النص المفهرس
صفحات 661-680
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
٦٦١ __
الجزء الثالث عشر
بما شَرَطوهُ - ما نصُّهُ: ((وقد اغتَرَّ بذلكَ كثيرٌ من الفقهاءِ في زمانِنا، فاستباحوا تناولَ معاليمِ
الوظائفِ بغيرِ مباشرةٍ، ومخالفةَ الشُّروطِ، والحالُ أنَّ ما نقلَهُ "السُُّوطِيُّ" عن فقهائهم إِنَّا هو فيما
بقيَ لبيتِ المالِ ولم يَتْبُتْ(١) له ناقلٌ، أمَّا الأراضي الَّتِي باعَها السُّلطانُ، وحُكِمَ بصحَّةِ بيعِها ثمَّ
وقفَها المشتري فإنَّه لا بدَّ من مراعاةِ شرائطِهِ، ولا فرقَ بينَ أوقافِ الأمراءِ والسَّلاطينِ، فإنَّ
للمسُّلطانِ الشّراءَ من وكيلٍ بيتِ المالِ، وهي جوابُ الواقعةِ الَّتي أجابَ عنها المحقّقُ "ابنُ الهمام" في
"فتح القدير"(٢)، فإنّه سُئِلَ عن "الأشرف بَرْسْباي"(٣): أَنَّه اشتَرَى من وكيلٍ بيتِ المالِ أرضاً
وقَفَها، فأجابَ بما ذكرْناهُ(٤)، وأمَّا إذا وقفَ السُّلطانُ من بيتِ المالِ أرضاً للمصلحةِ العامَّةِ فذكرَ في
"الخانَّة "(٥) جوازَهُ، ولا يُراعى ما شَرَطَهُ دائماً)) اهـ. فحينئذٍ ينبغي النَّفصيلُ فيما نقَلَهُ في "المحبَّة"،
فإنْ كانَ السُّلطانُ اشْتَرَى الأراضي والمزارعَ من وكيلٍ بيتِ المالِ يجبُ مراعاةُ شرائطِهِ، وإنْ وِقَفَها
من بيتِ المالِ لا تجبُ مراعاتُها. اهـ "ط" (٦).
قلتُ: ويُفهَمُ من قولِ "الأشباه": ((إنَّا هو فيما بقيَ من بيتِ المالِ ولم يَنْبُتْ له ناقلٌ إلخ))
أَنَّه إنَّا يُراعَى شروطُهُ إذا ثبتَ النَّاقَلُ، وهو كونُ الواقفِ مَلَكَها بشراءٍ أو إقطاعٍ رقبةٍ، بأنْ كانَت
مَوَاتاً لا ملكَ لأحدٍ فيها، فأقطَعَها السُّلطانُ لَمن له حقٌّ في بيتِ المالِ، أمَّا بدونِ ثبوتِ النَّاقَلِ فلا؛
لأَنّها بعدَما عُلِمَ أَنَّها من بيتِ المالِ فالأَصلُ بقاؤها على ما كانَت، فيكونُ وَقُْها إرصادًا، وهو ما
يَفْرِزُهُ الإِمامُ من بيتِ المالِ ويعيُّهُ لمستحقّيْهِ من العلماءِ ونحوِهم عَوْناً لهم على وصولهم
إلى بعضِ حقّهم من بيتِ المالِ، فتجوزُ مخالفةُ شرطِهِ؛ لأنَّ المقصودَ وصولُ المستحقِّ إلى حقِّهِ،
(١) في "م": ((يبثت)) وهو تحريف.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٢٨٣/٥.
(٣) بَرْسْباي الدَّقماقيِّ الظاهريّ، السلطان الملك الأشرف، صاحب مصر (ت ٨٤١ هـ). ("الضوء اللامع" ٨/٣).
(٤) في هذ المقولة.
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعلُ داره مسجداً إلخ ٢٩٣/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦٠/٢.
حاشية ابن عابدين
٦٦٢
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
-
يَصِحُّ(١) تعليقُ التَّقريرِ في الوظائفِ، فلو قالَ القاضي: إنْ ماتَ فلانٌ.
وعن هذا قالَ المولى "أبو السُّعود" مفتي دارِ السَّلطنةِ: ((إنَّ أوقافَ الملوكِ والأمراءِ لا يُراعى
شرطُها؛ لأَنّها من بيتِ المالِ أو تَرجِعُ إليه (٢)) اهـ.
قلتُ: والمرادُ من عدمِ مراعاةٍ شرطِها أنَّ للإمامِ أو نائبهِ أنْ يزيدَ فيها ويُنقِصَ ونحوَ ذلكَ،
وليسَ المرادُ أَنَّه يَصرِفُها عن الجهةِ المعَّةِ بأنْ يقطعَ وظائفَ العلماءِ ويَصرِفَها إلى غيرِهم، فإنَّ بعضَ
الملوكِ أرادَ ذلكَ ومنَعَهم علماءُ عصرِهم، وقد أوضحنا ذلكَ كلَّهُ في بابِ العشرِ والخراجِ(٣)،
وقدَّمنا (٤) شيئاً منه قبيلَ الفصلِ عندَ قولِهِ: ((وأمَّا وقفُ الإقطاعاتِ))، ولا يقاسُ على ذلكَ أوقافُ
غيرِ الملوكِ والأمراءِ، بل تجبُ مراعاةُ شروطِهم؛ لأنَّ أوقافَهم كانَت أملاكاً لهم.
مطلبٌ: يصحُّ تعليقُ التَّقريرِ في الوظائفِ
(٢١٧٧٣] (قولُهُ: يَصِحُّ تعليقُ النَّقريرِ في الوظائفِ) هذا ذكرَهُ في "أنفع الوسائل" (٥) تفقُّهاً أخذاً من
جوازِ تعليقِ القضاءِ والإمارةِ بجامعِ الولايةِ، فلو ماتَ المعلّقُ بطَلَ النَّقْرِيرُ، وهو تفقُّةٌ حسنٌ، "أشباه" (٦).
قلتُ: ودليلُهُ من السَُّّةِ ما في "صحيحِ البخاريّ" من أَنَّه ◌ِ أَمَّرَ في غزوةِ مُؤْتَةً(٧) زيدَ بنَ حارثَةَ،
وقالَ بَّ: ((إِنْ قُئِلَ زِيدٌ فجعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فإِنْ قُتِلَ جعفرٌ فعبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ)) الحديثَ(٨)،
(١) في "ب": ((لا يصحُّ)) بزيادة ((لا)) وهو خطأ.
(٢) في هامش "م": ((قوله: أو ترجعُ إليه)) صورتُهُ: اشترى الإِمامُ مملوكاً لبيتِ المالِ ودفعَ ثُمَنَهُ منه ثمَّ أعتقَهُ ثمَّ
اشترى هذا العتيقُ أشياء ووقفَها فهذا الوقفُ لا تُراعى شروطُهُ لرجوعِهِ لبيتِ المالِ لعدمٍ صحَّةٍ إعتاقِ الإِمامِ، فإنّ
تصرُّفَهُ في بيتِ المال مشروطٌ بالمصلحةِ)) اهـ.
(٣) المقولة: [١٩٩٩٢] قوله: ((وبه عُرف إلخ)).
(٤) المقولة [٢١٥٤٨].
(٥) "أنفع الوسائل": مسألة تعليق الولاية بالشَّرط صـ٣٢٤ - بتصرف.
(٦) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ ٢٢٩ -.
(٧) في هامش "م": ((قوله: مُوَة)) بضم الميم وتسهيل الواو وفتح المثناة الفوقية اسمٌ الأرض جهة الشام اهـ.
(٨) أخرجه البخاري (٤٢٦١) في المغازي - باب غزوة مؤتة من أرض الشام، وابن حبان (٤٧٤١)، وابن أبي عاصم في
"كتاب الجهاد" (٢٥٧)، والطبراني في "الكبير" (١٤٦٣)، والبيهقي ١٥٤/٨، وفي "دلائل النبوة" ٣٦٠/٤ و٣٦١ عن
سعيد بن أبي هلال وعبد الله بن سعيد بن أبي هند عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما به، وأخرجه مختصراً =
الجزء الثالث عشر
٦٦٣
فصلٌّ : يراعى شرط الواقف في إجارته
-
...
ثُمَّ رأيتُ الإِمامَ "السَّرَخسيَّ" في "شرح السِّير الكبيرِ"(١) ذكَرَ الحديثَ دليلاً على ذلكَ، وقالَ(٢) فيه
أيضاً ما حاصلُهُ: ((لو جاءَ معَ المددِ أميرٌ وُزِلَ الأميرُ الأَوَّلُ بطَلَ تنفيُهُ فيما يُستقبَلُ؛ لزوالٍ ولايتِهِ
بالعَزْلِ، لا لو ماتَ أميرُهم فأمَّروا عليهم غيرَهُ؛ لأنَّ الثَّانِيَ قائمٌ مَقامَهُ إلَّ إذا أبطَلَهُ الثَّاني، أو كانَ
الخليفةُ قالَ لهم: إنْ ماتَ أميرُكم فأميرُكم فلانٌ، فإنَّه يَبطُلُ تنفيلُ الأَوَّلِ؛ لأنَّ الثَّانِيَ نائبُ الخليفةِ
بتقليدِهِ من جهتِهِ، فكأنّهُ قَلَّدَهُ ابتداءً، فينقطِعُ رأيُ الأوَّلِ برأيٍ فوقَهُ)) اهـ مُلخَّصاً.
٤١٨/٣
وحاصلُهُ: بطلانُ تنفيلِ الأميرِ بعزلِهِ، وكذا بموتِهِ إذا نُصِّبَ غيرُهُ من جهةِ الخليفةِ، لا من جهةٍ
العسكرِ إلَّ إذا أبطلَهُ الَّاني، ولا يخفى أنَّ الَّغيلَ بقولِهِ: (مَن قتلَ قتيلاً فله سلْبُهُ)) (٣) فيه تعليقُ استحقاق
النَّلِ بالقتلِ، ففيه دليلٌ على قولِهِ: ((فلو ماتَ المعلّقُ بطلَ النَّقريرُ))، ويدلُّ أيضاً على بطلانِهِ بالعزلِ،
بقيَ: هل له الرُّجوعُ قبلَ الموتِ أو الشُّغورِ؟ فَالَّذِي حَرَّرَهُ في "أنفع الوسائل)(٤): ((أنّه لا يصحُّ عزلُهُ؟
(قولُهُ: ثمَّ رأيتُ الإِمامَ "السَّرِخسيَّ" في "شرح السِّير الكبير" ذكرَ الحديثَ دليلاً على ذلكَ إلخ) الذي
تقدَّمَ في الجهادِ عن "البحر" و"الَّهر": ((أنَّ التّفيلَ لا يبطلُ بالموتِ والعزلِ))، حيثُ قالَ "الشَّارِحُ": ((ويعمُّ كلَّ
قتالٍ في تلكَ السَّةِ ما لم يرجعوا وإنْ ماتَ الوالي أو عُزِلَ ما لم يمنعْهُ الثّاني)) اهـ. وهو الظَّاهرُ؛ إذ الوالي إنّا فعَلَ
ذلكَ نيابةً عن الخليفةِ فلا ببطلُ بموتِهِ أو عزلِهِ حيثُ كانَ الأصلُ موجودًا، بل لو نقَلَ السُلطانُ ثَمَّ ماتَ أو عُزِلَ
يظهرُ عدمُ البطلان أيضاً؛ لأَّه نائبٌ عن المسلمينَ، ولا يظهرُ بطلانُ التقريرِ بموتِ المعلّقِ أيضاً حَتَّى يوجدَ نقلٌ
بخلافِهِ، ولا يظهرُ تعليلُ بطلانِ التعليقِ بما ذكرَهُ "أبو السُّعود" في "حاشية الأشباه" و"شرحه": ((بأنَّ المعَلَّقَ
بالشَّرطِ كالمنجَّزِ عندَهُ، وبعدَ الموتِ انْتَفَتِ الأَهلِيَّةُ)) اهـ؛ لِما علمتَ أنّه إنَّا فِعَهُ نيابةً.
= على قوله: ((فالتمسنا جعفرَ بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعاً وتسعين من بين طَعْنةٍ وَرَمْيةٍ))
البخاريُّ (٤٢٦٠) في المغازي - باب غزوة مؤتة من أرض الشام، وسعيد بن منصور (٢٨٣٥)، وابن أبي شيبة ٥٥٠/٨،
وابن سعد ٣٨/٤، والحاكم ٢١٢/٣، وأبو نعيم في "الحلية" ١١٧/١-١١٨، وفي "معرفة الصحابة" (١٤٣٧) و(١٤٣٨)
و(١٤٣٩) من طريق سعيد بن أبي هلال وعبد الله بن عمر بن حفص وعبد الله بن سعيد كلُّهم عن نافع به.
(١) "شرح السِّير الكبير": باب من النَّفل لأهل الذّمة والعبيد والنساء وغيرهم ٦٨٤/٢.
(٢) "شرح السِّير الكبير" باب من النَّفل لأهل الذّمة والعبيد والنساء وغيرهم ٦٨٤/٢-٦٨٦.
(٣) تقدم تخريجه ٥٨٥/١٢.
(٤) "أنفع الوسائل": مسألة تعليق الولاية بالشَّرط صـ٣٢٥- بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٦٦٤
فصلٌ : يراعى شرط الواقف في إجارته
-
أو شَغَرَتْ وظيفةُ كذا فقد قرَّرَتُكَ فيها صحَّ. ليسَ للقاضي عَزْلُ الْنّاظِرِ بمجرَّدٍ
شِكايةِ المستحقِّينَ.
لأنَّ المعَلَّقَ بالشَّرَطِ عدمٌ قبلَ وجودِ الشَّرطِ، والتّعليقُ ليسَ بسببٍ للحالِ عندَنا))، وفَرْقٌ بينَ هذهِ
المسألةِ، وبينَ ما لو وكَلَهُ وكالةً مُرْسلَةً، ثُمَّ قالَ |٣ ق١/١٤٤] له كلمَّا عزلُتُكَ فأنتَ وكيلٌ في ذلكَ
وكالةً مستقبَلَةً، ثمَّ قالَ: عزلْتُكَ في تلكَ الوكالةِ كلّها، فرُويَ عن "محمَّدِ": أَنَّه يَنعزِلُ عن المعَلَّقَةِ،
وعن "أبي يوسفَ": لا يَنْعزِلُ، ووجهُ الفرقِ: أنَّ النَّعليقَ عندَ "محمَّدٍ" حصَلَ في ضمنِ الوكالةِ
المنخَّةِ، فصارَ المجموعُ سبباً، وقد يثبتُ ضِمْناً ما لا يثبتُ قَصْداً، فلا يمكِنُ أنْ يقولَ هنا بصحَّةٍ
العَزْلِ؛ لأَنَّه قصديٌّ، فيبقى جوابُ "محمَّدٍ" وجوابُ "أبي يوسف" هنا واحداً في أنّه لا يصحُّ العَزْلُ،
هذا خلاصةُ ما أطالَ بهِ.
قلتُ: لكنْ علمتَ أنَّ للأميرِ الثَّانِي إبطالَ الَّفيلِ، والظَّاهرُ أَنَّ الأوَّلَ كذلكَ، فكذا يقالُ هنا
لو رجعَ عن التّعليقِ يصحُّ؛ لأَنَّه قبلَ موتِ فلانٍ ليسَ عَزْلاً بلا جُنْحةٍ؛ لأَنَّه لا يتقرَّرُ في الوظيفةِ
إلَّ بعدَ موتِ فلانٍ، وقبلَهُ لم يثبتْ له استحقاقٌ فيها؛ إذ لو ثبتَ لم يبطلِ التَّقْرِيُرُ بموتِ المعلّقِ، فافهم.
( ٢١٧٧٤] (قولُهُ: أو شَغَرَتْ) بفتحِ الشِّينِ والغَينِ المعجمتينِ أي: خَلَتْ عن العملِ، والبلدُ
الشَّاغُرُ: الخاليةُ عن النَّاصِرِ والسُّلطانِ، "ط)(١).
مطلبٌ: ليسَ للقاضي عَزّلُ النَّاظِ
[٢١٧٧٥] (قولُهُ: ليسَ للقاضي عَزْلُ النَّاظِرِ) قَّدَ بالقاضي لأنَّ الواقفَ له عزلُهُ ولو بلا جُنْحةٍ، به
يُفتى كما قدَّمناهُ(٢) عندَ قولِهِ: ((ويُنْزَعُ لو غيرَ مأمونٍ))، وقدَّمنا (٢) هناكَ عن "الأشباه": ((أَنَّه لا يجوزُ
للقاضي عَزْلُ النّظرِ المشروطِ له النَّظرُ بلا خيانةٍ، ولو عَزَلَهُ لا يصيرُ الثَّاني متولِياً، ويصحُّ عَزَّلُهُ(٣)
(١) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦١/٢.
(٢) المقولة [٢١٥٠٥] قوله: ((فلو مأموناً لم تصحَّ تولية غيره)).
(٣) في هامش "الأصل": ((قوله: ويصحُّ عزله لو منصوبَ القاضي)) أي: ولو منصوب غيره؛ إذ الرأي في عزله مصلحة اهـ.
الجزء الثالث عشر
٦٦٥
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
حَتّى يُثبتوا عليه خيانةً، وكذا الوصيُّ.
لو منصوبَ القاضي))، وأَنَّه في "جامع الفصولَين" قالَ: ((لا يَملِكُ القاضي عزلَهُ مطلقاً
إلاَّ لموجِبٍ))، وتقدَّمَ (١) تمامُّهُ، وَأَنَّه في "البحر" أخَذَ منه عدمَ العَزْلِ لصاحبِ وظيفةٍ إِلاَّ بُجُتحيةٍ
أو عدمٍ أهلَّةٍ، وقدَّمنا (١) هناكَ أيضاً بعضَ مُوجِباتِ العزلِ، وأحكامَ الفراغِ والتّقريرِ في الوظائفِ.
مطلبٌ: للقاضي أنْ يُدخِلَ معَ النَّاظرِ غيرَهُ بمجرَّدِ الشّكايةِ
/ ٢١٧٧٦] (قولُهُ: حَتَّى يُثبتوا عليه خيانةً) نعم له أنْ يُدخِلَ معَهُ غيرَهُ بمجرَّدِ الشِّكايةِ والطَّعنِ
كما حرَّرَهُ في "أنفع الوسائل"(٢) أخذً(٣) من قولِ "الخصَّاف" (٤)) ((إِنْ طُعِنَ عليه في الأمانةِ
لا ينبغي إخراجُهُ إلَّ بخيانةٍ ظاهرةٍ، وأمَّا إذا أدخَلَ معَهُ رَجُلاً فأجرُهُ باقٍ، وإنْ رأى الحاكمُ أنْ يجعلَ
لذلكَ الرَّجُلِ منه شيئاً فلا بأسَ، وإنْ كانَ المالُ قليلاً فلا بأسَ أنْ يجعلَ الرَّجُلِ رزقاً من غلَّةِ الوقفِ
ويقتصدَ فيه)) اهـ مُلخّصاً. وسيأتي(٥) حكمُ تصرُّفِهِ عندَ قولِهِ: ((ولو ضمَّ القاضي للقيِّمِ ثقةً إلخ)).
[٢١٧٧٧ ] (قولُهُ: وكذا الوصيُّ) أي: وصيُّ الميْتِ ليسَ للقاضي عزلُهُ بمجرَّدِ الشِّكايةِ، بخلافِ
الوصيِّ من جهةِ القاضي كما سيأتي(٦) في بابِهِ آخرَ الكتابِ.
(قولُهُ: أي: وصيُّ الميْتِ ليسَ للقاضي عزلُهُ بمجرَّدِ الشِّكايةِ إلخ) ولكنْ لو عَزَّلَهُ صحَّ، وَأَثِّمَ القاضي على
المختارِ كما حرَّرَهُ "شارح الوهبانيَّة"، وعليه مشى "المتنُ"، وأمَّا قولُ "الفصولَينِ": ((والصَّحيحُ عندي أَنّه
لا ينعزلُ)) أشارَ به إلى أنّه تصحيحٌ منه واختيارٌ له، لا أنّه المختارُ من المذهبِ، وعلّلَهُ بفسادِ القضاةِ، فينبغي
للمفتي إذا سُئِلَ عن ذلكَ قبلَ العَزْلِ فيكونُ جوابُهُ: ليسَ له ذلكَ، وإنْ سُئِلَ بعدَ العَزْلِ يجِيبُ بالصِّحَّةِ معَ الإِثْمِ،
أفادَهُ الشَّيخُ "محمَّد بالي" في "شرح الأشباه". اهـ "سنديّ".
(١) المقولة [٢١٥٠٥] قوله: ((وينزع لو غير مأمونٍ)).
(٢) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - لا ينزع الوقف منه إلا بخيانة ظاهرة صـ ١٣٢ -.
(٣) في "ب": ((أخذ)).
(٤) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يقف الأرض على قومٍ بأعيانهم ومِنْ بعدهم على المساكين إلخ صـ٣٤٦ -.
(٥) المقولة [٢١٨٥٤].
(٦) المقولة [٢٦٨٠٥] قوله: ((وله عزله إلخ)).
حاشية ابن عابدين
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
٦٦٦ _
النَّاظِرُ إذا آجرَ إنساناً فهربَ ومالُ الوقفِ عليه لم يَضمَنْ، ولو (١) فرَّطَ في خشبٍ
الوقفِ حَتَّى ضاعَ ضَمنَ. لا تجوزُ الاستدانةُ على الوقفِ إلاّ إذا احتيجَ إليها لمصلحةٍ
الوقفِ كتعميرِ وشراءِ بَذْرٍ، فيجوزُ بشرطين:
/ ٢١٧٧٨ ] (قولُهُ: إذا آجرَ إنساناً) أي: وامتنعَ عن مطالبتِهِ، "بزَّازِيَّةُ"(٢).
٢١٧٧٩١ ] (قولُهُ: ولو فرَّطَ في خشبِ الوقفِ إلخ) وعلى هذا إذا قصَّرَ المتولّي في عينِ
ضَمِنَها لا فيما كانَ في الدِّمَّةِ كما في "البحر"(٣)، فلو تَرَكَ بساطَ المسجدِ بلا نَفْضٍ حَتَّى أكلَتَهُ
الأَرَضَةُ ضمِنَ إنْ كانَ له أجرةٌ، وكذا خازنُ الكتبِ الموقوفةِ كما في "الصَّرفَّة"، "ط"(٤) عن
"الحَمَويّ)" (٥) و"البيريّ".
مطلبٌ في الاستدانةِ على الوقفِ
٢١٧٨٠١] (قولُهُ: لا تجوزُ الاستدانةُ على الوقفِ) أي: إنْ لم تكنْ بأمرِ الواقفِ، وهذا بخلافِ
الوصيِّ، فإنَّ له أنْ يشتريَ لليتيمِ شيئاً بنسيئةٍ بلا ضرورةٍ؛ لأنَّ الدِّينَ لا يَثْبُتُ ابتداءً إلاّ في الذِّمَّةِ،
واليتيمُ له ذمَّةٌ صحيحةٌ، وهو معلومٌ فتصوَّرُ مطالبتُهُ، أمَّا الوقفُ فلا ذمَّةَ له، والفقراءُ وإنْ كانَت
لهم ذمَّةٌ لكنْ لكثرتِهم لا تُتصوَّرُ مطالبتُهم، فلا يَتْبُتُ إلَّ على القيِّمِ، وما وجبَ عليه لا يَمِلِكُ قضاءَهُ
(قولُهُ: فلو ترَكَ بساطَ المسجدِ بلا نَفْضٍ حَتَّى أكلِنْهُ الأَرَضَةُ ضِمِنَ إنْ كانَ له أُجرَةٌ) ظاهرُ كلامٍ
"الشَّارحِ" الضَّمانُ وإنْ لم يكنْ له أجرٌ، تأمَّل.
(قولُهُ: لكنْ لكثرِهم لا تُتصوَّرُ مطالبْتُهم إلخ) وإذا كانوا معَّنِينَ لا يكونُ له الاستدانةُ أيضاً لعدمٍ
ولايتِهِ عليهم، نعم بإذنِهم له الاستدانةُ عليهم لا على الوقفِ.
(١) في "ط": ((بخلاف ما إذا)).
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثاني في غَصْبِ المتولّي وما يملكه أولا ٢٥٥/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٩/٥.
(٤) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦١/٢.
(٥) انظر "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف ٢٥٠/٢.
الجزء الثالث عشر
فصلٌّ: يراعى شرط الواقف في إجارته
-
٦٦٧ .
الأَوَّلَ: إذنُ القاضي، فلو ببعدٍ منه يَستدينُ بنفسِهِ، ..
من غلَّةٍ للفقراءِ، ذكرَهُ "هلالٌ"، وهذا هو القياسُ، لكنّه تُرِكَ عندَ الضَّرورةِ كما ذكرَهُ "أبو
اللَّيثِ"(١)، وهو المختارُ: أَنَّه إذا لم يكنْ من الاستدانةِ بدٌّ تجوزُ بأمرٍ القاضي إنْ لم يكنْ بعيداً عنه؛
لأنَّ ولايَتَهُ أعمُّ في مصالحِ المسلمينَ، وقيلَ: تجوزُ مطلقاً للعِمارةِ، والمعتمدُ في المذهبِ الأَوَّلُ، أمَّا ما
له منه بدُّ كالصَّرْفِ على المستحقِّينَ فلا - كما في "القنية"(٢) - إلَّ الإمامَ والخطيبَ والمؤذِّنَ فيما
يظهرُ، لقولِهِ في "جامع الفصولَين"(٢): ((لضرورةِ مصالحِ المسجدِ)) اهـ. وإلاَّ للحُصُرِ والزَّيتِ بناءً
على القولِ بأنَّهما من المصالحِ، وهو الرَّاجحُ، هذا خلاصةُ ما أطالَ به في "البحر " (٤).
(٢١٧٨١] (قولُهُ: الأَوَّلُ: إذِنُ القاضي) فلو ادَّعى الإذنَ فالظَّاهرُ أَنَّه لا يُقبَلُ إلَّ بِّنَةٍ وإنْ كانَ
المتولّي مقبول القولِ؛ لِما أَنَّه يريدُ الرُّجوعَ في الغَلَّةِ، وهو إلَّا يُقبَلُ قولُهُ فيما في يدِهِ، وعلى هذا فإذا
كانَ الواقعُ أَنَّه لم يستأذنْ يحرِّمُ عليه الأخذُ من الغَلَّةِ؛ لأَنّه بلا إذن [٣/ ق ١٤٤ / ب] متبرِّعٌ، "بحر "(٥).
(قولُهُ: ذكرَهُ "هلالٌ"، وهذا هو القياسُ إلخ) عبارةُ "البحر" - بعدَ ذكرِهِ ما عزاهُ لـ "هلال" - ما نصُّهُ:
((وعن الفقيهِ "أبي جعفرٍ": أنَّ القياسَ هذا، لكنَّه يُتْرَكُ فيما فيه ضرورةٌ))، ثمَّ ذكرَ ما نصُّهُ: ((وفي "فتاوى
أبي اللَّيث": قَيِّمُ وقفٍ طُلِبَ منه الجباياتُ والخراجُ وليسَ في يدِهِ من مالِ الوقفِ شيءٌ، وأرادَ أنْ يستدينَ
فهذا على وجهينٍ: إنْ أمَرَ الواقفُ بالاستدانةِ فله ذلكَ، وإنْ لم يأمرُهُ بالاستدانةِ فقدِ اختلَفَ المشايخُ: قَالَ
"الصَّدر الشَّهِيدُ": المختارُ ما قالَهُ "أبو اللّث": إذا لم يكنْ من الاستدانةِ بدٌّ إلخ)).
(١) في هامش "م": ((قوله: كما ذكرَهُ "أبو اللَّيث" إلخ)) الَّذي ذكرَهُ "أبو اللَّيث" هو أنَّه إذا لم يكنْ من الاستدانةِ بُدُّ
تجوزُ بأمرِ القاضي، فعليه فحقُّ التركيبِ هكذا: والمختارُ كما ذكرَهُ "أبو النَّث" أَنَّه إذا إلخ، وعبارةُ "البحر":
((قالَ "الصَّدرُ الشَّهيدُ": والمختارُ ما ذكرَهُ "أبو اللَّيث" إذا لم يكنْ إلخ)) اهـ.
(٢) "القنية": كتاب الوقف - باب في تصرُّفات القيّم في الأوقاف ق ٩٢/أ بتصرف.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل السابع والعشرون في تصرُّفات الأب والوصيِّ والقاضي والمتولّي ٢٩/٢ وفيه:
((لضرورة مصالح الوقف)).
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٧/٥ وما بعدها.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٩/٥.
حاشية ابن عابدين
٦٦٨ - فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
الثّاني: أنْ لا تنيسََّ(١) إجارةُ العينِ وَالصَّرِفُ مِن أُجْرِتِها. والاستدانةُ: القَرْضُ، و(٢)الشّرَاءُ
نسيئةً، وهل للمتولّي شراءُ متاعٍ.
/٢١٧٨٢] (قولُهُ: الّاني: أنْ لا تتيسَّرَ إجارةُ العَينِ إلخ) أطلقَ الإِجارةَ فشمِلَ الطَّويلةَ منها ولو
بعقودٍ، فلو وُجِدَ ذلكَ لا يستدينُ، أفادَهُ "البيريُّ"، وما سلفَ: من أنَّ المفتى به بطلانُ الإجارةِ
الطَّويلةِ فذاكَ عندَ عدمِ الضَّرورةِ كما حرَّرناهُ سابقاً، فافهم.
(٢١٧٨٣] (قولُهُ: والاستدانةُ: القرضُ والشّرَاءُ نسيئةً) صوابُهُ: الاستقراضُ. اهـ "ح"(٣)، وتفسيرُ
٤١٩/٣ الاستدانةِ كما في "الخانيّة"(٤): ((أَنْ لا يكونَ للوقفِ علَّةٌ، فيُحتاجَ إلى القرضِ والاستدانةِ، أمّا إذا كانَ
للوقفِ غُلّةٌ، فأنفقَ من مالِ نفسِهِ لإصلاحِ الوقفِ كانَ له أنْ يرجعَ بذلكَ في عَلَّةِ الوقفِ)) اهـ.
مطلبٌ في إنفاقِ النَّاظرِ من مالِهِ على العمارةِ
ومُفادُهُ: أنَّ المرادَ بالقَرْضِ الإقراضُ من مالِهِ، لا الإستقراضُ من مالِ غيرِهِ؛ لدخولِهِ
(قولُهُ: أطلقَ الإِجارةَ فشمِلَ الطّويلةَ منها ولو بعقودٍ إلخ) الأنسبُ التّعبيرُ بالمفردِ بدلَ الجمعِ.
(قولُهُ: صوابُهُ: الاستقراضُ إلخ) أي: ليصحَّ الإخبارُ به عن الاستدانةِ الّتي هي فعلٌ، وهو اسمُ
عينٍ لِما تعطيهِ لتأخذَ مثلَهُ، وفيه تأمُّلٌ، فإنّه يُطلَقُ أيضاً على العقدِ المخصوصِ كما عرَّفَهُ به "المصنّفُ"
في (فصلِ القرضِ)، وعليه تكونُ السِّينُ والّاءُ زائدَتَيْنِ.
(قولُهُ: ومُعادُهُ: أنَّ المرادَ بالقَرْضِ الإقراضُ من مالِهِ لا الاستقراضُ من مالٍ غيرِهِ إلخ) فيما قالَهُ نظرٌّ، وذلكَ أنَّ
عبارةَ "الخانيَّةُ" ليسَ فيها ما يفيدُ أنَّ المرادَ بالقَرْضِ الإقراضُ من مالِ نفسِهِ حَتّى يكونَ من بابِ الاستدانةِ المتوقّفَةِ على
الإذنِ، بل تحتملُ ذلكَ، وتحتملُ أنَّ المرادَ به الاستقراضُ من مالِ غيرِهِ، وعطفُ الاستدانةِ عليه من عطفِ العالمِّ على
الخاصِّ، ومعَ الاحتمالِ لا تصلحُ معارضةٌ لإطلاقِ ما نقلَهُ "الحانوتيُّ": ((من أَنَّ النّظرَ لو أنفقَ من مالِ نفسِهِ إلخ))
(١) في "ط": ((أن لا يتيسَّرَ)).
(٢) في "ط": ((أو)).
(٣) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٧/أ.
(٤) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ ٢٩٨/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الثالث عشر
٦٦٩
فصلٌ : يراعى شرط الواقف في إجارته
في الاستدانةِ، وفي "فتاوى الحانوتيّ": ((الّذي وقفتُ عليه في كلامٍ أصحابنا أنَّ النَّظرَ إذا أنفقَ من
مال نفسِهِ على عمارةِ الوقفِ ليرجعَ في غَلَّتِهِ له الرُّجوعُ ديانةً، لكنْ لوِ ادَّعى ذلكَ لا يقبَلُ منه، بل
لا بدَّ أنْ يُشهِدَ أَنَّه أنفقَ لَيَرجِعَ كما في الرَّابعِ والنَّلاثِينَ من "جامعِ الفصولَين" (١)، وهذا يقتضي أنَّ
ذلكَ ليسَ من الاستدانةِ على الوقفِ، وإلَّ لَما جازَ إلاَّ بإذنِ القاضي ولم يَكْفِ الإِشهادُ)) اهـ.
قلتُ: لكنْ ينبغي تقييدُ ذلكَ بما إذا كانَ للوقفِ عَلَّةٌ، وإلاَّ فلا بدَّ من إذنِ القاضي كما أفادَهُ
ما ذكرْناهُ عن "الخانَّة،"، ومثلُهُ قولُهُ في "الخانيَّةِ"(٢) أيضاً: ((لا يَملِكُ الاستدانةَ إلَّ بأمرِ القاضي،
وتفسيرُ الاستدانةِ: أنْ يشتريَ للوقفِ شيئاً وليسَ في يدِهِ شيءٍ من الغَلَّةِ، أمّا لو كانَ في يدِهِ شيءٌ،
فاشترى للوقفِ من مالِ نفسِهِ ينبغي أنْ يرجعَ ولو بلا أمرٍ قاضٍ)) اهـ.
مطلبٌ في إذِنِ النَّاظرِ للمستأجرِ بالعمارةِ
وما ذكرناهُ(٣) في إنفاقِهِ بنفسِهِ يأتي(٤) مثلُهُ في إذنِهِ للمستأجرٍ أو غيرِهِ بالإنفاقِ، فليسَ من
الاستدانةِ، وفي "الخيريَّة "(٥): ((سُئِلَ فِي عُلِّةٍ جاريةٍ في وقفٍ تهدَّمَت، فأذنَ النَّظرُ لرجلٍ بأنْ يعمُرَها
وما نقلَهُ في "الخيريَّةُ" من اتّفاقِ الأصحابِ، وكذا ما في "الحاوي": ((ولا يليقُ حملُ عباراتِهم على الرّوايةِ
الضَّعيفةِ معَ عدمٍ وجودٍ ما يخالفُها صراحةً))، وكذا ما نقَلَهُ ثانياً عن "الخانيَّةُ" ليسَ فيه ما يؤيِّدُ دعواهُ صراحةً،
نعم المفهومُ من قولِ "الخانَيَّةُ": ((إذا كانَ للوقفِ عّةٌ أو إذا كانَ في يدِهِ شيءٌ إلخ)) أنّه إذا لم يوجدْ هذا الشَّرطُ
يكونُ ما أنفقَهُ استدانةً لا يرجعُ به إلاّ بإذنٍ، لكنَّ العملَ على إطلاقِ عباراتِهم أنّه ليسَ منها مطلقاً، وأنَّ له
الرُّجوعَ إذا أشهدَ، وهذا ما اعتمدَهُ في "تنقيح الحامديَّة"، وأنّها منحصرةٌ في الاستقراضِ والشّراءِ نسيئةً، فانظرْهُ.
(١) "جامع الفصولين": في الأحكامات - أحكام العمارة في مِلْكِ الغير وما يوجبُ الرجوعَ وما لا يوجِبُهُ ٢٢٣/٢.
(٢) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ ٢٩٨/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "الأصل" و"ك": ((ذكرنا)).
(٤) في هذه المقولة.
(٥) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٣٤/١ باختصار.
حاشية ابن عابدين
٦٧٠
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
-
من ماله، فما الحكمُ فيما صرَفَهُ من مالِهِ بإذنِهِ؟ أجابَ: اعلمْ أنَّ عمارةَ الوقفِ بإذنِ متولّيْهِ ليرجعَ
بما أنْفَقَ يوجِبُ الرُّجوَ بِاتّفاقِ أصحابنا، وإذا لم يشترطِ الرُّجوعَ ذكَرَ في "جامع الفصولَين" (١) في
عمارةِ النَّاظرِ بنفسِهِ قولَين، وعمارةُ مأذونِهِ كعمارتِهِ فيقعُ فيها الخلافُ، وقد جزمَ في "القنية"(٢)
و "الحاوي" بالرُّجوعِ وإنْ لم يَشْتَرِطْهُ إذا (٣) كانَ يَرجِعُ معظمُ العمارةِ إلى الوقفِ)) اهـ.
قلتُ: وفي الفصلِ الثَّاني من إجاراتِ "النّار خانَّةً"(٤) عن "الحاوي": ((سُئِلَ عمَّن آجَرَ منزلاً
لرجلٍ وقَفَهُ والدُّهُ عليه وعلى أولادِهِ، وأنفقَ المستأجرُ في عمارتِهِ بأمرِ المؤجِرِ قالَ: إنْ كانَ للمؤجِّرِ ولايةٌ
على الوقفِ يرجِعُ بما أنفقَ على الوقفِ، وإلاَّ كانَ المستأجرُ متطوِّعاً ولا يرجِعُ على المؤجِّرٍ)) اهـ.
وظاهرُهُ معَ ما مرَّ(٥) عن "الخيريَّة": أنَّه يرجعُ وإنْ لم يكنْ في يدِ القيِّمِ مالٌ من غلّةِ الوقفِ، وهو
خلافُ ما قدَّمناه(٥) عن "الخانَّة" فيما لو أنفَقَ من مالِ نفسِهِ، فلعلَّ ما هنا مبنيٌّ على روايةٍ أَنَّه
لا يُشترَطُ في الاستدانةِ إذنُ القاضي، وإلاَّ فهو مُشكِلٌ، فليتأمَّل. وإذا قلنا ببنائِهِ على ذلكَ فعلى هذا
ما يُفْعَلُ في زمانِنا في إثباتِ الْمُرْصَدِ - من تحكيمٍ قاضٍ حنبليّ يَرَى صحَّةَ إذنِ النَّاظِرِ للمستأجرِ
بالعمارةِ الضَّروريَّةِ بلا أمرِ قاضٍ - غيرُ لازمٍ.
(قولُهُ: عن "الحاوي": سُئِلَ عمَّن آجَرَ منزلاً لرجلٍ وقفَهُ والدُهُ عليه وعلى أولادِهِ إلخ) ذكرَ هذا
الفرعَ أيضاً في "خزانة المفتين" كذلكَ، ونقلَهُ عنها "السِّنديُّ" في كتابِ الإجارةِ.
(قولُهُ: ما يُفعَلُ في زمانِنا في إثباتِ المُرصَدِ - من تحكيمٍ قاضٍ حنبليِّ يَرَى صِحَّةَ إذنِ النَّاظِرِ
للمستأجرِ بالعمارةِ الضَّروريَّةِ بلا أمرٍ قاضٍ - غيرُ لازمٍ) فيه تأمُّلٌ، بل هو لازمٌ؛ إذ لولا التّرافعُ إلى الحنبليِّ
لا يحلُّ للنّاظِ دفعُ الْمُرصَدِ بناءً على ما هو المعتمدُ في المذهبِ، وبه يحلُّ له ذلكَ، ولا يكونُ للقاضي
الحنفيِّ تضمينُهُ بدفعِ المرصَدِ بعدَ حكمِ القاضي الحنبليِّ.
(١) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون في الأحكامات - أحكام العمارة في مِنْكِ الغير إلخ ٢٢٣/٢.
(٢) "القنية": كتاب الوقف - باب فيما يتعلَّقُ بعمارة الوقف والبناء والغرس فيه ق ٩٣ ب.
(٣) في "م": ((إذ)).
(٤) لم نجدها في القسم المطبوع من نسخة "التاتر خانية" التي بين أيدينا.
(٥) في هذه المقولة.
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
٦٧١
الجزء الثالث عشر
فوقَ قيمتِهِ ثُمَّ بيعُهُ للعمارةِ ويكونُ الرِّبحُ على الوقفِ؟ الجوابُ: نعم. أقرَّ بأرضٍ في يدِ غيرِهِ
[٢١٧٨٤ ] (قولُهُ: فوقَ قِيمِتِهِ) أي: شراهُ(١) بثمنٍ مؤجَّلٍ فوقَ ما يباعُ بثمنٍ حالٌّ؛ لأنَّ قِيمَةَ
المؤجَّلِ فوقَ قيمةِ الحالِّ.
مطلبٌ: لوِ اشْتَرَى القيِّمُ العشرةَ بثلاثةَ عشرَ فَالرِّيحُ عليه
[٢١٧٨٥) (قولُهُ: ويكونُ الرِّيحُ) أي: ما ربحَهُ بائعُ المتاعِ بسببِ النَّأجيلِ.
/ ٢١٧٨٦] (قولُهُ: الجوابُ: نعم) كذا حرَّرَه "ابنُ وهبان"، "أشباه"(٢)، لكنْ في "القنية"(٣):
((لو لم يكنْ فيه علّةٌ للعمارةِ في الحال، فاستقرَضَ العشرةَ بثلاثةَ عشرَ فِي السَّنَةِ، واشتَرَى من المقرِضِ
شيئاً يسيراً بثلاثةِ دنانيرَ يُرجِعُ فِي عَلَّتِهِ بالعشرةِ، وعليه الزِّيادةُ)) اهـ. قالَ في "البحر "(٤): ((وبه اندفعَ
ما ذكرَهُ "ابنُ وهبان": من أنّه لا جوابَ للمشايخِ فيها)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح المقدسيّ"، وكذا نقلَ
"البيريُّ" عن "الَّارِ خانَّةٌ "(٥) مثلَ ما في "القنية"، وقالَ: ((وهذا الَّذي نُفتي به، ومنشأُ ما حرَّرَه
"ابنُ وهبان" عدمُ الوقوفِ على تحريرِ الحكمِ ثَمّن تقدَّمَهُ، والعجبُ من "المصنّفِ" - أي: صاحبِ
(قولُهُ: ومنشأُ ما حرَّرَهُ "ابنُ وهبان" عدمُ الوقوفِ على تحريرِ الحكمِ ثَمّن تقدَّمَهُ إلخ) قَالَ "الْحَمَوِيُّ": ((إلاَّ
أنْ يقالَ: ما حرَّرَهُ "ابنُ وهبان" داخلٌ في الشّراءِ سيئةً، وهو ما يجوزُ حيثُ كانَ ◌َما يفعلُهُ النَّسُ لِلْزُومِ الأجلِ فيه، وأمَّا
الجمعُ بينَ القرضِ وشراءِ اليسيرِ بثمنٍ كثيرٍ ففيه ضررٌ على الوقفِ؛ لعدمِ لُزُومِ الأَجَلِ في القرضِ، وهو المقصودُ الذي
لأجلِهِ عُقِدَ الشَّرَاءُ في ذلكَ اليسيرِ فتمحَّضَ ضرراً على الوقفِ؛ إذ هو - والحالةُ هذهِ - مجرَّدُ شراءِ اليسيرِ بثمنٍ كثيرٍ))،
تأمَّل. قالَ: ((ثُمَّ رأيتُ بعضَ المتأخّرِينَ جعَلَ الكلامَينِ متخالفَينِ، ولم يُحبْ بما أجبتُ، فليتأمَّل عندَ الفتوى)) انتهى
اهم "سنديّ". وقد ذكرَ "الرَّمليُّ" نحوَ ما قَالَهُ "الحمَويُّ" من الغرقِ كما نقلَهُ في "تنقيح الحامديَّة"، ومعَ ذلكَ لم يرتضِهِ
فيها، والظّهرُ الفرقُ بينَهما؛ لظهورِ أنَّ المرادَ في مسألةِ "ابنٍ وهبان" شراؤُهُ بقيمتِهِ معَ اعتبارِ التّأجيلِ فلا غُبنَ على
الوقفِ، بخلافِ المسألةِ الثّانيةِ؛ لظهورِ الضَّرِ بشراءِ الشَّيءِ اليسيرِ بثلاثةِ دنانيرَ لاَّضاحِ العُبنِ في الشِّراءِ.
(١) في "م": ((شراء)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ ٢٢٤ -.
(٣) "القنية": كتاب الوقف - باب في تصرُّفات القيّم في الأوقاف وغلتها ق ٩٢/ب بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٣/٥.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الحادي والعشرون في المساجد ٨٤٥/٥.
حاشية ابن عابدين
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
-
٦٧٢
أنها وقفٌ وكذَّبَهُ، ثمَّ مَلَكَها صارَتْ وَقْفاً. يُعمَلُ بِالْمُصادَقةِ على الاستحقاق،
"الأشباه" - كيفَ [٣/ق ٥ ١٤/أ] اختارَهُ ورضيَ به(١)؟!)) اهـ.
[٢١٧٨٧] (قولُهُ: وكذَّبَهُ) أي: الغيرُ.
٢١٧٨٨١ ] (قولُهُ: ثمَّ مَلَكَها) أي: المُقِرُّ ولو بسببٍ جَبْرِيٍّ، "أشباه"(٢).
[٢١٧٨٩] (قولُهُ: صارَتْ وَقْقَاً) مُؤَاخَدَةً له بَزَعْمِهِ، "أشباه"(٢).
مطلبٌ في المصادقةِ على الاستحقاق
٢١٧٩٠١ ] (قولُهُ: يُعمَلُ بالمُصادَقةِ على الاستحقاقِ إلخ) أقولُ: اغتَرَّ كثيرٌ بهذا الإطلاقِ وأفَتَوْا
بسقوطِ الحقِّ بمجرَّدِ الإِقرارِ، والحقُّ الصَّوابُ: أنَّ السُّقُوطَ مُقَّدٌ بقيودٍ يعرفُها الفقيهُ، قالَ العلاَّمةُ
الكبيرُ "الخصَّاف"(٢): ((أقرَّ فقالَ: علَُّ هذهِ الصَّدقةِ لفلان دوني ودونَ النَّاسِ جميعاً بأمرٍ حقِّ
واجبٍ ثابتٍ لازمٍ عرفُهُ ولزمَني الإقرارُ له بذلكَ، قالَ: أصدّقُهُ على نفسِهِ وَأُلزِمُ ما أقرَّ به ما دامَ
حيّاً، فإذا ماتَ رَدَدْتُ الغَلَّةَ إلى مَن جعَلَها الواقفُ له؛ لأَنَّهَ لَمّا قالَ ذلكَ جعلتُهُ كأنَّ الواقفَ هو
الَّي جَعَلَ ذلكَ للمُقَرِّ له))، وعلَّلَهُ أيضاً بقولِهِ(٤): ((لجوازٍ أَنَّ الواقفَ قالَ: إنَّ له أنْ يزيدَ وَيَنقُصَ،
وأنْ يُخرِجَ وأنْ يُدخِلَ مكانَهُ مَن رأى، فيُصدَّقُ زيدٌ على حقَّهِ)) اهـ.
أقولُ: يؤخَذُ من هذا: أنّه لو عَلِمَ القاضي أنَّ المِرَّ إنّ أقرَّ بذلكَ لأخذِ شيءٍ من المالِ من المُقَرِّله
عِوَضاً عن ذلكَ لكي يَسْتَبَدَّ بالوقفِ أنَّ ذلكَ الإقرارَ غيرُ معمولٍ (٥)؛ لأنّه إقرارٌ خالِ عمَّا يُوجِبُ
(١) في هامش "م": ((قوله: كيف اختاره ورضي به))، اعلم أنَّ تصرُّفَ النَّاظر في الوقفِ مشروطٌ بالمصلحة، حتى لو اشترى ما
يساوي عشرةً بخمسة عشر لا يَنفُذُ هذا التصرُّفُ على الوقف، وحينئذٍ يكون ما ذكره "ابن وهبان" غيرَ مُعارَضٍ بِنُقُولِ
المحشّ؛ لحصولِ الغَبْنِ الفاحشِ في شراء الشَّيءٍ اليسيرِ بالثلاثة دنانير؛ فينفذُ الشّراء على المتولّي، وأمَّا العشرةُ فقد تمّ التّرِضُ فيها
على الوقفِ بعقدٍ على حِدَة، بخلاف ما ذكره "ابن وهبان" فإنه إنما اشتراه بقيمته فقط، وإن زادت على قيمته في الحال اهـ.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٤ -.
(٣) "أحكام الأوقاف": باب الرجل الموقوف عليه يقرُّ بأنَّ الوقف عليه وعلى رجل آخر صـ١٦٢- بتصرف.
(٤) "أحكام الأوقاف": باب الرجل الموقوف عليه يقرُّ بأنَّ الوقف عليه وعلى رجل آخر صـ ١٦١ -.
(٥) في "م": ((مقبول)).
الجزء الثالث عشر
٦٧٣
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
وإِنْ خَالَفَتْ كتابَ الوقفِ،.
تصحيحَهُ مَّا قَلَهُ الإِمامُ "الخصَّاف"، وهو الإقرارُ الواقعُ في زمانِنا، فتأمَّلْهُ. ولا قوَّةَ إلاَّ باللهِ،
"بيري". أي: لو عَلِمَ أَنَّه جعلَهُ لغيرِهِ ابتداءً لا يَصِحُّ كما أفادَهُ "الشَّارِحُ" بعدُ.
١ ٢١٧٩١] (قولُهُ: وإنْ خالفَتْ كتابَ الوقفِ) حَمْلاً على أنَّ الواقفَ رجِعَ عمَّا شرطَهُ،
وشرطَ ما أقرَّ به المُقِرُّ، ذكرَهُ "الخصَّافِ"(١) في بابٍ مستقلٍّ، "أشباه" (٢).
أقولُ: لم أرَ شيئاً منه في ذلكَ البابِ، وإنَّ الَّذي فيه ما نقَلَهُ "البيري" آنفاً، وليسَ فيه التَّعليلُ:
بأنّه رَجَعَ عمَّا شرطَهُ، ولذا قالَ "الحَمَويُّ)(٣): ((إنَّه مُشكِلٌ؛ لأَنَّ الوقفَ إذا لزِمَ لزِمَ مَا فِي ضِمْنِهِ
من الشُّروطِ، إلاَّ أنْ يُخرَّجَ على قولِ "الإمامِ": بعدمٍ لزومِهِ قبلَ الحكمِ، وَيُحمَلَ كلامُهُ على وقفٍ
لم يُسجَّلْ)). اهـ مُلخَّصاً.
٤٢٠
(قُولُهُ: وليسَ فيه التَّعليلُ: بِأَنَّه رَجَعَ عمَّ شرطَهُ، ولذا قالَ "الحمَويُّ": ((إنّه مُشكِلٌ إلخ)). قد يُدفَعُ الإشكالُ
بأنْ يكونَ الواقفُ قد شَرَّطَ لنفسِهِ الرُّجوعَ عمَّا شَرَطَ من تعيينِ الموقوفِ عليهم، وأنَّ له تغييرَهم بغيرِهم، أو أنَّه
شَرَطَ في أوَّلِ كلامِهِ زيداً المُقِرَّ، وفي آخرِهِ المُقَرَّله، ومعلومٌ أنَّ العبرةَ في كلامِ الواقفِ لآخرِهِ، تأمَّل.
(قولُهُ: إلاَّ أنْ يُخرَّجَ على قولِ "الإِمامِ": بعدَمُ(٤) لزومِهِ إلخ) لا يَصِحُّ ذلكَ فإِنَّه عندَهُ يكونُ مِلْكاً
للواقفِ لا حقَّ للموقوفِ عليه فيه ولا في غلَّتِهِ، إنّا يأخذُها بطريقِ الّذْرِ، وبعدَ وفاةِ الواقفِ يَبطُلُ التّصدُقُ بها
إلاَّ أنْ يُخرَّجَ على ما إذا وَقَفَ على المُقِرِّ بدونِ تسجيلٍ، ثُمَّ على المُقَرِّله وسخَّلَ.
(١) نقول: قال "الحموي" في "غمز عيون البصائر": ((أقول: قد راجعتُ عبارة "الخصَّاف" فلم أرَ فيها النَّصريحَ
بقوله: وإن كان مكتوبُ الوقف مخالفاً له وإن فُهم من كلامه، وفي بعض النسخ: لما ذكره "الخصَّاف"، وهذه
النسخة قابلة للتصحيح بالتأويل)) اهـ. انظر "غمز عيون البصائر": ٢٣٧/٢، و"أحكام الأوقاف": باب الرجل
الموقوف عليه يقرُّ بأن الوقف عليه وعلى رجل آخر صـ ١٦٠ - والله تعالى أعلم.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ ٢٢٨ -.
(٣) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف ٢٣٧/٢.
(٤) في "ب": ((بعد)) وهو تحريف.
٦٧٤
حاشية ابن عابدين
فصلٌ : يراعى شرط الواقف في إجارته
-
لكنْ في حقِّ المُقِرِّ خاصَّةً، فلو أقرَّ المشروطُ له الرَّيْعُ.
قلتُ: وَيُؤيِّدُهُ ما مرَّ(١) عن "الدُّرر" قبيلَ قولِ "المصنّفِ": ((أَتَّحدَ الواقفُ والجهةُ)):
وهذا النَّأويلُ يُحتاجُ إليه بعدَ تُبُوتِ النَّقلِ عن "الخصَّاف"، والله تعالى أعلمُ.
٢١٧٩٢١ ] (قولُهُ: لكنْ في حقِّ المُقِرِّ خاصَّةً) فإذا كانَ الوقفُ على زيدٍ وأولادِهِ ونَسْلِهِ ثُمَّ على
الفقراءِ، فأقرَّ زيدٌ بأنَّ الوقفَ عليهم وعلى هذا الرَّجلِ لا يُصدَّقُ على ولدِهِ وَنَسْلِهِ في إدخالِ النَّقْصِ
عليهم، بل تُقْسَمُ الغَلَّةُ على زيدٍ وعلى مَن كانَ موجوداً من ولدِهِ وَنَسْلِه، فما أصابَ زيداً منها كانَ
بينَهُ وبِينَ المُقَرِّ له ما دامَ زيدٌ حَيًّا، فإذا ماتَ بَطَلَ إقرارُهُ ولم يَكُنْ للمُقَرِّ له حقٌّ. وإنْ كانَ الوقفُ على
زيدٍ ثُمَّ مِنْ بعدِهِ على الفقراءِ، فأقرَّ زيدٌ بهذا الإقرارِ لهذا الرَّجلِ شاركَهُ الرَّجلُ في الغَّةِ ما دامَ حيًّا،
فإذا ماتَ زيدٌ كانَت للفقراءِ، ولم يُصدَّقْ زيدٌ عليهم، وإنْ ماتَ الرَّجلُ المُقَرُّ له وزيدٌ حيٌّ فنصفُ
الغَلَّةِ للفقراءِ، والنّصفُ لزيدٍ، فإذا ماتَ زِيدٌ صارَتِ الغَلَّهُ كُلُّها للفقراءِ. اهـ "خصَّاف"(٢) مُلخَّصاً.
قلتُ: وإنَّ عادَ نصفُ الغَلَّةِ للفقراءِ إذا ماتَ الْمُقَرُّلهُ معَ أنَّ استحقاقَ الفقراءِ بعدَ موتِ زيدٍ
في هذهِ الصُّورةِ الأخيرةِ؛ لأنَّ إقرارَهُ المذكورَ يتضمَّنُ الإقرارَ بأَنَّه لا حقَّ له في النّصَفِ الَّذي أقرَّ به
للرَّجلِ، فلا يَرجِعُ إليه بعدَ موتِ الرَّجلِ فَرجِعُ إلى الفقراءِ لعدمٍ مَن يستحقُّهُ غيرُهم، هذا ما ظَهَرَ
لي. ويُؤخَذُ منه أَنَّ لو كانَ الوقفُ على زيدٍ وأولادِهِ وذرَّتِهِ ثمَّ على الفقراءِ كما في الصُّورةِ الأُولى،
فماتَ الرَّجلُ المُقَرُّ له يَرجِعُ ما كانَ يأخذُهُ إلى الفقراءِ لا إلى زيدٍ لإقرارِهِ بأَنَّه لا حقَّ له فيه، ولا إلى
أولادِ؛ لأَنَّه لم يُقِرَّ لهم به، ولم يَنْقُصْ عليهم شيئاً من حقّهم. وكذا لو كانَ الوقفُ على زيدٍ ثمَّ
من بعدِهِ على أولادِهِ وذرِّيَّتِهِ ثمَّ على الفقراءِ، ثُمَّ ماتَ الرَّجلُ المُقَرُّ له يَرجِعُ ما كانَ يأخذُهُ إلى
الفقراء لا إلى زيدٍ - لِما قلنا - ولا إلى أولادِهِ؛ لأَنَّهم لا يستحقُّونَ شيئاً إلاّ بعدَ موتِهِ، فصارَتِ المسألةُ
(قولُهُ: وَيُؤَيِّدُهُ ما مرَّ عن "الدُّرر" إلخ) هو ما لو وَقَفَ ضَيْعةً على الفقراءِ وسلَّمَ للمُتَوِّي ثُمَّ قالَ
لوصيِّهِ: أعطِ من غلِّها فلاناً كذا وفلاناً كذا لم يَصِحَّ لخروجِهِ عن مِلْكِهِ بالتّسجيلِ، فلو قَبْلَهُ صحَّ.
(قولُهُ: فما أصابَ زيداً منها كانَ بينَه وبينَ المُقَرِّ له إلخ) أي: بِقَدْرِ ما يخصُّهُ من العَلَّةِ على تقديرٍ
أنّه من الموقوفِ عليهم، حَتّى لو كانوا أربعةً يأخذُ المُقَرُّ له حُمُسَ ما أخذَهُ الْمُقِرُّ.
(١) صـ ٤٤١ - "در".
(٢) "أحكام الأوقاف": باب الرجل الموقوف عليه يقرُّ بأن الوقف عليه وعلى رجل آخر صـ ١٦٠ -.
الجزء الثالث عشر
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
٦٧٥ --
أوِ النَّظَرُ أَنَّه يستَحِقُّهُ فلانٌ دونَهُ.
في حكمٍ مُنقَطِعِ الوَسَطِ الَّذي بيَّنَّهُ قبيلَ الفروعِ(١)، كما حرَّرناهُ في "تنقيح الحامديَّة"(٢)، فاغتنمُ
هذهِ الفائدةَ السَّنِيَّةَ.
مطلبٌ في المُصادَقةِ على النّظَرِ
[٢١٧٩٣] (قولُهُ: أوِ الَّظَرُ) أفادَ أنَّ الإقرارَ بالنّظَرِ مثلُ الإِقرارِ بِرَيْعِ الوقفِ أي: غُلَّتِهِ، فلو أقرَّ
النَّاظِرُ أنَّ فلاناً يَستَحِقُّ معَهُ نصفَ النَّظَرِ مثلاً يُؤَاخِذُ بإقرارِه ويُشارِكُهُ فلانٌ في وظيفتِهِ ما داما
حَّين. بَقِيَ ما لو ماتَ أحدُهما: فإنْ [٣/قد١٤ /ب] كانَ هو المُقِرَّ فالحكمُ ظاهرٌ وهو بطلانُ الإقرارِ
وانتقالُ النَّظَرِ لَمن شرطَهُ له الواقفُ بعدَهُ، وأمَّا لو ماتَ المُقَرُّ له فهي مسألةٌ تَقَعُ كثيراً، وقد سُئِلتُ
عنها مراراً، والّذي يقتضيهِ النّظَرُ بطلانُ الإقرارِ أيضاً، لكنْ لا تعودُ الحصَّةُ الْمُقَرُّ بها إلى المقرِّ لِما
مرّ(٣)، وإنَّا يُوجِّهُها القاضي للمُقِرِّ أو لِمَن أرادَ من أهلِ الوقفِ؛ لأَنّا صحَّحنا إقرارَهُ حَمْلاً على أنَّ
الواقفَ هو الَّذِي جَعَلَ ذلكَ للمُقَرِّ له كما مرَّ(٣) عن "الخصَّاف"، فيصيرُ كأنّه جعلَ النَّظَرَ لاثنينِ،
قالَ في "الأشباه"(٤): ((وما شرطَهُ لاثنينِ ليسَ لأحدِهما الانفرادُ، وإذا ماتَ أحدُهما أقامَ القاضي
غيرَهُ، وليسَ للحيِّ الانفرادُ إلَّ إذا أقامَهُ القاضي كما في "الإسعاف"(٥)) اهـ. ولا يُمكِنُ هنا القولُ
بانتقال ما أقرَّ به إلى المساكينِ كما قلنا (٦) في الإقرارِ بالغَلَّةِ؛ إذ لا حقَّ لهم في النَّظَرِ، وإنّا حقُّهم في
الغَلَّةِ فقط، هذا ما حرَّرتُهُ في "تنقيح الحامديَّةِ(٧)، ولم أرَ مَن نَّه عليه، فاغتنمْهُ.
(١) المقولة [٢١٧٤٣] قوله: ((وتصرف الغلَّة للفقراء إلخ)).
(٢) "العقود الدرِّية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الوقف - الباب الثاني في أحكام استحقاق أهل الوقف إلخ ١٨٥/١.
(٣) المقولة [٢١٧٩٢] قوله: ((لكن في حقّ المقرّ خاصّة)).
(٤) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ ٢٢٨ -.
(٥) "الإسعاف": باب الولاية على الوقف صـ ٥٤ -.
(٦) المقولة [٢١٧٩٠] قوله: ((يُعْملُ بالمصادقةِ على الاستحقاق إلخ)).
(٧) "العقود الدرِّية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الوقف - الباب الثاني في أحكام استحقاق أهل الوقف إلخ ١٨٥/١.
حاشية ابن عابدين
٦٧٦
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
صحَّ، ولو جعلَهُ لغيرِهِ لا، وسيجيءُ(١) آخرَ الإقرارِ،.
[٢١٧٩٤ ] (قولُهُ: صحَّ) أي: الإقرارُ المذكورُ، والمرادُ أَنَّه يُؤَاخَذُ بإقرارِه حيثُ أمكنَ
تصحيحُهُ، أمَّا لو كانَ في نفسِ الأمرِ أقرَّ كاذباً لا يَحِلُّ للمقَرِّ له شيءٌ ثَمَا أقرَّ به كما صرَّحوا به في
غيرِ هذا المَحَلِّ؛ إذِ الإقرارُ إخبارٌ لا تمليكٌ، على أنَّ النَّمليكَ هنا غيرُ صحيحٍ.
مطلبٌ في جعلِ النَّظَرِ أو الرَّيْعِ لغيرِهِ
[٢١٧٩٥] (قولُهُ: ولو جعلَهُ لغيرِهِ لا) أي: لا يصيرُ لغيرِهِ؛ لأنَّ تصحيحَ الإقرارِ إنَّا هو معاملةٌ
له بإقرارِهِ على نفسِه من حيثُ ظاهرُ الحالِ تصديقاً له في إخبارِهِ، معَ إمكانٍ تصحيحِهِ حَمْلاً على أنَّ
الواقفَ هو الَّذِي جَعَلَ ذلكَ للمُقَرِّ له كما مرَّ(٢)، أمَّا إذا قالَ المشروطُ له الغَلَّةُ أو النَّظَرُ: جعلتُ
ذلكَ لفلانٍ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه ليسَ له ولايةُ إنشاءِ ذلكَ من تِلْقَاءِ نفسِهِ، وفَرِقٌ بينَ الإخبارِ والإنشاءِ،
نَعَمْ لو ◌َعَلَ النَّظَرَ لغيرِه في مرضٍ موتِه يَصِحُّ إنْ لم يُخالِفْ شرطَ الواقفِ؛ لأَنَّه يصيرُ وصِيًّا عنه،
وكذا لو فَرَغَ عنه لغيرِهِ وقرَّرَ القاضي ذلكَ الغيرَ يَصِحُّ أيضً؛ لأَنَّه يَمِلِكُ عزلَ نفسِهِ، والفراغُ عَزْلٌ،
ولا يصيرُ المفروغُ له ناظراً بمجرَّدٍ الفراغ، بل لا بدَّ من تقريرِ القاضي كما حرَّرناهُ(٣) سابقاً، فإذا
قرَّرَ القاضي المفروغَ له صارَ ناظراً بالنَّقريرِ لا بمجرَّدِ الفراغِ، وهذا غيرُ الْجَعْلِ المذكورِ هنا، فافهم.
وأمَّا جَعْلُ الرَّيْعِ لغيرِهِ فَقالَ "ط (٤): ((إنْ كانَ الجَعْلُ بمعنى النَّبْرعِ بمعلومِه لغيرِهِ بأنْ يُؤكِّلَه لَقْبِضَهُ
(قولُهُ: أمَّا إذا قالَ المشروطُ له الغَلَّهُ أو النَّظَرُ: جَعَلْتُ ذلكَ لفلانٍ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه ليسَ له ولايةُ
إنشاءِ ذلكَ إلخ) قد يُقالُ: يُمكِنُ تصحيحُ ذلكَ بأنْ يكونَ الواقفُ جَعَلَ له ولايةَ التّغييرِ نحوُ ما تقدَّمَ في
توجيهِ تصحيحِ الإقرارِ.
(قولُهُ: وهذا غيرُ الجَعْلِ المذكورِ هنا، فافهم) اعتراضُ "ط" بأنَّ ما في "الشَّارحِ" من عدمِ صحَّةٍ
الجَعْلِ يُنافي ما قدَّمَهُ "الشَّارِحُ" بقولِهِ: ((وعن واقفٍ شَرَطَ مُرتّباً لرجلٍ معيَّنٍ ثُمَّ من بعدِهِ للفقراءِ فَفَرِغَ
عنه لغيرِهِ ثُمَّ ماتَ هل يَنتقِلُ للفقراءِ؟ فأجبتُ: بالانتقالِ)) إلى آخرِ ما ذكرَهُ "ط".
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٢٨٣٨٦] قوله: ((ولو جعله إلخ)).
(٢) المقولة [٢١٧٩٠] قوله: ((يُعملُ بالمصادقة على الاستحقاق إلخ)).
(٣) المقولة [٢١٥٠٥] قوله: ((فلو مأموناً لم تصحَّ تولية غيره)).
(٤) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦٢/٢.
الجزء الثالث عشر
٦٧٧ - فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
..
له ثمَّ يأخذَهُ لنفسِه فلا شُبْهَةَ في صحَّةِ الْتّبُرُّعِ به، وإنْ كانَ بمعنى الإسقاطِ فقالَ في "الخانَيَّة"(١): إنَّ
الاستحقاقَ المشروطَ كارثٍ لا يَسقُطُ بالإسقاطِ)) اهـ.
قلتُ: ما عزاهُ لـ "الخانية"(١) اللهُ أعلمُ بُوتِهِ فراجعْها، نَعَمْ المنقولُ في "الخانَيَّة" ما سيأتي(٢)،
وقد فرَّقَ في "الأشباه"(٣) في بحثِ ما يَقبَلُ الإسقاطَ من الحقوقِ بينَ إسقاطِه ◌ُعَّنِ وغيرِ معَيَّنٍ،
وذَكَرَ ذلكَ في جملةٍ مسائلَ كَثُرَ السُّؤَالُ عنها ولم يَجِدُ فيها نقلاً فقالَ(٢): ((إذا أسقط المشروطُ لَّهُ
الرَّيْعُ حقَّهُ لا لأحدٍ لا يَسقُطُ كما فِهِمَه "الطَّرَسُوسيُّ"، بخلافِ ما إذا أسقطَ حقَّهُ لِغيرِهِ)) اهـ.
٤٢١/٣ أي: فإنّه يَسقُطُ، لكنّهَ ذَكَرَ أَنَّه لا يسقطُ مطلقاً في رسالتِهِ المؤلّفةِ في "بيانِ ما يَسقُطُ من الحقوقِ
وما لا يَسقُطُ (٤) أخذاً ◌ّا في شهاداتِ "الخانيّة "(٢): ((مَن كانَ فقيراً مِن أصحابِ المدرسةِ يكونُ
مُستحِقًّا للوقفِ استحقاقاً لا يَبطُلُ بإبطالِهِ، فلو قالَ: أبطلتُ حقّي كانَ له أنْ يأخذَهُ)) اهـ.
قلتُ: لكنْ لا يخفى أنَّ ما في "الخانيَّة" إسقاطٌ لا لأحدٍ، نَعَمْ ينبغي عدمُ الفرقِ؛ إذ الموقوفُ
عليه الرَّْعُ إِنَّ يستحقُّهُ بشرطِ الواقفِ، فإذا قالَ: أسقطتُ حقّي منه لفلانٍ أو جعلتُهُ له يكونُ مخالِفاً
الشرطِ الواقفِ، حيثُ أدخلَ في وقفِهِ ما لم يرضَهُ الواقفُ؛ لأنَّ هذا إنشاءُ استحقاق، بخلافِ إقرارِهِ
بأَنَّه يستحقُّهُ فلانٌ، فإنَّه إخبارٌ يُمكِنُ تصحيحُهُ كما مرَّ(٦)، ثمَّ رأيتُ "الخيرَ الرَّمليَّ)(٧) أفتى بذلكَ،
وقالَ(٧) بعدَ نقلِ ما في شهاداتِ "الخانَيَّة": ((وهذا في وقفِ المدرسةِ، فكيفَ في الوقفِ على الذُّرِيَّةِ
المستحقّينَ بشرطِ الواقفِ من غيرِ توقُّفٍ على تقريرِ الحاكمِ (٨)، وقد صرَّحوا بأنَّ شرطَ الواقفِ
(١) لم نعثر على المسألة في مظانها في نسخة "الخانية" التي بين أيدينا.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجَمْعُ والفَرْقُ صـ٣٧٧ -.
(٤) "الرسالة الخامسة عشرة في بيان ما يسقط من الحقوق بالإسقاط": صـ١٤٢ - (ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين").
(٥) "الخانية": فصلٌ فيمن لا تقبل شهادته للتّهمة ٤٦٨/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [٢١٧٩٠] قوله: ((يُعملُ بالمصادقةِ على الاستحقاق إلخ)).
(٧) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ٢٠١/١.
(٨) في "الخيرية": ((الحكم)).
حاشية ابن عابدين
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
-
٦٧٨
ولا يكفي صَرْفُ النَّاظِرِ لُبُوتِ استحقاقِهِ، بل لا بُدَّ مِن إثباتِ نسِبِهِ، ...
كنصِّ الشَّارعِ؟! فأشبهَ الإرثَ في عدمٍ قَبولِهُ الإسقاطَ، وقد وَقَّعَ لبعضِهِم في هذهِ المسألةِ كلامٌ
يَجِبُ أنْ يُحذَرَ [٣/ق ١٤٦ /أ])) اهـ.
مطلبٌ: لا يكفي صرفُ النَّاظِرِ لثبوتِ الاستحقاق
/٢١٧٩٦) (قولُهُ: ولا يكفي صَرْفُ النَّظرِ إلخ) أي: لوِ ادَّعى رجلٌ أَنَّه من ذرِّيَّةِ الواقفِ
مُتمسِّكاً بأنَّ النَّاظِرَ كانَ يَدَفَعُ له الاستحقاقَ لا يكفي، بل لا بدَّ من إثباتِ نسِهِ، وفي "الخيرِيَّةِ"(١)
في جواب سؤالٍ: ((أَنَّ الشَّهادَةَ بأَنَّه هو وأبوهُ وجدّهُ مُتصرِّفُونَ في أربعةِ قراريطَ لا يَتْبُتُ به
المُدَّعَى، كمَنِ ادَّعى حقَّ المرورِ أو رَقَبَةَ الطَّريقِ على آخرَ وبرهنَ أَنَّه كانَ يَمُرُّ في هذهِ لا يَستَحِقُّ به
شيئاً كما صرَّحَ به غالبُ علمائِنا، والشَّاهِدُ إذا فسَّرَ للقاضي أنَّه يَشْهَدُ بُمعاينَةِ البدِ لا تُقْبَلُ شهادتُهُ،
وأنواعُ النَّصِرُّفِ كثيرةٌ، فلا يَحِلُّ الحكمُ بالاستحقاقِ في عَلَّةِ الوقفِ بالشَّهادةِ بأَنَّه هو وأبوهُ وجدُّهُ
مُتَصرِّفُونَ، فقد يكونُ تصرُّفُهم بولايةٍ أو وكالةٍ أو غَصْبٍ أو نحوِ ذلكَ، وثمّا صرَّحوا به
أنَّ دعوى بُنُوَّةِ العمِّ تحتاجُ إلى ذِكْرٍ نِسْبةِ الأبِ والأَمِّ إلى الجدِّ ليصيرَ معلوماً؛ لأنَّ انتسابَهُ بهذهِ
النّسْبَةِ ليسَ بثابتٍ عندَ القاضي فُيُشترَطُ البيانُ لَيَعلمَ؛ لأَنَّه لا يَحصُلُ العلمُ للقاضي بدونِ ذِكْرِ الجَدِّ،
(قولُهُ: متمسِّكاً بأنَّ النّاظرَ كانَ يَدِفَعُ له الاستحقاقَ إلخ) ظاهرُ التّعبيرِ بـ: ((كانَ)) يُفيدُ أَنَّه لو
كانَ يأخُذُ لحينِ المخاصمةِ ليسَ للّاظِرِ منعُهُ من الأخذِ، ويَدُلُّ لذلكَ أَنَّه لو كانَ يَمُرُّ في الطَّريقِ لحينِ
المخاصمةِ يكونُ له حقُّ المرورِ، ولا يُقبَلُ قولُ مالكِ الأرضِ: إنّه ليسَ له حقٌّ كما ذكروا ذلكَ وإنْ
كانَتِ العلّةُ تفيدُ قبولَ قولِهِ، فتأمَّل. لكنْ في "الحامديَّة": ((أَنَّه يُؤمَرُ النَّاظِرُ بدفعِ الاستحقاقِ حسبَ
الَّصرُّفِ القديمِ، وأَنَّ الشَّيخَ "إسماعيل" أفتى بأنَّ النَّصرُّفَ القديمَ ووَضْعَ اليدِ من أقوى الحججِ، وأَنَّه
يُعْمَلُ بتصرُّفِ النّظَّارِ السَّابِقِينَ، وقالَ: إِنَّ سدَّ بابِ التّصرُّفِ القديمِ يُؤدِّي إلى فتحٍ بابِ خَلَلٍ عظيمٍ،
وذَكَرَ عن "الخانَيَّة" أنَّه أفتى فيها. كما ذكرَهُ "الشَّارِحُ"))، فتأمَّل.
(١) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٦٥/١.
الجزء الثالث عشر
فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
٦٧٩ _
وسيجيءُ في دعوى(١) تُبُوتِ النَّسَبِ.
والمقصودُ هنا العلمُ بالنّسبةِ إلى الواقفِ، وكونُهُ ابنَ عمِّ فلان لا يتحقَّقُ به استحقاقٌ من وقفِ الجدِّ
الأعلى؛ لتحقُّقِ العمومةِ بأنواعٍ منها العُمُّ للأمِّ)) اهـ.
قلتُ: هذا ظاهرٌ فيما إذا أرادَ إثباتَ أَنَّه من ذرِيَّةِ الواقفِ بمجرَّدٍ كونِه ابنَ عمِّ فلانِ الَّذي هو
من ذرِّيَّةِ الواقفِ، فحينئذٍ لا بدَّ من إثباتِ نَسَبِهِ إلى الجدِّ الجامعِ، وأمَّا لوِ ادَّعى أنَّه من ذرِيَّةِ الواقفِ
المستحقّينَ للوقفِ فالظَّاهرُ: أَنَّه يكفي إثباتُ ذلكَ بدونِ ذكرِ النَّسبِ إذا كانَ الوقفُ على الذُّرِّيةِ؟
لأَنَّه يَحصُلُ المقصودُ بذلكَ؛ لأَنَّه لا يختلفُ ذلكَ، بخلافِ بنوَّةِ العمِّ؛ لأَنَّه قد يكونُ ابنَ عمِّ للمتوفَى
ولا يكونُ من ذرِيَّةِ الواقفِ؛ لكونِه ابنَ عمِّ لأمِّ، تأمَّل. وسيأتي(٢) أنَّه لو وَقَفَ على فقراءِ قرابِهِ
لا بدَّ من إثباتِ القرابةِ وبیانِ جهتها.
[٢١٧٩٧ ] (قولُهُ: وسيجيءُ(٣) في دعوى ثُبُوتِ النَّسَبِ) أي: في الفروعِ حيثُ قَالَ "الشَّارِعُ":
((ولو أحضرَ رجلاً ليدَّعِيَ عليه حقًّ لأبيهِ وهو مُقِرٍّ به أَوْ لا فله إثباتُ نَسَبِهِ عندَ القاضي بَحَضْرةٍ
ذلكَ الرَّجلٍ))، "ط (٤).
(قولُهُ: وسيأتي أَنَّه لو وَقَفَ على فقراءٍ قرائِهِ لا بُدَّ من إثباتِ القرابةِ وبيانٍ جهتها) لتنوُّعِها فلا بُدَّ من بيان
نوعِها، بخلاف ما لو ادَّعى أنَّه من الذُّرِّيّةِ لعدمِ الّوُّعِ فيها؛ لأَنّها نوعٌ واحدٌ وهو الانتسابُ بالفرعيَّةِ. ثُمَّ رأيتُ
في الفصلِ الثامنِ من وقفِ "تتمَّة الفتاوى" ما يُفيدُ أنَّ ما استظهرَهُ خلافُ النَقلِ، ونصُّهُ: ((فإذا حَضَرَ القَّيِّمُ وجاءَ
- يعني مدَّعِى القرابةِ - بشاهدَينِ على أنَّه قريبُ هذا الواقفِ فالقاضي لا يقبَلُ شهادتَهما حتّى يشهدا بَنَسَبٍ
معلومٍ، فيشهدا أَنَّه ابْنُهُ أو أخوهُ أو عمُّهُ أو ابنُ عمِّهِ وما أشبه ذلك، وينبغي معَ ذلكَ أنْ يُبِّوا أَنَّه أخوهُ لأبيهِ وأمِّهِ
أو لأبيهِ أو لأُمِّهِ، والجوابُ في هذا نظيرُ الجوابِ في (فصلِ الميراثِ) إذا شهدوا بوِراثةِ رجلٍ، وكذلكَ على هذا:
إذا وَقَفَ على نَسْلِهِ فجاءَ رجلٌ يدَّعي أنّه من نَسْلِ الواقفِ وأقامَ على ذلكَ بَيِّنَةً لا تُقبَلُ شهادتُهم ما لم يُبِنُوا أَنَّه
ولدُهُ لصُلْبِهِ أو ولدُ اينِهِ أو ولدُ بنتِهِ أو ما أشبهَ ذلكَ)) اهـ.
(١) في "ط": ((في باب دعوى)).
(٢) المقولة [٢١٨٣٠] قوله: ((ولو وقفَ على فقراء قرابتهِ إلخ)).
(٣) ٥٩/٢ التكملة.
(٤) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦٢/٢.
٦٨٠ - فصلٌ: يراعى شرط الواقف في إجارته
حاشية ابن عابدين
مَتَى ذَكَرَ الواقفُ شرطينٍ مُتَعارِضَينِ يُعمَلُ بِالْتَأَخِرِ منهما عندنا؛ لأَنَّه ناسخٌ للأوَّلِ.
الوصفُ بعدَ الجُمَلِ يُرجِعُ إلى الأخيرِ عندنا، وإلى الجميعِ عندَ الشافعيّةِ لو بـ ((الواو))،
ولو بـ(ثُمَّ)) فإلى الأخيرِ اتّفاقً، الكلُّ من وَقْفِ "الأشباهِ"(١). وتمامُهُ (٢) في القاعدةِ
التاسعةِ. مَتَى(٣) وَقَفَ حالَ صحَّتِهِ وقال: على الفريضةِ الشَّرعيةِ قُسِمَ على
ذُكورِهم وإنائِهِم بالسَّيَّةِ، هو المختارُ المنقولُ عنِ الأخيارِ.
مطلبٌ: مَتَى ذَكَرَ الواقفُ شرطَيْنِ مُتَعَارِضَينِ يُعمَلُ بِالْتَاخِّرِ
[٢١٧٩٨] (قولُهُ: مَتَى ذَكَرَ الواقفُ شرطَينِ مُتَعارِضَينِ إلخ) في "الإسعاف"(٤): ((لو كَنَبَ
أوَّلَ كتابِ الوقفِ: لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُملَكُ، ثُمَّ قَالَ في آخرِهِ: على أنَّ لفلان بيعَهُ
والاستبدالَ بثمنِهِ ما يكونُ وَقْفاً مكانَهُ جازَ بيعُهُ، ويكونُ الثّاني ناسخاً للأوَّلِ، ولو عَكَسَ بأنْ
قالَ: على أنَّ لفلانٍ بيعَهُ والاستبدالَ به، ثمَّ قالَ آخرَهُ: لا يُباعُ ولا يُوهَبُ لا يجوزُ بيعُهُ؛ لأَنَّه
رجوعٌ عمَّ شرطَهُ أَوَّلاً))، وهذا إذا تعارضَ الشَّرطانِ، أمَّا إذا لم يتعارضًا و(٥) أمكنَ العملُ بهما
وجبَ، كما ذكرَهُ "البيري" في القاعدةِ النَّاسعةِ من "الأشباه"(٦)، وما ذكروهُ داخلٌ تحتَ قولهم:
شرطُ الواقفِ كنصِّ الشَّارِعِ، فإنَّ النَّصَّينِ إذا تعارضَا عُمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ منهما، "ط)(٢).
/٢١٧٩٩] (قولُهُ: الوصفُ بعدَ الجُمَلِ إلخ) سيذكرُ "الشَّارِحُ(٨) هذهِ المسألةَ عن نظمٍ "المحبَّةُ"
معَ ما يُناسِبُها، وسيأتي(٨) الكلامُ على ذلكَ.
٢١٨٠٠١] (قولُهُ: مَتَى وَقَفَ) أي: على أولادِهِ؛ لأَنّه مَنْشُ الجوابِ المذكورِ كما تَعرِفُهُ، وبه
يَظَهرُ فائدةُ النَّقَبِيدِ بقولِهِ: ((حالَ صحَّتِهِ)).
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٦ -.
(٢) انظر "الأشباه والنظائر": إعمالُ الكلام أولى من إهماله متى أمكن صـ ١٧٠ -.
(٣) في "ط": ((من)).
(٤) "الإسعاف": باب في الوقف الباطل وفيما يبطلُهُ صـ ٣٨ -.
(٥) في "ك": ((أو)).
(٦) "الأشباه والنظائر": إعمالُ الكلام أولى من إهماله متى أمكن - بيان بعض مسائل الوقف صـ ١٧٠ -.
(٧) "ط": كتاب الوقف - فصلٌ: يُراعى شرط الواقف ٥٦٢/٢.
(٨) صـ٧٢٩ - وما بعدها "در".