أهلِ الحديثِ تَعَيَّنَ حَمُلُهُ على عُرْفِ الواقفِ كما
قدَّمناهُ(٧) في مسألةِ "ابنِ المنقار".
(قولُهُ: إلاّ إذا أطلقَ له الْمُؤَكِّلُ إلخ) فيجوزُ بيعُهُ لهم بمثلِ القيمةِ اتّفاقاً، كما يجوزُ عقدُهُ معهم بأكثرَ من
القيمةِ اتفاقاً. اهـ "ط". وذكرَ "الشَّارحُ" معَ "المصنّفِ" في الوصايا: ((باعَ أوِ اشترى الوَصِيُّ مالَ اليتيمِ من نفسِهِ
لا يجوزُ مطلقاً لو وَصِيَّ القاضي، وإنْ وَصِيَّ الأبِ جازَ بشرطِ منفعةٍ ظاهرةٍ، وهي قَدْرُ النّصفِ)).
(١) "البزازية": كتاب الوقف: الفصل الثالث في صحَّته وفساده وفيه وقف النقلي والشَّائع - نوع فيما يصلح الوقف
عليه وما لا يصلح ٢٥٨/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٧٣٩٧] قوله: ((إلا من عبده ومكاتبه)).
(٣) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦٦/٢.
(٤) قوله: ((هو من سقط إلخ)) هكذا بخطّه، والذي في حاشية "ط": ((هو ما سقط إلخ)) وهي أَوْلى، اهـ مصحِّح "م".
وقال مصحِّحُ "ب": ولعل الأَوْلى: ((هو ما سقط إلخ)).
(٥) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦٦/٢.
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الوقف ق ١٨٦/أ بتصرف.
(٧) المقولة [٢١٨٠١] قوله: ((كما حقّقه مفتي دمشق)).

الجزء الثالث عشر
٧١٥
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
وجازَ على حَفْرٍ (١) القبورِ والأكفانِ، لا على الصُّوفَّةِ والعُمْيانِ في(٢) الأصحِّ. ولو شَرَطَ
النَّظَرَ للأرشدِ فالأرشدِ مِن أولادِهِ فاستويا اشتركا، به أفَتَى "المنلا أبو السُّعودِ" مُعَلِّلاً:
بأنَّ ((أفعلَ النَّفضيلِ)) يَنْتَظِمُ الواحدَ والمُتَعدِّدَ، وهو ظاهرٌ،.
[٢١٨٤٩] (قولُهُ: وجازَ على حَفْرِ القبورِ والأكفانِ) هو المُفْتَى به كما في "البحر"(٣) عن الفتاوى،
وفي "شرح الوهبانيَّةُ"(٤): ((أَنَّ الصِّحَّةَ أظهرُ)).
مطلبٌ في الوقفِ على الصُّفَيَّةِ وَالعُمْيان
[٢١٨٥٠] (قولُهُ: لا على الصُّوفَّةِ والعُمْيانِ في الأصحِّ) فإنَّه وَقَعَ فيه خلافٌ، قالَ في "شرح
الوهبانَّة "(٤) عن "الخلاصة"(٥) بعدَ حكايةِ الخلافِ: ((وأَخرجَ الإِمامُ "عليٌّ السُّغديُّ" الرِّوايةَ من
وقفِ "الخصَّاف"(٦) أَنَّه لا يجوزُ على الصُّوفَّةِ والعُمْيانِ، فرجعوا إلى جوابِهِ)) اهـ.
قلتُ: لكنْ في "الإسعاف"(٧): ((قالَ "شمسُ الأَثْمَّةَ"(٨). [إذا ذَكَرَ مَصْرِفاً فيه (٩)] تنصيصٌ
على الحاجةِ فهو صحيحٌّ، وإنِ استوى فيه الأغنياءُ والفقراءُ: فإنْ [كانوا](١٠) يُحصَونَ صَحَّ، وإلاَّ بَطَلَ،
إلاَّ إِنْ كانَ في لفظِهِ ما يَدُلُّ على الحاجةِ عُرْفاً كاليتامَى فالوقفُ عليهم صحيحٌ ويُصرَفُ لفقرائِهم، فهذا
الضَّابِطُ يقتضي صحَّةَ الوقفِ على الزَّمْنَى والعُمْيانِ وقُرَّاءِ القرآنِ والفقهاءِ وأهلِ الحديثِ، وَيُصرَفُ
الفقرائِهم؛ لإشعارِ الأسماءِ بالحاجةِ استعمالاً؛ لأنَّ العَمَى والاشتغالَ بالعلمِ يقطَعُ عن الكَسْبِ فيغلِبُ
(١) ((حفر)) ساقطة من "ط".
(٢) في "د" و"ط": ((هو الأصحّ)).
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢١٥/٥.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الوقف ق ١٨٦/أ.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده ـ جنس آخر فيمن يصلح الوقف عليه
وفیمن لا يصلح ق٣٢٤/ب.
(٦) "أحكام الأوقاف":" باب الرجل يقف الأرض على ولده وولد ولده صـ٢٧٦ - ولم يذكر فيه عدم الجواز للصُّوفية.
(٧) "الإسعاف": باب في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه صـ١٧- بتصرف.
(٨) "المبسوط": كتاب الوقف ١٢/ ٣٤ باختصار.
(٩) في النسخ جميعها: ((إذا ذُكر مصرِفٌ فيهم))، وما أثبتناه من عبارة "المبسوط"، وهو أوضح.
(١٠) ما بين منكسرين من "المبسوط" و"الإسعاف".

حاشية ابن عابدين
فصل: يراعى شرط الواقف في إجارته
٧١٦ _
وفي "النّهرِ" عن "الإسعافِ": ((شَرَطَه لأفضلِ أولادِهِ فاستويا فلأسنهم))، ولو أحدُهما
أورعَ والآخرُ أعلمَ بأمورِ الوقفِ فهو أَوْلِى إذا أُمِنَ خيانتُه، انتهى، "جوهرة"(١) ..
فيهم الفقرُ، وهو أصحُّ مَّا سيأتي في بابِ الباطلِ أَنَّه باطلٌ على هؤلاءٍ)) اهـ. ومقتضاهُ: أَنَّه يَصِحُّ
على الصُّوفَّةِ أيضاً؛ لأنَّ الفقرَ فيهم أغلبُ من العُمْيانِ، بلِ اصطلاحُهم: تسميتُهم بالفقراءِ، وهذا إنْ
كَانَت العَلَّهُ مَا ذُكِرَ، وإلاَّ ففي "الََّار خانَّةٌ"(٢) عن الإمامِ "أبي اليسر": أنَّ الصُّوفَّةَ أنواعٌ: فمنهم
قومٌ يضربونَ بالَزَاميرِ ويشربونَ الخُمُورَ إلى أنْ قالَ فيهم: ((إذا كانوا بهذهِ المَتَابةِ كيفَ يَصِحُّ
الوقفُ عليهم؟!)) اهـ. فأفادَ أنَّ العلَّةَ أنَّ منهم مَن لا يَصِحُّ الوقفُ عليهم، فلا يكونُ قُرْبَةً، ويُحتمَلُ
أنَّ المرادَ لا يَصِحُّ الوقفُ على هذا النَّوعِ منهم إذا عيَّنَهم الواقفُ، وهذا وإنْ كانَ خلافَ ظاهرٍ
العبارةِ لكنَّهُ من حيثُ المعنى أظهرُ؛ لأنَّ لفظَ: ((الصُّوَّةِ)) إِنَّا يُرَادُ به في العادةِ مَن كانوا على
طريقةٍ مَرْضِيَّةٍ، أمَّا غيرُهم فليسوا منهم حقيقةً وإنْ سمَّوْا أنفسَهم بهذا الاسمِ، فإذا أطلقَ الاسمَ
لا يدخلونَ فيهٌ فَيَصِحُّ الوقفُ، ويستحقُّهُ أهلُ ذلكَ الاسمِ حقيقةً، وحينئذٍ تكونُ علَّةُ الصِّحَّةِ ما مرَّ(٣)
من غَلَةِ وصفِ الفقرِ عليهم، فاغتنمْ هذا التّحريرَ.
[٢١٨٥١) (قولُهُ: وفي "الَّهر "(٤) عن "الإسعافِ "(٥) إلخ) تخصيصٌ لِما أفتى به "أبو السُّعود".
[٢١٨٥٢] (قولُهُ: فهو أَوْلِى) أي: الأعلمُ بأمورِ الوقفِ أَولى، ومثلُهُ: لوِ استويا في الدِّيانةِ
والسَّدادِ والفضلِ والرَّشادِ فالأعلمُ بأمرٍ(٦) الوقفِ أَولى، "بحر "(٧) عن "الظَّهِيرِيَّةِ"(٨).
(١) لم نعثر على المسألة في نسخة "الجوهرة النيرة" التي بين أيدينا، على أن لفظة ((جوهرة)) ليست في "د"، وذكر
الشَّارح المسألة في "الدر المنتقى" ٧٥٣/٢، وكذلك صاحب "النهر" وعزياها إلى "الظهيرية"، فتأمل.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الثالث: ما يجوز من الأوقاف وما لا يجوز ٧٠٥/٥ -٧٠٦.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "النهر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجد بأحكامٍ إلخ ق٣٥٧/ب.
(٥) "الإسعاف": باب الولاية على الوقف صـ ٥٥ ..
(٦) في "ك": ((بأمور)).
(٧) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٠/٥.
(٨) "الظهيرية": كتاب الوقف - القسم الأول - الفصل الثالث في وقف المنقول إلخ - نوع منه في الولاية في الوقف ق ٢١٤/أ.

الجزء الثالث عشر
٧١٧
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
وكذا لو شَرَطَهُ لأرشدِهم كما في "أنفعِ الوسائلِ"(١).
مطلبٌ في شرطِ التَّوليةِ للأرشدِ فالأرشد
[٢١٨٥٣] (قولُهُ: وكذا لو شَرَطَهُ لأَرشدِهم) فُيُقدَّمُ بعدَ الاستواءِ فيه الأسنُّ ولو أنثى - كما
في "الإسعاف"(٢) - والأعلمُ بأمورِ الوقفِ، وأفتى في "الإسماعيليَّةِ": بتقديمِ الرَّجلِ على الأُنثى،
والعالمِ على الجاهلِ، أي: بعدَ الاستواءِ في الفضيلةِ والرُّشْدِ، قالَ في "البحر "(٣): ((والظَّاهُرُ: أنَّ الرُّشْدَ
صلاحُ المالِ، وهو حُسْنُ النَّصرُّفِ))، وفيه (٤) عن "الإسعاف"(٥): ((ولو قالَ: الأفضلُ فالأفضلُ
فأبى الأفضلُ القَبولَ [٣ ق١٥١ /ب] أو ماتَ يكونُ لِمَن يليهِ على التَّرتيبِ، ذكرَهُ "الخصَّاف" (٦)،
وقالَ "هلال": القياسُ: أنْ يُدخِلَ القاضي بدلَهُ رجلاً ما دامَ حيًّا، فإنْ ماتَ صارَتِ الولايةُ لَمن يليهِ
في الفضلٍ، ولو كانَ الأفضلُ غيرَ موضعٍ أقامَ رجلاً مُقَامَهُ، وإذا ماتَ تَنْتَقِلُ لَن يليهِ فيه، وإذا صارَ
أهلاً بعدَهُ تُرَدُّ الولايةُ إليه، وكذا لولم يكنْ فيهم أهلٌ أقامَ القاضي أجنبًا إلى أنْ يصيرَ فيهم أهلٌ،
ولو صارَ المفضولُ منهم أفضلَ ثَمن كانَ أفضلَهم تَنْتَقِلُ الولايةُ إليه، فُنظَرُ في كلِّ وقتٍ إلى
أفضلِهِم، كالوقفِ على الأفقرِ فالأفقرِ)) اهـ مُلخَّصاً.
مطلبٌ: إذا صارَ غيرُ الأرشدِ أرشدَ
قلتُ: وبه عُلِمَ عدمُ صحَّةٍ ما أفتى به في "الحامديَّة"(٧): ((أَنَّه إذا أثبتَ أحدُهم أرشدِيَّتَهُ أَنَّه
لا تُقَبَلُ بَيِّنَةُ آخرَ أَنَّه صارَ أرشدَ، واستندَ لِما في "حاوي السُّيُوطِيِّ)(٨): أنَّ العبرةَ لِمَن فيه هذا الوصفُ
(١) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - المسألة السادسة عشرة: إذا شرطَ الواقفُ في كتاب وَقَّعه الولايةَ إلخ صـ١٣٠ -.
(٢) "الإسعاف": باب الولاية على الوقف صـ٥ ٥ -.
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٥١/٥.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٠/٥.
(٥) "الإسعاف": باب الولاية على الوقف صـ ٥٥ ..
(٦) "أحكام الأوقاف": باب الولاية في الوقف - مطلبٌ: شرطَ ولايةَ وقفه لأفضل ولده إلخ صـ٢٠٤ -.
(٧) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الوقف - الباب الثالث في أحكام النّظَّار وأصحاب
الوظائف من نصبٍ وعزلٍ إلخ ٢١٤/١.
(٨) "الحاوي للفتاوي": باب الوقف ١٥١/١، وهو لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السُّيوطيِّ
(ت ٩١١هـ). ("كشف الظنون" ٦٢٩/١، "الضوء اللامع" ٦٥/٤، "النور السَّافر" صـ٥٤ - وما بعدها).

٧١٨ - فصل: يراعى شرط الواقف في إجارته
حاشية ابن عابدين
ولو ضَمَّ القاضي للقّيِّمِ ثقةً - أي: ناظرًا (١) حِسْبَةً، هل للأصيلِ أنْ يَستَقِلَّ بالنَّصرُّفِ؟
لم أرَهُ. وأفتى "الشيخُ الأَخُ)(٢): أَنَّه إنْ ضَمَّ إليهِ لخِيانةٍ لم يَسْتَقِلَّ، وإلاَّ فَلَه ذلكَ، وهو
حَسَنٌّ، "نهر "(٣). وفي "فتاوى مُؤْيَّد زاده"(٤) معزيًّا لـ "الخالنَّةِ"(٥) وغيرِها :.
في الابتداءِ لا في الأثناءِ))، وبيَّنتُ الجوابَ عنه في "تنقيحِها" (٦)، وذكرتُ فيه تفصيلاً أخذاً من
القواعدِ المذهبيّةِ، وهو: ((أَنَّه إذا ادَّعى آخرُ الأرشديَّةَ قبلَ الحكمِ بها للأوَّلِ وتعارضَتِ البِّتانِ
اشتركا في النَّوليةِ؛ لِما مرَّ: من أنَّ ((أفعلَ النَّفضيلِ) يَنْتَظِمُ الواحدَ والأكثرَ،َ ولأَنَّه لا سبيلَ إلى
ترجيحٍ إحدى البِّتينِ على الأُخرى قبلَ الحكمِ، وإنْ كانَ بعدَهُ وقصُرَ الزَّمنُ لا تُسمَعُ الثّانيةُ؛
لترُّحِ الأُولى بالحكمِ بها فَتَلْغُو الَّانيةُ، وأمَّا إذا طالَ بحيثُ يُمكِنُ أنْ يصبرَ الثّاني أرشدَ فكذلكَ،
إلاَّ إذا شَهِدَتِ الَّنيةُ بأنَّ صاحبَها صارَ الآنَ أرشدَ من الأوَّلِ، والله تعالى أعلمُ)) اهـ، ثمَّ رأيتُ
التّصريحَ بذلكَ في "فتاوى الشَّيْخِ قاسم" حيثُ قالَ: ((إذا قامَت بَِّةٌ أُخرى بالأرشديَّةِ لغيرِهِ فلا بدَّ
من تصريحها بأنَّ هذا أمرٌ تجدَّدَ))، وذكرَ قبلَهُ: ((أَنَّ الشَّهادةَ بالأرشديَّةِ تحتاجُ أنْ يكونَ الأولادُ
وأولادُ الأولادِ معلومِينَ محصورينَ؛ ليكونَ المشهودُ له أرشدَ من غيرِهم)).
[٢١٨٥٤] (قولُهُ: ولو ضَمَّ القاضي للقَيِّمِ ثقةً) تقدَّمَ(٧) عندَ قولِ "الشَّارِحِ" -: ((ليسَ للقاضي
عزلُ النَّاظِرِ بمجرَّدٍ شِكايةِ المُسْتَحقّينَ)) - أَنَّه يضمُّهُ إليه إذا طُعِنَ في أمانِهِ بدونٍ إثباتِ خِيانةٍ،
وإلَّ عَزَلَهُ، وتقدَّمَ (٨) تمامُ الكلامِ عليه هناكَ.
[٢١٨٥٥] (قولُهُ: وإلاَّ فَلَه ذلكَ) قد يُقالُ: إِنَّه إذا ضمَّهُ إليه للطَّعنِ في أمانِهِ وكانَ للأصيلِ
(١) في "ب" و"و" و"د": ((ناظرَ حسبٍ)).
(٢) أي: صاحب "البحر"، ولم نعثر عليها في كتبه.
(٣) "النهر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجد بأحكام إلخ ق٣٥٧/ب - ق٣٥٨/أ بتصرف.
(٤) تقدمت ترجمته ٤٤١/١٣.
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ ٢٩٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) انظر "العقود الدُّرِّيَّة في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الوقف - الباب الثالث في أحكام النظّار وأصحاب
الوظائف من نصبٍ وعزلٍ إلخ ٢١٤/١.
(٧) ص ٦٦٤-٦٦٥ - "در".
(٨) المقولة [٢١٧٧٦] قوله: ((حتى يثبتوا عليه خيانةً)).

الجزء الثالث عشر
٧١٩
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
((ليسَ للمُشرِفِ التَّصرُّفُ، بلِ الحِفْظُ.
٤٣٠/٣
الاستقلالُ بالَّصرُّفِ لم يبقَ فائدةٌ لضَمِّهِ إليه، إلاَّ أنْ يُصوَّرَ فيما إذا ضمَّهُ إليه إعانةً له
لا لِطَعْنٍ ولا لخيانةٍ، تأمَّل.
مطلبٌ: ليسَ للمُشرِفِ النَّصُّفُ
[٢١٨٥٦] (قولُهُ: ليسَ للمُشرِفِ النَّصرُّفُ) بل له الحفظُ؛ لأنَّ النَّصرُّفَ في مالِ الوقفِ مُفُوَّضٌ
إلى المُتَولِّي، "خانّة"(١)، والظَّاهرُ: أنَّ المرادَ بالحفظِ حفظُ مالِ الوقفِ عندَهُ، لكنْ قالَ في
"الفتح"(٢): ((وهذا يختلفُ بحسبِ العُرفِ في معنى الْمُشرِفِ)) اهـ. ومقتضاهُ: أَنَّه لو تُعُورِفَ تصرُّفُهُ
معَ الْمَولِّي اعْتُبِرَ، وَيُحتمَلُ أنْ يرادَ بالحفظِ مُشارَقتُهُ للمُتَولّي عندَ النَّصرُّفِ لئلاّ يَفْعَلَ ما يَضُرُّ،
ويؤيِّدُه ما ذكروهُ في مُشرفِ الوَصِيِّ، ففي "الخانَّةُ"(٣): ((قالَ الإِمامُ "الفَضْلِيُّ": يكونُ الوَصِيُّ
أَولى بإمساكِ المالِ ولا يكونُ الْمُشرِفُ وَصِيّاً، وأثرُ كونِه مُشرِفاً أَنَّه لا يجوزُ تصرُّفُ الوَصِيِّ
إلاَّ بعلمِهِ))، وفي "أدب الأوصياء"(٤) عن "فتاوى الخاصيِّ": ((وبقولِ "الفَضْلِيِّ " يُفتَى))، وأنتَ
خبيرٌ بأنَّ الوقفَ يُستَقَى من الوصيّةِ، ومسائلُهُ تُنزَعُ منها، وعن هذا أفتى في "الحامديَّةَ"(٥): ((بأنّه
ليسَ للمُتَوِّي التَّصرُّفُ في أمورِ الوقفِ بدونِ إذنِ المُشْرِفِ واطّلاعِهِ)).
مطلبٌ: القيِّمُ وَالْتَوَلَّيِ والنَّظرُ بمعنَى واحدٍ
وفي "الخيريَّةِ"(٦): ((إنْ كانَ النَّاظرُ بمعنى المشرِفِ فقد صرَّحوا: بأنَّ الوَصِيَّ لا يتصرَّفُ
إلَّ بعلمِ الْمُشرِفِ))، وفيها(٦): ((سُئِلَ في وقفٍ له ناظرٌ ومُنَولِّ، هل لأحدِهما النّصرُّفُ بلا علمٍ
الآخرِ؟ أجابَ: لا يجوزُ، والقيِّمُ والمتولّي والنَّاظرُ في كلامِهم بمعنَى واحدٍ)) اهـ.
(١) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ ٢٩٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتح": كتاب الوقف - الفصل الأول في المتولّي ٤٥٠/٥.
(٣) "الخانية": كتاب الوصايا - باب الوصيِّ - فصل فيما يكون قبولاً للوصيّة ٥١٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "أدب الأوصياء": فصل في تعدُّد الأوصياء ٣٤٥/٢ (هامش "جامع الفصولين").
(٥) "العقود الدريَّة في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الوقف - الباب الثالث: في أحكام النُظَّار إلخ ٢٠٦/١ بتصرف.
(٦) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٨٨/١ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٧٢٠
فصل : يراعى شرط الواقف في إجارته
-
ليسَ للمُتَولِّي أن يستدينَ على الوقفِ للعِمارةِ إلّ بإذن القاضي. ماتَ الْمُتَوّي
والجباةُ يدَّعُون تسليمَ الغَلَّةِ إليه في حياتِهِ ولا بَيِّنَةَ لهم صُدِّقوا بيمينِهم؛ لإنكارِهم
الضَّمانَ. لا يجوزُ الرُّجُوعُ عنِ الوقفِ إذا كانَ مُسَجَّلاً، ولكنْ يجوزُ الرُّجُوعُ عنِ
الموقوفِ عليه المشروطِ، كالمؤذِّنِ والإِمامِ والمُعَلِّمِ وإنْ كانوا أصلحَ))، انتهى،
"جوهرة"(١). وفي "جواهرِ الفتاوى": ((شَرَطَهُ لنفسِهِ ما دامَ حيّاً، ثمَّ لولدِهِ فلان
١١
ما عاشَ، ثُمَّ بعدَهُ للأعفِّ الأرشدِ من أولادِهِ.
قلتُ: هذا ظاهرٌ عندَ الإِفرادِ، أمَّا لو شَرَطَ الواقفُ مُتَوَلِّياً وناظراً عليه كما يَقَعُ كثيراً فيرادُ
بالنَّظرِ المُشرِفُ، وعن هذا أجبتُ في حادثةٍ: بأَنَّه ليسَ للمُتَولِّي الإيجارُ بلا علمِ النَّاظِ، خلافاً لِما
في "الفتاوى الرَّحيميّة": من أَنَّه لو آجَرَ المُتَولِّي إجارةً شرعيَّةً بأجرةِ المثلِ لا يَمِلِكُ النَّظرُ معارضتهُ؛
لأَنَّه في معنى الُشرِفِ، تأمَّل. وأفتى في "الإسماعيليَّة": ((بأَنَّه ليسَ للَّاظِرِ معارضةُ المُنَولِّي إلاّ أنْ
يُثِتَ أنَّ نَظَارَتَهُ بشرطِ الواقفِ)) اهـ[٣/ق١٥٢ /أ].
قلتُ: وفيه نظرً؛ إذ لو نصَبَهُ القاضي ناظراً على المُنَولِّي لثبوتِ خِيانِهِ لم يَستقِلَّ الْمُنَولِّي
بالتَّصرُّفِ كما مرَّ(٢) عن "النَّهر"، بل مثلُهُ: ما لو نصَبَهُ عليه للطَّعنِ في أمانِتِهِ كما بحثناهُ آنفاً، تأمَّل.
[٢١٨٥٧] (قولُهُ: ليسَ للمُتَولِّي أنْ يستدينَ إلخ) مُكرَّرٌ معَ ما تقدَّمَ (٣).
[٢١٨٥٨] (قولُهُ: إذا كانَ مُسَحَّلاً) مبنيٌّ على قولِ "الإمامِ": إنَّ الوقفَ لا يلزمُ قبلَ الحكمِ
والّسجيلِ، ومرّ(٤) أنَّ المُفْتَى به قولُهما.
[٢١٨٥٩) (قولُهُ: وإنْ كانوا أصلحَ) الَّذي رأيْتُهُ في "فتاوى مؤيَّد زاده": ((إذا لم يكونوا
(١) ((جوهرة)) ساقطة من "د"
(٢) صـ ٧١٨ - "در".
(٣) صـ ٦٦٦ -٦٦٧ - "در".
(٤) المقولة [٢١٥٥٧] قوله: ((كما حقَّقَه المصنّفُ)).